Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.
стр. 3886
٢٩] ، فهذا كله معه تعالى شهادة لرسوله قد أظهرها وبينها، وبين صحتها غاية البيان بحيث قطع العذر بينه وبين عباده، وأقام الحجة عليهم بكونه سبحانه شاهدًا لرسوله.
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨] .
فيظهر ظهورين: ظهورًا بالحجة والبيان، وظهورًا بالنصر والغلبة والتأييد حتى يظهر على مخالفيه ويكون منصورًا.
ومن شهادته تعالى أيضًا ما أودعه في قلوب عباده من التصديق الجازم، واليقين الثابت والطمأنينة بكلامه ووحيه، فإن الله فطر القلوب على قبول الحق
الحواشي
(١) "فهذا كله معه تعالى شهادة لرسوله ﷺ ، قد أظهرها وبينها وبين صحتها غاية البيان، بحيث قطع العذر" "بسكون الذال وتضم" للاتباع، أي: منع الأشياء التي تكون سببًا لطلب ما يزل اللوم عن الفاعل "بينه وبين عباده، وأقام الحجة عليهم، بكونه سبحانه شاهدًا لرسوله" ﷺ .
"وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ ملتبسًا به، أو بسببه، ولأجله، ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الإسلام، ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ ليعليه ﴿عَلَى﴾ جنس ﴿الدِّينِ كُلِّهِ﴾ ينسخ ما كان حقًا، وإظهار فساد ما كان باطلًا، وتسليط المسلمين على أهله، إذا ما من أهل دين إلا وقد قهرهم المسلمون، وفيه تأكيد لما وعده من الفتح، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨] الآية" على أن ما وعده كائن، أو على نبوته بإظهار المعجزات، أو على أنك مرسل، كما قال محمد رسول الله، "فيظهر ظهورين: ظهورًا بالحجة والبيان" بحيث لا يستطيع المعاند ردهما، بل يخادعون أنفسهم بالتشغيب والتكذيب والإفتراء والمباهتة والرضا بالدنية، كقولهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْف﴾ [البقرة: ٨٨] الآية، وفي أكنة مما تدعون إليه وغير ذلك، "وظهورًا بالنصر والغلبة والتأييد حتى يظهر على مخاليفه ويكون منصورًا" كما قال: "هو الذي أيدك بنصره لينصرك الله نصرًا عزيزًا" [الفتح: ٣] .
"ومن شهادته تعالى أيضًا ما أودعه في قلوب عباده، من التصديق الجازم، واليقين الثابت، والطمأنينة بكلامه" سبحانه، "ووحيه" إلى أنبيائه، "فإن الله فطر" خلق "القلوب" مشتملة "على قبول الحق، والانقياد له، والطمأنينة، والسكون إليه، ومحبته وفطرها على" أعاد العامل تنبيهًا على أن كلًا من قبول الحق، و "بغض الكذب والباطل" مقصود بالذات "والنفورстр. 3887
والانقياد له، والطمأنينة والسكون إليه ومحبته، وفطرها على بغض الكذب والباطل والنفور عنه وعدم السكون إليه، ولو بقيت الفطرة على حالها لما آثرت على الحق سواه، ولما سكنت إلا إليه، ولا اطمأنت إلا به، ولا أحبت غيره. ولهذا ندب الحق سبحانه إلى تدبر القرآن، فإن كل من تدبره أوجب له علمًا ضروريًا ويقينًا جازمًا أنه حق، بل أحق كل حق، وأصدق كل صدق قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] ، فلو رفعت الأقفال عن القلوب لباشرتها حقائق القرآن، واستنارت فيها مصابيح الإيمان، وعلمت علمًا ضروريًا كسائر الأمور الوجدانية كاللذة والألم أنه من عند الله، تكلم به حقًا، وبلغه رسوله جبريل إلى رسوله محمد ﷺ . فهذا الشاهد في القلب من أعظم الشواهد. انتهى ملخصًا من مدارج السالكين.
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:
الحواشي
(١) عنه، وعدم السكون إليه، ولو بقيت الفطرة" "بالكسر" الخلقة "على حالها لما آثرت" قدمت "على الحق سواء، ولما سكنت" اطمأنت "لا إليه، ولا اطمأنت إلا به، ولا أحبت غيرهن ولهذا ندب" دعا "الحق سبحانه إلى تدبر القرآن، فإن كل من تدبره أوجب له علمًا ضروريًا، ويقينًا جازمًا أنه حق، بل أحق كل حق، وأصدق كل صدق، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآن﴾ يتصفحونه وما فيه من المواعظ والزواجر حتى لا يجسروا على المعاصي، ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] ، لا يصل إليها ذكر، ولا ينكشف لها أمر، وقيل: أم منقطعة، والهمزة للتقرير ونكر قلوب؛ لأن المراد قلوب بعض منهم، أو للإشعار بأنها لإبهام أمرها في القساوة، أو لفرط جهالتها، كأنها مبهمة منكورة، وإضافة الأقفال إليها للدلالة على أقفال مناسبة لها، مختصة بها لا تجانس الأقفال المعهودة، وقرئ أقفالها على المصدر، قاله البيضاوي.
"فلو رفعت الأقفال عن القلوب لباشرتها حقائق القرآن، واستنارت فيها مصابيح الإيمان، وعلمت علمًا ضروريًا، كسائر الأمور الوجدانية" "بكسر الواو" كاللذة والألم، إنه من عند الله، كلم به حقًا، وبلغه رسوله جبريل إلى رسوله محمد ﷺ ، فهذا الشاهد في القلب من أعظم الشواهد. انتهى ملخصًا من مدارج السالكين" للعلامة ابن القيم في شرح منازل السائلين لشيخ الإسلام الهروي. "وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] ، حال من الضمير في إليكم.стр. 3888
١٥٨] .
ففي هذه الآية دلالة على أنه ﷺ مبعوث إلى كافة الثقلين.
وقالت العيسوية من اليهود وهم أتباع عيسى الأصفهاني: إن محمدًا صادق مبعوث إلى العرب، غير مبعوث إلى بني إسرائيل.
ودليلنا على إبطال قولهم هذه الآية؛ لأن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطاب يتناول كل الناس، ثم قال: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ وهذا يقتضي كونه مبعوثًا إلى جميع الناس.
وأيضًا: فلأنًا نعلم بالتواتر أنه كان يدعي أنه مبعوث إلى الثقلين. فإما أن
الحواشي
(١) قال المفتي: لما حكى ما في الكتابين من نعوته ﷺ ، وشرف من يتبعه من أهلهما ونيلهم لسعادة الدارين، أمر عليهالصلاة والسلام ببيان أن تلك السعادة غير مختصة بهم، بل شاملة لكل من تبعه كائنًا من كان، ببيان عموم رسالته للثقلين مع اختصاص سائرالرسل بأقوامهم، وإرسال موسى إلى فرعون، وملئه بالآيات التسع، إنما كان لأمرهم بعبادة رب العالمين، وترك العظمة التي كان يدعيها الطاغية، ويقبلها منه الفئة الباغية، وبإرسال بني إسرائيل من الأسر والقسر، وأما العمل بأحكام التوراة، فمختص ببني إسرائيل. انتهى.
"ففي هذه الآية دلالة على أنه ﷺ مبعوث إلى كافة الثقلين" الإنس والجن، سيما بذلك لثقلهما على الأرض، أو لرزانة رأيهم وقدرهم، أو؛ لأنهما مثقلان بالتكليف، ووجه الدلالة أن الناس وإن غلب استعماله في الإنس، لكنه اسم للإنس والجن؛ لأنه مشتق من ناس ينوس، إذا تحرك فيطلق عليهما وبهما، فسر في صدور الناس.
"وقالت العيسوية من اليهود، وهم أتباع عيسى" المنقول لغيره أبي عيى "الأصفهاني"، زاد في نسخة: النصراني، ولا ينافيها قوله أولا من اليهود، لجواز أنه كان نصرانيا، ثم تهود، فتبعته تلك الطائفة: "إن محمدا صادق مبعوث إلى العرب، غير مبعوث إلى بني إسرائيل، ودليلنا على إبطال قولهم في هذه الآية؛ لأن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطاب عام "يتناول كل الناس" العرب، وبني إسرائيل وغيرهم، فتخصيصه بالعرب من أين، "ثم قال" بأمر الله تعالى قل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ وهذا يقتضي كونه مبعوثا إلى جميع الناس، اقتضاء ظاهرا، لا سيما مع قوله جميعا، فهو قريب من الصريح.
"وأيضا" دليل ثان في الرد على العيسوية: "فلأنا نعلم بالتواتر أنه كان يدعي"، أي: يذكر "أنه مبعوث إلى الثقلين، فإما أن نقول أنه كان رسولا حقا، أو كان كذلك" منстр. 3889
نقول: إنه كان رسولًا حقًا، أو ما كان كذلك، فإن كان رسولًا حقًا امتنع الكذب عليه، ووجب الجزم بكونه صادقًا في كل ما يدعيه، فلما ثبت بالتواتر وبظاهر هذه الآية أنه كان يدعي أنه مبعوث إلى جميع الثقلين، وجب كونه صادقًا، وذلك يبطل قول من يقول: إنه كان مبعوثًا إلى العرب فقط، لا إلى بني إسرائيل.
وإذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ من الناس من يقول: إنه عام دخله التخصيص، ومنهم من أنكر ذلك.
أما الأولون فقالوا: دخله التخصيص من وجهين:
الأول: أنه رسول إلى الناس إذا كانوا من جملة المكلفين، فإذا لم يكونوا من جملة المكلفين لم يكن رسولًا إليهم، وذلك؛ لأنه ﵇ قال: "رفع القلم
الحواشي
(١) إرخاء العنان للخصم للزوم الحجة له، "فإن كان رسولٌا حقًا" كما اعترفت به أيها الخصم، "امتنع الكذب عليه"، لاستحالته على الرسول، "ووجب الجزم بكونه صادقًا في كل ما يدعيه" ومنه أنه رسول إلى بني إسرائيل، "فلما ثبت بالتواتر وبظاهر هذه الآية" لما يقل بصريحها، لاحتمال أن أل فيها للجنس، ولكن يمنعه، أو يبعد التأكيد بقوله جميعًا؛ "أنه كان يدعي أنه مبعوث إلى جميع الثقلين، وجب كونه صادقًا، وذلك يبطل قول من يقول: إنه كان مبعوثًا إلى العرب فقط، لا إلى بني إسرائيل" وعبر بيدعي؛ لأن الإدعاء قول يخالف الظاهر، كما قدمه، وهذا وإن طابق الواقع بحسب نفس الأمر، لكنه مخالف للظاهر، فلذا أتى بالأدلة والبراهين لإثبات رسالته.
"وإذا ثبت هذا، فنقول قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم جَمِيعًا﴾ ، من الناس من يقول: إنه عام دخله التخصيص، ومنهم من أنكر ذلك".
"أما الأولون" ترك عديله إما لظهوره، أي: وأما المنكرون، فقالوا: هو باق على عمومه، والتكليف، ووصول خبر الرسالة ليس شرطًا في الرسالة، وإنما هو شرط في المؤاخذة بما بلغه.
"فقالوا: دخله التخصيص من وجهين: الأول: أنه رسول الله إلى الناس، إذا كانوا من جملة المكلفين" لا مجانين وصبيانًا، "فإذا لم يكونوا من جملة المكلفين لم يكن رسولًا إليهم، وذلك؛ لأنه ﵇ قال" كما رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، عن علي وعمر: أن رسول الله ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاث" كناية عن عدم التكليف؛ لأنه يلزم منه الكناية، وعبر برفع إشعارًا؛ بأن التكليف لازم لبني آدم، لا ينفكстр. 3890
"عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستقيظ، وعن المجنون حتى يفيق".
والثاني: أنه رسول الله إلى كل من وصله خبر وجوده، وخبر معجزاته وشرائعه، حتى يمكنه عند ذلك متابعته. أما لو قدرنا حصول قوم في طرف من أطراف الأرض لم يبلغهم خبره وخبر معجزاته وشرائعه حتى لا يمكنهم عند ذلك متابعته فلا يكونون مكلفين بالإقرار بنبوته. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال:
الحواشي
(١) عنهم إلا عن ثلاثة، "عن الصبي" الطفل، ولو مراهقًا "حتى يبلغ" وفي رواية: حتى يكبر، وأخرى: حتى يشب، وأخرى: حتى يحتلم.
قال السبكي: ليس في روايتي "حتى يكبر"، وحتى يبلغ من البيان ما في رواية حتى يحتلم، فالتمسك بها لبيانها أولى؛ لأن حتى يبلغ مطلق، وحتى يحتلم مقيد، فيحمل عليه، فإن الاحتمال بلوغ قطعًا، وعدم بلوغ السن ليس ببلوغ قطعًا، "وعن النائم حتى يستيقظ" من نومه، "وعن المجنون" زاد في رواية: المغلوب على عقله "حتى يفيق" وفي رواية: حتى يبرأ، أي: بالإفاقة، وفي أخرى: حتى يعقل، وفي أخرى: وعن المبتلى حتى يبرأن أي: المبتلي بداء الجنون.
قال ابن حبان: والمراد برفع القلم ترك كتابة الشر عليهم دون الخير.
قال الزين العراقي: وهو ظاهر في الصبي دون المجنون والنائم؛ لأنهما في حيز من ليس قابلًا لصحة العبادة منهم لزوال الشعور، فالمرفوع عن الصبي قلم المؤاخذة، لا قلم الثواب، لقوله ﷺ للمرأة لما سألته: "ألهذا حج؟، قال: "نعم" واختلف في تصرف الصبي، فصححه أبو حنيفة ومالك بإذن وليه مراعاة للتميز، وأبطله الشافعي مراعاة للتكليف.
"والثاني: أنه رسول الله إلى كل من وصله خبر وجوده، وخبر معجزاته وشرائعه حتى يمكنه عند ذلك متابعته. أما لو قدرنا" قد يشعر بعدم وجوده والمصرح به في الفروع والأصول، خلافه "حصول قوم في طرف من أطراف الأرض لم يبلغهم خبره، وخبر معجزاته وشرائعه حتى لا يمكنهم عند ذلك متابعته، فلا يكونون مكلفين بالإقرار بنبوته" ويكونون من الناجين في الآخرة لعذرهم بعدم بلوغ الدعوة، ولكن لا يصلي عليهم؛ لأنه إنما يصلى على المحقق إسلامه، ولا يجوز لعنهم؛ لأنهم لعدم تكذيبهم في معنى المسلم، كما قال الغزالي: أنه التحقيق لا مسلم، كما عبر به بعض، أو على الفطرة، كما عبر به آخر، واختار السبكي التعبير بناج.
"وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: "والذي نفسي بيده" أقسم تقوية للحكم، "لا يسمع بي أحد من هذه الأمة" التي وجد فيهم إلى قيام الساعة، "ولا يهودي، ولاстр. 3891
"والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" رواه مسلم. ومفهومه: أنه من لم يسمع به ولم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور، على ما تقرر في الأصول أنه لا حكم قبل الشرع على الصحيح، وفي هذا الحديث نسخ الملل كلها برسالة نبينا ﷺ .
وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ
الحواشي
(١) نصراني" عطف خاص على عام، لإفادة عموم بعثته، "ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" الخالدين فيها، "رواه مسلم" وأحمد.
"ومفهومه أن من لم يسمع به، ولم تبلغه دعوة الإسلام، فهو معذور" فيكون ناجيًا "على ما تقرر في الأصول أنه لا حكم قبل الشرع على الصحيح"، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ؛ ولأن الغافل لا يكلف، لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ ، ثم اختلف هل نجاة من لم تبلغه الدعوة ودخوله الجنة غير متوقفة على الامتحان، أو متوقفة عليه، لورود أحاديث كثيرة؛ بأنهم يمتحنون يوم القيامة ببعث رسول إليهم أن ادخلوا النار، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسامًا، ومن لم يدخلها سحب إليها.
"وفي هذا الحديث نسخ الملل كلها برسالة نبينا ﷺ " لجعله من لم يؤمن برسالته من أهل النار، وإنما يكون كذلك بموته كافرًا، وكفره يستدعي نسخ الشريعة التي هو متمسك بها، والله أعلم.
"وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ محمد ﷺ ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ الدين، وحذف لظهوره أو ما كتمتم من الكتاب، كآية الرجم، وصفته ﷺ ، وحذف لتقدم ذكره، ويجوز أن لا يقدر مفعول على معنى يبذل لكم البيان، والجملة في موضع الحال، أي: جاءكم رسولنا مبينًا ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُل﴾ ، متعلق بجاء، أي: على حين فتور من الإرسال وانقطاع من الوحي، فتعلق على فترة بجاءكم تعلق الظرفية، كقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ كراهة أن تقولوا ذلك، وتعتذروا به، فهو في موقع المفعول له، ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ متعلق بمحذوف، أي: لا تعتذروا بما جاءنا بأن تقولوا ذلك، قاله الكشاف.
قال التفتازاني: أي: بمحذوف تفصح عنه الفاء، وتفيد بيان سببه، كالتي تذكر بعد الأوامرстр. 3892
الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] .
خاطب الله تعالى أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأنه قد أرسل إليهم رسوله محمدًا خاتم النبيين الذي لا نبي بعده ولا رسول. بل هو المعقب لجميعهم، ولهذا قال تعالى: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي من بعد مدة متطاولة، ما بين إرساله وعيسى ابن مريم.
وقد اختلفوا في مقدار هذه المدة، فقال النهدي وقتادة في رواية عنه:
الحواشي
(١) والنواهي بيانًا لسبب الطلب، لكن كمال حسنها وفصاحتها أن تكون مبنية على التقدير، منبئة عن المحذوف، بخلاف قولك: أعبد ربك، فالعبادة حق له، ولكون مبنى الفاء الفصيحة على الحذف اللازم، بحيث لو ذكر لم يكن بتلك الفصاحة، تختلف العبارة في تقدير المحذوف، فتارة أمرًا أو نهيًا، كما في هذه الآية، وتارة شرطًا، كقوله: ﴿فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْث﴾ [الروم: ٥٦] ، وتارة معطوفًا عليه، كقوله: فانفجرت ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ [المائدة: ١٩] فيقدر على الإرسال تترًا، كما فعل بين موسى وعيسى إذا كان بينهما ألف وسبعمائة سنة وألف نبي، وعلى الإرسال على الفترة، كما فعل بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، "خاطب الله تعالى أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ بأنه قد أرسل إليهم رسوله محمدًا خاتم النبيين الذي لا نبي بعده ولا رسول" بيان لخاتم النبيين، "بل هو المعقب لجميعهم"، أي: الجائي بعدهم، "ولهذا قال تعالى: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُل﴾ ، أي: من بعد مدة متطاولة ما بين إرساله وعيسى ابن مريم" والفترة لغة من فتر الشيء إذا سكنت حدته، سميت المدة التي بين الأنبياء فترة، الفتور الدواعي في العمل بتلك الشرائع.
"وقد اختلفوا في مقدار هذه المدة، فقال النهدي" "بفتح النون وإسكان الهاء" أبو عثمان عبد الرحمن بن مل "بلام ثقيلة، والميم مثلثة"، مشهور بكنيته، من كبار التابعين، مخضرم، ثقة، عابد، روى له الجميع، مات سنة خمس وتسعين، وقيل: بعدها، وعاش مائة وثلاثين سنة، وقيل: أكثر، "وقتادة" بن دعامة الأكمة التابعي، المشهور "في رواية عنه ستمائة سنةن ورواه البخاري" من حديث أبي عثمان النهدي "عن سلمان الفارسي" قال: فترة بين عيسى ومحمد ستمائة سنة.
قال الحافظ: أي: المدة التي لم يبعث فيها رسول من الله، ولا يمتنع أن ينبأ فيها نبي يدعو إلى شريعة الرسول الأخير.стр. 3893
ستمائة سنة. ورواه البخاري عن سلمان الفارسي. وعن قتادة: أنها خمسمائة وستون سنة، وقال الضحاك: أربعمائة سنة ويضع وثلاثون سنة، وعن الشعبي -فيما ذكره ابن عساكر- تسعمائة وثلاث وثلاثون سنة.
قال الحافظ عماد الدين بن كثير: والمشهور أنها ستمائة سنة، قال: وكانت هي الفترة بين عيسى ابن مريم، آخر أنبياء بني إسرائيل، وبين محمد آخر النبيين من بني آدم على الإطلاق، كما في البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أنا أولى الناس
الحواشي
(١) "وعن قتادة: أنها خمسمائة وستون سنة" أخرجه عبد الرزاق بن معمر عنه، لكن لم يقل: وستون سنة، كما في الفتح، قال: وعن الكلبي: خمسمائة وأربعون، "وقال الضحاك: أربعمائة سنة وبضع وثلاثون سنة. وعن الشعبي" عامر بن شراحيل، "فيما ذكره ابن عساكر"، عنه: "تسعمائة وثلاث وثلاثون سنة".
"قال الحافظ عماد الدين بن كثير: والمشهور أنها ستمائة سنة" خلافًا لنقل ابن الجوزي الإتفاق على ذلك، فإنه تعقب بوجود الخلاف، "قال: وكانت هي الفترة بين عيسى ابن مريم آخر أنبياء بني إسرائيل وبين محمد آخر النبيين من بني آدم"، بيان للواقع، "على الإطلاق، كما في البخاري" في أحاديث الأنبياء، وكذا مسلم، كلاهما "من حديث أبي هريرة، مرفوعًا" بلفظ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنا أولى الناس بابن مريم".
وفي رواية للبخاري: "بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة"، ولفظ مسلم: "في الأولى، والآخرة"، قال الحافظ: أي: أخصهم به، وأقربهم إليه؛ لأنه بشر بأنه يأي من بعده، فالأولوية من جهعة قرب العهد، كما أنه أولى الناس إبراهيم من جهة قوة الاقتداء، زاد السيوطي: ولأنه أبوه ودعا به، وأشبه الناس به خلقًا وملة. انتهى.
وقول الكرماني: التوفيق بين الحديث، وبين قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ [الأعراف: ٦٨] ، إن هذا الحديث وارد في كونه ﷺ متبوعًا، والآية واردة في كونه تابعًا، رده الحافظ؛ بأن مساق الحديث كمساق الآية، فلا دليل على هذه التفرقة، والحق أن لا منافاة ليحتاج إلى الجمع، فهو أولى بكل منهما من جهة، وأسقط المصنف من هذه الرواية عند البخاري ومسلم، والأنبياء، أولاد علات؛ "لأنه ليس بيني وبينه نبي" لم تقع لفظه؛ لأنه في الصحيحين، ولذا قال السيوطي: ليس.. إلخ، بيان لجهة الأولوية.
وقال الحافظ: قوله: ليس بيني وبينه نبي، هذا أورده كالشاهد لقوله: إنه أقرب الناس إليه، وتبعه المصنف.
وفي رواية لهما: والأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد، والعلات: "بفتحстр. 3894
بابن مريم؛ لأنه ليس بيني وبينه نبي" وهذا فيه رد على من زعم أنه بعث بعد عيسى نبي يقال له: خالد بن سنان، كما حكاه القاضي وغيره.
والمقصود: أن الله بعث محمدًا على فترة من الرسل وطموس من السبل وتغير الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان، فكانت النعمة به أتم والنفع به أعم.
وفي حديث عند الإمام أحمد مرفوعًا: "إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عجمهم وعربهم إلا بقايا من بني إسرائيل" وفي لفظ مسلم: "من أهل الكتاب" فكان
الحواشي
(١) المهملة" الضرائر، وأصله أن من تزوج امرأة، ثم أخرى، كأنه عل منها بعدما كان ناهلًا من الأخرى، والعلل الشرب بعد الشرب، وأولاد العلات الأخوة من الأب وأمهاتهم شتى، فقوله: أمهاتهم إلخ، من باب التفسير كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] ، ومعنى الحديث أن أصل دينهم واحد، وهو التوحيد، وإن اختلف فروع الشرائع، وقيل: المراد أن أزمنتهم مختلفة.
"وهذا فيه رد على من زعم أنه بعث بعد عيسى نبي، يقال له: خالد بن سنان" العبسي، "كما حكاه القاضي" عياض، وفي نسخة: القضاعي "وغيره".
ومن فتح الباري: استدل به على أنه لم يبعث بعد عيسى أحد إلا نبينا ﷺ ، وفيه نظر؛ لأنه ورد أن الرسل الثلاثة الذين أرسلوا إلى أصحاب القرية، المذكورة قصتهم في سورة يس كانوا من أتباع عيسى، وإن جرجيس وخالد بن سنان كانا نبيين وكانا بعد عيسى، والجواب أن هذا احديث يضعف ما ورد من ذلك، فإنه صحيح بلا تردد، وفي غيره مقال، أو المراد أنه لم يبعث بعد عيسى نبي بشريعة مستقلة، وإنما بعث بعده بتقرير شريعة عيسى.
"والمقصود أن الله بعث محمدًا على فترة من الرسل، وطموس" مصدر طمس، محى ودرس "من السبل" أي: ذهاب الشرائع وعدم العلم بشيء منها، "وتغير الأديان" بتحريف ما يدل عليها وتبديله، "وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان" جمع صليب للنصارى، "فكانت النعمة به أتم، والنفع به أعم".
"وفي حديث عند الإمام أحمد، مرفوعًا: "إن الله نظر إلى أهل الأرض" نظر غضب، "فمقتهم" أبغضهم أشد البغض، لقبح ما ارتكبوه، والمراد من هذا ونحوه غايته "عجمهم" "بفتحتين"، وفي لغة بضم فسكون، خلاف العرب، "وعربهم إلا بقايا من بني إسرائيل" فلم يمقتهم لتمسكهم بالحق. "وفي لفظ مسلم: من أهل الكتاب" بدل قوله: من بني إسرائيل، ومعناهما واحدًا، "فكان الدين قد التبس على أهل الأرض كلهم، حتى بعث الله محمدًاстр. 3895
الدين قد التبس على أهل الأرض كلهم، حتى بعث الله محمدًا ﷺ فهدى به الخلائق، وأخرجهم الله به من الظلمات إلى النور، وتركهم على المحجة البيضاء، والشريعة الغراء، صلوات الله وسلامه عليه.
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] .
الحواشي
(١) ﷺ ، فهدى به الخلائق وأخرجهم الله به من الظلمات" الكفر "إلى النور" الإيمان "وتركهم على المحجة" "بفتح الميم" "البيضاء"، أي: الطريقة الواضحة بنيانه لهم الحق من الباطل، "والشريعة الغراء، صلوات الله وسلامه عليه".
قال الإمام الرازي: كان العالم مملوء من الكفر والضلال، أما اليهود، فكانوا في المذاهب الباطلة من التشبيه والإفتراء على الأنبياء وتحريف التوراة، وأما النصارى، فقالوا بالتثليث، والابن والأب والحلول والاتحاد، وأما المجوس، فأثبتوا الهين، وأما العرب، فانهمكوا في عبادة الأصنام والفساد في الأرض، فلما بعث ﷺ انقلت الدنيا من الباطل إلى الحق، ومن الظلمة إلى النور، وانطلقت الألسنة بتوحيد الله، فاستنارت العقول بمعرفة الله، ورجع الخلق من حب الدنيا إلى حب المولى. انتهى.
"وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ "بضم الفاء"، في قراءة الجمهور، أي: منكم، وقرئ شاذًا "بفتح الفاء" أي: من خياركم وأشرفكم.
وأخرج ابن مردويه عن أنس، قال: قرأ النبي ﷺ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ "بفتح الفاء"، وقال: "أنا أنفسكم نسبًا وصهرًا وحسبًا، ليس في آبائي من لدن آدم سفاح، كلنا نكاح"، ﴿عَزِيزٌ﴾ شديد ﴿عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ أن تهتدوا ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ﴾ شديد الرحيم ﴿رَحِيمٌ﴾ يريد لهم الخير والرأفة مع الرحمة حيث وقعت مقدمة لا للفاصلة، كما قال البيضاوي ومن تبعه لوقوعه كذلك في غير الفواصل.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٧] ، بل؛ لأن أصل معنى الرأفة التلطف والشفقة، كما صرح به القرطبي في شرح الأسماء، فقال: قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ الآية، حيث ذكر الوصفان، قدم الرؤوق على الرحيم في الذكر، وسببه أن الرحمة في الشاهد إنما تحصل بمعنى المرحوم من فاقته وضعفه وحاجته، والرأفة تطلق عندنا على ما يحصل الرحمة من شفقة على المرحوم".
