Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.
стр. 3851
سنك، يا رسول الله؟ قال: "نزلت علي سورة آنفًا فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ . ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي، عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك".
الحواشي
(١) الأبي: عبروا بالضحك عن التبسم لوضوح البسم منه ﷺ ، فعبروا عنه بالضحك، "قال: نزلت علي سورة آنفًا" أي: قريبًا، "فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ، فهم منه فاهمون أن السورة نزلت في تلك الإغفاءة؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي.
قال في الإتقان: والأشبه أن القرآن كله نزل يقظة، وأجاب الرافعي؛ بأنه خطر له في النوم سورة الكوثر، المنزلة في اليقظة، أو عرض عليه الكوثر الذي نزلت فيه السورة، فقرأها عليهم، "فسره لهم، أو الإغفاء ليست نومًا، بل هي البرحاء التي كانت تعتريه عند الوحي".
قال في الإتقان: والأخير أصح من الأول؛ لأنه قوله: أنزل علي آنفًا، بدفع كونها نزلت قبل ذلك.
"ثم قال: "أتدرون ما الكوثر؟ "، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنه نهر" داخل الجنة، كما رآه المصطفى ليلة المعراج، كما مر في حديث أنس في الصحيح، "وعدنيه ربي" بقوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ، "عليه خير كثير" منه قوله سابقًا: حافتاه قباب الدر، وطينه مسك أذفر، "وهو حوض"، أي: نهر في الجنة، يسيل في حوض، "ترد عليه أمتي يوم القيامة" وفي رواية لأحمد: ويفتح نهر الكوثر إلى الحوض.
وفي مسلم عن أبي ذر: أن الحوض يشخب فيه ميزابان من الجنة، قال المصنف: ويطلق على الحوض كوثر، لكونه يمد منه.
وقال الحافظ: وهذا النهر هو الذي يصب في الحوض، فهو مادة الحوض، كما جاء صريحًا في البخاري، "آنيته عدد النجوم" ولأحمد من رواية الحسنن عن أنس: أكثر من عدد نجوم السماء.
وفي الصحيحين من حديث ابن عمرو: "وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه فلا يظمأ أبدًا"، "فيختلج" "بضم التحتية، وسكون المعجمة، وفتح الفوقية"، واللام، وبالجيم مبني للمفعول" أي: يجتذب ويقتطع $"العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي" فلم أخرج منهم، "فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك" من الردة عن الإسلام والمعاصي، فيمنعون من الحوضстр. 3852
وهذا تفسير صريح منه ﷺ بأن المراد بالكوثر -هنا- الحوض، فالمصير إليه أولى، وهذا هو المشهور كما تقدم.
فسبحان من أعطاه هذه الفضائل العظيمة وشرفه بهذه الخصال العميمة، وحباه بما أفاضه عليه من نعمه الجسيمة.
وقد جرت عادة الله تعالى مع أنبيائه عليهم الصلاة والسلام أن يناديهم بأسمائهم الأعلام نحو: ﴿يَا آدَمُ اسْكُن﴾ [البقرة: ٣٥] ﴿يَا نُوحُ اهْبِط﴾ [هود: ٤٨] ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّه﴾ [القصص: ٣٠] ، ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ .
الحواشي
(١) حتى يطهروا من ذنوبهم، وأحضر المرتدون" زيادة لتنكيلهم، وحسرتهم، "وهذا تفسير صريح منه ﷺ بأن المراد بالكوثر هنا الحوض" أي: النهر الذي يصب في الحوض بدليل قوله نهر، "فالمصير إليه أولى" أي: أحق وأوجب.
وقول الشارح: أي: من حيث الاعتبار، فلا ينافي ما قدمه من أنه واجب فيه، أنه لم يقدم ذلك، إنما قدم الوجوب في تفسيره بغير ذلك، "وهذا هو المشهور، كما تقدم" في قوله: إنه نهر في الجنة، وهذا هو المشهور المستفيض عند السلف والخلف، وهذا صريح في تأويل قوله الكوثر: الحوض بما قلناه؛ لأنه الذي قدمه.
وقد قيل: إن المراد به الحوض الذي في القيامة على ظاهر الحديث، فلا تأويل، وقيل: الشفاعة، وقيل: المعجزات الكثيرة، وقيل: المعرفة، أي: العلوم اللدنية التي أفاضها عليه بلا واسطة، فكأنها كوثر، وقيلك تخفيفات الشريعة، وقيل: كثرة الأمة، ومغايرته لكثرة الأتباع بحمله على أصحابه لكثرتهم على اتباع غيره عن المرسلين جدا، وقيل: رفعة الذكر، وقيل: الدعوات المجابات له، وقيل: كلمة التوحيد لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وقيل: الخمس صلوات التي خصت بها أمته، فهذه عشرة، والمصنف حكى عشرة، فتلك عشرون أصحها الأول.
"فسبحان من أعطاه هذه الفضائل العظيمة، وشرفه بهذه الخصال العميمة، وحباه" بموحدة "بما أفاضه عليه من نعمه" جمع نعمة، "الجسيمة، وقد جرت عادة الله تعالى مع أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، أن يناديهم بأسمائهم الأعلام نحو: ﴿يَا آدَمُ اسْكُن أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ ، وبدأ به؛ لأنه أبو البشر المقدم عليهم، ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ ، وكذا يا إبراهيم، وقد صدقت الرؤيا، ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّه﴾ ، ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ ، ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ ، ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ ، ﴿خُذِ الْكِتَاب﴾ .стр. 3853
[المائدة: ١١٠] ، وأما نبينا محمد ﷺ فناداه بالوصف الشريف من الإنباء والإرسال فقال: يا أيها النبي، يا أيها الرسول. ولله در القائل:
ودعا جميع الرسل كلا باسمه ... ودعاك وحدك بالرسول وبالنبي
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ولا يخفى على أحد أن السيد إذا دعا عبيده بأفضل ما أوجد لهم من الأوصاف العلية والأخلاق السنية، ودعا الآخرين بأسمائهم الأعلام التي لا تشعر بوصف من الأوصاف، ولا بخلق من الأخلاق، أن منزلة من دعاه بأفضل الأسماء والأوصاف أعز عليه، وأقرب إليه ممن دعاه باسمه
الحواشي
(١) "وأما نبينا محمد ﷺ ، فناداه بالوصف الشريف من الإنباء والإرسال" الدال على التعظيم والملاطفة لمنزلته عنده، "فقال: يا أيها النبي، يا أيها الرسول" يا أيها المزمل، يا أيها المدثر، فلم يذكر باسمه في النداء تعظيمًا، وذكر في الخبر، كقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُول﴾ ، ﴿ُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّه﴾ ، ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ؛ لأنه ورد مورد التعيين والإعلام؛ بأن صاحب هذا الاسم هو الرسول، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] الآية، لما لم يورد هذا المورد لم يذكر اسمه.
"ولله در القائل:
ودعا جميع الرسل كلا باسمه ... ودعاك وحدك بالرسول وبالنبي
دعا: نادى، ومراد المصنف خطاب الله تعالى له في القرآن باسمه، فلا يرد عليه، كما توهم خطابه بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت﴾ [القصص: ٥٦] الآية، وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] الآية، وقوله في المحشر: ارفع رأسك وقل تسمع يا محمد ولم يقل: يا أيها النبي، أو يا أيها الرسول، وإن قيل: حكمته أنه أخصر، ففيه سرعة إجابته، وتطويل الكلام لا يناسب مقام الإذن في الشفاعة، وقد سرى هذا التشريف ببركته إلى أمته.
ففي الخصائص: إن الله شرفهم بخطابهم في القرآن، بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ، وخاطب الأمم السالفة بيا أيها المساكين.
"قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ولا يخفى على أحد أن السيد إذا دعا"، نادى "عبيده بأفضل ما أوجد لهم" أعطاهم، "من الأوصاف العلية، والأخلاق السنية" بمعنى العلية فحسنه اختلاف اللفظ، "ودعا آخرين" وفي نسخة: غيرهم "بأسمائهم الأعلام التي لا تشعر بوصف من الأوصاف، ولا بخلق" "بضمتين" "من الأخلاق" دل دعاؤه لذلك البعض على "أن منزلة من دعاه بأفضل الأسماء والأوصاف أعز عليه وأقرب إليه ممن دعاه باسمه العلم"،стр. 3854
العلم، وهذا معلوم بالعرف: أن من دعي بأفضل أوصافه وأخلاقه كان ذلك مبالغة في تعظيمه واحترامه. انتهى.
وانظر ما في نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] من ذكر "الرب" تعالى وإضافته إليه ﷺ ، ومال في ذلك من التنبيه على شرفه واختصاصه وخطابه، وما في ذلك من الإشارة اللطيفة، وهي أن المقبل عليه بالخطاب، له الحظ الأعظم، والقسم الأوفر من الجملة المخبر بها إذا هو في الحقيقة أعظم خلفائه.
ألا ترى إلى عموم رسالته ودعائه، وجعله أفضل أنبيائه، أم بهم ليلة إسرائه، وجعل آدم فمن دونه يوم القيامة تحت لوائه، فهو المقدم في أرضه وسمائه، وفي دار تكليفه وجزائه.
وبالجملة، فقد تضمن الكتاب العزيز من التصريح بجليل رتبته، وتعظيم
الحواشي
(١) فالمقدر جواب، إذ؛ لأن لفظ أن الفرد لا يقع جوابًا لإذا، وجملة، إذا من الشرط والجواب خبر أن السيد.. إلخ.
"وهذا معلوم بالعرف؛ أن من دعي بأفضل أوصافه وأخلاقه كان ذلك مبلاغة في تعظميه واحترامه. انتهى" إذا العدول عن الاسم العلم يقتضي ذلك عرفًا، ولذا قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] .
"وانظر" نظر تأمل وتدبر في المعاني المستنبطة من الألفاظ، "ما في نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] الآية، من ذكر الرب تعالى" المشعر بمزيد الرأفة "وإضافته" أي: رب، "إليه ﷺ " بقوله: ربك، "وما في ذلك من التنبيه على شرفه" بإضافته إليه، "واختصاصه وخطابه، وما في ذلك من الإشارة اللطيفة، وهي أن المقبل عليه بالخطاب له الحظ الأعظم والقسم الأوفر من الجملة المخبر بها"، وهي هنا خلافة الله في الأرض، فلا ريب أن له النصيب الأوفى منها، "إذ هو في الحقيقة أعظم خلفائه، ألا ترى إلى عموم رسالته ودعائه" الخلق إلى ذلك: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] "وجعله أفضل أنبيائه"، بدليل أنه "أم بهم ليلة إسرائه" بتقديم جبريل له، والحق في الإمامة للأفضل، "وجعل آدم فمن دونه" أي: فمن بعده، "يوم القيامة تحت لوائه، فهو المقدم في أرضه وسمائه، وفي دار تكليفه" الدنيا "وجزائه" الاخرة" وبالجملة فقدстр. 3855
قدره، وعلو منصبه، ورفعة ذكره ما يقضي بأنه استولى على أقصى درجات التكريم، ويكفي إخباره تعالى بالعفو عنه ملاطفة قبل ذكر العتاب في قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] ، وتقديم ذكره على الأنبياء تعظيمًا له، مع تأخره عنهم في الزمان في قوله تعالى: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] وأخباره بتمني أهل النار طاعته في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: ٦٦] ، وهذا بحر لا ينفد وقطر لا يعد.
الحواشي
(١) تضمن الكتاب العزيز" القوي الغالب، "من التصريح بجليل رتبته وتعظيم قدره"، أي: رتبته وشرفه، "وعلو منصبه"، بزنة مسجد العلو والرفعة، كما في المصباح كغيره، "ورفعة ذكره ما يقضي بأنه استولى على أقصى درجات التكريم" أي: أعلاها، "ويكفي إخباره تعالى بالعفو عنه ملاطفة" معاملة وشفقة، والماعلة مجازية لتنزيل استحقاقه بمنزلة فعله، أو هي لأصل الفعل بلا مشاركة، "قبل ذكر العتاب في قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] فقدم عفا الله عنك، دعامة تقصد بها الملاطفة، إذ هو خبر معناه: لا عهدة عليك، وليس المعنى أن الإذن ذنب يتعلق به العقوبة؛ لأن مسامحته لهم مع أذاهم إسقاط للحظوظ، فهو عتب بلطف، لا ملامة فيه، أي: قد بلغت في الامتثال والاحتمال الغاية، وزدت في طاعة الله ومحبته، والرفق بالبر والفاجر ما أجحف بك، فهو من عتب الحبيب من حيفة على نفسه، وتخفيف لا تعنيف، ومدح لا قدح، ويأتي بسط هذا إن شاء الله.
"و" يكفي في ذلك أيضًا "تقديم ذكره على الأنبياء تعظيمًا له" إذ التقديم يعطيه، "مع تأخره عنهم في الوجود في قوله تعالى": ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ قيل معناه: تبليغ الرسالة وتصديق بعضهم بعضًا، وقيل: أن يعلنوا بنبوة المصطفى، ويعلن هو بأنه لا بني بعده، ففيها تفضيل له من وجوه، منها: أنه ذكر النبيين جملة، ثم خص بالذكر بعضهم تشريفًا لهم، وقدمه ﷺ عليهم تشريفًا على تشريف، وهؤلاء الخمسة هم أولوا العزم في قول، وإخباره بتمني أهل النار طاعته في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا﴾ للتنبيه، ﴿لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: ٦٦] ، وهذا بحر لا ينفد" "بفتح الفاء: لا يفرغ "وقطر "بفتح القاف وسكون الطاء"، أي: مطر "لا يعد" لكثرته، أو "بضم القاف"، أي: إقليم لا يمكن عد نواحيه وبلاده لكثرتها، جوازهما شيخنا في التقرير، واقتصر في الحاشية، على الفتح؛ لأنه أظهر والله أعلم.стр. 3856
النوع الثاني: في أخذ الله تعالى له الميثاق على النبيين
فضلًا ومنة ليؤمنن به إن أدركوه ولينصرنه
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٨١] .
أخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه، من لدن آدم إلى محمد ﷺ أن يصدق بعضهم بعضًا، قال الحسن وطاوس وقتادة.
