أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال أحدهما: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: من طبه قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطه وجف طلع نحلة ذكر، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان"،
стр. 4307
فأتاها رسول الله ﷺ في ناس من أصحابه، فجاء فقال: "يا عائشة كأن ماءها نقاعة
стр. 4308
الحناء، وكأن رءوس نخلها رءوس الشياطين"، فقلت يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: "قد عافاني الله، فكرهت أن أثور على الناس فيه شرًّا"، فأمر بها فدفنت.
وفي رواية للبخاري أيضًا: فأتى البئر حتى استخرجه فقال: "هذه البئر التي رأيتها"، قالت عائشة: أفلا تنشرت؟ قال: "أما الله شفاني، وأكره أن أثير على الناس
стр. 4309
شرًّا".
وفي حديث ابن عباس عند البيهقي في الدلائل -بسند ضعيف- في آخر قصة السحر الذي سحر به النبي ﷺ أنهم وجدوا وترًا فيه إحدى عشرة عقدة، وأنزلت سورة الفلق والناس، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة.
وأخرجه ابن سعد بسند آخر منقطع عن ابن عباس أن عليًّا وعمارًا لما
стр. 4310
بعثهما النبي ﷺ لاستخراج السحر وجدا طلعة فيها إحدى عشرة عقدة فذكر نحوه.
وفي رواية ذكرها في فتح الباري: فنزل رجل البئر فاستخرجه وأنه وجد في الطلعة تمثالًا من شمع تمثال النبي ﷺ وإذا فيه إبر مغروزة، وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة، فنزل جبريل بالمعوذتين، فكلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وجد لها ألمًا، ثم يجد بعدها راحة.
وقد بين الواقدي السنة التي وقع فيها السحر، كما أخرجه عنه ابن سعد بسند له إلى عمر بن الحكم مرسل قال: لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية في ذي الحجة ودخل المحرم سنة سبع جاءت رؤساء اليهود إلى لبيد أن الأعصم، وكان حليفًا في بني رزيق، وكان ساحرًا، فقالوا: أنت أسحرنا، وقد سحرنا محمدًا فلم نصنع شيئًا، ونحن نجعل لك جعلًا على أن تسحره لنا سحرًا ينكؤه، فجعلوا له ثلاثًا دنانير.
стр. 4311
ووقع في رواية أبي ضمرة عند الإسماعيلي: فأقام أربعين ليلة، وفي رواية وهيب عن هشام ستة أشهر.
ويمكن الجمع بأن تكون الستة أشهر من ابتداء تغير مزاجه، والأربعون يومًا من استحكامه.
وقال السهيلي: لم أقف في شيء من الأحاديث المشهورة على قدر المدة التي مكث ﷺ فيها في السحر، حتى ظفرت به في جامع معمر عن الزهري: أنه لبث سنة. قال الحافظ ابن حجر: وقد وجدناه موصولًا بالإسناد الصحيح فهو المعتمد.
وقال المازري: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وزعموا أنه يحط منصب النبوة، قالوا: وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل. وزعموا أن تجويزها بعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع؛ إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أن جبريل يكلمه وليس هو ثَمَّ، وأنه يوحى إليه بشيء ولم يوح إليه بشيء.
стр. 4312
قال المازري: وهذا كله مردود؛ لأن الدليل قد قام على صدق النبي ﷺ فيما يبلغه عن الله ، وعلى عصمته في التبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل. وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها، ولا كانت الرسالة من أجلها، فهو في ذلك عرضة لما يعرض للبشر كالأمراض، فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له، مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين، انتهى.
وقال غيره: لا يلزم من أنه يظن أنه يفعل الشيء ولم يكن فعله أن يجزم بفعله ذلك، وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر ولا يثبت ليقظة قلبه وسلامة ذهنه، فلا يبقى على هذا للملحد حجة.
وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بالتخييل المذكور، أنه يظهر
стр. 4313
له من نشاطه ومن سابق عادته الاقتدار على الوطء، فإذا دنا من المرأة فتر عن ذلك، كما هو شأن المعقود، ويكون قوله في الرواية الأخرى "حتى كاد ينكر بصره" أي صار كالذي ينكر بصره بحيث إنه إذا رأى الشيء تخيل أنه على غير صفته، فإذا تأمله عرف حقيقته. ويؤيد جميع ما تقدم: أنه لم ينقل عنه ﵊ في خبر من الأخبار أنه قال قولًا فكان بخلاف ما أخبر.
قال بعضهم: وقد سلك النبي ﵊ في هذه القصة مسلكي التفويض وتعاطي الأسباب، ففي أول الأمر فوض وسلم لأمر به، واحتسب الأجر في صبره على بلائه، ثم لما تمادى ذلك وخشي من تماديه أن يضعفه عن فنون
стр. 4314
عبادته جنح إلى التداوي. فقد أخرج أبو عبيد من مرسل عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: احتجم النبي ﷺ على رأسه، يعني حين طب، ثم جنح إلى الدعاء، وكل من المقامين غاية في الكمال.
وقال ابن القيم: من أنفع الأدوية وأقوى ما يوجد من النشرة مقاومة السحر الذي هو من تأثير الأرواح الخبيثة بالأدوية الإلهية من الذكر والدعاء والتوجه، فالقلب إذا كان ممتلئًا من الله معمورًا بذكره، وله ورد من الذكر والدعاء والتوجه لا يخل به، كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السحر له، قال: وسلطان تأثير السحر هو في القلوب الضعيفة، ولهذا كان غالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجهال؛ لأن الأرواح الخبيثة إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدة لما يناسبها، اتنهى ملخصًا.
ويعكر عليه حديث الباب، وجواز السحر على النبي ﷺ مع عظيم مقامه، وصدق توجهه إلى الله وملازمة ورده، ولكن يمكن الانفصال عن
стр. 4315
ذلك بأن الذي ذكره محمول على الغالب، وإن ما وقع به ﵊ لبيان تجويز ذلك عليه.
وأما ما يعالج به من النشرة المقاومة للسحر، فذكر ابن بطال: أن في كتب وهب بن منبه: أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر، فتدق بين حجرتين ثم يضرب ذلك بالماء، ويقرأ فيه آية الكرسي والقلاقل، ثم يحسو منه ثلاث حسيات ثم يغتسل به، فإنه يذهب عنه ما كان به، وهو جيد للرجل إذا احتبس عن أهله.
وممن صرح بجواز النشرة، المزني عن الشافعي، وأبو جعفر الطبري وغيرهما.
стр. 4316
قال ابن الحاج في "المدخل": كان الشيخ أبو محمد المرجاني أكثر تداويه بالنشرة يعملها لنفسه ولأولاده ولأصحابه فيجدون على ذلك الشفاء، وأخبر ﵀ أن النبي ﵊ أعطاها له في المنام، وقال: إنه مرة رأى النبي ﵊ قال له: ما تعلم ما عمل معك ومع أصحابك في هذه النشرة، نقله عنه خادمه، وهي هذه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ١٢٨] ، إلى آخر السورة ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] ، ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١] ، إلى آخر السورة، وسورة الإخلاص والمعوذتين، ثم يكتب: اللهم أنت المحيي وأنت المميت، وأنت الخالق وأنت البارئ وأنت المبلي، وأنت الشافي، خلقتنا من ماء مهن، وجعلتنا في قرار مكين إلى قدر معلوم، اللهم إني أسألك بأسمائك الحسني وصفاتك العلا، يا من بيده الابتلاء والمعافاة، والشفاء والدواء، أسألك بمعجزات نبيك محمد ﵊، وبركات خليلك إبراهيم وحرمة كليمك موسى ﵇، اللهم أشفه.
стр. 4317
[ذكر رقية تنفع لكل شكوى﴾ :
عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من اشتكى منكم شيئًا فليقل: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض واغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطبيين أنزل رحمة من عندك، وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ بإذن الله". رواه أبو داود في سننه.
