Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.
стр. 3956
أزكى الأخلاق وأشرفها وأفضلها. وهذه كانت أخلاقه ﷺ المقتبسة من القرآن، فكان كلامه مطابقًا للقرآن تفصيلًا وتبيينًا، وعلومه علوم القرآن، وإرادته وأعمال ما أوجبه وندبه إليه القرآن، وإعراضه وتركه لما منع القرآن، ورغبته فيما رغب فيه، وزهده فيما زهد فيه، وكراهته فيما كرهه، فيه ومحبته فيما أحبه، وسعيه في تنفيذ أوامره، فترجمت أم المؤمنين عائشة لكمال معرفتها بالقرآن وبالرسول، وحسن تعبيرها عن هذا كله بقولها: "كان خلقه القرآن"، وفهم السائل عنها هذا المعنى فاكتفى به واشتفى.
ولما وصفه تعالى بأنه على خلق عظيم قال: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُون، بِأَيِّيكُمُ﴾
الحواشي
(١) فتكتسب النفس بها أخلاقًا حسنة، هي أزكى": أنمى "الأخلاق وأشرفها وأفضلها" عطف تفسير، وهذا كله بيان للمراد بالخلق الحسن في استعمالهم، وهي آثار تترتب عليه، إذ الخلق الطبيعة، وهذه الكمالات ليست نفس الطبيعة، وتكون حسنة وقبيحة.
قال ابن الأثير: الخلق "بضم اللام وسكونها" الدين والطبع والسجية، وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه وأوصافه، معانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة، وأوصافها ومعانيها، ولها أوصاف حسنة وقبيحة، والثواب والعقاب يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة، "وهذه" الأخلاق الحميدة "كانت أخلاقه ﷺ المقتبسة" أي: المأخوذة "من القرآن فكان كلامه مطابقًا للقرآن تفصيلًا وتبيينًا" تفسيري، "وعلومه علوم القرآن، وكانت "إرادته وأعماله ما أوجبه" طلبه طلبًا جازمًا، "وندبه" طلبه طلبًا غير جازم "إليه القرآن، إعراضه وتركه لما منع القرآن" منه، "ورغبته فيما رغب فيه، وزهده فيما زهد فيه، وكراهته فيما كرهه" بخفة الراء، ليناسب قوله بعد أحبه "فيه ومحبته فيما أحبه، وسعيه في تنفيذ أوامره، فترجمت أم المؤمنين عائشة، لكمال معرفتها بالقرآن وبالرسول، وحسن" فعل ماض عطف على فترجمت "تعبيرها" أو هو بضم الحاء وسكون السين والجر عطف على الكمال والأول أظهر" "عن هذا كله، بقولها: كان خلقه القرآن، وفهم السائل عنها هذا المعنى، فاكتفى به واشتفى" من داء الجهل، بمعنى أنه زوال ما كان عنده من التوقف الحامل على السؤال، حتى كأنه برئ من دائه، ومر مزيد لشرح هذا في الفصل الثاني من المقصد الثالث.
"ولما وصفه تعالى بأنه على خلق عظيم، قال" مسليًا له عما قالوه في حقه بما وعده من عقابهم وتوعدهم: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُون﴾ [القلم: ٥] .стр. 3957
الْمَفْتُونُ﴾ أي فسترى يا محمد وسيرى المشركون كيف عاقبة أمرك، فإنك تصير معظمًا في القلوب، ويصيرون أذلاء مغلوبين وتستولي عليهم بالقتل والنهب.
الحواشي
(١) قال أبو عثمان المازني: هنا تم الكلام، واستأنف قوله: ﴿بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] الآية.
قال الأخفش: بل هو عامل في الجملة المستفهم عنها في معناها، أي: أيكم الذي فتن بالجنون والباء زائدة، قاله قتادة وأبو عبيدة معمر.
وقال الحسن والضحاك: المفتون بمعنى الفتنة، فالمعنى بأيكم الجنون، على أن المفتون مصدر كالمعقول، أي: العقل.
وقيل: المعنى بأي: الفريقين منكم المجنون، أبفريق المؤمنين أو بفريق الكافرين أي: في أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم وهذا معنى قول الأخفش: المعنى بأيكم فتنة المفتون.
قال ابن عطية: وهذا قول حسن، قليل التكلف، "أي: فسترى يا محمد، وسيرى المشركون كيف عاقبة أمرك، فإنك تصير معظمًا في القلوب، ويصيرون أذلاء" جمع ذليل، "مغلوبين، وتستولي عليهم بالقتل والنهب" تفسير لقوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُون﴾ .стр. 3958
الفصل الثاني: في قسمه تعالى على ما أنعم به عليه
وأظهره من قدره العلي لديه
قال الله: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ السورة [الضحى: ١-٣] .
الحواشي
(١) الفصل الثاني:
"في قسمه تعالى على ما أنعم به عليه"، الأظهر على إنعامه، كما عبر به قريبًا؛ لأن ما فعله الله مع رسوله هو حقيقة الأنعام وما قام به ﷺ هو المنعم به إلا أن يقال أنه من حيث صدوره عن الله تعالى، فيساوي ما بعده، "وأظهره من قدره العلي لديه" عنده.
"قال الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ١] ، معناه سكن واستقر ليلًا تامًا، وقيل: معناه أقبل وقيل: أدبر وأقبل، والأول أصح، يقال: بحر ساج، أي: ساكن، ومنه قول الأعشى:
وما ذنبنا أن جاش بحر ابن عمكم ... وبحرك ساج لا يواري الدعامصا
وطرف ساج إذا كان ساكنًا غير مضطرب النظر، قاله ابن عطية، والمراد سكون الأصواتстр. 3959
أقسم الله تعالى على إنعامه على رسول الله ﷺ وإكرامه له وإعطائه ما يرضيه، وذلك متضمن لتصديقه له، فهو قسم على صحة نبوته، وعلى جزائه في الآخرة فهو قسم على النبوة والمعاد.
الحواشي
(١) أو أصحابه ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ قرأ الجمهور بشد الدال من التوديع، وقرأ عروة بن الزبير وابنه هشام بتخفيف الدال بمعنى تركك.
وكذا قرأ مقاتل وابن أبي عيلة، وفي الحديث: "لينتهن قوم عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين"، أخرجه مسلم وغيره، ولينتهن "بضم الياء التحتية وفتح الفوقية والهاء"، ليدل على واو الضمير المحذوفة، إذ أصله لينتهونن، وفي الحديث أيضًا: "شر الناس من ودعه الناس اتقاء شره"، وقال الشاعر:
فكان ما قدموا لأنفسهم ... أعظم نفعًا من الذي ودعوا
فلا عبرة بزعم النحاة، أن العرب أماتت ماضي يدع، ومصدر واسم الفاعل استغناء بترك، لوروده عن سيد الفصحاء قراءة وحديثًا للماضي، ومصدرا في الحديث الصحيح، وفي شعر العرب، وما هذا سبيله يجوز القول بقلة استعماله، ولا يجوز القول بالإماتة.
وقال الطيبي يحمل كلام النحاة على قلة استعماله مع صحته قياسًا، لكن قال السيوطي، رواه الطبراني الحديث بإسناد حسن، بلفظ: "لينتهين أقوام يسمعون النداء يوم الجمعة، لا يأتونها، أو ليطعن الله على قلوبهم"، فعلم أن الرواية الأوى من تغيير الرواة، لا من لفظ النبوة. ا. هـ، الآية، فإن سلم له ذلك، فكيف يصنع في القراءة والبيت العربي، مع أن أصل هذا الكلام التابع فيه لأبي حيان، مردود بأنه يرفع الوثوق بالحديث أصلًا، إذ كل لفظة يحتمل أنها من تغيير الرواة، فالوجه الجمع بأن يكون ﷺ نطق باللفظين، ويؤيده اختلاف المخرج ﴿رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ أي: ما أبغضك، "السورة" بالنصب بتقدير اقرأ أو أذكر، "أقسم الله تعالى على إنعامه على رسوله ﷺ وإكرامه له"، أي: توقيره واللطف به، "وإعطائه ما يرضيه" في الدارين، "وذلك متضمن لتصديقه له" في دعواه: الرسالة، "فهو قسم على صحة نبوته وعلى جزائه في الآخرة، فهو قسم على النبوة والمعاد" جميعًا من قوله، والآخرة خير بناء على أن المراد بها القيامة.
قال ابن عطية: يحتمل أن يريد الدنيا والآخرة، وهذا تأويل ابن إسحاق وغيره، ويحتمل أن يريد حالته في الدنيا قبل نزول السورة وبعدها، فوعده الله على هذا التأويل بالنصر والظهور انتهى.стр. 3960
وأقسم الله تعالى بآيتين عظيمتين من آياته دالتين على ربوبيته ووحدانيته، وحكمته ورحمته، وهما الليل والنهار، وفسر بعضهم -كما حكاه الإمام فخر الدين- الضحى بوجهه ﷺ والليل بشعره، وقال: ولا استبعاد فيه.
وتأمل مطابقة هذا القسم فيه، وهو نور الضحى الذي يوافي بعد ظلام الليل، للمسقم عليه وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه، حتى قال أعداؤه: ودع محمدًا ربه، فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة
الحواشي
(١) وقيل: أحولك الآتية خير من السابقة في الدارين، "وأقسم الله تعالى بآيتين عظيمتين من آياته"، كما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَار﴾ [فصلت: ٣٧] ، "دالتين على ربوبيته ووحدانيته وحكمته ورحمته" بيان لكونهما من الآيات، "وهما الليل" بقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ والنهار، بقوله: ﴿وَالضُّحَى﴾ ففسره بقول قتادة الضحى هنا النهار، وكله وأيد بقوله أن يأتيهم بإسناد ضحى في مقالة بياتًا، وهو مجاز، إذ الضحى ارتفاع الضوء وكماله وبه فسر مجاهد، فخصه؛ لأن النهار يقوي فيه، أو كلم الله موسى فيه، وألقي السحرة سجدًا، "وفسر بعضهم كما حكاه الإمام فخر الدين الضحى بوجهه ﷺ ، والليل بشعره" وعليه فمعنى ﴿إِذَا سَجَى﴾ اشتد سواده، وظهر بزوال غبار نحو السفر عنه، ففيه استعارة.
"وقال" الرازي: "ولا استبعاد فيه"؛ لأن وجهه صلى الله عليه سولم كان شديد النور، بحيث يقع نوره على الجدر إذا قابلها، وكأن الشمس تجري في وجهه، وكان شعره شديد السواد، فلا يبعد إطلاق الضحى والليل عليهما، لكن حيث كان ذلك مجازًا احتاج إلى قرينة تصرف معناهما عن الحقيقة، إلا أن يقال: إن قائل ذلك استند إلى قرينة حالية وقت نزول الآية، "وتأمل مطابقة هذا القسم فيه وهو نور الضحى" مشعر بأنه آثره لشدة ضوئه، فهو إشارة للقول الآخر "الذي يوافي" يأتي "بعد ظلام الليل للمقسم عليه، وهو نور الوحي الذي وافاه" أي: أتاه "بعد احتباسه عنه" مدة خمسة عشر يومًا لما قال: أخبركم غدًا، ولم يقل: إن شاء الله حتى أرجف أهل مكة، وقالوا: قد قلاه ربه وتركه، قاله ابن عباس عند ابن إسحاق، وقال مجاهد: إثنا عشر، وقال التيمي وابن عطية: وإنما أبطى عليه ثلاثة أيام، وقيل: أربعة، وقيل: أربعين، "حتى قال أعداؤه" المشركون: "ودع محمدًا ربه" والصحيح في سبب نزولها ما في الصحيحين وغيرهما، عن جند بن عبد الله، قال: اشتكى النبي ﷺ ، فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتته امرأة، فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ وهذه المرأة هي العوراء بنت حرب امرأة أبي لهب، رواه الحاكم برجال ثقات، عن زيد بن أرقم، وفي الصحيح أيضًا عن جندب، قالت امرأة: يا رسول الله ما أرى صاحبك إلا أبطأстр. 3961
احتباسه واحتجابه.
وأيضًا فإن الذي اقتضته رحمته أن لا يترك عباده في ظلمة الليل سرمدًا بل هداهم بضوء النهار إلى مصالحهم، ومعايشهم لا يتركهم في ظلمة الغي والجهل بل يهديهم بنور الوحي والنبوة إلى مصالح دنياهم وآخرتهم، فتأمل حسن ارتباط المقسم بالمقسم عليه.
وتأمل هذه الجزالة والرونق الذي على هذه الألفاظ، والجلالة التي في معانيها.
ونفى سبحانه أن يكون ودع نبيه أو قلاه، فالتوديع: الترك، والقلى: البغض،
الحواشي
(١) عنك فنزلت: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ، قال الحافظ: هي زوجته خديجة، كما في المستدرك وغيره، فخاطبته كل واحدة منهما بما يليق بها، والعوراء قالته شماتة، وخديجة توجعًا، وقصة إبطاء الوحي بسبب الجرو مشهورة، لكن كونها سبب نزول الآية غريب، بل شاذ، مردود بما في الصحيح، وتقدم لهذا مزيد قريبًا، "فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي، ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه"، فهذه مناسبة بين القسم والمقسم عليه، "وأيضًا" مناسبة أخرى، "فإن الذي اقتضته رحمته" الذي امتن بها في قوله: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [القصص: ٧٣] ، "أن لا يترك عبادة في ظلمة الليل سرمدًا" إلى يوم القيامة، "بل هداهم بضوء النهار إلى مصالحهم ومعايشهم"، كما قال: ولتبتغوا من فضله، "لا يتركهم في ظلمة الغي والجهل، بل يهديهم بنور الوحي والنبوة إلى مصالح دنياهم وآخرتهم، فتأمل حسن ارتباط القسم بالمقسم عليه" بكل من المناسبتين، "وتأمل هذه الجزالة" العظمة والحسن، "والرونق" الحسن، فهو مساوٍ حسنه اختلاف اللفظ.
ولذا قال: "الذي على هذه الألفاظ" اقتصارًا على وصف لرونق المساوي لما قبله معنى، حتى كأنهما اسم واحد، "والجلالة": العظمة "التي في معانيها" لكثرتها مع وجازة لفظها، "ونفى سبحانه أن يكون ودع نبيه" أي: قطعه قطع المودع، وقرئ بالتخفيف، أي: تركك كما في الأنوار، "أو قلاه" أبغضه، "فالتوديع الترك" لعله بيان المراد من الآية إذ الترك معنى الوداع مخففًا، وأما بالتثقيل، فتشييع المسافر، كما في اللغة، ولذا غاير البيضاوي في تفسير القراءتين كما رأيت، لكن في النسيم الوداع له معنيان في اللغة الترك وتشييع المسافر، وكلهم فسروه بالترك، ولما رأوا صيغة التفعيل تفيد زيادة المعنى، والمبالغة فيه تقتضي الانقطاع التام، قالوا: المبالغة في النفي لا في المنفي، أو النفي القيد، والمقيد ويجوز أن يفسر بتشييع المسافر.стр. 3962
أي: ما تركك منذ اعتنى بك، وما أبغضك منذ أحبك، وحذف "الكاف" من "قلى" اكتفاء بكاف ودعك؛ ولأن رءوس الآيات بالياء فأوجب اتفاق الفواصل حذفها.
