Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.
стр. 3921
بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا.
وقوله: "ليس بفظ ولا غليظ" موافق لقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ولا
الحواشي
(١) "ولا غليظ" قاسي القلب، "ولا سخاب" "بسين مهملة وخاء معجمة ثقيلة" لغة أثبتها الفراء وغيره بالصاد، أشهر من السين، بل ضعفها الخليل، أي: لا يرفع صوته على الناس لسوء خلقه، ولا يكثر الصياح عليهم "في الأسواق" بل يلين جانبه ويرفق بهم، وفيه ذم أهل السوق، الذين يكونون بالصفة المذمومة من صخب ولغط، وزيادة مدحه لما يبيعونه، وذم لما يشترونه، والإيمان الحانثة، ولذا كانت شر البقاع لما يغلب على أهلها من هذه الأحوال المذمومة، وقيد بالأسواق، والمراد نفيه عنه مطلقًا؛ لأنه إذا انتفى في المحل المعتاد فيه، انتفى في غيره بالطريق الأولى، وهذا أبلغ وأفصح من الإطلاق؛ لأنه نفي بدليل نحو قوله: لا ترى الضب بها ينحجر، فهو من نفي المقيد دون قيده، "ولا يجزي بالسيئة مثلها" أي: السيئة، "ولكن يعفو ويصفح" يعرض ما لم تنتهك حرمات الله، "ولن يقبضه" يميته "الله حتى يقيم به الملة العوجاء" ملة إبراهيم، فإنها اعوجت في الفترة، فزيدت، ونقصت، وغيرت عن استقامتها، وأميلت بعد قوامها، وما زالت كذلك حتى أقامها ﷺ بنفي الشرك وإثبات التوحيد، كما قال: "حتى يقولوا: لا إله إلا الله" أي: ومحمد رسول الله، فالمراد كلمة التوحيد.
هكذا فسر شراح الحديث قاطبة: الملة العوجاء بملة إبراهيم، وكذا ابن الأثير في النهاية، قائلًا: إن العرب كانوا يزعمون أنهم على ملته، وأبعد من قال؛ أنها الملة التي رآها خارجة عن الحق، فأزال اعوجاجها، وإن لم تنسب إلى إبراهيم، كملة اليهود والنصارى، فإنهم حرفوا وبدلوا، ولم يتركوا ما نسخ من شرعهم، فجاهدهم حتى اهتدى من اهتدى، وقتل من قتل، "ويفتح به" بالنبي.
وفي رواية البخاري بها، أي: بكلمة التوحيد "أعينا عميًا" "بضم العين وسكون الميم صفة لا عين، أي: عن الحق، "وآذانًا صمًا" عن استماع الحق، "وقلوبًا غلفًا" "بضم المعجمة وسكون اللام صفة قلوبًا جمع أغلف، أي: مغطى ومغشى، "وقوله: ليس بفظ ولا غليظ، موافق لقوله تعالى: ﴿فَبِمَا﴾ زائدة، أي: فبـ ﴿رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي: سهلت أخلاقك حيث خالفوك ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ جافيًا، فأغلظت لهم ﴿لَانْفَضُّوا﴾ تفرقوا ﴿مِنْ حَوْلِكَ﴾стр. 3922
يعارض قوله: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِم﴾ [التوبة: ٧٣] ؛ لأن النفي محمول على طبعة الكريم الذي جبل عليه، والأمر محمول على المعالجة، أو النفي بالنسبة إلى المؤمنين والأمر بالنسبة إلى الكفار والمنافقين كما هو مصرح به في نفس الآية.
"وقلوبًا غلفًا": أي مغشاة مغطاة، واحدها: أغلف، ومنه غلاف السيف وغيره.
وأخرج البيهقي وأبو نعيم عن أم الدرداء -أو امرأة أبي الدرداء- قالت: قلت لكعب، كيف تجدون صفة رسول الله ﷺ في التوراة؟ قال: كنا نجده موصوفًا فيها: محمد رسول الله اسمه المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في
الحواشي
(١) [آل عمران: ١٥٩] "ولا يعارض" هذا "قوله" تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] ؛ "لأن النفي محمول على طبعه الكريم الذي جبل عليه، والأمر محمول على المعالجة" لنفسه، على خلاف ما طبع عليه، "أو النفي بالنسبة إلى المؤمنين، والأمر بالنسبة إلى الكفار والمنافقين، كما هو مصرح به في نفس الآية" ذكر الجوابين الحافظ والثاني، كما قاله شيخنا أظهر لموافقة الآية، وإن كان الأول من حيث عمومه شاملًا لعصاة المؤمنين إذا فعلوا منكرًا، ولا سيما إذا ظهر منهم التصميم عليه، "وقلوبًا غلفًا، أي: مغشاة مغطاة، واحدها أغلف، ومنه غلاف السيف وغيره" والمعنى: أن قلوبهم كانت محجوبة عن الهداية، فأزال صلى الله عليه سولم حجابها وكشف غطاءها.
"وأخرج البيهقي وأبو نعيم، عن أم الدرداء، أو امرأة أبي الدرداء" شك من الراوي في اللفظ الذي قاله شيخه، وإن اتحد المعنى، ولأبي الدرداء زوجتان، تكنى كل منهما بذلك إحداهما الكبرى واسمها خيرة بنت أبي حدود، صحابية، من فضلاء النساء وعقلائهن، وذوات الرأي: منهن، مع العبادة والنسك، ماتت قبل زوجها بالشام في خلافة عثمان، والثانية الصغرى اسمها هجيمة أو جهيمة، ثقة، فقيهة، ماتت سنة إحدى وثمانين، وهي التي روى لها أصحاب الكتب الستة، لا صحبة لها ولا رؤية، وذكر في الإصابة للكبرى حديثين، سمعتهما من النبي ﷺ ، وكل منهما يحتمل أنها التي "قالت: قلت لكعب بن مانع الحميري، المعروف بكعب الأحبار: "كيف تجدون صفة رسول الله ﷺ في التوراة؟، قال: كنا نجده موصوفًا فيها محمد رسول الله" كما في القرآن، "اسمه المتوكل" الذي يكل أمره إلى الله، فإذا أمره بشيء نهض بلا جزع، وفي التنزيل: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ ، "ليس بفظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق" التي هي محل السخب وارتفاع الأصوات، ففيстр. 3923
الأسواق، وأعطي المفاتيح، ليبصر الله به أعينًا عورًا، ويسمع به آذانًا صمًا، ويقيم به ألسنة معوجة، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعين المظلوم ويمنعه من أن يستضعف.
وفي البخاري: عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ ،
الحواشي
(١) غيرها أولى، "وأعطي المفاتيح ليبصر الله به أعينًا عورًا" وهو الفاقد إحدى عينيه، ولكون الفتح والأبصار مجازًا عن الهداية، عبر تارة بعميًا، وأخرى بعورًا: جمع أعور، صفة أعينًا، "ويسمع به آذانًا صمًا" عن سماع الحق، "ويقيم به ألسنة معوجة" جمع لسان "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له" أي: ومحمد رسول الله، ففيه اكتفاء نحو سرابيل تقيكم الحر، أي: والبرد "يعين المظلوم" على الظالم، "ويمنعه من أن يستضعف" بأن ينصره، بحيث يصير فيه قوة تحمله على أن يدفع عن نفسه، "وفي البخاري" في البيوع، ثم في تفسير الفتح، طعن عطاء بن يسار" الهلالي، أبي محمد المدني، مولى ميمونة.
ثقة، فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، مات سنة أربع وتسعين, وقيل: بعدها، روى له الستة، "قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاصي" الصحابي ابن الصحابي ﵄، "فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ " أي: في التوراة بدليل الجواب، فإن السؤال يعاد في الجواب صراحة، أو ضمنًا، وهو من القواعد الأصولية، "قال" عبد الله: "أجل" "بفتح الهمزة والجيم، وباللام حرف جواب كنعم، فيكون تصديقًا للمحبر، وإعلامًا للمستخبر، ووعدًا للطالب، فيقع بعد نحو قام زيد، ونحو أقام زيد، واضرب زيدًا فيكون بعد الخبر، وبعد الاستفهام والطلب.
وقيل يختص بالخبر، وهو قول الزمخشري وابن مالك، وقيد المالقي الخبر بالمثبت، والطلب بغير النهي.
وفي القاموس: أجل كنعم، إلا أنه أحسن منه في التصديق، ونعم أحسن منه في الاستفهام، وهذا قاله الأخفش، كما في المعنى، وغيره قال الطيبي: أجل في الحديث جوابًا للأمر على تأويل: قرأت التوراة هي وجدت صفة رسول الله فيها، فأخبرني، قال: أجل "والله إنا لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن" أكده بمؤكدات الخلف بالله، والجملة الإسمية، ودخول أن عليها، ودخول لام التأكيد على الخبر، وإنما سأله عما في التوراة؛ لأنه كان يحفظها.стр. 3924
وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا
الحواشي
(١) وقد روى البزار من حديث ابن لهيعة، عن وهب: أن عبد الله بن عمرو بن العاصي رأى في المنام في إحدى يديه عسلًا، وفي الأخرى سمنًا، وهو يلعقهما، فلما أصبح ذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: له تقرأ الكتابين التوراة والقرآن فكان يقرؤهما، فالنهي عن قراءتها ليس على إطلاقه لوقوعه في الزمن النبوي لكثير من الصحابة بلا إنكار، فهو مقيد بمن لم يميز المنسوخ والمحرف منها، ويضيع وقته في الاشتغال بها، أما غيره فلا يمنع، بل قد يطب لإلزامهم فيما أنكروه منها.
وقد أخرج الدارمي ويعقوب بن سفيان في تاريخه، والطبراني عن عطاء بن يسار عن ابن سلام مثله، وعلقمة البخاري، قال الحافظ: ولا مانع أن يكون عطاء حمله عن كل منهما، فقد أخرجه ابن سعد عن زيد بن أسلم، قال: بلغنا أن عبد الله بن سلام، كان يقول: إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ بدل من بعض، أو بيان له ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ لأمتك المؤمنين بتصديقهم، على الكافرين بتكذيبهم، وانتصاب شاهدًا على الحال المقدر من الكاف أو من الفاعل أي: مقدرًا أومقدرين شهادتك على من بعثت إليهم وعلى تكذيبهم وتصديقهم، أي: مقبولًا عند الله لهم وعليهم، أو شاهدًا للرسل قبله بالبلاغ ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ للمؤمنين ﴿وَنَذِيرًا﴾ للكافرين، أو مبشرًا للمطيعين بالجنة، ونذيرًا للعصاة بالنار، "وحرزًا" بكسر المهملة، وإسكان الراء، ثم زاي، أي: حصنًا "للأميين" أي: للعرب؛ لأن أكثرهم لا يقرؤون ولا يكتبون، يتحصنون به عن غوائل الدهر، أ, سطوة العجم وتغلبهم، فخصهم لذلك أولًا رسالة بين أظهرهم، أو لشرفهم، أو من مطلق العذب ما دام فيهم، وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، أو من عذاب الاستئصال، فلا يرد أن دعوته عامة، وجعله نفسه حرزًا، مبالغة لحفظه لهم في الدارين، "أنت عبدي" الكامل في العبودية "ورسولي" فقدم العبودية لشرفها، فإن له بها مزيد اختصاص، ولذا اقتصر عليها في الإسراء وإنزال الكتاب، وليست بالمعنى العام الذي يتصف به كل مخلوق، بل بالخاص الذي رضيه له حتى أطلعه على حظائر قدسه، وجعله رسولًا مبلغًا عنه، وكفاء جميع مؤناته، فقال: أليس الله بكاف عبده، فإن الملك لا يرضى بوقوف عبده بباب غيره، واحتياجه لسواه، وإهانة أحد له، فإنه هو الذي يؤدبه، كما قال: أدبني ربي فأحسن تأديبي، فلذا قال: "سميتك المتوكل" دون جعلتك أو وصفتك، المنادى بشدة توكله الذي صيره علمًا له، ففيه أشعار بشدة توكله، الساري في أمته ﷺ ، وخطابه بما في التوراة خطاب للحاضر في العلم، وبالماضي في أرسلناك لتحققه، أو حكاية لما يقال في المستقبل؛ أو لاستحضار الآتي، وعبر بما يعبر به عنه في الآتي: "ليس بلفظ" سيئ الخلق، جاف، "ولا غليظ" قاسي القلب،стр. 3925
سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسية السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينًا عميًا وآذانًا
الحواشي
(١) بل ملته سمحة، ولا ينافيه وقوع الغلظة اللائقة أو الواجبة أحيانًا؛ لأنها لا تنافي حسن الخلق أو المراد نفيهما، بحسب الخلقة أو في غير محلهما، وقول النسوة لعمر: أنت أفظ أغلظ من رسول الله ﷺ ، ليس القصد به التفضيل، بل أصل الفعل، أو من قبيل العسل أحلى من الخل، أي: غلظتك يا عمر أشد من رقته ﷺ ، واختاره في المصابيح، ثم يحتمل أن يتكون هذه آية أخرى في التوراة، لبيان صفته، وأن تكون حالًا من المتوكل، أو من الكاف في سميتك، ففيه التفات من الخطاب إلى الغيبة حتى لا يواجهه بمثله، وإن كان منفيًا، "ولا سخاب" بشد الخاء بعد السين، ويقال: بالصاد، وهو أفصح، وادعى بعض أنه روى بهما، أي: لا يرفع صوته على الناس لسوء خلقه ولا يكثر الصياح عليهم "في الأسواق" بل يلين جانبه ويرفق بهم، وهو من نفي المقيد بدون قيده، ففيه دخوله ﷺ الأسواق تواضعًا وتركًا لعادة الجبارين من الملوك، وردًا لقول الكفرة: ما لهذا الرسول، يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، ويحتمل أنه من نفي القيد والمقيد معًا، كما قال الطيبي: المراد نفي السخابية وكونه في الأسواق.
انتهى على معنى نفي اعتياد دخوله في الأسواق، كأرباب الدنيا، بل إنما يدخلها لحاجة، فلا يشكل ما قاله بأنه خلاف الواقع والمبالغة للنسبة، كخياط أو بذي سخب، كما في: وما ربك بظلام في أحد الوجوه أو على بابها، لثبوت أصل الخسب له في محله، كخطبة وتلبية ونحوهما، "ولا يدفع" هكذا الرواية في البخاري في المحلين، فنسخة: ولا يجزي تصحيف "بالسيئة السيئة" هو كقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَة﴾ [المؤمنون: ٩٦] ، وخلقه القرآن.
وقد قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] ولذا قال: "ولكن يعفو" يمحو ويزيل السيئة من ظاهر وخاطره، "ويغفر" يستر السيئة، ولا يلزم منه إزالتها، أو يعفو تارة، ويستر أخرى، فلا يفضح، فيقول في خطبته: ما بال أقوام يفعلون كذا، أو هما متساويان، فالثاني تأكيد، ونقل القرطبي عن بعضهم؛ لأن الغفر ستر، لا يقع معه عقاب ولا عتاب، والعفو إنما يكون بعد عقاب أو عتاب، فإن استعمل في غيره فهو مجاز.