الحواشي
(١) "النوع الثاني":
"في أخذ الله تعالى له الميثاق على النبيين"، عداه بعلى، إشارة إلى أنه ألزمهم به، وعداه فيما يأتي بمن، إشارة إلى أنهم التزموه "فضلًا" أي: إحسانًا "ومنة" أي: إنعامًا، "ليؤمنن به إن أدركوه، ولينصرنه" على عدوه، "قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ﴾ أي: حين متعلق بمقدر، أي: اذكر، وقيل: بأقررتم وإن أخر عنه ﴿أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ عهدهم كلهم، أو مع أممهم وأنبياء بني إسرائيل ﴿لَمَا﴾ "بفتح اللام للابتداء"، أو توكيد معنى القسم الذي في أخذ الميثاق، وكسرها متعلقة بأخذ، وما موصولة على الوجهين، أي: للذي ﴿آتَيْتُكُم﴾ إياه، وفي قراءة: آتيناكم، ﴿مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ من الكتاب والحكمة، وتنوين رسول، وإبهامه للتعظيم، والمراد محمد ﷺ ، أو للتميم على القولين الآتين للمصنف، ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] جواب القسم إن أدركتموه، وأممهم تبع لهم في ذلك.
"أخبر تعالى" في الأزل، كما حكاه المصنف أول الكتاب، "أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه" صفة نبي، ولا يرد أنه قاصر على الرسل، مع أن المتبادر العموم، لجواز أن معناه: أوحى إليه، والبعث يطلق على الإيحاء، "من لدن آدم إلى محمد ﷺ أن يصدق بعضهم بعضًا" على نبوته، ومعناه، كما في البغوي: أنه أخذ العهد على كل نبي أن يؤمن بمن يأتي بعده، وينصره إن أدركه وأن يأمر قومه بنصره، فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد، انتهى. فليس معنى هذا القول يصدق بعضهم بعضًا على نبوة المصطفى، وأنهم من أتباعه ومؤمنون به كما توهم، إذ لو كان كذلك ما صح قول المصنف الآتي: أن ذا القول لا يخالف قول علي وابن عباس، إذ هو عينه على ذا الفهم، "قاله الحسن" البصري، "وطاوس"стр. 3857
وقيل معناه: أنه تعالى أخذ الميثاق من النبيين وأممهم، واستغنى بذكرهم عن ذكر الأمم.
وعن علي بن أبي طالب وابن عباس: ما بعث الله نبيًا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد ﷺ -وهو حي- ليؤمنن به ولينصرنه. وما قاله قتادة والحسن وطاوس لا يضاد ما قاله علي وابن عباس، ولا ينفيه بل يستلزمه ويقتضيه.
وقيل معناه: أن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- كانوا يأخذون الميثاق من أممهم بأنه إذا بعث محمد ﷺ أن يؤمنوا به وينصروه، واحتج له بأن الذين
الحواشي
(١) اليماني، "وقتادة" السدوسي، الثلاثة من التابعين.
"وقيل معناه: أنه تعالى أخذ الميثاق من النبيين وأممهم، واستغنى بذكرهم عن ذكر الأمم"؛ لأنهم تبع لهم، فهو من الاستغناء بذكر الملزوم عن لازمه، ولا يراد أنه خاص بالرسل؛ لأنهم هم الذين لهم أمم، أم النبيون فلا أمم لهم، لجواز أن يراد بأممهم الأناس الموجودون في زمانهم، وأطلق عليهم أممهم من حيث وجودهم في زمانهم، وإن لم يرسلوا إليهم، فالنبي وإن لم يأمر بشرع، يجب عليه أن يخبر بنبوته، لئلا يحتقر ولا يمتنع عليه الوعظ ونحوه، ومنه أخباره للناس بالإيمان بمحمد إذا جاء، أو الأنبياء.
"وعن علي بن أبي طالب"، عند ابن جرير وغيره، "وابن عباس" عند ابن جرير وابن عساكر، ووقع للزركشي، وابن كثير، والحافظ في الفتح في كتاب الأنبياء: أنهم عزوه لصحيح البخاري.
قال الشامي: ولم أظفر به، فيه "ما بعث الله نبيًا من الأنبياء" وفي رواية: لم يبعث الله نبيًا من آدم، فمن بعده، "إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد ﷺ ، وهو" أي: ذلك النبي "حي ليؤمنن به ولينصرنه"، ويأخذ العهد بذلك على قومه، هذا بقية المروي عن علي وابن عباس، كما قدم، ثم هو موقوف لفظًا، مرفوع حكمًا؛ لأنه إخبار عن غيب، فلا مجال للرأي، فيه، ويحتمل أنهما قالاه فهمًا للآية، والظاهر الأول، ولذا اقتصرت عليه أول الكتاب، "وما قاله قتادة والحسن وطاوس" من أن المعنى أخذ على كل نبي أن يؤمن بمن بعده "لا يضاد" لا يخالف "ما قاله علي وابن عباس، ولا ينفيه، بل يستلزمه"؛ لأنه صدق بعضهم بعضًا، لزم أن يكونوا مأمورين بالإيمان بالمصطفى ونصره، "ويقتضيه" عطف تفسير.
"وقيل معناه: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يأخذون الميثاق من أممهم، بأنه إذا بعث محمد ﷺ أن يؤمنوا به وينصروه" وعلى هذا، فإضافة الميثاق إلى النبيين إضافته للفاعل، والمعنى وإذ أخذ الله الميثاق الذي وثقه الأنبياء على أممهم، قاله البيضاوي.стр. 3858
أخذ الله الميثاق منهم يجب عليهم الإيمان بمحمد ﷺ عند مبعثه، وكان الأنبياء عند مبعث محمد ﷺ من جملة الأموات، والميت لايكون مكلفًا، فتعين أن يكون الميثاق مأخوذًا على الأمم، قالوا: ويؤكد هذا، أنه تعالى حكم على الذين أخذ عليهم الميثاق أنهم لو تولوا لكانوا فاسقين، وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء، وإنما يليق بالأمم.
وأجاب الفخر الرازي: بأن يكون المراد من الآية أن الأنبياء لو كانوا في الحياة لوجب عليهم الإيمان بمحمد ﷺ . ونظيره قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] ، وقد علم الله تعالى أنه لا يشرك قط، ولكن خرج هذا الكلام على سبيل التقدير والفرض، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] وقال في
الحواشي
(١) "واحتج له بأن الذين أخذ الله الميثاق منهم يجب عليهم الإيمان بمحمد ﷺ عند مبعثه، وكان الأنبياء عند مبعث محمد ﷺ من جملة الأموات" لا يرد عيسى وإدريس على حياتهما، والخضر على حياته ونبوته؛ لأن الحكم للأكثر، "والميت لا يكون مكلفًا، فتعين أن يكون الميثاق مأخوذًا على الأمم، قالوا: ويؤكد" أي: يقوى "هذا" القول؛ "أنه تعالى حكم على الذين أخذ عليهم الميثاق، أنهم لو تولوا لكانوا فاسقين" بقوله تعالى بعد ذلك: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾ [آل عمران: ٨٢] ، "وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء" أي: لا يجوز عليهم، "وإنما يليق بالأمم" لجوازه عليهم.
"وأجاب الفخر الرازي" وفي نسخة: وأجاب القفال، والظاهر فسادها، وفي أخرى: وأجيب، "بأن يكون المراد من الآية أن الأنبياء لو كانوا في الحياة لوجب عليهم الإيمان بمحمد ﷺ " كما قال: "لو كان موسى حيًا ما وسعه"، إلا اتباعي، "ونظيره قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] ، وقد علم الله تعالى؛ أنه لا يشرك قط، ولكن خرج هذا الكلام على سبيل التقدير والفرض" والمراد به تهييج الرسل، وإقناط الكفرة والإشعار على حكم الأمة، والخطاب باعتبار كل واحد.
"وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّل﴾ النبي، ﴿عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ بأن قال علينا ما لم نقله، سمي الافتراء تقولًا؛ لأنه قول متكلف، والأقوال المفتراة أقاويل، تحقيرًا لها، كأنها جمع أفعولة من القول، كأضاحيك، ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤] ، أي: نياط قلبه بضرب عنقه، وهو تصوير لإهلاكه بأفظع ما يفعله الملوك ممن يغضبون عليه، وهو أنстр. 3859
الملائكة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] ، مع أنه تعالى أخبر عنهم بأنهم ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْل﴾ [الأنبياء: ٢٧] وبأنهم ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِم﴾ [النحل: ٥٠] ، فكل ذلك خرج على سبيل الفرض والتقدير. وإذا نزلت هذه الآية على أن الله أوجب على جميع الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد لو كانوا في الأحياء، وأنهم لو تركوا ذلك لصاروا في جملة الفاسقين، فلأن يكون الإيمان بمحمد ﷺ واجبًا على أممهم من باب أولى. فكان صرف هذا الميثاق إلى الأنبياء، أقوى في تحصيل المقصود.
وقال السبكي في هذه الآية: إنه ﵊ على تقدير مجيئهم في زمانه يكون مرسلًا إليهم. فتكون نبوته ورسالته عامة لجميع الخلق، من زمن آدم إلى يوم القيامة، وتكون الأنبياء وأممهم كلهم من أمته، ويكون قوله ﵊: "وبعثت إلى الناس كافة" لا يختص به الناس من زمانه إلى يوم
الحواشي
(١) يأخذ القتال بيمينه، ويكفحه بالسيف، ويضرب جيده، وقيل: اليمن بمعنى القوة، قال البيضاوي.
"وقال في الملائكة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: الله، أي: غيره، "فذلك نجزيه جهنم" كذلك، كما جزيناه نجزي الظالمين، "مع أنه تعالى أخبر عنهم؛ بأنهم ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْل﴾ لا يأتون بقولهم إلا بعد قوله: وبأنهم ﴿يَخَافُون﴾ أي: الملائكة حال من ضمير يستكبرون، ﴿رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِم﴾ حال من هم، أي: عاليًا عليهم بالقهر، "فكل ذلك خرج على سبيل الفرض والتقدير، وإذا نزلت هذه الآية" ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّين﴾ ، "على أن الله أوجب على جميع الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد، لو كانوا في الأحياء، وأنهم لو تركوا ذلك" فرضًا وتقديرًا: "لصاروا في جملة الفاسقين" حاشاهم، "فلأن يكون الإيمان بمحمد ﷺ واجبًا على أممهم من باب أولى"؛ لأنه إذا أمر المتبوع بذلك، فكيف بالتابع، "فكان صرف هذا الميثاق إلى الأنبياء أقوى في تحصيل المقصود" بالتعظيم له، لشموله للأمم بالأخروية، بخلاف حمله على الأمم.
"وقال السبكي" الكبير في رسالة صغيرة، سماها التعظيم والمنة في: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِه﴾ [آل عمران: ٨١] ، "في هذه الآية" أفادت "إنه ﵊ على تقدير مجيئهم" أي: النبيين "في زمانه، يكون مرسلًا إليهم، فتكون نبوته ورسالته عامة لجميع الخلق من زمن آدم إلى يوم القيامة، وتكون الأنبياء وأممهم كلهم من أمته" مع بقاء الأنبياء على نبوتهم، "ويكون قوله ﵊" في حديث رواه الشيخان وغيرهما: "وبعثتстр. 3860
القيامة، بل يتناول من قبلهم أيضًا، وإنما أخذ المواثيق على الأنبياء ليعلموا أنه المقدم عليهم، وأنه نبيهم ورسولهم.
وفي أخذ المواثيق -وهي في معنى الاستحلاف، ولذلك دخلت "لام" القسم في ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ - لطيفة: وهي كأنها أيمان البيعة التي تؤخذ للخلفاء، ولعل أيمان الخلفاء أخذت من هنا.
فانظر هذا التعظيم العظيم للنبي ﷺ من ربه تعالى، فإذا عرف هذا فالنبي ﷺ نبي الأنبياء، ولهذا ظهر ذلك في الآخرة جميع الأنبياء تحت لوائه،
الحواشي
(١) إلى الناس كافة" قومي وغيرهم من العرب والعجم، "لا يختص به الناس" الكائنون "من زمانه إلى يوم القيامة، بل يتناول من قبلهم أيضًا" وذكر نحوه البارزي في توثيق عرا الإيمان، وادعى بعض أن ما ذكره السبكي غريب، لا يوافقه عليه من يعتد به، والجمهور على أن المراد بالكافة ناس زمنه، فمن بعدهم إلى يوم القيامة، ودفعه شيخنا لما ذكرته له بأنه لا ينافي كلام الجمهور، إلا إذا أريد التبليغ بالفعل، أما إذا أريد بالبعث اتصافه بكونهم مأمورين في الأزل؛ بأن يتبعوه إذا وجد، كما هو صريح كلامه، فلا يخالفه واحد فضلًا عن الجمهور.
"وإنما أخذ المواثيق على الأنبياء ليعلموا أنه المقدم عليهم، وأنه نبيهم ورسولهم" مع بقائهم على النبوة والرسالة، ولذا لما أثنى على ربه في المعراج، قال إبراهيم: بهذا فضلكم محمد، "وفي أخذ المواثيق" خبر مقدم، "وهي في معنى الاستحلاف" "بحاء مهملة"، أي: طلب اليمين، قال ذلك؛ لأن الميثاق لغة العهد، "ولذلك دخلت لام" جواب "القسم في ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّه﴾ وجواب الشرط محذوف إن جعلت ما بمعنى الشرط، وقرئ بفتح اللام، أما على قراءة لما بكسرها، وجعل ما مصدرية، فهو جواب القسم في: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّه﴾ ، إلخ.
