Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.
стр. 4341
[ذكر طبه ﷺ للرمد] :
وهو مرض حار يعرض في الطبقة الملتحمة من العين، وهو بياضها، وسببه، انصباب أحد الأخلاط وأبخرة تصعد من المعدة إلى الدماغ، فإن اندفع إلى الخياشيم أحدث الزكام، أو إلى العين أحدث الرمد، أو إلى اللهاة والمنخرين أحدث الخنان -بالخاء المعجمة والنون- أو إلى الصدر أحدث النزلة، أو إلى القلب أحدث الشوصة، وإن لم ينحدر وطلب نفاذًا فلم يجد أحدث الصداع، كما تقدم.
وروي أنه ﵊ كان يعالج الرمد بالسكون والدعة وترك الحركة.
الحواشي
(١) ذكر طبه ﷺ للرمد:
لعله لم يقل لداء الرمد؛ لأنه لا يسمى مرضًا عرفًا، "وهو مرض حار يعرض في الطبقة الملتحمة من العين، وهو بياضها" الظاهر، كما زاده الحافظ "وسببه انصباب أحد الأخلاط" أمزجة الإنسان الأربعة، "وأبخرة" الواو بمعنى أو، وفي نسخ: بأو "تصعد من المعدة إلى الدماغ، فإن اندفع" الحاصل من الأخلاط أو الأبخرة "إلى الخياشيم" جمع خيشوم: بزنة فيعول أقصى الأنف "أحدث الزكام" بضم الزاي، وهو تحلب فضول رطبة من بطني الدماغ المقدمين إلى المنخرين، وقد زكم كعنى، كما في القاموس، "أو" اندفع "إلى العين، أحدث الرمد، أو إلى اللهاة" بفتح اللام: اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى الفم، "والمنخرين أحدث الخنان بالخاء المعجمة والنون، أو إلى الصدر أحدث النزلة" بفتح النون، وهي كالزكام "أو إلى القلب أحدث الشوصة" بشين معجمة مفتوحة فواو ساكنة فصاد مهملة وجع في البطن، أو ريح يتعقب في الأضلاع، أو ورم في حجابها، من داخل، واختلاج العروق قاله القاموس، "وإن لم ينحدر وطلب نفاذًا" بالذال المعجمة أي خروجًا، "فلم يجد" منفذًا "أحدث الصداع، كما تقدم" أول الكلام.
"وروي أنه ﵊ كان يعالج الرمد بالسكون والدعة" بفتح المهملتين الراحة، فقوله: "وترك الحركة" عطف سبب على مسبب.стр. 4342
وفي سنن ابن ماجه عن صهيب قال: قدمت على النبي ﷺ وبين يديه خبز وتمر فقال: "ادن وكل"، فأخذت تمرًا، فأكلت، فقال: "تأكل تمرًا وبك رمد"؟ فقلت: يا رسول الله، أمضغ من الناحية الأخرى، فتبسم رسول الله ﷺ .
وقد روي أنه ﷺ حمى إلى علي من الرطب لما أصابه الرمد.
وفي البخاري من حديث سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "والكمأة من المن وماؤها شفاء للعين".
والكمأة: نبات لا ورق لها ولا ساق، يوجد في الأرض من غير أن يزرع.
الحواشي
(١) "وفي سنن ابن ماجه عن صهيب" بن سنان الرومي، الصحابي الشهير، يقال اسمه عبد الملك، وصهيب لقب، مات بالمدينة سنة ثمان وثلاثين، "قال: قدمت على النبي ﷺ وبين يديه خبز وتمر، فقال: "ادن وكل"، فأخذت تمرًا، فأكلت، فقال" أ "تأكل" "فهمزة الاستفهام مقدرة"، ويأتي في النوع الثالث، ذكره بالهمزة "تمرًا وبك رمد" والاستفهام للتوبيخ، ولا ينافي أمره له بالأكل لأنه عنده الخبز، فيصدق بالأكل، منه فقط، أو علم أنه لا يضره أكل التمر، وإنما قصد بالاستفهام المباسطة، "فقلت: يا رسول الله أمضغ من الناحية الأخرى" فيه أن رمده كان بإحدى عينيه فقط، "فتبسم رسول الله ﷺ " تعجبًا؛ لأنه إن كان يضربه لم يفده المضغ من ناحية العين التي لا رمد بها.
"وقد روي أنه ﷺ حمى إلى علي من الرطب لما أصابه الرمد" لأنه حار كالرمد فيقوي ضرره.
"وفي البخاري" ومسلم والترمذي، "من حديث سعيد بن زيد" بن عمرو بن نفيل العدوي، أحد العشرة، "قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الكمأة" "بفتح الكاف وسكون الميم وهمزة مفتوحة" وفي العامة من لا يهمزه واحدة الكمء "بفتح فسكون فهمز" مثل تمرة وتمر، وعكس ابن الأعرابي، فقال: الكمأة الجمع، والكمء الواحد على غير قياس، قال: ولم يقع في كلامهم نظير هذا سوى جبأة وجب، وقيل: الكمأة قد تطلق على الواحد وعلى الجمع، وقد جمعوها على أكمؤ، قال الشاعر:
ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
والعساقل "بمهملتين وقاف ولام" السراب، وكأنه أشار إلى أن محمل وجدان إلا كمؤ الفلوات "من المن" "بفتح الميم وشد النون" زاد في رواية أبي نعيم من حديث أبي سعد: والمن من الجنة، "وماؤها شفاء للعين" أي لدائها، كذا لأكثر رواة البخاري، وكذا عند مسلم، وللمستملي: من العين، أي من داء العين، "والكمأة نبات لا ورق لها ولا ساق، يوجد فيстр. 4343
وروى الطبراني من طريق بن المنكدر عن جابر قال: كثرت الكمأة على عهد رسول الله ﷺ فامتنع قوم من أكلها وقالوا: هو جدري الأرض، فبلغه ذلك فقال: "إن الكمأة ليست جدري الأرض، لا إن الكمأة من المن".
الحواشي
(١) الأرض من غير أن يزرع".
زاد الحافظ: قيل: سميت بذلك لاستتارها، يقال: كمأ الشهادة إذا كتمها، ومادة الكمأة من جوهر أرض بخارى، يحتقن نحو سطح الأرض ببرد الشتاء، وينميه مطر الربيع، فيتولد ويندفع متجسدًا، ولذا كان بعض العرب يسميها جدري الأرض تشبيهًا لها بالجدري مادة وصورة؛ لأن مادته رطوبة تندفع غالبًا عند الترعرع، وفي ابتداء استيلاء الحرارة ونماء القوة ومشابهتها له في الصورة ظاهرة.
وأخرج الترمذي عن أبي هريرة أن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: الكمأة جدري الأرض، فقال ﷺ : "الكمأة من المن" الحديث.
"وروى الطبراني من طريق" محمد "بن المنكدر عن جابر، قال: كثرت الكمأة على عهد رسول الله ﷺ ، فامتنع قوم من أكلها، وقالوا: هو جدري الأرض" لمشابهته للجدري مادة وصورة، "فبلغه" ﷺ "ذلك: فقال: "إن الكمأة ليست جدري الأرض، ألا" "بالفتح والتخفيف" "إن الكمأة من المن".
قال الحافظ: هذا الحديث والذي قبله، يعني حديث أبي هريرة، كل منهما صريح في أنه سبب لقوله: الكمأة من المن الحديث، العرب تسمي الكمأة أيضًا نبات الرعد؛ لأنها تكثر بكثرته، ثم تنفطر عنها الأرض، وهي كثيرة بأرض العرب، وتوجد بالشام ومصر، وأجودها ما كانت أرضه رملة قليلة الماء، ومنها صنف قتال يضرب لونه إلى الحمرة، وهي باردة رطبة في الثالثة، رديئة للمعدة بطيئة الهضم.
زاد بعضهم: أكلها يورث القولنج والسكت والفالج وعسر البول، والرطب منها أقل ضررًا من اليابس، وإذا دفنت في الطين الرطب، ثم صلقت بالماء والملح والصعتر وأكلت بالزيت والتوابل الحارة قل ضررها، ومع ذلك ففيها جوهر مائي لطيف بدليل خفتها، فلذا كان ماؤها شفاء للعين.
وقال ابن البيطار: الغذاء المتولد منه غليظ وليس برديء، الكيموس وينفع المعدة الحارة؛ لأنه بارد رطب وماؤه يجلو البصر، وإذا ربي به الأثمد نفع جدًّا ودفع نزول الماء.
وقال ابن خالويه: يعصر ماؤه ويخلط به أدوية، فيكتحل به، وقال ابن العربي: الصحيح أنه ينفع من وجع العين مفردًا ومركبًا، وقال غيره: إن كان عن حرارة نفع مفردًا، وإلا مركبًا.стр. 4344
واختلف في قوله: "من المن"، فقيل: من المن الذي أنزله الله على بني إسرائيل، وهو الطل الذي يسقط على الشجر فيجمع ويؤكل حلوًا، ومنه الترنجبيل فكأنه يشبه الكمأة بجامع ما بينهما من وجود كل منهما عفوًا بغير علاج.
وقال الخطابي: ليس المراد أنها نوع من من المن الذي أنزل الله على بني إسرائيل، فإن الذي أنزل على بني إسرائيل كان كالترنجبيل الذي يسقط على الشجر، وإنما المعنى أن الكمأة شيء ينبت من غر تكلف ببذر ولا سقي، وإنما
الحواشي
(١) "واختلف في قوله: من المن" أي في المراد به على ثلاثة أقوال: "فقيل: من المن الذي أنزله الله على بني إسرائيل" لأن في رواية لمسلم: من المن الذي أنزل على بني إسرائيل "وهو الطل الذي يسقط على الشجر" أي شجر البلوط.
قال المصنف: المن كل طل ينزل من السماء على شجر أو حجر وينعقد عسلًا، ويجف جفاف الصمغ كالشيرخشت والترنجبيل، والمعروف بالمن ما وقع على شجر البلوط، معتدل، نافع للسعال الرطب والصدر والرئة، "فيجمع ويؤكل حلوًا، ومنه الترنجبيل، فكأنه يشبه الكمأة بجامع ما بينهما من وجود كل منهما عفوًا بغير علاج".
قال الحافظ عقب هذا: والقول الثاني: إن المعنى أنها من المن الذي امتن الله تعالى به على عباده عفوًا بغير علاج، قاله أبو عبيد وجماعة.
"وقال الخطابي: ليس المراد أنها نوع من المن الذي أنزل الله على بني إسرائيل، فإن الذي أنزل على بني إسرائيل كان كالترنجيل الذي يسقط على الشجر" وهذا ينبت في الأرض، "وإنما المعنى أن الكمأة شيء ينبت من غير تكلف ببذر ولا سقي" فهو من قبيل المن الذي كان ينزل على بني إسرائيل، فيقع على الشجر فيتناولونه، ثم أار، يعني الخطابي إلى أنه يحتمل أن يكون الذي أنزل على بني إسرائيل، كان أنواعًا منها ما يسقط على الشجر، ومنها ما يخرج من الأرض فتكون الكمأة منه؛ وهذا هو القول الثالث، وبه جزم الموفق عبد اللطيف البغدادي ومن تبعه، فقالوا: المن الذي أنزل على بني إسرائيل ليس هو ما يسقط على الشجر فقط، بل كان أنواعًا من الله عليهم بها، من النبات الذي يوجد عفوًا، ومن الطير الذي يسقط عليهم من غير اصطياد، ومن الطل الذي يسقط على الشجر، والمن مصدر بمعنى المفعول، أي ممنون به، فلما لم يكن للعبد فيه شائبة كسب، كان منا محضًا، وإن كانت جميع نعم الله على عبيده منها منه عليهم، لكن خص هذا باسم المن، لكونه لا صنع لأحد فيه، فجعل قوتهم في التيه الكمأة، وهي تقوم مقام الخبز، وأدمهم السلوى، وهي تقوم مقام اللحم، وحلواهم الطل الذي ينزل على الشجر، فكمل بذلك عيشهم، ويشير إلى ذلك قوله ﷺ : "منстр. 4345
اختصت الكمأة بهذه الفضيلة لأنها من الحلال المحض، الذي ليس في اكتسابه شبهة، ويستنبط منه أن استعمال الحلال المحض يجلو البصر.
وقال ابن الجوزي: في المراد بكونها شفاء للعين قولان: أحدهما: أنه ماؤها حقيقة إلا أن أصحاب هذا القول اتفقوا على أنها لا تستعمل صرفًا في العين، لكن اختلفوا كيف يصنع بها على رأيين: أحدهما أن يخلط في الأدوية التي يكتحل بها، حكاه أبو عبيد، ثانيهما: أن تشق وتوضع على الجمر حتى يغلي ماؤها ثم يؤخذ الميل فيجعل في ذلك الشق وهو فاتر، فيكتحل بمائها؛ لأن النار تلطفه وتذهب فضلاته الرديئة وتبقي النافع منه، ولا يجعل الميل في مائها وهي باردة يابسة فلا ينجع.
وقال آخر: تجعل الكمأة في قدر جديدة ويصب الماء عليها، ولا يطرح
الحواشي
(١) المن"، فأشار إلى أنها فرد من أفراده، فالترنجبيل كذلك فرد من أفراد المن، وإن غلب استعمال المن عليه عرفًا، ذكره الحافظ، ثم قال قوله: وماؤها شفاء للعين.
قال الخطابي: "وإنما اختصت الكمأة بهذه الفضيلة؛ لأنها من الحلال المحض الذي ليس في اكتسابه شبهة، ويستنبط منه أن استعمال الحلال يجلو البصر" والعكس بالعكس كما في كلام الخطابي عند الحافظ، زاد بعضهم: ويجلو البصيرة أيضًا.
"وقال ابن الجوزي: في المراد بكونها شفاء للعين قولان: أحدهما: أنه ماؤها حقيقة، إلا أن أصحاب هذا القول اتفقوا على أنها لا تستعمل صرفًا في العين، لكن اختلفوا كيف يصنع بها على رأيين، أحدهما أنه يخلط في الأدوية التي يكتحل بها" كالأثمد والتوتيا، "حكاه أبو عبيد".
قال الحافظ: ويصدق على هذا القول، أن بعض الأطباء قالوا: أكل الكمأة يجلو البصر، "ثانيهما: أن تشق وتوضع على الجمر حتى يغلي ماؤها، ثم يؤخذ الميل" "بكسر الميم" المرود، "فيجعل في ذلك الشق وهو فاتر، فيكتحل بمائها؛ لأن النار تلطفه وتذهب فضلاته الرديئة وتبقي النافع منه، ولا يجعل الميل في مائها، وهي باردة يابسة، فلا ينجع".