وقال المشايخ: الرؤوق المتعطف، والذي جاد بلطفه ومن يعطفه. انتهى، "أي: عزيز عليه عنتكم، أي: إثمكم بالشرك والمعاصي" بيان للمراد بالعنت، وإلا فهو لغة المشقةстр. 3896
أي: عزيز عليه عنتكم، اي إثمكم بالشرك والمعاصي. قال الحسن: عزيز عليه أن تدخلوا النار، حريص عليكم أن تدخلوا الجنة، ومن حرصه ﷺ علينا أنه لم يخاطبنا بما يريد إبلاغه إلينا، وفهمنا إياه على قدر منزلته، بل على قدر منزلتنا، وإلى هذا أشار صاحب البردة بقوله:
لم يمتحنا بما تعيا العقول به ... حرصًا علينا فلم نرتب ولم نهم
أي لم نتحير ولم نشك فيما ألقاه إلينا. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ، ولا رحمة مع التكليف بما لا يفهم.
ومن حرصه ﵇ على هدايتنا أنه كان كثيرًا ما يضرب المثل بالمحسوس ليحصل الفهم، وهذه سنة القرآن، ومن تتبع الكتاب والسنة رأى من
الحواشي
(١) والخطأ، "قال الحسن" البصري: "عزيز عليه أن تدخلوا النار" من عزا إذا صعب وشق، قال الشاعر:
يعز علينا أن نفارق من نهوى
"حريص عليكم أن تدخلوا الجنة" والحرص فرط الشدة، أو الشح على الشيء، أن يضيع، والمراد هنا شدة الطلب لما يريده ويحبه، "ومن حرصه ﷺ علينا" على الرفق بنا "أنه لم يخاطبنا بما يريد إبلاغه إلينا، و" يريد "فهمنا إياه على قدر منزلته" بأن يأتي بالألفاظ المتناهية في البلاغة والقرابة خشية عدم فهمنا للمراد منهما، "بل على قدر منزلتنا" بالألفاظ المتداولة بين الناس، وإن نزلت في الرتبة عن غيرها ليسهل فهمها علينا، ويتضح المراد منها.
"وإلى هذا أشار صاحب البردة بقوله: لم يمتحنا" لم يبتلنا "بما" أي: بخطاب، "تعيا العقول" أي: تقصر عن فهمه لغموضه، فلا نهتدي إلى المراد "به، حرصًا علينا" أن لا نضل، "فلم نرتب ولم نهم، أي: لم نتحير" تفسير لنرتب، "ولم نشك فيما ألقاه إلينا" بل تحققناه لسهولته، "وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً﴾ أي: للرحمة، ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ، والإنس والجن وغيرهم "ولا رحمة مع التكليف بما لا يفهم" بل هو عقاب.
"ومن حرصه ﵇ على هدايتنا أنه كان كثيرًا ما يضرب المثل بالمحسوس، ليحصل الفهم" كقوله: $"لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير من أن يكون لك حمر النعم".
"وهذه سنة القرآن" عادته المستمرة أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما، "ومن تتبع الكتاب والسنة رأى من ذلك العجب العجاب" البالغ فيما يتعجب منه، لاشتماله على الأشياء البالغة في زيادة البيان والإيضاح والرفق بالمؤمنين، "ولما ساوى بين الناس"стр. 3897
ذلك العجب العجاب، ولما ساوى الله بين الناس في حرص رسوله ﵇ على إسلامهم، خص المؤمنين برأفته ورحمته لهم.
وقال: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُم﴾ ولم يقل: من أزواجكم، فقيل: يحتمل أن يكون مراده: أنه منا بجسده المنفس، لا بروحه المقدس، ويرحم الله القائل:
إذا رمت مدح المصطفى شغفًا به ... تبلد ذهني هيبة لمقامه
فأقطع ليلي ساهر الجفن مطرقًا ... هوى فيه أحلى من لذيذ منامه
إذا قال فيه الله ﷻ ... رؤف رحيم في سياق كلامه
فمن ذا يجاري الوحي والوحي معجز ... بمختلفيه نثره ونظامه
الحواشي
(١) مؤمنهم، وكافرهم، "في حرص رسوله ﵇ على إسلامه، خص المؤمنين برأفته ورحمته لهم" المستفادة من التقديم، كأنه قيل: بالمؤمنين لا بغيرهم.
"وقال: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُم﴾ ولم يقل: من أرواحكم، فقيل: يحتمل أن يكون مراده" على مغايرة النفس للروح، "أنه منا بجسده المنفس" "بالتشديد" للمبالغة، أي: المكرم، ولرعاية "لا بروحه المقدس" المطهر، وإن كان أصل المنفس "بالتخفيف"، "ويرحم الله القائل: إذا رمت": قصدت "مدح المصطفى شغفًا": ولوعًا طبه" ومحبة له "تبلد" من البلادة: عدم الذكاء والفطنة، أي: انكسرت حدة "ذهني" ويرد عن الأوصاف اللائقة بمقامه.
وفي نسخة: تبدد، أي: تفرق، "هيبة لمقامه"؛ لأني أرى الأوصاف قاصرة عنه، فيعلوني الخجل عند إرادة مدحه، "فأقطع ليلى ساهر الجفن" أي: جنسه "مطرقًا" "بكسر الراء وفتحها" "هوى" القصر، أي: ميلًا، "فيه أحلى من لذيذ منامه"، إذ السهر في هوى المحبوب ألذ، "إذا قال فيه الله ﷻ : رؤوف رحيم" وهما من أسمائه "في سياق كلامه" ومعنى إذا الظرفية المجردة لا الشرط؛ لأن القول تحقق من الله، فلا يليق جعله مستقبلًا، ويجوز أن إذا منون، أي: لأجل هذا، فمن ذا يجاري" يأتي بما يشابه "الوحي" بثنائه على المصطفى نثرًا، أو نظمًا، "والوحي معجز بمختلفيه" "بالفاء متعلق بيجاري" "نثره ونظامه" أي: نظمه، والمعنى أن الوحي معجز للكلام نثرًا كان، أو نظمًا، فلا يمكن مشابهته لأحد.
"تنبيه": إيقاظ وتبيين، "وأما قول القاضي عياض بعد ذكره الآية" ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ في الشفاء، بما لفظه، أعلم الله تعالى المؤمنين، أو العرب، أو أهل مكة، أو جميع الناس على اختلاف المفسرين من المواجه بهذا الخطاب؛ أنه بعث فيهم رسولًا من أنفسهم، يعرفونه ويتحققون مكانته، ويعلمون صدقه وأمانته، ولا يتهمونه بالكذب، وترك النصيحة لهم لكونه منهم،стр. 3898
تنبيه: وأما قول القاضي عياض بعد ذكره الآية.
"ثم وصفه بعد بأوصاف حميدة، وأثنى عليه بمحامد كثيرة، من حرصه على هدايتهم، ورشدهم وإسلامهم، وشدة ما يعنتهم ويضربهم في دنياهم وأخراهم،
الحواشي
(١) وأنه لم يكن في العرب قبيلة إلا ولها على رسول الله ﷺ ولادة، أو قرابة، وكونه من أنفسهم وأرفعهم وأفضلهم على قراءة الفتح، "ثم وصفه بعد"، أي: بعد الإعلام المذكور، "بأوصاف حميدة"، أي: محمودة عند الله والناس، أو حامدة على التجوز في النسبة، "وأثنى عليه بمحامد" جمع محمدة "كثيرة" والنثاء بها، لا يغاير الوصف بصفات حميدة، ولا يعاب مثله في مقام الخطابة، مع أنه لما كانت أوصاف جمع قلة، عقبه بجمع الكثرة دفعًا للإيهام، والأول مطابق لظاهر الآية، والثاني لما تضمنته مما لا يحصى، "من حرصه" بيان لما قبله من الأوصاف وما بعده، أي: من فرط شدته "على هدايتهم" أي: دلالتهم، والمراد طلب تأثيرها لا مجردها، "ورشدهم" أي: صلاحهم ظاهرا وباطنًا ليغاير الهداية، كما يقتضيه ظاهر العطف، فلا يفسر بضد الغي؛ لأنه الهداية، "وإسلامهم" مغاير لما قبله، فلذا عطف بالواو، وجعل ذلك كله متعلق الحرص، لدلالة السياق عليه ولقوله: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُم﴾ [النحل: ٣٧] ، فالقرآن يفسر بعضه بعضًا، والحرص لا يتعلق بالذوات، فإن قيل: لم قدم عياض هذه الصفة، وهي حريص عليكم مع تأخرها في الآية، أجيب: بأنه لما كانت العزة منشأ لحرصه قدمت في الآية على وفق الواقع لبيان حاله في ابتداء أمره، فلما حكاه عياض بيانًا لمحامده، قدم المقصود بالذات الذي هو الحمد، أو؛ لأن المقام مقام مدح، وهو في الحرص أتم وأكمل، وسياق الآية للامتنان، وهو كونه يعز عليه حالهم، فأشار إلى تفاوت المقامين، ولا يرد أن المنة في الحرص أتم؛ لأن مسلك الآية على الترقي، وما هنا بخلافه للتفنن.
"وشدة ما يعنتهم" روي بسكون العين وخفة النون من الإعنات، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ ، وروي بفتح العين وتثقيل النون، وهما لغتان، أعنت وعنت، بمعنى المشقة والوقوع فيها، ويجيء بمعنى الإثم والفساد والهلاك.
"ويضربهم" "بفتح الياء وضم الضاد" وروي بضم الياء وكسر الضاد، مضارع أضر؛ لأنه يقال: ضره وأضر به، ومعناهما أوقعه في الضرر، "في دنياهم وأخراهم" الدنيا تقال في مقابل آخره، وأخرى، كما عبر به، "وعزته عليه" عطف تفسير على شدة، كقوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي﴾ [يوسف: ٨٦] ، وكان المناسب لعطف التفسير تأخير الأشهر الأظهر، فيقول: عزته وشدته، لكنه عكس للمبادرة، للمراد حتى يسلم السامع من عنت الانتظار، ولا حاجة لجعل الشدة غير العزة للتنازع في عليه، فإن التفسير لا ينافي التنازع، وبقية كلام عياض: ورأفته ورحمتهстр. 3899
وعزته عليه".
فهو وإن كان المقصد منه صحيحًا، ففي ظاهره شيء؛ لأنه يوهم أن قوله: "وشدة ما يعنتهم" معطوف على متعلق المصدر الذي هو "الحرص" فيكون مخفوضًا به.
ومما يقوي هذا التوهم قوة إعطاء الكلام، أن الضمير الأول من قوله: "وعزته عليه" عائد على النبي ﷺ ، والضمير الثاني عائد على الله تعالى، فلا تبقى "الشدة" إلا أن تكون معطوفة على متعلق المصدر. ولا يخفى ما في هذا.
وقد تأوله بعض العلماء على حذف مضاف أي: وكراهة شدة ما يعنتهم، ونحو ذلك من المضافات.
والأولى أو الصواب، إن شاء الله تعالى أن تكون "الشدة" معطوفة على
الحواشي
(١) بمؤمنيهم.
"فهو وإن كان المقصد منه صحيحًا، ففي ظاهره شيء؛ لأنه يوهم أن قوله: وشدة ما يعنتهم، معطوف على متعلق المصدر الذي هو الحرص" بيان للمصدر، ومتعلقه قوله على هدايتهم، "فيكون مخفوضًا به" فيصير المعنى من حرصه على شدة ما يعنتهم، وهذا فاسد.
"ومما يقوي هذا التوهم قوة إعطاء الكلام؛ أن الضمير الأول من قوله: وعزته عليه عائد على النبي ﷺ ، والضمير الثاني عائد على الله تعالى، فلا تبقى الشدة إلا أن تكون معطوفة على متعلق المصدر"، أي: قوله على هدايتهم، "ولا يخفى ما في هذا" من الفساد الموهم خلاف المراد، "وقد تأوله بعض العلماء على حذف مضاف" مجرور، معطوف على الحرص المجرور بمن، "أي: وكراهة شدة ما يعنتهم، ونحو ذلك من المضافات" المصححة للمراد.
قال في النسيم: لا حاجة إلى تقدير؛ لأن معنى شدته عليه إنه صعب شاق عليه، فيراد به أنه مكروه تأباه نفسه، فالمعنى من حرصه على هدايته، ومن كراهته لما يضرهم، وصاحب المواهب لم يخف عليه العطف، ولكن أوقعه التقدير فيما وقع فيه. انتهى.
وكأنه لم ير بقية الكلام وهو قوله: "والأولى" من تأويله على حذف مضاف، "أو الصواب" على إبقائه على ظاهره, "إن شاء الله تعالى أن تكون الشدة معطوفة على نفس المصدر الذي هو الحرص"، وكان هذا أولى من تقدير المضاف لما فيه من الاحتياج لتقدير الأصل عدمه، "ويكون قوله: عزته معطوفًا على وشدة، والضمير فيه راجع إلى الموصول،стр. 3900
نفس المصدر الذي هو "الحرص" ويكون قوله: "وعزته" معطوفًا على "وشدة" والضمير فيه راجع إلى الموصول وهو "ما" في قوله: "ما يعنتهم" والهاء الثانية في "عليه" عائدة على النبي ﷺ . انتهى.
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] .
يجوز أن يكون "رحمة" مفعولًا له، أي لأجل الرحمة، ويجوز أن ينصب على الحال مبالغة في أن جعله نفس الرحمة، وإما على حذف مضاف أي: ذا رحمة، أو بمعنى: راحم. قال السمين.
قال أبو بكر بن طاهر -فيما حكاه القاضي عياض-: زين الله تعالى
الحواشي
(١) وهو ما في قوله: ما يعنتهم" أي: الذي، "والهاء الثانية في عليه عائدة على النبي ﷺ . انتهى".
والمعنى وصفه وأثنى عليه بمحامد من شدة الذي يعنتهم وعزة الذي يعنتهم على المصطفى.
"وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً﴾ ، يجوز أن يكون" قوله: "رحمة مفعولًا له أي: لأجل الرحمة"، وللعالمين متعلق به، أي: إلا لترحم بك العالمين، بهدايتك إياهم لسعادة الدارين.