"لطيفة "مبتدأ مؤخر، "وهي كأنها إيمان البيعة التي تؤخذ للخلفاء" على الناس بالطاعة، "ولعل إيمان الخلفاء أخذت من هنا، فانظر" نظر تدبر وتأمل، "هذا التعظيم العظيم للنبي ﷺ من ربه تعالى، فإذا عرف هذا، فالنبي ﷺ نبي الأنياء" أي: مبعوث إليهم لأخذ الميثاق عليهم بإيمانهم به، أن أدركوه، والمراد بالنبوة هنا الرسالة، أي: أنه رسول إلى جميع الأنبياء، أي: أوحي إليه بتبليغهم عن الله تعالى حتى لو اجتمع بواحد منهم في زمانه كان مرسلًا إليه، مع بقائه على رسالته ونبوته، "ولهذا ظهر ذلك في الآخرة" أي: كونه نبي الأنبياء، "جميع الأنبياء" بالرفع بدل من ذلك، أو بيان له "تحت لوائه"، كما قاله في أحاديث، "و" ظهر "فيстр. 3861
وفي الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلى بهم، ولو اتفق مجيئه في زمن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وجب عليهم وعلى أممهم الإيمان به ونصرته، وبذلك أخذ الله الميثاق عليهم، فنبوته ﵇ عليهم ورسالته إليهم معنى حاصل لهم في حياتهم، وإنما أمره يتوقف على اجتماعهم معه، فتأخر ذلك الأمر راجع إلى وجودهم لا إلى عدم اتصافهم بما يقتضيه. وفرق بين توقف الفعل على قبول المحل وتوقفه على أهلية الفاعل، فههنا لا توقف من جهة الفاعل، ولا من جهة ذات النبي الشريفة، وإنما هو من جهة وجود العصر المشتمل عليه، فلو وجد في عصرهم لزمهم اتباعه بلا شك، ولهذا يأتي عيسى ﵇ في آخر الزمان على شريعته، وهو نبي كريم على حاله، لا كما يظن بعض الناس أن يأتي واحدًا من هذه الأمة، نعم هو واحد من هذه الأمة لمال قلنا من اتباعه للنبي، وإنما يحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ بالقرآن والسنة، وكل ما فيهما من أمر ونهي، فهو متعلق
الحواشي
(١) الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلى بهم" إمامًا، "ولو اتفق مجيئه في زمن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى" وباقي الأنبياء والمرسلين، "وجب عليهم وعلى أممهم الإيمان به ونصرته، وبذلك أخذ الله الميثاق عليهم، فنبوته ﵇ عليهم ورسالته إليهم، معنى حاصل لهم في حياتهم، وإنما أمره يتوقف على اجتماعهم معه، فتأخر ذلك الأمر راجع إلى وجودهم لا إلى عدم اتصافهم بما يقتضيه، وفرق بين توقف الفعل على قبول المحل" وهو ذاته ﷺ من حيث قابلة للرسالة؛ بأن يوحى إليها، "وتوقفه على أهلية الفاعل" وهو أمر بالتبليغ؛ لأنه يفعل ما أمر به من تبليغ ما أمر به، ويأمر وينهى، وهي ذاته، فتطلق عليها محلًا وفاعلًا باعتبارين، "فههنا لا توقف من جهة الفاعل، ولا من جهة ذات النبي الشريفة، وإنما هو من جهة وجود العصر" الزمن "المشتمل عليه، فلو وجد في عصرهم، لزمهم إتباعه بلا شك، ولهذا يأتي عيسى في آخر الزمان على شريعته" أي: نبينا، بمعنى أنه مأمور بالعمل بها، كلونه مأمورًا بأتباعه، "وهو نبي كريم على حاله لا كما يظن بعض الناس؛ أنه يأتي واحدًا من هذه الأمة" ليس متصفًا بنبوته، وحذف هذه الصفة تأدبًا، قال السيوطي: وسبب هذا الظن تخيله ذهاب صفة النبوة منه، وهو فاسد؛ لأنه لا يذهب أبدًا ولا بعد موته.
"نعم، هو واحد من هذه الأمة لما قلنا من اتباعه للنبي، وإنما يحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ بالقرآن والسنة" وأخذه لها من النبي ﷺ بلا واسطة؛ لأنه اجتمع به غير مرة، فلا مانع أنه تلقى منه أحكام شريعته، المخالفة لشرع الإنجيل، لعلمه بأنه ينزل في أمته، ويحكم فيهم بشرعه، وإلى هذا أشار جماعة من العلماء، أو يتلقاها عنه، إذا نزل؛ لأنه يجتمع به فيстр. 3862
به كما يتعلق بسائر الأمة، وهو نبي كريم على حاله لم ينقص منه شيء.
وكذلك لو بعث النبي ﷺ في زمانه، أو في زمان موسى وإبراهيم ونوح وآدم كانوا مستمرين على نبوتهم ورسالتهم إلى أممهم، والنبي ﷺ نبي عليهم ورسول إلى جميعهم، فنبوته ورسالته أعم وأشمل وأعظم، وتتفق مع شرائعهم في الأصول؛ لأنها لا تختلف، وتقدم شريعته فيما عساه يقع الاختلاف فيه من الفروع، إما على سبيل التخصيص، وإما على سبيل النسخ، أو لا نسخ ولا تخصيص بل تكون شريعة النبي ﷺ في تلك الأوقات بالنسبة إلى أولئك الأمم ما جاءت به أنبياؤهم، وفي هذا الوقت بالنسبة إلى هذا الأمة هذه الشريعة، والأحكام تختلف باختلاف
الحواشي
(١) الأرض، كما صرح به في أحاديث، فلا مانع أن يأخذ عنه ما احتاج إليه من أحكام شرعه، ذكره السيوطي، وتقدم له مزيد في خصائص الأمة.
"وكل ما فيهما من أمر ونهي، فهو متعلق به، كما يتعلق بسائر الأمة" من حيث كونه مأمورا بهما كغيره، وفي نسخة: لا، كما يتعلق بلا النافية، أي: لأن تعلقه به قطعي من حيث إنه إذا اجتهد في أخذ شيء منهما كان قطعيًا مطابقًا للواقع، بخلاف أخذ غيره من الأمة، فظني قد لا يصيب فيه، "وهو نبي كريم على حاله، لم ينقص منه شيء" إذ النبوة لا تذهب بالموت فكيف بمن هو حي، "وكذلك لو بعث النبي ﷺ في زمانه، أو في زمان موسى وإبراهيم ونوح وآدم، كانوا مستمرين على نبوتهم ورسالتهم إلى أممهم، والنبي ﷺ نبي عليهم، ورسول إلى جميعهم، فنبوته ورسالته أعم وأشمل وأعظم"، لكونها للأنبياء والأمم جميعًا، بخلاف غيره، فكل إلى أمته.
"وتتفق مع شرائعهم في الأصول؛ لأنها لا تختلف" كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] ، وقال ﷺ في حديث: "والأنبياء أولاد علات، أمهاتهم شيء ودينهم واحد" رواه الشيخان، وعلات بفتح المهملة وشد اللام وفوقية، أي: ضرائر من رجل واحد.
"وتقدم شريعته فيما عساه" يختلف، أو "يقع الاختلاف فيه من الفروع، إما على سبيل التخصيص، وإما على سبيل النسخ، أو لا نسخ ولا تخصيص، بل تكون شريعة النبي ﷺ في تلك الأوقات بالنسبة إلى أولئك الأمم ما جاءت به أنبياؤهم، وفي هذا الوقت بالنسبة إلى هذه الأمة هذه الشريعة" التي جاء بها ﵇.стр. 3863
الأشخاص والأوقات، وبهذا بان لنا معنى حديثين كانا خفيًا عنا.
أحدهما: قوله ﷺ : "بعثت إلى الناس كافة، كنا نظن أنه من زمانه إلى يوم القيامة، فبان أنه جميع الناس أولهم وآخرهم".
والثاني: قوله ﷺ : "كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد"، كنا نظن أنه بالعلم، فبان أنه زائد على ذلك، وإنما يفترق الحال بين ما بعد وجود جسده الشريف
الحواشي
(١) "والأحكام تختلف باختلاف الأشخاص والأوقات" كعادم الماء لمرض أو سفر فرضه التيمم، واعترض بأن النصوص العقلية والنقلية ناطقان بخلافه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] ، وما هي معناها من الآيات، والأنبياء مع تعظيمهم له، ومحبتهم ليسوا مكلفين بأحكام شرعه، وإلا لم يكونوا أصحاب شرع، فالمحبة والتعظيم معنى، والتعبد بشرعه معنى آخر، ولا عبرة بظنهما أمرًا واحدًا، وقوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِه﴾ ، دون بشرعه، مناد عليه، فما تبجح به السبكي واستحسنه هو ومن بعده لا وجه له عند من له أدن بصيرة نقادة، وكيف يتأتى ما قاله مع قوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] فإن عكسه، وقد طلب موسى أن يكون من أمته، فأجابه الله بقوله: استقدمت واستأجر ولكن سأجمع بينك وبينه في دار الجلال. انتهى، وتعسفه لا يخفى، فإن قوله ذلك من جملة مدخول له في قوله: لو بعث في زمان عيسى أو موسى إلى آخره، فسقط جميع ما قاله، ومن أقوى تعسفه قوله: ليسوا مكلفين بأحكام شرعه، فإنه لم يدع تكليفهم به، بل إن شعائرهم على تقدير وجوده في أزمانهم شرع له فيهم.
"وبهذا بان" ظهر واتضح "لنا معنى حديثين كانا خفيا" أي: بعد إدراكهما "عنا، أحدهما قوله ﷺ : "بعثت إلى الناس كافة"، كنا نظن أنه في زمانه إلى يوم القيامة، فبان أنه جميع الناس أولهم وآخرهم.
"والثاني قوله ﷺ : "كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد" رواه أحمد والبخاري في التاريخ، وأبو نعيم وغيرهم: "كنا نظن أنه بالعلم، فبان أنه زائد على ذلك" على ما شرحناه يعني بقوله أولصا أنه قد جاء أن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد، فقد يكون قوله: "كنت نبيًا" إشارة إلى روحه وحقيقة من الحقائق، والحقائق تقصر عقولنا عن معرفته، وإنما يعلمها خالقها، ومن أمده بنور إلهي، ويؤتي الله كل حقيقة منها ما يشاء في الوقت الذي يشاء، فحقيقته ﷺ قد تكون من حين خلق آدم، أتاها ذلك الوصف، بأن يكون خلقها متهيئة لذلك، وإفاضة عليها من ذلك الوقت، فصار نبيًا، فحقيقته موجودة من ذلك الوقت، وإن تأخر جسده المتصف بها، إلى أن قال: فقد علم أن من فسره بعلم الله؛ بأنه سيصير نبيًا لم يصل إلى هذا المعنى؛ لأن علمهстр. 3864
وبلوغه الأربعين، وما قبل ذلك بالنسبة إلى المبعوث إليهم وتأهلهم لسماع كلامه لا بالنسبة إليه ولا إليهم، لو تأهلوا قبل ذلك، وتعليق الأحكام على الشروط قد يكون بحسب المحل القابل، وقد يكون بحسب الفاعل المتصرف فههنا التعليق إنما هو بحسب المحل القابل، وهو المبعوث إليهم وقبولهم سماع الخطاب والجسد الشريف الذي يخاطبهم بلسانه.
وهذا كما يوكل الأب رجلًا في تزويج ابنته إذا وجدت كفؤًا، فالتوكيل صحيح وذلك الرجل أهل للوكالة، ووكالته ثابتة، وقد يحصل التوقف أي توقت التصرف على وجود الكف، ولا يوجد إلا بعد مدة، وذلك لا يقدح في صحة الوكالة وأهلية التوكيل، انتهى.
الحواشي
(١) محيط بجميع الأشياء، ووصفه ﷺ بالنبوة في ذلك الوقت ينبغي أن يعلم منه أمر ثابت له في ذلك الوقت، ولو كان المارد مجرد العلم لم تكن له خصوصية؛ بأنه نبي وآدم بين الروح والجسد؛ لأن جميع الأنبياء يعلم الله نبوتهم في ذلك الوقت وقبله، فلا بد من خصوصية له لأجلها، أخبر بهذا الخبر ليعرف قدره عند الله. انتهى.
"وإنما يفترق الحال بين ما بعد وجود جسده الشريف وبلوغه الأربعين، وما قبل ذلك بالنسبة إلى المبعوث إليهم، وتأهلهم لسماع كلامه، لا بالنسبة إليه، ولا إليهم لو تأهلوا قبل ذلك، وتعليق الأحكام على الشروط قد يكون بحسب المحل القابل، وقد يكون بحسب الفاعل المتصرف، فههنا التعليق إنما هو بحسب المحل القابل، وهو المبعوث إليهم، وقولهم سماع الخطاب، والجسد الشريف الذي يخاطبهم بلسانه، وهذا كما يوكل الأب رجلًا في تزويج ابنته إذا وجدت كفؤًا، فالتوكيل صحيح، وذلك الرجل أهل للوكالة، ووكالته ثابتة، وقد يحصل التوقف، أي: توقف التصرف" الأظهر في التعبير بقوله، والتصرف متوقف، "على وجود الكفء، ولا يوجد إلا بعد مدة، وذلك لا يقدح في صحة الوكالة وأهلية التوكيل" وهذا المثال ظاهر في حديث: "بعثت إلى الناس كافة". "انتهى"، كلام السبكي في رسالته، وهي نحو ورقتين، كما ذكر المصنف سواء بسواء، فمن كتب على قوله والأوقات، إلى هذا انتهى كلام السيوطي، لم يقف على رسالته فرجم بالغيب، والله تعالى أعلم.стр. 3865
النوع الثالث: في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة
قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم وإسماعيل ﵉ عند بناء البيت الحرام: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا ُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧-١٢٩] .
فاستجاب الله دعاءهما، وبعث في أهل مكة منهم رسولًا بهذه الصفة من
الحواشي
(١) "النوع الثالث":
"في" بيان ما يدل على "وصفه تعالى له" ﷺ ، "بالشهادة" على وحدانية الله وغيرها، مما يأتي في: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] ، "وشهادته" تعالى "له بالرسالة" أي: إخباره بذلك، فالشهادة خبر قاطع، كما في القاموس، وغيره.
"قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم وإسماعيل ﵉" أي: ما وقع منهما من الألفاظ الحادثة، المنزلة على المصطفى، وإيجادها متأخر عن بعثته، فلا يرد أن كلامه تعالى قديم سابق على قولهما، فكيف يكون حكاية لما قالاه "عند" تمام "بناء البيت" إذ الدعاء إنما كان بعد أن فرغا من بنائه "الحرام"، أي: الكعبة، إذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل، ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾ للقول، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بالفعل، ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ﴾ منقادين ﴿لَكَ﴾ اجعل ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾ أولادنا ﴿أُمَّةً﴾ جماعة
﴿مُسْلِمَةً لَكَ﴾ ومن للتبعيض، وأتى به لتقدم قوله له: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين﴾ [البقرة: ١٢٤] الآية، ﴿وَأَرِنَا﴾ علمنا ﴿مَنَاسِكَنَا﴾ شرائع عبادتنا، أو حجنا، ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ سألاه التوبة مع عصمتهما تواضعًا وتعليمًا لذريتهما، ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ﴾ أي: أهل البيت، ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ من أنفسهم ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ القرآن، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ القرآن ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ ما فيه من الأحكام، ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ يطهرهم من الشرك ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه، "فاستجاب الله دعاءهما" بقولهما: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ ، "وبعث في أهل مكة منهم رسولًا بهذه الصفة من ولد إسماعيل الذي دعا مع أبيه إبراهيم ﵉ بهذا الدعاء" أفاد أن المبتدئ بالدعاء إبراهيم، فوافقه إسماعيل، فلذا خص إبراهيم في الخبر الآتي، لكونه المبتدئ به، وزعم أن الدعاء كان من إبراهيم وضم إليه إسماعيل لمشاركته له في الدعاء، بتأمينه عليه أو غيره فاسد؛ لأن التأمين من خصوصية هذه الأمة،стр. 3866
ولد إسماعيل الذي دعا مع أبيه إبراهيم ﵉ بهذا الدعاء.