وهذا يعم كل أحواله، وإن كان حالة يرقيه إليها هي خير له مما قبلها، كما أن الدار الآخرة هي خير له مما قبلها، ثم وعده بما تقربه به عينه وتفرح به نفسه،
الحواشي
(١) على طريق الاستعارة، ففيه إيماء إلى أن الله تعالى لم يتركه أصلًا، فإنه معه أينما كان، وإنما الترك لو تصور من جانبه ظاهر مع دلالته بهذا المعنى على الرجوع والتوديع، إنما يكون لمن يحب ويرجى عوده، وإليه أشار الجرجاني، بقوله:
إذا رأيت الوداع فاصبر ... ولا يهمنك البعاد
وانتظر العود عن قريب ... فإن قلب الوداع عادوا
فقوله: ﴿وَمَا قَلَى﴾ ، مؤكدًا له، وهذا لم أر من ذكره مع غاية لطفه، "والقلى" "بكسر القاف والقصر"، وقد يمد "البغض"، مصدر قلي بوزن رمى، "أي: ما تركك منذ اعتنى بك" وهو من أول أمره تفسير ما ودعك، "وما أبغضك منذ أحبك"، تفسير للقلا، وفي الشفاء، أيك ما تركك وما أبغضك وقيل: ما أهملك بعد أن اصطفاك وزعم شارح أن المشهور الثاني واختار الأول لمناسبته لما قبله، والإهمال عدم التقييد مع الترك، فهو ترك مخصوص "وحذف الكاف من قلى اكتفاء بكاف ودعك" فهو اختصار للعلم به؛ "ولأن رؤوس الآي بالياء، فأوجب اتفاق الفواصل حذفها"، ولئلا يخاطبه بالبغض، وإن كان منفيًا، أو ليطعمه وأصحابه وأمته، واستحسن، "وهذا يعم كل أحواله، وأن كل حالة يرقيه إليها هي خير له مما قبلها" إذ كأنه قيل: ما ودعك لبغض، وسترى منزلتك، ففيه إفادة الترقي في الأحوال في الدنيا، "كما أن الدار الآخرة هي خير له مما قبلها" كما قال: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ ، واللام للابتداء مؤكدة، أو جواب قسم، ففيه تعظيم آخر، أي: كما أعطاك في الدنيا يعطيك في الآخرة مما هو أعلى وأكثر، فلا تبال بما قالوه، فهو وعد فيه تسلية بعدما نفي عنه ما يكره، فهو تحلية بعد تخلية، "ثم وعده" بقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ، "بما تقر" "بفتح القاف الفوقية" "به عينه" أي: تسكن "وبتحتية أوله وشدة القاف مكسورة ونصب عينه"، يقال: قرت العين وأقر الله العين.
قال في فتح الباري: قرة العين يعبر بها عن المسرة ورؤية ما يحبه الإنسان ويوافقه؛ لأن عينه قرت، أي: سكنت حركاتها عن التلفت لحصول غرضها، فلا تتشوف شيء آخر، فكأنه مأخوذ من القرار، وقيل: معناه أنام الله عينك، وهو يرجع إلى هذا، وقيل: بل هو مأخوذ من القر، وهو البرد، أي: أن عينه بارة لسروره ولذا قيل: دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة، ومن ثمстр. 3963
ويشرح به صدره، وهو أن يعطيه فيرضى. وهذا يعم ما يعطيه من القرآن والهدى والنصر والظفر بأعدائه يوم بدر وفتح مكة، ودخول الناس في الدين أفواجًا، والغلبة على بني قريظة والنضير، وبث عساكره وسراياه في بلاد العرب، وما فتح على خلفائه الراشدين في أقطار الأرض من المدائن، وما قذف في قلوب أعدائه من الرعب، ونشر الدعوة، ورفع ذكره وإعلاء كلمته، وما يعطيه بعد مماته، وما يعطيه
الحواشي
(١) قيل في ضده: أسخن الله عينه، "وتفرح" "بفتح الراء مع فتح أوله فوقية وبضمه تحتية مع كسر الراء" "به نفسه": يسرها ويرضيها، والفرح لذة القلب بنيل ما يشتهي ويتعدى "بالهمزة والتضعيف"، "وبشرح به صدره" يوسعه ويملؤه نورًا، "وهو أن يعطيه فيرضى، وهذا يعم ما يعطيه من القرآن" النازل عليه بعد هذه الآية، "والهدى والنصر": العون والتقوية، "والظفر بأعدائه" يقال: ظفر بعدوه، وأظفرته به وأظفرته عليه، بمعنى وأصله الفوز والفلاح "يوم بدر" بقتل سبعين وأسر سبعين، "وفتح مكة" وحل القتال له فيها ساعة من نهار، وصار أعظم أهلها عليه أحوجهم إليه، "ودخول الناس في الدين" دين الله "أفواجًا" جماعات، بعدما كان يدخل فيه واحدًا بعد واحد، وذلك بعد فتح مكة، جاءه العرب من أقطار الأرض طائعين، "والغلبة على بني قريظة" بقتل رجالهم وسبي ذريتهم ونسائهم، "والنضير" بإجلائهم وجعلها خالصة له، "وبث عساكره وسراياه في بلاد العرب" وفي غيرها، كبعث زيد والأمراء إلى موته من أرض الشام، وبعث أسامة ابنه بعد ذلك إلى محل قتل أبيه، فخرج بعد الوفاة النبوية، فنصره الله وقتل قاتل أبيه، فاقتصر على العرب لكثرتها فيها، "وما فتح على خلفائه الراشدين في أقطار الأرض من المدائن"، ففتح في أيام الصديق بصرى ودمشق وبلاد حوران وما والاها، ثم في أيام عمر البلاد الشامية كلها وأكثر إقليم فارس، وكسر كسرى، وفر إلى أقصى مملكته، وفر هرقل إلى القسطنطينية، ثم في زمن عثمان مدائن العراق وخراسان والأهواز، وبلاد المغرب كلها، ومن المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى، ومزق ملكه بالكلة، ثم امتدت الفتوحات بعده إلى الروم وغيرها، ولم تزل تجدد إلى الآن ولله الحمد، وقد فتح ﷺ المدينة بالقرآن، وخيبر ومكة والبحرين وسائر جزيرة العرب، وأرض اليمن بكاملها وأخذ الجزية من مجوس هجر، ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل والمقوقس وملوك عمان، والنجاشي الذي ملك بعد أصحمة، "وما قذف في قلوب أعدائه من الرعب" مسيرة شهر من كل جهة؛ لأنه لم يكن بينه وبين أعدائه أكثر من شهر، "ونشر الدعوة" تفرقها وعمومها للخلق، "ورفع ذكره" فلا يذكر الله إلا ويذكر معه ﷺ ، "وإعلاء كلمته" على كل كلام، فهذا كله مما أعطاه له في الدنيا، "وما يعطيه بعد مماته" من الرحمات النازلات على قبره، والرضوان الذي لا يتناهى لدوام ترقياته ومضاعفة أعمالهстр. 3964
في موقف القيامة من الشفاعة والمقام المحمود، وما يعطيه في الجنة من الوسيلة والدرجة الرفيعة والكوثر.
وقال ابن عباس: يعطيه في الجنة ألف قصر من لؤلؤ أبيض، ترابها المسك وفيها ما يليق بها.
وبالجملة: فقد دلت هذه الآية على أنه تعالى يعطيه ﵊ كل ما يرضيه.
وأما ما يفتريه الجهال من أنه لا يرضى وواحد من أمته في النار، أو لا يرضى أن يدخل أحد من أمته النار، فهو من غرور الشيطان لهم ولعبه بهم، فإنه
الحواشي
(١) فيه، فإنه حي يصلي في قبره بأذان، وإقامة، وله ثواب أعمال أمته مضاعفًا، "وما يعطيه في موقف القيامة من الشفاعة"، أي: جنسها، فيشمل الشفاعات الخاصة به كلها، "والمقام المحمود" هو مقام الشفاعة العظمى، الذي يحمده فيه الأولون والآخرون أو كل مقام يتضمن كرامة محمودة، وعلى هذا يكون بمعنى ما قبله، "وما يعطيه في الجنة، من الوسيلة" أعلى منزلة في الجنة فقوله: "والدرجة الرفيعة"، عطف تفسير، "والكوثر" نهر في الجنة، أعطانيه ربي، كما صح عنه ﷺ ، فلا معدل عنه.
"وقال ابن عباس" في تفسير هذه الآية "يعطيه في الجنة ألف قصر من لؤلؤ أبيض، ترابها المسك، وفيها ما يليق بها" من الأزواج والخدم.
رواه ابن جرير وغيره، ومثله لا يقال إلا عن توقيف، فهو في حكم المرفوع، وهذا تفصيل بعض ما أعطاه، "وبالجملة فقد دلت هذه الآية على أنه تعالى يعطيه ﵊ كل ما يرضيه" مما لا يعلمه على الحقيقة إلا هو، "وأما ما يفتريه" بفاء من الافتراء، أي: الكذب، أو بالغين بالمعجمة، وبعد الراء موحدة من الغرور، وهذا أولى وإن كان ظاهر سياقه الأول، "الجهال من أنه لا يرضى، وواحد من أمته في النار"، روى الديلمي في الفردوس عن علي، قال: لما نزلت قال ﷺ : "إذن لا أرضى وواحد من أمتي في النار".
وأخرجه أبو نعيم في الحلية موقوفًا على علي، قال: في قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ، قال: ليس في القرآن أرجى منها، ولا يرضى ﷺ أن يدخل أحد من أمته النار، وقوله: ولا يرضى موقوف لفظًا، مرفوع حكمًا، إذ لا مدخل للرأي: فيه، "أو لا يرضى أن يدخل أحد من أمته النار"، كما روي عن علي موقوفًا، وحكمه الرفع، كما علم، "فهو من غرور الشيطان" أي: خداعه "لهم ولعبه بهم" حيث حملهم على الافتراء، أو على الغرور بما لمстр. 3965
صلوات الله عليه سرضي بما يرضى به ربه ﵎، وهو يدخل النار من يستحقها من الكفار والعصاة، ثم يحد لرسوله ﷺ حدًا يشفع فيهم -كما يأتي إن شاء الله تعالى في المقصد الأخير- ورسوله ﵇ أعرف به وبحقه من أن يقول: لا أرضى أن تدخل أحدًا من أمتي النار او تدعه فيها، بل ربه ﵎ يأذن له فيشفع فيمن شاء الله أن يشفع فيه، ولا يشفع في غير من أذن له ورضيه.
الحواشي
(١) يفهموا معناه، "فإنه صلوات الله عليه يرضى بما يرضى به ربه ﵎"، إذ رضاه تابع لرضاه، "وهو يدخل النار من يستحقها من الكفار والعصاة" المسلمين، "ثم يحد" "بضم الحاء" "لرسوله ﷺ حدًا" أي: يقدر له جماعة، ويميزهم عن غيرهم، "يشفع فيهم كما يأتي إن شاء الله تعالى في المقصد الأخير" فلا يدع أحدًا منهم، ولا يزيد على من أذن له في الشفاعة فيه، "ورسوله ﵇ أعرف به وبحقه من أن يقول: ألا أرضى أن تدخل أحدًا من أمتي النار، أو تدعه فيها" هذا ظاهر جدًا في أنه أراد أنه من الافتراء الكذب لا الغرور، "بل ربه ﵎ يأذن له، فيشفع فيمن شاء الله أن يشفع فيه، ولا يشفع في غير من أذن له ورضيه" ومقام الرضا بما يريده الله، والتسليم مقام عظيم للسالكين، فكيف لا يكون لسيد المرسلين.
وقد رد العلامة الشريف الصفوي في شرح الشفاء وتبعه في النسيم على المصنف، التابع لابن القيم بأنه جراءة وسوء أدب، والوجه توجيه الحديث لوروده بطرق وإن ضعفت، ولا يبعد أن يكون عذاب العصاة غير مرضي لله تعالى، فلا يرضى له رسوله أيضً؛ لأن رضاه على وفق رضا ربه، والرضا بالمقضي قد يكون مذمومًا، فإذا لم يرض بعصيانهم ودخولهم النار، بعدهم رضا ربه به يدخلهم الله الجنة، ولو بالآخرة للوعد به، والرضا بفعل الله إنما يجب من حيث إنه فعل المولى الحكيم لا من حيث هو في ذاته، والمنفي في الحديث الثاني، فهو لا يرضى بدخول أحد من أمته النار من حيث هو في ذاته، لا من حيث أنه مراد الله، فلا إشكال أو الرضا مجاز عن ترك الطلب، أي: لا أترك طلب العفو وواحد من أمتي في النار، ولا يلزم منه عدم الرضا حقيقة، وكم طلب ﷺ لأمته أمورًا، وهو في مقام الرضا دائمًا، وإذا وعد بالرضا فلا بد من إدخالهم الجنة لا ترك الطلب، فافهمه فإنه دقيق، فلا ينبغي أن يجترئ أحد على إبطال الروايات بأوهام الشبهات، وهذا محصل ما في شرح المواقف من أن للكفر نسبة إلى الله، باعتبار فاعليته له وإيجاده، ونسبة إلى العبد، باعتبار محليته واتصافه به، وإنكاره باعتبار النسبة الثانية، والرضا باعتبار النسبة الأولى.стр. 3966
ثم ذكره سبحانه بنعمه عليه من إيوائه بعد يتمه، فقال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى﴾ وذهب بعضهم إلى أن معنى اليتيم من قولهم: درة يتمية، أي: ألم يجدك
الحواشي
(١) وقال بعض الشراح: يجوز أن المراد نفي الرضا بالدخول على وجه الخلود، وإنما قال: أن يدخل دون أن يخلد، قصد الإرادة نفي الرضا بالخلود على نهج المبالغة والاستدلال، أو أن المراد: ولا يرضى أن يعصي الله أحد من أمته، فعبر بالمسبب عن السبب إلا أن السياق يأباه انتهى.
أو لا يرضى دخولهم النار دخولا يشدد عليهم العذاب، بل يكون خفيفا، لا تسود وجوههم، ولا تزرق أعينهم، كما وردت به الأحاديث، فهو تعذيب كتأديب الحشمة، بل قال ﷺ : "إنما حر جهنم على أمتي كحر الحمام".
أخرجه الطبراني، برجال ثقات عن الصديق، وللدارقطني في الأفراد عن ابن عباس، رفعه: "أن حظ أمتي من النار، طول بلائها تحت التراب".
وفي تفسير السبكي: أطلقت الأمة وجوب الرضا بالقضاء، وشاع على ألسنة العلماء والعوام، وورد مرفوعًا: يقول الله: من لميرض بقضائي، فليطلب ربا سواي، وفي شامل إمام الحرمين، لم يثبت عندنا وجوب الرضا بالقضاء، فإن الإنسان إذا اعترته الآلام، واكتنفته الأسقام، لا يجب عليه في الدين أن يطمئن إليها ويرضى بها، ولا عليه أن يكرهها ويبدي قلقا منها، يقول: لا ينطوي على اعتراض، قال: والخبر من الآحاد، لا تقوم به الحجة في القطعيات، ثم يعارضه استعادة النبي ﷺ من قضاء السوء. انتهى.