وفي نسخة: ويصفح، "ولن يقبضه" يميته "الله" وأصله أخذ المال واستيفاؤه، أطلق على الموت بتشبيه الحياة والروح بالمال، كما قيل:
إذا كان رأس المال عمرك فاحترس ... عليه من الإنفاق في غير واجب
أو هو من استعمال المقيد في المطلق، ثم شاع حتى صار حقيقة فيه، "حتى يقيم بهстр. 3926
صمًا وقلوبًا غلفًا.
وعند ابن إسحاق: ولا صخب في الأسواق، ولا متزين بالفحش، ولا قوال
الحواشي
(١) الملة العوجاء"، ملة إبراهيم التي غيرتها العرب عن استقامتها؛ لأنهم ذرية إسماعيل بن إبراهيم، وكانوا يزعمون؛ أنهم على ملته الحنيفية، والحنيف من يوجد الله تعالى ويعبده؛ لأن الحنف في اللغة الاستقامة، قاله ابن الأثير "بأن يقولوا" أي: أهلها: "لا إله إلا الله" اقتصر عليها، وجعلها إقامة الملة؛ لأن العوج الواقع عموده الشرك وعبادة الأصنام، يستقيم بها، أو أنهم يأتون بكلمة التوحيد التي هي عبارة عن لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ لأن الكلمتين صارتا كالكلمة الواحدة، أو اكتفاء، كسرابيل تقيكم الحر، "ويفتح به"، أي: بالنبي، كذا وقع بتذكير الضمير هنا تبعًا للشفاء مع عز، وكليهما للبخاري، والذي فيه في الموضعين بها، أي: كلمة التوحيد "أعينًا عميًا" "بضم فسكون".
وفي رواية القابسي: أعين عمي بالإضافة، ولا تنافي بين هذا وبين قوله: وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم؛ لأنه دل إيلاء الفاعل المعنوي، حرف النفي على أن الكلام في الفاعل، وذلك أنه تعالى نزله لحرصه على إيمانهم منزلة من يدعي استقلاله بالهداية، فقال له: أنت لست بمستقل بها، بل إنك لتهدي إلى صراط مستقيم بإذن الله وتيسيره، وعلى هذا، فيفتح معطوف على يقيم، أي: يقيم الله بواسطته الملة العوجاء؛ بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح بواسطة هذه الكلمة أعينًا عميًا، "وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا" "بضم وسكون".
وفي رواية أبي ذر: ويفتح بها أعين عمي، وآذان صم، وقلوب غلف "بضم أوله مبني للمفعول، ورفع أعين وآذان وقلو على النيابة".
"وعند" محمد "بن إسحاق بن يسار: بدل قوله ولا سخاب "ولا صخب" "بكسر الخاء". صفة مشبهة تفيد المبالغة، باعتبار إفادة الثبوت هكذا في عدة نسخ صحيحة، موافقة لما عند ابن إسحاق والشفاء عنه، فلا عبرة بنسخ ولا صخاب "في الأسواق" وعنده زيادة هي:، "ولا متزين" بزاي منقوطة من الزينة.
وروى بدال من الدين، وروى متزي بلا نون من الزي، والهيئة "الفحش": القبح وزنا ومعنى فعلًا كان أو قولًا، أي: لا يتجمل، أو لا يتدين، أو لا يتلبس به، ولا يرد أن ظاهره يوهم أنه قد يأتي به غير متجاوز، أو غير متزين به؛ لأنه لا مفهوم له لحرية، على عادة أرباب الفحش في المباهاة، به، أو هو استعارة تهكمية، أو التزين بمعنى الاتصاف تجريدًا، أو المراد: لا يرى الفحش زينة، فهي مكنية، وهذا من آياته؛ لأنه نشأ بين قوم يتزينون بالفواحش، كالقتل والزنا والطواف عراة، فأتى بما يخالف عادتهم، "ولا قوال" فعال صيغة مبالغة، أي: كثير لقول "للخنا" "بمعجمةстр. 3927
للخنا، أسدده بكل جميل، وأهب له كل خلق كريم، ثم أجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، التقوى ضميره، والحكمة معقوله, والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدى إمامه، والإسلام ملته،
الحواشي
(١) ونون مقصورة" قبيح الكلام، وهذا مع ما قبله يفيد أنه لا يصدر عنه ﷺ شيء منه قليل ولا كثير؛ لأن الفحش بمعناه، أو فعال للنسبة، كتمًا رأى ليس بذي قول للخنا، ولما ذكر صفات التخلية، بقوله: ليس بفظ، إلى هنا ذكر صفات التحلية بطريق وعد من لا يخلف وعده، مستأنفًا لمقصد أعلى مما قبله، ولذا لم يعطفه، أو في جواب سؤال هو، فما تفعل به بعد أن صنته عن النقائص، فقال: "اسدده" أوفقه للسداد، وهو الصواب، واقصد من القول والعمل "بكل جميل" حسن صورة كان، أو معنى يليق به، "وأهب" بفتحتين" أعطي "له كل خلق "بضمتين وتسكن اللام" السجية والطبيعة، "كريم" عزيز نفيس، "ثم اجعل" مضارع المتكلم، وهو الله "السكينة" "بالفتح والتخفيف" الوقار والطمأنينة، وفيها لغة بالكسر والتشديد، حكاها في المشارق، وبها قرئ شذا "لباسه"، أي: ما يظهر عليه من الخشوع والتثبت، فشبه المعقول بالمحسوس تقريبًا للفهم، ومبدأ هذا الوقار يلوح للقلب في مراقبته، فلذا قال تعالى: ﴿أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلوبِ الْمُؤْمِنِين﴾ [الفتح: ٤] ، فلكل وجهة، "و" اجعل "البر" الطاعة والإحسان، أي: زيادته، والخير والرحمة "شعاره": لباسه الذي يلي جسده، سمي به؛ لأنه لابس شعره وبدنه، ويقابله الدثار، وهو ما يتغطى به، ولما كانت السكينة ظاهرة فيه ﷺ في سائر أحواله، ويراها كل أحد، برًا وفارجًا، جعلها لباسًا، والبر والخير والرحمة، وإن لازمه أيضًا وعم أحواله إنما يقف عليه المؤمنون ببصائرهم، جعله شعارًا، فانظر حسن موقعه مع ما قبله وما بعده أيضًا، وهو "والتقوى ضميره"؛ لأن الضمير ما يضمر في القلب وينوي في الخاطر، بحيث لا ينسى، فتأمل كيف انتقل من الظاهر للخفي، ثم الأخفى مع ما فيه من شبه اللف والنشر مع الأمور السلبية والتقوى ما بقي العذاب في الآخرة، ولها مراتب: أولها التبري عن الكفر، والثاني: التنزه عن كل ما يؤثم، والثالث: التنزه عما يشغل السر عن الله، وبهذا علم التئامها مع الضمير "والحكمة" كل كلام جامع لما يرشد إلى الحق، فيشمل المواعظ والأمثال لانتفاع الناس بها، وتطلق على القرآن والعلوم الشرعية، والقضاء بالعدل، وبه فسر ادع إلى سبيل ربك بالحكمة، "معقوله" مصدرًا واسم مفعول، فالمراد إنها تعقله وإدراكه، أو ما يعقله، كان حكم ومواعظ وعلوم نافعة؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، "واجعل "الصدق والوفاء طبيعته" أي: إن الله جبله أنه لا ينطلق بغير ما وافق الواقع، وإذا عاقد أحدًا أو عدلًا يخلفه، "والعفو والمعروف" ما يعرفه ويألفه العقلاء.стр. 3928
وأحمد، أهدى به بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة،
الحواشي
(١) ولذا قيل: المعروف كاسمه "خلقه" وفي المصباح: المعروف الخير والرفق والإحسان، ومنه قولهم: من كان آمرًا بالمعروف فليأمر بالعروف، أي: من أمر بخير فليأمر برفق، "والعدل" القصد في الأمر ضد الجور "سيرته" طريقته الحميدة.
وفي التنزيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَان﴾ [النحل: ٩٠] ، قال ابن عطية: العدل فعل كل مفروض من العقائد والعبادة، وأداء الآمانات، والإنصاف والإحسان فعل المندوب.
وفي البغوي: العدل بين العبد وربه إيثار حقه على حظ نفسه، واجتناب الزواجر، وامتثال الأوامر، وبينه وبين نفسه منعها عما فيه هلاكها والتصبر، وبينه وبين غيره بذل النصيحة وترك الخيانة، وإنصافهم من نفسه، والصبر على أذاهم، وجعل العدل سيرته ﷺ ، لا ينافي أن يكون الإحسان سيرته فيم حل يليق به، ولا أن يكون العفو طبيعة له أيضًا لمصحلة تليق بالمقام "والحق شريعته" بنصبهما عطف على مفعول اجعل، كما هو في نسخ الشفاء الصحيحة المقروءة، لا يرفعهما لاقتضاء تعريف الطرفين الحصر، فيفهم أن شرائع غيره باطلة، وليس كذلك، وأنه وجه؛ بأن المراد الحق الكامل الذي لا ينسخ، أو في زمانه لا غيرها لنسخها بشريعته وبغير ذلك؛ لأن هذا إنما يحتاج إليه لو ثبت رواية.
"والهدى إمامه" "بكسر الهمزة"، كما ضبطه الحافظ البرهان، أي: مقتداه ومتبعه، وهو كناية عن ملازمته له وعدم انفكاكه عنه، ويجوز أن يراد بالإمام الطريق، كما قيل في قوله: وإنهما لبإمام مبين، وضبطه بعضهم "بفتح الهمز"، بمعنى قدام، فالمراد بطريق الكناية؛ أنه ملاحظ له، كما يقال: في ضده أنه ظهري وخلف ظهري، والهدى الدلالة بلطف، ولذا اختصت بالخير، وقيل: تعريفه للعهد، أي: هدى الأنبياء، لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ، أي: ما اتفقوا عليه من التوحيد والأصول للفروع، "والإسلام ملته" بنصبهما على الصحيح، أي: أنه اسم لملته، أي: دينه خاصة دون الأمم على أحد القولين، وعلى الآخر بالعموم، لكل دين حق، فالمراد الكامل ليكون من خصائصه التي تميز بها عن غيره وكماله بنسخ غيره، وكونه سمحًا بين اللين والشدة، وغير ذلك.
وفي التنزيل: هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا، "واجعل "أحمد" اسمه، وبه سماه في الكتب قبل وجوده، ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد، ولما ذكر صفاته الموصوف بها في نفسه ذكر صفاته التي لوحظ فيها غيره، جوابًا لسؤال: هل تنفع بهذا الطاهر المطهر، الكامل في نفسه غيره؟، فقال: "أهدى" "بفتح الهمزة" مضارع هدى "به" بسببه، أو هديه "بعد الضلالة" بمعنى الضلال سلوك غير الطريق الموصلة، وقيل: إنما فصله لعلو رتبة الهداية، سواءстр. 3929
وأسمي به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغنى به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين قلوب مختلفة، وأهواء متشتتة، وأمم متفرقة، وأجعل أمته خير
الحواشي
(١) كانت الإيصال أو الدلالة الموصلة، وفيه تقوية لمدحه السابق، والمراد الهداية إلى ما به النجاة، وإلى ما به يكمل الناجي، فلذا قال: "واعلم" "بضم الهمزة وشد اللام"، كما في المقتفى "به بعد الجهالة" "بفتح الجيم مصدر"، كالجهل ضد العلم، وهو الاعتقاد الذي لا يطابق الواقع، "وأرفع به بعد الخمالة" "بفتح الخاء المعجمة والميم"، أي: الخفاء، وادعى بعض أنه لا يقال خمالة، بل خمولة.
وفي الصحاح: الخامل: الساقط الذي لا نباهة له، وقد خمل يخمل خمولًا.
وفي الجمهرة: رجل خامل الذكر بين الخمول والخمولة، وهو ضد النبيه والنابه.
وفي القاموس: خمل ذكره وصوته خمولًا: خفي، وأخمله الله، فهو خامل، ساقط، لا نباهة له، جمعه خمل محركة.
وأجيب بأن ثبوت الخمالة في هذا الحديث الصحيح شاهد لصحتها، وإن كانت على غير قياس أو لمشاكلة الضلالة والازدواج معها، والمراد برفعه جعل الدين والتوحيد بعد ما ترك في الفترة، لغلبة الجهل مشهورًا شائعًا، فهو مجاز، كقوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَك﴾ [الانشراح: ٤] ، "وأسمي": روى "بضم الهمزة وفتح السين والتشديد"، وبه ضبطه في المقتفى، وروى بضم الهمزة وسكون السين به" بسببه "بعد النكرة" "بضم فسكون وبفتح فكسر" خلاف المعرفة، وتطلق بمعنى المجهول، أي: أعرف الناس بسببه، أو بما أوحيه إليه الناس المجهولين، أو أعرفهم ما جهلوه من التوحيد، أو أعرف الناس ما لم يعرفوه من الأنبياء وقصصهم، والأولى التعميم، كما قيل: "وأكثر" "بضم الهمزة وسكون الكاف وكسر المثلثة مخففة وبفتح الكاف وشد المثلثة يتعدى بالهمزة والتضعيف"، "به بعد القلة" أي: أكثر به الأرزاق مطلقًا، أو على من اتبعه، أو أكثر أمته بعد قلتها، أو بعد عدمها، لورود القلة بمعنى العدم، لكنه بعيد هنا، أو المراد قواعد الملة بعد اعوجاجها، فأعاد منها ما نقص بكلمة التوحيد، وهو تكلف مستغنى عنه لتقدم معناه، "وأغني": أعطى الغني "به بعد العيلة" "بفتح فسكون": الفقر، أي: ما كانوا عليه في الابتداء، ففتح لهم الفتوحات والممالك، وأحل لهم الغنائم، "وأجمع به" الناس "بعد الفرقة" الافتراق، وتنافر القلوب، والعداوة المؤدية للحروب وترك الديار، كما كان بين الأوس والخزرج من الحروب قبل الإسلام، فلما جاء الله به ألف بين قلوبهم، وسل أحقادهم وضغائنهم، وصيرهم أخوة، "وأؤلف" أجمع "به بين قلوب مختلفة" وذلك يستلزم التأليف بين الذوات، وكونه بسبب المصطفى؛ لأنه السبب الظاهري، والمؤلف الحقيقي هو الله، فلا ينافي إسناد التأليف إليهстр. 3930
أمة أخرجت للناس.
وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: قدم الجارود فأسلم وقال: والذي بعثك
الحواشي
(١) سبحانه في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ، "وأهواء" جمع هوى، وهو ميل النفس لما تحبه وتشتهيه "متشتتة" متفرقة، أي: اجعل مهويهم واحدًا، متفقًا محمودًا، وإن غلب إطلاقه على المذموم، كما قال: ولئن اتبعت أهواءهم، "وأمم" جمع أمة، فرقة من الناس "متفرقة" بتقديم التاء على الفاء من التفرق، وبتقديم الفاء على التاء من الافتراق روايتان: يعني أن كل أمة كانت على دين واعتقاد وطريقة، منهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد الكواكب، ومنهم يهودي ونصراني، ومنهم غير ذلك، فنسخ الله بشرعه ﷺ جميع الشرائع، وجعل الدين دينًا واحدًا قيمًا، من حاد عنه هلك وشقي في الدارين, وإن حمل قوله وأجمع به بعد الفرقة على جميع العقائد والملل على التوحيد، أو الأعم كان ما بعده عطف تفسير له، "وأجعل أمته": الذين أجابوه "خير أمة أخرجت": أوجدت وخلقت أو أخرجت من العدم "للناس".
وفي التنزيل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة﴾ ، أي: أنه تعالى قضى بذلك وقدره أزلًا، وفي عالم الذر، وقيل: المراد كنتم مذكورين في الأمم الذين قبلكم، موصوفين بذلك لخيرية نبيكم ودينكم، أو لما بينه، بقوله: تأمرون. إلخ.
ومر الكلام فيه، "وأخرج البيهقي عن ابن عباس، قال: قدم الجارود" بن المعلى، ويقال: ابن عمرو بن المعلى العبدي أبو المنذر، ويقال: أبو غثان، بمعجمة ومثلثة على الأصح، ويقال: "بمهملة وموحدة"، اسمه بشر بن خنش "بمهملة ونون مفتوحتين، ثم معجمة" وقيل: مطرف، وقيل: غير ذلك لقب الجارود؛ لأنه غزا بكر بن وائل، فاستأصلهم، قال الشاعر:
فدسناهم بالخيل من كل جانب ... كما جرد الجارود بكر بن وائل
وحكى ابن السكن: أن سبب تلقيبه بذلك أن إبل عبد القيس جريت، وبقيت للجارود بقية من إبله، فتوجه بها إلى قديد بن سنان وهم أخواله، فجربت إبل أخواله، فقال: الناس جردهم بشر، فلقب الجارود، "فأسلم".
قال ابن إسحاق: وكان نصرانيًا وحسن إسلامه، وكان صلبًا على دينه، قال في الإصابة: قدم الجارود سنة عشر في وفد عبد القيس الأخير، وسر النبي ﷺ بإسلامه.
روى الطبراني عن أنس: لما قدم الجارود وافدًا على رسول الله ﷺ ، فرح به وقربه وأدناه وروى الطبراني أيضًا عن الجارود، قال: أتيت النبي ﷺ ، فقلت: إن لي دينًا، فلي إن تركت ديني ودخلت في دينك أن لا يعذبني الله، قال: "نعم"، "وقال" الجارود: "والذي بعثك بالحقстр. 3931
بالحق لقد وجدت صفتك في الإنجيل، ولقد بشر بك ابن البتول.
وأخرج ابن سعد قال: لما أمر إبراهيم الخليل بإخراج هاجر حمل على البراق، فكان لا يمر إبراهيم بأرض عذبة سهلة إلا قال: أنزل ههنا يا جبريل، فيقول: لا، حتى أتى مكة فقال جبريل: انزل يا إبراهيم، قال: حيث لا ضرع ولا زرع، قال: نعم ههنا يخرج النبي الذي من ذرية ابنك الذي تتم به الكلمة العليا.
الحواشي
(١) لقد وجدت صفتك في الإنجيل، ولقد بشر بك ابن البتول" عيسى ابن مريم، وقتل الجارود بأرض فارس بعقبة الطير، فصار يقال لها: عقبة الجارود، وذلك سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر، وقيل: قتل بنهاوند مع النعمان بن مقرن، وقيل: بقي إلى خلافة عثمان، قال أبو عمر: من محاسن شعره:
شهدت بأن الله حق وشاء بي ... ثبات فؤادي بالشهادة والنهض
فأبلغ رسول الله عني رسالة ... بأني حنيف حيث كنت من الأرض
فإن لا تكن داري سرت بي فيكم ... فإني بكم عند الإقامة والخفض
واجعل نفسي عند كل ملمة ... لكم خصة من دون عرضكم عرضي
وابنه المنذر كان من رؤساء عبد القيس بالبصرة، مدحة الأعشى وغيره، وحفيده الحم هو الذي يقول فيه الأعشى:
يا حكم بن المنذر بن الجارود ... سرادق المجد عليك ممدود
أنت الجواد ابن الجواد المحمود ... نبت في الجود وفي بيت الجود
والعود قد ينبت في أصل العود
قال: وكان الحجاج يحسد الحكم على هذه الأبيات، "وأخرج ابن سعد، قال: لما أمر إبراهيم الخليل بإخراج هاجر" بالهاء، ويقال: بالألف والجيم من أرض الشام حين غارت منها سارة زوجه، "حمل على البراق، فكان لا يمر إبراهيم بأرض عذبة"، أي: عذب ماؤها، "سهلة" لينة، يمكن زرعها، "إلا قال: انزل" "بصيغة المضارع وحذف همزة الاستفهام" أي: انزل "ههنا يا جبريل، فيقول: لا" ولم يزل كذلك "حتى أتى مكة" فالغاية لمقدر، "فقال جبريل: انزل يا إبراهيم، قال: حيث لا ضرع" "بفتح الضاد وسكون الراء" وهو لذات الظلف، كالثدي للمرأة، "ولا زرع" قال ذلك تعجبًا من أمره له، بنزوله في موضع قفر، أي: كيف أنزل في أرض لا أنيس بها، ولا ما يتأتى به المعيشة، "قال" جبريل: "نعم: ههنا يخرج النبي الذي من ذرية ابنك إسماعيل، "الذي تتم به الكلمة العليا" وهي كلمة الله، وفي ذلك تسلية له وترغيب بنزول تلكстр. 3932
وفي التوراة -مما اختاروه بعد الحذف والتحريف والتبديل، مما ذكره ابن ظفر في "البشر" وابن قتيبة في "أعلام النبوة": تجلى الله من سينا، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران.
فسينا هو الجبل الذي كلم الله فيه موسى.
و"ساعير" هو الجبل الذي كلم الله فيه عيسى، فظهرت فيه نبوته.
وجبال "فاران" وهو اسم عبراني -وليست ألفه الأولى همزة- هي جبال بني هاشم التي كان رسول الله ﷺ يتحنث في أحدها وفيه فاتحة الوحي، وهو أحد ثلاثة جبال، أحدها: أبو قبيس، والمقابل له قعيقعان إلى بطن الوادي، والثالث:
الحواشي
(١) الأرض، "وفي التوراة مما اختاروه" أي: العلماء "بعد الحذف والتحريف والتبديل" الواقع من اليهود، يحرفون الكلم عن مواضعه، "مما ذكره" العلامة محمد "بن ظفر" "بفتح الظاء المعجمة والفاء" "في" كتاب "البشر" "بكسر ففتح" بخير البشر "بفتحتين"، وابن قتيبة في كتاب "أعلام النبوة تجلى" ظهر "الله من سينا" بالقصر جبل بالشام.
كذا في القاموس: "وأشرق" بالقاف" "من ساعير".
قال ابن ظفر: كناية عن ظهور أنوار كلامه، "واستعلن من جبال فاران" "بفاء فألف فراء فألف فنون".
قال ابن ظفر: أي: ظهر أمره وكتابه وتوحيده وحمده، وما شرعه رسوله من الأذان والتلبية، "فسينا هو الجبل الذي كلم الله فيه موسى" واصطفاه وأرسله، "وساعير هو الجبل الذي كلم الله في عيسى" بمعنى أنزل عليه الإنجيل ونبأه فيه، كما يأتي عن ابن قتيبة، لا أنه كلمه فيه، ككلامه لموسى في الجبل، كما يوهمه هذا الكلام وعبارة البشر، وساعير جبل بالشام، منه ظهرت نبوة المسيح، وإليه بشير قوله: "فظهرت فيه نبوته، وجبال فاران" الإضافة من إضافة الكل إلى الجزء، كأن هذه الجبال اشتهرت بذلك، وإلا فلا معنى للإضافة هنا، مع أن فاران أحدها، "وهو اسم عبراني" "بكسر العين المهملة" نسبة إلى العبرانية، وهي لغة اليهود "وليست ألفه الأولى"، التالية للفاء "همزة، هي جبال بني هاشم التي كان رسول الله ﷺ يتحنث" "بفتح التحتية والفوقية والحاء المهملة والنون الثقيلة ثم مثلثة، يتعبد الليالي ذوات العدد "في أحدها، وفيه فاتحة الوحي" ابتداء إنزاله عليه، فهو جبل حراء، "وهو أحد ثلاثة جبال، أحدها أبو قيس" "بضم القاف وفتح الباء" "والمقابل له قعيقعان" "بقافين بعد كل عين مهملة، وبعد الأولى تحتية، آخره نون بعد ألف" بصيغة التصغير، جبل يشرف على الحرم من جهةстр. 3933
الشرقي فاران، ومنفتحه الذي يلي قعيقعان إلى بطن الوادي، وهو شعب بني هاشم، وفيه مولده ﷺ على أحد الأقوال.
قال ابن قتيبة: وليس بهذا غموض؛ لأن تجلي الله من سينا، إنزاله التوراة على موسى بطور سيناء، ويجب أن يكون إشراقه من "ساعير" إنزاله على المسيح الإنجيل، وكان المسيح يسكن من ساعير أرض الخليل، بقرية تدعى ناصرة، وباسمها تسمى من اتبعه نصارى، فكما وجب أن يكون إشراقه من ساعير إنزاله على المسيح الإنجيل فكذلك يجب أن يكون استعلانه من جبال فاران إنزاله القرآن على محمد ﷺ ، وهي جبال مكة، وليس بين المسلمين وأهل الكتاب في
الحواشي
(١) الغرب "إلى بطن الوادي، والثالث: الشرقي فاران" المعروف بحراء، "ومنفتحه" بميم فنون ففاء ففوقية فمهملة فهاء، أي: المحل الذي يصعد منه إليه، ويهبط "الذي يلي قعيقعان إلى بطن الوادي، وهو شعب بني هاشم، وفيه مولده ﷺ على أحد الأقوال" والثاني: بردم بني جمح بمكة، والثالث: بزقاق المدكك بمكة، والرابع: وهو شاذ، أنه ولد بعسفان، والصحيح الذي عليه الجمهور؛ أنه ولد بمكة، واختلف في عين المحل على الأقوال الثلاثة، "قال ابن قتيبة: وليس بهذا غموض" "بمعجمتين أوله وآخره"، أي: خفاء؛ "لأن تجلي الله من سينا إنزاله التوراة على موسى بطور سينا"، قال: في الأنوار جبل موسى بين مصر وأيلة، وقيل: بفلسطين، وقد يقال له طور سينين، ولا يخلو أن يكون الطور اسمًا للجبل، وسينا اسم بقعة أضيف إليها، أو المركب منها علم له، كامرئ القيس، ومنع صرفه للتعريف والعجمة، أو التأنيث على تأويل البقعة لا للألف؛ لأنه فيعال، كديماس من السنا بالمد، وهو الرفعة، وبالقصر، وهو النور، "ويجب أن يكون إشراقه من ساعير إنزاله على المسيح الإنجيل، وكان المسيح يسكن من ساعير أرض الخليل" إبراهيم، "بقرية تدعى" تسمى "ناصرة" وبها ولد على ما في البشر، "باسمها تسمى من اتبعه نصارى" جمع نصران، كندامى: جمع ندمان، "فكما وجب أن يكون إشراقه من ساعير إنزاله على المسيح" الإنجيل والنبوة، "فكذلك يجب أن يكون استعلانه من جبال فاران إنزاله القرآن على محمد ﷺ ، وهي جبال مكة" الثلاثة المتقدمة، "وليس بين المسلمين وأهل الكتاب في ذلك اختلاف في أن فاران هي مكة" بدل من قوله في ذلك لبيان اسم الإشارة، لكن هذا يخالف ما قدمه أن فاران ليس مكة، بل جبل من جبالها إلا أن يقال: هو اسم للجبل وسميت مكة باسمه لقربها منه، وفي البشر، وفاران هي مكة، لا يخالف في ذلك أحد من أهل الكتاب، وفي التوراة: وربي، أي: إسماعيل في برية فاران، فمكة هي منشأстр. 3934
ذلك اختلاف في أن فاران هي مكة.
وإن ادعى أنها غير مكة قلنا: أليس في التوراة: إن الله أسكن هاجر وإسماعيل فاران؟ وقلنا: دلونا على الموضع الذي استعلن الله منه واسمه فاران، والنبي الذي أنزل عليه كتاب بعد المسيح، أوليس "استعلن" و "علن" بمعنى واحد، وهو ما ظهر وانكشف. فهل تعلمون دينًا ظهر ظهور الإسلام، وفشا في مشارق الأرض ومغاربها فشوه.
وفي التوراة أيضًا -مما ذكره ابن ظفر- خطابًا لموسى، والمراد به الذين اختارهم لميقات ربه الذين أخذتهم الرجفة خصوصًا، ثم بني إسرائيل عمومًا: والله ربك يقيم نبيًا من إخوتك، فاستمع له كالذي سمعت ربك في حوريت يوم الاجتماع حين قلت: لا أعود أسمع صوت الله ربي لئلا أموت، فقال الله تعالى:
الحواشي
(١) إسماعيل وحيث ربي، وفي جبال فاران أوحى الله إلى محمد ﷺ ، "وإن ادعى"، عن معاند "إنها غير مكة، قلنا: أليس في التوراة إن الله أسكن هاجر وإسماعيل فاران" فإن قالوا: بلى، طلبنا منهم تعيين ذلك المحل، "وقلنا" لهم: "دلونا على الموضع الذي استعلن الله"، أي: أظهر النبوة "منه، واسمه فاران، والنبي الذي أنزل عليه كتاب بعد المسيح" ابن مريم، "أو ليس استعلن وعلن بمعنى واحد"، وسين الأول للتأكيد، "وهو ما ظهر وانكشف، فهل تعلمون دينًا ظهر ظهور الإسلام، وفشا في مشارق الأرض ومغاربها فشوه" أيك انتشر واتسع، وبهذا غاير: ظهر، "وفي التوراة أيضًا مما ذكره ابن ظفر" في الصنف الذي لاينكر أهل الكتاب مجيئه في التوراة، "خطابًا لموسى، والمراد به" أي: الخطاب، "الذين اختارهم" موسى ممن لم يعبد العجل "لميقات ربه" بأمره، أي: للوقت الذي وعده بإتيانهم فيه ليعتذروا من عبادة أصحابهم العجل، "الذين أخذتهم الرجفة" الزلزلة الشديدة.