زاد الحافظ، وحكى إبراهيم الحربي، عن صالح وعبد الله ابني أحمد بن حنبل أنهما اشتكيت أعينهما، فأخذا كمأة وعصراها واكتحلا بمائها، فهاجت أعينهما ورمدا.
قال ابن الجوزي: وحكى شيخنا أبو بكر بن عبد الباقي أن بعض الناس عصر ماء كمأة، فاكتحل بها، فذهبت عينه.
"وقال آخر: تجعل الكمأة في قدر جديدة ويصب الماء عليها، ولا يطرح فيها ملح،стр. 4346
فيها ملح، ثم يؤخذ غطاء جديد نقي فيجعل على القدر، فما جرى على الغطاء من بخار الكمأة فذلك الماء الذي يكتحل به.
وقال ابن واقد: إن ماء الكمأة إذا عصر وربي به الأثمد كان من أصلح الأشياء للعين إذا اكتحل به وحده يقوي أجفانها، ويزيد الروح الباصرة قوة وحدة، ويدفع عنها نزول النوازل، وقال أيضًا: إذا اكتحل بماء الكمأة بميل من ذهب تبين للفاعل لذلك قوة عجيبة وحدة في البصرة كثيرة.
الحواشي
(١) ثم يؤخذ غطاء جديد نقي" "بنون فقاف" "من" الدنس، "فيجعل على القدر، فما جرى" أي سال "على الغطاء من بخار الكمأة، فذلك الماء الذي يكتحل به".
"وقال ابن واقد: إن ماء الكمأة إذا عصر وربي به الأثمد كان من أصلح الأشياء للعين، إذا اكتحل به وحده يقوي أجفانها ويزيد الروح الباصر قوة وحدة، ويدفع عنها نزول النوازل" ووصف الروح بالباصر بناء على أن القوى التي في البدن تسمى أرواحًا، فيقال: الروح الباصر والروح السامع والروح الشام، كما قاله ابن القيم.
"وقال" ابن واقد: "أيضًا إذا اكتحل بماء الكمأة بميل من ذهب، تبين للفاعل لذلك قوة عجيبة وحدة في البصر كثيرة" ولم يذكر المصنف القول الثاني، وهو: أن المراد ماؤها الذي تنبت به، فإنه أول مطر يقع في الأرض فتربى به الأكحال، حكاه ابن الجوزي، عن أبيبكر بن عبد الباقي: فتكون الإضافة إضافة الكل لا إضافة جزء، كأنه يقول ابن القيم: هذا أضعف الوجوه.
قال الحافظ: وفيما ادعاه ابن الجوزي من الاتفاق على أنها لا تستعمل صرفًا نظر، فقد حكى عياض عن بعض أهل الطب في التداوي بماء الكمأة تفصيلًا، وهو: إن كان لتبريد ما بالعين من الحرارة، فماؤها مجردً شفاء، وإلا فتستعمل مركبة، وبهذا جزم ابن العربي، فقال الصحيح: إنه ينفع بصورته في حال، وبإضافته في أخرى، وقد جرب ذلك فوجد صحيحًا.
نعم، جزا الخطابي بمال ابن الجوزي، فقال: تربى بالتوتيا وغيرها من الأكحال، ولا تستعمل صرفًا؛ لأنه يؤذي العين، وقال النووي: الصحيح، بل الصواب أن ماءها شفاء للعين مطلقًا، فيعصر ماؤها ويجعل في العين منه، قال: وقد رأيت أنا وغيري في زماننا من كان أعمى، فذهب بصره حقيقة، فكحل عينيه بماء الكمأة مجردًا، فشفي وعاد إليه بصره، وهو الشيخ العدل الأمين، الكمال بن عبد الدمشقي، صاحب صلاح، ورواية في الحديث، وكان استعماله لماء الكمأة اعتقادًا في الحديث وتبركًا به، فنفعه الله به، قلت: الكمال المذكور هو كمال الدين عبد العزيز بن عبد المنعم بن الخضر، يعرف بابن عبد بغير إضافة الحارثي، الدمشقي، من أصحاب أبي طلفر الخشوعي، سمع منه جماعة من شيوخ شيوخنا، عاش ثلاثًا وثمانين سنة، ومات سنةстр. 4347
وقال ابن القيم: اعترف فضلاء الأطباء أن ماء الكمأة يجلو العين، منهم المسيحي وابن سينا وغيرهما، قال: والذي يزيل الإشكالات عن هذا الاختلاف أن الكمأة وغيرها خلقت في الأصل سليمة من المضار، عرض لها الآفات بأمور أخرى، من مجاورة أو امتزاج أو غير ذلك من الأسباب التي أرادها الله تعالى، فالكمأة في الأصل نافعة لما اختصت به من وصفها بأنها من الله، وإنما عرضت لها المضار بالمجاورة، واستعمال كل ما وردت به السنة بصدق ينتفع به من يستعمله، ويدفع الله عنه الضرر لنيته والعكس بالعكس والله أعلم.
الحواشي
(١) اثنتين وسبعين وستمائة قبل النووي بأربع سنين، وينبغي تقييد ذلك بمن عرف من نفسه قوة اعتقاد في صحة الحديث والعمل به، كما يشير إليه آخر كلامه، وهو ينافي قوله أولًا مطلقًا.
وقد أخرج الترمذي في جامعه بسند صحيح إلى قتادة، قال: حدثت أن أبا هريرة قال: أخذت ثلاثة أكمؤ، أو خمسًا، أو سبعًا فعصرتهن، فجعلت ماءهن في قارورة، فكحلت بها جارية لي، فبرئت. انتهى.
"وقال ابن القيم: اعترف فضلاء الأطباء أن ماء الكمأة يجلو العين، منهم المسيحي" "بفتح الميم وكسر المهملة وسكون التحتية"، كما يفيده كلام التبصر "وابن سيناء وغيرهما، قال: والذي يزيل الإشكالات عن هذا الاختلاف أن الكمأة وغيرها خلقت في الأصل سليمة مع المضار، ثم عرض لها الآفات بأمور أخرى من مجاورة أو امتزاج، وغير ذلك من الأسباب التي أراد الله تعالى، فالكمأة في الأصل نافعة لما اختصت به من وصفها؛ بأنها من الله، وإنما عرضت لها المضار بالمجاورة واستعمال كل ما وردت به السنة، بصدق ينتفع به من يستعمله ويدفع الله عنه الضرر لنيته، والعكس بالعكس، والله أعلم" بالنيات، وهذا الحديث جاء عن جمع صحابة أبو سعد الخدري، جابر عن أحمد، والنسائي وابن ماجه وابن عباس وعائشة عند أبي نعيم في الطب النبوي، ورواه ابن السني عن صهيب، رفعه: "عليكم بماء الكمأة الرطبة، فإنها من المن، وماؤها شفاء للعين".
قال عبد الملك بن عمير: فحدثت بهذا الحديث شهر بن حوشب، فلقيني بعد، فقال: الحديث الذي حدثتني به، لقد أخذ ابنا لي من هذا الجذري، فشرب عيناه ما شاء الله منه حتى ذهبت عيناه فأخذت الكمأة، فقطرت في عينيه قطرة قطرة، وعرفت أن الله وتر يحب الوتر، حتى إذا كان الغد قطرت فيه ثلاثًا ثلاثًا، حتى إذا كان الغد قطرت فيه خمسًا خمسًا، حتى بلغت أحد عشر، فكأن ليس بعينيه نكبة.
وقال المستغفري: قال علي بن الجهم: دعاني المتوكل أمير المؤمنين، فقال: قد أكثرتстр. 4348
.......................................
الحواشي
(١) من الأدوية لعيني، فلا تزداد إلا رمدًا، فسل العلماء هل يعرفون حديثًا في ذلك؟ قال: فمضيت إلى أحمد بن حنبل، فسألته، فقال: روى شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين" قال: فرجعت إلى المتوكل، فأخبرته، فقال: ادع لنا يوحنا بن ماسويه، فدعوته، فقال له المتوكل: كيف يستخرج ماء الكمأة؟، قال: أنا أستخرج ذلك، فأخذ الكمأة، فقشرها ثم سلقها، فانضجت أدنى النضج، ثم شقها وأخرج ماءها بالميل، فكحل به عين المتوكل، فبرأت في الدفعة الثانية، فعجب يوحنا، وقال: أشهد أن صاحبكم كان حكيمًا، يعني النبي ﷺ .стр. 4349
[ذكر طبه ﷺ من العذرة] :
وهي -بضم المهملة وسكون الذال المعجمة- وجع في الحلق يعتري الصبيان غالبًا، وقيل: هي قرحة تخرج بين الأذن والحلق، أو في الخرم الذي ينزل بين الأنف والحلق، وهو الذي يسمى سقوط اللهاة، وقيل: هو اللهاة والمراد وجعها سمي باسمها، وقيل: هو موضع قريب من اللهاة، واللهاة -بفتح اللام- اللحمة التي في أقصى الحلق.
وفي البخاري، من حديث أم قيس بنت محصن الأسدية -أسد خزيمة- وهي
الحواشي
(١) ذكر طبه ﷺ من العذرة:
"وهي بضم" العين "المهملة وسكون الذال المعجمة: وجع في الحلق يعتري الصبيان غالبًا" قيلك سميت بذلك؛ لأنها تخرج غالبًا عند طلوع العذرة، وهي خمسة كواكب تحت الشعرى العبور، ويقال لها أيضًا: العذارى، وطلوعها يقع في وسط الحر.
"وقيل: هي قرحة تخرج بين الأذن والحلق، أو" تخرج "في الخرم الذي ينزل من الأنف والحلق" عبارة غيره، أو في الخرم الذي بين الأنف والحلق، "وهو الذي يسمى سقوط اللهاة".
"وقيل: هو اللهاة" نفسها، "والمراد وجعها، سمي باسمها" تسمية للحال باسم المحل، "وقيل: هو موضع قريب من اللهاة، واللهاة: "بفتح اللام" اللحمة التي في أقصى الحلق" ويجمع على لهى ولهيات، مثل حصاة وحصى وحصيات، وعلى لهوات أيضًا، على الأصل كما في المصباح.
"وفي البخاري" ومسلم وأبي داود وابن ماجه، "من حديث أم قيس" يقال: اسمها آمنة "بنت محصن" "بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين ونون" "الأسدية، أسدстр. 4350
أخت عكاشة، أنها أتت رسول الله ﷺ بابن لها قد أعلقت عليه من العذرة، فقال النبي ﷺ : "علام تدغرون أولادكن بهذا العلاق؟ عليكم بهذا العود الهندي فإن فيه سبعة أشفية منها ذات الجنب" يريد الكست وهو العود الهندي.
الحواشي
(١) خزيمة" بن مدركة بن إلياس بن مضر، احترازًا عن أسد ربيعة وغيره، وتلو هذا البخاري: وكانت من المهاجرات الأول، اللاتي بايعن النبي ﷺ ، "وهي أخت عكاشة" بالتشديد" ابن محصن، أحد من يدخل الجنة بغير حساب "أنها أتت رسول الله ﷺ بابن لها".
قال الحافظ: لم أعرف اسمه، "قد أعلقت" وفي رواية: علقت "بشد اللام بدون ألف"، وصوب الحافظ وغيره الأول، وهما في البخاري، أما مسلم، فإنما فيه أعلقت بالألف، وهما بمعنى: لكن اللغويون إنما يقولون: أعلقت، أفاده عياض "عليه".
وفي رواية للبخاري، عنه: وصوب ابن الأعرابي عليه، وهو ما في مسلم، وقال الخطابي: المحدثون يقولون عليه والصواب عنه، أي دفعت عنه، ومعنى أعلقت عليه أو ردت عليه العلوق، أي ما عذبته به "من العذرة".
وقال النووي: أي عالجت رفع لهاته بإصبعها، وقال عياض: فسره سفيان برفع الحنك بالإصبع، وأبو عبيد برفع اللهاة وكل متقارب، "فقال النبي ﷺ : "علام" بدون ألف بعد الميم وفي رواة: بالألف، أي لأي شيء "تذغرن أودلاكن بهذا العلاق" "بكسر العين وفتحها"، وفي رواية: الإعلاق، وهما بمعنى، ولكن أهل اللغة إنما يذكرون الإعلاق رباعي، وتفسيره غمز العذرة، قال عياض، أي لأنه مصدر أعلقت.
وقال القرطبي: هو الأشهر لغة، حتى زعم بعضهم أنه لا يجوز العلاق، وقال ابن الأثير، يجوز على أن العلاق اسم المصدر الذي هو الإعلاق، كما قالوا في العطاء أنه اسم المصدر الذي هو الإعطاء، قال القرطبي: والرواية في العلاق "بكسر العين" انتهى.
وضبطه النووي بفتحها، فهما روايتان، وفي الكلام معنى الإنكار، أي على أي شيء تعالجن هذا الداء بهذه الآفة والمداوة الشنيعة، فلا تفعلن ذلك، ولكن "عليكم" "بالميم"، ورواه الكشميهني: عليكن "بالنون" وهما باعتبار الأشخاص والأنفس، قاله المصنف: "بهذا العود الهندي" يعني: استعملوه على ما يأتي بيانه، "فإن فيه سبعة أشفية" جمع شفاء، أي أدوية، "منها ذات الجنب" أي الألم العارض فيه من رياح غليظة مؤذية، وتسمى الشوصة، وقال الترمذي: هي السل.
قال القرطبي: وفيه بعد، والمعروف الأول، وفي الرواية للشيخين: فإن فيه سبعة أشفية من سبعة أدواء، منها: ذات الجنب، يسعط به من العذرة، ويلد به من ذات الجنب، أي بأن يصب الدواء في أحد شقي الفم، ويسعط ابتداء كلام بيان لصفة التداوي، "يريد" ﷺ "الكستстр. 4351
وقوله: "تدغرن" خطاب للنسوة، وهو بالغين المعجمة والدال المهملة، والدغر: غمز الحلق.
عن جابر بن عبد الله قال: دخل رسول الله ﷺ على عائشة وعندها صبي يسيل منخراه، دمًا، فقال: "ما هذا؟ به العذرة، أو وجع في رأسه"، فقال: "ويلكن لا تقتلن أولادكن، أيما امرأة أصاب ولدها عذرة أو وجع في رأسه فلتأخذ قسطًا هنديًا فلتحله
الحواشي
(١) "بضم الكاف وسكون السين المهملة والتاء المثناة آخره"، وفي الطريق الآتي: "بالقاف، ثم السين، ثم الطاء، وهما لغتان"، "وهو العود الهندي".
قال ابن العربي: القسط نوعان: هندي، وهو أسود، وبحري، وهو أبيض؛ والهندي أشدهما حرارة، وقال القرطبي: البحري الأبيض أحد نوعي العود الهندي، قال الحافظ: كذا وقع الاقتصار في الحديث من السبعة على اثنين، فإما أن يكون ذكر السبعة، فاختصر الراوي، أو اقتصر ﵇ على الاثنين، لوجودهما حينئذ دون غيرهما.