стр. 4318
[رقيته ﷺ من الصداع] :
روى الحميدي في "الطب" عن يونس بن يعقوب عن عبد الله قال: كان رسول الله ﵊ يتعوذ من الصداع "بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله الكبير وأعوذ بالله العظيم من شر كل عرق نعار ومن شر حر النار". ورواه ابن السني من حديث ابن عباس ﵄.
وأصاب أسماء بنت أبي بكر ﵄ ورم في رأسها، فوضع رسول الله ﵊ يده على ذلك من فوق الثياب فقال: "بسم الله أذهب عنها سوءه وفحشه بدعوة نبيك الطيب المبارك المكين عندك، بسم الله". صنع ذلك ثلاث مرات، وأمرها أن تقول ذلك، فقالت ذلك ثلاثة أيام. فذهب الورم.
رواه الشيخ ابن النعمان بسنده والبيهقي.
стр. 4319
[رقيته ﷺ من وجع الضرس] :
روى البيهقي أن عبد الله بن رواحة شكا إلى النبي ﵊ وجع ضرسه، فوضع ﵊ يده على خده الذي فيه الوجع وقال: "اللهم أذهب عنه سوء ما يجده وفحشه، بدعوة نبيك المكين المبارك عندك"، سبع مرات، فشفاه الله قبل أن يبرح.
وروى الحميدي أن فاطمة ﵂ أتت رسول الله ﵊ تشكو ما تلقى من ضربان الضرس، فأدخل سبابته اليمني فوضعها على السن الذي تألم، فقال: "بسم الله وبالله، أسألك بعزك وجلالك وقدرتك على كل شيء، فإن مريم لم تلد غير عيسى من روحك وكلمتك، أن تشفي ما بفاطمة بنت خديجة من الضر كله"، فسكن ما بها.
стр. 4320
ومن الغريب: ما شاع وذاع عن شيخنا المحب الطبري إمام مقام الخليل بمكة، ورأيته يفعله غير مرة، وضع يده على رأس الموجوع ضرسه، ويسأل عن اسمه واسم أمه وعن المدة التي يريد المألون أن لا يألمه فيها، فيقول: سبع سنين أو تسع سنين مثلًا بالوتر، قالوا: فما يرفع يده إلا وقد سكن ألمه، ويمكث المدة المذكورة لا يألمه، كما أشيع ذلك واشتهر.
ومما جرب أن يكتب على الخد الذي يلي الوجع: بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣] ، وإن شاءت كتب ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١٣] .
стр. 4321
[رقية لعسر البول] :
روى النسائي عن أبي الدرداء أنه أتاه رجل يذكر أن أباه احتبس بوله، فأصابه حصاة البول، فعلمه أبو الدرداء رقية سمعها من النبي ﵊: "ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، أنت رب المتطببين فأنزل شفاء من شفائك، ورحمة من رحمتك على هذا الوجع. فيبرأ بإذن الله" أمره أن يرقيه بها، فرقاه بها فبرأ. وقد تقدم هذا في رقية الشكوى العامة من حديث أبي داود.
стр. 4322
[رقية الحمى] :
عن أنس قال: دخل رسول الله ﷺ عن عائشة وهي موعوكة، وهي تسب الحمى، فقال: "لا تسبيها فإنها مأمورة ولكن لو شئت علمتك كلمات إذا قلتهن أذهبها الله عنك"، قالت: فعلمني، قال: قولي: "اللهم جلدي الرقيق وعظمي الدقيق
стр. 4323
من شدة الحريق، يا أم ملدم، إن كانت آمنت بالله العظيم فلا تصدعي الرأس، ولا تنتني الفم، ولا تأكلي اللحم، ولا تشربي الدم، وتحولي عني إلى من اتخذ مع الله إلهًا آخر" قال فقالتها فذهبت عنها، رواه البيهقي.
وقد جرب ذلك -كما رأيته بخط شيخنا- ولفظه: اللهم ارحم عظمي الدقيق وجلدي الرقيق، وأعوذ بك من فورة الحريق، يا أم ملدم، إن كنت آمنت بالله واليوم الآخر، فلا تأكلي اللحم، ولا تشربي الدم ولا تفوري على الفم، وانتقلي إلى من يزعم أن مع الله إلهًا آخر، فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله.