وفي الصحيح قيل: يا رسول الله ادع على المشركين؟، فقال: "وإني لم أبعث لعانًا إنما بعثت رحمة"، "ويجوز أن ينصب على الحال" من الكاف "مبالغة في أن جعله نفس الرحمة، وإما على حذف مضاف، أي: ذا رحمة" وليس للعالمين متعلقًا بأرسلنا؛ لأن ما قبل إلا لا يعمل فيما بعدها إلا في الاستثناء المفرغ نحو: ما مررت إلا بزيد، والمعنى إلا لأرحم العالمين بالبناء للفاعل، لا للمفعول كما زعم، "أو بمعنى راحم" اسم فاعل، "قاله السمين" الشيخ شهاب الدين أحمد بن يوسف بن عبد الدائم الحلبي، النحوي، نزيل القاهرة، مات سنة ست وخمسين وسبعمائة، له إعراب القرآن، وأيضًا تفسير كبير في عدة أجزاء.
"قال أبو بكر بن طاهر" بن مفوز بن أحمد بن مفوز المعافري، الشاطبي، كما جزم به البرهان الحلبي في المقتفى والشمني وغيرهما، "فيما حكاه القاضي عيا" في الشفاء، "زين الله تعالى محمد ﷺ بزينة الرحمة"، استعارة مكنية، بجعلها كالحلة والخلعة البهية والزينة: ما يتزين به لباسًا وغيره، وإضافته للرحمة بيانية، أو من إضافة الأعم للأخص، كلجين الماء، وقيل: الزينة هنا اللباس، أي: ألبسه الله رحمة رحمانية شاملة له، وفيه إشارة إلى أنها منة من الله بهاстр. 3901
محمدًا ﷺ بزينة الرحمة، فكان كونه رحمة، وجميع شمائله وصفاته رحمة على الخلق، فمن أصابه شيء من رحمته فهو الناجي في الدارين من كل مكروه، والواصل فيهما إلى كل محبوب، انتهى.
وقال ابن عباس: رحمة للبر والفاجر؛ لأن كل نبي إذا كذب أهلك الله من كذبه. ومحمد ﷺ أخر من كذبه إلى الموت أو إلى القيامة. وأما من صدقه فله الرحمة في الدنيا والآخرة.
الحواشي
(١) عليه، غير الحلية البشرية، "فكان كونه" أي: وجوده، فهي تامة لا خبر لها، وتقدير من ربنا قبيح، "رحمة" خبر فكان، والفاء فيه للتفسير والتفصيل، "وجمع شمائله" جمع شمال "بالكسر".
قال الأزهري: الشمال خلقه الرجل، أي: خلقه، وجمعه شمائل، ورجل كريم الشمائل، أي: في أخلاقه ومخالطته. انتهى، فعطف، "وصفاته رحمة" عام على خاص؛ إذا لم يخصص الصفات بالظاهرة، والشمائل بخلافها.
وقال شراح الشفاء: صفاته تشتمل غضبه وظاهر مرآه؛ لأنه لا يغضب لنفسه، وإنما يغضب لله، وغضبه للإصلاح، وهو رحمة في ذاته، وأما مرآة الحسن، فإنه لمحبته والتصديق به، ألا ترى أن عبد الله بن سلام لما رآه آمن به، وقال: لما رأيت وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب، "فمن أصابه شيء من رحمته" أي: اهتدى بهدايته؛ لأن من يهتد، كمن لم تصبه الرحمة، كما أن من شرب الماء ولم يرو، كأنه لم يشرب، "فهو الناجي" أي: السالم، "في الدارين" الدنيا والآخرة "من كل مكروه" يصيب من لم يهتد في الدنيا، كقتل وسبي وأخذ جزية، وفي الآخرة العذاب المخلد، وأما أسقام الدنيا وآلامها التي تصيب المؤمن فلا تعد مكروهة بعد العلم بما فيها من تكفير السيئات ونيل الحسنات، "والواصل فيهما إلى كل محبوب"، أما في الآخرة، فغني عن البيان, وأما في الدنيا، فإن كان ذا غنى ونعمة فظاهر، وإلا فالمؤمن العقال إذا صبر وقام بوظائف العبودية في دنيا سريعة الزوال كان ما أصابه من المكروه لإيصاله للنعم الأخروية محبوبًا عنده. "انتهى" كلام ابن طاهر.
"وقال ابن عباس: رحمة للبر" أي: المؤمن "والفاجر" أي: الكافر؛ "لأن كل نبي" من سبق "إذا كذب" "بشد الذال" مبني للمجهول، "أهلك الله من كذبه، ومحمد ﷺ آخر من كذبه إلى الموت، أو إلى القيامة" فتأخير عذاب الدنيا عنهم بنحو الاستئصال والخسف والمسخ والعذاب النازل من السماء رحمة، فلا يرد عليه من قتل من الكفار في غزوات المصطفى، "وأما من صدقه"، أي: آمن به، "فله الرحمة في الدنيا والآخرة" وإن عذابстр. 3902
وقال السمرقندي: رحمة للعالمين يعني: الجن والإنس.
وقيل: لجميع الخلق للمؤمنين رحمة بالهداية، ورحمة للمنافقين بالأمان من القتل، ورحمة للكافرين بتأخير العذاب لما بعد الموت.
الحواشي
(١) العاصي فمآله إلى الجنة مع خفة عذابه عن الكفار بمراحل، بلا لا مشابهة.
وعن ابن عباس أيضًا عند الطبري وغيره: وهو رحمة للمؤمنين والكافرين، إذا عرفوا مما أصاب غيرهم من الأمم الكاذبة.
"وقال" أبو الليث "السمرقندي" نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الفقيه، الحنفي، الإمام المشهور، له التصانيف، كالتفسير، والنوازل، وخزانة الفتاوى، وتنبيه الغافلين، والبستان توفي سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، منسوب إلى سمرقند، مدينة بفارس بما وراء النهر.
قال التلمساني المصحح في النسخ، بفتح السين والراء وسكون الميم، والمعروف فتح الميم وسكون الراء، وتبع قول المجد إسكان الميم وفتح الراء، لحن، وفيه نظر، وهو معرب شمركند، وشمر اسم رجل، وكندة بمعنى قرية "رحمة للعالمين، يعني الجن والإنس" تفسير للآية بجنس العقلاء من الثقلين، بقرينة جمع المذكر السالم، وإن كان جمع عالم، وهو كل ما يعلم به الصانع من العقلاء وغيرهم، فالمفرد أعم من جمعه، فخص ثم جمع بجعله صفة أو ملحقًا بها؛ لأن فاعل بالفتح اسم آلة، كالخاتم والقالب، وقيل: غلب العقلاء، أو جعل اسمًا لذي العلم من الثقلين، أو هما والملك، أو الإنس.
"وقيل: لجميع الخلق" مقابل لما اختاره.
قال الشريف الجرجاني: يطلق على كل جنس لا فرد، فهو للقدر المشترك بين الأجناس، فيصح إطلاقه على كل جنس وعلى مجموعها، وإذا عرف بلام الاستغراق شمل كل فرد من جنس، كالأقاويل، فمن فسره بجميع الخلق، فعلى الأصل، ومن فسره بالإنس والجن فعلى بعض الوجوه، أو خصه؛ لأنه صلى الله عليه سولم مبعوث إليهما، ومن فسره بالمؤمن والكافر أراد أنه يشملهما، لا أن معناه ذلك. انتهى.
وآخذ في بيان ما به تكون الرحمة على مختاره، فقال "للمؤمنين" بل من للعالمين، أو متعلق بمقدر، أي: أرسله، وعلى الأولن وهو الظاهر هو بيان لمختاره، وعلى الثاني يصلح لهما، وفي نسخة للمؤمن بالإفراد، "رحمة بالهداية" الزائدة على هداية الإيمان، أو لمن قدر إيمانه "ورحمة للمنافقين".
وفي نسخة: للمنافق بالإفراد على إرادة الجنس، "بالأمان من القتل" مطلقًا بخلاف الكفار، فإنما يأمن بجزية، أو أمان، "ورحمة للكافرين".стр. 3903
فذاته ﵇ رحمة تعم المؤمن والكافر كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] ، وقال ﵊: "إنما أنا رحمة مهداة" رواه الديلمي والبيهقي في "الشعب" من حديث أبي هريرة.
وقال بعض العارفين: الأنبياء كلهم خلقوا من الرحمة، ونبينا ﷺ عين الرحمة، ولقد أحسن القائل:
غنيمة عمر الكون بهجة عيشه ... سرور حياة الروح فائدة الدهر
هو النعمة العظمى هو الرحمة التي ... تجلى بها الرحمن في السر والجهر
فبيانه ﵇ ونصحه رحمة، ودعاؤه واستغفاره رحمة، فرزق ذلك من
الحواشي
(١) وفي نسخة بالإفراد، "بتأخير العذاب لما بعد الموت" وأما عذاب الدنيا بالقحط وغيره، فلا يختص بطائفة، أو المراد الاستئصال والمسخ والخسف والزنديق، سواء أدخل في المنافق، أو الكافر عذابه مؤخر أيضًا، فالظاهر اشتراكهما فيه، وتمييز المنافق بإجراء أحكام الإسلام عليه ظاهرًا، أو يقال: أراد في كل قسم ذكر رحمة مخصوصة من غير تخصيص، "فائدته ﵇ رحمة تعم المؤمن والكافر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] ؛ لأن العذاب إذا نزل عم، ولم تعذب أمة إلا بعد خروج نبيها والمؤمنين منها.
"وقال ﵊: "إنما أنا رحمة مهداة" "بضم الميم" معطاة من الله بلا عوض، "رواه الديلمي والبيهقي في الشعب" للإيمان "من حديث أبي هريرة" ورواه الحاكم، وصححه على شرطهما، وأقره الذهبي، ومر شرحه في الأسماء الشريفة.
"وقال بعض العارفين: الأنبياء كلهم خلقوا من الرحمة، ونبينا ﷺ عين الرحمة" أعلاها وأجلها.
"ولقد أحسن القائل"
غنيمة عمر الكون بهجة عيشه ... سرور حياة الروح فائدة الدهر
هو النعمة العظمى هو الرحمة التي ... تجلى بها الرحمن في السر والجهر
ومعنى البيتين ظاهر، "فبيانه" أي: ظهوره أو تبيينه "﵇ ونصحه رحمة" أي: كل واحد منهما، "ودعاؤه واستغفاره" كل منهما "رحمة" سواء في حياته وبعد مماته، كما قال ﷺ : "حياتي خير لكم ومماتي خير لكم، أما حياتي فأبين لكم السن وأشرع لكم الشرائع، وأما موتي، فإن أعمالكم تعرض علي، فما رأيت منها حسنًا حمدت الله، وما رأيت منها سيئًا استغفرت الله لكم" رواه البزار وغيره بسند جيد.стр. 3904
قبله، وحرمه من رده.
فإن قلت: كيف كان رحمة، وقد جاء بالسيف واستباحة الأموال؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنه إنما جاء بالسيف لمن استكبر وعاند، ولم يتفكر ولم يتدبر، ومن أوصاف الله تعالى: الرحمن الرحيم، ثم هو منتقم من العصاة، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩] ثم قد يكون سببًا للفساد.
وثانيهما: أن كل نبي من الأنبياء قبل نبينا إذا كذبه قومه أهلك الله المكذبين بالخسف والمسخ والغرق، وقد أخر الله عذاب من كذب نبينا إلى
الحواشي
(١) "فرزق ذلك من قبله"، بأن آمن به، وإن عاصيًا، "وحرمه من رده"، فلم يؤمن به نسأل الله الثبات على الإيمان، "فإن قلت: كيف كان رحمة، وقد جاء بالسيف"؟ قال تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّار﴾ [التوبة: ٧٣] ، أي: بالسيف، "واستباحة الأموال" بالغنائم التي لم تحل لأحد قبله، ومنها استرقاق الذراري والنسائي، "فالجواب من وجهين".
"أحدهما: أنه إنما جاء بالسيف لمن استكبر وعاند ولم يتفكر ولم يتدبر" فعذابه إنما جاء من نفسه، كعين جرت فانتفع بها قوم وكسل آخرون، فهي رحمة لهما، وهو ﷺ لم يرد ضررًا لأحد، وقد اجتهد في نفع كل أحد، وإيصال تلك الرحمة إليه، ولكن من يضلل الله فما له من هاد.
"ومن أوصاف الله تعالى الرحمن الرحيم، ثم هو منتقم من العصاة"، ولا تنافي بين الوصفين، فكذا لا تنافي بين بعثه بالسيف وكونه رحمة، "وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاء﴾ مطرًا ﴿مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩] ، كثير البركة والمنافع، "ثم قد يكون سببًا للفساد" بإهلاك الزرع وغيره، والقصد أنه لا مانع من وصف الشيء بالشيء، وضده لاختلاف من يقع عليه الأمران.
"وثانيهما: أن كل نبي من الأنبياء قبل نبينا، إذا كذبه قومه أهلك الله المكذبين بالخسف"، كقارون، "والمسخ" قردة، كأصحاب أيلة بدعاء داود، وخنازير، كأصحاب المائدة بدعاء عيسى، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧١] ، "والغرق" كقوم نوح وفرعون وقومه، وبالريح العاصف فيها حصباء، كقوم لوط، وبالصيحة، كثمود، وقال تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت: ٤٠] "وقد أخر الله عذاب من كذب نبينا إلى الموت، إو إلى يوم القيامة" فتأخيره رحمة؛ لأنه لم يجمعстр. 3905
الموت، أو إلى يوم القيامة.
لا يقال: إنه تعالى قال: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤] وقال تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِين﴾ [الأحزاب: ٧٣] ؛ لأنا نقول: تخصيص العام لا يقدح فيه.
وفي "الشفاء" للقاضي عياض: وحكى أنه ﷺ قال لجبريل: "هل أصابك من هذه الرحمة شيء؟ قال: نعم، كنت أخشى عاقبة الأمر فأمنت، لثناء الله تعالى علي بقوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ " [التكوير: ٤٠] . انتهى.
وذكر السمرقندي في تفسيره بلفظ: وذكر أن النبي ﷺ قال لجبريل: "يقول
الحواشي
(١) عليهم عذابين، كالأمم السابقة، "لا يقال: إنه تعالى قال: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ بقتلهم ﴿بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ﴾ أي: يذلهم بالأسر والقهر، "وقال عالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣] ؛ "لأنا نقول: تخصيص العام" وهو العالمين من رحمة للعالمين ببعض إفراده، وهو المنافق والمشرك، "لا يقدح فيه"؛ لأنه يكفي في عمومه صدقه على غير ما خصص به.