"ثم ذكره" بشد الكاف، أي: جعله "سبحانه" متذكرا "بنعمه عليه"، أي: ذكره بتفصيلها أو تفضيلها بالضاد وإن كان ذاكرًا لها، وكيف ينسى مثله، وقد قام حتى تورمت قدماه، وقال: أفلا أكون عبدا شكورًا.
وقال بعض الشراح: المراد إعلامه بما أنعم به عليه، أو لاشتغاله بتذكير النعم العظيمة المتجددة، أو النعم كلها على الإجمال، قد يغفل عن تفصيلها، أو التذكير بمعنى الوعظ، لئلا يغفل، نحو: فذكر بالقرآن "من إيوائه" إلى عمه أبي طالب، حتى كان عنده أعز من بنيه "بعد يتمه" بموت أبيه وأمه حبلى به على الصحيح، وقيل: بعد أن ولد بقليل، "فقال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ﴾ ، من الوجود بمعنى العلم ﴿يَتِيمًا﴾ مفعوله الثاني، أو المصادفة، ويتيما حال ﴿فَآَوَى﴾ بالمد وقرئ بالقصر بمعنى، رحم تقول أويت فلانا، أي: رحمته، قاله ابن عطية، وقيل: معنى الآية أواه الله إلى نفسه، ولم يحوجه لحمايةأحد وإيوائه، وهو بمعنى قول جعفر الصادق: يتم ﷺ لئلا يكون عليه حق لمخلوق، "وذهب بعضهم إلى أن معنى اليتيم" عديمстр. 3967
واحدا في أرض قريش عديم النظير فآواك إليه وأغناك بعد الفقر.
ثم أمره أن يقابل هذه النعم الثلاثة بما يليق بها من الشكر فنهاه أن يقهر اليتيم، وأن ينهر السائل، وأن يكتم النعمة، بل يحدث بها، فإن من شكر النعمة التحدث بها. وقيل: المراد بالنعمة النبوة، والتحدث بها: تبليغها.
الحواشي
(١) النظير "من قولهم: درة يتيمة" أي: لا نظير لها، وتسمى فريدة أيضا لانفرادها عن نظائرها، "أي: ألم يجدك واحدا في أرض قريش"، بل في جميع الخلق، "عديم النظير، فآواك إليه" لانتفاء من يكافئك أو يدانيك، بحيث تركن إليه.
قال التجاني: وهذا قول ضعيف، حكاه صاحب المشرع الروي، وجعله في الكشاف من بدع التفاسير، "وأغناك بعد الفقر".
قال ابن عطية: قال: مجاهد معناه بما أعطاك من الرزق، وقيل: فقير إليه، فأغناك به، والجمهور: على أنه فقر المال، لمعنى فيه صلى الله عليه وسل، أنه أغناه بالقناعة والصبر وحببا إليه، وقيل: بالكفاف لتصرفه في مال خديجة، ولم يكن كثير المال، ورفعه الله عن ذلك، وقال: ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكنه غنى النفس، "ثم أمره أن يقابل هذه النعم الثلاث" التي لم يشر المصنف إلى وسطاها؛ لأنه سيتكلم عليه في إزالة الشبهات "بما يليق بها من الشكر، فنهاه أن يقهر اليتيم" بقوله: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ ، في مقابلة ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى﴾ ، "وأن ينهر السائل" بقوله ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ معناه أن يرده ردا جميلا أما بعطاء أو بقول حسن، "وأن يكتم النعمة، بل يحدث بها، فإن من شكر النعمة التحدث بها" وبإظهار الملابس والمطاعم والمراكب ونحوها، فلذا أتى بمن التبعيضية.
وفي ابن عطية قوله: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ بإزاء، أي: مقابل ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ ، على قول أبي الدرداء، والحسن وغيرهما.
إن السائل هنا السائل عن العلم والدين، بإزاء قوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ وقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ ومن قال: السائل هو سائل المال، المحتاج، جعلها بإزاء ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ وجعل ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ بإزاء ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ "وقيل: المراد بالنعمة النبوة والتحدث" بالجر عطفا على النعمة، أي: والمراد بالتحدث "بها تبليغها" للناس وهذا قول مجاهد والكلبي.
وقال آخرون: بل هو عام في جميع النعم، وكان بعض الصالحين يقول: لقد أعطاني الله كذا، وصليت البارحة كذا، وذكرت الله كذا، فقيل له: مثلك لا يقول هذا، فقال: إن الله يقول: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ وأنتم تقولون: لا تحدث وقال ﷺ : "التحدث بالنعمة شكر"، وقال: "من أسديت إليه يدا فذكرها، فقد شكرها، ومن سترها فقد كفرها"، ذكره ابن عطية.стр. 3968
الفصل الثالث: في قسمه تعالى على تصديقه ﵊
فيما أتى به من وحيه وكتابه وتنزيهه عن الهوى في خطابه:
قال الله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ١-٣] .
أقسم تعالى بالنجم على تنزيه رسوله وبراءته مما نسبه إليه أعداؤه من الضلال والغي.
الحواشي
(١) "الفصل الثالث":
في قسمه تعالى على تصديقه ﵊ فيما أتى به من وحيه "مصدر بمعنى اسم المفعول"، فقوله: "وكتابه" خاص على عام، "وتنزيهه عن الهوى في خطابه"، أي: نطقه، "قال الله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ أقسم الله تعالى بهذا المخلوق تشريفا له وتنبيها للاعتبار به، حتى تؤول العبرة إلى معرفة الله تعالى، وقيل: المعنى: ورب النجم، وفيه قلق مع لفظ الآية ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ والضلال يكون بلا قصد وألغي كأنه شيء يكتسبه ويريده ﴿وَمَا يَنْطِقُ﴾ صاحبكم ﴿عَنْ الْهَوَى﴾ [النجم: ١] ، أي: بهواه وشهوته، وقيل: ما ينطق القرآن المنزل عن هوى وشهوة، ونسب النطق إليه من حدث أنه يفهم منه الأمور، كما قال تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩] وأسند النطق إليه وإن لم يتقدم له ذكر لدلالة المعنى عليه.
ذكره ابن عطية: "أقسم تعالى بالنجم على تنزيه رسوله، وبراءته مما نسبه إليه أعداؤه" الكفار "من الضلال والغي"، فنفى عنه أن يكون ضل في هذا السبيل لتي أسلكه إياها.
قال الرازي والنسفي: أكثر المفسرين أن لا فرق بين الضلال والغي، وبعضهم قال: الضلال في مقابلة الهدى، والغي في مقابلة الرشد.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ وتحقيق الفرق؛ أن الضلال أعم استعمالا في الوضع، تقول: ضل بعيري ورحلي، ولا تقول: غوى، والمراد من الضلال أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقا مستقيما، والغواية أن لا يكون إلى المقصد طريق مستقيم، ويدل عليه؛ أنه يقال للمؤمن الذي ليس على طريق السداد سفيه غير رشيد، ولا يقال: ضال، فالضال كالكافر، والغاوي كالفاسق، وكأنه تعالى قال: "ما ضل"، أي: ما كفر، ولا أقل من ذلك فما فسقئ، ويؤيده ﴿فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ إذ يقال:стр. 3969
واختلف المفسرون في المراد بالنجم بأقاويل معروفة.
منها: "النجم" على ظاهره، وتكون "أل" لتعريف العهد في قول، ولتعريف الجنس في آخر، وهي النجوم التي يهتدي بها. فقيل: الثريا إذا سقطت وغابت، وهو مروي عن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وعطية. والعرب إذا أطلقت النجم تريد بها الثريا. وعن ابن عباس في رواية عكرمة: النجوم التي ترمى بها
الحواشي
(١) الضلال كالعدم، والغواية كالوجود الفاسد في الدرجة والمرتبة، ويحتمل أن معنى ما ضل ما جن، فإن المجنون ضال، وعلى هذا، فهو كقوله: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ ، وقيل: معنى ما غوى: ما خاب لما طلب، قال:
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما
أي: من خاب في طلبه لامه الناس، فيجوز أن هذا إخبار عما بعد الوحي، وأن يكون إخبارا عن أحواله على التعميم، أي: كان أبدا موحدا لله تعالى، وهو الصحيح.
"واختلف المفسرون في المراد بالنجم بأقاويل معروفة": جمع أقوال، جمع قول، فهو جمع الجمع، عبر به للدلالة على كثرتها، والباء متعلقة بالمفسرين، أو بمقدر من جنسه؛ لأنه يقال: فسره بكذا، فيتعدى بالباء، وهو وإن كان بعيدا أظهر من تقدير اختلافا مصحوبا بأقاويل "منها النجم على ظاهره" سمي الكوكب نجما لطلوعه، وكل طالع نجم، يقال: نجم السن والقرن والنبت، إذا طلع قاله ابن عادل والقرطبي، وزاد: ونجم فلان ببلد كذا.
إذا خرج على السلطان، "وتكون أل لتعريف العهد في قول": والمعهود الثريا أو غيرها كما يأتي "ولتعريف الجنس في آخر، وهي النجوم التي يهتدى بها" في ظلمات البر والبحر، وإلى هذا ذهب أبو عبيدة، قائلا: بأنه من إطلاق الواحد على الجمع، ونقله ابن عطية والماوردي عن الحسن، وقاله غيرهما عن مجاهد، وبه رد قول ابن جرير، هذا التأويل له وجه، ولكن لا أعلم أحدا من أهل التأويل قاله، "فقيل: الثريا" بالمثلثة تفريع على أن أل للعهد، "إذا سقطت وغابت" تفسير لهوى، وهويها مغيبها، وهو مروي عنابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة" سالم مولى بني العباس، سكن حمص، وأرسل عن ابن عباس، ولم يره، صدوق، قد يخطئ، مات سنة ثلاث وأربعين ومائة، "وعطية" بن سعد العوفي، الكوفي، صدوق، يخطئ كثيرا، وكان شيعيا مدلسا، مات سنة إحدى عشرة ومائة، و"العرب إذا أطلقت النجم تريد بها الثريا"، قال الشاعر:
طلع النجم عشاء ... فابتغى الراعي الكساء
وفي الحديث: "ما طلع نجم قط، وفي الأرض من العاهة شيء إلا ارتفع"، رواه أحمد وأوردстр. 3970
الشياطين إذا سقطت في آثارها عند استراق السمع، وهذا قول الحسن، وعن السدي الزهرة، وعن الحسن أيضا النجوم إذا سقطت يوم القيامة.
وقيل: المراد به النبت الذي لا ساق له، و"هوى" أي سقط على الأرض.
وقيل: القرآن، رواه الكلبي عن ابن عباس؛ لأنه نزل نجوما على رسول الله ﷺ ، وهو قول مجاهد ومقاتل والضحاك.
وقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين: هو محمد ﷺ "إذا هوى" أي نزل من السماء ليلة المعراج.
الحواشي
(١) الثريا، واختار هذا القول ابن جرير والزمخشري، وقال السمين: إنه الصحيح؛ لأن هذا صار علما بالغلبة، وقال عمر بن أبي ربيعة:
أحسن النجم في السماء الثريا ... والثريا في الأرض زين النساء
"وعن ابن عباس في رواية عكرمة بن عبد الله البربري، أراد "النجوم التي ترمى بها لاشياطين، إذا سقطت في آثارها"؛ لأن الهوى السقوط من علو، قاله الراغب "عند استراق السمع وهذا قول الحسن"، البصري، وهو تفريع على أن أل جنسية، "وعن السدي" "بضم السين وشد الدال المهملتين" إسماعيل بن عبد الرحمن الكوفي، صدوق، يهم، مات سنة سبع وعشرين ومائة، "الزهرة" بزنة رطبة نجم في السماء الثالثة.
وكذا قال سفيان الثوري: على أن أل عهدية: "وعن الحسن" البصري "أيضا: النجوم إذا سقطت يوم القيامة" فهو بمعنى قوله: وإذا الكواكب انتثرت على إنها جنسية.
وقيل: المراد الشعري على أنها عهدية، "وقيل: المراد به النبت الذي لا ساق له" ومنه: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ الآية، "وهوى، أي: سقط على الأرض" وهذا قول الأخفش، "وقيل: القرآن، رواه الكلبي" محمد بن السائب، "عن ابن عباس؛ لأنه نزل نجوما" أي: أجزاء مقدرة في أوقات، قاله ابن عطية، وفي ابن القيم، أربع آيات وثلاث آيات، والسورة "على رسول الله ﷺ " في ثلاث وعشرين سنة، أو عشرين "بالفاء" مدة الفترة، "وهو قول مجاهد ومقاتل والضحاك" وهوى بمعنى نزل.
وفي هذا القول بعد وتحامل على اللغة قاله ابن عطية، "وقال جعفر" الصادق، لصدقه في مقاله "بن محمد" الباقري، لبقره العلم، "ابن علي" زين العابدين "بن الحسين" السبط، "وهو محمد ﷺ ، إذا هوى، أي: نزل من السماء ليلة المعراج".
قال النعماني: ويعجبني هذا التفسير لملاءمته من وجوه، فإنه ﷺ نجم هداية، خصوصًاстр. 3971
وأظهر الأقوال: -كما قاله ابن القيم- أنها النجوم التي ترمى بها الشياطين، ويكون سبحانه قد أقسم بهذه الآية الظاهرة المشاهدة التي نصبها الله تعالى آية وحفظًا للوحي من استراق الشياطين، على أن ما أتى به رسوله حق وصدق لا سبيل للشيطان ولا طريق له إليه، بل قد حرس بالنجم إذا هوى رصدًا بين يدي الوحي، حرسًا له، وعلى هذا فالارتباط بين المقسم به والمقسم عليه في غاية الظهور، وفي المقسم به دليل على المقسم عليه.
وليس بالبين تسمية القرآن عند نزوله: بالنجم إذا هوى، ولا تسمية نزوله هويًا، ولا عهد في القرآن بذلك، فيحمل هذا اللفظ عليه.
الحواشي
(١) لما هدى إليه من فرض الصلاة تلك الليلة، وقد علمت منزلة الصلاة من الدين، ومنها أنه أضاء في السماء والأرض، ومنها التشبيه بسرعة السير، ومنها أنه كان ليلًا، وهو وقت ظهور النجم، فهو لا يخفي على ذي بصر، وأما أرباب البصائر، فلا يمترون، كالصديق ﵁، وعن جعفر أيضًا أنه قلب محمد ﷺ ، كما في الشفاء، أي: لإشراقه بالأنوار الإلهية، وهو منبعها ومنبع الهداية، وإن كان فيه خفاء، وأبعد منه أنه الصحابة، لحديث: أصحابي كالنجوم، حكاه التجاني، وهو يهم موتهم، "وأظهر الأقوال، كما قاله ابن القيم؛ أنها النجوم التي ترمى بها الشياطين"؛ لأنها تبعد الشياطين عن أهل السماء، والأنبياء يبعدون الشياطين عن أهل الأرض، فناب أن يقسم برجمها عند البعثة، "ويكون سبحانه قد أقسم بهذه الآية، الظاهرة، المشاهدة" بالبصر، "التي نصبها الله تعالى آية وحفظًا للوحي من استراق الشياطين" السمع، فيزيدون فيه، فيكون ما زادوه باطلًا، "على أن ما أتى به رسوله حق وصدق، لا سبيل للشيطان ولا طريق له إليه" "عطف متساوٍ"، "بل قد حرس بالنجم إذا هوى رصدًا" أي: رصدًا له "بين يدي الوحي" يمنعهم عن استماعه "حرسًا له" منهم عطف تفسير لرصدًا، "وعلى هذا، فالارتباط بين المقسم به والمقسم عليه في غاية الظهور"؛ لأن المقسم به هو النجم الذي قصد بسقوطه حفظ الوحي، والمقسم عليه هو نفس الوحي، "وفي المقسم به دليل على المقسم عليه" فإن النجوم التي ترمى بها الشياطين آيات من آيات الله، يحفظ بها دينه ووحيه وآياته المنزلة على رسوله، بها ظهر دينه وشرعه، وأسماؤه وصفاته، وجعلت هذا النجوم المشاهدة حرسًا لهذه النجوم الهاوية، هذا أسقطه من ابن القيم قبل قوله مبينًا لخفاء ما عدا القول الذي استظهره، "وليس بالبين تسمية القرآن عند نزوله بالنجم إذا هوى، ولا تسمية نزوله هويًا" "بضم الهاء وفتحها"، "ولا عهد في القرآن بذلك" أي: تسميته بالنجم، "فيحمل" بالنصب "هذا اللفظстр. 3972
وليس بالبيت تخصيص هذا القسم بالثريا وحدها إذا غابت.