ويكتب للحمى المثلثة -مما ذكره صاحب الهدي- على ثلاث ورقات لطاف: بسم الله فرت، بسم الله مرت. بسم الله قلت، ويأخذ كل يوم ورقة
стр. 4324
ويجعلها في فمه ويبلعها بماء.
وقد رخص جماعة من السلف في كتابة بعض القرآن وشربه، وجعل ذلك من الشفاء الذي جعل الله فيه.
قال ابن الحجاج في "المدخل": وقد كان الشيخ أبو محمد المرجاني لا تزال الأوراق للحمى وغيرها على باب الزاوية، فمن كان به ألم أخذ ورقة منها فاستعملها فيبرأ بإذن الله تعالى، وكان المكتوب فيها، أزلي لم يزل، ولا يزال، يزيل الزوال، وهو لا يزال، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] .
وقال المروزي: بلغ أبا عبد الله أني حممت فكتب لي من الحمى رقعة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله وبالله ومحمد رسول الله، يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم، وأرادوا به كيدًا فجعلناهم الأخسرين، اللهم رب جبريل
стр. 4325
وميكائيل وإسرافيل اشف صاحب هذا الكتاب بحولك وقوتك وجبروتك أي كبريائك إله الحق آمين.
ومما جرب للخراج، ونقله صاحب زاد المعاد، أن يكتب عليه ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا، فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا، لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥، ١٠٦، ١٠٧] .
ومما يكتب لعسر الولادة ما روى الخلال عن عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل قال: رأيت أبي يكتب للمرأة إذا عسر عليها ولادتها في جام أبيض، أو شيء نظيف، حديث ابن عباس: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد الله رب العالمين، وكأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥] .
стр. 4326
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر أن أبا عبد الله جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله تكتب لامرأة قد عسر عليها ولدها منذ يومين فقال: قل له يجيء بجام واسع وزعفران. قال المروزي: ورأيته يكتب لغير واحد.
وفي "المدخل": يكتب في آنية جديدة: اخرج أيها الولد من بطن ضيق إلى سعة هذه الدنيا، اخرج بقدرة الذي جعلك في قرار مكين إلى قدر معلوم، ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١] ، إلى آخر السورة، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] وتشربه النفساء، ويرش منه على وجهها. قال الشيخ المرجاني: أخذته عن بعض السادة، فما كتبته لأحد إلا نجح في قوته. انتهى.
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: مر عيسى ﵇ على امرأة وقد اعترض ولدها في بطنها فقالت: يا كلمة الله ادع الله لي أن يخلصني مما أنا فيه
стр. 4327
فقال عيسى: يا خالق النفس من النفس، ويا مخلص النفس من النفس، ويا مخرج النفس من النفس خلصها، قال: فرمت بولدها قال: فإذا عسر على المرأة ولدها فاكتبه لها.
ومما يكتب أيضًا لذلك، ويكون في إناء نظيف: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ، وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ، وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ١-٤] وتشرب الحامل منه وترش على بطنها فتضع سريعًا.
ومما يكتب للرعاف على جبهة المرعوف ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [هود: ٤٤] ولا يجوز كتبها بدم الراعف كما يفعله بعض الجهال، فإن الدم نجس فلا يجوز أن يكتب به كلام الله.
ومما يكتب لعرق النسى: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم رب كل شيء، ومليك كل شيء، وخالق كل شيء، أنت خلقتني وخلقت عرق النسى فيَّ فلا
стр. 4328
تسلطه علي بأذى، ولا تسلطني عليه بقطع، واشفني شفاء لا يغادر سقمًا، لا شافي إلا أنت.
وأما حفيظة رمضان لا آلاء إلا آلاؤك يا الله، أنت سميع عليم محيط به علمك كعسلهون، ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥] إلى آخرها.