"وفي الشفاء للقاضي عياضك وحكي" بالبناء للمجهول كما قال البرهان؛ "أنه ﷺ قال لجبريل: "هل أصابك من هذه الرحمة شيء"؟ فيه إشارة إلى أنه مرحوم مقرب، وإنما السؤال عن رحمة نالته من رحمة المصطفى، كما أفاده اسم الإشارة، قال: نعم، كنت أخشى العاقبة" أي: سوءها، أو المراد بالعاقبة السيئة بجعل التعريف للعهد بقرينة الخشية، فإنها بمعنى الخوف، وإنما يكون في المكروه، والعاقبة ما يعقب الشيء ويحصل منه خيرًا كان أو شرًا، "فأمنت" "بفتح الهمزة المقصورة، وكسر الميم الخفيفة، مبني للفاعل من الأمن ضد الخوف"، وضبطه "بضم الهمزة مبني للمفعول"، خلاف المشهور، ثم إن كان بشد الميم، فظاهر، وإن كان بتخفيفها، فركيك جدًا؛ لأنه إن كان من ضد الخيانة، فلا يناسب المقام، أو من الأمن، فكذلك؛ لأن مفعوله الثاني من المعاني، لا الذوات، فيحتاج لتقدير وحذف، أي: أمنت سوء عاقبتي، ولا داعي له "لثناء الله تعالى علي قوله": ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ ، عند الله في علمه، أو في حكمه وقضائه؛ لأن ثناءه يقتضي رضاه وقبوله، وهو لا يرضى، ويقبل الأمن، كان مرحومًا مقربًا، فلما علم ذلك من القرآن الذي هو رحمة نازلة بالمصطفى اطمأن خاطره وأمن سوء الخاتمة. "انتهى".
نقل عياض: قال السيوطي: ولم أجده مخرجًا في شيء من كتب الحديث.
"وذكر السمرقندي في تفسيره بلفظ، وذكر أن النبي ﷺ قال لجبريل: "يقول اللهстр. 3906
"الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ فهل أصابك من هذه الرحمة شيء؟ قال: نعم، كنت أخشى عاقبة الأمر فأمنت بك، لثناء الله تعالى علي في قوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ " [التكوير: ٢١] .
وهذا يقتضي أن محمدًا ﷺ أفضل من جبريل، وهو الذي عليه الجمهور، خلافًا لمن زعم أن جبريل أفضل واستدل: بأن الله وصف جبريل بسبعة أوصاف من أوصاف الكمال في قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ
الحواشي
(١) "تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ، فهل أصابك من هذه الرحمة شيء؟ قال: نعم كنت أخشى عاقبة هذا الأمر" أي: خاتمته، "فآمنت بك لثناء الله تعالى علي في قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢١] ، ولا يعارض هذا ما روي أن جبريل أتى النبي ﷺ وهو يبكي، فقال له رسول الله ﷺ : "ما يبكيك؟، قال: وما لي لا أبكي، فوالله ما جفت لي عين منذ خلق الله النار، مخافة أن أعصيه فيقذفني فيها"، أخرجه أحمد في الزهد عن أبي عمران الجوني بلاغًا.
وأخرج ابو الشيخ عن عبد العزيز بن أبي داود، قال: نظر الله إلى جبريل وميكائيل، وهما يبكيان، فقال الله: ما يبكيكما وقد علمتما أني لا أجور؟، قالا: يا رب إنا لا نأمن مكرك، قال: هكذا فافعلا، فإنه لا يأمن مكري إلا كل خاسر"؛ لأنه كلما زاد القرب زاد الخوف، فالمقرب لا يزال خائفًا ممن يهابه، أو؛ لأنه من عظمة الله تعالى قد يذهل عن الأمان.
"وهذا يقتضي أن محمدًا ﷺ أفضل من جبريل، وهو الذي عليه الجمهور" بل حكى الرازي عليه الإجماع، وكذا ابن السبكي والبلقيني والزركشي، وقال: إنهم استثنوه من الخلاف في التفضيل بين النبي والملك، "خلافًا لمن زعم" وهو الزمخشري في الكشاف، "أن جبريل أفضل" وقد قال بعض علماء المغاربة: جهل الزمخشري مذهبه، فإن المعتزلة مجمعون على أنه أفضل من جبريل.
نعم قيل: إن طائفة منهم خرقوا الإجماع، كالرماني، فتبعهم الكشاف جهلًا.
"واستدل بأن الله وصف جبريل بسبعة أوصاف من أوصاف الكمال في قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أي: جامع لأنواع الخبر، ففيه شهادة له بعلو، الرتبة وليس المراد كريم عند مرسله، كما قيل به في ﴿أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ وإن أجيز هنا للاستغناء عنه بعند ذي العرش، ﴿ذِي قُوَّة﴾ على تبليغ ما حمله من الوحي، وعلى اقتلاع المدائن والجبال، وإهلاك صيحته كل من سمعها، وهبوطه إلى الأرض، وصعوده في طرفة عين إلى غير ذلك، ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ صفة مستقلة عنده؛ لأنه عدها سبعًا، لا متعلقة بما قبله، ولا ربما بعده، وإلا فهي ستة،стр. 3907
مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ ، ووصف محمدًا ﷺ بقوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ .
ولو كان محمد ﷺ مساويًا لجبريل في صفات الفضل أو مقاربًا له لكان وصف محمدًا بمثل ذلك.
وأجيب بأنا متفقون على أن لمحمد ﷺ فضائل أخرى سوى ما ذكر في هذه الآية، وعدم ذكر الله تعالى لتلك الفضائل هنا لا يدل على عدمها بالإجماع، وإذا ثبت أن لمحمد ﷺ فضائل آخر زائدة فيكون أفضل من جبريل.
وبالجملة: فإفراد أحد الشخصين بالوصف لا يدل ألبتة على انتفاء تلك الأوصاف عن الثاني، وإذا ثبت بالدليل القرآني أنه ﷺ رحمة للعالمين، والملائكة من جملة العالمين، وجب أن يكون أفضل منهم، والله أعلم.
الحواشي
(١) وقد عدها الرازي ستة، فعلقها بما قبلها، ﴿مَكِينٍ﴾ أي: متمكن المنزلة عند ربه، رفيع المحل عنده، ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾ أي: في السماء: ﴿أَمِينٍ﴾ على الوحي، "ووصف محمدًا ﷺ ، بقوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ كما تبهته الكفرة، "ولو كان محمد ﷺ مساويًا لجبريل في صفات الفضل، أو مقاربًا له لكان وصف محمدًا بمثل ذلك".
قال البيضاوي: وهو استدلال ضعيف، إذ المقصود منه نفي قولهم، إنما يعلمه بشر أفترى على الله كذبًا، أم به جنة، لا تعداد فضلهما، والموازنة بينهما.
"وأجيب: بأنا متفقون على أن لمحمد ﷺ فضائل أخرى"، القرآن طافح بها: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ، ﴿إِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤] ، ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠] ، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢٢] إلى غير ذلك، "سوى ما ذكر في هذه الآية، وعدم ذكر الله تعالى لتلك الفضائل هنا لا يدل على عدمها بالإجماع"؛ لأنه، لم يقصد المفاضلة بينهما، "وإذا ثبت أن لمحمد ﷺ فضائل أخرى زائدة" على هذه السبع التي تشبث بها جاهل المعتزلة، "فيكون أفضل من جبريل" وهو إجماع حتى من المعتزلة أيضًا، كما مر.
"وبالجملة، فإفراد أحد الشخصين بالوصف لا يدل البتة" بقطع الهمزة "على انتفاء تلك الأوصاف عن الثاني"، بل هو موصوف بها ضرورة؛ أنه لا يصح نفيها عنه، "وإذا ثبت بالدليل القرآني؛ أنه ﷺ رحمة للعالمين، والملائكة من جملة العالمين، وجب أن يكون أفضل منهم" حتى جبريل، "والله أعلم" ولهذا ونحوه حذر جماعة من أكابر العلماء، كالسبكي من قراءة الكشاف.стр. 3908
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] .
وهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بطريق الأولى؛ لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي، ولا ينعكس، كما قدمنا ذلك في أسمائه الشريفة من المقصد الثاني.
وبذلك وردت الأحاديث عنه ﷺ :
فروى الإمام أحمد من حديث أبي بن كعب أن النبي ﷺ قال: "مثلي في النبيين كمثل رجل بنى دارًا، فأحسنها وأكملها، وترك فيها موضع لبنة لم يضعها، فجعل
الحواشي
(١) "وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ".
قال ابن عطية: أذهب الله بهذه الآية ما وقع في نفوس منافقين وغيرهم، من تزوج رسول الله ﷺ زوجة دعية زيد بن حارثة؛ لأنهم كانوا استعظموا أن يتزوج زوجة ابنه، فنفى القرآن تلك النبوة، وأعلم أنه ﵇ ما كان أبا أحد من المعاصرين له حقيقة، ولم يقصد بهذه الآية أنه لم يكن له ولد، فيحتاج إلى الاحتجاج في أمر بنيه بأنهم كانوا ماتوا، ولا في الحسن والحسين إلى أنهما ابنا بنته، ومن احتج بذلك تأول معنى البنوة على غير ما قصد بها، " ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ وقرئ بالرفع، أي: هو، وقرأ عاصم وأبو عمرو ونافع، بالنصب عطفًا على أبا، ولكن بالتخفيف، وقرأت فرقة، لكن بالتشديد، ورسول اسمها، والخبر محذوف، ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ " "بكسر التاء" قراءة الجمهور، بمعنى أنه ختمهم، أي: جاء آخرهم، وقرأ عاصم بفتح التاء، أي: أنهم ختموا به، فهو كالخاتم والطابع لهم.
"وهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده، فلا رسول بطريق الأولى؛ لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي ولا ينعكس" فليس كل نبي رسولًا، "كما قدمنا ذلك في أسمائه الشريفة من المقصد الثاني، وبذلك وردت الأحاديث عنه ﷺ ".
"فروى الإمام أحمد" بن حنبل "من حديث أبي بن كعب" الأنصاري الخزرجي، سيد القراء، من فضلاء الصحابة: "أن النبي ﷺ قال: "مثلي" مبتدأ "في النبيين" متعلق به، وفي حديث جابر: "ومثل الأنبياء"، بالعطف والخبر، "كمثل رجل بنى دارا فأحسنها وأكملها، وترك فيها موضع لبنة" "بفتح اللام وكسر الموحدة ونون"، ويجوز كسر اللام وسكون الموحدة: قطعة طين تعجن، وتعد للبناء من غير إحراق، فإن أحرقت، فهي آجرة "لم يضعها، فجعل الناس يطوفونстр. 3909
"الناس يطوفون بالبنيان ويتعجبون منه، ويقولون: لو تم موضع هذه اللبنة، فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة" ورواه الترمذي عن بندار عن أبي عامر العقدي، وقال: حديث حسن صحيح.
وفي حديث أنس بن مالك مرفوعًا: "إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي". رواه الترمذي وغيره.
وفي حديث جابر مرفوعًا: "مثلي ومثل الأنبياء، كمثل رجل بنى دارًا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فكان من دخلها فنظر قال: ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة، وأنا موضع اللبنة، ختم بي الأنبياء ﵈". رواه أبو داود الطيالسي،
الحواشي
(١) "بالبنيان ويتعجبون" بفوقية بعد التحتية، "منه" أي: من حسنه وكماله، "ويقولون" وددنا "لو تم موضع هذه اللبنة" فلو للتمني، فلا جواب لها، أو جوابهما محذوف لعلمه من المذكور، أي: أتم حسنها وكمالها، "فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة" وفي رواية أحمد عن أبي هريرة: "ألا وضعت ههنا لبنة، فيتم بنيانك".
"ورواه الترمذي عن بندار" "بضم الموحدة وإسكان النون ودال مهملة فألف فراء بلا نقط" لقب محمد بن بشار بن عثمان العبدي، البصري أبي بكر، ثقة روى عنه الأئمة الستة وابن خزيمة وغيرهم، مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وله خمس وثمانون سنة، "عن أبي عامر" عبد الملك بن عمرو القيسي، "العقدي" "بفتح المهملة والقاف" ثقة، مات سنة أربع، أو خمس ومائتين، روى له الجميع.
"وقال" الترمذي: "حديث حسن صحيح" عن أبي بن كعب.
"وفي حديث أنس بن مالك، مرفوعًا: "أن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي" قيل: ومن لا نبي بعده، يكون أشفق على أمته، كوالد ليس له غير ولد، "رواه الترمذي وغيره" كالإمام أحمد، والحاكم بإسناد صحيح.
"وفي حديث جابر، مرفوعًا" قال: قال النبي ﷺ : "مثلي" مبتدأ، "ومثل الأنبياء" عطف عليه، "كمثل رجل" خبر، "بنى دارًا فأكملها وأحسنها" وفي رواية همام عن أبي هريرة عند مسلم، كمثل رجل ابتنى بيوتًا فأحسنها وأجملها وأكملها، "إلا موضع لبنة" من زاوية من زوايها، "فكان من دخلها فنظر، قال: ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة".
وفي رواية الشيخين: "فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها، ويقولون: لولا موضع هذه اللبنة".стр. 3910
وكذا البخاري ومسلم بنحوه.
وفي حديث أبي سعيد الخدري: "فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة". رواه مسلم.
الحواشي
(١) وفي حديث أبي هريرة: يقولون: "هلا وضعت هذه اللبنة".
وفي رواية همام: "ألا وضعت ههنا لبنة، فيتم بنيانك" قال ﷺ : "فأنا موضع اللبنة، ختم بي الأنبياء"، ولمسلم: "جئتم، فختمت الأنبياء، ﵈".
وفي حديث أبي هريرة، قال: "فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين"، "رواه أبو داود" سليمان بن داود بن الجارود، "الطيالسي" "بفتح الطاء والتحتانية" نسبة إلى الطيالسة المعروفة، البصري، الثقة، الحافظ، المصنف، مات سنة أربع، وقيل: ثلاث ومائتين، روى له مسلم والأربعة، "وكذا البخاري ومسلم، بنحوه" عن جابر، وأخرجاه أيضًا من حديث أبي هريرة، وسياقه، أتم، وقدمه المصنف في الخصائص.