قال ابن عباس: لأنهم لم يزايلوا قومهم حين عبدوا العجل، قال: وهو غير الذين سألوا الرؤية وأخذتهم الصاعقة "خصوصًا، ثم" خاطب "بني إسرائيل عمومًا، والله ربك يقيم نبينا من أخوتك، فاستمع له" ما يخاطبه قومه تعنتًا، كما قال تعالى: إخبارًا عنهم ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ [البقرة: ١١٨] ، أي: هلا يكلمنا كما يكلم الملائكة، أو يوحي إلينا أنك رسوله، أو تأتينا آية حجة على صدقه، والأول استكبار، والثاني جحود، كما في الأنوار، فهو تسلية لموسى ﵇، "كالذي سمعت ربك في حوريث" "بحاء مهملة أوله وفوقية آخره".
قال في القاموس: موضع ولا نظير لها، أي: لهذه الكلمة "يوم الاجتماع حين قلت: لا أعودстр. 3935
نعم ما قالوا: وسأقيم لهم نبيًا مثلك من إخوتهم، وأجعل كلامي في فمه لهم كل شيء أمرته به، وأيما رجل لم يطع من تكلم باسمي فإني أنتقم منه.
قال: وفي هذا الكلام أدلة على نبوة محمد ﷺ :
فقوله: "نبيًا من إخوتهم"، وموسى وقومه من بني إسحاق، وإخوتهم من بني إسماعيل، ولو كان هذا النبي الموعود به من بني إسحاق لكان من أنفسهم لا من إخوتهم.
وأما قوله: "نبيًا مثلك" وقد قال في التوراة: لا يقوم في بني إسرائيل أحد مثل موسى، وفي ترجمة أخرى، مثل موسى لا يقوم في بني إسرائيل أبدًا. فذهبت اليهود إلى أن هذا النبي الموعود به هو يوشع بن نون، وذلك باطل؛ لأن يوشع لم يكن كفؤًا لموسى ﵇، بل كان خادمًا له في حياته، ومؤكدًا لدعوته بعد
الحواشي
(١) أسمع صوت الله ربي لئلا أموت، فقال الله تعالى: نعم، ما قالوا، وسأقيم لهم نبيًا مثلك من أخوتهم واجعل كلامي في فمه، لهم كل شيء أمرته".
وفي نسخة: آمره "به، وأيما رجل لم يطع من تكلم باسمي، فإني أنتقم منه" وجوز شيخنا في التقرير، أن يكون هذا من باب، ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّين﴾ ، أي: استمتع له إذا وجد وأنت حي، كسماعك لربك، وهذا بعيد جدًا، ولذا لم يذكره في الشرح.
"قال" ابن ظفر: "وفي هذا الكلام أدلة على نبوة محمد ﷺ " من ثلاثة أوجه بينها، فقال: "فقوله" لفظه منها قوله: "نبينا من أخوتهم، وموسى وقومه من بني إسحاق، وإخوتهم من بني إسماعيل، ولو كان هذا النبي الموعود به من بني إسحاق لكان من أنفسهم لا من أخوتهم" كما قال إخبارًا بدعوة إبراهيم لولد إسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ ، وكما قال سبحانه مخاطبًا لعرب ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُم﴾ ، هذا تركه المصنف من كلام ابن ظفر، "وأما" لفظه، ومنها "قوله: نبيًا مثلك، وقد قال في التوراة: لا يقوم في بني إسرائيل أحد مثل موسى" من أنفسهم، فلا ينافي أنه قام فيهم مثل موسى، بل أجل، وهو محمد ﵇ لعموم دعوته؛ لأنه من بني إسماعيل أخوتهم لا من أنفسهم، فلا خلف بين هذا وقول التوراة السابق، وسأقيم لهم نبيًا مثلك.
"وفي ترجمة أخرى مثل موسى لا يقوم في بني إسرائيل أبدًا" من أنفسهم، "فذهبت اليهود إلى أن هذا النبي الموعود به هو يوشع بن نون، وذلك باطل؛ لأن يوشع لم يكن كفؤًا لموسى ﵇، بل كان خادمًا له في حياته، ومؤكدًا لدعوته" وداعيًا إليها "بعدстр. 3936
وفاته، فتعين أن يكون المراد به محمدًا ﷺ فإنه كفؤ موسى؛ لأنه يماثله في نصب الدعوة، والتحدي بالمعجزة، وشرع الأحكام، وإجراء النسخ على الشرائع السالفة.
وقوله تعالى: "اجعل كلامي في فمه" فإنه واضح في أن المقصود به محمد ﷺ ؛ لأن معناه أوحي إليه بكلامي، فينطق به على نحو ما سمعه، ولا أنزل صحفًا ولا ألواحًا؛ لأنه أمي، لا يحسن أن يقرأ المكتوب.
وفي الإنجيل -مما ذكره ابن طغر بك في "الدر المنتظم" قال يوحنا في إنجيله عن المسيح أنه قال: أنا أطلب لكم من الأب أن يعطيكم "فار قليط" آخر يثبت
الحواشي
(١) وفاته، فتعين أن يكون المراد به محمدًا ﷺ فإنه كفؤ موسى؛ لأنه يماثله في نصب الدعوة، والتحدي بالمعجزة، وشرع الأحكام"، أي: إظهارها والمجيء بها، وإن كان أصلها من الله، "وإجراء النسخ على الشرائع السالفة و" منها "قوله تعالى: "اجعل كلامي في فمه" فإنه واضح في أن المقصود به محمد ﷺ ؛ لأن معناه أوحي إليه بكلامي، فينطق به على نحو" زائدة لم تقع في ابن ظفر، إنما قال على "ما سمعه، ولا أنزل صحفًا ولا ألواحًا" كما أنزلت عليك يا موسى؛ "لأنه أمي، لا يحسن أن يقرأ المكتوب" مدة حياته.
وبقية كلام ابن ظفر، وقوله: أيما رجل لم يطع من تكلم باسمي، فإني أنتقم منه، دليل على كذب اليهود في قولهم: إن الله أمرنا بمعصية كل نبي دعانا إلى دين يتضمن نسخًا لبعض ما شرعه موسى، هكذا مع قطعنا أنهم يكتمون الحق وهم يعلمون، وأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، فإن أهل الكتابين عرفوا محمدًا ﷺ ، كما عرفوا أبناءهم، وجدوه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، وإنما يذكر ما أظهروه، ورضوا التفسير له بما حكيناه عن تراجمهم، بلفظهم الذي اختاروه وأثبتوه في كتبهم، ليكون ذلك أقطع لعذرهم، وأحسم لروغانهم، وقد صح أنه ﷺ أتى اليهود، فقال: أخرجوا إلى أعلمكم، فأخرجوا إليه عبد الله بن صوريا الأعور، فقال له ﷺ : "أنشدك الله الذي أطعم أسباطكم المن والسلوى، وظلل عليهم الغمام، أتعلم أني رسول الله"، فقال ابن صوريا: اللهم نعم، وإن القوم ليعرفون من هذا ما أعرف، وإن نعتك لبين عندهم، ولكن القوم حسدوك؛ لأنك عربي، قال: فأسلم، قال: إني أكره خلاف قومي، وعسى أن يسلموا فأسلم، انتهى.
"وفي الإنجيل -مما ذكره ابن طغر بك" "بضم الطاء المهملة وسكون المعجمة وضم الراء وفتح الموحدة"، ثم كاف علم مركب عن طغرو بك الإمام، العلامة، المحدث سيف الدين عمر بن أيوب الحميري، التركماني، الدمشقي، الحنفي "في" كتاب "الدر المنتظم" في مولد النبي ﷺ "قال يوحنا في إنجيله" أضافه إليه؛ لأن عيسى لم تظهر دعوته في عصره، وإنماстр. 3937
معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لن يطيق العالم أن يقتلوه.
وهو عند ابن ظفر بلفظ: إن أحببتموني فاحفظوا وصيتي، وأنا أطلب إلى أبي فيعطيكم "فار قليط" آخر يكون معكم الدهر كله.
قال: فهذا تصريح بأن الله تعالى سيبعث إليهم من يقوم مقامه، وينوب عنه في تبليغ رسالة ربه وسياسة خلقه منا به، وتكون شريعته باقية مخلفة أبدًا، فهل هذا إلا محمد ﷺ ؟ انتهى.
ولم يذكر فصول "الفارقليط" -كما أفاده ابن طغر بك- سوى يوحنا، دون غيره من نقلة الإنجيل.
وقد اختلف النصارى في تفسير "الفارقليط".
فقيل هو: الحامد، وقيل: هو المخلص.
الحواشي
(١) أخذ الإنجيل عنه أربعة من الحواريين متى ويوحنا وقيسر ولوقا، فتكلم كل واحد من هؤلاء بعبارة لملاءمة الذين تبعوا دعاءهم، ولذا اختلفت الأناجيل الأربعة اختلافًا شديدًا، قاله في المنتقى "عن المسيح أنه قال: أنا أطلب لكم من الأب أن يعطيكم فارقليط".
قال المصنف في المقصد الثاني: وأما البارقليط والفارقليط "بالموحدة وبالفاء بدلها وفتح الراء والقاف وبسكون الراء مع فتح القاف" وبفتح الراء مع سكون القاف وبكسر الراء وسكون القاف غير منصرف للعلمية والعجمة، "آخر يثبت معكم إلى الأبد" آخر الدهر، ببقاء دينه إلى القيامة، "روح الحق" أضافه إليه ليميز روحه عن سائر المخلوقات بما خصه الله به من الكمالات، "الذي لن يطيق العالم أن يقتلوه" وإن أراد بعضهم ذلك، "وهو عند ابن ظفر" في البشر "بلفظ"، ومما ترجموه في الإنجيل؛ أن عيسى قال: "إن أجبتموني فاحفظوا وصيتي، وأنا أطلب إلى أبي" أي: ربي، كما يأتي "فيعطيكم فارقليط آخر، يكون معكم الدهر كله" ببقاء شريعته إلى انقضاء الدهر.
"قال" ابن ظفر: "فهذا تصريح بأن الله سيبعث إليهم من يقوم مقامه"، أي: عيسى، "وينوب عنه في تبليغ رسالة ربه وسياسة خلقه منا به، وتكون شريعته باقية مخلدة أبدًا" إلى يوم القيامة، كما هو مفاد قوله الدهر كله، "فهل هذا إلا محمد ﷺ " صاحب النبوة الخاتمة. "انتهى، ولم يذكر فصول" أي: أنواع المسائل التي ذكر فيها "الفارقليط، كما أفاده ابن طغر بك سوى يوحنا دون غيره، من نقلة الإنجيل" ومن حفظ حجة.
"وقد اختلف النصارى في تفسير الفارقليط" قال ابن ظفر: والذي صح عندي من ذلك عنهم؛ أنه الحكيم الذي يعرف السر، "فقيل: هو الحامد، وقيل: هو المخلص" "بشد اللامстр. 3938
فإن وافقناهم على أنه المخلص أفضى بنا الأمر إلى أن المخلص رسول يأتي لخلاص العالم، وذلك من غرضنا؛ لأن كل نبي مخلص لأمته من الكفر، ويشهد له قول المسيح في الإنجيل: إني جئت لخلاص العالم، فإذا ثبت أن المسيح هو الذي وصف نفسه بأنه مخلص العالم، وهو الذي سأل الأب أن يعطيهم "فارقليط" آخر، ففي مقتضى اللفظ ما يدل على أنه قد تقدم فارقليط أول حتى يأتي فارقليط آخر.
وإن تنزلنا معهم على القول بأنه: الحامد، فأي لفظ أقرب إلى أحمد ومحمد من هذا.
قال ابن ظفر: وفي الإنجيل -مما ترجموه- ما يدل على أن الفارقليط: الرسول، فإنه قال: إن هذا الكلام الذي يسمعونه ليس هو لي، بل الأب الذي أرسلني بهذا الكلام لكم، وأما "البارقليط" روح القدس الذي يرسله أبي باسمي، فهو يعلمكم كل شيء، وهو يذكركم كل ما قلته لكم.
فهل بعد هذا بيان؟ أليس هذا صريحًا في أن "الفارقليط" رسول يرسله الله
الحواشي
(١) اسم فاعل"، "فإن وافقناهم على أنه المخلص أفضى بنا الأمر إلى أن المخلص رسول يأتي لخلاص العالم" من الهلاك، بإخراجهم من الكفر إلى الإيمان، "وذلك من غرضنا؛ لأن كل نبي مخلص لأمته من الكفر، ويشهد له قول المسيح في الإنجيل: إني جئت لخلاص العالم، فإذا ثبت أن المسيح هو الذي وصف نفسه بأنه مخلص العالم، وهو الذي سأل الأب أن يعطيهم "فارقليط" آخر، ففي مقتضى اللفظ ما يدل على أنه قد تقدم فارقليط أول حتى يأتي فارقليط آخر" وهو محمد ﷺ ، "وإن" "بكسر فسكون شرطية" "تنزلنا معهم" ووافقناهم "على القول بأنه: الحامد" وجواب الشرط هو: "فأي لفظ أقرب إلى أحمد ومحمد من هذا" الذي هو الحامد.
"قال ابن ظفر" محمد في البشر: "وفي الإنجيل -مما ترجموه- ما يدل على أن الفارقليط: الرسول، فإنه قال: إن هذا الكلام الذي يسمعونه ليس هو لي، بل الأب" أي: الرب "الذي أرسلني بهذا الكلام لكم" لفظ ابن ظفر: كلمكم بهذا وأنا معكم، "وأما البارقليط" روح القدس، الذي يرسله أبي باسمي، فهو يعلمكم كل شيء، وهو يذكركم" "بالتثقيل" "كل ما قلته لكم" لفظه جميع ما أقول لكم، فهذا يفهم منه أن الفارقليط الرسول، "فهل بعد هذا بيان؟ أليس هذا صريحًا في أن "الفارقليط رسول يرسله الله تعالى، وهو روحстр. 3939
تعالى، وهو روح القدس، وهو يصدق بالمسيح، ويظهر اسمه أنه رسول حق من الله، وليس بإله، وهو يعلم الخلق كل شيء، ويذكرهم كل ما قاله المسيح ﵇، وكل ما أمرهم به من توحيد الله.
وأما قوله: "أبي" فهذه اللفظة مبدلة محرفة. وليست منكرة الاستعمال عند أهل الكتابين، إشارة إلى الرب ؛ لأنها عندهم لفظة تعظيم، يخاطب بها المتعلم معلمه الذي يستمد منه العلم. ومن المشهور مخاطبة النصارى عظماء دينهم بالآباء الروحانية، ولم عتزل بنو إسرائيل وبنو عيصو يقولون: نحن أبناء الله بسوء فهمهم عن الله تعالى.
وأما قوله: "يرسله أبي باسمي" فهو إشارة إلى شهادة المصطفى له بالصدق والرسالة، وما تضمنه القرآن من مدحه عما افتري في أمره.
الحواشي
(١) القدس، وهو يصدق" بشد الدال المكسورة "بالمسيح، ويظهر اسمه أنه رسول حق من الله" وعبده "وليس بإله"، كما زعموا فضلوا، "وهو يعلم الخلق كل شيء، ويذكرهم كل ما"، أي: شيء "قاله" لهم "المسيح ﵇، وكل ما أمرهم به" المسيح "من توحيد الله" بنحو قوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] ، فهل جاء بهذا إلا محمد ﷺ .