قال شيخنا: اشتهرت ببلاد اليمن ومكة ومصر والمغرب وجملة بلدان أنها حفيظة رمضان، تحفظ من الغرق والسرق والحرق وسائر الآفات، وتكتب آخر جمعة منه، وجمهورهم يكتبها والخطيب يخطب على المنبر، وبعضهم بعد صلاة العصر.
وهذه بدعة لا أصل لها، وإن وقعت في كلام غير واحد من الأكابر، بل أشعر كلام بعضهم بورودها في حديث ضعيف، وكان الحافظ ابن حجر ينكرها جدًّا، حتى وهو قائم على المنبر في أثناء خطبته حين يرى من يكتبها انتهى.
стр. 4329
[ذكر ما يقي من كلام بلاء] :
عن أبان بن عثمان عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قال بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مرات حين يمسي لم تصبه فجأة بلاء حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح لم تصبه فجأة بلاء حتى يمسي". قال: فأصاب أبان بن عثمان الفالج، فجعل الذي يسمع منه الحديث ينظر إليه، فقال مالك تنظر إلي فوالله ما كذبت على عثمان ولا كذب عثمان على رسول الله ﷺ ، ولكن اليوم الذي أصابني فيه ما
стр. 4330
أصابني غضبت فنسيت أن أقولها. رواه أبو داود، ورواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وعنده: فكان أباه قد أصابه طرف فالج فجعل الرجل ينظر إليه فقال له أبان: ما تنظر إلي، أما إن الحديث كما حدثتك ولكن لم أقله يومئذ ليمضي الله قدره.
стр. 4331
[ذكر ما يستجلب به المعافاة من سبعين بلاء] :
وذكر أبو محمد عبد الله بن محمد المالكي الأفريقي، في كتابه "أخبار أفريقية" عن أنس بن مالك مرفوعًا: "من قال: بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عشر مرات برئ من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وعوفي من سبعين بلاء من بلايا الدنيا، منها الجنون والجذام والبرض والريح".
ويشهد له ما رواه الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه الصلاة
стр. 4332
والسلام: "أكثروا من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فإنها من كنز الجنة".
قال مكحول: فمن قال لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ من الله إلا إليه، كشف الله عنه سبعين بابًا من الضر أدناها الفقر.
وروى الطبراني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال لا حول ولا قوة إلا بالله كان دواء من تسعة وتسعين داء أيسرها الهم".
ومن ذلك في الأمان من الفقر:
عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﵊: "من قال لا حول
стр. 4333
ولا قوة إلا بالله مائة مرة في كل يوم لم يصبه فقر أبدًا". رواه ابن أبي الدنيا.
وروى الطبراني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ومن أبطأ عليه رزقه فليكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله".
وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب يرفعه: "من قال كل يوم وليلة: لا إله إلا الله الملك الحق المبين، مائة مرة كان له أمانًا من الفقر، وأنسًا من وحشة القبر، واستفتح به باب الغنى، واستقرع به باب الجنة". قال بعض رواته: لو رحلتم في هذا الحديث إلى الصين ما كان كثيرًا. ذكره عبد الحق في كتاب الطب النبوي.
стр. 4334
[ذكر دواء داء الطعام] :
روى البخاري في تاريخه عن عبد الله بن مسعود: من قال حين يوضع الطعام: بسم الله خير الأسماء في الأرض وفي السماء لا يضر مع اسمه داءً، جعل فيه رحمة وشفاء. لم يضره ما كان.
стр. 4335
[ذكر داء أم الصبيان] :
عن علي قال: قال رسول الله عليه الصلاة السلام: من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى لم تضره أم الصبيان. رواه ابن السني، وذكره عبد الحق في "الطب النبوي".
وأم الصبيان: هي الريح التي تعرض لهم، فربما يخشى عليهم منها.