"وفي حديث أبي سعيد الخدري: "فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة"، رواه مسلم" فيه شيء؛ لأن مسلمًا لم يسق لفظه، بل أحال به على حديث أبي هريرة الذي رواه من ثلاثة طرق، فقال: حدثنا ابن أبي شيبة وأبو كريب، قالا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "مثلي ومثل النبيين"، فذكر نحوه هذا لفظ مسلم، وقد علمت ثبوتها في حديث أبي هريرة، وأورد أن المشبه به واحد، والمشبه جماعة، فكيف صح التشبيه، وأجيب بأنه جعل الأنبياء كرجل واحد؛ لأنه لا يتم ما أراد من التشبيه إلا باعتبار الكل، وكذا الدار لا تتم إلا باجتماع البنيان، وبأنه من باب التبيه التمثيلي، وهو أن يوجد وصف من أوصاف المشبه، ويشبه بمثله من أحوال المشبه به، فكأنه شبه الأنبياء وما بعثوا به من إرشاد الناس بيت أسست قواعده ورفع بنيانه، وبقي منه موضع يتم به صلاح ذلك البيت، وزعم ابن العربي؛ أن اللبنة المشار إليها كانت في أس الدار المذكورة، وأنها لولا وضعها لا نقضت تلك الدار، قال: وبهذا يتم المراد من التشبيه المذكور.
قال الحافظ: وهذا إن كان منقولًا فحسن، وإلا فليس يلازم.
نعم ظاهر السياق أن اللبنة في مكان يظهر عدم الكمال في الدار بفقدها.
وفي رواية مسلم: "إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها"، فظهر أن المراد أنها مكملة محسنة، وإلا لاستلزم أن يكون الأمر بدونها ناقصًا، وليس كذلك؛ فإن شريعة كل نبي بالنسبة إليه كاملة، فالمراد هنا النظر إلى الأكمل بالنسبة إلى الشريعة المحمدية مع ما مضى من الشرائع الكاملة، وفي الحديث ضرب الأمثال للتقريب للإفهام.стр. 3911
وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: "وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون".
فمن تشريف الله تعالى له ختم الأنبياء والمرسلين به، وإكمال الدين الحنيفي له، وقد أخبر الله في كتابه، ورسوله في السنة المتواترة عنه، أنه لا نبي بعده، ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك دجال ضال، ولو تحذلق وتشعبذ، وأتى بأنواع السحر والطلاسم والنيرنجيات، فكلها محال وضلالة
الحواشي
(١) "وفي حديث أبي هريرة عند مسلم" عن النبي ﷺ : "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، "وأرسلت إلى الخلق كافة" إرساله عامة محيطة بهم؛ لأنها إذا عمتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم، "وختم بي النبيون" أي: أغلق باب الوحي والرسالة وسد لكمال الدين، وتصحيح الحجة، فلا نبي بعده، ومر الحديث في الخصائص.
"فمن تشريف الله تعالى له ختم الأنبياء والمرسلين به وإكمال الدين الحنيفي"، المائل عن الباطل للحق "له، وقد أخبر الله تعالى في كتابه ورسوله في السنة المتواترة عنه؛ أنه لا نبي بعده، ليعلموا"، أي: المخبرون، "أن كل من ادعى هذا المقام بعده، فهو كذاب" كثير الكذب، "أفاك" كذاب مبالغ فيه، "دجال" كذاب، قال ثعلب: الدجال: هو المموه، يقال: سيف مدجل، إذا طلي مذهب.
وقال ابن دريد: كل شيء غطيته فقد دجلته، واشتقاق الدجال من هذا؛ لأنه يغطي الأرض بالجمع الكثير، "ضال" لم يهتد، فالألفاظ الأربعة متقاربة، وقد علم ﷺ بذلك، وأخبر به.
ففي الصحيحين، مرفوعًا: "لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون، كذابون، قريبًا من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله"، "ولو تحذلق" "بفوقية فمهملة فمعجمة" أظهر الحذق، وادعى أكثر مما عنده، ومثله حذلق بلا تاء "وتشعبذ" "بالذال المعجمة بعد الموحدة" أتى بما يرى لإنسان منه ما لا حقيقة له، كالسحر، ويقال له أيضًا شعوذ: "بالواو" بدل الموحدة، "وأتى بأنواع السحر".
قال ابن فارس: وهو إخراج الباطل في صورة الحق، ويقال: هو الخديعة، وسحره بكلامه، استمالة برقته وحسن ترتيبه.
وقال الإمام فخر الدين: هو في عرف الشرع كل أمر يخفى سببه, ويتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع.
قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] ، وإذا أطلق ذم فاعله.стр. 3912
عند أولي الألباب.
ولا يقدح في هذا نزول عيسى ابن مريم ﵇ بعده؛ لأنه إذا نزل من السماء كان على دين نبينا محمد ﷺ ومنهاجه، مع أن المراد: أنه آخر من نبئ.
قال ابن حبان: من ذهب إلى أن النبوة مكتسبة لا تنقطع، أو إلى أن الولي أفضل من النبي فهو زنديق يجب قتله والله أعلم.
الحواشي
(١) والطلاسم، والنيرنجيات" "بكسر النون وإسكان التحتية وفتح الراء فنون ساكنة فجيم فتحتية فألف ففوقية".
قال المجد: النيرنج "بالكسر" أخذ كالسحر، وليس به، "فكلها محال" باطل، "وضلالة" زوال عن الحق، "عند أولي الألباب" العقول، "ولا يقدح في هذا نزول عيسى ابن مريم ﵇ بعده؛ لأنه إذا نزل من السماء كان على دين نبينا محمد" ﷺ ، "ومنهاجه" طريقه في شرعه، فهو واحد من أمته، "مع" أنه لا يرد هذا أصلًا، إذ "أن المراد أنه آخر من نبئ" وأرسل، فلا يضر وجود واحد بعد، أو أكثر ممن نبئ، أو أرسل قبله.
"قال ابن حبان: من ذهب إلى أن النبوة مكتسبة لا تنقطع، أو إلى أن الولي أفضل من النبي فهو زنديق يجب قتله" لتكذيب القرآن، وخاتم النبيين، "والله أعلم".стр. 3913
النوع الرابع: في التنويه به ﷺ في الكتب السالفة
كالتوراة والإنجيل بأنه صاحب الرسالة والتبجيل
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
الحواشي
(١) "النوع الرابع في التنويه به":
أي: التعظيم ورفعة شأنه " ﷺ " بذكره "في الكتب السالفة، كالتوراة والإنجيل؛ بأنه صاحب الرسالة والتبجيل" متعلق بقوله في التنويه، أي: رفع ذكره بأنه صاحب، وهذا أظهر من كونه بدلًا منه.
"قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ باسمه وصفته، بحيث لا يشكون أنه هو، ولذا عدل عن يجدون اسمه أو وصفه مكتوبًا، فتضمن ذلك إخباره تعالى بذكره في الكتابين قبل وجوده، تعظيمًا له وحثًا علىстр. 3914
وهذا يدل على أنه لو لم يكن مكتوبًا لكان ذكر هذا الكلام من أعظم المنفرات، والعاقل لا يسعى فيما يوجب نقصان حاله، وينفر الناس عن قبول مقاله، فلما قال لهم ﵇ هذا دل على أن ذلك النعت كان مذكورًا في التوراة والإنجيل. وذلك من أعظم الدلائل على صحة نبوته.
لكن أهل الكتاب كما قال الله تعالى: ﴿يَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُون﴾ [البقرة: ١٤٦] ، و ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣] ، وإلا فهم -قاتلهم الله- قد عرفوا محمدًا ﷺ كما عرفوا أبناءهم، ووجدوه عندهم مكتوبًا في التوراة والإنجيل، لكن حرفوهما وبدلوهما ليطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
الحواشي
(١) اإتباعه إذا وجد.
روى أبو نعيم في الحلية عن وهب بن منبه، قال: كان في بني إسرائيل رجل عصى الله مائتي سنة، ثم مات فأخذوه، فألقوه على مزبلة، فأوحى الله إلى موسى أن أخرج فصل عليه، قال: يا رب بنو إسرائيل يشهدون أنه عصاك مائتي سنة، فأوحى الله إليه، هكذا كان إلا أنه كان كلما نشر التوراة ونظر إلى اسم محمد ﷺ قبله، ووضعه على عينيه، وصلى عليه، فشكرت له ذلك، وغفرت هل وزوجته سبعين حوراء، "وهذا يدل على أن لو لم يكن مكتوبًا لكان ذكر هذا الكلام من أعظم المنفرات" لهم عن اتباعه، "والعاقل لا يسعى فيما يوجب نقصان حاله" بل في الزيادة، "و" لا فيما "ينفر الناس عنه قبول مقاله" فكيف بأرجح الخلق عقلًا، "فلما قال لهم ﵇: هذا" المذكور من كتابة اسمه، وصفه بالنبي الأمي، "دل على أن ذلك النعت" أي: الوصف الذي وصف لهم به نفسه "كان مذكورًا في التوراة، والإنجيل، وذلك من أعظم الدلائل على صحة نبوته، لكن أهل الكتاب، كما قال تعالى: ﴿يَكْتُمُونَ الْحَق﴾ نعت محمد ﷺ ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنه الحق، ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ يبدلون ﴿الْكَلِمَ﴾ الذي في التوراة من نعت محمد وغيره، ﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ التي وضعه الله عليها، "وإلا فهم قاتلهم الله قد عرفوا محمدًا ﷺ ، كما عرفوا أبناءهم" كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ [البقرة: ١٤٦] .
قال عبد الله بن سلام ﵁: لقد عرفته ﷺ حين رأيته، كما أعرف ابني، ومعرفتي لمحمد أشد، "ووجدوه عندهم مكتوبًا في التوراة والإنجيل، لكن حرفوهما وبدلوهما" عطف تفسير ﴿ْلِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ بأقوالهم، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ يظهره ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ذلك، "فدلائل نبوة نبينا في كتابيهما بعد تحريفهما طافحة".стр. 3915
فدلائل نبوة نبينا في كتابيهما -بعد تحريفهما- طافحة، وأعلام شرائعه ورسالته فيهما لائحة، وكيف يغني عنهم إنكارهم، وهذا اسم النبي بالسريانية "مشفح"، فمشفح، محمد بغير شك، واعتباره أنهم يقولون "شفحا لاها" إذا أرادوا أن يقولوا: الحمد لله، وإذا كان الحمد، شفحا، فمشفح: محمد؛ ولأن الصفات التي أقروا بها هي وفاق لأحواله وزمانه، ومخرجه ومبعثه وشريعته ﷺ ، فليدلونا على من هذه الصفات له، ومن خرجت له الأمم من بين يديه، وانقادت له
الحواشي
(١) أي: ظاهرة، مالئة لكتابيهما من طفح الإناء امتلأ "وأعلام شرائعه ورسالته فيهما لائحة" فالباقي بعد التحريف كافٍ في بيان صدقه وإظهاره رسالته ﵇، "وكيف يغني عنهم إنكارهم وهذا اسم النبي بالسريانية" كما جزم به عياض وغيره.
"مشفح" بضم الميم وشين معجمة وفاء شديدة مفتوحتين، ثم حاء مهملة، مرفوع في النسخ الصحيحة، وفي كثيرها مشفحًا، بالنصب على الحال، أي: جاء حال كونه مشفحًا أو بتقدير يرى مشفحًا، لكن قال الدلجي: مشفح ممنوع الصرف للعلمية والعجمة.
وبالفاء جزم ابن دحية، وقال: أنه بوزن محمد، ومعناه وروى، كما قال المصنف بالقاف، وبه جزم الشمني والدلجي، وقال: القاف مفتوحة أو مكسورة، واقتصر المجد على الفتح، فقال: مشفح، كمعظم.
قال الحافظ البرهان: لا أعرف صحته ولا معناه، أي: سواء كان بالفاء أو بالقاف، وقال الدلجي: لا أعرف له معنى، ولعل مرادهما لا يعرفان هل معناه شافع، أو صاحب الحوض، أو اللواء، أو نحو ذلك، فلا ينافي قول عياض وابن دحية وغيرهما.
وتبعهم المصنف بقوله: "فمشفح محمد بغير شك" أي: معناه محمد، وهو ثابت في كتبهم بهذا الوصف، "واعتباره" أي: دليله؛ "أنهم يقولون "شفحا لاها" إذا أرادوا أن يقولوا الحمد لله، وإذا كان الحمد" أي: معناه في لغتهم "شفحا، فمشفح محمد"، وقد يقال: لا يلزم من التعبير عن الحمد لله بشفحا لاها أنه مشفح اسم لمحمد، لجواز أن يراد به اسم آخر، كمحمود أو ممدوح ونحوه.
إلا أن يقال: وجه الملازمة أنه إذا ثبت أن الحمد معناه الشفح، كان مصدرًا واسم المفعول المأخوذ من الحمد مصدرًا، هو محمد، فيكون مشفح بمعنى محمد؛ "ولأن الصفات التي أقروا بها" أيك بورودها في كتبهم "هي وفاق" أي: مطابقة "لأحواله وزمانه ومخرجه ومبعثه وشريعته ﷺ " فإن أنكروا أنه هو، "فليدلونا على من هذه الصفات له" قامت به هذه الصفات هو النبي ﷺ .стр. 3916
واستجابت لدعوته، ومن صاحب الجمل الذي هلكت بابل وأصنامها به؟
إذ لو لم نأت بهذه الأنباء والقصص من كتبهم، لم يك فيما أودع الله القرآن دليل على ذلك؟ وفي تركهم جحد ذلك وإنكاره -وهو يقرعهم به- دليل على اعترافهم له؟ فإنه يقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ ، ويقول حكاية عن المسيح: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] . ويقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] ، ويقول: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ [البقرة: ١٤٦] ، وكانوا يقولون لمخالفيهم
الحواشي
(١) ولزمتهم الحجة، "ومن خرجت له الأمم"، أي: جاءت له طائعة مذعنة "من بين يديه" وقوله: "وانقادت له واستجابت" أجابت "لدعوته"، بيان للمراد به، "ومن صاحب الجمل الذي هلكت بابل" بلد في سواد العراق، ينسب إليه السحر والخمر، "وأصنامها به إذ" وفي نسخة على أنا "لو لم نأت بهذه الأنباء" الأخبار "والقصص من كتبهم" وجواب لو قوله: "لم يك فيما أودع الله القرآن دليل على ذلك" وفي نسخ: ألم يك بهمزة الاستفهام الإنكاري، وعليها، فجواب لو محذوف، أي: لا يضرنا ذلك، أو كنا في غنية عنه، لكن حذف الهمزة أولى؛ لأن ذكرها لا يحصل المقصود من إلزامهم الحجة.