وقد ذكر الأطباء: من منافع القسط أنه يدر الطمث والبول، ويقتل ديدان الأمعاء، ويدفع السم وحمى الربع والورد، ويسخن المعدة ويحرك شهوة الجماع، ويذهب الكلف طلاء، فذكروا أكثر من سبعة.
وأجاب بعض الشراح بأن السبعة علمت بالوحي، وما زاد عليها بالتجربة، فاقتصر على ما هو بالوحي لتحققه، وقيل: ذكر ما يحتاج إليه دون غيره؛ لأنه لم يبعث بتفاصيل ذلك، قلت: ويحتمل أن تكون السبعة أصول صفة التداوي به؛ لأنها إما طلاء أو شرب أو تكميد أو تنطيل أو تبخير أو سعوط أو لدود؛ فالطلاء يدخل في المراهم ويخل بالزيت ويلطخ، وكذلك التكميد والشرب يسحق ويجعل في عسل أو ماء أو غيرهما، وكذا التنطيل والسعوط يسعط في زيت ويقطر في الأنف، وكذا الدهن والتبخير واضح، وتحت كل واحد من السبعة منافع لأدواء مختلفة، ولا يستغرب ذلك ممن أوتي جوامع الكلم.
"وقوله: تدغرن خطاب للنسوة، وهو بالغين المعجمة" المفتوحة مضارع دغر، كمنع، "والدال المهملة" قال القرطبي: لا يجوز غيره، "والدغر غمز الحلق" قال القرطبي: والمراد به هنا رفع الحنك، وأصله الدفع، ونهى عن ذلك لما فيه من تعذيب الصبي، ولعله يزويد في وجعه.
"و" أخرج أحمد وأصحاب السنن، "عن جابر بن عبد الله، قال: دخل رسول الله ﷺ على عائشة وعندها صبي" صغير، "يسيل منخراه دمًا، فقال: "ما هذا"؟ الذي بهذا الصبي "قالوا: به العذرة أو وجع في رسه، فقال: "ويلكن" كلما تقال لمن وقع في هلكة، ولا يترحمстр. 4352
بماء ثم تسعطه إياه". فأمرت عائشة فصنع ذلك للصبي فبرأ. الحديث.
وفي القسط تجفيف يشد اللهاة ويرفعها إلى مكانها، وكانوا يعالجون أولادهم بغمزة اللهاة، وبالعلاق: وهو شيء يعلقونه على الصبيان، فنهاهم ﷺ عن
الحواشي
(١) عليه بخلاف ويح، "لا تقتلن أولادكن" أي لا تفعلن ما يكون سببًا لقتلهم، "أيما امرأة" بزيادة ما لإفادة التعميم، "أصاب ولدها عذرة أو وجع في رأسه، فلتأخذ قسطًا" "بضم القاف وبالطاء".
قال البخاري: وهو الكست، يعني بالكاف والفوقية، قال: مثل الكافور والقافور، ومثل كشطت وقشطت، وقرأ عبد الله بن مسعود: قشطت.
قال القرطبي: وهذا من التعاقب بين الحرفين، "هنديًا" يجلب من الهند، وهو نوعان: أسود وأبيض، ويقال له: بحري، وهو المراد هنا لحديث زيد بن أرقم: "تداووا من ذات الجنب بالقسط البحري والزيت" هذا مفاد كلام القرطبي، وفي شرح المصنف البحري، ما يجلب من اليمن، ومنه ما يجلب من المغرب، وزاد بعضهم: ثالثًا، يسمى بالقسط المر، وهو كثير ببلاد الشام، خصوصًا السواحل، قال في نزهة الأفكار: وأجودها البحري، وخيار الأبيض الخفيف، الطيب الرائحة، وبعده الهندي، وهو أسود خفيف، وبعده الثالث: وهو ثقيل، ولونه كالخشب البقس، ورائحته ساطعة، وأجود ذلك كله ما كان جديدًا، ممتلئًا غير متآكل بلدغ اللسان، وكل دواء مبارك نافع، "فلتحله بماء" أي تحكه على حجر بالماء، كذا في المرقاة.
وقال القرطبي: أي يدق ناعمًا "ثم تسعطه" "بفتح التاء والعين وبضم العين من سعط، كمنع ونصر، وبضم التاء وكسر العين من أسعط"، "إياه" أي تصبه في أنفه.
قال القرطبي: وهل يسعط به مفردًا أو مع غيره، يسأل عن ذلك أهل المعرفة والتجربة، ولا بد من النفع به إذا لا يقول ﷺ إلا حقًّا "فأمرت عائشة، فصنع ذلك للصبي فبرأ، الحديث".
قال في المرقاة: وقد حصل هذا المرض لولدي، وألح به، فأرادوا أن يغمزوا حلقه على طريقة النساء، فمنعتهن من ذلك تمسكًا بالحديث، واستعملت له القسط، فشفي منه سريعًا، ولم يعاوده بعد ذلك، ووصفته لجماعة فبرءوا منه، مصداق قوله ﷺ : "وفي القسط تجفيف يشد اللهاة ويرفعها إلى مكانها، وكانوا يعالجون أولادهم بغمز اللهاة وبالعلاق" "بكسر العين وفتحها" "وهو شيء يعلقونه على الصبيان" كالعوذة، وهذا بيان لمراده هنا، وإلا فالعلاق لغة ما يعلق بها لشيء ثم تفسيره مخالف لقوله في شرح البخاري: أعلقت عليه من العذرة، أي رفعت حنكه بإصبعها، ففجرت الدم، وفي الفتح والنهاية وغيرهما أنه كانت عادة النساء إذا أصاب الصبي العذرة، تعمد المرأة إلى خرقة تفتلها فتلًا شديدًا وتدخلها في أنفه، وتطعن ذلكстр. 4353
ذلك وأرشدهم إلى ما هو أنفع للأطفال وأسهل عليهم.
والسعوط: ما يصب في الأنف.
وقد استشكل معالجتها -أي العذرة- بالقسط مع كونه حارًا، والعذرة إنما تعرض في زمن الحر بالصبيان، وأمزجتهم حارة، لا سيما وقطر الحجاز حار؟
وأجيب: بأن مادة العذرة دم يغلب عليه البلغم، وفي القسط تجفيف للرطوبة وقد يكون نفعه في هذا الداء بالخاصية، وأيضًا فالأدوية الحارة قد تنفع من الأمراض الحارة بالعرض كثيرًا، بل وبالذات أيضًا، وقد ذكر ابن سينا في معالجة سقوط اللهاة بالقسط مع الشب اليماني، على أنا لو لم نجد شيئًا من التوجيهات لكان أمر المعجزة خارجًا عن القواعد الطبيعية.
الحواشي
(١) الموضع، فيفنجر منه دم أسود، وربما أقرحه، وذلك الطعن يسمى دغرًا، فمعنى تدغرن أولادكن، أنها تغمز حلق الولد بإصبعها، فترفع ذلك الموضع وتكبسه بهذا العلاق.
زاد في النهاية: وكانوا بعد ذلك يعلقون عليه علاقًا، كالعوذة، "فنهاهم ﷺ عن ذلك وأرشدهم إلى ما هو أنفع للأطفال وأسهل عليهم" فإنه يصل إلى العذرة فيقضها؛ لأنه حار يابس، "والسعوط" "بفتح السين وضم العين المهملتين" "ما يصب في الأنف" أما بضم السين، فالفعل الذي هو سب الدواء في الأنف.
"وقد استشكل معالجتها أي العذرة بالقسط مع كونه حارًا" يابسًا، "والعذرة إنما تعرض في زمن الحر بالصبيان وأمزجتهم حارة، لا سيما وقطر الحجاز حار" فكيف يعالج الشيء بما يقويه.
"وأجيب: بأن مادة العذرة" أصلها الذي تولدت منه "دم يغلب عليه البلغم، وفي القسط تجفيف للرطوبة" البلغمية، "وقد يكون نفعه في هذا الداء" أي المرض "بالخاصية" وإن كان حارًا، "وأيضًا فالأدوية الحارة قد تنفع من الأمراض الحارة بالعرض كثيرًا، بل وبالذات أيضًا".
"وقد ذكر ابن سينا في معالجة سقوط اللهاة بالقسط" الباء زائدة، ولم تقع في الفتح "مع الشب اليماني، على أنا لو لم نجد شيئًا من التوجيهات لكان أمر المعجزة خارجًا عن القواعد الطبيعية" أي لكان الشفاء مع وجود سبب منعه أمرًا خارقًا للعادة.
وقال النووي: اعترض من في قلبه مرض، فقال: أجمع الأطباء على أن مداواة ذات الجنب بالقسط خطر جدًّا، لفرط حرارته.
قال المازري: وقد كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، فقد ذكر جالينوس؛ أن القسط ينفع من وجع الصدر، وذكر بعض قدماء الأطباء أنه يستعمل لجذب الخلط من باطن البدن إلى ظاهره، وهذا يبطل ما زعمه المعترض الملحد. انتهى.
والمازري أطال النفس في ذكر منافع القسط التي تطابق عليها الأطباء في كتبهم، ثم قال فأنت ترى هذه المنافع التي ذكرها الأطباء، فتعلم أنه ممدوح شرعًا وطبًّا.стр. 4354
[ذكر طبه ﷺ لداء استطلاق البطن] :
في الصحيحين من حديث سعيد بن أبي عروبة أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: إن أخي يشتكي بطنه -وفي رواية استطلق بطنه- فقال: "اسقه عسلًا"، فسقاه فقال: إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا،
الحواشي
(١) ذكر طبه ﷺ لداء استطلاق البطن:
"في الصحيحين" والترمذي والنسائي، كلهم في الطب، "من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن أبي المتوكل" علي بن دآود، ويقال ابن داود "بضم الدال بعدها واو فهمزة" الناجي "بنون وجيم" البصري، ثقة، من رجال الجميع وأوساط التابعين، مات سنة ثمان ومائة، وقيل: قبلها، "عن أبي سعيد" سعد بن مالك "الخدري" الصحابي ابن الصحابي: "أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: إن أخي" قال الحافظ: لم أقف على اسم واحد منهما "يشتكي بطنه" أي وجع بطنه من إسهال حصل له من تخمة.
"وفي رواية" للشيخين أيضًا من حديث قتادة، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد، فقال: إن أخي "استطلق" "بفتح الفوقية واللام" "بطنه" "بالرفع، وضبطه في الفتح مبنيًَّا للمفعول، أي تواتر إسهال بطنه" قال المصنف: وكذا قال القرطبي في المفهم، هو بضم التاء مبنيًّا للمفعول، فهو الرواية الصحيحة، فيكون أصله استطلق هو بطنه، فالسين زائدة لا للطلب.
قال الحافظ: استطلق، بضم المثناة وسكون الطاء المهملة وكسر اللام، بعدها قاف، أي كثر خروج ما فيه، يريد الإسهال، ولمسلم من طريق سعيد بن أبي عروبة: قد عرب بطنه، بمهملة، فراء مكسورة، فموحدة، أي فسد هضمه لاعتلال المعدة، ومثله ذرب "بذال معجمة بدل العين" وزنا ومعنى؛ "فقال: "اسقه عسلًا" صرفًا أو ممزوجًا، وعند الإسماعيلي: اسقه العسل، واللام عهدية، والمراد عسل النحل، لكونه المشهور عندهم، قال الحافظ: أي عند النحاة الذي هو الإشارة إلى معهود في الذهن، لا عند البيانين؛ أنه الإشارة إلى حصة غير معينة؛ لأنه حينئذ لا يفيد أنه النحل إلا أن يراد النحل، ويراد بالحصة باعتبار القدر منه، "فسقاه" العسل فلم ينجع،стр. 4355
فقال: "صدق الله وكذب بطن أخيك".
وفي رواية لمسلم فقال له ثلاث مرات، ثم جاء الرابعة فقال: "اسقه عسلًا"، فقال: سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا، فقال: "صدق الله".
وفي رواية أحمد عن يزيد بن هارون فقال في الرابعة: "اسقه عسلًا"، قال فأظنه، قال: فسقاه فبرأ، فقال رسول الله ﷺ : "صدق الله وكذب بطن أخيك".
قال الخطابي وغيره: أهل الحجاز يطلقون الكذب في موضع الخطأ، يقال: كذب سمعك، أي زل فلم يدرك حقيقة ما قيل له، فمعنى: كذب بطن أخيك،
الحواشي
(١) فأتى النبي ﷺ ، "فقال: إني سقيته" العسل، "فلم يزده إلا استطلاقًا" بعد السقي، ففي السياق حذف مستفاد من هذا، "فقال: "صدق الله" في قوله: فيه شفاء للناس، "وكذب" أخطأ "بطن أخيك" حيث لم يصلح لقبول الشفاء، لكثرة المادة الفاسدة التي فيه، ولذا أمره بمعاودة شرب العسل لاستفراغها، فلما كرر ذلك برأ، كما في الرواية الأخرى أنه سقاه الثانية والثالثة، فإن ما ساقه المصنف، لفظ رواية قتادة عن أبي المتوكل، التي ذكرها بقوله: وفي رواية استطلق بطنه ففيها اختصار عند البخاري.
أما رواية سعيد بن أبي عروبة، عن أبي المتوك التي صدر بها، فهي تامة، ولفظها، فقال: إن أخي يشتكي بطنه، فقال: "اسقه عسلًا"، ثم أتى الرجل الثانية، فقال: "اسقه عسلًا"، ثم أتاه الثالثة فقال: "اسقه عسلًا"، ثم أتاه، فقال: فعلت، فلم يبرأ، فقال: "صدق الله وكذب بطن أخيك"، فسقاه فبرأ؛ فبين أن قوله: "صدق الله" إنما كان بعد أن جاء ثلاث مرات.
"وفي رواية لمسلم: فقال له ثلاث مرات" إني سقيته، فلم يزده إلا استطلاقًا، "ثم جاء الرابعة، فقال: "اسقه عسلًا"، فقال: سقيته، فلم يزده إلا استطلاقًا" لجذبه المادة، وكونه أقل من كميته، "فقال: "صدق الله" "وكذب بطن أخيك".
"وفي رواية أحمد، عن" شيخه "يزيد بن هارون" السلمي، مولاهم الواسطي بإسناده "فقال في الرابعة: اسقه عسلًا، قال: فأظنه قال: فسقاه فبرأ" "بفتح الراء والهمز بوزن قرأ" وهي لغة أهل الحجاز، وغيرهم يقولها "بكسر الراء بوزن علم، كما في الفتح"، "فقال رسول الله ﷺ : "صدق الله وكذب بطن أخيك" ففي هاتين الروايتين؛ أنه قال ذلك بعد الرابعة.