فإن قلت: من أين علم أن الرسول هنا المراد به محمد ﷺ ؟
فالجواب من وجوه:
أحدها: إجماع المفسرين وهو حجة.
الثاني: قوله ﵊: "أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى"، قالوا: وأراد بالدعوة هذه الآية، وبشارة عيسى هي ما ذكر في سورة الصف من قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] ,
الثالث: إن إبراهيم إنما دعا بهذا الدعاء بمكة لذريته الذين كانوا بها وبما
الحواشي
(١) كما مر في الخصائص، قال ﷺ : "وأعطيت آمين، ولم يعطها أحد ممن كان قبلكم إلا أن يكون الله أعطاها نبيه هارون، فإن موسى كان يدعو الله ويؤمن هارون"، رواه ابن مردويه وغيره.
"فإن قلت: من أين علم أن الرسول هنا، المراد به محمد ﷺ ، فالجواب من وجوه" ثلاثة.
"أحدها: إجماع المفسرين وهو حجة" قوية.
"الثاني: قوله ﵊" في حديث أخرجه الطيالسي والحارث والديلمي وابن عساكر: "أنا دعوة أبي إبراهيم" أي: صاحب دعوته، إذ لا يصح الإخبار بالمصدر، "وبشارة" أخي "عيسى" وفي رواية ابن عساكر: وكان آخر من بشر بي عيسى بن مريم، وفائدة إخبار المصطفى بذلك بعد علمه ثبوت وقوعه، مقدرًا له بذلك في الأزل، التنويه بشرفه وكونه مطلوب الوجود، تاليًا للآيات، معلمًا للكتاب والحكمة، مطهرًا للناس من الشرك، معروفًا عند جميع الأنبياء، "قالوا": ليس مراده التبري، بل الحكاية عن كل العلماء، "وأراد بالدعوة هذه الآية" وخصه؛ لأنه المبتدئ كما مر، "وبشارة عيسى هي" هكذا في النسخ الصحيحة خبر بشارة، وفي نسخة سقيمة وهي بزيادة واو، ولا يحس عطف بشارة على قوله هذه الآية؛ لأن المعنى عليه يصير حاصله أراد ببشارة عيسى ولا يخفى ما فيه "ما ذكر في سورة الصف من قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] سماه به؛ لأنه مسمى به في الإنجيل؛ ولأنه أبلغ من محمد، بشر عيسى قومه بذلك، ليؤمنوا به عند مجيئه، أو ليكون معجزة لعيسى عند ظهوره.
"الثالث: أن إبراهيم إنما دعا بهذا الدعاء بمكة لذريته الذين كانوا بها وبما حولها، ولم يبعث الله تعالى إلى من بمكة" من ذرية إبراهيم وإسماعيل "إلا محمدًا ﷺ " فتعين أنه المراد،стр. 3867
حولها، ولم يبعث الله تعالى إلى من بمكة إلا محمدًا ﷺ ، وقد امتن الله تعالى على المؤمنين ببعث النبي منهم على هذه الصفة فقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ الآية، [آل عمران: ١٦٤] ، فليس لله تعالى منه على المؤمنين أعظم من إرسال محمدًا ﷺ يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، وإنما كانت النعمة على هذه الأمة بإرساله أعظم النعم؛ لأن النعمة به ﷺ تمت بها مصالح الدنيا والآخرة، وكمل بسببها دين الله تعالى الذي رضيه لعباده.
وقوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني أنه بشر مثلهم، وإنما امتاز عليهم بالوحي.
وقرئ في الشوا من أنفسهم -بفتح الفاء- يعني من أشرافهم؛ لأنه من بني
الحواشي
(١) "وقد امتن الله تعالى"، وفي نسخة: من، وهما بمعنى أنعم مطلقًا، أو على من لا يطلب، ويكون بمعنى تعداد النعم "على المؤمنين، ببعث النبي منهم على هذه الصفة، فقال: ﴿لَقَدْ مَن﴾ أنعم ﴿اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولا يحمد المن إلا من الله تعالى؛ لأنه بمنه بذكر العبد، فيبعثه على الشكر، فيثيبه، ومن الخلق قبيح مطلقًا، ولذا قال لنبيه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر﴾ [المدثر: ٦] ، فالمن إذا حرام عليه، مكروه لغيره، وقيل بحرمته أيضًا، ﴿بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ من جنسهم يعرفون حاله، وأنه ما قرأ ولا درس، وقد جاءه العلم دفعة، فقص سير الأولين والآخرين على ما هي عليه، فيعلم العاقل أنه أمر خارق من عند الخالق، كل ذلك إبلاغ في ظهور حجته ووضوح معجزته، فكيف يليق أن يجعل المقتضى مانعًا، فيلحدون ويجحدون، قاله ابن المنير في تفسيره.
﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ القرآن ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ ، يطهرهم من الذنوب، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ القرآن، بالنصب، أي: اقرأ أو اذكر، "فليس لله تعالى منة على المؤمنين أعظم من إرسال محمد ﷺ يهدي إلى الحق" الإسلام، أو العقائد، "وإلى طريق مستقيم" من الشرائع، "وإنما كانت النعمة على هذه الأمة بإرساله أعظم النعم؛ لأن النعمة به ﷺ تمت بها مصالح الدنيا والآخرة، وكمل بسببها دين الله تعالى" أحكامه وفرائضه، "الذي رضيه" اختاره "لعباده" كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] الآية، وقوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِم﴾ ، يعني أن بشر مثلهم، وإنما امتاز عليهم بالوحي" لا ملك ولا أعجمي، "وقرئ في الشواذ: من أنفسهم "بفتح الفاء"، يعني من أشرافهم" وإذا كان من أشرفهم كان منهم ضرورة؛ "ولأنه من بني هاشم وبنو هاشم، أفضل قريش، وقريش أفضل العرب، والعرب أفضل من غيرهم" وقد مر تفاصيل ذلك في المقصد الأول، وكذاстр. 3868
هاشم، وبنو هاشم أفضل قريش، وقريش أفضل العرب، والعرب أفضل من غيرهم.
ثم قيل: لفظ المؤمنون عام، ومعناه خاص في العرب؛ لأنه ليس حي من أحياء العرب إلا وقد ولده، وخص المؤمنين بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون به أكثر، فالنعمة عليهم أعظم.
فإن قلت: هل العلم بكونه ﷺ بشرًا، ومن العرب، شرط في صحة الإيمان، وهو من فروض الكفاية.
أجاب الشيخ ولي الدين بن العراقي: أنه شرط في صحة الإيمان. قال: فلو قال شخص: أؤمن برسالة محمد ﷺ إلى جميع الخلق، ولكن لا أدري هل هو من البشر أو من الملائكة، أو من الجن، أو لا أدري أو هو من العرب أو العجم،
الحواشي
(١) قرئ، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية، "بفتح الفاء"، كما مر أيضًا.
"ثم قيل: لفظ المؤمنون عام، ومعناه خاص في العرب"؛ لأن المراد المؤمنين منهم، وفي الظرفية تسمح، إذا التخصيص إنما هو بكون المؤمنين من العرب، لا بكون المؤمنين فيهم، ولو من غيرهم، ويمكن تعلق في العرب بمقدر، كالدليل معناه خاصًا، أي: وإنما كان مخصوصًا بالعرب؛ لأن بعثه فيهم، ويحتمل تعلقه بمعناه تجوزًا لا حقيقة، إذ العموم والخصوص من عوارض الألفاظ دون المعنى؛ "لأنه ليس حي من أحياء العرب إلا وقد ولده" "بفتحات"، أي: له عليه ولادة، إما بكونه جدة، أو جدًا.
وفي البغوي قيل: أراد العرب؛ لأنه ليس حي منهم إلا وله فيهم نسب إلا بني تغلب، دليله هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم، وقيلك أراد جميع المؤمنين، ومعنى قوله من أنفسهم بالإيمان، والشفقة بالنسب، دليله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ، "وخص المؤمنين بالذكر" مع أن نعمة البعثة عامة؛ "لأنهم هم المنتفعون به أكثر، فالنعمة عليهم أعظم" فلا ينافي قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأحزاب: ٤٥] ، "فإن قلت: هل العلم بكونه ﷺ بشرًا، ومن العرب شرط في صحة الإيمان، وهو من فروض الكفاية" على الأبوين مثلًا، فإذا علم أحدهما ولده المميز ذلك سقط طلبه عن الآخر.
"أجاب الشيخ ولي الدين" أحمد "بن" عبد الرحيم "العراقي"، الحافظ، ابن الحافظ: "أنه شرط في صحة الإيمان، قال: فلو قال شخص أؤمن برسالة محمد ﷺ إلى جميع الخلق، ولكن لا أدري هل هو من البشر، أو من الملائكة، أو من الجنن أو لا أدري، أو هو من العرب، أو العجم، فلا شك في كفره لتكذيبه القرآن" لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِيстр. 3869
فلا شك في كفره لتكذيبه القرآن وجحده ما تلقته قرون الإسلام خلفًا عن سلف، وصار معلومًا بالضرورة عند الخاص والعام، ولا أعلم في ذلك خلافًا، فلو كان غبيًا لا يعرف ذلك وجب تعليمه إياه، فإن جحده بعد ذلك حكمنا بكفره. انتهى.
فإن قلت: هل هو ﵊ باق على رسالته إلى الآن؟
أجاب أبو المعين النسفي: بأن الأشعري قال: إنه ﵊ الآن
الحواشي
(١) الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] ، وقال تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَك﴾ [هود: ٣١] ، "وجحده ما تلقته قرون الإسلام خلفًا عن سلف، وصار معلومًا بالضرورة عند الخاص والعام، ولا أعلم في ذلك خلافًا، فلو كان غبيًا" "بمعجمة فموحدة" جاهلًا قليل الفطنة، "لا يعرف ذلك وجب تعليمه إياه، فإن جحده" أي: المعلوم بالضرورة "بعد ذلك حكمنا بكفره"؛ لأن إنكاره كفر، أما إنكاره أليس ضروريًا، فليس كفرًا، ولو جحده بعد التعليم على ما اقتضاه شراح البهجة لشيخ الإسلام زكريا. "انتهى" جواب الولي.
وتعقبه بعض شراح مسلم بقول الحليمي في منهاجه الإيمان به ﷺ ، أي: التصديق بأنه رسول إلى الإنس والجن إلى قيام الساعة، يتضمن الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين، فلذا اكتفي به في المقارنة للإيمان بالله تعالى، ومن آمن به ﷺ ، وقال: لا أدري أكان بشرًا، أم ملكًا، أم جنيًا، لم يضره ذلك إن كان ممن لم يسمع شيئًا من أخباره سوى أنه رسول الله، كما لو يعلم أنه كان شابًا، أو شيخًا مكيًا، أو عراقيًا، أو أعجميًا؛ لأن شيئًا من ذلك لا ينافي الرسالة، لإمكان اجتماعهما، بخلاف ما لو قال: آمنت بالله، ولا أدري أجسم هو أم لا؟؛ لأن الجسم لا يمكن أن يكون إلهًا، فتبين بذلك أن معرفته ﷺ ليست شرطًا في صحة ابتداء الإيمان، وإنما هي واجبة بعد ذلك لأجل أن لا يقع في شيء ما ينقص مقامه الشريف، فليتأمل. انتهى.
"فإن قلت: هل هو ﵊ باق على رسالته إلى الآن"، بعد الموت إلى الأبد؟.
"أجاب أبو المعين" ميمون بن محمد بن سعيد بن مكحول "النسفي" الحنفي، صاحب التبصرة، في علم الكلام والتمهيد لقواعد التوحيد وغيرهما، وهو غير صاحب الكنز عبد الله بن أحمد، وغير صاحب التفسير عمر بن محمد، وغير صاحب العقائد البرهان محمد بن محمد، وكلهم حنفيون من نسف: "بفتح النون والمهملة وبالفاء" مدينة بما وراء النهر، "بأن الأشعري قال: إنه ﵊ الآن في حكم الرسالة، وحكم الشيء يقوم مقام أصل الشيء، ألا ترى أن العدة تدل على ما كان من أحكام النكاح. انتهى" قضيته أن وصفه بأنه رسولстр. 3870
في حكم الرسالة، وحكم الشيء يقوم مقام أصل الشيء، ألا ترى أن العدة تدل على ما كان من أحكام النكاح. انتهى.
وقال غيره: إن النبوة والرسالة باقية بعد موته ﵊ حقيقة، كما يبقى وصف الإيمان للمؤمن بعد موته؛ لأن المتصف بالنبوة والرسالة، والإيمان هو الروح وهي باقية لا تتغير بموت البدن بإجماع انتهى.
وتعقب: بأن الأنبياء أحياء في قبورهم، فوصف النبوة باق للجسد والروح معًا.
وقال القشيري: كلام الله تعالى لمن اصطفاه: أرسلتك أو بلغ عني، وكلامه تعالى قديم، فهو ﵊ قبل أن يوجد كان رسولًا. وفي حال كونه وإلى الأبد رسولًا، لبقاء الكلام وقدمه، واستحالة البطلان على الإرسال الذي هو
الحواشي
(١) انقطع بموته، لكن بقاء حكمها نزل منزلة بقائها، فهي باقية حكمًا لا حقيقة.
"وقال غيره: إن النبوة والرسالة باقية" كل منهما، أو لاتحادهما في صفة الإيحاء فكأنهما شيء واحد، أو بناء على اتحادهما، فلا يرد أن الأولى للمطابقة باقيتان، "بعد موته ﵊ حقيقة، كما يبقى وصف الإيمان للمؤمن بعد موته؛ لأن المتصف بالنبوة والرسالة والإيمان هو الروح، وهي باقية لا تتغير بموت البدن بإجماع. انتهى".
"وتعقب" هذا التعليل، "بأن الأنبياء أحياء في قبورهم" كما صرحت به الأحاديث "فوصف النبوة باق للجسد والروح معًا" أي: الاتصاف بالنبوة مع الرسالة، وإن انقطع العمل بشرائعهم سوى شريعة نبينا ﷺ .