وقد يقال: بل يحصله بضميمة قوله: "وفي تركهم جحد ذلك وإنكاره" بالنصب، "وهو يقرعهم": يثربهم ويوبخهم "به دليل على اعترافهم له، فإنه يقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ باسمه وصفته، ويقول حكاية عن المسيح، ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا﴾ في حال تصديقي لما تقدمني من التوراة، وبتذكيري ﴿بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ والعامل في الحالين ما في الرسول من معنى الإرسال لا الجار؛ لأنه لغو إذ هو صلة للرسول، فلا يعمل، قاله البيضاوي، "ويقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُون﴾ تخلطون ﴿الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ بالتحريف والتزوير، ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ أي: نعت النبي ﷺ : ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه حق، "ويقول: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ أي: محمد ﵇، ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ بنعته في كتبهم.
قال ابن سلام: بل معرفتي لمحمد أشد، "وكانوا يقولون لمخالفيهم عند القتال: هذاстр. 3917
عند القتال: هذا نبي قد أظل مولده، ويذكرون من صفته ما يجدون في كتابهم، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به حسدًا وخوفًا على الرياسة.
ويحتمل أنهم كانوا يظنون أنه من بني إسرائيل، فلما بعثه الله من العرب، من نسل إسماعيل عظم ذلك عليهم، وأظهروا التكذيب، فلعنة الله على الكافرين.
وقد كان ﷺ يدعوهم إلى اتباعه وتصديقه، فكيف يجوز أن يحتج بباطل من الحجج، ثم يحيل ذلك على ما عندهم وما في أيديهم، ويقول: "من علامة نبوتي وصدقي أنكم تجدونني عندكم مكتوبًا" وهم لا يجدونه كما ذكر؟! أوليس ذلك مما يزيدهم عنه بعد استفهام إنكاري، وقد كان غنيًا أن يدعوهم بما ينفرهم، وأن يستميلهم بما يوحشهم. وقد أسلم من أسلم من علمائهم كعبد الله بن سلام،
الحواشي
(١) نبي قد أظل" أي: قرب "مولده، ويذكرون من صفته ما يجدون في كتابهم".
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء، وداود بن سلمة: يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك، وتخبرونا بأنه مبعوث وتصفونه بصفته، فقال سلام بن مشكم أحد بني النضير: ما جاءنا نبي نعرفه، وما هو الذي كنا نذكر لكم، فأنزل الله ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ ، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، "فلما جاءهم ما عرفوا كروا به حسدًا وخوفًا على الرياسة" وجواب لما الأولى دل عليه جواب الثانية، "ويحتمل أنهم كانوا يظنون أنه من بني إسرائيل، فلما بعثه الله من العرب من نسل إسماعيل، عظم" شق "ذلك عليهم وأظهروا التكذيب" بغيًا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، "فلعنة الله على الكافرين" أي: عليهم، وأتى بالمظهر للدلالة على أنهم لعنوا لكفرهم، فاللام للعهد، ويجوز أنها للجنس، ويدخلون فيه دخولًا، أوليًا؛ لأن الكلام فيهم، "وقد كان ﷺ يدعوهم إلى اتباعه وتصديقه، فكيف يجوز أن يحتج بباطل من الحجج، ثم يحيل ذلك على ما عندهم، وما في أيديهم، ويقول: "من علامة نبوتي وصدقي أنكم تجدونني عندكم مكتوبًا" باسمي وصفتي، "وهم لا يجدونه كما ذكر" في كتبهم، "أو ليس ذلك مما يزيدهم عنه بعد استفهام إنكاري، وقد كان غنيًا" عن "أن يدعوهم بما ينفرهم" عن اتباعه، "و" عن "أن يستميلهم بما يوحشهم".
"وقد أسلم من أسلم من علمائهم، كعبد الله بن سلام" بالتخفيف، الإسرائيلي أبيстр. 3918
وتميم الداري، وكعب، وقد وقفوا منه على مثل هذه الدعاوي.
وقد روى ابن عساكر في تاريخ دمشق من طريق محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده عبد الله بن سلام: أنه لما سمع بمخرج النبي ﷺ بمكة، خرج فلقيه، فقال له النبي ﷺ : "أنت ابن سلام عالم أهل يثرب"؟ قال نعم: قال: "ناشدتك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد
الحواشي
(١) يوسف حليف بني الخزرج، قيل: كان اسمه الحصين، فسماه النبي ﷺ عبد الله، له أحاديث وفضل، مات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين، "وتميم" من أوس بن خارجة "الداري" أبي رقية بقاف مصغر، صحابي مشهور سكن بيت المقدس بعد عثمان، مات سنة أربعين، "وكعب" بن مانع الحميري، المعروف بكعب الأحبار، كان يهوديًا من أحبارهم، من أهل اليمن، وأدرك الزمن النبوي، قيل: وأسلم فيه، وقيل: في خلافة أبي بكر، وقيل: عمر، وهو الراجح، وسكن الشام، ومات في خلافة عثمان، وقد زاد على المائة، وفي نسخة: وكم أسلم، ومعناها التكثير، لكن الثلاثة الذين ذكرهم قليل، فالمراد أن المسلمين من علمائهم كثير، لكن ليسوا من أضراب ابن سلام فلم يذكرهم، واقتصر على عظمائهم، "وقد وقفوا منه على مثل هذه الدعاوي" واعترفوا بثبوتها في كتبهم، "وقد روى ابن عساكر في تاريخ دمشق" والطبراني وأبو نعيم في الدلائل، كلهم "من طريق محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الل بن سلام" صدوق، من السادسة، ومنهم من زاد بين حمزة ويوسف محمدًا، روى له ابن ماجه "عن أبيه" حمزة بن يوسف، ويقال أن يوسف جده، واسم أبيه محمد، مقبول من السابعة.
روى له ابن ماجه، كما في التقريب "عن جده" يوسف بن عبد الله بن سلام الإسرائيلي، المدني، أبي يعقوب، صحابي صغير.
وقد ذكره العجلي في ثقات التابعين، وقوله: "عبد الله بن سلام أنه" يقتضي أن المراد جده الأعلى فيكون منقطعًا؛ لأنه لم يدركه.
وفي رواية الطبراني وأبي نعيم، عن أبيه: ان عبد الله بن سلام، وهو منقطع أيضًا، "لما سمع بمخرج النبي ﷺ بمكة، خرج فلقيه" ولأبي نعيم والطبراني: أنه قال لأخبار يهود: إني أردت أن أحدث بمسجد أبينا إبراهيم عهدًا، فانطلق إلى رسول الله وهو بمكة، فوافاه بمنى والناس حوله، فقام مع النبي، "فقال له النبي ﷺ " لما نظر إليه: "أنت" عبد الله "بن سلام، عالم أهل يثرب" فهو من معجزاته حيث أخبره بذلك بمجرد رؤيته له، "قال: نعم، قال ﷺ : "$ادن"، فدنا منه كما في الطبراني وأبي نعيم، فقال: "ناشدتك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد صفتي في كتاب الله" التوراة، وفي رواية: "أنشدك بالله، أما تجدوني في التوراة رسول اللهстр. 3919
"صفتي في كتاب الله"؟ قال: انسب ربك يا محمد، فارتج النبي ﷺ فقال له جبريل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ " [الإخلاص: ١-٤] ، فقال له ابن سلام: أشهد أنك رسول الله، وإن الله مظهرك ومظهر دينك على الأديان، وإني لأجد صفتك في كتاب الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا
الحواشي
(١) "قال: انسب ربك يا محمد" وفي رواية: انعت لنا ربك "فارتج" بالبناء للمفعول ومخففًا، أي: لم ينطق "النبي ﷺ " بجواب، ويقال: ارتج بهمزة وصل وتثقيل الجيم، وبعضهم يمنعها، وربما قيل: ارتتج، وزان اقتتل بالبناء للمفعول أيضًا، كما في المصباح.
وفي رواية: فارتعد ﷺ حتى خر مغشيًا عليه، "فقال له جبريل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ خبر ثان ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ المقصود في الحوائج على الدوام، أو الذي لا جوف له، كما للطبراني عن بريدة، وبه قال كثير من المفسرين، قال ابن عطية: كأنه بمعنى المصمت.
وقال الشعبي: هو الذي لا يأكل ولا يشرب، وفي هذا التفسير كله نظر؛ لأن الجسم في غاية البعد عن صفات الله تعالى، فما الذي تعطينا هذه العبارات، قال: والصمد في كلام العرب السيد الذي يصمد ئغليه في الأمور ويستقل بها، وأنشدوا:
ألا بكر الناعي بخير بني أسد ... بعمرو بن مسعود بالسيد الصمد
وبهذا تفسر هذه الآية؛ لأن الله موجود الموجودات، وإليه يصمد، وبه قوامها، ولا غنى بنفسه إلا هو ﵎. انتهى.
﴿لَمْ يَلِدْ﴾ ؛ لأنه لم يجانس، ولم يفتقر إلى ما يعينه، أو يخلف عنه، لامتناع الحاجة والفناء عليه، ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ ؛ لأنه لا يفتقر إلى شيء، ولا يسبقه عدم، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ مكافئًا ومماثلًا، فله متعلق بكفؤا قدم عليه؛ لأنه محط القصد بالنفي، وأخر أحد، وهو اسم يكن عن خبرها رعاية للفاصلة، "فقال له ابن سلام: أشهد أنك رسول الله، وأن الله مظهرك ومظهر دينك على الأديان" كلها، بإبطال باطلها، ونسخ حقها.
وفي رواية الطبراني وأبي نعيم؛ فقال ابن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، ثم انصرف إلى المدينة، وكتم إسلامه، وقضية هذا؛ أنه أسلم بمكة قبل الهجرة، لكن هذا حديث ضعيف، متكلم فيه، معارض بما في البخاري؛ أن النبي ﷺ لما هاجر أتاه ابن سلام، وقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، فسأله، وأجابه النبي ﷺ عن مسائله، فقال: أشهد أنك رسول الله.
الحديث، وفيه قد علمت اليهود أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فسلهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي، وأنه سألهم عنه، فاعترفوا بما قال: فلما قال لهم: إني أسلمتстр. 3920
أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ ، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس
الحواشي
(١) كذبوه، وقالوا يه ما ليس فيه، ومن ثم لم يعرج الحافظ على رواية ابن عساكر ومن معه، هذه بل جزم في الفتح والإصابة؛ بأنه أسلم أول ما دخل النبي ﷺ المدينة، وغلط من قال: أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بعامين.
وقد أخرج أحمد وأصحاب السنن عن عبد الله بن سلام، قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة انجفل الناس لقدومه، فكنت فيمن انجفل، فلما تبينت وجهه، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فسمعته يقول: "أفشوا السلام، وأطعموا الطعام"، الحديث، ومحال على من أسلم قبل ذلك أن يشك بعد ذلك، وأنه يسأله امتحانًا ليعلم، أهو نبي أم لا؟، وقد اختلف في أن سورة الإخلاص مكية أو مدينة، وأخرج الترمذي والحاكم وابن خزيمة، عن أبي ابن كعب أن المشركين قالوا للنبي ﷺ : انسب لنا ربك، فأنزل الله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ ، إلى آخرها.
وأخرج الطبراني وابن جرير، مثله من حديث جابر، فاستدل به على أنها مكية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أن اليهود جاءت إلى النبي ﷺ ، منهم كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، فقالوا: يا محمد صف لنا ربك الذي بعثك، فأنزل الله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ ، وروى ابن جرير عن قتادة، وعن المنذر عن سعيد بن جبير مثله، فاستدل بهذا على أنها مدنية، ولابن جرير عن أبي العالية، قال: قال قادة الأحزاب: انسب لنا ربك، فأتاه جبريل بهذه السورة، قال في اللباب: وهذا يبين المراد بالمشركين في حديث أبي: فتكون السورة مدنية، كما دل عليه حديث ابن عباس، وينتفي التعارض بين الحديثين، لكن روى أبو الشيخ في العظمة، عن أنس أتت يهود خيبر إلى النبي ﷺ ، فقالوا: يا أبا القاسم خلق الله الملائكة من نور الحجاب، وآدم من حمأ مسنون، وإبليس من لهب النهار والسماء من دخان، والأرض من زبد الماء، فأخبرنا عن ربك، فلم يجبهم فأتاه جبريل بهذه السورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ انتهى.
نعم بقية الحديث ثابتة عن ابن سلام، علقها البخاري تلو حديث ابن عمر، والآتي، وأخرجها الدارمي، ويعقوب بن سفيان، والطبراني، وهو قوله: "وإني لأجد صفتك في كتاب الله" يعني التوراة، ففي رواية الجماعة عنه: إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ على أمتك بما يفعلون لهم وعليهم، مقبولًا عند الله، ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ لمن أجابك بالثواب ﴿وَنَذِيرًا﴾ ، مخوفا لمن عصاك بالعذاب، "أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل" أي: على الله، لقناعته باليسير من الرزق، واعتماده على الله في السر والجهر، والصبر على انتظار الفرج، والأخذ بمحاسن الأخلاق، واليقين بتمام وعد الله، فتوكل على الله، فسماه الله المتوكل، "ليس بفظ" سيئ الخلق جاف.
وفيه التفات من الخطاب إلى الغيبة، إذ لو جرى على نسق الأول، لقال: لست بفظстр. 3921
بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا.
وقوله: "ليس بفظ ولا غليظ" موافق لقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ولا
الحواشي
(١) "ولا غليظ" قاسي القلب، "ولا سخاب" "بسين مهملة وخاء معجمة ثقيلة" لغة أثبتها الفراء وغيره بالصاد، أشهر من السين، بل ضعفها الخليل، أي: لا يرفع صوته على الناس لسوء خلقه، ولا يكثر الصياح عليهم "في الأسواق" بل يلين جانبه ويرفق بهم، وفيه ذم أهل السوق، الذين يكونون بالصفة المذمومة من صخب ولغط، وزيادة مدحه لما يبيعونه، وذم لما يشترونه، والإيمان الحانثة، ولذا كانت شر البقاع لما يغلب على أهلها من هذه الأحوال المذمومة، وقيد بالأسواق، والمراد نفيه عنه مطلقًا؛ لأنه إذا انتفى في المحل المعتاد فيه، انتفى في غيره بالطريق الأولى، وهذا أبلغ وأفصح من الإطلاق؛ لأنه نفي بدليل نحو قوله: لا ترى الضب بها ينحجر، فهو من نفي المقيد دون قيده، "ولا يجزي بالسيئة مثلها" أي: السيئة، "ولكن يعفو ويصفح" يعرض ما لم تنتهك حرمات الله، "ولن يقبضه" يميته "الله حتى يقيم به الملة العوجاء" ملة إبراهيم، فإنها اعوجت في الفترة، فزيدت، ونقصت، وغيرت عن استقامتها، وأميلت بعد قوامها، وما زالت كذلك حتى أقامها ﷺ بنفي الشرك وإثبات التوحيد، كما قال: "حتى يقولوا: لا إله إلا الله" أي: ومحمد رسول الله، فالمراد كلمة التوحيد.