قال الحافظ: والأرجح أنه قاله بعد الثالثة، وفي رواية: فسقاه فعافاه الله سبحانه.
"قال الخطابي وغيره: أهل الحجاز يطلقون الكذب" الذي هو الإخبار، بخلاف الواقع عمدًا، أو سهوًا، أو جهلًا، لكن لا إثم فيهما، إنما هو في العمد "في موضع الخطأ" الذي هو خلاف الصواب قولًا أو فعلًا، "يقال: كذب سمعك، أي زل، فلم يدرك حقيقة ما قيل له" بلстр. 4356
أي لم يصلح لقبول الشفاء بل ذل عنه.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: لعله ﷺ علم بنور الوحي أن ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك، فلما لم يظهر نفعه في الحال مع كونه ﵊ كان عالمًا سيظهر نفع بعد ذلك كان جاريًا مجرى الكذب، فلهذا أطلق عليه هذا اللفظ.
وقد اعترض بعض الملحدة فقال: العسل مسهل، فكيف يوصف لمن وقع به الإسهال؟
وأجيب: بأن ذلك جهل من قائله، بل هو كقوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَم
الحواشي
(١) أدرك الحكم على خلاف ما ألقي إليه وليس هو حقيقة الكذب؛ إذ الإخبار فيه بخلاف الواقع فهو دليل على إطلاق الكذب في موضع الخطأ.
زاد عياض: وكذا يقولون كذب بصرك إذا لم يدرك ما رأى، قال الشاعر:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالًا
"فمعنى كذب بطن أخيك، أي يصلح لقبول الشفاء، بل ذل عنه" قال بعضهم فيه: إن الكذب قد يطلق على عدم المطابقة في غير الخبر.
قال في المصابيح: هو على سبيل الاستعارة التبعية، وفيه إشارة إلى تحقيق نفع هذا الدواء، "وقال الإمام فخر الدين الرازي: لعله ﷺ علم بنور الوحي" كأنه لم يقل بالوحي؛ لأنه ينشأ عنه أنوار تشرق في صدره، بل في جميع بدنه، يظهر بها من المعاني اللطيفة والأسرار الخفية ما تقصر العبارة عن بيانه، "أن ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك، فلما لم يظهر نفعه في الحال، مع كونه ﵊ كان عالمًا؛ بأنه سيظهر نفعه بعد ذلك، كان جاريًا مجرى الكذب" بحسب ظاهر الحال، وإلا فإذا كان الغرض علمه بالوحي أنه لا يصلح الآن، وإذا كرر صلح، يكون البرء متوقفًا على تكرر السقي، فهو متوقع، "فلهذا أطلق عليه هذا اللفظ" اي كذب.
"وقد اعترض بعض الملحدة" هذا الحديث، "فقال: العسل مسهل" "بضم فسكون" من أسهل، أي مطلق للبطن، "فكيف يوصف لمن وقع به الإسهال" مع أنه يزيده، وقد يؤدي إلى هلاكه.
"وأجيب: بأن ذلك جهل من قائله" لأنه أطلق في محل التقييد، "بل هو كقوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩] ، وجه الشبه أن هؤلاء بادروا إلى إنكار نفعстр. 4357
يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩] فقد اتفق الأطباء على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والعادة والزمان والغذاء المألوف، والتدبير وقوة الطبيعة، وعلى أن الإسهال يحدث من أنواع: منها الهيضة التي تنشأ عن تخمة، واتفقوا على أن علاجها بترك الطبيعة وفعلها، فإن احتاجت إلى مسهل أعينت ما دام بالعليل قوة، فكأن هذا الرجل كان استطلاق بطنه من تخمة أصابته فوصف له ﷺ العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة من أخلاط لزجة تمنع استقرار الغذاء فيها، وللمعدة خمل كخمل المنشفة، فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة أفسدتها وأفسدت الغذاء الواصل إليها، فكان دواؤها باستعمال ما يجلو تلك الأخلاط، ولا شيء في ذلك مثل العسل، لاسيما إن مزج بالماء الحار، وإنما لم
الحواشي
(١) العسل من الإسهال، كما أن المشركين بادروا إلى إنكار كون القرآن منزلًا من عند الله، لعدم وصولهم إلى فهم معانيه وما يراد به؛ "فقد اتفق الأطباء على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن" لمن قام به، فليس علاج الشيخ كعلاج الصبي، "والعادة" أي ما يعتاد له فعله من مشي وركوب وسهر ونوم ولبس وغير ذلك، "والزمان" فليس دواؤه في نحو الصيف، كدوائه في نحو الشتاء، "والغذاء المألوف" إذ قد يحدث المرض بمخالفته، فعلاجه برده إلى المألوف، "والتدبير" أي التأمل في صفة استعمال الدواء بمعرفة قدره وصفة تركيبه وغير ذلك، ككونه يستعمل بعد غليه بالنار، أو تسخينه فقط، بحيث يزول برده، أو باردًا، "وقوة الطبيعة" على القدر الذي يجعل من الدواء لها؛ "و" اتفقوا "على أن الإسهال يحدث من أنواع، منها: الهيضة" أي المرض الناشئ من اجتماع فضول في المعدة، هذا المراد هنا بدليل قوله: "التي تنشأ عن تخمة" "بوزن رطبة" أي فساد المعدة من الأخلاط المجتمعة فيها كما يأتي.
"واتفقوا على أن علاجها بترك الطبيعة وفعلها" فلا يستعمل لها قابض لئلا تحتبس تلك الفضول فيتولد منها مزيد الضرر، "فإن احتاجت إلى مسهل أعينت ما دام بالعليل قوة"، وحبسه عنه ضرر واستعجال مرض، "فكان هذا الرجل، كان استطلاق بطنه من تخمة أصابته، فوصف له ﷺ العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة، من أخلاط لزجة" "بزاي وجيم"، أي متعلقة بها "تمنع استقرار الغذاء فيها، وللمعدة خمل" "بكسر المعجمة وميم ساكنة"، "كخمل المنشفة" "بكسر الميم اسم آلة" "فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة أفسدتها، وأفسدت الغذاء الواصل إليها، فكان دواؤها باستعمال ما يجلو" يزيل "تلك الأخلاط، ولا شيء في ذلك" نافع "مثل العسل، لا سيما إن مزج بالماء الحار، وإنما لم يفسده في أولстр. 4358
يفسده في أول مرة لأن الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية بحسب الداء، إن قصر عنه لم يدفعه بالكلية، وإن جاوزه أوهى القوة وأحدث ضررًا آخر، فكأنه شرب منه أولًا مقدارًا لا يفي بمقاومة الداء، فأمره بمعاودة سقيه، فلما تكررت الشربات برأ بإذن الله تعالى.
وفي قوله ﷺ : "كذب بطن أخيك" إشارة إلى أن هذا الدواء، نافع، وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في الشفاء، ولكن لكثرة المادة الفاسدة، فمن ثم أمره بمعاودة شرب العسل لاستفراغها.
وقال بعضهم: إن العسل تارة يجري سريعًا إلى العروق وينفذ معه جل الغذاء ويدر البول فيكون قابضًا، وتارة يبقى في المعدة فيهيجها بلذعة لها حتى يدفع الطعام ويسهل البطن فيكون مسهل، فإنكار وصفه بالمسهل مطلقًا قصور من المنكر.
الحواشي
(١) مرة لأن الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية بحسب الداء" المرض "إن قصر عنه" "بفتحتين مخففًا"، كعقد، ومشددًا، أي عجز، كما في القاموس: "لم يدفعه بالكلية، وإن جاوزه أو هي" أضعف "القوة وأحدث ضررًا آخر، فكأنه" أي الرجل "شرب منه أولًا مقدارًا لا يفي بمقاومة الداء، فأمره بمعاودة سقيه، فلما تكررت الشربات برأ بإذن الله تعالى" "بزنة قرأ" لغة أهل الحجاز ولغة غيرهم، كعلم" والسياق في المرض، أما في الدين، فبالثاني فقط.
"وفي قوله ﷺ : "كذب بطن أخيك" إشارة إلى أن هذا الدواء، نافع، وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في الشفاء، ولكن لكثرة المادة الفاسدة، فمن ثم أمره بمعاودة شرب العسل لاستفراغها" فشفي لما استفرغت.
"وقال بعضهم": هو صاحب كتاب المائة في الطب، كما في الفتح: "إن العسل تارة يجري سريعًا إلى العروق وينفذ معه جل الغذاء" أكثره "ويدر البول فيكون قابضًا، وتارة يبقى في المعدة فيهيجها بلذعة لها" "بذال معجمة وعين مهملة" أي يؤثر فيها كتأثير النار أما بمهملة فمعجمة، فلذوات السموم، كالعقرب، "حتى يدفع الطعام ويسهل البطن فيكون مسهل، فنكار وصفه" أي العسل "بالمسهل مطلقًا قصور من المنكر".
وقال القرطبي في المفهم: اعترض بعض زنادقة الأطباء هذا، فقال: أجمع الأطباء على أن العسل مسهل، فكيف يوصف لمن به الإسهال، وهذا كلام جاهل، بدليل صدق النبي ﷺ ، وبصناعة الطب التي ينتمي إليها، أما الأول، فلأن من علم صدقه بدليل المعجزة، حقه إذا وجدстр. 4359
وقال ابن الجوزي: في وصفه ﷺ العسل لهذا المسهل أربعة أقوال:
أحدها: أن حمل الآية على عمومها في الشفاء أولى، وإلى ذلك أشار بقوله ﷺ : صدق الله، أي في قوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس﴾ فلما نبه على هذه الحكمة تلقاها بالقبول فشفي بإذن الله تعالى.
الثاني: أن الوصف المذكور على المألوف من عادتهم من التداوي بالعسل في الأمراض كلها.
الثالث: أن الموصوف له ذلك كان به هيضة، كما تقدم تقريره.
الحواشي
(١) من كلامه ما يقصر عن إدراكه أن يعلم أن القول حق في نفسه، وينسب القصور إلى نفسه، ثم إن كان الصادق بين كيفية العمل بذلك الشيء، فليبحث عنه، فإذا انكشف له، علم أن ذلك هو الذي أراد الصادق، وهذا إنما يخاطب به علماء الطب المسلمون؛ وأما بيان جهله بصناعة الطب، فإنه حاد في النقل، حيث أطلق في محل التقييد، ونقل إجماعًا لا يصح، وبيان ذلك ما قاله الإمام المازري: الأشياء التي يفتقر فيها إلى تفصيل، فلما يوجد فيها مثل ما يوجد في صناعة الطب، فإن المريض المعين يجد الشيء دواء في ساعة، ثم يصير داء له في الساعة التي تليها، لعارض يعرض له من غضب يحمي مزاجه، فينتقل علاجه إلى شيء آخر بسبب ذلك، وذلك مما لا يحصى كثرة؛ وقد يكون الشيء شفاء في حالة، وفي شخص، فلا يطلب الشفاء به في سائر الأحوال، ولا في كل الأشخاص، والأطباء مجمعون على أن العلة الواحدة يختلف علاجها باختلاف السن، فذكر نحو ما في المصنف، ثم قال: وبه علم جهالة المعترض، ولسنا نستدل على صدقه ﷺ بصدق الأطباء، بل لو كذبوه كذبناهم وكفرناهم، وإنما خرجنا على ما يصح من قواعدهم؛ لأنه ﷺ لا يكذب، وبينا به جهالة المعترض بالصفة التي ينتمي إليها. انتهى.
"وقال ابن الجوزي: في وصفه ﷺ العسل لهذا المسهل" "بضم، فسكون، ففتح"، أي الشخص المسهل "أربعة أقوال، أحدها: إن حمل الآية على عمومها في الشفاء أولى" بالقبول، "وإلى ذلك أشار بقوله ﷺ : صدق الله، أي في قوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس﴾ فلما نبه على هذه الحكمة تلقاها المسهول "بالقبول، فشفي بإذن الله تعالى".
"الثاني: أن الوصف المذكور على المألوف من عادتهم" أي العرب "من التداوي بالعسل في الأمراض كلها" وهذا ضعيف كما يأتي، بل باطل؛ إذ لو كان كذلك ما حسن استدلاله ﷺ ، بقوله: صدق الله.
"الثالث: أن الموصوف له ذلك كان به هيضة، كما تقدم تقريره" وهو وجيه، واقتصر عليه المازري وغيره.стр. 4360
الرابع: يحتمل أن يكون أمره بطبخ العسل قبل شربه، فإنه يعقد البلغ، فلعله شربه أو لا بغير طبخ، انتهى.
والثاني والرابع ضعيفان.
ويؤيد الأول حديث ابن مسعود: عليكم بالشفاءين العسل والقرآن أخرجه ابن ماجه والحاكم مرفوعًا، وأخرجه ابن أبي شيبة والحاكم أيضًا موقوفًا، ورجاله رجال الصحيح. وأثر علي: إذا اشتكى أحدكم فليستوهب من امرأته شيئًا من صداقها درهمًا فليشتر به عسلًا، ثم يأخذ ماء السماء، فيجمع هنيئًا مريئًا مباركًا، أخرجه
الحواشي
(١) "الرابع": يحتمل "أن يكون أمره بطبخ العسل قبل شربه، فإنه يعقد البغم، فلعله شربه أولا بغير طبخ، انتهى. والثاني والرابع ضعيفان" قد علم ضعف الثاني، ولعل وجه الرابع احتياجه إلى قرينة تدل عليه، أو أن القرينة دلت على خلافه.
"ويؤيد الأول حديث ابن مسعود: عليكم" أي ألزموا التداوي "بالشفاءين العسل" لعاب النحل، أو طل خفي يقع على الزهر وغيره، فتلقطه النحل، وقيل: بخار يصعد في الجو، فيستحيل ويغلظ بالليل، ويقع عسلًا، فتجنيه النحل وتغتذي به، فإذا شبعت جنت منه مرة أخرى، ثم تذهب به إلى بيوتها وتضعه فيها؛ لأنها تدخر لنفسها غذاءها، وقيل: إنها تأكل من الأزهار الطيبة والأوراق العطرة، فيقلب الله تلك الأجسام في داخل أبدانها عسلًا، ثم إنها تقيء ذلك، فهو العسل، وأصلحه الربيعي، ثم الصيفي، وأما الشتائي فرديء، وما يؤخذ من الجبال والشجر أجود مما يؤخذ من الخلايا، وهو بحسب مرعاه، ومن العجب أن النحل يأكل من جميع الأزهار، ولا يخرج منه إلا حلو، مع أن أكثر ما يجنيه مر، وله زهاء مائة اسم "والقرآن" جمع في هذا احديث بين الطب البشري والإلهي، وبين الفاعل الطبيعي والروحاني، وطب الأجساد وطب الأرواح، والسبب الأرضي والسماوي، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ .
"أخرجه ابن ماجه والحاكم مرفوعًا" عن النبي ﷺ ، وقال الحاكم: إنه على شرط الشيخين، "وأخرجه ابن أبي شيبة والحاكم أيضًا موقوفًا" على ابن مسعود
"ورجاله رجال الصحيح" وقال البيهقي في الشعب الصحيح، موقوف على ابن مسعود، "و" يؤيده أيضًا "أثر علي" كرم الله وجهه: "إذا اشتكى" أي مرض "أحدكم، فليستوهب" يطلب "من امرأته" أن تهبه "من صداقها درهمًا، فليشتر به عسلًا، ثم يأخذ ماء السماء" أي المطر، "فيجمع" دواء "هنيئًا مريئًا مباركًا" لبركته من العسل الذي فيه شفاء للناس، ومن ماء السماء الذي قال تعالى فيه: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩] .
"أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير بسند حسن" عن علي موقوفًا عليه، "وروينا عنه"стр. 4361
ابن أبي حاتم في التفسير بسند حسن.
وروينا عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: إذا أراد أحدكم الشفاء فليكتب آية من كتاب الله في صحيفة وليغسلها بماء السماء وليأخذ من امرأته درهمًا عن طيب نفس منها، فليشتر به عسلًا فليشربه فإنه شفاء.
قال الحافظ ابن كثير، بعد أن ذكره، أي من وجوه: قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء﴾ [الإسراء: ٨٢] وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩] ، وقال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] وقال في العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس﴾ [النحل: ٦٩] .
الحواشي
(١) أي عن علي "رضي الله تعالى عنه أنه قال: إذا أراد أحدكم الشفاء فليكتب آية من كتاب الله" أي آية كانت "في صحيفة وليغسلها بماء السماء وليأخذ من امرأته درهمًا" من صداقها، كما في الرواية قبلها، فيحمل المطلق على المقيد، "عن طيب نفس منها" فإن خلا عن ذلك لم يفد، "فليشتر به عسلًا فليشربه فإنه شفاء".
"قال الحافظ ابن كثير، بعد أن ذكره" أي أثر علي، "أي" إنه شفاء "من وجوه" أربعة: الأولى: "قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء﴾ [الإسراء: ٨٢] وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩] " كثير البركة، وهذا الوجه الثاني، "وقال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] "، تمييز محول عن الفاعل، أي إن طابت أنفسهن عن شيء من الصداق فوهبنه لكم، "فكلوه هنيئًا" طيبًا "مريئًا"، محمود العافية، لا ضرر فيه، وهذا الوجه الثالث.
"وقال في العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس﴾ [النحل: ٦٩] " وهذا رابع الوجوه، وضمير فيه للعسل، وقول مجاهد للقرآن.
صحيح في نفسه، لكن ليس هو الظاهر من سياق الآية؛ لأنها إنما فيها ذكر العسل، ولم يتابع مجاهد على قوله هذا، ثم قيل: المراد بالآية الخصوص، أي شفاء من بعض الأدواء، ولبعض الناس، قال القرطبي: لأن شفاء نكرة في سياق الثبوت، فلا تعم، وجعلها بعض أهل الصدق على العموم، فكانوا يستشفون به في كل الأمراض لصدق القرآن، وكان ابن عمر لا يشتكي قرحة ولا شيئًا إلا جعل عليه العسل، فقيل له في ذلك، فقال: أليس الله تعالى يقول: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس﴾ [النحل: ٦٩] ، ومرض عوف بن مالك الأشجعي، الصحابي، فقال: ائتوني بماء، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩] ، ثم قال: ائتوني بعسل، وتلا الآية، ثم قال: ائتوني بزيت، وتلا من شجرة مباركة، فخلط ذلك بعضهстр. 4362
..................
الحواشي
(١) ببعض، وشربه فعوفي.
وعن أبي وجزة "بجيم وزاي" أنه كان يكتحل بالعسل ويتداوى به، وهذا عمل بمطلق القرآن، وأصله صدق النية والله أعلم.
قال ابن بطال: يؤخذ من قوله: "صدق الله وكذب بطن أخيك"، الألفاظ لا تحمل على ظاهرها؛ إذ لو كان كذلك لبرأ العليل من أول شربة، فلما لم يبرأ إلا بعد التكرار، دل على أن الألفاظ تفتقر إلى معانيها.
قال الحافظ: ولا يخفى تكلف هذا الانتزاع. نعم يؤخذ منه أن الذي يجعل الله فيه الشفاء قد يتخلف لتتم المدة التي قدر الله تعالى فيها الداء، أي المرض.стр. 4363
[ذكر طبه ﷺ من يبس الطبيعة] :
بما يمشيه ويلينه روى الترمذي وابن ماجه في سننه من حديث أسماء بنت عميس قالت: قال رسول الله ﷺ : "بماذا كنت تستمشين؟ " قالت: بالشبرم، قال: حار حار ثم قالت: استمشيت بالسنى فقال النبي ﷺ : "لو أن شيئًا كان فيه شفاء من الموت لكان في السنى"، قال أبو عيسى هذا حديث غريب، وقد ذكره البخاري في
الحواشي
(١) ذكر طبه ﷺ من يبس الطبيعة:
وهي المزاج المركب من الأخلاط، والإضافة لامية "بما يمشيه" أي اليبس، أي يسهله "ويلينه" تليينًا دون الإسهال، فالعطف مغاير لا تفسير، وعدل عن وصف الطبيعة بالتمشية؛ لأن الذي يتصف بها، وإنما هو يبسها لا نفسها الذي هو المزاج، ثم الطب الدواء النافع، فذكره النهي عن الشبرم تبعًا للإقرار على السنى، أو أراد بالطب ما يشمل دفع المضرة.
"روى الترمذي وابن ماجه في سننه" وأحمد والحاكم "من حديث أسماء بنت عميس" "بمهملتين مصغر" "قالت: قال" لي "رسول الله ﷺ : "بماذا" أي بأي دواء "كنت تستمشين" أي تطلبين مشي بطنك، أي إخراج ما فيه، "قالت: "بالشبرم" "بضم الشين المعجمة والراء، بينهما موحدة ساكنة، وآخره ميم" وقد يفتح أوله، "قال: حار حار" أي شديد الحرارة، فالثاني تأكيد لفظي، ويحتمل أن الثاني، "بجيم وشد الراء اتباع لحار بمهملتين" كما في النهاية، يقال: حار جار، ويقال حار يار بمثناة تحتية على الاتباع أيضًا، "ثم قالت: استمشي بالسنى" "بفتح السين والنون والقصر" وقد يمد لا تحصى منافعه، "فقال النبي ﷺ : "لو أن شيئًا كان فيه شفاء من الموت لكان في السنى" مبالغة في كثرة منافعه.
"قال أبو عيسى" الترمذي: "هذا حديث غريب" وصححه الحاكم وأقره الذهبي، "وقدстр. 4364
تاريخه الكبير من حديث أسماء بنت عميس مثل ما ذكره الترمذي.
وذكر أبو محمد الحميدي في كتاب "الطب" النبوي له أنه ﷺ قال: "إياكم والشبرم فإنه حار حار، وعليكم بالسنى فتداووا به، فلو دفع الموت شيء لدفعه السنى".
وحكى عبد الحق الإشبيلي في كتاب "الطب" له أن المحاسبي ذكر في كتابه المسمى بـ"المقصد والرجوع إلى الله تعالى" أن النبي ﷺ شرب السنى بالتمر.
وفي سنن ابن ماجه، من حديث عمرو بن بكر عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: سمعت عبد الله بن حرام، وكان ممن صلى مع رسول الله ﷺ القبلتين يقول
الحواشي
(١) ذكره" أي رواه "البخاري في تاريخه الكبير من حديث أسماء بنت عميس، مثل ما ذكره الترمذي" أي بلفظه، "وذكر أبو محمد" اسمه محمد بن أبي نصر فتوح "الحميدي" الحافظ صاحب الجمع بين الصحيحين "في كتاب الطب النبوي له؛ أنه ﷺ قال: "إياكم والشبرم" أي احذروا استعماله، "فإنه حار حار، وعليكم بالسنى، فتداووا به، فلو دفع الموت شيء لدفع السنى" لكنه لا يدفعه، فلا يدفعه السنى.
"وحكى عبد الحق الإشبيلي" "بكسر الهمزة والموحدة وسكون الشين المعجمة والتحتية قبل اللام نسبة إلى إشبيلية" من أمهات بلاد الأندلس، حافظ كبير، مصنف، ففيه، "في كتاب الطب، له أن المحاسبي" "بكسر السين" الحارث بن أسد "ذكر في كتابه، المسمى بالمقصد والرجوع إلى الله تعالى: أن النبي ﷺ شرب السنى بالتمر" أي وضعهما في الماء وشربه، كما يفيده شرب، أي ليبس الطبيعة، كما هو ظاهر السياق ويوضعهما في الماء يندفع اجتماع حارين، المنهي عنه عند الأطباء لضرره.
"وفي سنن ابن ماجه" والحاكم، كلاهما في الطب "من حديث عمرو بن بكر بن إبراهيم بن أبي عبلة" "بفتح المهملة وسكون الموحدة" واسمه شمر "بكسر المعجمة" ابن يقظان الشامي، يكنى أبا إسماعيل، تابعي صغير، ثقة، من شيوخ مالك ورجال الصحيحين، مات سنة اثنتين وخمسين ومائة، "قال: سمعت عبد الله بن حرام" كذا في النسخ، وصوابه كما في الإصابة والتقريب عبد الله بن أم حرام، وهو عبد الله بن عمرو، وقيل: ابن كعب الأنصاري، نزل بيت المقدس، وهو آخر من مات من الصحابة بها، وزعم ابن حبان أن اسمه سمعون، له هذا الحديث: "وكان ممن صلى مع رسول الله ﷺ القبلتين" أي إليهما، وفي نسخة: للقبلتين،стр. 4365
سمعت رسول الله ﷺ يقوله: "عليكم بالسنى والسنوت، فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام"، قيل: يا رسول الله وما السام؟ قال: "الموت".
قالوا: والشبرم: قشر عرق شجرة، وهو حار يابس في الدرجة الرابعة، وهو من الأدوية التي منع الأطباء من استعمالها لخطرها وفرط إسهالها.
وأما السنى، فهو نبت حجازي، وأفضله المكي، وهو دواء شريف مأمون الغائلة، قريب من الاعتدال، حار يابس في الدرجة الأولى، يسهل الصفراء والسوداء، ويقوي جرم القلب، وهذه فضيلة شريفة، ومن خاصيته النفع من الوسواس
الحواشي
(١) أي: الكعبة وبيت المقدس، "يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "عليكم بالسنى والسنوت".
قال ابن الأثير: يروى "بضم السين والفتح" أفصح، وفي الدر "بفتح السين" أفصح من ضمها، قال ابن الجوزي: "وبضم النون"، وفي القاموس: السنوت كتنور وسنور، "فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام" "بمهملة من غير همز" "قيل: يا رسول الله، وما السام؟، قال: "الموت" فيه: أن الموت داء من جملة الأدواء، وقال الشاعر:
كذاك الموت ليس له دواء
قال الحاكم: حديث صحيح، ورده الذهبي بأن عمرو بن بكر اتهمه ابن حبان، وقال ابن عدي: له مناكير، "قالوا: والشبرم قشر عرق شجرة" وفي النهاية حب يتداوى به، وقيل: هو الشيح، وفي القاموس الشبرم، كقنفذ، ويفتح: شجر ذو شوك، يقال: ينفع من الوباء ونبات آخر له حب كالعدس، وأصل غليظ ملآن لبنًا، والكل مسهل، واستعمال لبنه خطر، وإنما يستعمل أصله مصلحًا؛ بأن ينقع في الحليب يومًا وليلة، ويجدد اللين ثلاث مرات، ثم يجفف وينقع في عصير الهندباء والرازيانج، ويترك ثلاثة أيام، ثم يجفف ويعمل منه أقراص مع شيء من التربذ والهليلج والصبر؛ فإنه دواء فائق، "وهو حار يابس في الدرجة الرابعة، وهو من الأدوية التي منع الأطباء من استعمالها، لخطرها وفرط إسهالها" وإنما أجازوه بالتدبير الذي رأيته عن القاموس، ولم يكتف بقوله: إياكم والشبرم، قصدًا للجمع بين السنة وبين ما تطابقت عليه الأطباء، ولدفع توهم أنه أريد بالحديث نهي أهل الحجاز لحرارة أرضهم.
"وأما السنى، فهو نبت حجازي، أفضله المكي، وهو دواء شريف مأمون الغائلة" أي الفساد، أي لا ضرر فيه، "قريب من الاعتدال، حار يابس في الدرجة الأولى، يسهل الصفراء والسوداء" زاد القاموس: والبلغم، وزاد غيره: والدم، فهو موافق للأخلاط الأربعة، بعضها بالطبع، وبعضها بالخاصية على زعم الأطباء، "ويقوي جرم القلب، وهذه فضيلة شريفة، ومن خاصيته النفع من الوسواس السوداوي" أي الناشئ من غلبة خلط السوداء يقبض.стр. 4366
السوداوي.
قال الرازي: السنى والشاهترج يسهلان الأخلاط المحترقة وينفعان من الجرب والحكة، والشربة من كل واحد منهما من أربعة دراهم إلى سبعة دراهم.
وأما السنوات، فقيل هو العسل، وقيل: رب عكة السمن يخرج خطوطًا سودًا على السمن، وقيل: حب يشبه الكمون وليس به، وقيل: هو الكمون الكرماني، وقيل: إنه الرازيانج، وقيل: إنه الشبت، وقيل: إنه العسل الذي يكون في زقاق السمن.
قال بعض الأطباء: وهذا أجدر بالمعنى وأقرب إلى الصواب، أي: يخلط السنى مدقوقًا بالعسل المخالط للسمن، ثم يلعق فيكون أصلح من استعماله مفردًا، لما في العسل والسمن من إصلاح السنى وإعانته على الإسهال.
الحواشي
(١) "قال الرازي: والسني والشاهترج" "بشين معجمة وجيم" بالفارسية ملك البقول، ويسميه أهل مصر هاتراج، "يسهلان الأخلاط المحترقة، وينفعان من الجرب" بفتحتين خلط غليظ يحدث تحت الجلد من مخالطة البلغم الملح للدم، يكون معه بثور، وربما حصل معه هزال لكثرته، "والحكة" "بكسر الحاء داء يكون بالجسد" وفي كتب الطب: هي خلط رقيق يحدث تحت الجلد، ولا يحدث منه مدة، بل شيء كالنخالة، وهو سريح الزوال، "والشربة من كل واحد منهما من أربعة دراهم إلى سبعة دراهم" باختلاف الأمزجة، ولا يزاد على سبعة.