"وقال القشيري: كلام الله تعالى" النفسي، الأزلي، لا الألفاظ الدالة عليه، "لمن اصطفاه أرسلتك، أو بلغ عني، وكلامه تعالى قديم، فهو ﵊ قبل أن يوجد كان رسولًا"، بقوله: "أرسلتك" أبو بلغ عني، "وفي حال كونه" أي: وجوده خارجًا بعد تكوينه وإيجاده رسولًا، وإن تأخر الأمر بالتبليغ إلى بعد الوحي، وتقدم تقريبه، بأن من أقر لولده الصغير بشيء يصح أن يقال: أعطاه ذلك الشيء، مع أن الصبي في هذا الحال ليس أهلًا للتصرف، وفي نسخة: وفي حال موته، وعليها يكون ساكتًا عن حال وجوده للعلم به، "وإلى الأبد رسولًا لبقاء الكلام، وقدمه، واستحالة البطلان على الإرسال الذي هو كلام الله تعالى" وهذا ظاهر على ما هو الراجح من أن كلامه تعالى الأزلي، يتنوع حقيقة إلى أمر ونهي، وخبر واستخبار وغير ذلك.стр. 3871
كلام الله تعالى.
ونقل السبكي في طبقاته، عن ابن فورك أنه قال: إنه ﵇ حي في قبره، رسول الله أبد الآباد على الحقيقة لا المجاز.
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] .
والمراد بالأميين: العرب، تنبيهًا لهم على قدر هذه النعمة وعظمها حيث كانوا أميين، لا كتاب لهم، وليس عندهم شيء من آثار النبوة، كما كان عند أهل
الحواشي
(١) "ونقل السبكي في طبقاته عن ابن فورك" "بضم فسكون" "أنه ﵇ حي في قبره، رسول الله أبد الآباد" أي: في جميع الأزمنة، الصادق بما بعد موته إلى قيام الساعة، "على الحقيقة لا المجاز"، لحياته في قبره، يصلي فيه بأذان وإقامة.
قال ابن عقيل الحنبلي: ويضاجع أزواجه ويستمتع بهن أكمل من الدنيا. وحلف ذلك، وهو ظاهر ولا مانع منه.
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ نسبًا محمدًا ﷺ ، ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ القرآن، ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ يطهرهم من الشرك، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ القرآن ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ ما فيه من الأحكام، ﴿وَإِنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف، أي: وإنهم ﴿كَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ قبل مجيئه ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بين.
"والمراد بالأميين العرب" سموا بذلك؛ لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرؤون، وكانت الكتابة معدومة فيهم إلا نادرًا لا حكم له، ثم أطلق على من كتب منهم، ومن لم يكتب تغليبًا، والأمي هو الذي لا يكتب ولا يقرأ الخط، وإن قرأ ما حفظه بالسماع من غيره، وقيل: الذي يقرأ ولا يكتب.
"تنبيهًا لهم على قدر هذه النعمة وعظمها حيث كانوا أميين، لا كتاب لهم، وليس عندهم شيء من آثار النبوة"، لا يراد أنه كان عندهم بقايا من شرع إبراهيم، كالحج والغسل من الجنابة؛ لأنهم لهما اشتغلوا عنها بعبادة الأصنام، وغيروا البقايا عن وجهها، كأنها لم تكن عندهم، "كما كان عند أهل الكتاب" بقايا قليلة، "فمن الله عليهم بهذا الرسول وبهذا الكتاب، حتى صاروا أفضل الأمم" أي: الذين آمنوا منهم.стр. 3872
الكتاب، فمن الله عليهم بهذا الرسول وبهذا الكتاب، حتى صاروا أفضل الأمم. وفي كونه ﵊ منهم فائدتان:
إحداهما: أن هذا الرسول كان أيضًا أميًا كأمته المبعوث إليهم، لم يقرأ كتابًا قط ولم يخطه بيمينه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] ، ولا خرج عن ديار قومه فأقام عند غيرهم حتى تعلم منهم، بل لو يزل أميًا بين أمة أمية لا يكتب ولا يقرأ حتى بلغ الأربعين من عمره، ثم جاء بعد ذلك بهذا الكتاب المبين، وهذه الشريعة الباهرة، وهذا الدين القيم الذي اعترف حذاق الأرض ونظارها أنه لم يقرع العالم ناموس أعظم منه، وفي هذا برهان عظيم على صدقه.
الحواشي
(١) "وفي كونه ﵊ منهم فائدتان: إحداهما: أن هذا الرسول كان أيضًا أميًا، كأمته المبعوث إليهم، لم يقرأ كتابًا قط، ولم يخطه": يكتبه "بيمينه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو﴾ تقرأ ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: الكتاب المذكور في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [العنكبوت: ٤٧] الآية، أي: القرآن، ﴿من الْكِتَابَ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] ، الجارحة التي يكتب بها، وذكرها زيادة تصوير لما نفي عنه من الكناية، "ولا خرج عن ديار قومه" عطف على قوله: لم يقرأ، أي: خروجًا يقتضي تعلم شيء من غيره، كما أفاده قوله: "فأقام عند غيرهم حتى تعلم منهم" فلا يرد خروجه مع عمه، وفي تجارة خديجة؛ لأنه لم يقم فيهما إقامة تقتضي التعلم منهم، "بل لم يزل أميًا بين أمة" طائفة "أمية" لا تقرأ ولا تكتب، كيوم ولدتها أمهاتها على جبلتها، وتطرف من قال:
من أعجب الأشياء إني امرؤ ... عمي خالي وأبي أمي
"لا يكتب ولا يقرأ حتى بلغ الأربعين من عمره، ثم جاء بعد ذلك"، أي: حضرا، وظهر، وبعث "بهذا الكتاب المبين" اسم فاعل من أبان، بمعنى البين الواضح، أو بمعنى المظهر للشرائع وما فيها، والموضح لها، "وهذه الشريعة الباهرة" الغالبة، الفاضلة، على غيرها من الشرائع، "وهذا الدين القيم" هو أبلغ من المستقيم، باعتبار الوزن؛ لأنه صفة مشبهة تدل على الثبوت والدوام، والمستقيم أبلغ باعتبار صيغته الدالة على الطلب، فكأنه نفسه الذي يطلب قوامه، "الذي اعترف حذاق الأرض ونظارها؛ أنه لم يقرع" أي: يصل "العالم ناموس" رسول صاحب سر يبلغهم ما جاء به عن الله "أعظم منه، وفي هذا برهان عظيم على صدقه" وامتنان وثناء عظيم.
"الفائدة الثانية: التنبيه على أن المبعوث منهم، وهم الأميون، خصوصًا أهل مكةстр. 3873
الفائدة الثانية: التنبيه على أن المبعوث منهم وهم الأميون، خصوصًا أهل مكة، يعرفون نسبة وشرفه وصدقه وأمانته وعفته، وأنه نشأ بينهم معروفًا بذلك، وأنه لم يكذب قط، فكيف كان يدع الكذب على الناس ثم يفتري الكذب على الله ؟ هذا هو الباطل. ولهذا سأل هرقل عن هذه الأوصاف واستدل بها على صدقه فيما ادعاه من النبوة والرسالة.
الحواشي
(١) يعرفون نسبه وشرفه وصدقه، وأمانته وعفته، وأنه نشأ بينهم معروفًا بذلك، وأنه لم يكذب قط، فكيف كان يدع"، أي: يترك "الكذب على الناس، ثم يفتري" يقول "الكذب على الله " من تلقاء نفسه، "هذا هو الباطل" والاستفهام إنكاري، "ولهذا سأل هرقل" "بكسر الهاء وفتح الراء، وإسكان القاف على المشهور" لا ينصرف للعلمية والعجمة.
وحكى الجوهري وغيره: سكون الراء وكسر القاف "عن هذه الأوصاف، واستدل بها على صدقه فيما ادعاه من النبوة والرسالة"، فقال: سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله، إلى أن قال: وسألتك بما يأمركم، فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقًا، فسيملك موضع قدمي هاتين.
"وقد قال الله تعالى خطابًا له"، خطاب شفقة وتسلية ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] ، واستشكل ظاهره؛ لأن كذب القول يستلزم كذب قائله إلا أن يكون ناقلًا غير ملتزم للصحة، والنبي ﷺ إنما ذكره على أنه حق من عند الله، وأجيب بأن المراد ليس قصدهم تكذيبك؛ لأنك عندهم موسوم بالصدق، وإنما يقصدون تكذيبي والجحود بآياتي، أو لا يعتقدونك كاذبًا، وإنما ينسبون الكذب، لما جئت به عنادًا، أو لا يقولون عادتك الكذب لكننا ننكر النبوة، فلا يلزم أن تكون كذابًا، أو أنك غير متعمد للكذب، بل تخيلت أمرًا باطلًا، فالتكذيب المنفي بالنسبة لافتعاله وتعمده، فلا يكون عيبًا، قيل: وهذا أحسن التأويلات، وقيل: لا يخصونك بالتكذيب، وقيل: لا يكذبونك في السر ونقل ابن الجوزي عن قتادة: لا يكذبونك بحجة، بل بهتانًا وعنادًا.
وقال عياض: ففي هذه الآية منزع لطيف المأخذ، من تسليته تعالى له ﷺ وألطافه في القول؛ بأن قرر عنده أنه صادق عندهم، وأنهم غير مكذبين له، معترفين بصدقه قولًا واعتقادًا، وكانوا يسمونه قبل النبوة الأمين، فدفع عنه بهذا التقرير ارتماض نفسه بسمة الكذب، ثم جعل الذمстр. 3874
وقد قال الله تعالى خطابًا له: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَك﴾ [الأنعام: ٣٣] . ويروى أن رجلًا قال: والله يا محمد ما كذبتنا قط فنتهمك اليوم ولكنا إن نتبعك نتخطف من أرضنا، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس.
وعن مقاتل: كان الحارث بن عامر يكذب النبي ﷺ في العلانية، فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب.
وروى أن المشركين كانوا إذا رأوه ﵇ قالوا: إنه لنبي.
وعن علي: قال أبو جهل للنبي ﷺ : إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت
الحواشي
(١) لهم بتسميتهم جاحدين ظالمين، فحاشاه من لو صم، وطوقهم بالمعاندة، بتكذيب الآيات حقيقة الظلم، إذا الجحد إنما يكون ممن علم الشيء، ثم أنكره، كقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] . انتهى.
"ويرو N أن رجلًا" هو الحارث بن عامر بن نوفل، كما عند النسائين عن ابن عباس.
وروى ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس: أن أناسًا من قريش قالوا للنبي ﷺ : إن نتبعك تتخطفنا الناس، فنزلت، ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى﴾ ، فلعل الحارث هو المبتدي، "قال: والله يا محمد ما كذبتنا قط، فنتهمك اليوم، ولكنا إن نتبعك نتخطف من أرضنا، فنزلت هذه الآية"، ظاهره أن المراد؛ فإنهم لا يكذبونك، وقد علم من رواية النسائي وابن جرير، أنها: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص: ٥٧] ، "رواه أبو صالح" مشهور بكنيته، واسمه ميزان البصري، مقبول من أواسط التابعين، خرج له الترمذي "عن ابن عباس ﵄".
"وعن مقاتل: كان الحارث بن عامر" بن نوفل بن عبد مناف: ووقع في الأنوار تسمية أبيه عثمان، وهو خلاف الروايات؛ أنه عامر، "يكذب النبي ﷺ في العلانية، فإذا خلا مع أهل بيته، قال: ما محمد من أهل الكذب" ووقع في الأنوار؛ أنه أتى النبي ﷺ ، فقال: نحن نعلم أنك على الحق، ولكنا نخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب، وإنما نحن أكلة رأس أن يتخطفونا من أرضنا، فرد الله عليهم بقوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: ٥٧] .
"وروي أن المشركين كانوا إذا رأوه ﵇، قالوا: إنه لنبي" ويتعللون بالأنفة عن اتباعه حتى لا يكونوا تابعين، ويأتي الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
"و" روى الترمذي والحاكم "عن علي، قال أبو جهل للنبي ﷺ : إنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به" وفي نسخة مصححة من الشفاء: ما جئت بدون الباء، "فأنزل الله تعالى"стр. 3875
به، فأنزل الله تعالى الآية.
والمعنى: أنهم ينكرونه مع العلم بصحته. إذ الجحد لغة هو الإنكار مع العلم.
فإن قلت: فما الجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية [الأنعام: ٣٤] .
أجيب: بأنه على طريق الجحد، وهو يختلف باختلاف أحوالهم في الجهل، فمنهم من وقع منه ذلك لجهله، فحيث علم آمن، ومنهم من علم وأنكر كفرًا وعنادًا كأبي جهل. فيكون المراد بقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ ، قومًا مخصوصين منهم لا
الحواشي
(١) لفظ روايتهما، فأنزل الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ، "والمعنى أنهم ينكرونه مع العلم بصحته، إذ الجحد لغة" كما صرح به الجوهري والمجد وغيرهما، "هو الإنكار مع العلم" فهو محض عناد وبغي، "فإن قلت: فما الجمع بين هذا" ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ ، وبين قوله تعالى: تلو هذه الآية ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِك﴾ ، فإن مفادها أنهم كذبوا؛ لأنها تسلية له، إذ قوله: ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ [الأنعام: ٣٤] ، معناه: فاصبر كما صبروا حتى يأتيك نصرنا بإهلاك من كذبك، كما أهلكنا من كذب الرسل من قبلك، ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين، أي: ما فيه تسلية لك، قيل: كان الأولى المعارضة بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤] الآية، لصراحتها في التكذيب، دون هذه، ورده شيخنا تقريرًا؛ بأن ما سلكه المصنف أولى؛ لأن هذه الآية صرح فيها بالقضية الشرطية، فلا تستلزم التكذيب بالفعل بخلاف، ولقد كذبت تستلزمه.
"أجيب بأنه" أي: التكذيب الصادر منهم "على طريق الجحد" لعلمهم بصدقه، وكذبوه عنادًا واستكبارًا عن الاتباع، فهم مصدقون في نفس الأمر، وإن كذبوا ظاهرًا، "وهو يختلف باختلاف أحوالهم في الجهل، فمنهم من وقع منه ذلك لجهله" لا جحدًا، "فحيث علم آمن، ومنهم من علم وأنكر كفرًا وعنادًا، كأبي جهل، فيكون المراد بقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَك﴾ قومًا مخصوصين منهم" وهم الذين كذبوا جهلًا، ثم آمنوا، أو المكذبون عنادًا، إذ هم مصدقون باطنًا، "لا كلهم، وحينئذ فلا تعارض" بين الآيتين. وفي الشفاء: من قرأ لا يكذبونك بالتخفيف، معناه لا يجدونك كاذبًا.