هكذا فسر شراح الحديث قاطبة: الملة العوجاء بملة إبراهيم، وكذا ابن الأثير في النهاية، قائلًا: إن العرب كانوا يزعمون أنهم على ملته، وأبعد من قال؛ أنها الملة التي رآها خارجة عن الحق، فأزال اعوجاجها، وإن لم تنسب إلى إبراهيم، كملة اليهود والنصارى، فإنهم حرفوا وبدلوا، ولم يتركوا ما نسخ من شرعهم، فجاهدهم حتى اهتدى من اهتدى، وقتل من قتل، "ويفتح به" بالنبي.
وفي رواية البخاري بها، أي: بكلمة التوحيد "أعينا عميًا" "بضم العين وسكون الميم صفة لا عين، أي: عن الحق، "وآذانًا صمًا" عن استماع الحق، "وقلوبًا غلفًا" "بضم المعجمة وسكون اللام صفة قلوبًا جمع أغلف، أي: مغطى ومغشى، "وقوله: ليس بفظ ولا غليظ، موافق لقوله تعالى: ﴿فَبِمَا﴾ زائدة، أي: فبـ ﴿رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي: سهلت أخلاقك حيث خالفوك ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ جافيًا، فأغلظت لهم ﴿لَانْفَضُّوا﴾ تفرقوا ﴿مِنْ حَوْلِكَ﴾стр. 3922
يعارض قوله: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِم﴾ [التوبة: ٧٣] ؛ لأن النفي محمول على طبعة الكريم الذي جبل عليه، والأمر محمول على المعالجة، أو النفي بالنسبة إلى المؤمنين والأمر بالنسبة إلى الكفار والمنافقين كما هو مصرح به في نفس الآية.
"وقلوبًا غلفًا": أي مغشاة مغطاة، واحدها: أغلف، ومنه غلاف السيف وغيره.
وأخرج البيهقي وأبو نعيم عن أم الدرداء -أو امرأة أبي الدرداء- قالت: قلت لكعب، كيف تجدون صفة رسول الله ﷺ في التوراة؟ قال: كنا نجده موصوفًا فيها: محمد رسول الله اسمه المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في
الحواشي
(١) [آل عمران: ١٥٩] "ولا يعارض" هذا "قوله" تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] ؛ "لأن النفي محمول على طبعه الكريم الذي جبل عليه، والأمر محمول على المعالجة" لنفسه، على خلاف ما طبع عليه، "أو النفي بالنسبة إلى المؤمنين، والأمر بالنسبة إلى الكفار والمنافقين، كما هو مصرح به في نفس الآية" ذكر الجوابين الحافظ والثاني، كما قاله شيخنا أظهر لموافقة الآية، وإن كان الأول من حيث عمومه شاملًا لعصاة المؤمنين إذا فعلوا منكرًا، ولا سيما إذا ظهر منهم التصميم عليه، "وقلوبًا غلفًا، أي: مغشاة مغطاة، واحدها أغلف، ومنه غلاف السيف وغيره" والمعنى: أن قلوبهم كانت محجوبة عن الهداية، فأزال صلى الله عليه سولم حجابها وكشف غطاءها.
"وأخرج البيهقي وأبو نعيم، عن أم الدرداء، أو امرأة أبي الدرداء" شك من الراوي في اللفظ الذي قاله شيخه، وإن اتحد المعنى، ولأبي الدرداء زوجتان، تكنى كل منهما بذلك إحداهما الكبرى واسمها خيرة بنت أبي حدود، صحابية، من فضلاء النساء وعقلائهن، وذوات الرأي: منهن، مع العبادة والنسك، ماتت قبل زوجها بالشام في خلافة عثمان، والثانية الصغرى اسمها هجيمة أو جهيمة، ثقة، فقيهة، ماتت سنة إحدى وثمانين، وهي التي روى لها أصحاب الكتب الستة، لا صحبة لها ولا رؤية، وذكر في الإصابة للكبرى حديثين، سمعتهما من النبي ﷺ ، وكل منهما يحتمل أنها التي "قالت: قلت لكعب بن مانع الحميري، المعروف بكعب الأحبار: "كيف تجدون صفة رسول الله ﷺ في التوراة؟، قال: كنا نجده موصوفًا فيها محمد رسول الله" كما في القرآن، "اسمه المتوكل" الذي يكل أمره إلى الله، فإذا أمره بشيء نهض بلا جزع، وفي التنزيل: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ ، "ليس بفظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق" التي هي محل السخب وارتفاع الأصوات، ففيстр. 3923
الأسواق، وأعطي المفاتيح، ليبصر الله به أعينًا عورًا، ويسمع به آذانًا صمًا، ويقيم به ألسنة معوجة، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعين المظلوم ويمنعه من أن يستضعف.
وفي البخاري: عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ ،
الحواشي
(١) غيرها أولى، "وأعطي المفاتيح ليبصر الله به أعينًا عورًا" وهو الفاقد إحدى عينيه، ولكون الفتح والأبصار مجازًا عن الهداية، عبر تارة بعميًا، وأخرى بعورًا: جمع أعور، صفة أعينًا، "ويسمع به آذانًا صمًا" عن سماع الحق، "ويقيم به ألسنة معوجة" جمع لسان "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له" أي: ومحمد رسول الله، ففيه اكتفاء نحو سرابيل تقيكم الحر، أي: والبرد "يعين المظلوم" على الظالم، "ويمنعه من أن يستضعف" بأن ينصره، بحيث يصير فيه قوة تحمله على أن يدفع عن نفسه، "وفي البخاري" في البيوع، ثم في تفسير الفتح، طعن عطاء بن يسار" الهلالي، أبي محمد المدني، مولى ميمونة.
ثقة، فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، مات سنة أربع وتسعين, وقيل: بعدها، روى له الستة، "قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاصي" الصحابي ابن الصحابي ﵄، "فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ " أي: في التوراة بدليل الجواب، فإن السؤال يعاد في الجواب صراحة، أو ضمنًا، وهو من القواعد الأصولية، "قال" عبد الله: "أجل" "بفتح الهمزة والجيم، وباللام حرف جواب كنعم، فيكون تصديقًا للمحبر، وإعلامًا للمستخبر، ووعدًا للطالب، فيقع بعد نحو قام زيد، ونحو أقام زيد، واضرب زيدًا فيكون بعد الخبر، وبعد الاستفهام والطلب.
وقيل يختص بالخبر، وهو قول الزمخشري وابن مالك، وقيد المالقي الخبر بالمثبت، والطلب بغير النهي.
وفي القاموس: أجل كنعم، إلا أنه أحسن منه في التصديق، ونعم أحسن منه في الاستفهام، وهذا قاله الأخفش، كما في المعنى، وغيره قال الطيبي: أجل في الحديث جوابًا للأمر على تأويل: قرأت التوراة هي وجدت صفة رسول الله فيها، فأخبرني، قال: أجل "والله إنا لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن" أكده بمؤكدات الخلف بالله، والجملة الإسمية، ودخول أن عليها، ودخول لام التأكيد على الخبر، وإنما سأله عما في التوراة؛ لأنه كان يحفظها.стр. 3924
وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا
الحواشي
(١) وقد روى البزار من حديث ابن لهيعة، عن وهب: أن عبد الله بن عمرو بن العاصي رأى في المنام في إحدى يديه عسلًا، وفي الأخرى سمنًا، وهو يلعقهما، فلما أصبح ذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: له تقرأ الكتابين التوراة والقرآن فكان يقرؤهما، فالنهي عن قراءتها ليس على إطلاقه لوقوعه في الزمن النبوي لكثير من الصحابة بلا إنكار، فهو مقيد بمن لم يميز المنسوخ والمحرف منها، ويضيع وقته في الاشتغال بها، أما غيره فلا يمنع، بل قد يطب لإلزامهم فيما أنكروه منها.
وقد أخرج الدارمي ويعقوب بن سفيان في تاريخه، والطبراني عن عطاء بن يسار عن ابن سلام مثله، وعلقمة البخاري، قال الحافظ: ولا مانع أن يكون عطاء حمله عن كل منهما، فقد أخرجه ابن سعد عن زيد بن أسلم، قال: بلغنا أن عبد الله بن سلام، كان يقول: إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ بدل من بعض، أو بيان له ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ لأمتك المؤمنين بتصديقهم، على الكافرين بتكذيبهم، وانتصاب شاهدًا على الحال المقدر من الكاف أو من الفاعل أي: مقدرًا أومقدرين شهادتك على من بعثت إليهم وعلى تكذيبهم وتصديقهم، أي: مقبولًا عند الله لهم وعليهم، أو شاهدًا للرسل قبله بالبلاغ ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ للمؤمنين ﴿وَنَذِيرًا﴾ للكافرين، أو مبشرًا للمطيعين بالجنة، ونذيرًا للعصاة بالنار، "وحرزًا" بكسر المهملة، وإسكان الراء، ثم زاي، أي: حصنًا "للأميين" أي: للعرب؛ لأن أكثرهم لا يقرؤون ولا يكتبون، يتحصنون به عن غوائل الدهر، أ, سطوة العجم وتغلبهم، فخصهم لذلك أولًا رسالة بين أظهرهم، أو لشرفهم، أو من مطلق العذب ما دام فيهم، وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، أو من عذاب الاستئصال، فلا يرد أن دعوته عامة، وجعله نفسه حرزًا، مبالغة لحفظه لهم في الدارين، "أنت عبدي" الكامل في العبودية "ورسولي" فقدم العبودية لشرفها، فإن له بها مزيد اختصاص، ولذا اقتصر عليها في الإسراء وإنزال الكتاب، وليست بالمعنى العام الذي يتصف به كل مخلوق، بل بالخاص الذي رضيه له حتى أطلعه على حظائر قدسه، وجعله رسولًا مبلغًا عنه، وكفاء جميع مؤناته، فقال: أليس الله بكاف عبده، فإن الملك لا يرضى بوقوف عبده بباب غيره، واحتياجه لسواه، وإهانة أحد له، فإنه هو الذي يؤدبه، كما قال: أدبني ربي فأحسن تأديبي، فلذا قال: "سميتك المتوكل" دون جعلتك أو وصفتك، المنادى بشدة توكله الذي صيره علمًا له، ففيه أشعار بشدة توكله، الساري في أمته ﷺ ، وخطابه بما في التوراة خطاب للحاضر في العلم، وبالماضي في أرسلناك لتحققه، أو حكاية لما يقال في المستقبل؛ أو لاستحضار الآتي، وعبر بما يعبر به عنه في الآتي: "ليس بلفظ" سيئ الخلق، جاف، "ولا غليظ" قاسي القلب،стр. 3925
سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسية السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينًا عميًا وآذانًا
الحواشي
(١) بل ملته سمحة، ولا ينافيه وقوع الغلظة اللائقة أو الواجبة أحيانًا؛ لأنها لا تنافي حسن الخلق أو المراد نفيهما، بحسب الخلقة أو في غير محلهما، وقول النسوة لعمر: أنت أفظ أغلظ من رسول الله ﷺ ، ليس القصد به التفضيل، بل أصل الفعل، أو من قبيل العسل أحلى من الخل، أي: غلظتك يا عمر أشد من رقته ﷺ ، واختاره في المصابيح، ثم يحتمل أن يتكون هذه آية أخرى في التوراة، لبيان صفته، وأن تكون حالًا من المتوكل، أو من الكاف في سميتك، ففيه التفات من الخطاب إلى الغيبة حتى لا يواجهه بمثله، وإن كان منفيًا، "ولا سخاب" بشد الخاء بعد السين، ويقال: بالصاد، وهو أفصح، وادعى بعض أنه روى بهما، أي: لا يرفع صوته على الناس لسوء خلقه ولا يكثر الصياح عليهم "في الأسواق" بل يلين جانبه ويرفق بهم، وهو من نفي المقيد بدون قيده، ففيه دخوله ﷺ الأسواق تواضعًا وتركًا لعادة الجبارين من الملوك، وردًا لقول الكفرة: ما لهذا الرسول، يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، ويحتمل أنه من نفي القيد والمقيد معًا، كما قال الطيبي: المراد نفي السخابية وكونه في الأسواق.
انتهى على معنى نفي اعتياد دخوله في الأسواق، كأرباب الدنيا، بل إنما يدخلها لحاجة، فلا يشكل ما قاله بأنه خلاف الواقع والمبالغة للنسبة، كخياط أو بذي سخب، كما في: وما ربك بظلام في أحد الوجوه أو على بابها، لثبوت أصل الخسب له في محله، كخطبة وتلبية ونحوهما، "ولا يدفع" هكذا الرواية في البخاري في المحلين، فنسخة: ولا يجزي تصحيف "بالسيئة السيئة" هو كقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَة﴾ [المؤمنون: ٩٦] ، وخلقه القرآن.
وقد قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] ولذا قال: "ولكن يعفو" يمحو ويزيل السيئة من ظاهر وخاطره، "ويغفر" يستر السيئة، ولا يلزم منه إزالتها، أو يعفو تارة، ويستر أخرى، فلا يفضح، فيقول في خطبته: ما بال أقوام يفعلون كذا، أو هما متساويان، فالثاني تأكيد، ونقل القرطبي عن بعضهم؛ لأن الغفر ستر، لا يقع معه عقاب ولا عتاب، والعفو إنما يكون بعد عقاب أو عتاب، فإن استعمل في غيره فهو مجاز.
وفي نسخة: ويصفح، "ولن يقبضه" يميته "الله" وأصله أخذ المال واستيفاؤه، أطلق على الموت بتشبيه الحياة والروح بالمال، كما قيل:
إذا كان رأس المال عمرك فاحترس ... عليه من الإنفاق في غير واجب
أو هو من استعمال المقيد في المطلق، ثم شاع حتى صار حقيقة فيه، "حتى يقيم بهследующие страницы →