"وأما قوله: "أبي" فهذه اللفظة مبدلة محرفة، و" ومع ذلك "ليست منكرة الاستعمال عند أهل الكتابين" يقولها المتكلم "إشارة إلى الرب ؛ لأنها عندهم لفظة تعظيم، يخاطب بها المتعلم معلمه الذي يستمد منه العلم" وهو شيخه، "ومن المشهور مخاطبة النصارى عظماء دينهم بالآباء الروحانية" "بضم الراء"، "ولم عتزل بنو إسرائيل" يعقوب "وبنو" "عيصو" "بكسر العين المهملة وإسكان الياء ومهملة" "يقولون: نحن أبناء الله بسوء فهمهم عن الله تعالى".
زاد ابن ظفر: واختلال بصائرهم في التلقي عن أنبيائه، وقد قرأت في التوراة مما أساؤوا الترجمة عنه، فنظر الرب وسخط حين أغضبه بنوه وبناته، وقال: سأعرض بوجهي عنهم، وأنظر إلى ما يصير عاقبتهم؛ لأنهم خلف أعوج، أبناء ليس لهم إيمان.
"وأما قوله يرسله أبي باسمي" فهو إشارة إلى شهادة المصطفى له" لعيسى، "بالصدق والرسالة، وما تضمنه القرآن من مدحه" وتنزيهه "عما افترى في أمره" لفظ ابن ظفر، عما افتراه في أمره اليهود، وعبارة المصنف أشمل.стр. 3940
وفي ترجمة أخرى للإنجيل، أنه قال: "الفارقليط" إذا جاء وبخ العالم على الخطيئة، ولا يقول من تلقاء نفسه، ما يسمع يكلمهم به، ويسوسهم بالحق، ويخبرهم بالحوادث.
وهو عند ابن طغر بك بلفظ: فإذا جاء روح الحق، ليس ينطق من عنده، بل يتكلم بل ما يسمع من الله، ويخبرهم بما يأتي، وهو يمجدني؛ لأنه يأخذ مما هو لي ويخبركم.
فقوله: "ليس ينطق من عنده" وفي الرواية الأخرى: "ولا يقول من تلقاء نفسه بل يتكلم بكل ما يسمع" أي: من الله الذي أرسله، وهذا كما قال تعالى في صفته ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣] .
وقوله: "وهو يمجدني" فلم يمجده حق تمجيده إلا محمد ﷺ ؛ لأنه وصفه بأنه رسول الله، وبرأه وبرأ أمه ﵉ مما نسب إليهما، وأمر أمته بذلك.
قال ابن ظفر: فمن ذا الذي وبخ العلماء على كتمان الحق، وتحريف الكلم
الحواشي
(١) "وفي ترجمة أخرى للإنجيل أنه قال: الفارقليط إذا جاء وبخ العالم على الخطيئة، ولا يقول من تلقاء نفسه" واستأنف قوله "ما" أي: الذي "يسمع" من ربه بواسطة الوحي في أغلب الأحوال هو الذي "يكلمهم به ويسوسهم" يدبرهم ويقوم بأمرهم "بالحق، ويخبرهم بالحوادث" والغيوب التي كانت وتكون إلى يوم القيامة، "وهو عند ابن طغر بك، بلفظ: فإذا جاء روح الحق ليس ينطق من عنده"، بجر الظرف بمن، "بل يتكلم بكل ما يسمع" أي: "يسمعه "من الله" بالوحي، "ويخبرهم بما يأتي وهو يمجدني؛ لأنه يأخذ مما هو لي ويخبركم، فقوله: ليس ينطق من عنده" مبتدأ وعطف عليه قوله.
"وفي رواية الأخرى" التي فوق هذه، "ولا يقول من تلقاء نفسه، بل يتكلم بكل ما يسمع من الله الذي أرسله، وهذا كما قال تعالى" في القرآن "في صفته ﷺ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ هوى نفسه ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ جملة معترضة لبيان أن ما في الإنجيل موافق للقرآن وعطف على المبتدأ أيضًا، فقال: "وقوله: وهو يمجدني" وحذف الخبر، وهو دليل على أن المقول فيه ذلك هو محمد ﷺ ، وعلل هذا الخبر المقدر، بقوله: "فلم يمجده حق تمجيده إلا" بمعنى غير "محمد ﷺ ؛ لأنه وصفه بأنه رسول الله، وبرأه وبرأ أمه" مريم "﵉ مما نسب إليهما، وأمر أمته بذلك".
قال ابن ظفر" محمد في البشر، "فمن ذا الذي وبخ العلماء على كتمان الحقстр. 3941
عن مواضعه، وبيع الدين بالثمن البخس، من ذا الذي أنذر بالحوادث وأخبر بالغيوب إلا محمد ﷺ ، ولله در أبي محمد عبد الله الشقراطسي حيث قال في قصيدته المشهورة:
توراة موسى أتت عنه فصدقها ... إنجيل عيسى بحق غير مفتعل
أخبار أحبار تلك الكتب قد وردت ... عما رأوا ورووا في الأعصر الأول
ويعجبني قول العارف الرباني أبي عبد الله بن النعمان حيث قال:
هذا النبي محمد جاءت له ... توراة موسى للأنام تبشر
وكذاك إنجيل المسيح موافق ... ذكرًا لأحمد معرب ومذكر
ويرحم الله ابن جابر محمدًا حيث قال:
لمبعثه في كل جيل علامة ... على ما جلته الكتب من أمره الجلي
فجاء به إنجيل عيسى بآخر ... كما قد مضت توراة موسى بأول
الحواشي
(١) وتحريف الكلم عن مواضعه، وبيع الدين بالثمن البخس" من عرض الدنيا، وانتصابهم أربابًا من دون الله، "ومن ذا الذي أنذر بالحوادث وأخبر بالغيوب إلا محمد ﷺ " فوقعت كما قال: وما لم يقع لا بد من وقوعه، كما قال: "ولله در أبي محمد عبد الله الشقراطسي حيث قال في قصيدته" اللامية "المشهورة":
توراة موسى أتت عنه فصدقها ... إنجيل عيسى بحق غير مفتعل
أخبار أحبار تلك الكتب قد وردت ... عما رأوا ورووا في الأعصر الأول
ويعجبني قول العارف الرباني أبي عبد الله بن النعمام حيث قال:
هذا النبي محمد جاءت له ... توراة موسى للأنام تبشر
وكذاك إنجيل المسيح موافق ... ذكرًا لأحمد معرب ومذكر
ويرحم الله ابن جابر محمدًا حيث قال:
لمبعثه في كل جيل علامة ... على ما جلته الكتب من أمره الجلي
فجاء به إنجيل عيسى بآخر ... كما قد مضت توراة موسى بأول
والأبيات الستة غنية عن الشرح، وقد اعترض على المصنف وغيره ممن أكثر النقل عن التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب المنسوخة، فالاشتغال بها ينافي الغرض من نسخها، وقد حرم الفقهاء قراءتها والنظر فيها، وأنها محرفة مبدلة، ثم اختلفوا هل التحريف بالزيادة والنقص بتأويلها وتفسيرها بغير المراد منها، وأجيب؛ أنه لا مانع من قراءتها للعارف الفطن لمعرفةстр. 3942
وفي الدلائل للبيهقي عن الحاكم -بسند لا بأس به- عن أبي أمامة الباهلي عن هشام بن العاص الأموي قال: بعثت أنا ورجل آخر إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام، فذكر الحديث، وأنه أرسل إليهم ليلًا، قال: فدخلنا عليه، فدعا بشيء كهيئة الربعة العظيمة مذهبة فيها بيوت صغار عليها أبواب، ففتح واستخرج حريرة سوداء، فنشرها فإذا فيها صورة حمراء، وإذا رجل ضخم العينين عظيم الأليتين، لم أر مثل طول عنقه، وإذا له ضفيرتان أحسن ما خلق الله تعالى، قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا قال: هذا آدم ﵇، ثم فتح بابًا آخر فاستخرج حريرة سوداء، وإذا فيها صورة بيضاء، فإذا رجل أحمر العينين ضخم الهامة حسن اللحية، فقال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا نوح ﵇، ثم فتح بابًا آخر
الحواشي
(١) النبي ﷺ فيها، ولا لزامهم بما أنكروه وكيف يحرم لمثل هذا.
وقد قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ [المائدة: ٤٣] ، ووقع في أحاديث النقل عنها وقال التجاني في شرح الشفاء: إذا وجد فيها ما يقوم النظر على عدم تبديله، وأفاد النظر فيه مقصدًا شرعيًا، فلا يبعد أن يباح النظر فيه والاشتغال به.
"وفي الدلائل للبيهقي عن" شيخه "الحاكم" أبي عبد الله، المشهور "بسند لا بأس به عن أبي أمامة الباهلي"، صدى بالتصغير ابن عجلان، الصحابي، المشهور، سكن الشام ومات بها سنة ست وثمانين، "عن هشام بن العاص الأموي" "بضم الهمزة" نسبة إلى أمية على القياس، وبفتحها على خلافه، وهو الأشهر عندهم، تقدم مرارًا، "قال: بعثت أنا ورجل آخر" من قريش، كما في نفس رواية البيهقي، أي: في زمن الصديق "إلى هرقل" "بكسر الهاء وإسكان الراء وفتح القاف" على المشهور "صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام، فذكر الحديث" وهو فنزلنا على جملة فدعوناه إلى الإسلام فإذا عليه ثياب سود، فسألناه عن ذلك، قال: حلفت أن لا أنزعها حتى أخرجكم من الشام، فقلنا له: والله لنأخذن مجلسك هذا، ولنأخذن ملك الملك الأعظم، أخبرنا بهذا نبينا، قال: لستم بهم، ثم ذكر قصة دخولهم على هرقل، "وأنه أرسل إليهم ليلًا" واستخلى بهم "قال: فدخلنا عليه، فدعا بشيء كهيئة الربعة العظيمة مذهبة فيها بيوت صغار عليها أبواب، ففتح واستخرج" أي: أخرج "حريرة سوداء، فنشرها فإذا فيها صورة حمراء، وإذا رجل" أي: وإذا تلك الصورة صورة رجل، "ضخم العينين عظيم الأليتين، لم أر مثل طول عنقه، وإذا له ضفيرتان" "بالضاد المعجمة" خصلتان من الشعر، "أحسن ما خلق الله تعالى، قال: أتعرفون هذا؟، قلنا: لا، قال: هذا آدم ﵇، ثم فتح بابًا آخر،стр. 3943
وأخرج حريرة فإذا فيها صورة بيضاء، وإذا فيها -والله- رسول الله ﷺ ، فقال: أتعرفون هذا؟ قلنا: نعم، محمد رسول الله ونبينا، والله إنه قام قائمًا ثم جلس وقال: إنه لهو؟ قلنا: نعم إنه لهو كأنك تنظر إليه، فأمسك ساعة ينظر إليها، ثم قال: أما والله إنه لآخر البيوت، ولكن عجلته لكم لأنظر ما عندكم. الحديث، وفيه ذكر صور الأنبياء: إبراهيم وموسى وعيسى وسليمان وغيرهم. قال: فقلنا له: من أين لك هذه الصور؟ فقال: إن آدم سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده فأنزل عليه صورهم، فكان في خزانة آدم عند مغرب الشمس، فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس فدفعها إلى دانيال.
الحواشي
(١) فاستخرج حريرة سوداء، وإذا فيها صورة بيضاء، فإذا رجل أحمر العينين ضخم الهامة" عظيم الرأس، "حسن اللحية، فقال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا نوح ﵇، ثم فتح بابًا آخر وأخرج حريرة، فإذا فيها صورة بيضاء، وإذا فيها -والله- رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فقال: أتعرفون هذا"؟ أسقط من رواية البيهقي، فبكينا، "قلنا: نعم، محمد رسول الله ونبينا، والله إنه" أي: هرقل "قام قائمًا، ثم جلس" تعظيمًا لصورته، "وقال: إنه لهو؟ قلنا: نعم، إنه لهو كأنك تنظر إليه، فأمسك ساعة" مدة من الزمن "ينظر إليها، ثم قال: أما" بالفتح والتخفيف، "والله إنه لآخر البيوت، ولكن عجلته لكم لأنظر ما عندكم" من العلم بنبيكم "الحديث، وفيه ذكر صور الأنبياء: إبراهيم وموسى وعيسى وسليمان وغيرهم".
"قال: فقلنا له: من أين لك هذه الصور؟ فقال: إن آدم سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده فأنزل عليه صورهم" إجابة لسؤاله، "فكان في خزانة آدم" أي: ذلك المنزل من صورهم مع صورة آدم "عند مغرب الشمس، فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس
فدفعها إلى دانيال" النبي ﵇، ثم تنقلت إلى أن وصلت إلى هرقل.
وفي بقية خبر البيهقي: ثم قال هرقل، لو طابت نفسي بالخروج من ملكي لوددت أني كنت عبدًا لأميركم حتى أموت، قال: فلما رجعنا حدثنا أبا بكر، فبكى، ثم قال: لو أراد الله به خيرًا لفعل، ثم قال: أخبرنا رسول الله ﷺ أنهم واليهود يعرفون نعت رسول الله ﷺ .
قال في الإصابة: وقد تقدم فيترجمة عدي بن كعب نحو هذه القصة، لكن فيها أنه هشام بن العاصي السهمي، فالله أعلم، وقال فيما تقدم: لا أعرف نسب عدي بن كعب، روى المعافى في الجليس عن عبادة بن الصامت، قال: بعثني أبو بكر ومعي عمرو بن العاصي وأخوه هشام بن العاصي وعدي بن كعب ونعيم بن عبد الله إلى ملك الروم، فدخلنا على جبلة، فذكر قصة طويلة نحو ورقتين، وإسناده ضعيف.стр. 3944
وفي زبور داود ﵇، من مزمور أربعة وأربعين: فاضت النغمة من شفتيك، من أجل هذا باركك الله إلى الأبد، تقلد أيها الجبار سيفك، فإن شرائعك وسنتك مقرونة بهيبة يمينك، وسهامك مسنونة، وجميع الأمم يخرون تحتك.
فهذا المزمور ينوه بمحمد ﷺ ، فالنعمة التي فاضت من شفتيه هي القول الذي يقوله، وهو الكتاب الذي أنزل عليه والسنة التي سنها.
وفي قوله: "تقلد سيفك أيها الجبار" دلالة على أنه النبي العربي، إذ ليس يتقلد السيف أمة من الأمم إلا العرب، وكلهم يتقدلونها على عواتقهم.