وليس بالبيت أيضًا القسم بالنجوم عند انتشارها يوم القيامة. بل هذا مما يقسم الرب عليه، ويدل عليه بآياته، فلا يجعله نفسه دليلًا لعدم ظهوره للمخاطبين ولا سيما منكرو البعث، فإنه تعالى إنما يستدل بما لا يمكن جحده ولا المكابرة فيه، ثم إنه بين المقسم به والمقسم عليه من المناسبة ما لا يخفى.
فإن قلنا: إن المراد النجوم التي للاهتداء فالمناسبة ظاهرة، وإن قلنا: إن المراد الثريا؛ فلأنه أظهر النجوم عند الرائي؛ لأنه لا يشتبه بغيره في السماء، وهو ظاهر لكل أحد، والنبي ﷺ تميز عن الكل بما منح من الآيات البينات؛ ولأن الثريا إذا ظهرت من المشرق حان إدراك الثمار، وإذا ظهرت من المغرب قرب أوان الخريف فتقل الأمراض، والنبي ﷺ لما ظهر قل الشرك والأمراض القلبية.
الحواشي
(١) عليه" بل قال ابن عطي: إنه تحامل على اللغة مع بعده، "وليس بالبين" أيضًا "تخصيص هذا القسم بالثريا وحدها إذا غابت"؛ لأنه تخصيص بلا مخصص، لكن فيه أن العرب إذا أطلقت النجم، تعني الثريا والقرآن، وأراد بلغتهم، فهو وجه التخصيص، "وليس بالبين أيضًا القسم بالنجوم عند انتشارها" تساقطها متفرقة "يوم القيامة، بل هذا مما يقسم الرب عليه" لا به، "ويدل عليه بآياته، فلا يجعله نفسه دليلًا لعدم ظهوره للمخاطبين، ولا سيما منكرو البعث، فإنه تعالى إنما يستدل بما لا يمكن جحده ولا المكابرة فيه" فيذكر الدليل لمن هو بصدد الإنكار.
قال ابن كثير: وهذا القول له اتجاه، "ثم إنه بين المقسم به والمقسم عليه من المناسبة ما لا يخفى" كلام مستأنف غرضه، به توجه الأقوال التي أسلفها، وإن استظهر واحدًا منها واستبعد غيره، "فإن قلنا: أن المراد النجوم التي للاهتداء، فالمناسبة ظاهرة"؛ لأنه يهتدى بها في معرفة الطرقات وغيرها.
وبالمصطفى من ظلمات الجهل ومعرفة الحق من الباطل، فأقسم بها لما بينهما من المناسبة والمشابهة، قال الرازي: "وإن قلنا أن المراد الثريا؛ فلأنه أظهر النجوم عند الرائي؛ لأنه" لكونه له علامة "لا يشتبه بغيره في السماء، وهو ظاهر لكل أحد، والنبي ﷺ تميز عن الكل بما منح" أي: أعطي "من الآيات البينات" فأقسم به؛ "ولأن الثريا إذا ظهرت من" جهة "المشرق" وقت الفجر، "حان" أي: قرب "إدراك الثمار" أي: طيبها، "وإذا ظهرت من المغرب قرب أوان الخريف، فتقل الأمراض" معناه إنها تظهر بعيد الغروب، بحيث يكون ابتداء ظهورها بين المغرب والعشاء، وتستمر ظاهرة إلى الفجر، "والنبي ﷺ لما ظهر قلстр. 3973
وإن قلنا: إن المراد بها القرآن فهو استدلال بمعجزته ﷺ على صدقه وبراءته، وأنه ما ضل ولا غوى، وإن قلنا: المراد به النبات، فالنبات به نبات القوى الجسمانية وصلاحها، والقوى العقلية أولى بالصلاح، وذلك بالرسل وإيضاح السبل.
وتأمل كيف قال الله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُم﴾ ولم يقل: محمد، تأكيدًا لإقامة الحجة عليهم بأنه صاحبهم، وهو أعلم الخلق به وبحاله وأقواله وأعماله، وأنهم لا يعرفونه بكذب ولا غي ولا ضلال، ولا ينقمون عليه أمرًا واحدًا قط، وقد نبه تعالى على هذا المعنى بقوله : ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُم﴾ [المؤمنون: ٦٩] .
ثم نزه نطق رسوله ﷺ عن أن يصدر عن هوى فقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِق
الحواشي
(١) الشرك والأمراض القلبية" وأدركت الثمار الحكمية، والحكمية هذا بقية المناسبة التي أبداها الإمام الرازي، "وإن قلنا: أن المراد بها القرآن، فهو استدلال بمعجزته ﷺ على صدقه وبراءته، وأنه ما ضل ولا غوى".
زاد الرازي: فهو كقوله: ﴿يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ، "وإن قلنا: المراد به النبات فالنبات به نبات، القوى الجسمانية" أي: المتعلقة بالجسم "بكسر الجيم"، وهو كل شخص مدرك، وقال أبو زيد: الجسم الجسد، "و" به "صلاحها والقوى العقلية"، وهي الصفة التي يميز بها الإنسان الحسن من القبيح، "أولى": أحق "بالصلاح، وذلك بالرسل وإيضاح السبل"، وبعد أن أبدى الرازي هذه المناسبات، قال: ومن هذا يظهر أن المختار هو النجوم التي في السماء؛ لأنه أظهر عند السامع، وقوله: إذا هوى دال عليه، ثم بعده القرآن لما فيه من الظهور، ثم الثريا، "وتأمل كيف، قال الله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُم﴾ ولم يقل محمد تأكيدًا لإقامة الحجة عليهم؛ بأنه صاحبكم" الذي نشأ بين ظهرانيهم، "وهم أعلم الخلق به، وبحاله وأقواله وأعماله، وأنهم لا يعرفونه بكذب، ولا غي، ولا ضلال، ولا ينقمون" "بكسر القاف وفتحها"، لا يعيبون "عليه أمرًا واحدًا قط، وقد نبه تعالى على هذا المعنى، بقوله : ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] الآية، ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ بالأمانة والصدق وحسن الخلق، وكمال العلم مع عدم التعلم، والاستفهام للتقرير بالحق من صدق النبي، ومجيء الرسل للأمم الماضية، ومعرفة رسولهم بما ذكر، فهم له، منكرون دعواه لأحد هذه الوجوه، إذ لا وجه له غيرها، فإن إنكار الشيء قطعًا أو ظنًا إنما يتجه إذا ظهر امتناعه بحسب النوع، أو الشخص، أو بحسب ما يدل عليه أقصى ما يمكن، فلم يوجد، "ثم نزه نطق رسوله ﷺ عن أن يصدر عن هوى" بالقصر المحبة فيстр. 3974
عَنِ الْهَوَى﴾ ولم يقل: وما ينطق بالهوى؛ لأن نفي نطقه عن الهوى أبلغ، فإنه يتضمن أن نطقه لا يصدر عن هوى، وإذا لم يصدر عن هوى فكيف ينطق به، فيتضمن هو الأمرين: نفي الهوى عن مصدر النطق، ونفيه عن النطق نفسه، فنطقه بالحق ومصدره الهدى والرشاد، لا الغي والضلال.
الحواشي
(١) الأصل، ثم أطلق على ميل النفس وانحرافها نحو الشيء، ثم استعمل في ميل مذموم، نحو: اتبع هواه.
قال الرازي: وأحسن ما يقال في تفسيره أنه المحبة، لكن من النفس الأمارة، وحروفه تدل على الدنو والنزول والسقوط، ومنه الهاوية، فالنفس كانت دنية، وتركت المعالي، وتعلقت بالسفاسف، فقد هوت، فاختص الهوى بالنفس الإشارة بالسوء.
قال الشعبي: إنما سمي هوى؛ لأنه يهوى بصاحبه، "فقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ وهذا ترتيب في غاية الحسن، عبر أولًا بالماضي، وهنا بالآتي، أي: ما ضل حين اعتزلكم وما تعبدون، وما غوى حين اختلى بنفسه، وما ينطق عن الهوى الآن حين أرسل إليكم وجعل شاهدًا عليكم، فلم يكن أولًا ضالًا غاويًا، وصار الآن منقذًا من الضلال ومرشدًا وهاديًا، "ولم يقل: وما ينطق بالهوى؛ لأن نفي نطقه عن الهوى أبلغ" من نقي نطقه به، "فإنه يتضمن أن نطقه لا يصدر عن هوى وإذا لم يصدر عن هوى، فكيف ينطق به، فيتضمن هو" أي: نفي صدوره عن الهوى "الأمرين" بالنصب مفعول "نفي الهوى" بالنصب أيضًا بدل مفصل من مجمل، أو الرفع بتقدير، وهما نفي، ولا يصح جره بدلًا من الأمرين؛ لأنهما منفيان لا نفيان "عن مصدر النطق، ونفيه عن النطق نفسه، فنطقه بالحق ومصدره"، أي: محله الذي يصدر عنه هو "الهدى والرشاد، لا الغي والضلال" فعن على بابها.
قال النحاس: وهو أولى، أي: ما يخج نطقه عن رأيه بدليل إن هو.. إلخ، وقيل: بمعنى الباء، أي: ما ينطق بالهوى، وما يتكلم بالباطل، وذلك أنهم قالوا: إنه تقول القرآن من تلقاء نفسه.
قال: ابن القيم نفي الله عن رسوله الضلال المنافي للهدى، والغي المنافي للرشاد، ففي ضمن هذا النفي الشهادة له صلى الله عليه سولم بأنه على الهدى والرشد، فالهدى في علمه، والرشد في عمله، وهذان الأصلان هما غاية كمال العبد، وبهما سعادته وصلاحه، إلى أن قال: فالناس أقسام، ضال في علمه، غاوٍ في قصده وعمله، وهو لا شرار الخلق، وهم مخالفو الرسل، ومهتدي في عمله، وهؤلاء هم الأمة العصبية، ومن تشبه بهم، وهو حال كل من عرف الحق ولم يعمل به، وضال في علمه، ولكن قصده الخير، وهو لا يشعر، ومهتد في علمه، راشد في قصده، وهم ورثةстр. 3975
ثم قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ فأعاد الضمير على المصدر المفهوم من الفعل، أي: ما نطقه إلا وحي يوحى، وهذا أحسن من جعل الضمير عائدًا إلى القرآن، فإنه نطقه بالقرآن والسنة، وإن كليهما وحي يوحى، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣] وهما القرآن والسنة، وذكر الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: كان جبريل ينزل على رسول الله ﷺ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن يعلمه إياها.
الحواشي
(١) الأنبياء، وإن كانوا أقل عددًا، فهم الأكثرون عند الله قدرًا، وصفوته من خلقه، "ثم قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] .
قال الرازي: هذا تكملة للبيان؛ لأنه لما قيل ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ، كان قائلًا قال: فماذا ينطق، أعن الدليل والاجتهاد؟، فقال: لا إنما ينطق عن الله بالوحي وهذا أبلغ مما لو قيل: هو وحي يوحى، وكلمة إن استعملت مكان ما للنفي، كما استعملت ما للشرط مكان أن، "فأعاد الضمير على المصدر المفهوم من الفعل، أي: ما نطقه إلا وحي يوحى" صفة لنفي المجان، أي: هو وحي حقيقة، لا مجرد تسمية، كقولك: هذا قول يقال، قاله في اللباب، "وهذا أحسن من جعل الضمير عائدًا إلى القرآن" ووجه إلا حسنية، بوله: "فإن نطقه بالقرآن والسنة، وأن كليهما وحي يوحى"، أي: لإفادته أن السنة من الوحي، بخلاف عودة على القرآن، فلا يفيد ذلك، "قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ الآية، وهما القرآن والسنة" تفسير الحكمة في أحد الأقوال، ومنه أخذ منع اجتهاده. وأجيب بأنه إذا اجتهد وافق الواقع، ولا يقع منه خطأ، ويقر عليه، وينبه على أنه حق، فصار بمنزلة الوحي، "وذكر الأوزاعي" عبد الرحمن بن عمرو، والفقيه، الثقة، الجليل، المتوفى سنة سبع وخمسين ومائة، "عن حسان بن عطية" المحاربي، مولاهم الدمشقي، ثقة، فقيه، عابد، مات بعد العشرين ومائة، "قال: كان جبريل ينزل على رسول الله ﷺ بالسنة، كما ينزل عليه بالقرآن، يعلمه إياها".
أخرجه الدارمي بإسناد صحيح عنه وهو مرسل؛ لأن حسان بن عطية من صغار التابعين، وله شواهد كثيرة، منها: ما أخرجه أحمد عن أبي أمامة رفعه: "ليدخلن الجنة بشفاعة رجل من أمتي مثل الحيين ربيعة ومضر"، فقال رجل: يا رسول الله، وما ربيعة من مضر؟، فقال: "إنما أقول ما أقول"، وإسناده حسن.
وروى أبو داود وابن حبان، مرفوعًا: "إلا أني أوتيت الكتاب وما يعدله، فرب شبعان على أريكته يحدث بحديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، ما كان فيه من حلال استحللناه، وماстр. 3976
ثم أخبر تعالى عن وصف من علمه الوحي، والقرآن بما يعلم أنه مضاد لأوصاف الشياطين معلمي الضلال والغواية فقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ وهو جبريل، أي قواه العلمية والعملية كلها شديدة، ولا شك أن مدح المعلم مدح للمتعلم. فلو قال: علمه جبريل ولم يصفه لم يحصل للنبي ﷺ به فضيلة ظاهرة. وهذا نظير قوله تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين﴾ [التكوير: ٢٠] كما سيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى.
ثم أخبر عن تصديق فؤاده لما رأته عيناه. وأن القلب صدق العين، وليس كمن رأى شيئًا على خلاف ما هو به، فكذب فؤاده بصره، بل ما رآه ببصره صدقه الفؤاد، وعلم أنه كذلك. وفي حديث الإسراء مزيد لما ذكرته هنا، والله الموفق والمعين.
وقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيم﴾ [التكوير: ١٥] .