"وأما السنوت، فقيل: هو العسل" النحل، "وقيل: هو رب عكة السمن، يخرج خطوطًا سودًا على السمن" فتلك الخطوط هي السنوت، "وقيل: حب يشبه الكمون، وليس به" أي وليس هو الكمون، "وقيل: هو الكمون الكرماني" "بكسر الكاف عند الأكثر، وصحيح ابن السمعاني فتحها وسكون الراء فيهما" "وقيل: إنه الراز يانج، وقيل: إنه الشبت" "بفوقية" المعروف، "وقيل: إنه العسل الذي يكون في زقاق السمن" "بكسر الزاي" السقاء الذي يجعل فيه.
"قال بعض الأطباء: وهذا" القول الأخير "أجدر بالمعنى وأقرب إلى الصواب" في تفسير قوله: عليكم بالسنى والسنوت، "أي يخلط السنى" حال كونه "مدقوقًا بالعسل" متعلق بيخلط، "والمخالط للسمن، ثم يعلق فيكون أصلح من استعماله" أي السنى "مفردًا لما في العسل والسمن من إصلاح السنى وإعانته على الإسهال" لأن رطوبتهما تقاوم اليبس الذي
في السني فتصلحه.стр. 4367
[ذكر طبه ﷺ للمفؤود] :
وهو الذي أصيب فؤاده بمرض، فهو يشتكيه كالمبطون.
روى أبو داود عن سعد قال: مرضت مرضًا، فأتاني رسول الله ﷺ يعودني، فوضع يده بين ثديي حتى وجدت بردها على فؤادي، فقال: "إنك رجل مفؤود، فائت الحارث بن كلدة من ثقيف فإنه رجل متطبب، فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة فليجأهن بنواهن ثم ليلد بهن الفؤاد".
الحواشي
(١) ذكر طبه ﷺ للمفؤود وهو الذي أصيب فؤاده:
أي قلبه "بمرض، فهو يشتكيه كالمبطون، روى أبو داود" من طريق مجاهد: "عن سعد" ابن أبي وقاص، أحد العشرة، "قال: مرضت مرضًا، فأتاني رسول الله ﷺ يعودني" يزورني، فوضع يديه على ثديي" تثنية ثدي "حتى وجد بردها على فؤادي" قلبي: "فقال: "إنك رجل مفؤود" أي تشتكي فؤادك، "فائت الحارث بن كلدة" "بفتح الكاف واللام"، ابن عمرو الثقفي، طبيب العرب، ذكره في الإصابة في القسم الأول، وقال: روى ابن إسحاق لما أسلم أهل الطائف، تكلم نفر منهم في العبيد الذين نزلوا إلى النبي ﷺ فأعتقهم، فقال: أولئك عتقاء الله، وكان ممن تكلم فيهم الحارث بن كلدة، قال غيره: وكان فيهم الأزرق مولى الحارث، ثم ذكر حديث أبي داود هذا، ثم قال: وقال ابن أبي حاتم: لا يصح إسلامه، وهذا الحديث يدل على جواز الاستعانة بأهل الذمة في الطب، قلت: وجدت له رواية في أمالي المحاملي.
وفي التصحيف للعسكري من طريق شريك، عن عبد الملك بن عمير، عن الحارث بن كلدة، وكان أطب العرب، وكان يجلس في مقناة له، فقيل له في ذلك، فقال: الشمس تثفل الريح وتبلي الثوب وتخرج الداء الدفين.
قال العسكري: المقناة "بالقاف والنون" الموضع الذي لا تصيبه الشمس، وقوله: تثفل، بمثلثة وفاء مكسورة، أي تغيره، وروى الحربي في غريب الحديث، وعبد الملك بن حبيب في كتاب الطب النبوي، له أن عمر سأل الحارث بن كلدة: ما الدواء؟ قال: الازم، يعني الحمية، وروى أنه لما احتضر اجتمع الناس إليه، فقالوا: أوصنا، فقال: لا تتزوجوا إلا شابة، ولا تأكلوا الفاكهة إلا نضيجة، ولا يتعالجن أحدكم ما احتمل بدنه الداء، وعليكم بالنورة في كل شهر، فإنها مذهبة للبلغم، ومن تغدى فلينم بعده، ومن تعشى فليمش أربعين خطوة. انتهى ببعض اختصار "من ثقيف، فإنه رجل متطبب، فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة" أي التمرстр. 4368
وهذا الحديث من الخطاب العام الذي أريد به الخاص، كأهل المدينة ومن جاورهم. والتمر لأهل المدينة كالحنطة لغيرهم.
و"اللدود": ما يسقاه الإنسان من أحد جانبي الفم.
وفي التمر خاصية عجيبة لهذا الداء، سيما تمر المدينة، ولا سيما العجزة، وفي كونها سبعًا خاصية أخرى تدرك بالوحي.
وفي الصحيحين "من تصبح بسبع تمرات عجوة من تمر العالية لم يضره
الحواشي
(١) المسمى بذلك، "فليجأهن" "بفتح الفاء وسكون اللام وفتح التحتية والجيم والهمز وضم الهاء وشد النون"، أي فليدقهن، وبه سميت الوجيئة، وهو تمر يبل بلبن، ثم يدق حتى يلتئم، كما في النهاية، وفي نسخة: فليحلهن، أي ينقعهن في الماء "بنواهن" ليخرج خاصيته، ولكنها تصحيف مخالف للنهاية، "ثم ليلد بهن الفؤاد".
وفي رواية ابن منده: مرض سعد، فعاده النبي ﷺ ، فقال: "إني لأرجو أن يشفيك الله"، ثم قال للحارث بن كلدة: "عالج سعدًا مما به"، فذكر الحديث، فكان سعدًا لما أتى الحارث جاء به إلى النبي ﷺ ، أو لقيه من غير مجيء، فقال له: عالج إلى آخره، فلا خلف، ثم حاصله، أنه ﷺ وصف الدواء، وإنما أمر الحارث بصنعه وتركيبه فقط.
"وهذا الحديث من الخطاب العام، الذي أريد به الخاص، كأهل المدينة ومن جاورهم، والتمر لأهل المدينة" لكونه غذاء لهم، "كالحنطة لغيرهم" كأن الخطاب العام مأخوذ من قوله: فإنه رجل متطبب، ثم وصف له الدواء، فيفيد عمومه، حتى كأنه قيل: هذا دواء لكل مفؤود، مع أن المراد مفؤود خاص، كالمدني، وإلا فليس في الحديث خطاب عام البتة؛ لأنه إنما وصف لشخص مدني في مرضه، "واللدود" "بفتح اللام ومهملتين "ما" أي الدواء الذي "يسقاه الإنسان من أحد جانبي الفم" أي يصب من أحد جانبي فم المريض، وبضم اللام الفعل، كما في الفتح وغيره، زاد في المفهم، أو أدخل من هناك بإصبع "وفي التمر خاصية عجيبة لهذا الداء، سيما تمر المدينة، ولا سيما العجوة" نوع من أجود تمر المدينة.
قال القزاز: إنه مما غرسه النبي ﷺ بيده الكريمة، "وفي كونها سبعًا، خاصية أخرى تدرك بالوحي" لا بغيره؛ إذ لا مدخل للعقل في ذلك.
"وفي الصحيحين" البخاري في الأطعمة والطب، ومسلم في الأطعمة، وأبو داود في الطب، والنسائي في الوليمة، كلهم من حديث عامر بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ : "من تصبح" "بفوقية مفتوحة وصاد مهملة وموحدة مشددة"، أي أكل صباحًا قبل أن يأكل شيئًا، وأصل الصبوح والاصطباح تناول الشراب صبحًا، ثم استعمل في الأكل؛ لأنстр. 4369
ذلك اليوم سم ولا سحر".
الحواشي
(١) شرب اللبن عند العرب بمنزلة الأكل، زاد في رواية للشيخين: كل يوم "بسبع" "بجر" سبع بالموحدة، رواه أبو ذر "تمرات عجوة" "بتنوينهما مجرورين"، فالثاني عطف بيان أو صفة، ورواه الأكثر سبع بدون باء، وتمرات بالتنوين، وعجوة "بالنصب عطف بيان أو صفة"، وروى تمرات عجوة، بإضافة تمرات لتاليه من إضافة العام للخاص "من تمر العالية" أي القرى التي في الجهة العالية من المدينة، وهي جهة نجد، "لم يضره" "بضم الضاد المعجمة وشد الراء" من الضرر، وفي رواية: يضره "بكسر الضاد وسكون الراء" من ضاره يضيره ضيرًا إذا أضره، "ذلك اليوم سم" "بتثليث السين"، "ولا سحر" وفي رواية: بتقديم سحر على سم، وفي أخرى: لم يضره سم ولا سحر ذلك اليوم إلى الليل.
قال المصنف: ومفهومه أن السر الذي في أكل العجوة من دفع ضرر السم والسحر يرتفع إذا دخل الليل.
قال الحافظ: ولم أقف في شيء من الطرق على حكم من تناول ذلك أول الليل، هل يكون كمن تناوله أول النهار حتى يندفع عنه ضرر السم والسحر إلى الصباح؟، قال: والذي يظهر خصوصية ذلك بالتناول أول الليل؛ لأنه حينئذ يكون الغالب أن تناوله على الريق، فيحتمل أن يلحق به من تناوله أول الليل على الريق، كالصائم.
قال تلميذه شيخنا الحافظ السخاوي: وقع في حديث الباب من رواية فليح، عن عامر بن سعد، قال وأظنه قال: وإن أكلها حين يمي لم يضره شيء حتى يصبح، رواه أحمد في مسنده؛ بل وقع عند الطبراني في الأوسط من حديث أبي طوالة، عن أنس، عن عائشة مرفوعًا: "من أكل سبع تمرات من عجوة المدينة في يوم" الحديث، وفيه: من أكلهن ليلًا لم يضره انتهى.
ثم قوله: من تمر العالية، ثبت في بعض طرق حديث سعد، وسقط من أكثرها، وفي مسلم عن عائشة، مرفوعًا: "إن في عجوة العالية شفاء، وإنها ترياق أول البكرة"، ورواه أحمد، بلفظ: في عجوة العالية أول البكرة على ريق النفس شفاء من كل سحر أو سم.
وفي أبي داود عن جابر وأبي سعيد، والنسائي عن جابر، مرفوعًا: "العجوة من الجنة، وهي شفاء من السم"، أي: وذلك ببركة دعوته ﷺ لتمر المدينة، لا لخاصية في التمر، ثم هل ذلك خاص بزمنه ﷺ أو عام؟، قولان رجح بعضهم الأول، وقال الخطابي: وصف عائشة ذلك بعده ﷺ يرد قول من قال: إن ذلك خاص بزمنه.
نعم، من جربه وصح معه عرف استمراره، وإلا فهو مخصوص بزمانه، وأما التخصيص بالسبع، فقال النووي: لا يعقل معناه، كأعداد الصلوات ونصب الزكاة.
وقال القرطبي: الشفاء بالعجوة من باب الخواص التي لا تدرك بقياس ظني، قال: ومنстр. 4370
.....................................................
الحواشي
(١) أئمتنا من تكلف لذلك؛ بأن السموم إنما تقتل لإفراط بردها، فإذا داوم على التصبح بالعجوة، تحكمت فيه الحرارة، وأعانتها الحرارة الغريزية، فقاوم ذلك برودة السم ما لم يستحكم، لكن هذا يلزم منه رفع خصوصية عجوة المدينة، بل خصوصية العجوة مطلقًا، بل خصوصية التمر، فإن في الأدوية الحارة ما هو أولى من التمر، فتخصيص السبع لا يعلمه إلا الله، ومن أطلعه الله عليه. انتهى. وأيضًا، فإن سلم ذلك في السلم لم يفد في السحر.
قال القرطبي: وقد جاء ذلك في مواطن كثيرة، كقوله ﷺ في مرضه: "صبوا علي من سبع قرب"، وقوله: "غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا"، وجاء هذا العدد في غير الطب، كقوله تعالى: ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ﴾ [يوسف: ٤٣] الآية، وحديث سبع كسني يوسف، وكذا السبعون والسبعمائة، فما جاء من هذا العدد مجيء التداوي، فذلك لخاصية لا يعلمها إلا الله ومن أطلعه عليها، وما جاء في غيره، فالعرب تضع هذا العدد للكثر، لا لإرادة عدد بعينه ولا حصر.
قال المصنف: وقول ابن القيم إذا أديم أكل العجوة على الريق، يجفف مادة الدود ويضعفه، أو يقتله، فيه إشارة إلى أن المراد نوع خاص من السم، لكن سياق الحديث يقتضي التعميم؛ لأنه نكرة في سياق النفي؛ ويبقى القول في السحر، فالمصير إلى أن ذلك من سر دعائه ﷺ لتمر المدينة، ولكونه غرسه بيده الشريفة أولى.стр. 4371
[ذكرطبه ﷺ لداء ذات الجنب] :
في البخاري مرفوعًا: "عليكم بهذا العود الهندي، فإن فيه سبعة أشفية، ومنها ذات الجنب".
وفي الترمذي من حديث زيد بن أرقم قال: قال ﷺ : "تداووا من ذات الجنب بالقسط البحري والزيت".
الحواشي
(١) ذكر طبه ﷺ لداء ذات الجنب:
"في البخاري" ومسلم، مرفوعًا" عن أم قيس بنت محصن، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "عليكم بهذا العود الهندي" أي استعملوه، "فإن فيه سبعة أشفية" أي أدوية: جمع شفاء، كدواء وأدوية، وجمع الجمع: أشاف، "منها: ذات الجنب" وأنه يسعط به من العذرة، فأخبر بسبعة وذكر ثنتين، إما لأنهما الموجودان حينئذ دون غيرهما، أو هو اختصار من الراوي، كما مر، "وفي الترمذي" والحاكم، وصححه "من حديث زيد بن أرقم، قال: قال ﷺ : "تداووا من ذات الجنب بالقسط" "بضم القاف" وفي لغة بالكاف بدل القاف "البحري".стр. 4372
واعلم أن ذات الجنب ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن للأعضاء، وقد يطلق على ما يعرض في نواحي الجنب من رياح غليظة تحتقن بين الصفاقات والعضل التي في الصدر والأضلاع، فتحدث وجعًا.
فالأول هو ذات الجنب الحقيقي، الذي تكلم عليه الأطباء، ويحدث بسببه خمسة أمراض، الحمى والسعال والنخس وضيق النفس والنبض المنشاري.