الحواشي
(١) وقد أخرجها البيهقي عن هشام بن العاصي الأموي، "وفي زبور داود ﵇ من مزمور": مفرد مزامير، كمزمار "أربعة وأربعين" أي: المتمم لها، وهي ما كان يتغنى به من الزبور وضروب الدعاء، "فاضت النغمة من شفتيك، من أجل هذا باركك" أي: جعلك "الله" مباركًا، وفي ابن ظفر، عن الزبور مخاطبًا المصطفى لتنزيله منزلة الموجود، لتحققه عنده: فاضت الرحمة على شفتيك من أجل ذلك أبارك عليك "إلى الأبد تقلد" أمر "أيها الجبار" من أسمائه ﷺ ، لجبره الخلق على الحق وصرفهم عن الكفر، أو لإصلاحه أمته بالهداية والتعليم، أو لقهر أعدائه، أو لعلو منزلته على الخلق وعظيم خطره، ونفى تعالى عنه جبرية التكبر، فقال: وما أنت عليهم بجبار "سيفك" أي: اجعل حمائله على عاتقك، واجعله كالقلادة، وفيه إشارة إلى أنه سيؤمر بالجهاد، "فإن شرائعك": جمع شريعة "وسنتك".
كذا في النسخ، والذي قدمه المصنف في الأسماء، ومثله في الشفاء، وابن ظفر وابن دحية؛ فإن ناموسك وشرائعك، والمراد بالناموس الوحي النازل عليك، ويحتمل أن شرائع عطف تفسير، ولذا وحد الخبر في قوله: مقرونة بهيبة يمينك" أي: بالخوف من سيفك، فكنى عنه بذلك، أو تجوز باليمين عما فيه، "وسهامك مسنونة، وجمع الأمم يخرون تحتك"، باملعجمة من الخرور، وهو السقوط، أي: يخضعون ويذلون لك، "فهذا المزمور ينوه يرفع "بمحمد ﷺ ، فالنعة التي فاضت من شفتيه هي القول الذي يقوله، وهو الكتاب الذي أنزل عليه" أي: القرآن "والسنة التي سنها"، إذ لا ينطق عن الهوى.
"وفي قوله: تقلد سيفك أيها الجبار دلالة على أنه النبي العربي، إذ ليس يتقلد السيف أمة من الأمم إلا العرب، وكلهم يتقلدونها على عواتقهم" بخلاف غيرهم، فيجعلونها في أوساطهم.стр. 3945
وفي قوله "فإن شرائعك وسنتك" نص صريح على أنه صاحب شريعة وسنة، وأنها تقوم بسيفه.
و"الجبار" الذي يجبر الخلق بالسيف على الحق ويصرفهم عن الكفر جبرًا.
وعن وهب بن منبه قال: قرأت في بعض الكتب القديمة، قال الله ﵎: وعزتي وجلالي، لأنزلن على جبال العرب نورًا يملأ ما بين المشرق والمغرب، ولأخرجن من ولد إساعيل نبيًا عربيًا أميًا يؤمن به عدد نجوم السماء ونبات الأرض، كلهم يؤمن بي ربًا، وبه رسولًا، ويكفرون بملل آبائهم ويفرون منها، قال موسى: سبحانك وتقدمت أسماؤك، ولقد كرمت هذا النبي وشرفته، قال الله: يا موسى، إني أنتقم من عدوه في الدنيا والآخرة، وأظهر دعوته على كل دعوة، وأذل من خالف شريعته، وبالعدل زينته، وللقسط أخرجته، وعزتي لأستنقذن به أممًا
الحواشي
(١) "وفي قوله: فإن شرائعك وسنتك نص صريح على أنه صاحب شريعة وسنة، وأنها تقوم بسيفه" قهرًا على من خالف، "والجبار الذي يجبر الخلق بالسيف على الحق" وهو التوحيد، "ويصرفهم عن الكفر"، وهو ما خالف الإيمان والتوحيد، "جبرًا" عليهم، كما قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، "وعن وهب بن منبه" "بضم الميم وفتح النون وكسر الموحدة الثقيلة" ابن كامل اليماني، أبي عبد الله الأبناري "بفتح الهمزة وسكون الباء بعدها نون"، تابعي، ثقة، رواه له الشيخان وغيرهما، مات سنة بضع عشرة ومائة، "قال: قرأت في بعض الكتب القديمة، قال الله ﵎: وعزتي وجلالي، لأنزلن على جبال العرب" أهل مكة وما حولها "نورًا يملأ ما بين المشرق والمغرب، ولأخرجن من ولد إسماعيل" بن إبراهيم "نبيًا" رسولًا، "عربيًا أميًا" لا يقرأ ولا يكتب، "يؤمن به عدد نجوم السماء ونبات الأرض، كلهم يؤمن بي ربًا، وبه رسولًا، ويكفرون بملل" "بامين: جمع ملة "آبائهم، ويفرون منها" من الفرار، أي: يهربون.
"قال موسى" بن عمران ﵇: "سبحانك" تنزيهًا لك عما لا يليق بك، "وتقدمت أسماؤك، ولقد كرمت": فضلت "هذا النبي وشرفته" على من سواه، "قال الله: يا موسى، إني أنتقم من عدوه": الكفار "في الدنيا"، بالقتل والأسر، والإجلاء والقحط، والسنين وغير ذلك "و" في "الآخرة" بالعذاب المخلد، "وأظهر دعوته على كل دعوة"، وسلطانه ومن اتبعه على البر والبحر، وأخرج لهم من كنوز الأرض، هذا تركه المصنف من البشر قبل قوله: "وأذل من خالف شريعته" ولو كان له سلطان، فهو أبدًا ذليل، خائف من سطوة الإسلام وعزه، "وبالعدل" الإنصاف "زينته وللقسط" أي: العدل "أخرجته" فلا يحكم ولا يأمر إلا به، "وعزتي لأستنقذنстр. 3946
من النار، فتحت الدنيا بإبراهيم وأختمتها بمحمد، فمن أدركه ولم يؤمن به ولم يدخل في شريعة فهو من الله بريء. ذكر ابن ظفر وغيره.
الحواشي
(١) به أممًا من النار، فتحت الدنيا بإبراهيم وختمتها بمحمد"، مثل كتابه الذي يجيء به، فاعقلوه يا بني إسرائيل، كمثل السقاء المملوء لبنًا، يمخفض فيخرج زبدًا، بكتابه أختم الكتب، وبشريعته أختم الشرائع، هذا أسقطه المصنف من كتاب البشر قبل قوله: "فمن أدركه ولم يؤمن" يصدق "به" باطنًا، "ولم يدخل في شريعته" ظاهرًا، "فهو من الله بريء".
"ذكره ابن ظفر" في البشر "وغيره" وبقيته: أجعل أمته يبنون في مشارق الأرض ومغاربها مساجد، إذ ذكر اسمي فيها ذكر اسم ذلك النبي معي، لا يزول ذكره من الدنيا حتى تزول.стр. 3947
النوع الخامس: في آيات تتضمن أقسامه تعالى على تحقيق رسالته
وثبوت ما أوحى إليه من آياته وعلو رتبته الرفيعة ومكانته
وهذا النوع -أعزك الله- لخصت أكثره من كتاب أقسام القرآن للإمام العلامة ابن
الحواشي
(١) النوع الخامس:
في آيات تتضمن أقسامه تعالى على تحقيق رسالته": ثبوتها "وثبوت ما أوحى إليه" مستفاد من سابقه؛ لأنه متى تحققت رسالته قطع بصدقه في كل ما يقول، وقد أخبر؛ بأن القرآن من الله، فيكون حقًا، لكنه أراد التنبيه على أنه أقسم عليه بخصوصه اعتناء بشأنه، وسئل ما معنى القسم منه سبحانه مع أن القصد به تحقيق الخبر وتوكيده، فإن كان لأجل المؤمن، فهو مصدق بمجرد الأخبار بلا قسم، وإن كان للكافر، فلا يفيد فيه، وأجيب بأن القرآن نزل بلغة العرب، ومن عادتها القسم إذا أرادت توكيد أمر، وأجاب القشيري؛ بأن الله أقسم لكمال الحجة وتوكيدها؛ لأن الحاكم يفصل إما بالشهادة وإما بالقسم، فذكر الله تعالى في كتابه النوعين حتى لا يبقى لهم حجة، فقال: ﴿شْهِدُ اللَّه﴾ ، وقال: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ ، "من آياته" القرآن، وهو الظاهر من استدلاله عليه، بقوله الآتي: إنه لقرآن كريم ويحتمل ما هو أعم، ودليله ﴿وَالنَّجْم﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ﴾ ، "وعلو" أي: ارتفاع "رتبته" منزلته "الرفيعة" العلية الشريفة، فهو من الوصف بالمساوي حسنه اختلاف اللفظ، وهو سائغ شائع، كقوله تعالى: ﴿صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِم وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] ، "ومكانته" أي: مرتبته المعنوية، وهي الرفعة فهو عطف تفسير والمكان معروف إذا زيدت فيه الهاء أريد به المرتبة المعنوية كالمنزل والمنزلة، "وهذا النوع أعزك الله" جملة معترضة دعائية، "لخصت أكثره منстр. 3948
القيم، مع زيادات من فرائد الفوائد.
فاعلم أن الله تعالى أقسم بأمور على أمور، وإنما أقسم بنفسه الموصوفة بصفاته، وبآياته المستلزمة لذاته وصفاته، وأقسامه ببعض مخلوقاته دليل على أنه من عظيم آياته.
ثم تعالى تارة يذكر جواب القسم وهو الغالب وتارة يحذفه. وتارة يقسم على أن القرآن حق، وتارة على أن الرسول حق، وتارة على أن الجزاء والوعد
الحواشي
(١) كتاب أقسام القرآن للإمام العلامة ابن القيم" محمد بن أبي بكر، "مع زيادات من فرائد"، أي: نفائس "الفوائد" وغرائبها، وهي الجواهر النفيسة، فهي من إضافة الصفة للموصوف، أي: الفوائد النفيسة، كالجواهر أو حقيقية.
وإذا أردت ذلك، "فأعلم أن الله تعالى أقسم بأمور على أمور، وإنما أقسم بنفسه"، أي: بالألفاظ الدالة على ذاته، "الموصوفة بصفاته"، وذلك في سبعة مواضع من القرآن ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَق﴾ [يونس: ٥٣] ، وقوله: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي﴾ [التغابن: ٧] ، ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُم﴾ [مريم: ٦٨] ، ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ﴾ [الحجر: ٩٢] ، ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُون﴾ [النساء: ٦٥] ، ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: ٢٣] ، ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] .
والباقي كله أقسم بمخلوقاته، كما قال: "و" أقسم "بآياته المستلزمة لذاته وصفاته" لدلالة إلا آيات على الصانع، وأورد: كيف أقسم بالخلق وقد ورد النهي عن القسم بغير الله أجيب؛ بأن المراد بنحو، قوله: والقلم ورب القلم.
وكذا الباقي، وبأن العرب كانت تعظم هذه الأشياء، أو تقسم بها، فنزل القرآن على ما تعرفه، وبأن الأقسام إنما يكون بما يعظمه المقسم ويجله، وهو فوقه والله تعالى ليس فوقه شيء، فأقسم تارة بنفسه وتارة بمصنوعاته؛ لأنها تدل على بارئ وصانع، "وأقسامه ببعض مخلوقاته دليل على أنه" أي: ذلك البعض "من عظيم آياته" من إضافة الصفة للموصوف.
قال ابن القيم: والقسم إما على جملة خبرية، وهو الغالب، كقوله: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ وأما على جملة طلبية، كقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، مع أن هذا القسم قد يراد به تحقيق المقسم عليه، فيكون من باب الخبر، وقد يراد به تحقيق المقسم به والمقسم عليه، ويراد بالمقسم توكيده وتحقيقه، "ثم تعالى تارة بذكر جواب القسم، وهو الغالب، وتارة يحذفه، وتارة يقسم على أن القرآن حق، وتارة على أن الرسول حق، وتارة على أن الجزاء والوعد" بالخير، "والوعيد" بالشر "حق".стр. 3949
والوعيد حق.
فالأول: كقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ، لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٥-٧٩] .
والثاني: كقوله تعالى: ﴿يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ١-٣] .
والثالث: كقوله: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات: ١٠] ، إلى قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ لَوَاقِع﴾ .
وهذه الأمور الثلاثة متلازمة، فمتى ثبت أن الرسول حق، ثبت أن القرآن حق، وثبت المعاد، ومتى ثبت أن القرآن حق ثبت صدق الرسول الذي جاء به، ومتى ثبت أن الوعد والوعيد حق ثبت صدق الرسول الذي جاء به.
وفي هذا النوع خمسة فصول.
الحواشي
(١) "فالأول" وهو أن القرآن حق، "كقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ بزيادة لا ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ بمساقطها لغروبها، ﴿وَإِنَّهُ﴾ ، أي: القسم بها ﴿لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي: لو كنتم من ذوي العلم لعلمتم عظم هذا القسم، ﴿إِنَّهُ﴾ ، أي: المتلو عليكم ﴿لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ النفع، لاشتماله على أصول العلوم المهمة في إصلاح المعاش والمعاد، أو حسن مرضى في جنسه ﴿فِي كِتَابٍ﴾ مكتوب ﴿مَكْنُونٍ﴾ مصون، وهو المصحف، ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ خبر بمعنى النهي ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٥] ، أي: الذين طهروا أنفسهم من الأحداث، ويأتي بسط هذا.
"والثاني: كقوله تعالى: ﴿يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ المحكم بعجيب النظم وبديع المعاني ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ١] ، أي: طريق الأنبياء قبلك التوحيد والهدى، والتأكيد بالقسم وغيره رد لقول الكفار لست مرسلًا.
"والثالث، كقوله: ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ الرياح تذر التراب وغيره ﴿ذَرْوًا﴾ [الذاريات: ١] الآية، إلى قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾ الجزاء بعد الحساب ﴿لَوَاقِع﴾ [الذاريات: ٦] الآية، لا محالة، "وهذه الأمور الثلاثة" القرآن والرسول والمعاد، المعبر عنه أولا بالجزاء والوعد والوعيد "متلازمة، فمتى ثبت أن الرسول حق ثبت أن القرآن حق"؛ لأن الرسول اخبر بأنه من عند الله، ومحال على الرسول الكذب، "وثبت المعاد" الرجوع يوم القيامة الذي أخبر به، "ومتى ثبت أن القرآن حق ثبت صدق الرسول الذي جاء به، ومتى ثبت أن الوعد والوعيد حق ثبت صدق الرسول الذي جاء به" لاستحالة خلاف صدقه مع حقيقتهما، "في هذا النوع خمسة فصول:стр. 3950
الفصل الأول: في قسمه تعالى على ما خصه به من الخلق العظيم
وحباه من الفضل العميم
قال الله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ، وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ١-٤] .
﴿ن﴾ من أسماء الحروف كـ ﴿الم﴾ و ﴿المص﴾ و ﴿ق﴾ .
واختلف فيها، فقيل: هي أسماء للقرآن، وقيل: أسماء للسور.