الحواشي
(١) "كان فيه من حرام حرمناه، ألا وإنما حرمه رسول الله مثل ما حرم الله"، "ثم أخبر تعالى عن وصف من علمه الوحي والقرآن بما يعلم" "بضم الياء وكسر اللام"؛ "أنه مضاد لأوصاف الشياطين معلمي الضلال والغواية" "بفتح الغين، وفي لغة بكسرها"، على ما في المصباح، ونفاها في القاموس، "فقال: ﴿عَلَّمَهُ﴾ أي: صاحبكم ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ وهو جبريل، أي قواه العلمية والعملية كلها شديدة، ولا شك أن مدح المعلم مدح للمتعلم. فلو قال: علمه جبريل ولم يصفه لم يحصل للنبي ﷺ به فضيلة ظاهرة"، وأيضًا ففيه الوثوق، بقول جبريل؛ لأن قوة الإدراك شرط في الوثوق بقول القائل، وكذا قوة الحفظ والأمانة، فقال: ذلك ليجمع هذه الشروط، "وهذا نظير قوله تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين﴾ [التكوير: ٢٠] الآية، "كما سيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى" قريبًا، "ثم أخبر عن تصديق فؤاده" ﷺ "لما رأته" أبصرته "عيناه، وأن القلب" المعبر عنه بالفؤاد "صدق العين، وليس كمن رأى شيئًا على خلاف ما هو به، فكذب فؤاده بصره، بل ما رآه ببصره صدقه الفؤاد، وعلم أنه كذلك، وفي حديث الإسراء مزيد لما ذكرته هنا، والله الموفق والمعين" لا غيره.
"وقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ بدون ياء لجميع القراء إلا يعقوب، فأثبتها ﴿الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥] الآية، "إلى قوله: ﴿وَمَا هُوَ﴾ أي: القرآن ﴿بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيم﴾ ،стр. 3977
أي: لا أقسم إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم.
أو: فاقسم، و"لا" مزيدة للتأكيد، وهذا قول أكثر المفسرين بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ .
قال الزمخشري: والوجه أن يقال: هي للنفي، أي أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظامًا له، فكأنه بإدخال حرف النفي يقول: إن إعظامي بإقسامي به كلا إعظام، يعني أنه يستأهل فوق ذلك.
أقسم بالنجوم في أحوالها الثلاثة: في طلوعها وجريانها وغربوها، وبانصراف الليل وبإقبال النهار عقيبه من غير فصل، فذكر سبحانه حالة
الحواشي
(١) مرجوم بالكواكب واللعنة، وغير ذلك نفي لقول قريش: إن محمدًا كاهن، "أي: لا أقسم، إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم"، فلا ليست بزائدة عند كثير من المفسرين؛ لأن الأصل عدم الزيادة، "أو فأقسم، ولا مزيدة للتأكيد" والتقوية، "وهذا قول أكثر المفسرين"، وهو أنسب بالمقام، وبما عقد له الفصل، "بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] الآية، إذ الآيتان في بيان شأن القرآن، فهما متوافقتان في المعنى.
"قال الزمخشري: والوجه"، أي: المتجه "أن يقال: هي للنفي" لا زائدة، "أي: أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظامًا له، فكأنه بإدخال حرف النفي يقول: إن إعظامي بأقسامي به كلا إعظام" ولم أوهم اللفظ ما ليس بمراد دفعه، بقوله: "يعني أنه يستأهل"، أي": يستحق "فوق ذلك" وفي ابن عطية: لا إما زائدة، وأما رد لقول قريش: ساحر كاهن ونحوه، وتكذيبهم نبوته ﷺ ، ثم ابتدأ ما بعده، "أقسم بالنجوم في ألآحوالها الثلاثة في طلوعها" المفهوم من الخنس؛ لأنها الكواكب التي تظهر ليلًا، "وجريانها" في سيرها، بقوله: الجوار، "وغروبها" المفهوم من قوله: الكنس، أي: السيارات التي تختفي تحت ضوء الشمس من كنس الوحش، إذا دخل كناسه، وهو بيته المتخذ من أصان الشجر، كما في الأنوار، وفي ابن عطية جمهور المفسرين أن الجوار الدراري السبعة: الشمس، والقمر، وزحل وعطارد، والمريخ، والزهرة، والمشتري.
وقال علي بن أبي طالب: المراد الخمسة دون الشمس والقمر، وذلك؛ لأن هذه الخمسة تخنس في جريانها، أي: تتقهقر وترجع فيما ترى العين، وهي جوار في السماء، وهي تكنس في أبراجها، أي: تستتر.
وقال علي أيضًا، والحسن وقتادة: المراد النجوم كلها؛ لأنها تخنس وتكنس بالنهار حتىстр. 3978
ضعف هذا وإدباره، وحالة قوة هذا وإقباله، يطرد ظلمة الليل بتنفسه، فكلما تنفس هرب الليل وأدبر بين يديه، وذلك من آياته ودلائل ربوبيته أن القرآن قول رسول كريم، وهو هنا جبريل؛ لأنه ذكر صفته قطعًا بعد ذلك بما يعنيه به.
الحواشي
(١) تختفي.
وقال ابن مسعود، والنخعي، وجابر بن زيد، وجماعة: المراد بالخنس الجوار الكنس: بقر الوحش؛ لأنها تفعل هذه الأفعال في كناسها، وهي المواضع التي تأوي إليها من الشجر والغيران ونحوه.
وقال ابن عباس والحسن أيضًا والضحاك: هي الظباء، وذهب هؤلاء في الخنس إلى أنه صفة لازمة؛ لأنه يلزمها الخنس، وكذا في بقر الوحش أيضًا. انتهى.
"وبانصرام الليل"، أي: ذهابه المفهوم من قوله: إذا عسعس، "وبإقبال النهار عقيبه" "بالياء لغة" في عقب "من غير فصل"، المفهوم من قوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّس﴾ [التكوير: ١٨] .
قال ابن عطية: عسعس الليل في اللغة إذا كان غير مستحكم الظلام، فقال الحسن: ذلك وقت إقباله، وبه وقع القسم، وقال زيد بن أسلم، وابن عباس، وعلي، ومجاهد، وقتادة: ذلك عند إدباره، وبه وقع القسم، ويرجع هذا قوله بعد ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّس﴾ ، فكأنهما حالان، ويشهد له قول علقمة:
حتى إذا الصبح لها تنفسا ... وانجاب عنها ليلها وعسعسا
وقال المبرد: أقسم بإقبال الليل ودباره معًا، قال الخليل: يقال: عسعس الليل، وسعسع إذا أقبل وأدبر وتنفس الصبح، استطاروا تسع ضوؤه، قال علوان بن قيس:
وليل دجوجي تنفس فجره ... لهم بعد ما خالوه لن يتنفسا
"فذكر سبحانه حالة ضعف هذا" أي: الليل "وإدباره" من حيث إنه لا يهتدى فيه إلى المصالح الدنيوية، وليس محلًا للسعي والتردد، "وحالة قوة هذا" أي: الصبح، "وإقباله يطرد ظلمة الليل بتنفسه، فكلما تنفس"، أي: زاد نوره "هرب الليل وأدبر بين يديه"، وفي تنفسه قولان: أحدهما: أن في إقبال الصبح روحًا ونسيمًا، فجعل ذلك نفسًا على المجاز الثاني؛ أنه شبه الليل بالمكروب، المحزون، فإذا جعل له التنفس وجد راحة، فكأنه يخلص من الحزن، فعبر عنه بالتنفس، فهو استعارة لطيفة، كما في الخازن، "وذلك من آياته ودلائل ربوبيته" ولذا أقسم به "أن القرآن قول" معمول أقسم، تفسير للضمير في ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ وقول بمعنى مقول، ورسول بمعنى مرسل.
قال ابن عطية: وكريم صفة تقتضي وقع المرام، "وهو هنا جبريل" عند جمهور المتأولين.стр. 3979
وأما "الرسول الكريم" في سورة "الحاقة" فهو محمد ﷺ ، فأضافه إلى الرسول الملكي تارة، وإلى البشري أخرى، وإضافته إليهما إضافة تبليغ، لا إضافة إنشاء من عندهما، ولفظ "الرسول" يدل على ذلك، فإن الرسول هو الذي يبلغ كلام من أرسله، فهذا صريح في أنه كلام من أرسل جبريل ومحمدًا ﷺ ، فجبريل تلقاه عن الله، ومحمد ﷺ تلقاه عن جبريل.
وقد وصف الله تعالى رسوله الملكي في هذه السورة بأنه كريم يعطي أفضل العطايا، وهي العلم والمعرفة والهدى والبر والإرشاد، وهذا غاية الكرم.
وذي قوة، كما قال في النجم: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ فيمتنع بقوته الشياطين أن يدنوا منه وأن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه، وروي أنه رفع قريات قوم
الحواشي
(١) وقال آخرون: هو محمد ﷺ في الآية كلها، والأول أصح؛ "لأنه ذكر صفته قطعًا بعد ذلك بما يعنيه به" على وجه لا يحتمل المراد غيره، "وأما الرسول الكريم في سورة الحاقة فهو محمد ﷺ " لا جبريل؛ لأنه قال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ ، ولا بقول كاهن والمشركون ما كانوا يصفون جبريل بالشعر والكهانة على ما يأتي، "فأضافه" أي: القول "إلى الرسول الملكي تارة، وإلى البشري أخرى، وإضافته إليهما" غير حقيقية، بل "إضافة تبليغ، لا إضافة إنشاء من عندهما، ولفظ الرسول يدل على ذلك، فإن الرسول هو الي يبلغ كلام من أرسله".
"فهذا صريح في أنه كلام من أرسل جبيل ومحمدًا ﷺ ، فجبريل تلقاه عن الله" تلقيًا روحانيًا "بضم الراء" لا يكيف، "ومحمد ﷺ تلقاه عن جبريل، وقد وصف الله تعالى رسوله الملكي في هذه السورة"، أي: التكوير؛ "بأنه كريم، يعطي أفضل العطايا، وهي العلم والمعرفة والهدى والبر والإرشاد، هذا غاية الكرم"، نهايته التي ما بعدها غاية، "وذي قوة، كما قال في النجم ﴿عَلَّمَهُ﴾ أي: صاحبكم ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ ن [النجم: ٥] الآية، العلمية والعملية، "فيمتنع بقوته الشياطين أن يدنوا منه" أي: من القول بأن يريدوا منع جبريل، من إيصاله إلى الرسول، أو منع الرسول من تبليغه للخلق، "وأن يزيدوا فيه، أو ينقصوا منه" شيئًا، ولو قل بل إذا رآه الشيطان هرب منه ولم يقربه.
"وروي" مما يدل على قوته "أنه رفع قريات" "بفتح الراء جمع تصحيح لقرية، بسكون الراء قياسًا"؛ لأن ما كان اسمًا يجمع على فعلات "بالفتح"، كجفنة وجفنات، وما كان صفة يجمع بالسكون، كصعبة وصعبات، والمتبادر من المصباح أنها اسم؛ لأنه قال: القرية كل مكانстр. 3980
لوط على قوادم جناحه حتى سمع أهل السماء نباح كلابها وأصوات بنيها.
﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ أي: متمكن المنزلة، وهذه العندية عندية الإكرام والتشريف والتعظيم.
مطاع، في ملائكة الله تعالى المقربين، يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه، ثم أمين على وحي الله ورسالته، فقد عصمه الله من الخيانة والزلل.
الحواشي
(١) اتصلت به الأبنية واتخذ قرارًا، ويقع على المدن وغيرها، والجمع قرى على غير قياس، أي: جمع التكسير، والتصحيح قريات "قوم لوط على قوادم جناحه" وهي أربع أو عشر ريشات في مقدم الجناح الواحدة، قادمة، كما في القاموس "حتى سمع أهل السماء نباح كلابها" "بضم النون" أصواتها "وأصوات بنيها" وصياح ديكاتها، ثم قلبها عليهم.
روى ابن عساكر عن معاوية، قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل: "ما أحسن ما أثنى عليك ربك ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ ، ما كانت قوتك وما كانت أمانتك، قال: أما قوتي فإني بعثت إلى مدائن قوم لوط، وهي أربع مدائن، وفي كل مدينة أربعمائة ألف مقاتل، سوى الذرارين فحملتها من الأرض السفلى حتى سمع أهل السماء أصوات الدجاج ونباح الكلاب، ثم هويت بهن، فقلبتهن، وأما أمانتي، فلم أومر بشيء فعدوته إلى غيره".
وقال: محمد بن السائب الكلبي: من قوة جبريل أنه اقتلع مدائن قوم لوط من الماء الأسود، فحملها على جناحه حتى رفعها إلى السماء، حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم وصياح ديكتهم، ثم قلبها، ومن قوته أيضا أنه أبصر إبليس يكلم عيسى ابن مريم على بعض عقاب الأرض المقدسة، فنفخه بجناحه نفخة ألقاه بأقصى جبل الهند، ومن قوته أيضًا: صيحته بثمود في عددهم وكثرتهم، فأصبحوا جاثمين خامدين، ومن قوته أيضًا: هبوطه من السماء على الأنبياء، وصعوده في أسرع من طرفة عين ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ الآية، اختلف في تعلق عند ذي العرش، فقيل: متعلق بما قبله، وقيل: متعلق بمكين، "أي: متمكن المنزلة" أيك عظم مبجل، رفيع المقدار عنده، "وهذه العندية عندية الإكرام والتشريف والتعظيم" لاستحالة الحقيقة في الله تعالى: "مطاع في ملائكة الله تعالى المقربين، يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه، ثم" بفتح المثلثة وشد الميم، اسم إشارة للمكان بمعنى هناك، أي: في السماء، كما دل عليه قوله عند ذي العرش، وإشارة البعيد والمقام، ونحوه قول الكشاف: مطاع عند ذي العرش في ملائكته، ويجوز تعلقه بقوله: "أمين" أو بهما "على وحي الله ورسالته" وخصه بذلك؛ لأن المقام يقتضيه، وهو مؤتمن عليه وعلى غيره.
ولذا فسر بمقبول القول، مصدق فيما يقول: "فقد عصمه الله من الخيانة والزلل، فهذهстр. 3981
فهذه خمس صفات تتضمن تزكية سند القرآن، وأنه سماع محمد ﷺ من جبريل، وسماع جبريل من رب العالمين، فناهيك بهذا السند علوًا وجلالة، فقد تولى الله تزكيته بنفسه، ثم نزه رسوله البشري وزكاه مما يقول فيه أعداؤه فقال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ وهذا أمر يعلمونه ولا يشكون فيه، وإن قالوا بألسنتهم خلافه فهم يعلمون أنهم كاذبون.