الحواشي
(١) قال المازري: القسط صنفان بحري وهندي، والبحري هو القسط الأبيض، ويؤتى به من بلاد المغرب، وهو أفضل من الهندي وأقل حرارة منه، وقيل: هما حاران يابسان في الدرجة الثالثة، والهندي أشد حرًّا، وتعقبه القرطبي بأن البحري الأبيض أحد نوعي العود الهندي، فكيف يؤتى به من بلاد المغرب، والفرض أنه هندي إلا أن يعني بالمغرب المغرب من بلاد الهند. انتهى.
وبه يعلم أنه لا تنافي بين هذا الحديث وبين قوله في الحديث السابق: يريد الكست، وهو العود الهندي، وقوله في حديث جابر المار أيضًا، فليأخذ قسطًا هنديًّا؛ لأن المراد به أحد نوعي الهندي، وهو الأبيض البحري، كما في هذا الحديث؛ لكن في شرح المصنف؛ أن البحري يجلب من اليمن، ومنه ما يجلب من المغرب، "والزيت" المسخن؛ بأن يدق ناعمًا ويخلط به، ويدلك به محله، أو يلعق؛ فإنه نافع له محلل لمادته، مقو للأعضاء الباطنة، مفتح للسدد وغير ذلك.
قال بعض العلماء: على المريض والطبيب أن يعمل على أن الله أنزل الداء والدواء، وأن المرض ليس بالتخليط وإن كان معه، وأن الشفاء ليس بالدواء، وإن كان عنده، وإنما المرض بتأديب الله والبرء برحمته، حتى لا يكون كافرًا بالله مؤمنًا بالدواء، كالمنجم إذا قال: مطرنا بنوء كذا، ومن شهد الحكمة في الأشياء ولم يشهد مجريها، صار بما علم منها أجهل من جاهلها.
"واعلم أن ذات الجنب ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن" أي الداخل "للأعضاء" أي فيها بحيث جعل كالبطانة، والمراد: الأعضاء الرئيسة، كالقلب والكبد ونحوهم، "وقد يطلق على ما يعرض في نواحي الجنب من رياح غليظة تحتقن بين الصفاقات" بكسر الصاد وتخفيف الفاء جمع صفاق.
قال في القاموس: ككتاب الجلد الأسفل تحت الجلد الذي عليه الشعر، أو ما بين الجلد والمصران، أو جلد البطن كله، "والعضل" جمع عضلة "بفتح المهملة والمعجمة" كل عصبة معها لحم غليظ، "التي في الصدر والأضلاع، فتحدث وجعًا، فالأول" الذي هو ورم حار إلى آخره، "هو ذات الجنب الحقيقي، الذي تكلم عليه الأطباء، ويحدث بسببه خمسة أمراض:стр. 4373
ويقال لذات الجنب أيضًا: وجع الخاصرة، وهو من الأمراض المخوفة؛ لأنها تحدث بين القلب والكبد، وهو من سيئ الأسقام. والمراد بذات الجنب هنا الثاني؛ لأن القسط وهو العود الهندي هو الذي يداوي به الريح الغليظة.
وقد حكى الإمام ابن القيم عن المسيحي أنه قال: العود حار يابس قابض، محبس للبطن، ويقوي الأعضاء الباطنة، ويطرد الريح ويفتح السدد، ويذهب فضل الرطوبة، نافع من ذات الجنب، جيد للدماغ. قال: ويجوز أن ينفع من ذات الجنب الحقيقية أيضًا إذا كان ناشئة عن مادة بلغمية، ولا سيما في وقت انحطاط العلة.
الحواشي
(١) الحمى والسعال والنخس وضيق النفس والنبض المنشاري" أي تحرك العروق تحركًا شديدًا لأعلى وأسفل، حركة تشبه حركة المنشار.
"ويقال لذات الجنب أيضًا وجع الخاصرة" مقتضى المقابلة أن يقول: وقد تطلق ذات الجنب على وجع الخاسرة، "وهو من الأمراض المخوفة؛ لأنها تحدث بين القلب والكبد" تعليل مبني على التفسير الأول، الذي هو المعنى الحقيقي لذات الجنب، "وهو من سيئ الأسقام" ولذا قال ﷺ لما لدوه في مرضه، ظنا منهم أن به ذات الجنب: "ما كان الله ليسلطها علي"، أي ما كان الله مريدًا لأن يسلطها علي رحمة بي ورأفة علي.
"والمراد بذات الجنب هنا الثاني" المذكور بقوله: وقد يطلق على ما يعرض ... إلخ، "لأن القسط، هو العود الهندي هو الذي يداوى به الريح الغليظة".
"وقد حكى الإمام ابن القيم عن المسيحي" من فضلاء الأطباء؛ "أنه قال: العود حار، يابس، قابض، محبس" "بضم، فسكون، فكسر" أي مانع "للبطن" من الإسهال، وهو عطف بيان لقابض، "ويقوي الأعضاء الباطنة، ويطرد الريح، ويفتح السدد ويذهب فضل الرطوبة" أي زيادتها، "نافع من ذات الجنب، جيد للدماغ، قال: ويجوز أن ينفع من ذات الجنب الحقيقية أيضًا إذا كانت ناشئة عن مادة بلغمية، ولا سيما في وقت انحطاط العلة" أي نقصانها.
قال المازري: اعترض بعض الملحدة على هذا الحديث، وقال القسط: لا ينفع من ذات الجنب لشدة حرارته والتداوي به خطر، وهذا باطل؛ فقد ذكر بعض قدماء الأطباء أن ذات الجنب الحادثة من البلغم، علاجها بالقسط.
وذكر ابن سينا وغيره؛ أن شربه ينفع من وجع الصدر، وقال جالينوس: ينفع من وجع الكبد والجنبين.
وقال بعض القدماء: إنه يستعمل لإسخان عضو وجلب خلط من باطن الجسد إلى ظاهره،
وبهذه وصفه ابن سينا وهذا كله يبين كذب هؤلاء الملحدة، وقد تطابق الأطباء على أن يدر البول والطمث، وينفع من السموم، ويحرك شهوة الجماع، ويقتل الدود وحب القرع في الأمعاء إذا شرب بعسل، ويذهب الكلف إذا طلي به، وينفع من ضعف الكبد والمعدة وبردهما، ومن حمى الورد والربع، ومن النافض لطوخًا بالزيت، ومن البرد الكامن والفالج والاسترخاء، فأنت ترى هذه المنافع التي ذكرها الأطباء، فصار ممدوحًا طبًّا وشرعًا. انتهى ملخصًا وقدمته بنحوه.стр. 4374
[ذكر طبه ﷺ لداء الاستسقاء] :
عن أنس قال: قدم رهط من عرينة وعكل على النبي ﷺ . فاجتووا المدينة فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ فقال ﷺ : "لو خرجتم إلى إبل الصدقة فشربتم من ألبانها وأبوالها"، فلما صحوا عمدوا إلى الرعاة فقتلوهم واستاقوا الإبل، وحاربوا الله
الحواشي
(١) ذكر طبه ﷺ لداء الاستسقاء:
"عن أنس" بن مالك ﵁، "قال: قدم رهط من عرينة" "بضم العين وفتح الراء المهملتين" حي من قحطان، "وعكل" "بضم العين وسكون الكاف، فلام" حي من تيم الرباب، وعند أبي عوانة عن أنس: أربعة من عرينة وثلاثة من عكل، ولا يخالف رواية البخاري في الجهاد والديات عن أنس أن ناسًا من عكل ثمانية، لاحتمال أن الثامن من غير القبيلتين، وكان من أتباعهم، فلم ينسب "على النبي ﷺ ، فاجتووا المدينة" "بجيم وواوين" أي أصابهم الجوى، وهو داء الجوف إذا تطاول، أو كرهوا الإقامة بها لما فيها من الوباء، أو لم يوافقهم طعامها، "فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ " وفي رواية للبخاري، فقالوا: يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع، ولم نكن أهل الريف؛ وله في أخرى؛ أن ناسا كان بهم سقم، قالوا: يا رسول الله، آونا وأطعمنا، فلما صحوا، قالوا: إن المدينة وخمة، والظاهر؛ أنهم قدموا سقامًا من الهزال الشديد والجهد من الجوع مصفرة ألوانهم، فلما صحوا من السقم أصابهم من حمى المدينة، فكرهوا الإقامة بها، ولمسلم عن أنس: وقع بالمدينة الموم "بضم الميم وسكون الواو" وهو ورم الصدر، فعظمت بطونهم، فقالوا: يا رسول الله إن المدينة وخمة، "فقال ﷺ : "لو خرجتم إلى إبل الصدقة، فشربتم من ألبانها وأبوالها" لزال عنكم هذا المرض، أو لو للتمني، فلا يحتاج للجواب، وفي رواية: فاشربوا بالأمر الصريح، وأخرى: فرخص لهم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا، أي لأنهم أبناء سبيل، وفي رواية: الحقوا بإبل رسول الله، وفي أخرى: هذا نعم لنا تخرج فاخرجوا فيها، وجمع بأن إبل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة، وصادف بعثه ﷺ بلقاحه إلى المرعى، طلب هؤلاء الخروج، فأمرهم بالخروج مع راعيه، فرخص لهم في الشرب من إبل الصدقة؛ لأنهم أبناء سبيل كما علم، وأما لقاحه فبإذنه، "فلما صحوا عمدوا" "بفتح الميم" قصدوا.стр. 4375
ورسوله، فبعث رسول الله ﷺ في آثارهم، فأخذوا فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وألقاهم في الشمس حتى ماتوا. رواه الشيخان.
الحواشي
(١) وفي رواية للبخاري: فانطلقوا وشربوا، وفي أخرى: وصحوا، وأخرى، وسمنوا ورجعت إليهم ألوانهم، وكفروا بعد إسلامهم، وعمدوا "إلى الرعاة فقتلوهم" "بضم الراء" جمع راع كقضاة وقاض.
قال الحافظ: لم تختلف روايات البخاري في أن المقتول راعيه ﷺ ، وفي ذكره بالأفراد، وكذا لمسلم، لكن عنده في رواية: ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم "بصيغة الجمع" فيحتمل أن لإبل الصدقة رعاة، فقتل بعهضم مع راعي اللقاح النبوية، فاقتصر بعض الرواة عليه، وذكر بعضهم معه غيره، ويحتمل أن بعض الرواة ذكره بالمعنى، فتجوز في الإتيان بصيغة الجمع، وهذا أرجح لأن أصحاب المغازي لم يذكر أحد منهم أنهم قتلوا غير يسار راعيه ﷺ .
وفي صحيح أبي عوانة: فقتلوا أحد الراعيين، وجاء الآخر قد جزع، فقال: قد قتلوا صاحبي وذهبوا بالإبل، ولم أقف على اسم الآخر. انتهى.
"واستاقوا الإبل" ساقوها من السوق، وهو السير العنيف، "وحاربوا الله ورسوله" أي فعلوا فعلم المحارب، "فبعث رسول الله ﷺ في آثارهم" "بالمد"، أي وراءهم عشرين فارسًا، أميرهم كرز بن جابر على الصحيح "بضم الكاف وسكون الراء وزاي منقوطة"، ومرت القصة مبسوطة في المغازي، "فأخذوا" وللبخاري: فجاء الخبر في أول النهار، فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار جيء بهم، "فقطع" "بخفة الطاء" "أيديهم وأرجلهم".
زاد الترمذي والإسماعيلي من خلاف، وبه رد الحافظ قول الداودي: فقطع يدي كل واحد ورجليه، "وسمل أعينهم" "بفتح المهملة والميم ولام مخففًا، أي فقأها بحديدة محماة".
قال الحافظ: لم تختلف روايات البخاري في أنه سمر "بالراء وخفة الميم"، وفي رواية لمسلم: باللام، قال الخطابي: السمل فقء العين بأي شيء كان، وبالراء لغة فيه، ومخرجها متقارب، وقد يكون من المسمار، يريد أنهم كحلوا بأميال قد أحميت، قلت: وقع التصريح بالمراد عند البخاري في الجهاد وفي المحاربين، ولفظه: ثم أمر بمسامير فأحميت، ثم كحلهم بها، فهذا يوضح ما تقدم، ولا يخالف رواية اللام؛ لأنه فقء العين بأي شيء كان. انتهى. "وألقاهم في الشمس حتى ماتوا" وكانوا قطعوا يدي الراعي ورجليه، وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات، كما عند ابن سعد، فيكون ما فعل بهم قصاصًا كما أشار إليه أنس، بقوله: "إنما سمل ﷺ أعينهم؛ لأنهم سملوا أعين الرعاة"، رواه مسلم، ومال إليه جماعة، وإسناد الفعل في جميع ذلك إلى النبي ﷺ مجاز، والمراد أمر، كما صرح به في روايات أخر.стр. 4376
واعلم أن الاستسقاء مرض مادي، سببه مادة غريبة باردة تحلل الأعضاء فتربو بها، إما الأعضاء الظاهرة كلها، وإما المواضع الخالية من النواحي التي فيها تدبير الغذاء والأخلاط.
وأقسامه ثلاثة: لحمي، وهو أصعبها، وهو الذي يربو معه لحم جميع البدن، بمادة بلغمية تفشو مع الدم في الأعضاء. وزقي: وهو الذي يجتمع معه في البطن الأسفل مادة مائية ردية يسمع لها عند الحركة خضخضة كالماء في الزق، وهو أرادأ أنواعه عند أكثر الأطباء. وطبلي: وهو الذي تنتفخ معه البطن بمادة ريحية، إذا ضربت عليه سمعت له صوتًا كصوت الطبل.