وقيل: أسماء لله، ويدل عليه أن عليًا ﵁ كان يقول:
الحواشي
(١) "الفصل الأول": في قسمه تعالى على ما خصه به من الخلق العظيم وحباه" بموحدة أعطاه بلا أجر، فلم يحتج إلى أن يقول به، ولا إلى تبيينه، وأما قوله: "من الفضل العميم" فبيان لما المستفادة من العطف، "قال الله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ .
قال ابن عطية: معناه يكتبون سطورًا، فإن أراد الملائكة، فهو كتب الأعمال وما يوزن به، وإن أراد بني آدم، فهي الكتب المنزلة والعلوم وما جرى مجراها، ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ ، أي: انتفى الجنون عنك بسبب إنعام ربك عليك بالنبوة وغيرها، وهذا رد لقولهم: إنه مجنون، ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا﴾ ثوابًا ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ منقطع، ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ١] الآية، أتى بعلي إشارة لاستعلائه عليه، لكونه مجبولًا عليه بغير تكلف، ﴿ن﴾ من أسماء الحروف كـ ﴿الم﴾ و ﴿المص﴾ و ﴿ق﴾ ، واختلف فيها، فقيل: هي أسماء للقرآن" قاله مجاهد: رواه ابن جرير وقتادة، ورواه عبد بن حميد، أي: أن فاتحة كل سورة ابتدأت بنحو هذه الأحرف اسم للقرآن بتمامه ولذا أخبر عنها بالكتاب في قوله: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ ، والقرآن في قوله: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١] .
"وقيل: أسماء للسور" وهو قول أكثر المتكلمين، واختيار الخليل وسيبويه، قاله اإمام الرازي، وقد نقض هذا القول بأمور أحسنها أن أسماء السور توقيفية، ولم يرد مرفوعًا ولا موقوفًا عن أحد من الصحابة، ولا التابعين أن هذه أسماء للسور، فوجب إلغاء هذا القول ونقضه الرازي، بأنها لو كانت أسماء لها لوجب اشتهارها بها، وقد اشتهرت بغيرها، كسورة البقرة وآل عمران، "وقيل: أسماء لله"، قاله ابن عباس.стр. 3951
يا ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] ، ﴿حم، عسق﴾ [الشورى: ١-٢] ، كما قيل: ولعله أراد يا منزلهما.
وقيل: إنه سر استأثر الله بعلمه، وقد روي عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة ما يقرب منه، ولعلهم أرادوا أنها أسرار بين الله ورسوله، لم يقصد بها إفهام غيره، إذ يبعد الخطاب من الله بما لا يفيد.
الحواشي
(١) أخرجه ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي، بإسناد صحيح، "ويدل عليه، أن عليًا ﵁ كان يقول: يا ﴿كهيعص﴾ يا ﴿حم، عسق﴾ .
أخرجه ابن ماجه في تفسيره عن فاطمة بنت علي بن أبي طالب إنها سمعته يقول: يا كهيعص اغفر لي، "كما قيل": إن قول على ذلك يدل على أنها أسماء الله، "ولعله أراد يا منزلهما"، كما قال البيضاوي، فلا يدل على ذلك، قال السيوطي: يرده ما أخرجه ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿كهيعص﴾ ؛ أن معناه يا من يجير ولا يجار عليه، ومثله ما أخرجه عن شهب، قال: سألت مالكًا أينبغي لأحد أن يسمى بيس، قال: لا، يقول الله: ﴿يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ يقول: هذا اسمي تسميت به.
وكذا حديث: إن أتيتم الليلة، فقولوا: حم ولا ينصرون، "وقيل: إنه سر" أي: أمر خفي "استأثر الله بعلمه".
أخرجه أبو الشيخ وابن المنذر عن داود بن أبي هند، قال: كنت أسأل الشعبي عن فواتح السور، فقال: يا داود إن لكل كتاب سرًا، وإن سر هذا القرآن فواتحه، فدعها وسل عما بدا لك.
"وقد روي عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة" فحكاه الثعلبي وغيره عن أبي بكر وعلي وكثير، وحكاه السمرقندي عن عمر وعثمان وابن مسعود، ونقله الرازي عن ابن عباس "ما يقرب منه".
وحكاه القرطبي عن الثوري والربيع بن خيثمة وابن الأنباري وأبي حاتم وجماعة من المحدثين، واختاره ومال إليه الرازي، "ولعلهم أرادوا أنها أسرار بين الله ورسوله لم يقصد بها إفهام غيره" لا أنه أمر انفرد بعلمه تعالى، كما قد يقتضيه لفظ استأثر، "إذ يبعد الخطاب من الله" لرسوله "بما لا يفيد" وهذه عبارة البيضاوي في أول البقرة وما ترجاه، جزم به العلم السخاوي، فقال: المروي عن الصدر الأول في التهجي أنها أسرار بين الله وبين نبيه صلوات الله عليه، وقد يجري بين المحترمين كلمات معميات، تشير إلى سر بينهما، وتفيد تحريض الحاضرين على استماع ما بعد ذلك، وها معنى على قول السلف: حروف التهجي ابتلاء لتصديق المؤمنين وتكذيب الكافرين، هذا وهي أعلام توقظ من رقدة الغفلة بنصح التعليم، وتنشطстр. 3952
وهل المراد بقوله هنا: ﴿ن﴾ اسم الحوت، وهل المراد به الجنس أو اليهموت وهو الذي عليه الأرض.
وقيل: المراد به الدواة وهو مروي عن ابن عباس، ويكون هذا قسمًا بالدواة والقلم، فإن المنفعة بهما بسبب الكتابة عظيمة، فإن التفاهم تارة يحصل بالنطق وتارة بالكتابة.
قيل: إن "نون" لوح من نور تكتب فيه الملائكة ما يأمرهم به الله. رواه معاوية بن قرة مرفوعًا.
الحواشي
(١) في إلقاء السمع على شهود القلب للتعظيم. انتهى.
"وهل المراد بقوله هنا ﴿ن﴾ اسم الحوت" أو غيره فيه خلاف، فحذف عديل هل لعلمه من قوله الآتي، وقيل: المراد الدواة، "و" على القول بأنه الحوت "هل المراد به الجنس" يعني، أي: حوت كان "أو اليهموت، وهو الذي عليه عليه الأرض"، وبهذا علم سقوط دعوى زيادة هل الثانية.
"وقيل: المراد به الدواة" عللة البيضاوي؛ بأنه بعض الحيتان يستخرج منه شيء أشد سوادًا من الحبر يكتب به، "وهو مروي عن ابن عباس" وقتادة والضحاك.
قال ابن عطية: فهذا إما أن يكون لغة لبعض العرب أو تكون لفظة أعجمية عربت، وقال الشاعر:
إذا ما الشوق برح بي إليهم ... ألقت النون بالدمع السجوم
فمن قال: إنه اسم الحوت جعل القلم الذي خلقه الله وأمره بكتب الكائنات، وجعل ضمير يسطرون للملائكة، ومن قال: اسم للدواة جعل القلم هذا المتعارف بين الناس، ونصر ذلك ابن عباس، وجعل الضمير في يسطرون للناس، "ويكون هذا قسمًا بالدواة والقلم" الذي يكتب به، "فإن المنفعة بهما بسبب الكتابة عظيمة، فإن التفاهم تارة يحصل بالنطق، وتارة بالكتابة" وفي ابن عطية، فجاء القسم على هذا بمجموع أمر الكتاب الذي هو قوام للعلوم والمعارف وأمور الدنيا والآخرة، فإن القلم أخو اللسان وفطنة الفطنة ونعمة من الله عامة. انتهى.
"قيل: إن نون" بالفتح بلا تنوين اسم أن، أو بالسكون على الحكاية، وقرئ بالفتح والكسر، ص "لوح من نور تكتب فيه الملائكة ما يأمرهم به الله، رواه معاوية بن قرة" "بضم القاف وشد الراء" ابن إياس بن هلال المزني أبو إياس البصري، التابعي، الثقة، من رجال الجميع، مات سنة ثلاث عشرة ومائة، وهو ابن ست وسبعين سنة، "مرفوعًا" مرسلًا، "وعلى المروي عنстр. 3953
وأقسم الله تعالى بالكتاب وآلته هو القلم الذي هو إحد آياته وأول مخلوقاته الذي جرى به قدره وشرعه، وكتب به الوحي، وقيد به الدين، وأثبت به الشريعة، وحفظت به العلوم، وقامت به بمصالح العباد في المعاش والمعاد، وأقام به في الناس أبلغ خطيب وأفصحه وأنفعه لهم وأنصحه، وواعظًا تشفي مواعظه القلوب من السقم، وطبيبًا يبرئ بإذن باريه من أنواع الألم على تنزيه نبيه ورسوله محمد المحمود في كل أقواله، وأفعاله مما عمصته أعداؤه الكفرة به، وتكذيبهم له بقوله
الحواشي
(١) ابن عباس؛ أن المراد به الدواة، فقد "أقسم تعالى بالكتاب" أي: بمجموع أمر الكتاب، كما مر عن ابن عطية، وهو الدواة "وآلته" أي: الكتاب بمعنى المكتوب "هو القلم" وأبعد من قال، أي: في قوله: ﴿حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف: ١] ، وفي قوله: ﴿يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ ؛ لأن بقية السياق ترده، وأقواه قوله على تنزيه نبيه بقوله: ما أنت "الذي هو أحد آياته" هذا لا يظهر على قوله السابق بالدواة والقلم. إلخ.
نعم هو ظاهر على أنه الذي خط في اللوح، لكن قد علمت أن ابن عطية إنما فرعه عن أن ن اسم للحوت، وإن من قال: اسم للدواة جعل القلم هذا المتعارف، "وأول مخلوقاته" في أحد القولين، والأصح أن للعرش خلق قبله، كما مر، "الذي جرى به قدره وشرعه وكتب به الوحي"، أي: بالقلم لا بالمعنى السابق الذي كتب به الوحي بين يدي النبي ﷺ ، ففيه استخدام، ويحتمل رجوعه إليه بالمعنى الأول على ضرب من المجاز، بأن يراد بالوحي الموحى، أي: كتب به الوحي، ويؤيد الاستخدام قوله، "وقيد به الدين" أي: حفظه بكتابة ما يدل عليه، "وأثبت به الشريعة، وحفظت به العلوم، وقامت به مصالح العباد في المعاش" والمعاد، فإن هذه كلها صفات للقلم الذي يخط به الناس، لا سيما قوله، "وأقام به في الناس أبلغ خطيب" بكتابة ما حصل للخطيب به الرفعة على غيره، واتصافه بقوله: "وأفصحه وأنفعه لهم، وأنصحه وواعظًا، تشفي مواعظه القلوب من السقم" وبالجملة فقد لفق المصنف بين القولين في القلم، "وطبيبًا يبرئ" بضم التحتية وبالهمز من أبرئ الله من المرض "بإذن باريه" أي: الذي يبري القلم للكتابة به، والياء أصلية أو منقلبة عن واو؛ لأن في المصباح بريت القلم بريًا من باب رمي، فهو مبري، وبروته لغة "من أنواع الألم" أي: المرض، وذكر صلة قوله: وأقسم "على تنزيه نبيه ورسوله محمد المحمود" الممدوح "في كل أقواله وأفعاله"، وهو من أسمائه ﷺ "مما عمصته" "بفتح العين المعجمة وكسر الميم وفتحها وفتح الصاد مهملة ومعجمة": احتقرته وعابته "أعداؤه الكفرة".
وقال ابن حبيب في غريب الموطأ: الغمض، بضاد معجمة تصغير النعمة وتحقيرها،стр. 3954
تعالى: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون﴾ [القلم: ٢] .
وكيف يرمى بالجنون من أتى بما عجزت العقلاء قاطبة عن معارضته، وكلت عن مماثلته، وعرفهم عن الحق بما لا تهتدي إليه عقولهم، بحيث أذعنت له عقول العقلاء، وخضعت له ألباب الألباء، وتلاشت في جنب ما جاء به، بحيث لم يسعها إلا التسليم له، والانقياد والإذعان طائعة مختارة، فهو الذي يكمل عقولها كما تكمل الطفل برضاع الثدي.
ثم أخبر تعالى عن كمال شريعة نبيه في دنياه وآخرته فقال: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: ثوابًا غير منقطع، بل هو دائم، ونكر الأجر للتعظيم، أي
الحواشي
(١) وبصاد مهملة إذا صغر الناس وازدرى بهم، واستحسن هذا الفرق بعد أن قال أنهما سواء، الآية، "وتكذيبهم له" بالحر، عطف على مان أي: نزهه عن تكذيبهم له، وهو وقاع "بقوله تعالى: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون﴾ ؛ لأن معنى الآية بسبب أنه تعالى أنعم عليك بكمال العقل والمعرفة، فأفادت تنزيهه عن الكذب، وأن تكذيبهم له كلا تكذيب لعدم الاعتداد به مع قيام الدليل على خلافه، "وكيف يرمى بالجنون" استفهام إنكاري، وهو أن يكون ما بعد أدلته عير واقع، ومدعيه كاذبًا، "من أتى بما عجزت العقلاء قاطبة"، أي: جميعًا "عن معارضته، وكلت" أعيت وعجزت "عن مماثلته، وعرفهم عن الحق" سبحانه "بما لا تهتدي إليه عقولهم، بحيث أذعنت": انقادت "له عقول العقلاء" ولم تستعص عليه، "وخضعت": ذلت "له ألباب" جمع لب، بزنة قفل وأقفال "الألباء" جمع لبيب، بزنة أشحاء وشحيح، أي: عقول وأصحاب العقول الراجحة، "وتلاشت" أي: خست حتى صارت بمنزلة العدم "في جنب ما جاء به، بحيث لم يسعها إلا التسليم له والانقياد والإذعان"، عطف خاص على عام؛ لأنه انقياد بلا استعصاء، بخلاف مطلق الانقياد، فقد يكون معه استعصاء، "طائعة مختارة، فهو الذي يكمل" "بشد الميم المكسورة" "عقولها كما تكمل الطفل برضاع الثدي، ثم" بعد أن نزهه وبرأه، "أخبر تعالى عن كمال شريعة نبيه في دنياه وآخرته" لفظ الشفاء، ثم أعلمه سبحانه، بما له عنده من نعيم دائم وثواب غير منقطع، لا يأخذه العد، ولا يمن به عليه، "فقال" بالفاء لتفرعه على ما قبله من الأخبار، أو تفصيل له في الجملة، ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ ، وعطفه أولًا بثم، إشارة إلى بعد ما بين الأمرين، تعبه السريع الانقطاع، ونعيمه الدائم، الواقع في مقابلة تكذيبهم له، والأجر المضاف على عمله، وصبره على طعنهم ورميهم بما لا يليق، ففيه تسلية له ﷺ ، كأنه قيل: لا تحزن، فقد تبين كذبهم بداهة، فلا نقص يعود عليك مما قالوه، فلك نعيم مؤيد في مقابلته،стр. 3955
أجرًا عظيمًا لا يدركه الوصف ولا يناله التعبير.