وسر التأذين -كما قاله صاحب تحفة الودود في أحكام المولود- أن يكون أول ما يقرع سمع المولود كلماته المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته، والشهادة التي هي أول ما يدخل بها في الإسلام، فكان ذلك كالثقلين له شعار الإسلام عند دخوله إلى الدنيا، كما يلقن كلمة التوحيد عند خروجه منها مع ما في ذلك من فائدة أخرى، وهي هروب الشيطان من كلمات الأذان، وهو كان يرصده حين يولد فيقارنه للمحنة التي قدرها الله وشاءها، فيسمع الشيطان ما يضعفه ويغيظه أول أوقات تعلقه.
стр. 4336
النوع الثاني: في طبه ﷺ بالأدوية الطبيعية
[ذكر ما كان ﵊ يعالج به الصداع والشقيقة] :
اعلم أن الصداع ألم في بعض أجزاء الرأس أو كله، فما كان منه أحد جانبي الرأس لازمًا سمي شقيقة -بوزن عظيمة- وسببه أبخرة مرتفعة إلى الدماغ، أو أخلاط حارة أو باردة ترتفع إلى الدماغ، فإن لم تجد منفذًا أحدثت الصداع، وإن مال إلى أحد شقي الرأس أحدث الشقيقة، وإن ملك كل الرأس أحدث داء البيضة تشبيهًا ببيضة السلاح التي تشتمل على الرأس كله.
стр. 4337
وأسباب الصداع كثيرة: منها ما تقدم، ومنها ما يكون عن ورم في المعدة أو في عروقها، أو ريح غليظة فيها، أو لامتلائها، ومنها ما يكون من الحركة العنيفة كالجماع والقيء والاستفراغ والسهر وكثرة الكلام، ومنها ما يحدث من الأعراض النفسانية كالهم والحزن والجوع والحمى، ومنها ما يحدث عن حادث في الرأس كضربة تصيبه أو ورم في صفاق الدماغ، أو حمل شيء ثقيل يضغط الرأس، أو تسخينه بشيء خارج عن الاعتدال، أو تبريده بملاقاة الهواء أو الماء في البرد.
وأما الشقيقة: فهي في شرايين الرأس وحدها، وتختص بالموضع الأضعف
стр. 4338
من الرأس. وعلاجها بشد العصابة.
وقد أخرج الإمام أحمد من حديث بريدة أنه ﷺ كان ربما أخذته الشقيقة فيمكث اليوم واليومين لا يخرج.
وفي الصحيح أنه ﷺ قال في مرض موته: "وارأساه" وأنه خطب وقد عصب رأسه. فعصب الرأس ينفع في الشقيقة وغيرها من أوجاع الرأس.
وفي البخاري من حديث ابن عباس: احتجم ﷺ وهو محرم في رأسه من شقية كانت به. وقد جاءت مقيدة في بعض طرق ابن عباس نفسه، فعند أبي داود الطيالسي في مسنده من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ احتجم في وسط رأسه. وقد قال الأطباء: إنها نافعة جدًّا.
стр. 4339
وورد أنه ﷺ احتجم أيضًا في الأخدعين والكاهل. أخرجه الترمذي وحسنه، وأبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم.
وقد قال الأطباء: الحجامة على الأخدعين تنفع من أمراض الرأس والوجه والأذنين والعينين والأسنان والأنف.
وقد ورد في حديث ضعيف جدًّا، أخرجه ابن عدي من طريق عمر بن رباح عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رفعه: الحجامة في الرأس تنفع في سبع؛ من الجنون والجذام والبرص والنعاس والصداع ووجع الضرس والعين. وعمر متروك، رماه الفلاس وغيره بالكذب.
وروى ابن ماجه في سننه أن النبي ﷺ كان إذا صدع غلف رأسه بالحناء،
стр. 4340
ويقول: إنه نافع بإذن الله من الصداع. وفي صحته نظر.
وهو علاج خاص بما إذا كان الصداع من حرارة ملتهبة، ولم يكن عن مادة يجب استفراغها، وإذا كان كذلك نفع فيه الحناء نفعًا ظاهرًا. قالوا: وإذ دق وضمدت به الجبهة مع الخل سكن الصداع، وهذا لا يختص بوجع الرأس بل يعم جميع الأعضاء.