وإنما أمرهم ﵊ بشرب ذلك؛ لأن في لبن اللقاح جلاء وتليينًا وإدرارًا وتلطيفًا وتفتيحًا للسدد، إذا كان أكثر رعيها الشيخ والقيصوم
الحواشي
(١) "رواه الشيخان" واللفظ لمسلم وزاد في رواية: قال سلام: فبلغني أن الحجاج قال لأنس: حدثني بأشد عقوبة عاقبه النبي ﷺ ، فحدثه بهذا الحديث، فبلغ الحسن البصري، فقال: وددت أنه لم يحدثه بهذا، وللإسماعيلي: فوالله ما انتهى الحجاج حتى قام على المنبر، فقال: حدثنا أنس، فذكر الحديث، وقال: قطع النبي ﷺ الأيدي والأرجل، وسمر الأعين في معصية الله، أفلا نفعل مثل ذلك في معصية الله؟
"واعلم أن الاستسقاء مرض مادي" أي سببه مادة تفسد الجسد، كما قال: "سببه مادة غريبة باردة تحلل الأعضاء فتربو" أي تزيد "بها إما الأعضاء الظاهرة كلها" بأن تنفتح مثلًا بسبب تلك المادة، "وإما المواضع الخالية من النواحي التي فيها تدبير الغذاء والأخلاط، وأقسامه ثلاثة: لحمي، وهو أصعبها" من جهة شدته في البدن، "وهو الذي يربو" يزيد "معه لحم جميع البدن بمادة بلغمية تفشو"، أي تنتشر "مع الدم في الأعضاء، و" الثاني: "زقي" "بزاي وقاف"، "وهو الذي يجتمع معه في البطن الأسفل مادة مائة ردية، يسمع لها عند الحركة خضخضة" أي تحرك واضطراب، "كالماء في الزق" والمراد: أثر الخضخضة، وهو القاموس، "وهو أردأ أنواعه عند أكثر الأطباء" من حيث تعسر دوائه وعلاجه، "وطبلي: وهو الي تنتفخ معه البطن بمادة ريحية إذا ضربت عليه سمعت له صوتًا كصوت الطبل" وهو أخفها، "وإنما أمرهم ﵊ بشرب ذلك" اللبن والبول، "لأن في لبن اللقاح جلاء وتليينًا وإدرارًا وتلطيفًا وتفتيحًا للسدد إذا".стр. 4377
والبابونج والأقحوان والإذخر وغير ذلك من الأدوية النافعة للاستسقاء خصوصًا إذا استعمل بحراراته التي يخرج بها من الضرع، مع بول الفصيل، وهو حار كما يخرج من الحيوان، فإن ذلك مما يزيد في ملوحة اللبن وتقطيعه الفضول وإطلاقه البطن.
وأما ضعف المعدة فذكر ابن الحاج في المدخل: أن بعض الناس مرض بمعدته، فرأى الشيخ الجليل أبو محمد المرجاني النبي ﷺ وهو يشير بهذا الدواء، وهو أن يأخذ كل يوم على الريق وزن درهم من الورد المربى، ويكون ملتوتًا بالمصطكى بعد دقها ويجعل فيها سبع حبات من الشونيز، يفعل ذلك سبعة أيام
الحواشي
(١) وفي نسخة: إذ "كان أكثر رعيها الشيح" "بالكسر": نبت معروف "والقيصوم" "فيعول" من نبات البادية، قال في القاموس: وهو صنفان أنثى وذكر، النافع منه أطرافه، وزهره مر جدًّا، ويدلك البدن به للناقض، فلا يقشعر إلا يسيرًا، ودخانه يطرد الهوام، وشرب سحيقه نبأ نافع لعسر النفس وللبول والطمث ولعرق النساء، وينبت الشعر ويقتل الدود "والبابونج" زهرة معروفة كثيرة النفع، "والأقحوان" "بالضم" البابونج، كما في القاموس، فالعطف مرادف "والإذخر" "بكسر الهمزة والخاء" نبات معروف ذكي الريح، وإذا جف أبيض، "وغير ذلك من الأدوية النافعة للاستسقاء، خصوصًا إذا استعمل بحرارته التي يخرج بها من الضرع مع بول الفصيل، وهو حار، كما يخرج من الحيوان" أي وقت خروجه قبل أن يبرد، "فإن ذلك" أي ضم بول الفصيل إلى اللبن "مما يزيد في ملوحة اللبن وتقطيعه الفضول وإطلاقه البطن" فيخرج الداء الذي فيه.
"وأما ضعف المعدة" مستأنفًا ليس سيمًا لشيء، وناسب ذكره عقب الاستسقاء؛ لأنه قد يكون سببًا في ضعفها إذا برئ؛ إذ سببه المادة المفسدة للمعدة، "فذكر ابن الحاج في المدخل؛ أن بعض الناس مرض بمعدته، فرأى الشيخ الجليل أبو محمد" عبد الله بن محمد القرشي، "المرجاني" الإمام القدوة، الواعظ المفسر، أحد الأعلام في الفقه والتصوف، قدم مصر ووعظ بها، واشتهر في البلاد وامتحن، وأفتى العلماء بتكفيره، فلم يؤثروا، فعملوا عليه الحيلة، فقتل بتونس سنة تسع وسبعين وستمائة، كما في اللواقح، "النبي ﷺ " في المنام، "وهو يشير بهذا الدواء، وهو أن يأخذ كل يوم على الريق وزن درهم من الورد المربى، ويكون ملتوتًا بالمصطكى" "بالفتح والضم ويمد في الفتح فقط"، علك رومي أبيض نافع، والمقعدة، قاله القاموس، وفي المصباح: "بضم الميم وتخفيف الكاف"، والقصر أكثر من المد.
وقال ابن خالويه: يشدد فيقصر، ويخفف فيمد، وحكى ابن الأنباري: فتح الميم والتخفيف والمد، وحكى ابن الجواليقي ذلك، لكنه قال: والقصر، وكذا قال الفارابي، لكنه قالстр. 4378
ففعله فبرئ.
ومرض بعض الناس ببرد المعدة فرأى الشيخ المرجاني أيضًا النبي ﷺ وهو يشير بهذا الدواء، أوقية ونصف أوقية عسل نحل، ودرهمان شونيز، ومثلهما أنيسون، ونصف أوقية من النعنع الأخضر، ومن القرنفل درهم، ومن القرفا نصف درهم، وشيء من قشر الليمون، مع قليل من الخل، ويعقد ذلك على النار، فاستعمله فبرئ.
ومرض آخر بسلس الريح، فرأى الشيخ المرجاني النبي ﷺ وهو يشير بهذا الدواء: شونيز ثلاثة دراهم ومن خزامي درهمين ونصف، ومن الكمون الأبيض ثلاثة دراهم، ومثله من السعتر الشامي ومثله من الغليا، ووزن درهم من البلوط وهو ثمرة الفؤاد، وأوقية من الزيت المرقي يجعل فيه من عسل النحل ما يعقد به وهو ربع رطل، ويؤخذ منه غدوة النهار وزن درهمين على الريق، وعند النوم وزن درهم
الحواشي
(١) مصطكي: بالتاء والميم أصلية، وهي رومية معربة "بعد دقها، ويجعل فيها سبع حبات من الشونيز" "بفتح الشين" الحبة السوداء على الأشهر، "يفعل ذلك سبعة أيام، ففعله فبرئ" ببركة المصطفى، "ومرض بعض الناس ببرد المعدة، فرأى الشيخ المرجاني أيضًا النبي ﷺ ، وهو يشير بهذا الدواء، أوقية ونصف عسل نحل ودرهمان شونيز ومثلهما آنيسون ونصف أوقية من النعنع" "بزنة جعفر وهدهد"، أو كجعفر، وهم للجوهري بقل معروف أنجع دواء للبواسير، ضمادًا بورقة، وضماده بملح لعضة الكلب وللسعة العقرب، واحتماله قبل الجماع يمنع الحبل، ويقال: نعناع أيضًا كما في القاموس "الأخضر، ومن القرنفل درهم، ومن القرفا نصف درهم، وشيء من قشر الليمون مع قليل من الخل، ويعقد ذلك على النار فاستعمله فبرئ".
"ومرض آخر بسلس الريح، فرأى الشيخ المرجاني النبي ﷺ ، وهو يشير بهذا الدواء شونيز" "بالجر بدل من هذا الدواء"، "ثلاثة دراهم، ومن خزامي درهمين ونصف" بجره أيضًا عطف على شونيز قدم عليه متعلقة، وهو من خزامي، وهو ظاهر، فلا وجه لمن قال صوابه درهمان، "ومن الكمون الأبيض ثلاثة دراهم، ومثله من السعتر الشامي، ومثله من الغليا" أي من كل منهما ثلاثة دراهم "ووزن درهم من البلوط" "بفتح الموحدة وضم اللام مشددة"، "وهو ثمرة الفؤاد" أي المسمى بذلك، وفي القاموس: البلوط كتنور شجر كانوا يغتذون بثمره قديمًا، بارد يابس، ثقيل، غليظ، ممسك للبول، وبلوط الأرض: نبات ورقه كالهندباء، مدر، مفتح، مضمر للطحال، "وأوقية من الزيت المرقي، يجعل فيه من عسل النحل ما يعقد به، وهو ربع رطل، ويؤخذ منه غدوة النهار" أي أوله "وزن درهمين على الريق، وعند النوم وزن درهم،стр. 4379
ونصف، فاستعمله فبرئ. ثم إنه ﵊ بعد ذلك قال في النوم لذلك الشخص الذي أخبره بهذا الدواء إنه ينفع لأدواء وهي: الريح، وسلس الريح، والمعدة وبرودتها، ووجع الفؤاد وألم الحيض، والنفاس، ولتعقد الرياح.
والزيت المرقي: صفته أن تأخذ شيئًا من الزيت الطيب، وتجعله في إناء نظيف وتحركه بعود وتقرأ عليه الإخلاص والمعوذتين، و ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر السورة ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآن﴾ إلى آخر السورة.
وحصل لآخر قولنج، فرأى الشيخ المرجاني النبي ﷺ فأشار بهذا الدواء: وهو أن يأخذ ثلاثة دراهم من عسل النحل، ووزن درهم وصف من الزيت المرقي، وإحدى وعشرين حبة من الشونيز ويخلط الجميع ثم يفطر عليه، ويفعل مثله عند النوم، يفعل ذلك حتى يبرأ، ويعمل له التلبينة ويستعملها بعد أن يفطر على ذلك،
الحواشي
(١) ونصف، فاستعمله فبرئ. ثم إنه ﵊ بعد ذلك قال في النوم لذلك الشخص الذي أخبره بهذا الدواء" على لسان المرجاني: "إنه ينفع لأدواء" أمراض عديدة، "وهي: الريح، وسلس الريح، والمعدة وبرودتها، ووجع الفؤاد وألم الحيض، والنفاس، ولتعقد الرياح. والزيت المرقي: صفته أن تأخذ شيئًا من الزيت الطيب، وتجعله في إناء نظيف وتحركه بعود وتقرأ عليه الإخلاص والمعوذتين، و ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر السورة ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآن﴾ إلى آخر السورة" والظاهر أن هذه الصفة معلومة عندهم، إلا أنها علمها النبي ﷺ لذلك الشخص الذي قال له: إنه ينفع لأدواء عديدة، بدليل أنه في وصفه للمرجاني قال: والزيت المرقي، فيفيد أن صفة رقيته بهذا كانت معلومة عندهم قبل ذلك.
"وحصل لآخر قولنج" "بضم القاف وفتح اللام"، قال في القاموس: وقد تكسر لامه، أو هو مكسور اللام، "وبفتح القاف وبضم": مرض معوي مؤلم يعسر معه خروج الثقل والريح، "فرأي الشيخ" المرجاني "النبي ﷺ فأشار بهذا الدواء: وهو أن يأخذ ثلاثة دراهم من عسل النحل، ووزن درهم وصف من الزيت المرقي، وإحدى وعشرين حبة من الشونيز ويخلط الجميع ثم يفطر عليه، ويفعل مثله عند النوم، يفعل ذلك حتى يبرأ، ويعمل له التلبينة" "بفتح الفوقية وسكون اللام وكسر الموحدة، وسكون التحتية ونون مفتوحة فهاء"، وقد تحذف، "ويستعملها بعد أن يفطر على ذلك، والتلبينة حساء" "بفتح الحاء والسين المهملتين والمد"،стр. 4380
والتلبينة حساء يعمل من دقيق أو نخالة، وربما عمل فيه عسل، ويكون غذاؤه مصلوقة الدجاج أو لحم الضأن، ففعله فبرئ بعد أن أعيا الأطباء.
ومرض آخر بوجع الظهر، فشكا ذلك للشيخ فرأى النبي ﷺ وهو يشير بهذا الدواء، وهو عسل نحل وشونيز ودهن الإلية والزيت المرقي، ورقيق البيضة، ويخلط ذلك كله، ويمده على الموضع ويدر عليه دقيق العدس بقشرة مع الحرمل بعدما يدق دقًَّا ناعمًا حتى يعود مثل الدقيق؛ ففعله فبرئ.
وشكا بعض الناس الدوخة في رأسه فرأى الشيخ النبي ﷺ في النوم فأشار إلى هذا الدواء: قرنفل وزنجبيل وقرفة وجوزة طيب وسنبل، من كل واحد درهم ونصف، وشونيز درهمين، يدق الجميع ثم يطبخ ويعقد بعسل النحل، فإذا قرب استواؤه عصر عليه قليل ليمون، فيكون عسل النحل غالبًا عليه، ففعله فبرئ، انتهى.
وهذا وإن كان منامًا فقد عضدته التجربة مع إرشاد الشيخ المرجاني لذلك.
الحواشي
(١) "يعمل" أي يطبخ "من دقيق أو نخالة، وربما عمل فيها عسل" وربما عمل لبن، سميت بذلك تشبيهًا لها باللبن في بياضها ورقتها، "ويكون غذاؤه مصلوقة الدجاج أو لحم الضأن، ففعله، فبرئ بعد أن أعيا الأطباء".
وفي الصحيحين، عن عروة، عن عائشة: أنها كانت تأمر بالتلبية للمريض وللمحزون على الهالك، وتقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن التلبينة تجم فؤاد المريض وتذهب ببعض الحزن" "بضم الفوقية وكسر الجيم وشد الميم، وبفتح الفوقية وضم الجيم"، وفي رواية: "التلبينة مجمة لفؤاد المريض" الحديث.
قال القرطبي: روي مجمة "بفتح الميم والجيم، وبضم الميم وكسر الجيم"، أي تريح قلبه وتسكنه وتقويه، "ومرض آخر بوجع الظهر، فشكا ذلك للشيخ" المرجاني، "فرأى النبي ﷺ وهو يشير بهذا الدواء، وهو عسل نحل وشونيز ودهن الإلية، والزيت المرقي ورقيق البيضة" المسمى عرفًا بياض البيض، "ويخلط ذلك كله ويمده على الموضع" الموجوع، "ويدر عليه دقيق العدس بقشرة مع الحرمل" نبات بالبادية له حب أسود، وقيل: حب كالسمسم "بعد ما يدق ناعمًا حتى يعود مثل الدقيق، ففعله فبرئ" "بكسر الراء وفتحها" "وشكا بعض الناس الدوخة في رأسه، فرأى الشيخ" المرجاني "النبي ﷺ في النوم، فأشار إلى هذا الدواء، قرنفل وزنجبيل وقرفا وجوزة طيب وسنبل، من كل واحد درهم ونصف، وشونيز درهمين، يدق الجميع ويطبخ، ويعقد بعسل النحل، فإذا قرب استواؤه عصر عليه قليل ليمون، ويكون عسل النحل غالبًا عليه، ففعله فبرئ. انتهى" كلام المدخل، "وهذا" كله "وإن كان منامًا فقد عضدته التجربة مع إرشاد الشيخ المرجاني لذلك" فلا بأس بالعمل به بصدق النية.следующие страницы →