وقال الفراء والكسائي: لا يقولون: إنك كاذب، وقيل: لا يحتجون على كذبك ولا يثبتونه،стр. 3876
كلهم، وحينئذ فلا تعارض.
وروي أن أبا جهل لقيه النبي ﷺ في بعض فجاج مكة فصافحه فقيل له: أتصافحه؟ فقال: والله إني لأعلم أنه نبي، ولكن متى كنا تبعًا لبني عبد مناف؟ فأنزل الله الآية، رواه ابن أبي حاتم.
والقرآن كله مملوء بالآيات الدالة على صدق هذا الرسول الكريم، وتحقيق رسالته، وكيف يليق بكمال الله تعالى أن يقر من يكذب عليه أعظم الكذب، ويخبر عنه بخلاف ما الأمر عليه، ثم ينصره على ذلك ويؤيده. ويعلي كلمته ويرفع شأنه، ويجيب دعوته ويهلك عدوه، ويظهر على يديه من الآيات والبراهين والأدلة
الحواشي
(١) ومن قرأ بالتشديد، فمعناه لا ينسبونك إلى الكذب، وقيل: لا يعتقدون كذبك. انتهى، ومر له مزيد.
"وروي؛ أن أبا جهل لقيه النبي ﷺ في بعض فجاج مكة، فصافحه، فقيل له: أتصافحه" وأنت تعاديه، "فقال: والله إني لأعلم أنه نبي، ولكن متى كنا تبعًا لبني عبد مناف، فأنزل الله الآية" ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَك﴾ ، والجمع بين هذا وحديث علي؛ أنه صافحه وقال: له: إنا لا نكذبك. إلخ، وقال لسائله: والله إني.. إلخ، "رواه ابن أبي حاتم".
ونقل البغوي وغيره عن السدي، قال التقي الأخنس بن شريق: وأسلم بعد ذلك وأبو جهل، فقال: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد، أصادق هو أم كاذب؟، فإنه ليس هنا أحد يسمع كلامك غيري، فقال أبو جهل: والله إن محمدًا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء، والسبقاية، والحجابة، والندوة، والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش، فأنزل الله هذه الآية، وفي الشفاء: روي أن النبي ﷺ لما كذبه قومه حزن، فجاءه جبريل، فقال: ما يحزنك، قال: "كذبني قومي، فقال: إنهم يعلمون أنك صاد"، فأنزل الله هذه الآية، قال السيوطي: لم أجد هذا.
"والقرآن كله مملوء بالآيات الدالة على صدق هذا الرسول الكريم، وتحقيق رسالته" نبوتها "وكيف" استفهام إنكاري على من ينسب الكذب للنبي، أي: لا "يليق بكمال الله تعالى أن يقر من يكذب عليه أعظم الكذب"، مع قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١] ، "ويخبر عنه بخلاف ما الأمر عليه، ثم ينصروه على ذلك، ويؤيده" ويقويه، "ويعلي كلمته، ويرفع شأنه" أمره "ويجيب دعوته" أي: جنسها، "ويهلك عدوه، ويظهر على يديه من الآيات والبراهين والأدلة": ألفاظ متقاربة، "ما يضعف عنه قوى البشر، وهو مع ذلك كاذب عليه، مفتر، ساع في الأرض بالفساد، ومعلوم أن شهادته" اطلاعهстр. 3877
ما يضعف عنه قوى البشر، وهو مع ذلك كاذب عليه، مفتر ساعٍ في الأرض بالفساد.
ومعلوم أن شهادته على كل شيء، وقدرته على كل شيء وحكمته وعزته وكماله المقدس يأبى ذلك كل الإباء، ومن ظن ذلك به وجوازه عليه فهو من أبعد الخلق عن معرفته إن عرف منه بعض صفاته كصفة القدرة وصفة المشيئة.
والقرآن كله مملوء من هذه الطريق، وهذه طريق الخاصة، بل خاصة الخاصة الذين يستدلون بالله على أفعاله، وما يليق به أن يفعله وما لا يفعله. وإذا تدبرت القرآن رأيته ينادي على ذلك وبيديه ويعيده لمن له فهم وقلب واع عن الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ
الحواشي
(١) "سبحانه على كل شيء"، كما قال: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد﴾ [سبأ: ٤٧] ، "وقدرته على كل شيء، وحكمته، وعزته، وكماله المقدس"، المطهر عما لا يليق به، "يأبى ذلك كل الإباء" أشد الامتناع، "ومن ظن ذلك به، وجوزه عليه، فهو من أبعد الخلق عن معرفته إن عرف منه بعض صفاته، كصفة القدرة وصفة المشيئة" أي: أن جميع الناس يدركون كثيرًا من صفاته ويقرون بها، ومن حق من عرف شيئًا منها أن يعترف بما ظهر له من الأدلة باتصافه ﷺ بجميع صفات الكمال اللائقة بالأنبياء.
"والقرآن كله مملو من هذه الطريق، وهذه طريق الخاصة، بل خاصة الخاصة الذين يستدلون بالله" أي: بذاته وصفاته، "على أفعاله، وما يليق به أن يفعله وما لا يفعله" وليس الحكم مقصورًا على الذات من غير اعتبار، صفة زائدة عليها، كما تقول المعتزلة، "وإذا تدبرت القرآن" أي: تأملت معانيه وتبصرت ما فيه، "رأيته ينادي على ذلك، ويبديه ويعيده لمن له في وقلب واع عن الله تعالى" يتفكر به في حقائقه، فالمنتفع بالقرآن المتأهل لأمره ونهيه هو الجامع بين الحفظ والفهم، وإتعاب النفس في تأمل ألفاظه ومعانيه.
"قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّل﴾ الرسول الكريم ﴿عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ بأن قال عنا ما لم نقله، ﴿لَأَخَذْنَا﴾ لنلنا ﴿مِنْهُ﴾ عقابًا ﴿بِالْيَمِينِ﴾ بالقوة والقدرة، ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ نياط القلب، وهو عرق متصل به إذا انقطع مات صاحبه، ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ هو اسم ماء ومن زائدة لتأكيد النفي، ومنكم حال من أحد، وهو في الأصل نعت له، فلما قدم عليه أعرب حالًا ﴿عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤] ، مانعين، خبر ما، وجمع؛ لأن أحدًا في سياق النفي، بمعنىстр. 3878
لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] ، أفتراه يخبر أن كماله وحكمته وقدرته تأبى أن يقر من تقول عليه بعض الأقاويل، بل لا بد أن يجعله عبرة لعباده، كما جرت بذلك سننه في المتقولين عليه.
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤] ههنا انتهى جواب الشرط. ثم أخبر خبرًا جازمًا غير معلق أنه يمحو الباطل ويحق الحق.
وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ
الحواشي
(١) الجمع وضمير عنه للنبي، أي: لا مانع لنا عنه من حيث العقاب، "أفتراه يخبر أن كماله وحكمته وقدرته تأبى أن يقر من تقول عليه بعض الأقاويل"، ثم يقر من يكذب عليه، لا "بل لا بد أن يجعله عبرة لعباده، كما جرت بذلك سنته" عادته "في المتقولين عليه" فذلك دليل على صدقه ﷺ .
"وقال تعالى: ﴿أَمْ﴾ بمعنى بل، ﴿يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بنسبة القرآن إلى الله، ﴿فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤] ، ههنا انتهى جواب الشرط" وهو فإن يشأ الله، والقصد به كما في البيضاوي استبعاد الافتراء عن مثله بالإشعار على أنه إنما يجترئ عليه من كان مختومًا على قلبه، جاهلًا، بربه، وأما من كان ذا بصيرة ومعرفة فلا، وكأنه قال: إن يشأ الله خذلانك تجترئ بالإفتراء عليه، وقيل: يختم على قلبك، يمسك القرآن والوحي عنه، أو يربط عليه بالصبر عليه، فلا يشق عليه إذا هم انتهى.
"ثم أخبر خبرًا جازمًا غير معلق، ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤] ، فهو كما في البيضاوي استئناف لنفي الافتراء عما يقول؛ بأنه لو كان مفتري لمحقه، إذ من عادته تعالى محو الباطل وإثبات الحق بوحيه، أو بقضائه لا مرد له.
"وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عظموه حق عظمته، أو ما عرفوه حق معرفته، ﴿إِذْ قَالُوا﴾ للنبي ﷺ ، وقد خاصموه في القرآن، ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٢] .
قال ابن عباس: قائل ذلك اليهود، وقال مجاهد: مشركو قريش، وقال السدي: فنحاض اليهودي، وقال سعيد بن جبير: مالك بن الصيف، أخرجهما ابن أبي حاتم، "فأخبر أن من نفي عنه الإرسال والكلام لم يقدره حق قدره، ولا عرفه كما ينبغي، ولا عظمه كما يستحق" فيстр. 3879
مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] ، فأخبر أن من نفى عنه الإرسال والكلام لم يقدره حق قدره، ولا عرفه كما ينبغي ولا عظمه كما يستحق، فكيف من ظن أنه ينصر الكاذب المفتري عليه، ويؤيده ويظهر على يديه الآيات والأدلة؟
وهذا في القرآن كثير يستدل تعالى بكماله المقدس وأوصافه وجلاله على صدق رسوله، وعلى وعده ووعيده، ويدعو عباده إلى ذلك.
وقال تعالى لمن طلب آية تدل على صدق رسوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، قُلْ
الحواشي
(١) الرحمة والإنعام على العباد، فإن الوحي والبعث من عظائم رحمته وجلائل نعمته، أو ما قدروه في السخط على الكفار، وشدة البطش بهم حين جسروا على هذه المقالة.
"فكيف من ظن أنه ينصر الكاذب المفتري عليه، ويؤيده ويظهر على يديه الآيات والأدلة، وهذا" أي: تعظيمه ﷺ بالآيات الدالة على كماله "في القرآن كثير" وذلك؛ لأنه "يستدل" بزيادة السين والتاء، أي: يدل "تعالى" خلقه" "بكماله المقدس، وأوصافه، وجلاله على صدق رسوله" فيما جاء به، "وعلى وعده ووعيده" مثلًا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] ، دل بكونه خالقًا للناس، منعمًا عليهم، بجعل الأرض فراشًا، والسماء بنا.. إلخ، على أن من قدر على ابتداء هذه الأحوال لا يعجز عن بعثهم بعد فناء أجسادهم، ومن لازم ذلك صدق الرسول في أخباره عن الله بالبعث والإعادة، "ويدعو عباده إلى ذلك" أي: تصديقه فيما جاء ﵊، أو الإشارة راجعة للصدق بتقرير مضاف، أي: إلى اعتقاد صدق رسوله.
"وقال تعالى لمن طلب آية تدل على صدق رسوله" مثل ناقة صالح، وعصا موسى، ومائدة عيسى، وهم الذين قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٧] ، فرد عليهم بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ فيما طلبوا ﴿أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَاب﴾ القرآن ﴿يُتْلَى عَلَيْهِم﴾ فهو آية مستمرة لا انقضاء لها، بخلاف ما ذكر من الآيات، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الكتاب ﴿لَرَحْمَةً﴾ لنعمة عظيمة ﴿وَذِكْرَى﴾ عظة ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] الآية، لمن همه الإيمان دون التعنت.
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم والدارمي عن يحيى بن جعدة، قال: جاء ناس من المسلمين يكتب قد كتبوها فيها بعض ما سمعوه من اليهود، فقال ﷺ : "كفى بقوم ضلالة أن يرغبوا عما جاء بهم نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره" إلى غيرهم، فنزلت: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ ، ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ بصدقي، وقد صدقني بالمعجزات، أو بتبليغстр. 3880
كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١-٥٢] ، فأخبر سبحانه أن الكتاب الذي أنزله يكفي من كل آية، ففيه الحجة والدلالة على أنه من الله تعالى، وأن الله سبحانه أرسل به رسوله، وفيه بيان ما يوجب لمن اتبعه السعادة، وينجيه من العذاب، ثم قال: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فإذا كان سبحانه عالمًا بجميع الأشياء كانت شهادته أعظم شهادة وأعدلها، فإنها شهادة بعلم تام محيط بالمشهود به، وهو يذكر علمه عند شهادته وقدرته، وملكه عند مجازاته، وحكمته عند خلقه، وأمره ورحمته عند ذكر إرسال رسله، وحلمه عند ذنوب عباده. فتأمل ورود
الحواشي
(١) ما أرسلت به إليكم، ونصحي، ومقابلتكم إياي بالتكذيب والتعنت ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فلا يخفى عليه حالي وحالكم ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِل﴾ ، وهو ما يعبد من دون الله ﴿وَكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ منكم ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون﴾ [العنكبوت: ٥٢] في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان.
"فأخبر سبحانه؛ أن الكتاب الذي أنزله يكفي من" أي: بدل، "كل آية" لانقضائها بخلافه، "ففيه الحجة، والدلالة على أنه من الله تعالى، وأن الله سبحانه أرسل به رسوله، وفيه بيان ما يوجب لمن اتبعه السعادة، وينجيه من العذاب" بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ، "ثم قال: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ، فإذا كان سبحانه عالمًا بجميع الأشياء" المعبر عنها بما في السموات والأرض "كانت شهادته أعظم شهادة وأعدلها، فإنها شهادة بعلم تام، محيط بالمشهود به" بخلاف شهادة غيره، فليس لها هذا الوصف، إذ قد يخفى عليه ما يمنعه من الشهادة بما شاهده لو علمه، "وهو ، يذكر علمه عند شهادته" فهذا حكمة قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ، بعد قوله: ﴿شَهِيدًا﴾ مع أنه مقطوع، محقق الحصول عند كل أحد.
"و" يذكر "قدرته وملكه عند مجازاته" لإفادته أنه لا يعجزه شيء، "وحكمته عند خلقه، وأمره ورحمته عند ذكر إرسال رسله، وحلمه عند ذنوب عباده" تنبيهًا لهم على التوبة، وأن لا يقنطوا، "فتأمل ورود أسمائه الحسنى في كتابه، وارتباطها بالخلق والأمر، والثواب والعقاب" يظهر لك من أسرارها العجب العجاب، وحاصله أن من عادته تعالى إذا ذكر أمرًا تقصر عن إدراكه العقول، ذكر أنه إنما أخبر عنه بعلم تام وقدرة كاملة، فليس إخباره عن شيء،стр. 3881
أسمائه الحسنى في كتابه، وارتباطها بالخلق والأمر والثواب والعقاب.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] .