وفي تاريخ البخاري وسنن أبي داود: أن رسول الله ﷺ ما شكا إليه أحد وجعًا في رأسه إلا قال له "احتجم"، ولا شكا وجعًا في رجليه إلا قال له "اختضب بالحناء".
وفي الترمذي عن علي بن عبد الله عن جدته -وكانت تخدم النبي ﷺ قالت: ما كان يكون برسول الله ﷺ قرحة ولا نكتة إلا أمرني أن أضع عليها الحناء.
стр. 4341
[ذكر طبه ﷺ للرمد] :
وهو مرض حار يعرض في الطبقة الملتحمة من العين، وهو بياضها، وسببه، انصباب أحد الأخلاط وأبخرة تصعد من المعدة إلى الدماغ، فإن اندفع إلى الخياشيم أحدث الزكام، أو إلى العين أحدث الرمد، أو إلى اللهاة والمنخرين أحدث الخنان -بالخاء المعجمة والنون- أو إلى الصدر أحدث النزلة، أو إلى القلب أحدث الشوصة، وإن لم ينحدر وطلب نفاذًا فلم يجد أحدث الصداع، كما تقدم.
وروي أنه ﵊ كان يعالج الرمد بالسكون والدعة وترك الحركة.
стр. 4342
وفي سنن ابن ماجه عن صهيب قال: قدمت على النبي ﷺ وبين يديه خبز وتمر فقال: "ادن وكل"، فأخذت تمرًا، فأكلت، فقال: "تأكل تمرًا وبك رمد"؟ فقلت: يا رسول الله، أمضغ من الناحية الأخرى، فتبسم رسول الله ﷺ .
وقد روي أنه ﷺ حمى إلى علي من الرطب لما أصابه الرمد.
وفي البخاري من حديث سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "والكمأة من المن وماؤها شفاء للعين".
والكمأة: نبات لا ورق لها ولا ساق، يوجد في الأرض من غير أن يزرع.
стр. 4343
وروى الطبراني من طريق بن المنكدر عن جابر قال: كثرت الكمأة على عهد رسول الله ﷺ فامتنع قوم من أكلها وقالوا: هو جدري الأرض، فبلغه ذلك فقال: "إن الكمأة ليست جدري الأرض، لا إن الكمأة من المن".
стр. 4344
واختلف في قوله: "من المن"، فقيل: من المن الذي أنزله الله على بني إسرائيل، وهو الطل الذي يسقط على الشجر فيجمع ويؤكل حلوًا، ومنه الترنجبيل فكأنه يشبه الكمأة بجامع ما بينهما من وجود كل منهما عفوًا بغير علاج.
وقال الخطابي: ليس المراد أنها نوع من من المن الذي أنزل الله على بني إسرائيل، فإن الذي أنزل على بني إسرائيل كان كالترنجبيل الذي يسقط على الشجر، وإنما المعنى أن الكمأة شيء ينبت من غر تكلف ببذر ولا سقي، وإنما
стр. 4345
اختصت الكمأة بهذه الفضيلة لأنها من الحلال المحض، الذي ليس في اكتسابه شبهة، ويستنبط منه أن استعمال الحلال المحض يجلو البصر.
وقال ابن الجوزي: في المراد بكونها شفاء للعين قولان: أحدهما: أنه ماؤها حقيقة إلا أن أصحاب هذا القول اتفقوا على أنها لا تستعمل صرفًا في العين، لكن اختلفوا كيف يصنع بها على رأيين: أحدهما أن يخلط في الأدوية التي يكتحل بها، حكاه أبو عبيد، ثانيهما: أن تشق وتوضع على الجمر حتى يغلي ماؤها ثم يؤخذ الميل فيجعل في ذلك الشق وهو فاتر، فيكتحل بمائها؛ لأن النار تلطفه وتذهب فضلاته الرديئة وتبقي النافع منه، ولا يجعل الميل في مائها وهي باردة يابسة فلا ينجع.
وقال آخر: تجعل الكمأة في قدر جديدة ويصب الماء عليها، ولا يطرح