ثم أخبر عن رؤيته ﷺ لجبريل ﵊، وهذا يتضمن أنه ملك موجود في الخارج يرى بالعيان ويدرك بالبصر، خلافًا لقوم؛ حقيقته عندهم أنه خيال موجود في الأذهان لا في العيان، وهذا مما خالفوا فيه جميع الرسل وأتباعهم، وخرجوا به عن جميع الملل، ولهذا كان تقرير رؤية النبي ﷺ لجبريل أهم من تقريره لرؤية ربه ﵎، فإن رؤيته ﵊ لجبريل هي
الحواشي
(١) خمس صفات" بناء على أن العندية والمكان ليسا بصفتين حقيقتين، فلم يعدهما هنا، ولحظ الزمخشري أن كلا منهما دال على صفة كمال، فعدها سبعًا، وتبعه المصنف في موضعين تقدمًا، وعدها الرازي ستة، فجعل قوله: عند ذي العرش، متعلقًا بقوله: ذي قوة، "تتضمن تزكية سند القرآن، وأنه سماع محمد ﷺ من جبريل، وسماع جبريل من رب العالمين، فناهيك بهذا السند علوًا وجلالة، فقد تولى الله تزكيته بنفسه" أي: ذاته، وفي إطلاق النفس على الله تعالى مقال، "ثم نزه رسوله البشري وزكاه مما يقول فيه أعداؤه" الكفرة، "فقال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] ، "وهذا أمر يعلمونه ولا يشكون فيه، وإن قالوا بألسنتهم خلافه" استكبارًا وعنادًا، "فهم يعلمون" تحقيقًا "أنهم كاذبون" وإنما حملهم عليه البغي والعناد، "ثم أخبر عن رؤيته ﷺ لجبريل ﵊"، بقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ ، قال ابن عطية: ضمير رآه لجبريل، وهذه الرؤية كانت بعد أمر غار حراء حين رآه على كرسي بين السماء والأرض، وقيل: هي رؤيته عند سدرة المنتهى في الإسراء، وسمي ذلك الموضع أفقًا تجوزًا وقد كانت لرسول الله ﷺ رؤية ثالثة بالميدنة، وليست هذه ووصفه بالمبين؛ لأنه روى أنه كان في المشرق من حيث تطلع الشمس، قاله قتادة، وأيضًا فكل أفق فهو في غاية البيان، "وهذا يتضمن أنه ملك موجود في الخارج، يرى بالعيان" بكسر العين "ويدرك بالبصر خلافًا لقوم حقيقته عندهم أنه خيال موجود في الأذهان لا في العيان وهذا مما خالفوا فيه جميع الرسل وإتباعهم، وخرجوا به عن جميع الملل، ولهذا كان تقرير" إثبات وبيان "رؤية النبي ﷺ لجبريل أهم من تقريره لرؤية ربه ﵎، فإن رؤيته ﵊ لجبريل هي أصل الإيمان،стр. 3982
أصل الإيمان لا يتم إلا باعتقادها، ومن أنكرها كفر قطعًا، وأما رؤيته لربه تعالى فغايتها أن تكون مسألة نزاع لا يكفر جاحدها بالاتفاق. وقد صرح جماعة من الصحابة بأنه لم يره، فنحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى، وإن كانت رؤية الرب أعظم من رؤية جبريل، فإن النبوة لا تتوقف عليها البتة.
ثم نزه رسوليه كليهما صلى الله عليهما وسلم، أحدهما بطريق النطق، والثاني بطريق اللزوم عما يضاد مقصود الرسالة من الكتمان الذي هو الضنة والبخل والتبديل والتغيير الذي يوجب التهمة، فقال: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ فإن الرسالة لا يتم مقصودها إلا بأمرين: إذاعتها من غير كتمان وأدائها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان.
الحواشي
(١) لا يتم إلا باعتقادها، ومن أنكرها كفر قطعًا" لجحده ما انبنى عليه الإيمان، "وأما رؤيته لربه تعالى فغايتها أن تكون مسألة نزاع" خلاف بين العلماء من الصحابة، فمن بعدهم "لا يكفر جاحدها بالاتفاق. وقد صرح جماعة من الصحابة بأنه لم يره، فنحن إلى تقرير" إثبات " رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى، وإن كانت رؤية الرب أعظم من رؤية جبريل، فإن النبوة لا تتوقف عليها البتة"، بقطع الهمزة، وقد ضعف أيضًا كون ضمير رآه لله تعالى؛ بأنه قول غريب، لم ينقل عن أ؛ د ممن يعتمد عليه، ويأباه كل الآباء قوله: ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ ، سواء كان نواحي السماء، أو حيث تطلع الشمس، إذ لم يقل أحد أنه رأى ربه بالأفق، وأجيب بأن رؤيته بالأفق كاستوى على العرش، والمراد بالأفق الذي فوق السماء السابعة، أو المراد به المنزلة العالية، كما أشار إليه الإمام الرازي.
وقولهم: لم يقل به أحد يرده أنه روى عن ابن مسعود، "ثم نزه رسوليه كليهما صلى الله عليهما وسلم، أحدهما بطريق النطق، والثاني بطريق اللزوم"، إذ يلزم من نفيه عن أحدهما صريحًا، نفيه عن الآخر؛ لأنه تلقاه منه أو عنه "عما يضاد" يخالف "مقصود الرسالة من الكتمان الذي هو الضنة" "بكسر المعجمة وشد النون"، "والبخل" تفسير، "والتبديل والتغيير الذي يوجب التهمة، فقال: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ "، أي: ما غاب عن الحس الذي أخبر به، أو ما هو وسائر الأنبياء على أخبار الغيب، فيشمل الذات والصفات والقرآن ويستدل به على غيره أو المراد ما غاب عن علمكم فيشمل أخباره عن المشاهد، والغائب "فإن الرسالة لا يتم مقصودها إلا بأمرين: إذاعتها من غير كتمان، وأدائها وأدائها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان"،стр. 3983
والقراءتان كالآيتين، فتضمنت إحداهما -وهي قراءة الضاد- تنزهه عن البخل، فإن الضنين: البخيل، يقال: ضننت به أضن، بوزن: بخلت به أبخل ومعناه، وقال ابن عباس: ليس ببخيل بما أنزل الله، وقال مجاهد: لا يضن عليهم بما يعلم.
وأجمع المفسرون على أن الغيب ههنا: القرآن بالوحي.
قال الفراء: يقول تعالى: يأتيه غيب من السماء وهو منفوس فيه، فلا يضن به عليكم.
وهذا معنى حسن جدًا، فإن عادة النفوس الشح بالشيء النفيس، ولا سيما عمن لا يعرف قدره، ومع هذا فالرسول ﷺ لا يبخل عليكم بالوحي الذي هو أنفس شيء وأجله.
وقال أبو علي الفارسي: المعنى يأتيه الغيب فيبينه ويخبر به ويظهره ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده ويخفيه حتى يأخذ عليه حلوانًا.
الحواشي
(١) إذا لو فرض زيادة أو نقص أو كتم ما حصل المقصود، "والقراءتان كالآيتين، فتضمنت أحداهما، وهي قراءة الضاد" قراءة نافع وعاصم وحمزة وابن عامر، "تنزهه عن البخل، فإن الضنين البخيل، يقال: ضننت به أضن" "بفتح الضاد"، "بوزن بخلت به أبخل، ومعناه" عطف على بوزن فبابه فرح.
زاد المصباح: وفي لغة من باب ضرب، "وقال ابن عباس: ليس ببخيل بما أنزل الله" بل يبلغه، "وقال مجاهد: لا يضن عليهم بما يعلم"، وهو قريب من تفسير ابن عباس، أو أعم إن خص ما أنزل بالقرآن، "وأجمع المفسرون على أن الغيب ههنا القرآن بالوحي".
"قال الفراء": يحيى بن زياد بن عبد الله الأسدي، أبو زكريا الكوفي، نزيل بغداد النحوي المشهور. ومات سنة سبع ومائتين، قيل له الفراء؛ لأنه كان يفري الكلام، وهو صدوق في الحديث، علق عنه البخاري، "يقول تعالى: "يأتيه غيب من السماء وهو منفوس" أي: مرغوب "فيه، فلا يضن" "بفتح الضاد وتكسر"، لا يبخل "به عليكم، وهذا معنى حسن جدًا، فإن عادة النفوس الشح بالشيء النفيس، ولا سيما عمن لا يعرف قدره، ومع هذا فالرسول ﷺ لا يبخل عليكم بالوحي، الذي هو أنفس شيء وأجله".
"وقال أبو علي" الحسن بن أحمد "الفارسي" الإمام المشهور، المتوفي سنة سبع وسبعين وثلاثمائة: "المعنى: يأتيه الغيب فيبينه ويخبر به، ويظهره ولا يكتمه، كما يكتم الكاهن ما عنده ويخفيه، حتى يأخذه عليه حلوانًا" بضم فسكون عطاء اسم من حلوته أحلوه.стр. 3984
وأما قراءة من قرأ بظنين بالظاء فمعناه: المتهم، يقال: ظننت زيدًا بمعنى اتهمته وليس هو من الظن الذي هو الشعور والإدراك، فإن ذلك يتعدى إلى مفعولين، والمعنى: وما هذا الرسول على القرآن بمتهم، بل هو أمين فيه لايزيد فيه ولا ينقص منه.
وهذا يدل على أن الضمير فيه يرجع إلى محمد ﷺ ؛ لأنه قد تقدم وصف الرسول الملكي بالأمانة ثم قال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُون﴾ ثم قال: وما هو: أي وما صاحبكم بمتهم ولا بخيل فنفي سبحانه عن رسوله ﷺ ذلك كله، وزكى سند القرآن أعظم تزكية، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
وقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ، وَمَا لَا تُبْصِرُونَ، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٣٨] . أقسم تعالى بالأشياء، ما يبصر منها وما لا يبصر، وهذا أعم قسم وقع في القرآن، فإنه يعم العلويات والسفليات، والدنيا والآخرة، وما يرى وما
الحواشي
(١) "وأما قراءة من قرأ بظنين بالظاء" كأبي عمرو، والكسائي، وابن كثير: "فمعناه: المتهم، يقال: ظننت زيدًا بمعنى اتهمته" فيتعدى إلى مفعول واحد، "وليس هو من الظن الذي هو الشعور والإدراك، فإن ذلك يتعدى إلى مفعولين"، كظننت زيدًا قائمًا، "والمعنى: وما هذا الرسو على القرآن بمتهم" فالنفي فيه، كالنفي في لا ريب فيه، "بل هو أمين فيه لايزيد فيه ولا ينقص منه، وهذا يدل على أن الضمير فيه"، أي: قوله هو "يرجع إلى محمد ﷺ ؛ لأنه قد تقدم وصف الرسول الملكي" جبريل "بالأمانة ثم قال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُون﴾ " يعني محمدًا بإجماع، "ثم قال: وما هو: أي وما صاحبكم بمتهم ولا بخيل" على القراءتين.
ورجح أبو عبيدة قراءة الظاء مشالة بأن قريشًا لم تبخل محمدًا ﷺ ، وإنما كذبته، "فنفى سبحانه عن رسوله ﷺ ذلك كله، وزكى سند القرآن أعظم تزكية" فلا يطلب بعد تزكية الله تزكية؛ لأنها أعظمها، "والله يقول الحق" ماله حقيقة عينية مطابقة له الآية، "وهو يهدي السبيل" سبيل الحق، "وقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ﴾ "، تشاهدون بالبصر " ﴿وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ المغيبات ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ " [الحاقة: ٣٨] ، "أقسم تعالى" تصريح بأن لا زائدة للتأكيد، قيل: نافية، أي: لا أقسم بذلك، وإن كان يستحق أن يقسم به لوضوح الأمر عن الاحتياج إلى قسم واستغنائه عن التحقيق بالقسم، وقيل: فلا رد لما تقدم من أقوال الكفار، واستأنف أقسم وقرأ الحسن، فلا قسم بلام القسم "بالأشياء، ما يبصر منها وما لا يبصر، وهذا أعم قسم وقع في القرآن، فإنه يعم العلويات والسفليات، والدنيا والآخرة، وما يرى وماстр. 3985
لا يرى ويدخل في ذلك الملائكة كلهم والجن والإنس والعرش والكرسي واللوح والقلم، وكل مخلوق، وذلك كله من آيات قدرته وربوبيته، ففي ضمن هذا القسم أن كل ما يرى وما لا يرى آية ودليل على صدق رسول الله ﷺ ، وأن ما جاء به هو من عند الله تعالى وهو كلامه تعالى، لا كلام شاعر ولا مجنون ولا كاهن، وأنه حق ثابت كما أن سائر الموجودات ما يرى منها وما لا يرى حق، كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ فكأنه يقول: إنه القرآن حق كما أن ما تشاهدونه من الخلق وما لا تشاهدونه حق موجود، ويكفي الإنسان من جميع ما يبصره وما لا يبصره "نفسه" ومبدأ خلقه
الحواشي
(١) لا يرى"، دخل فيه الخالق وصفاته تعالى، كما في الخازن غيره.
"ويدخل في ذلك الملائكة كلهم والجن والإنس والعرش والكرسي واللوح والقلم، وكل مخلوق" وحيث شمل ذلك كله، فالحمل عليه أولى من الحمل على بعضه، فقيل: الدنيا والآخرة، أو ما على ظهر الأرض وبطنها، أو الأجساد، والأرواح، أو الإنس والجن، أو الخلق والخالق، أو النعم الظاهرة والباطنة، أو ما أظهره الله من مكنون غيبه، واللوح والقلم، وجميع خلقه، وما لا تبصرون ما استأثر بعلمه، فلم يطلع عليه أحدًا من خلقه، "وذلك كله من آيات قدرته وربوبيته، ففي ضمن هذا القسم أن كل ما يرى وما لا يرى آية ودليل على صدق رسول الله ﷺ "، قد يتوقف فيه بأن كثيرًا من المخلوقات ليس فيه دلالة على ذلك، كذات السماء مثلًا، اللهم إلا أن يقال: الأقسام بها دليل عظمتها، وكمالها، ففيها دلالة على صدق المصطفى من حيث الأخبار عن الله أنه إنما خلق السماوات وغيرها لأجله ﷺ ، أو أن الأقسام بكل واحدة منها من حيث تعلق الأقسام به يثبت صدقه فيما جاء به، "وأن ما جاء به هو من عند الله تعالى وهو كلامه تعالى، لا لام شاعر ولا مجنون ولا كاهن" كما زعموا، "وأنه حق ثابت كما أن سائر الموجودات ما يرى منها وما لا يرى حق، كما قال"، أي: ونظير ذلك قوله تعالى: " ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ﴾ " أي: ما توعدونه " ﴿لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ " [الذاريات: ٢٣] ، يرفع مثل صفة، وما زائدة، وبفتح اللام مركبة مع ما المعنى مثل نطقكم في حقيته، أي: معلوميته عندكم ضرورة صدوره عنكم، فوجه التنظير بهذه الآية، أنه أقسم برب السماء والأرض على أن ما توعدوه حق، كما أن نطقكم الذي تأتون به حق لا تشكون فيه، "فكأنه يقول: إنه" أي: "القرآن" الذي رجع إليه ضمير إنه لقول رسول كريم "حق كما أن ما تشاهدونه من الخلق وما لا تشاهدونه حق موجود"، فلا وجه للإنكار، "ويكفي الإنسان من"، كذا في بعض النسخ الصحيحة من التي للبدل، وهو الصوابстр. 3986
ونشأته وما يشاهده من أحواله ظاهرًا وباطنًا، ففي ذلك أبين دلالة على وحدانية الرب وثبوت صفاته وصدق ما أخبر به رسوله الله ﷺ ، ومن لم يباشر قلبه ذلك حقيقة لا تخالط بشاشة الإيمان قلبه.