الحواشي
(١) كإخبار بعض البشر عما شاهده؛ لأنه قد يخفي عليه ما يمنعه الشهادة لو علمه، أو من المجازة عليه.
"وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٨] تيسيره أطلق له؛ لأنه من أسبابه، وقيد به إشارة إلى أنه أمر صعب، لا يتأتى إلا بمعونته تعالى، قاله البيضاوي وغيره.
وقال العز بن عبد السلام في مجاز القرآن: إذنه مشيئته وإرادته؛ لأن الغالب في الإذن أن لا يقع إلا بمشيئة، واعتبار الملازمة الغالبة تصحيح المجاز، أو بأمر التكوين، فإن الأمر يلازمه مشيئة الآمر غالبًا.
وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّه﴾ بأمره [البقرة: ٢٥١] ، وقوله: ﴿كُنْ﴾ ، وهو من مجاز التمثيل، شبه سهولة الأشياء في قدرته بسهولة هذه الكلمة على الناطق بها، تفهيمًا لسرعة نفوذ مشيئته وقدرته فيما يريده، ويعبر بالإذن عن التيسير والتسهيل، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٢١] ، أي: بتيسيره وتسهيله، إذ لا يحسن أن يقال دعوته بإذني، ولا قمت وقعدت بإذني، ولذا قال الزمخشري: يجوز أن يراد بالإذن هنا الأمر، أي: يدعوكم إلى الجنة والمغفرة، بأمره إياكم بطاعته، وكلاهما من مجاز الملازمة. انتهى.
﴿سِرَاجًا﴾ أحوال مقدرة ﴿مُنِيرًا﴾ قال عياض: جمع الله له في هذه الآية ضروبًا من رتب الأثرة، وجملة أوصاف من المدحة، فجعله شاهدًا على أمته، بإبلاغهم الرسالة، وهي من خصائصه، ومبشرًا لأهل طاعته، ونذيرًا لأهل معصيته، وداعيًا إلى الله بإذنه إلى توحيده وعبادته وسراجًا منيرًا يهتدى به إلى الحق.
وقال ابن عطية: هذه أرحى آية في القرآن؛ لأنه أمره بتبشير المؤمنين بالفضل الكبير، وقد فسره في آية أخرى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] الآية، "أي: شاهدًا على الوحدانية" أي: اتصافه تعالى؛ بأنه واحد أحد، لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولم يقيد الشهادة، فشملت الشهادة بها في الدنيا والآخرة.
وفي البيضاوي: شاهدًا على من بعثت إليهم، بتصديقهم وتكذيبهم، ونجاتهم وضلالهم،стр. 3882
أي شاهدًا على الوحدانية، وشاهدًا في الدنيا بأحوال الآخرة من الجنة والنار والميزان والصراط، وشاهدًا في الآخرة بأحوال الدنيا، وبالطاعة وبالمعصية والصلاح والفساد، وشاهدًا على الخلق يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُول
الحواشي
(١) وكذا تقدم عن عياض؛ فجعلا ذلك صلة الشهادة، وجعلا صلة داعيًا إلى الإقرار بالله وتوحيده، وما يجب الإيمان به من صفاته، وهو خلاف ما ذكر المصنف.
"وشاهدًا في الدنيا بأحوال الآخرة" أي: بما يكون فيها ذاتًا، أو صفة، "من الجنة والنار، والميزان والصراط، وشاهدًا في الآخرة بأحوال الدنيا، و" ذلك بأن يشهد للمطيع "بالطاعة" وعلى العاصي، "بالمعصية" فهو بيان للمراد بالشهادة، "والصلاح" الواقع من المطيع "والفساد" من العاصي، وعلمه ﷺ بذلك؛ لأن أعمال أمته تعرض عليه، كما ثبت في الحديث، واستشكل مع حديث الصحيح: "ليذاد رجال عن حوضي، كما يذاد البعير الضال، أناديهم ألا هلم، فيقال: إنهم بدلوا وغيروا بعدك، فأقول سحقًا سحقًا".
وفي رواية: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، وأجيب بأنها إنما تعرض عليه عرضًا مجملًا، فيقال: عملت أمتك شرًا عملت أمتك خيرًا، أو أنها تعرض عليه دون تعيين عاملها، قاله الأبي.
"وشاهدًا على الخلق يوم القيامة" بإبلاغ أنبيائهم وتزكية أمته، "كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ الآية.
روى أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد، مرفوعًا: "يجيء نوح وأمته، فيقول الله: هل بلغت؟، فيقول: نعم، أي: رب، فيقول لأمته: هل بلغكم؟، فيقولون: لا، ما جاءنا من نبي، فيقول لنوح: من يشهد لك، فيقول: محمد وأمته، وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ، والوسط العدل، فتدعون، فتشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم".
وروى أحمد والنسائي وابن ماجه، عن أبي سعيد، رفعه: "يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، ويجيء النبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك، فيقال له: هل بلغت قومك؟، فيقول: نعم، فيدعي قومه، فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال له: من يشهد لك؟، فيقول: محمد وأمته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟، فيقولون: نعم فيقال: وما علمكم؟، فيقولون: جاء نبينًا، فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا وصدقناه، فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ " [البقرة: ١٤٣] .стр. 3883
عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .
كأنه تعالى يقول: يا أيها المشرف من قبلنا، إنا أرسلناك شاهدًا بوحدانيتنا ومشاهدًا كمال فردانيتنا، تبشر عبادنا عنا، وتنذرهم مخالفة أمرنا، وتعلمهم مواضع الخوف منا، وداعيًا الخلق إلينا، وسراجًا يستضاء بك، وشمسًا تبسط شعاعك على جميع من صدقك وآمن بك، ولا يصل إلينا إلا من اتبعك وخدمك وقدمك، فبشر بفضلنا وطولنا عليهم وإحساننا لديهم.
ولما كان الله تعالى قد جعله ﵊ شاهدًا على الوحدانية، والشاهد لا يكون مدعيًا، فالله تعالى لم يجعل النبي في مسألة الوحدانية مدعيًا
الحواشي
(١) قال البيضاوي: وهذه الشهادة وإن كانت لهم، لكن لما كان الرسول كالرقيب المؤتمن على أمته عدي بعلي، وقدمت الصلة للدلالة على اختصاصهم يكون الرسول شهيدًا عليهم، وطالبهم بالبينة، وهو أعلم إقامة للحجة على المنكرين. انتهى، ولإظهار فضل هذه الأمة على رؤوس الأشهاد.
قال أبو الحسن القابسي: أبان الله فضل نبينا وفضل أمته بهذه الآية، وفي قوله: ﴿وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨] ، وكذلك قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] الآية.
"كأنه تعالى يقول: يا أيها المشرف" "بالفاء" بالنبوة "من قبلنا إنا أرسلناك شاهدًا بوحدانيتنا، ومشاهدًا كمال فردانيتنا، تبشر عبادنا عنا، وتنذرهم مخالفة أمرنا، وتعلمهم مواضع الخوف منا"، وهي المعاصي، "وداعيًا الخلق إلينا"، أي: إلى ما يجب إلينا، "وسراجًا يستضاء بك" من ظلمات الجهل، ويقتبس من نورك أنوار البصائر، "وشمسًا تبسط شعاعك يستضاء بك" من ظلمات الجهل، ويقتبس من نورك أنوار البصائر، "وشمسًا تبسط شعاعك على جميع من صدقك وآمن بك، ولا يصل إلينا إلا من أتبعك وخدمك وقدمك" على جميع الخلق، بأن علم كمالك الذي تتميز به على غيرك، وأذن له، "فبشر" يا أيها المشرف من قبلنا المؤمنين "بفضلنا" أنعامنا عاجلًا وآجلًا، "وطولنا" أي: إحساننا "عليهم" بترك عقابهم، فتغاير العطف، لكن يصير "وإحساننا لديهم" تفسيريًا، وفي نسخة: فبشره بضمير عائد على لفظ من، وحذفه أولى.
"ولما كان الله تعالى قد جعله ﵊ شاهدًا على الوحدانية، والشاهد لا يكون مدعيًا، فالله تعالى لم يجعل النبي في مسألة الوحدانية مدعيًا لها؛ لأن المدعي من يقول شيئًا على خلاف الظاهر، والوحدانية أظهر من الشمس، والنبي ﷺ كان أدعى النبوة" قبل نزول هذه الآية، حيث أخبر أن الله بعثه، ولم يعرف بها قبل الدعوة، فأتى بخلافстр. 3884
لها؛ لأن المدعي من يقول شيئًا على خلاف الظاهر، والوحدانية أظهر من الشمس، والنبي ﷺ كان ادعى النبوة، فجعل الله تعالى شاهدًا له في مجازاة كونه شاهدًا له تعالى فقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون: ١] ، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] ، فاستشهد على رسالته بشهادة الله
الحواشي
(١) ظاهر حاله قبل، "فجعل" جواب لما أدخل عليه الفاء، "الله تعالى شاهدًا له في مجازاة كونه شاهدًا له تعالى، فقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ التلاوة، يعلم ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ ولا يصح أن يشهد تفسير ليعلم؛ لأن علم الشيء لا يستلزم الشهادة به، لكن في القاموس شهد الله أنه لا إله إلا هو، أي: علم الله، أو قال، أو كتب، "ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قيل: هم رؤساء اليهود، ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ فإنه أظهر من الأدلة على رسالتي ما يغني عن شاهد يشهد عليها، ﴿وَمَنْ عِنَْهُ عِلْمُ﴾ مرتفع بالظرف، لاعتماده على الموصول، أو مبتدأ، والظرف خبره ﴿الْكِتَابِ﴾ القرآن [الرعد: ٤٣] ، وما ألف عليه من النظم المعجز، أو علم التوراة، وهو ابن سلام وأضرابه.
قال سعيد بن جبير: هو جبريل، وقال عكرمة: هو عبد الله بن سلام، رواهما ابن أبي حاتم، وقال ابن عباس: هم اليهود والنصارى، وقال قتادة: كنا نتحدث أن منهم ابن سلام، وسلمان الفارسي، وتميمًا الدارمي، أخرجهما ابن جرير، وقيل: المراد علم اللوح المحفوظ، وهو الله.
قال الطيبي: فيلزم عطف الشيء على نفسه، فأول الزمخشري وغيره اسم الذاب بما يعطيه من معنى استحقاق العبادة، لكونه جامعًا لمعاني الأسماء، فقال: "كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم ما في اللوح إلا هو شهيدًا بيننا"، فيخزي الكاذب منا، ويؤيده قراءة من قرأ ومن عنده بالكسر خبر، والمبتدأ علم.
قال الأزهري: لا يكون إلهًا حتى يكون معبودًا وخالفًا ورازقًا ومدبرًا، فأتى بالموصول ليتوافق المعطوف والمعطوف عليه.
"فاستشهد على رسالته بشهادة الله له"، وأمره بقول ذلك، إذ لا يجحد باطنًا، "وكذلك قوله تعالى" حين قالت قريش: يا محمد لقد سألنا عنك أهل الكتاب، فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة، فأرنا ما يشهد لك أنك رسول الله، فنزلت على ما قال الكلبي، وتبعه البغوي وغيره.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير، عن ابن عباس: أن ثلاثة من اليهود جاءوا، فقالوا: يا محمدстр. 3885
له. وكذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩] ، وقوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦] ، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُه﴾ [المنافقون: ١] ، وقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّه﴾ [الفتح:
الحواشي
(١) ما نعلم مع الله إلهًا غيره، فقال: لا إله إلا الله بذلك بعثت، وإلى ذلك أدعوا، فأنزل لله في قولهم: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ﴾ آي: موجود ﴿أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ ، تمييز محول عن المبتدأ، ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩] ، على صدقي، فهو الجواب؛ لأنه تعالى إذا كان التشهد كان أكبر شيء شهادة.
قال الطيبي: فهو من أسلوب الحكيم، يعني فشهادته معلومة لا كلام فيها، وإنما الكلام في أنه شاهد لي عليكم، مبين لدعواي، وإذا ثبت أنه شيهد له، لزم أن أكبر شيء شهادة شهيد له.
ونحوه قوله التفتازاني، كأنه قيل: معلوم أن الله هو الأكبر شهادة، ولكن الأنسب بالمقام هو الإخبار بأن الله شهيد لي، لينتج مع قولنا: الله أكبر شهادة أن الأكبرة شهادة شهيد لي.
قال أبو حيان: هذا الوجه أرجح مما قدمه الزمخشري؛ أن المعنى قل الله أكبر شهادة، ثم ابتدأ شهيد، أي: هو؛ لأن فيه إضمارًا وآخرًا، والأول لا إضمار فيه مع صحة معناه.
"وقوله تعالى" روى ابن إسحاق عن ابن عباس: دخل جماعة من اليهود على النبي ﷺ ، فقال لهم: إلي والله أعلم أنكم تعلمون أني رسول الله، فقالوا: ما نعم ذلك، فأنزل الله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ يبين نبوتك ﴿بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ من القرآن المعجز،
﴿أَنْزَلَهُ﴾ ملتبسًا ﴿بِعِلْمِهِ﴾ أي: عالمًا به، أو فيه علمه، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ أيضًا لك، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦] ، على ذلك.
قال البيضاوي: استدرك على مفهوم ما قبله، وكأنه لما تعنتوا عليه بسؤال كتاب ينزل عليهم من السماء، واحتج عليهم بقوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْك﴾ [النساء: ١٦٣] ، قال: إنهم لا يشهدون، ولكن الله يشهد، أو أنهم أنكروه، ولكن الله يثبت، ويقرره بما أنزل إليك من القرآن المعجز، الدال على نبوتك.
روى ابن جرير عن ابن عباس لما نزل: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْك﴾ قالوا: ما نشهد لكن فنزلت، "وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُه﴾ [المنافقون: ١] ، فلا يضرك قول المنافقين ذلك بألسنتهم، مخالفًا لما في قلوبهم، وقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] جملة مبينة للمشهود به، ويجوز أن يكون رسول الله صفة، ومحمد خبر محذوف، أو مبتدأ، والذين معه معطوف عليه، وخبرهما أشداء على الكفار رحماء بينهم، كما في الأنوار.стр. 3886
٢٩] ، فهذا كله معه تعالى شهادة لرسوله قد أظهرها وبينها، وبين صحتها غاية البيان بحيث قطع العذر بينه وبين عباده، وأقام الحجة عليهم بكونه سبحانه شاهدًا لرسوله.
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨] .
فيظهر ظهورين: ظهورًا بالحجة والبيان، وظهورًا بالنصر والغلبة والتأييد حتى يظهر على مخالفيه ويكون منصورًا.
ومن شهادته تعالى أيضًا ما أودعه في قلوب عباده من التصديق الجازم، واليقين الثابت والطمأنينة بكلامه ووحيه، فإن الله فطر القلوب على قبول الحق
الحواشي
(١) "فهذا كله معه تعالى شهادة لرسوله ﷺ ، قد أظهرها وبينها وبين صحتها غاية البيان، بحيث قطع العذر" "بسكون الذال وتضم" للاتباع، أي: منع الأشياء التي تكون سببًا لطلب ما يزل اللوم عن الفاعل "بينه وبين عباده، وأقام الحجة عليهم، بكونه سبحانه شاهدًا لرسوله" ﷺ .
"وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ ملتبسًا به، أو بسببه، ولأجله، ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الإسلام، ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ ليعليه ﴿عَلَى﴾ جنس ﴿الدِّينِ كُلِّهِ﴾ ينسخ ما كان حقًا، وإظهار فساد ما كان باطلًا، وتسليط المسلمين على أهله، إذا ما من أهل دين إلا وقد قهرهم المسلمون، وفيه تأكيد لما وعده من الفتح، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨] الآية" على أن ما وعده كائن، أو على نبوته بإظهار المعجزات، أو على أنك مرسل، كما قال محمد رسول الله، "فيظهر ظهورين: ظهورًا بالحجة والبيان" بحيث لا يستطيع المعاند ردهما، بل يخادعون أنفسهم بالتشغيب والتكذيب والإفتراء والمباهتة والرضا بالدنية، كقولهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْف﴾ [البقرة: ٨٨] الآية، وفي أكنة مما تدعون إليه وغير ذلك، "وظهورًا بالنصر والغلبة والتأييد حتى يظهر على مخاليفه ويكون منصورًا" كما قال: "هو الذي أيدك بنصره لينصرك الله نصرًا عزيزًا" [الفتح: ٣] .
"ومن شهادته تعالى أيضًا ما أودعه في قلوب عباده، من التصديق الجازم، واليقين الثابت، والطمأنينة بكلامه" سبحانه، "ووحيه" إلى أنبيائه، "فإن الله فطر" خلق "القلوب" مشتملة "على قبول الحق، والانقياد له، والطمأنينة، والسكون إليه، ومحبته وفطرها على" أعاد العامل تنبيهًا على أن كلًا من قبول الحق، و "بغض الكذب والباطل" مقصود بالذات "والنفورстр. 3887
والانقياد له، والطمأنينة والسكون إليه ومحبته، وفطرها على بغض الكذب والباطل والنفور عنه وعدم السكون إليه، ولو بقيت الفطرة على حالها لما آثرت على الحق سواه، ولما سكنت إلا إليه، ولا اطمأنت إلا به، ولا أحبت غيره. ولهذا ندب الحق سبحانه إلى تدبر القرآن، فإن كل من تدبره أوجب له علمًا ضروريًا ويقينًا جازمًا أنه حق، بل أحق كل حق، وأصدق كل صدق قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] ، فلو رفعت الأقفال عن القلوب لباشرتها حقائق القرآن، واستنارت فيها مصابيح الإيمان، وعلمت علمًا ضروريًا كسائر الأمور الوجدانية كاللذة والألم أنه من عند الله، تكلم به حقًا، وبلغه رسوله جبريل إلى رسوله محمد ﷺ . فهذا الشاهد في القلب من أعظم الشواهد. انتهى ملخصًا من مدارج السالكين.
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:
الحواشي
(١) عنه، وعدم السكون إليه، ولو بقيت الفطرة" "بالكسر" الخلقة "على حالها لما آثرت" قدمت "على الحق سواء، ولما سكنت" اطمأنت "لا إليه، ولا اطمأنت إلا به، ولا أحبت غيرهن ولهذا ندب" دعا "الحق سبحانه إلى تدبر القرآن، فإن كل من تدبره أوجب له علمًا ضروريًا، ويقينًا جازمًا أنه حق، بل أحق كل حق، وأصدق كل صدق، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآن﴾ يتصفحونه وما فيه من المواعظ والزواجر حتى لا يجسروا على المعاصي، ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] ، لا يصل إليها ذكر، ولا ينكشف لها أمر، وقيل: أم منقطعة، والهمزة للتقرير ونكر قلوب؛ لأن المراد قلوب بعض منهم، أو للإشعار بأنها لإبهام أمرها في القساوة، أو لفرط جهالتها، كأنها مبهمة منكورة، وإضافة الأقفال إليها للدلالة على أقفال مناسبة لها، مختصة بها لا تجانس الأقفال المعهودة، وقرئ أقفالها على المصدر، قاله البيضاوي.
"فلو رفعت الأقفال عن القلوب لباشرتها حقائق القرآن، واستنارت فيها مصابيح الإيمان، وعلمت علمًا ضروريًا، كسائر الأمور الوجدانية" "بكسر الواو" كاللذة والألم، إنه من عند الله، كلم به حقًا، وبلغه رسوله جبريل إلى رسوله محمد ﷺ ، فهذا الشاهد في القلب من أعظم الشواهد. انتهى ملخصًا من مدارج السالكين" للعلامة ابن القيم في شرح منازل السائلين لشيخ الإسلام الهروي. "وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] ، حال من الضمير في إليكم.стр. 3888
١٥٨] .
ففي هذه الآية دلالة على أنه ﷺ مبعوث إلى كافة الثقلين.
وقالت العيسوية من اليهود وهم أتباع عيسى الأصفهاني: إن محمدًا صادق مبعوث إلى العرب، غير مبعوث إلى بني إسرائيل.
ودليلنا على إبطال قولهم هذه الآية؛ لأن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطاب يتناول كل الناس، ثم قال: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ وهذا يقتضي كونه مبعوثًا إلى جميع الناس.
وأيضًا: فلأنًا نعلم بالتواتر أنه كان يدعي أنه مبعوث إلى الثقلين. فإما أن
الحواشي
(١) قال المفتي: لما حكى ما في الكتابين من نعوته ﷺ ، وشرف من يتبعه من أهلهما ونيلهم لسعادة الدارين، أمر عليهالصلاة والسلام ببيان أن تلك السعادة غير مختصة بهم، بل شاملة لكل من تبعه كائنًا من كان، ببيان عموم رسالته للثقلين مع اختصاص سائرالرسل بأقوامهم، وإرسال موسى إلى فرعون، وملئه بالآيات التسع، إنما كان لأمرهم بعبادة رب العالمين، وترك العظمة التي كان يدعيها الطاغية، ويقبلها منه الفئة الباغية، وبإرسال بني إسرائيل من الأسر والقسر، وأما العمل بأحكام التوراة، فمختص ببني إسرائيل. انتهى.
"ففي هذه الآية دلالة على أنه ﷺ مبعوث إلى كافة الثقلين" الإنس والجن، سيما بذلك لثقلهما على الأرض، أو لرزانة رأيهم وقدرهم، أو؛ لأنهما مثقلان بالتكليف، ووجه الدلالة أن الناس وإن غلب استعماله في الإنس، لكنه اسم للإنس والجن؛ لأنه مشتق من ناس ينوس، إذا تحرك فيطلق عليهما وبهما، فسر في صدور الناس.
"وقالت العيسوية من اليهود، وهم أتباع عيسى" المنقول لغيره أبي عيى "الأصفهاني"، زاد في نسخة: النصراني، ولا ينافيها قوله أولا من اليهود، لجواز أنه كان نصرانيا، ثم تهود، فتبعته تلك الطائفة: "إن محمدا صادق مبعوث إلى العرب، غير مبعوث إلى بني إسرائيل، ودليلنا على إبطال قولهم في هذه الآية؛ لأن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطاب عام "يتناول كل الناس" العرب، وبني إسرائيل وغيرهم، فتخصيصه بالعرب من أين، "ثم قال" بأمر الله تعالى قل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ وهذا يقتضي كونه مبعوثا إلى جميع الناس، اقتضاء ظاهرا، لا سيما مع قوله جميعا، فهو قريب من الصريح.
"وأيضا" دليل ثان في الرد على العيسوية: "فلأنا نعلم بالتواتر أنه كان يدعي"، أي: يذكر "أنه مبعوث إلى الثقلين، فإما أن نقول أنه كان رسولا حقا، أو كان كذلك" منстр. 3889
نقول: إنه كان رسولًا حقًا، أو ما كان كذلك، فإن كان رسولًا حقًا امتنع الكذب عليه، ووجب الجزم بكونه صادقًا في كل ما يدعيه، فلما ثبت بالتواتر وبظاهر هذه الآية أنه كان يدعي أنه مبعوث إلى جميع الثقلين، وجب كونه صادقًا، وذلك يبطل قول من يقول: إنه كان مبعوثًا إلى العرب فقط، لا إلى بني إسرائيل.
وإذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ من الناس من يقول: إنه عام دخله التخصيص، ومنهم من أنكر ذلك.
أما الأولون فقالوا: دخله التخصيص من وجهين:
الأول: أنه رسول إلى الناس إذا كانوا من جملة المكلفين، فإذا لم يكونوا من جملة المكلفين لم يكن رسولًا إليهم، وذلك؛ لأنه ﵇ قال: "رفع القلم
الحواشي
(١) إرخاء العنان للخصم للزوم الحجة له، "فإن كان رسولٌا حقًا" كما اعترفت به أيها الخصم، "امتنع الكذب عليه"، لاستحالته على الرسول، "ووجب الجزم بكونه صادقًا في كل ما يدعيه" ومنه أنه رسول إلى بني إسرائيل، "فلما ثبت بالتواتر وبظاهر هذه الآية" لما يقل بصريحها، لاحتمال أن أل فيها للجنس، ولكن يمنعه، أو يبعد التأكيد بقوله جميعًا؛ "أنه كان يدعي أنه مبعوث إلى جميع الثقلين، وجب كونه صادقًا، وذلك يبطل قول من يقول: إنه كان مبعوثًا إلى العرب فقط، لا إلى بني إسرائيل" وعبر بيدعي؛ لأن الإدعاء قول يخالف الظاهر، كما قدمه، وهذا وإن طابق الواقع بحسب نفس الأمر، لكنه مخالف للظاهر، فلذا أتى بالأدلة والبراهين لإثبات رسالته.
"وإذا ثبت هذا، فنقول قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم جَمِيعًا﴾ ، من الناس من يقول: إنه عام دخله التخصيص، ومنهم من أنكر ذلك".
"أما الأولون" ترك عديله إما لظهوره، أي: وأما المنكرون، فقالوا: هو باق على عمومه، والتكليف، ووصول خبر الرسالة ليس شرطًا في الرسالة، وإنما هو شرط في المؤاخذة بما بلغه.
"فقالوا: دخله التخصيص من وجهين: الأول: أنه رسول الله إلى الناس، إذا كانوا من جملة المكلفين" لا مجانين وصبيانًا، "فإذا لم يكونوا من جملة المكلفين لم يكن رسولًا إليهم، وذلك؛ لأنه ﵇ قال" كما رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، عن علي وعمر: أن رسول الله ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاث" كناية عن عدم التكليف؛ لأنه يلزم منه الكناية، وعبر برفع إشعارًا؛ بأن التكليف لازم لبني آدم، لا ينفكстр. 3890
"عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستقيظ، وعن المجنون حتى يفيق".
والثاني: أنه رسول الله إلى كل من وصله خبر وجوده، وخبر معجزاته وشرائعه، حتى يمكنه عند ذلك متابعته. أما لو قدرنا حصول قوم في طرف من أطراف الأرض لم يبلغهم خبره وخبر معجزاته وشرائعه حتى لا يمكنهم عند ذلك متابعته فلا يكونون مكلفين بالإقرار بنبوته. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال:
الحواشي
(١) عنهم إلا عن ثلاثة، "عن الصبي" الطفل، ولو مراهقًا "حتى يبلغ" وفي رواية: حتى يكبر، وأخرى: حتى يشب، وأخرى: حتى يحتلم.
قال السبكي: ليس في روايتي "حتى يكبر"، وحتى يبلغ من البيان ما في رواية حتى يحتلم، فالتمسك بها لبيانها أولى؛ لأن حتى يبلغ مطلق، وحتى يحتلم مقيد، فيحمل عليه، فإن الاحتمال بلوغ قطعًا، وعدم بلوغ السن ليس ببلوغ قطعًا، "وعن النائم حتى يستيقظ" من نومه، "وعن المجنون" زاد في رواية: المغلوب على عقله "حتى يفيق" وفي رواية: حتى يبرأ، أي: بالإفاقة، وفي أخرى: حتى يعقل، وفي أخرى: وعن المبتلى حتى يبرأن أي: المبتلي بداء الجنون.
قال ابن حبان: والمراد برفع القلم ترك كتابة الشر عليهم دون الخير.
قال الزين العراقي: وهو ظاهر في الصبي دون المجنون والنائم؛ لأنهما في حيز من ليس قابلًا لصحة العبادة منهم لزوال الشعور، فالمرفوع عن الصبي قلم المؤاخذة، لا قلم الثواب، لقوله ﷺ للمرأة لما سألته: "ألهذا حج؟، قال: "نعم" واختلف في تصرف الصبي، فصححه أبو حنيفة ومالك بإذن وليه مراعاة للتميز، وأبطله الشافعي مراعاة للتكليف.
"والثاني: أنه رسول الله إلى كل من وصله خبر وجوده، وخبر معجزاته وشرائعه حتى يمكنه عند ذلك متابعته. أما لو قدرنا" قد يشعر بعدم وجوده والمصرح به في الفروع والأصول، خلافه "حصول قوم في طرف من أطراف الأرض لم يبلغهم خبره، وخبر معجزاته وشرائعه حتى لا يمكنهم عند ذلك متابعته، فلا يكونون مكلفين بالإقرار بنبوته" ويكونون من الناجين في الآخرة لعذرهم بعدم بلوغ الدعوة، ولكن لا يصلي عليهم؛ لأنه إنما يصلى على المحقق إسلامه، ولا يجوز لعنهم؛ لأنهم لعدم تكذيبهم في معنى المسلم، كما قال الغزالي: أنه التحقيق لا مسلم، كما عبر به بعض، أو على الفطرة، كما عبر به آخر، واختار السبكي التعبير بناج.
"وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: "والذي نفسي بيده" أقسم تقوية للحكم، "لا يسمع بي أحد من هذه الأمة" التي وجد فيهم إلى قيام الساعة، "ولا يهودي، ولاследующие страницы →