ثم أثنى عليه بما منحه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وهذه من أعظم آيات نبوته ورسالته، ولقد سئلت عائشة ﵂ عن خلقه ﷺ فقالت: "كان خلقه القرآن" ومن ثم قال ابن عباس وغيره: أي على دين عظيم، وسمي الدين خلقًا؛ لأن الخلق هيئة مركبة من علوم صادقة وإرادات زاكية وأعمال ظاهرة وباطنة موافقة للعدل والحكمة والمصلحة، وأقوال مطابقة للحق، تصدر تلك الأقوال والأعمال عن تلك العلوم والإرادات فتكسب النفس بها أخلاقًا حسنة هي
الحواشي
(١) ولصبر على الشدائد والمقاساة في التبليغ، ففيه تثبيت وتخصيص، "أي: ثوابًا" تفسير لأجرًا "غير منقطع، بل هو دائم" تفسير قوله ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ .
وفي ابن عطية اختلف في معنى ممنون، فأكثر المفسرين أنه الواهن المنقطع، وقيل: ضعيف، وقيل: غير ممنون عليك، أي: لا يكدره من به، وقال مجاهد: معناه غير مضر ولا محسوب، أي: بغير حساب. انتهى.
"ونكر الأجر للتعظيم، أي: أجرًا عظيمًا، لا يدركه الوصف، ولا يناله التعبير" المتعارف للناس، أي: يقصر عن أدائه لكثرته، وأتى بتأكيدات أربع للاهتمام والتقرير والإنكار وزيادته، فأكد المجموع بالمجموع، أو هي موزعة على ما ذكروا، إن لم يكن ﷺ منكرًا؛ لأنه قد يراعي حال السامع، كما في التعريض، "ثم أثنى عليه" مدحه "بما منحه" أعطاه من مواهبه السنية، "فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] الآية، مؤكدًا بأن مع القسم واللام واسمية الجملة تتميمًا للتعظيم، "وهذه من أعظم آيات نبوته ورسالته، ولقد سئلت عائشة ﵂ عن خلقه ﷺ فقالت: كان" أحسن الناس خلقًا كان "خلقه القرآن" يرضي لرضاه، ويغضب لغضبه، لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، ولا صخابًا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ثم قالت: اقرأ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون﴾ ، إلى العشر، فقرأ السائل، فقالت: هكذا كان خلقه ﷺ .
أخرجه ابن أبي شيبة وغيره مطولًا، ورواه أحمد ومسلم وأبو داود، عنها بلفظ: كان خلقه القرآن، يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه، "ومن ثم قال ابن عباس وغيره" تفسيرًا لقوله على خلق، "أي على دين عظيم، وسمي الدين خلقًا؛ لأن الخلق" الحسن "هيئة مركبة من علوم صادقة وإرادات زاكية"، صالحة نامية، "وأعمال ظاهرة وباطنة موافقة للعدل" الإنصاف "والحكمة" وهي تحقيق العلم وإتقان العمل، وتطلق على أمور، "والمصلحة" التي يقتضيها، "وأقوال مطابقة للحق" لا كذب فيه أصلًا، "تصدر تلك الأقوال والأعمال عن تلك العلوم والإرادات،стр. 3956
أزكى الأخلاق وأشرفها وأفضلها. وهذه كانت أخلاقه ﷺ المقتبسة من القرآن، فكان كلامه مطابقًا للقرآن تفصيلًا وتبيينًا، وعلومه علوم القرآن، وإرادته وأعمال ما أوجبه وندبه إليه القرآن، وإعراضه وتركه لما منع القرآن، ورغبته فيما رغب فيه، وزهده فيما زهد فيه، وكراهته فيما كرهه، فيه ومحبته فيما أحبه، وسعيه في تنفيذ أوامره، فترجمت أم المؤمنين عائشة لكمال معرفتها بالقرآن وبالرسول، وحسن تعبيرها عن هذا كله بقولها: "كان خلقه القرآن"، وفهم السائل عنها هذا المعنى فاكتفى به واشتفى.
ولما وصفه تعالى بأنه على خلق عظيم قال: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُون، بِأَيِّيكُمُ﴾
الحواشي
(١) فتكتسب النفس بها أخلاقًا حسنة، هي أزكى": أنمى "الأخلاق وأشرفها وأفضلها" عطف تفسير، وهذا كله بيان للمراد بالخلق الحسن في استعمالهم، وهي آثار تترتب عليه، إذ الخلق الطبيعة، وهذه الكمالات ليست نفس الطبيعة، وتكون حسنة وقبيحة.
قال ابن الأثير: الخلق "بضم اللام وسكونها" الدين والطبع والسجية، وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه وأوصافه، معانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة، وأوصافها ومعانيها، ولها أوصاف حسنة وقبيحة، والثواب والعقاب يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة، "وهذه" الأخلاق الحميدة "كانت أخلاقه ﷺ المقتبسة" أي: المأخوذة "من القرآن فكان كلامه مطابقًا للقرآن تفصيلًا وتبيينًا" تفسيري، "وعلومه علوم القرآن، وكانت "إرادته وأعماله ما أوجبه" طلبه طلبًا جازمًا، "وندبه" طلبه طلبًا غير جازم "إليه القرآن، إعراضه وتركه لما منع القرآن" منه، "ورغبته فيما رغب فيه، وزهده فيما زهد فيه، وكراهته فيما كرهه" بخفة الراء، ليناسب قوله بعد أحبه "فيه ومحبته فيما أحبه، وسعيه في تنفيذ أوامره، فترجمت أم المؤمنين عائشة، لكمال معرفتها بالقرآن وبالرسول، وحسن" فعل ماض عطف على فترجمت "تعبيرها" أو هو بضم الحاء وسكون السين والجر عطف على الكمال والأول أظهر" "عن هذا كله، بقولها: كان خلقه القرآن، وفهم السائل عنها هذا المعنى، فاكتفى به واشتفى" من داء الجهل، بمعنى أنه زوال ما كان عنده من التوقف الحامل على السؤال، حتى كأنه برئ من دائه، ومر مزيد لشرح هذا في الفصل الثاني من المقصد الثالث.
"ولما وصفه تعالى بأنه على خلق عظيم، قال" مسليًا له عما قالوه في حقه بما وعده من عقابهم وتوعدهم: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُون﴾ [القلم: ٥] .стр. 3957
الْمَفْتُونُ﴾ أي فسترى يا محمد وسيرى المشركون كيف عاقبة أمرك، فإنك تصير معظمًا في القلوب، ويصيرون أذلاء مغلوبين وتستولي عليهم بالقتل والنهب.
الحواشي
(١) قال أبو عثمان المازني: هنا تم الكلام، واستأنف قوله: ﴿بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] الآية.
قال الأخفش: بل هو عامل في الجملة المستفهم عنها في معناها، أي: أيكم الذي فتن بالجنون والباء زائدة، قاله قتادة وأبو عبيدة معمر.
وقال الحسن والضحاك: المفتون بمعنى الفتنة، فالمعنى بأيكم الجنون، على أن المفتون مصدر كالمعقول، أي: العقل.
وقيل: المعنى بأي: الفريقين منكم المجنون، أبفريق المؤمنين أو بفريق الكافرين أي: في أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم وهذا معنى قول الأخفش: المعنى بأيكم فتنة المفتون.
قال ابن عطية: وهذا قول حسن، قليل التكلف، "أي: فسترى يا محمد، وسيرى المشركون كيف عاقبة أمرك، فإنك تصير معظمًا في القلوب، ويصيرون أذلاء" جمع ذليل، "مغلوبين، وتستولي عليهم بالقتل والنهب" تفسير لقوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُون﴾ .стр. 3958
الفصل الثاني: في قسمه تعالى على ما أنعم به عليه
وأظهره من قدره العلي لديه
قال الله: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ السورة [الضحى: ١-٣] .
الحواشي
(١) الفصل الثاني:
"في قسمه تعالى على ما أنعم به عليه"، الأظهر على إنعامه، كما عبر به قريبًا؛ لأن ما فعله الله مع رسوله هو حقيقة الأنعام وما قام به ﷺ هو المنعم به إلا أن يقال أنه من حيث صدوره عن الله تعالى، فيساوي ما بعده، "وأظهره من قدره العلي لديه" عنده.
"قال الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ١] ، معناه سكن واستقر ليلًا تامًا، وقيل: معناه أقبل وقيل: أدبر وأقبل، والأول أصح، يقال: بحر ساج، أي: ساكن، ومنه قول الأعشى:
وما ذنبنا أن جاش بحر ابن عمكم ... وبحرك ساج لا يواري الدعامصا
وطرف ساج إذا كان ساكنًا غير مضطرب النظر، قاله ابن عطية، والمراد سكون الأصواتстр. 3959
أقسم الله تعالى على إنعامه على رسول الله ﷺ وإكرامه له وإعطائه ما يرضيه، وذلك متضمن لتصديقه له، فهو قسم على صحة نبوته، وعلى جزائه في الآخرة فهو قسم على النبوة والمعاد.
الحواشي
(١) أو أصحابه ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ قرأ الجمهور بشد الدال من التوديع، وقرأ عروة بن الزبير وابنه هشام بتخفيف الدال بمعنى تركك.
وكذا قرأ مقاتل وابن أبي عيلة، وفي الحديث: "لينتهن قوم عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين"، أخرجه مسلم وغيره، ولينتهن "بضم الياء التحتية وفتح الفوقية والهاء"، ليدل على واو الضمير المحذوفة، إذ أصله لينتهونن، وفي الحديث أيضًا: "شر الناس من ودعه الناس اتقاء شره"، وقال الشاعر:
فكان ما قدموا لأنفسهم ... أعظم نفعًا من الذي ودعوا
فلا عبرة بزعم النحاة، أن العرب أماتت ماضي يدع، ومصدر واسم الفاعل استغناء بترك، لوروده عن سيد الفصحاء قراءة وحديثًا للماضي، ومصدرا في الحديث الصحيح، وفي شعر العرب، وما هذا سبيله يجوز القول بقلة استعماله، ولا يجوز القول بالإماتة.
وقال الطيبي يحمل كلام النحاة على قلة استعماله مع صحته قياسًا، لكن قال السيوطي، رواه الطبراني الحديث بإسناد حسن، بلفظ: "لينتهين أقوام يسمعون النداء يوم الجمعة، لا يأتونها، أو ليطعن الله على قلوبهم"، فعلم أن الرواية الأوى من تغيير الرواة، لا من لفظ النبوة. ا. هـ، الآية، فإن سلم له ذلك، فكيف يصنع في القراءة والبيت العربي، مع أن أصل هذا الكلام التابع فيه لأبي حيان، مردود بأنه يرفع الوثوق بالحديث أصلًا، إذ كل لفظة يحتمل أنها من تغيير الرواة، فالوجه الجمع بأن يكون ﷺ نطق باللفظين، ويؤيده اختلاف المخرج ﴿رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ أي: ما أبغضك، "السورة" بالنصب بتقدير اقرأ أو أذكر، "أقسم الله تعالى على إنعامه على رسوله ﷺ وإكرامه له"، أي: توقيره واللطف به، "وإعطائه ما يرضيه" في الدارين، "وذلك متضمن لتصديقه له" في دعواه: الرسالة، "فهو قسم على صحة نبوته وعلى جزائه في الآخرة، فهو قسم على النبوة والمعاد" جميعًا من قوله، والآخرة خير بناء على أن المراد بها القيامة.
قال ابن عطية: يحتمل أن يريد الدنيا والآخرة، وهذا تأويل ابن إسحاق وغيره، ويحتمل أن يريد حالته في الدنيا قبل نزول السورة وبعدها، فوعده الله على هذا التأويل بالنصر والظهور انتهى.стр. 3960
وأقسم الله تعالى بآيتين عظيمتين من آياته دالتين على ربوبيته ووحدانيته، وحكمته ورحمته، وهما الليل والنهار، وفسر بعضهم -كما حكاه الإمام فخر الدين- الضحى بوجهه ﷺ والليل بشعره، وقال: ولا استبعاد فيه.
وتأمل مطابقة هذا القسم فيه، وهو نور الضحى الذي يوافي بعد ظلام الليل، للمسقم عليه وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه، حتى قال أعداؤه: ودع محمدًا ربه، فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة
الحواشي
(١) وقيل: أحولك الآتية خير من السابقة في الدارين، "وأقسم الله تعالى بآيتين عظيمتين من آياته"، كما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَار﴾ [فصلت: ٣٧] ، "دالتين على ربوبيته ووحدانيته وحكمته ورحمته" بيان لكونهما من الآيات، "وهما الليل" بقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ والنهار، بقوله: ﴿وَالضُّحَى﴾ ففسره بقول قتادة الضحى هنا النهار، وكله وأيد بقوله أن يأتيهم بإسناد ضحى في مقالة بياتًا، وهو مجاز، إذ الضحى ارتفاع الضوء وكماله وبه فسر مجاهد، فخصه؛ لأن النهار يقوي فيه، أو كلم الله موسى فيه، وألقي السحرة سجدًا، "وفسر بعضهم كما حكاه الإمام فخر الدين الضحى بوجهه ﷺ ، والليل بشعره" وعليه فمعنى ﴿إِذَا سَجَى﴾ اشتد سواده، وظهر بزوال غبار نحو السفر عنه، ففيه استعارة.
"وقال" الرازي: "ولا استبعاد فيه"؛ لأن وجهه صلى الله عليه سولم كان شديد النور، بحيث يقع نوره على الجدر إذا قابلها، وكأن الشمس تجري في وجهه، وكان شعره شديد السواد، فلا يبعد إطلاق الضحى والليل عليهما، لكن حيث كان ذلك مجازًا احتاج إلى قرينة تصرف معناهما عن الحقيقة، إلا أن يقال: إن قائل ذلك استند إلى قرينة حالية وقت نزول الآية، "وتأمل مطابقة هذا القسم فيه وهو نور الضحى" مشعر بأنه آثره لشدة ضوئه، فهو إشارة للقول الآخر "الذي يوافي" يأتي "بعد ظلام الليل للمقسم عليه، وهو نور الوحي الذي وافاه" أي: أتاه "بعد احتباسه عنه" مدة خمسة عشر يومًا لما قال: أخبركم غدًا، ولم يقل: إن شاء الله حتى أرجف أهل مكة، وقالوا: قد قلاه ربه وتركه، قاله ابن عباس عند ابن إسحاق، وقال مجاهد: إثنا عشر، وقال التيمي وابن عطية: وإنما أبطى عليه ثلاثة أيام، وقيل: أربعة، وقيل: أربعين، "حتى قال أعداؤه" المشركون: "ودع محمدًا ربه" والصحيح في سبب نزولها ما في الصحيحين وغيرهما، عن جند بن عبد الله، قال: اشتكى النبي ﷺ ، فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتته امرأة، فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وهذه المرأة هي العوراء بنت حرب امرأة أبي لهب، رواه الحاكم برجال ثقات، عن زيد بن أرقم، وفي الصحيح أيضًا عن جندب، قالت امرأة: يا رسول الله ما أرى صاحبك إلا أبطأследующие страницы →