ثم أقام سبحانه البرهان القاطع على صدق رسوله ﷺ ، وأنه لم يتقول عليه فيما قاله، وأنه لو تقول عليه وافترى لما أقره ولعاجله بالإهلاك، فإن كمال علمه وقدرته وحكمته يأبى أن يقر من تقول عليه وافترى عليه، وأضل عباده واستباح دماء
الحواشي
(١) الواقع في أصله ابن القيم، وفي غالب النسخ مع، ولا معنى لها، إذ المعنى بدل "جميع ما يبصره ولا يبصره نفسه" كما قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] ، أي: وفي أنفسكم أيضًا آيات من مبدأ خلقكم لي، منتهاه وما في تركيب خلقكم من العجائب، أفلا تبصرون ذلك فتستدلون به على صانعه وقدرته "ومبدأ خلقه ونشأته وما يشاهده من أحواله ظاهرًا وباطنًا"، إذ ما في العالم شيء إلا وفي الإنسان له نظير تدل ذاته على ما انفرد به من الهيئات النافعة والمناظر البهية والتركيبات العجيبة والتمكن من الأفعال الغريبة واستنباط الصنائع المختلفة واستجماع الكمالات المتنوعة، كما في البيضاوي، "ففي ذلك أبين دلالة على وحدانية الرب".
كذا في نسخ صحيحة متعددة، وهو الذي في أصله ابن القيم خلاف ما في بعضها أبين دلالة الرب، فإنه خطأ نشأ عن سقط "وثبوت صفاته وصدق ما أخبر به رسوله ﷺ ، ومن لم يباشر قلبه ذلك حقيقة لم تخالط بشاشة الإيمان"، أي: طلاقة الوجه والتلطف بالضعفاء وحسن السيرة مع المؤمنين "قلبه" من إضافة المسبب إلى السبب، أي: لم تخالط البشاشة الناشئة عن الإيمان قلبه أو شبه الإيمان بإنسان حسن الأخلاق، كامل التودد والصدقة لإخوانه، وأثبت له ما هو من خواصه، وهو البشاشة تخييلًا، "ثم" بعد أن أثبت بالقسم أنه قول رسول كريم، ونفى عنه أقوال الكفرة، بقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ، وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، "أقام سبحانه البرهان" الدليل "القاطع على صدق رسوله ﷺ ، وأنه لم يتقول عليه فيما قاله"، بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ ، قال الكشاف: سمي الإفتراء تقولًا؛ لأنه قول متكلف، والأقوال المفتراة أقاويل تحقيرًا لها، كأنها جمع أفعولة من القول، كالأضاحيك، "وأنه لو تقول عليه وافترى" عطف تفسير "لما أقره، ولعاجله بالإهلاك" أي: عجل إهلاكه، "فإن كمال علمه وقدرته وحكمته يأبى أن يقر من تقول عليه" ما لم يقل، "وافترى عليه وأضل عباده، واستباح دماء من كذبه، وحريمهم" نساءهم "وأموالهم، فكيف يليق بأحكم الحاكمينстр. 3987
من كذبه وحريمهم وأموالهم، فكيف يليق بأحكم الحاكمين وأقدر القادرين أن يقر على ذلك، بل كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بهم، بسفك دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم قائلًا: إن الله أمرني بذلك، وأباحه لي؟ بل كيف يليق به أن يصدقه بأنواع التصديق كلها، فيصدقه بإقراره، وبالآيات المستلزمة لصدقه، ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها، فكل آية على انفرادها مصدقة له، ثم يقيم الدلالة القاطعة على أن هذا قوله وكلامه، فيشده له بإقراره وفعله وقوله، فمن أعظم المحال وأبطل الباطل، وأبين البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين أن يفعل ذلك.
والمراد بالرسول الكريم هنا محمد ﷺ -كما قدمته-؛ لأنه لما قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم﴾ ذكره بعده "إنه ليس بقول شاعر ولا كاهن" والمشركون ما كانوا يصفون جبريل ﵇ بالشعر والكهانة.
الحواشي
(١) وأقدر القادرين أن يقر على ذلك" لا فهو استفهام بمعنى النفي، "بل" إضراب انتقالي لا إبطالي، "كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بهم" أي: المكذبين له "بسفك دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم قائلًا: إن الله أمرني بذلك، وأباحه لي" استفهام بمعنى النفي أيضًا: أي: لا يكون ذلك، "بل" للإضراب الانتقالي أيضًا، "كيف يليق به أن يصدقه بأنواع التصديق كلها، فيصدقه بإقراره" على ما فعله فيهم من سفك دمهم وغيره، "وبالآيات" المعجزات، "المستلزمة لصدقه،
ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها، فكل آية" علامة ومعجزة "على انفرادها مصدقة له، ثم يقيم الدلالة القاطعة على أن هذا قوله وكلامه، فيشهد له بإقراره وفعله وقوله، فمن أعظم المحال وأبطل الباطل، وأبين البهتان" أي: افتراء الكذب، "أن يجوز على أحكم الحاكمين أن يفعل ذلك" ففي ذلك كله أبين الدلالة على صدقه ﷺ ، "والمراد بالرسول الكريم هنا محمد ﷺ " في قول جماعة من أهل التفسير، "كما قدمته" في الآية التي قبل هذه، وأضيف إليه؛ لأنه بلغه، وقال جماعة منهم: هو جبريل، والأول أصح؛ "لأنه لما قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم﴾ ذكره بعده "إنه ليس بقول شاعر ولا كاهن" والمشركون ما كانوا يصفون جبريل ﵇ بالشعر والكهانة، وأجيب بأنه يصح إرادة جبريل من حيث إن المشركين كانوا يصفون القول نفسه بأنه شعر وكهانة وإن لم يلحظوا قائله.
قيل: ذكر الإيمان مع نفي الشاعرية، والتذكير مع نفي الكاهنية؛ لأن عدم مشابهة القرآنстр. 3988
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ، لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٥-٧٧] .
الحواشي
(١) الشعر لا ينكره إلا معاند، بخلاف مباينة الكهانة، فتتوقف على تذكر أحواله ﷺ ومعاني القرآن النافية لطريقة الكهنة، ومعاني أقوالهم وأنت خبير بأن ذلك أيضًا مما يتوقف على قائل قطعًا.
كذا في بعض التفاسير والله أعلم، "ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ قيل: لا زائدة، والمعنى: فأقسم، وزيادتها في بعض المواضع معروفة، نحو: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَاب﴾ ، فهي مؤكدة تعطي في القسم مبالغة ما، وهي كاستفتاح كلام، مشبهة في القسم إلا في سائر الكلام، القسم وغيره، ومنه قوله فلا، وأبى أعدائه لا إخوانها، المعنى، وأبى أعدائها، وله نظائر، وقرأ الحسن: فلا أقسم، بلا ألف، أي: فلا أنا أقسم، وقال سعيد بن جبير وبعض النحاة، نافية كأنه، قال: لا صحة لما يقوله الكفرة، ثم ابتدأ أقسم ﴿بِمَوَاقِعِ﴾ بالجمع قراءة الجمهور، وقرأ عمرو بن مسعود، وابن عباس، وأهل الكوفة وحمزة والكسائي، بموقع، بالإفراد مرادًا به الجمع، ونظيره كثير، ومنه أن أنكر الأصوات لصوت الحمير، جمع من حيث إن لكل حمار صوتًا مختصًا، وأفرد من حيث إن الأصوات كلها نوع " ﴿النُّجُومِ﴾ ".
قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد وغيرهم: هي نجوم القرآن التي نزلت على النبي ﷺ ، وذلك؛ لأنه نزل في ليلة القدر إلى سماء الدنيا، وقيل: إلى البيت المعمول جملة واحدة، ثم نزل بعد ذلك على المصطفى نجومًا مقطعة في عشرين سنة.
قال ابن عطية: ويؤيده عود الضمير في أنه إلى القرآن، فإنه لم يتقدم ذكره إلا على هذا التأويل، ومن قال بغيره، قال: الضمير عائد على القرآن، وإن لم يتقدم ذكره لشهرة الأمر ووضوح الحق، كقوله: حتى توارت وكل من عليها.
وقال جمهور المفسرين النجوم هنا الكواكب المعروفة واختلف في مواقعها، فقال مجاهد وأبو عبيدة: مواقعها عند غروبها وطلوعها.
وقال قتادة: مواضعها من السماء. وقيل: مواضعها عند الانقضاض أثر الجن.
وقال الحسن: مواقعها عند الانكدار يوم القيامة. انتهى، وهو ظاهر في أن للإضافة على بابها، وأن الأقسام، إنما هو بمواقعها لا بذواتها، وتجويز أنه من إضافة الصفة للموصوف، أي: بالنجوم حين سقوطها خلاف الأصل، وظاهر اللفظ، وكلام المفسرين: " ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ " تأكيد للأمر وتقييد من المقسم به لا اعتراض، بل معنى قصد التتميم به، وإنما الاعتراض " ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ " وقيل: أنه اعتراض، وأن لو تعلمون اعتراض في اعتراض، والتحرير ما ذكرناه، قاله ابن عطية: " ﴿عَظِيمٌ﴾ " أي: من ذوي العلم لعلمتم عظم هذا القسم، " ﴿إِنَّهُ﴾ " أي: المتلو عليكم " ﴿لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ "، هو الذي وقع القسم عليه، ووصفه بالكرم إثباتًا.стр. 3989
فقيل: المراد بـ"الكتاب" اللوح المحفوظ.
قال ابن القيم: والصحيح أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة، وهو المذكور في قوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] ، قال مالك: أحسن ما سمعت في هذه أنها مثل الذي في "عبس"، قال: ومن المفسرين من قال: إن المراد أن المصحف لا يمسه إلا طاهر، والأول أرجح؛ لأن الآية سيقت تنزيهًا للقرآن أن تتنزل به الشياطين، وأن محله لا تصل إليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠] وأيضًا: فإن قوله: ﴿لَا يَمَسُّه﴾ بالرفع، فهذا خبر لفظًا ومعنى، ولو كان
الحواشي
(١) لصة المدح له، ودفعًا لصفات الحطيطة عنه، " ﴿فِي كِتَابٍ﴾ " مكتوب " ﴿مَكْنُونٍ﴾ " مصون " ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ الآية"، تنزيل من رب العالمين.
واختلف في الكتاب بعد الاتفاق على أن المكون المصون، كما قال ابن عطية: "فقيل: المراد بـ"الكتاب" اللوح المحفوظ".
"قال ابن القيم: والصحيح أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة، وهو المذكور في قوله": ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَه﴾ ، " ﴿فِي صُحُفٍ﴾ خبر ثان؛ لأنها وما قبله اعتراض ﴿مُكَرَّمَةٍ﴾ عند الله، " ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ " في السماء، " ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ " منزهة عنه مس الشياطين، " ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ"﴾ ، كتبه، ينسخونها من اللوح المحفوظ، " ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ " مطيعين لله وهم الملائكة.
"قال مالك" الإمام: "أحسن ما سمعت في هذه" الآية في كتاب مكنون، "إنها مثل الذي في" صورة عبس، استدلال لما صححه.
"قال" ابن القيم: "ومن المفسرين من قال: إن المراد أن المصحف لا يمسه إلا طاهر" من الحديث، "والأول أرجح" عند غيره، يعني اللوح المحفوظ، إذ هو الأول في كلامه، ولا يخالفه قوله في الثاني؛ أنه الصحيح؛ لأنه عند نفسه، ويؤيد ذلك قول ابن القيم الخامس، أي: من التراجيح؛ أن وصفه بكونه مكنونًا نظير وصفه بكونه محفوظًا، فقوله: ﴿لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ ، كقوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ ، الآية؛ "لأن الآية سيقت تنزيهًا للقرآن أن تتنزل به الشياطين، وأن محله لا تصل إليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ﴾ " بالقرآن " ﴿الشَّيَاطِينُ، وَمَا يَنْبَغِي﴾ " بصلح " ﴿لَهُمْ﴾ " أن ينزلوا به، " ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ " ذلك، والقرآن يفسر بعضه بعضًا، فترجح كون المراد ما بأيدي الملائكة.
"وأيضًا فإن قوله: ﴿لَا يَمَسُّه﴾ بالرفع، فهذا خبر لفظًا ومعنى، ولو كان نهيًا لكان مفتوحًا،стр. 3990
نهيًا لكان مفتوحًا. ومن حمل الآية على النهي احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النهي، والأصل في الخبر والنهي حمل كل منهما على حقيقته، وليس ههنا موجب يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النهي، انتهى ملخصًا.
وهذا الذي قاله ابن القيم قد تمسك به جماعة منهم داود بن علي بأنه يجوز من المصحف للمحدث.
وأجاب ابن الرفعة في "الكفاية" عن أدلته المزخرفة فقال ما نصه: القرآن لا يصح مسه، فعلم أن المراد به الكتاب الذي هو أقرب المذكورين، ولا يتوجه النهي إلى اللوح المحفوظ؛ لأنه غير منزلن ومسه غير ممكن، ولا يمكن أن يكون
الحواشي
(١) ومن حمل الآية على النهي احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النهي"، فقال: إنه خبر بمعنى النهي، وضمة السين ضمة إعراب، وقيل: هو نهي، وضمة السين ضمة بناء لا إعراب، "والأصل في الخبر، والنهي حمل كل منهما على حقيقته، وليس ههنا موجب يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النهي" بل الموجب موجود، وهو اجتماع النفي والإثبات. "انتهى" ما أراد نقله من كلام ابن القيم حال كونه "ملخصًا" بمعنى محذوفًا منه ما لم يرد نقله، وإلا فهو قد ذكر كلامًا طويلًا، من جملته عشرة أوجه في ترجيح أنه الذي بأيدي الملائكة، منها الوجهان المذكوران في المصنف، "وهذا الذي قاله ابن القيم قد تمسك به جماعة، منهم: داود بن علي بن خلف، الحافظ، المجتهد، أبو سليمان الأصفهاني، البغدادي، فقيه أهل الظاهر، ولد سنة اثنتين ومائتين، وأخذ عن إسحاق وابي ثور، وسمع القعنبي، وحدث عنه ابنه محمد وزكريا الساجي، وصنف التصانيف، وكان بصيرًا بالحديث صحيحه وسقيمه، إمامًا، ورعا، ناسكًا، زاهدًا، كان في مجلسه أربعمائة طيلسان، مات في رمضان سنة ثمانين ومائتين، "بأنه يجوز من المصحف للمحدث"؛ لأن الآية لم ترد فيه إنما وردت في اللوح، أو الذي بأيدي الملائكة، لكن ولو قلنا بذلك لا دلالة فيها على جواز مس المصحف للمحدث، إذ هو مسكوت عنه.
"وأجاب ابن الرفعة في الكفاية" شرح التنبيه للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، كتاب واسع كبير، "عن أدلتهم المزخرفة" أي: المزينة بما يروجها، "فقال ما نصه القرآن لا يصح مسه" وإنما يمكن من النقوش الدالة عليه، "فعلم أن المراد به الكتاب الذي هو أقرب المذكورين" وهما القرآن الكريم والكتاب المكنون، "ولا يتوجه النهي إلى اللوح المحفوظ"، ولا إلى صحف الملائكة؛ "لأنه غير منزل، ومسه غير ممكن، ولا يمكن أن يكون المراد بالمطهرونстр. 3991
المراد بالمطهرون الملائكة؛ لأنه قد نفى وأثبت وكأنه قال: يمسه المطهرون ولا يمسه غير المطهرين، والسماء ليس فيها غير مطهر بالإجماع، فعلم أنه أراد: بالمطهرين الآدميين، وبين ذلك ما روي أنه ﵊ قال في كتاب عمرو بن حزم المروي في الدارقطني وغيره: "ولا تمس القرآن إلا وأنت على طهر" ثم قال، فإن قيل: قد قال الواحدي أن أكثر أهل التفسير على أن المراد اللوح المحفوظ، وأن المطهرين الملائكة، ثم لو صح ما قلتم لم يكن فيها دليل؛ لأن قوله: لا يمسه بضم السين، ليس نهيًا عن المراد ولو كان نهيًا لكان بفتح السين، فهو إذًا خبر.
قلنا: أما قول أكثر المفسرين فهو معارض بقول الباقين، والمرجع إلى الدليل.
الحواشي
(١) الملائكة؛ لأنه قد نفي" بقوله: لا يمسه، "وأثبت" بقوله: إلا المطهرون، "وكأنه قال: يمسه المطهرون، ولا يسمه غير المطهرين، والسماء ليس فيها غير مطهر بالإجماع" فحمله على الملائكة يلزم منه انقسامهم لمطهر وغيره، وهو خلاف الإجماع، "فعلم" بذلك، "أنه أراد بالمطهرين الآدميين".
وتعين أنه أراد بكتاب المصحف، "ويبين ذلك" ويزيده وضوحًا "ما روي أنه ﵊ قال في كتاب عمرو" "بفتح العين" "ابن حزم" بن زيد بن لوذان الأنصاري يكنى أبا الضحاك، شهد الخندق وما بعدها، واستعمله النبي ﷺ على نجران، وروى عنه كتابًا، كتبه له فيه الفرائض والزكاة والديات وغير ذلك، وعنه ابنه محمد وجماعة، قال أبو نعيم: مات في خلافة عمر، وكذا قال إبراهيم بن المنذر، ويقال: بعد الخمسين قال في الإصابة: وهو أشبه بالصواب، ففي مسند أبي يعلى برجال ثقات؛ إنه كلم معاوية في أمر بيعته ليزيد بكلام قوي، وفي الطبراني وغيره أنه روى لمعاوية ولعمرو بن العاصي حديث: "يقتل عمارًا الفئة الباغية".
"المروي في الدارقطني وغيره" كأبي داود، والنسائي، وابن حبان، والدارمي: "ولا تمس القرآن إلا وأنت على طهر" فهذا نص صريح في المطلوب، وإن احتملت الآية، "ثم قال" ابن الرفعة: "فإن قيل: قد قال: الواحدي: إن أكثر أهل التفسير على أن المراد اللوح المحفوظ، وأن المطهرين الملائكة، ثم لو صح ما قلتم" إن المراد المصحف، والمطهرون بنو آدم، "لم يكن فيها دليل" على حرمة مسه للمحدث؛ "لأن قوله: لا يمسه بضم السين، ليس نهيًا عن المراد، ولو كان نهيًا لكان بفتح السين، فهو إذا خبر" لا دلالة فيه على الحرمة، "قلنا: أما قول أكثر المفسرين، فهو معارض بقول الباقين، والمرجع إلى الدليل".стр. 3992
وأما كون المراد بالآية الخبر، فجوابه: أن نقول: اللفظ لفظ الخبر ومعناه النهي، وهو كثير في القرآن، قال الله تعالى: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٢٣] ، ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . انتهى.
وأجاب العلامة البساطي في شرحه لمختصر الشيخ خليل: بأن يمسه مجزوم، وضم السين لأجل الضمير، كما صرح به جماعة، وقالوا: إنه مذهب البصريين، ومنهم ابن الحاجب في "شافتيه" انتهى.
وقد ذكر هذا العلامة شهاب الدين أحمد بن يوسف بن محمد بن مسعود الحلبي الشهير بـ"السمين"، مع زيادة إيضاح وفوائد فقال في "لا" هذه وجهان، الثاني: أنها ناهية، والفعل بعدها مجزوم؛ لأنه لو فك عن الإدغام لظهر ذلك فيه كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء﴾ [آل عمران: ١٧٤] ولكنه أدغم، ولما أدغم
الحواشي
(١) وهو إنما دل على أن المراد المصحف، فلا نظر إلى كثرة القائلين بخلافه، "وأما كون المراد بالآية الخبر، فجوابه: أنا نقول اللفظ لفظ الخبر، ومعناه النهي" وهو أبلغ في النهي من النهي الصريح، "وهو كثير في القرآن".
وكذا السنة، "قال الله تعالى: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ بسببه؛ بأن تكره على إرضاعه إذا امتنعت، فلفظه خبر، ومعناه النهي، " ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ " [البقرة: ٢٣٣] ، إذ معناه لتتربص المطلقات، ولا تبادر بالنكاح قبل انقضاء الإفراء. "انتهى" كلام ابن الرفعة.
"وأجاب العلامة البساطي" قاضي المالكية شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان، شيخ الإسلام، ولد سنة ستين وسبعمائة، وبرز في الفنون، ودرس في الشيخونية وغيرها، وصنف تصانيف، ومات في رمضان، سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، "في شرحه لمختصر الشيخ خليل" بن إسحاق، العلم الشهير في الآفاق، "بأن يمسه مجزوم، وضم السين لأجل الضمير، كما صرح به جماعة وقالوا: إنه مذهب البصريين ومنهم"، أي: الجماعة "ابن الحاجب في شافيته. انتهى" كلام البساطي.
"وقد ذكر هذا العلامة شهاب الدين أحمد بن يوسف بن محمد بن مسعود الحلبي، الشهير بالسمين" صاحب إعراب القرآن، وله أيضًا تفسير كبير، تقدم بعض ترجمته "مع زيادة إيضاح وفوائد، فقال: في لا هذه" في لا يمسه "وجهان" الأول: إنها نافية، "الثاني: أنها ناهية، والفعل بعدها مجزوم؛ لأنه لو فك عن الإدغام لظهر ذلك" الجزم "فيه، كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء﴾ " [آل عمران: ١٧٤] ، حيث ظهر الجزم فيه بفك الإدغام، "ولكنه أدغم" فيстр. 3993
حرك آخره بالضم لأجل "هاء" ضمير المذكر الغائب، ولم يحفظ سيبويه في هذا إلا الضم. وفي الحديث: "إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم" وإن كان القياس جواز فتحه تخفيفًا. قال: وبهذا الذي ذكرته يظهر فساد رد من رد بأنه لو كان نهيًا لكان يقال: لا يمسه بالفتح؛ لأنه خفي عليه جواز ضم ما قبل الهاء في هذا النحو، لا سيما على رأي سيبويه فإنه لا يجيز غيره. والله أعلم.
الحواشي
(١) لا يمسه، "ولما أدغم حرك آخره بالضم لأجل هاء ضمير المذكر الغائب، ولم يحفظ سيبويه في هذا إلا الضم".
"وفي الحديث" الذي أخرجه الشيخان وغيرهما، عن الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمارًا وحشيًا، وهو بالأبواء أو بودان، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه، قال: "أنا" "بكسر الهمزة" "لم نرده عليك" لعله من العلل، "إلا أنا" بفتح الهمزة" "حرم" "بضم الحاء والراء" أي: محرمون.
زاد في رواية للنسائي: لا نأكل الصيد، قال المصنف: نرده "بفتح الدال" رواية المحدثين، وذكر ثعلب في الفصيح، لكن قال المحققون من النحاة: أنه غلط، والصواب: ضم الدال كآخر المضاعف من كل مضاعف مجزوم اتصل به ضمير المذكر مراعاة للواو التي توجبها ضمة الهاء بعدها لخفاء الهاء، فكان ما قبلها ولي الواو، ولا يكون ما قبل الواو إلا مضمومًا، كما فتحوها مع المؤنث، نحو: نردها مراعاة للأنف، وجوز الكسر أيضًا، وهو أضعفها، ففيها ثلاثة أوجه، وللحموي والكشميهني: لم نردده بفك الإدغام، فالدال الأولى مضمومة، والثانية مجزومة، وهو واضح. انتهى، "وإن كان القياس جواز فتحه تخفيفًا" وبه جاءت الرواية، فهي صحيحة للتخفيف، وليست بغلط.
"قال" السمين: "وبهذا الذي ذكرته يظهر فساد رد من رد؛ بأنه لو كان نهيًا لكان يقال: لا يمسه بالفتح؛ لأنه خفي عليه واز ضم ما قبل الهاء في هذا النحو"، أي: ما في هذا ونحوه من آخر كل مضاعف مجزوم اتصل به ضمير المذكر، "لا سيما على رأي: سيبويه، فإنه لا يجيز غيره" بقي أن ابن عطية قال: القول بأن لا يمسه نهي قول فيه ضعف؛ لأنه إذا كان خبرًا، فهو في موضع الصفة، وقوله: تنزيل صفة أيضًا، فإذا جعلناه نهيًا جاء بمعنى أجنبي معترض بين الصفات، وذلك لا يحسن في وصف الكلام، فتدبر وفي مصحف ابن مسعود: ما يمسه وهو مما يقوي ما رجحته من الخبر، الذي معناه حقه وقدره؛ أن لا يمسه إلا طاهر. انتهى.
وأجاب شيخنا لما ذكرته له؛ بأن تضعيفه بما ذكر إنما هو في سياق قصد به كله معنى واحد، أما إذ قصد به معنيان أو أكثر، فلا يضر ما قاله، "والله أعلم" بما أراد.стр. 3994
الفصل الرابع: في قسمه تعالى على تحقيق رسالته
قال الله تعالى: ﴿يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ١-٢] .
اعلم أن كل سورة بدأ الله تعالى فيها بحروف التهجي كان في أوائلها الذكر أو الكتاب أو القرآن إلا "ن".
ثم إن في ذكر هذه الحروف في أوائل السور أمورًا تدل على أنها غير خالية عن الحكمة، لكن علم الإنسان لا يصل إليها إلا إن كشف الله له سر ذلك.
واختلف المفسرون في معنى يس على أقوال:
أحدها: أنه يا إنسان، بلغة طيئ، وهذا قول ابن عباس والحسن وعكرمة
الحواشي
(١) "الفصل الرابع":
"في قسمه تعالى على تحقيق"، أي: إثبات "رسالته" ﷺ ، قال الله تعالى " ﴿يس﴾ "، أمال حمزة والكسائي الياء غير مفرطين، والجمهور يفتحونها، ونافع وسط في ذلك ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ ، المحكم فعيل بمعنى مفعل، أي: أحكم في مواعظه وأوامره ونواهيه، ويحتمل أنه بناء فاعل، أي: ذي الحكمة، أو الحكيم صاحبه، "اعلم أن كل سورة بدأ الله تعالى فيها بحروف التهجي كان في أوائلها الذكر"، كقوله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] الآية، وينبغي أن المراد به ما يعم لفظه وما تضمن معناه، نحو ﴿الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت: ١] ، ﴿الم، غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١] ، ونحوهما.
"أو الكتاب ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَاب﴾ [السجدة: ١] ، "أو القرآن" أو هما ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١، ٢] "إلا سورة "ن" فليس في أوائلها ذلك صريحًا لكن تقدم من جملة الأقوال: إن مبنى يسطرون، يكتبون القرآن وغيره، فعليه تكون ﴿ن﴾ كغيرها، "ثم إن في ذكر هذه الحروف في أوائل السور أمورًا تدل على إنها غير خالية عن الحكمة، لكن علم الإنسان لا يصل إليها إلا أن كشف الله له سر ذلك" بأن يطلعه عليه، وهذا بناء على أنه أريد بها ما خفي لا ما استأثر الله بعلمه، إذ لا يطلع عليه أحدًا.
"واختلف المفسرون في معنى ﴿يس﴾ على أقوال أحدها: أنه يا إنسان بلغة طيئ؛ لأنهم يقولون: يا إيسان، بمعنى يا إنسان، ويجمعونه على إيا سين، فهذا منه، وقالت فرقة: قوله يا حرف نداء، والسين مقامة مقام إنسان انتزع منه حرف، فأقيم مقامه، قاله ابن عطية، "وهوقول ابن عباس" عند ابن أبي حاتم، والثعلبي، "والحسن" البصري، "وعكرمة" البربري، "والضحاك،стр. 3995
والضحاك وسعيد بن جبير، وقيل: بلغة الحبشة، وقيل: بلغة كلب، وحكى الكلبي أنها بالسريانية.
قال الإمام فخر الدين: وتقريره هو أن تصغير إنسان: أنيسين وكأنه حذف الصدر منه وأخذ العجز وقال يس، وعلى هذا فيكون الخطاب مع محمد ﷺ ، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين﴾ [يس: ٣] .
وتعقبه أبو حيان: بأن الذي نقل عن العرب في تصغير إنسان: أنيسيان -بياء بعدها ألف- فدل على أن أصله: إنسيان؛ لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها، ولا نعلم أنهم قالوا في تصغيره أنيسين، وعلى تقدير أنه يصغر كذلك فلا يجوز ذلك إلا أن يبنى على الضم؛ لأنه منادى مقبل عليه، ومع ذلك فلا يجوز؛ لأنه تحقير، ويمتنع ذلك في حق النبوة. انتهى.
الحواشي
(١) وسعيد بن جبير، وقيل: بلغة الحبشة" حكي عن ابن عباس أيضًا، ومقاتل، "وقيل: بلغة كلب، وحكى الكلبي" محمد بن السائب؛ "إنها بالسريانية".
"قال الإمام فخر الدين" الرازي: "وتقريره" أي: هذا المقول؛ إن معناه يا إنسان بأي: لغة مما ذكر، "وهو أن تصغير إنسان أنيسين، وكأنه حذف الصدر منه وأخذ العجز" لكثرة النداء به، "وقال: ﴿يس﴾ "، وعلى هذا"، أي: يا إنسان بسائر ما قيل فيه، "فيكون الخطاب مع محمد ﷺ "، ويؤيده حديث: "لي عند ربي عشرة أسماء"، وعد منها " ﴿طه﴾ " و" ﴿يس﴾ "، "ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين﴾ "؛ لأنه خطاب له ﷺ بلا نزاع، فيقوي قول يس كذلك، وتبع الزمخشري الإمام على هذا.
"وتعقبه أبو حيان بأن الذي نقل عن العرب في تصغير إنسان أنيسيان، بيء" بعد السين، و"بعدها ألف، فدل على أن أصله إنسيان؛ لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها" فيعرف به كما يعرف بالجمع، "ولا نعلم أنهم قالوا في تصغيره: أنيسين، وعلى تقدير أنه يصغر كذلك" ورودًا عن العرب، "فلا يجوز ذلك إلا أن يبنى على الضم؛ لأنه منادى، مقبل عليه" فكان قياسه ضم النون، وقرأه الجمهور بسكون النون وإظهارها، وإن كانت النون الساكنة تخفي مع الحروف، وإنما هي مع الانفصال، وحق هذه الحروف المقطعة أن تظهر، وقرأ عاصم وابن عامر بخلاف، عنهما " ﴿يس وَالْقُرْآنِ﴾ "، بإدغام النون، في الواو، وقرئ بنصب النون وبضمها، "ومع ذلك" وجه ثالث "فلا يجوز؛ لأنه تحقير، ويمتنع ذلك في حق النبوة. انتهى" كلام أبي حيان، واعتراضه الأول معارضه بنقل الرازي.следующие страницы →