واعلم أن الاستسقاء مرض مادي، سببه مادة غريبة باردة تحلل الأعضاء فتربو بها، إما الأعضاء الظاهرة كلها، وإما المواضع الخالية من النواحي التي فيها تدبير الغذاء والأخلاط.
وأقسامه ثلاثة: لحمي، وهو أصعبها، وهو الذي يربو معه لحم جميع البدن، بمادة بلغمية تفشو مع الدم في الأعضاء. وزقي: وهو الذي يجتمع معه في البطن الأسفل مادة مائية ردية يسمع لها عند الحركة خضخضة كالماء في الزق، وهو أرادأ أنواعه عند أكثر الأطباء. وطبلي: وهو الذي تنتفخ معه البطن بمادة ريحية، إذا ضربت عليه سمعت له صوتًا كصوت الطبل.
وإنما أمرهم ﵊ بشرب ذلك؛ لأن في لبن اللقاح جلاء وتليينًا وإدرارًا وتلطيفًا وتفتيحًا للسدد، إذا كان أكثر رعيها الشيخ والقيصوم
стр. 4377
والبابونج والأقحوان والإذخر وغير ذلك من الأدوية النافعة للاستسقاء خصوصًا إذا استعمل بحراراته التي يخرج بها من الضرع، مع بول الفصيل، وهو حار كما يخرج من الحيوان، فإن ذلك مما يزيد في ملوحة اللبن وتقطيعه الفضول وإطلاقه البطن.
وأما ضعف المعدة فذكر ابن الحاج في المدخل: أن بعض الناس مرض بمعدته، فرأى الشيخ الجليل أبو محمد المرجاني النبي ﷺ وهو يشير بهذا الدواء، وهو أن يأخذ كل يوم على الريق وزن درهم من الورد المربى، ويكون ملتوتًا بالمصطكى بعد دقها ويجعل فيها سبع حبات من الشونيز، يفعل ذلك سبعة أيام
стр. 4378
ففعله فبرئ.
ومرض بعض الناس ببرد المعدة فرأى الشيخ المرجاني أيضًا النبي ﷺ وهو يشير بهذا الدواء، أوقية ونصف أوقية عسل نحل، ودرهمان شونيز، ومثلهما أنيسون، ونصف أوقية من النعنع الأخضر، ومن القرنفل درهم، ومن القرفا نصف درهم، وشيء من قشر الليمون، مع قليل من الخل، ويعقد ذلك على النار، فاستعمله فبرئ.
ومرض آخر بسلس الريح، فرأى الشيخ المرجاني النبي ﷺ وهو يشير بهذا الدواء: شونيز ثلاثة دراهم ومن خزامي درهمين ونصف، ومن الكمون الأبيض ثلاثة دراهم، ومثله من السعتر الشامي ومثله من الغليا، ووزن درهم من البلوط وهو ثمرة الفؤاد، وأوقية من الزيت المرقي يجعل فيه من عسل النحل ما يعقد به وهو ربع رطل، ويؤخذ منه غدوة النهار وزن درهمين على الريق، وعند النوم وزن درهم
стр. 4379
ونصف، فاستعمله فبرئ. ثم إنه ﵊ بعد ذلك قال في النوم لذلك الشخص الذي أخبره بهذا الدواء إنه ينفع لأدواء وهي: الريح، وسلس الريح، والمعدة وبرودتها، ووجع الفؤاد وألم الحيض، والنفاس، ولتعقد الرياح.
والزيت المرقي: صفته أن تأخذ شيئًا من الزيت الطيب، وتجعله في إناء نظيف وتحركه بعود وتقرأ عليه الإخلاص والمعوذتين، و ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر السورة ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآن﴾ إلى آخر السورة.
وحصل لآخر قولنج، فرأى الشيخ المرجاني النبي ﷺ فأشار بهذا الدواء: وهو أن يأخذ ثلاثة دراهم من عسل النحل، ووزن درهم وصف من الزيت المرقي، وإحدى وعشرين حبة من الشونيز ويخلط الجميع ثم يفطر عليه، ويفعل مثله عند النوم، يفعل ذلك حتى يبرأ، ويعمل له التلبينة ويستعملها بعد أن يفطر على ذلك،
стр. 4380
والتلبينة حساء يعمل من دقيق أو نخالة، وربما عمل فيه عسل، ويكون غذاؤه مصلوقة الدجاج أو لحم الضأن، ففعله فبرئ بعد أن أعيا الأطباء.
ومرض آخر بوجع الظهر، فشكا ذلك للشيخ فرأى النبي ﷺ وهو يشير بهذا الدواء، وهو عسل نحل وشونيز ودهن الإلية والزيت المرقي، ورقيق البيضة، ويخلط ذلك كله، ويمده على الموضع ويدر عليه دقيق العدس بقشرة مع الحرمل بعدما يدق دقًَّا ناعمًا حتى يعود مثل الدقيق؛ ففعله فبرئ.
وشكا بعض الناس الدوخة في رأسه فرأى الشيخ النبي ﷺ في النوم فأشار إلى هذا الدواء: قرنفل وزنجبيل وقرفة وجوزة طيب وسنبل، من كل واحد درهم ونصف، وشونيز درهمين، يدق الجميع ثم يطبخ ويعقد بعسل النحل، فإذا قرب استواؤه عصر عليه قليل ليمون، فيكون عسل النحل غالبًا عليه، ففعله فبرئ، انتهى.
وهذا وإن كان منامًا فقد عضدته التجربة مع إرشاد الشيخ المرجاني لذلك.
стр. 4381
[ذكر طبه ﷺ من داء عرف النسا] :
وهو بفتح النون والمهملة، المرض الحال بالعرق، والإضافة فيه من باب إضافة الشيء إلى محله. قيل: وسمي بذلك لأن ألمه ينسي ما سواه. وهذا العرق ممتد من مفصل الورك وينتهي إلى آخر القدم وراء الكعب.
وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "دواء عرق النسا ألية شاة أعرابية تذاب ثم تجزأ ثلاثة أجزاء، ثم يشرب على الريق في كل يوم جزاء". رواه ابن ماجه.
وهذا الدواء خاص بالعرب وأهل الحجاز ومن جاورهم، وهو أنفعه لهم؛ لأن
стр. 4382
هذا المرض يحدث من يبس، وقد يحدث من مادة غليظة لزجة، فعلاجها بالإسهال. والإلية فيها الخاصيتان: الإنضاج والتليين. وهذا المرض يحتاج علاجه إلى هذين الأمرين. وفي تعيين الشاة الأعرابية، قلة فضولها وصغر مقدارها ولطف جوهرها، وخاصية مرعاها؛ لأنها ترعى أعشاب البر الحارة، كالشيخ والقيصوم ونحوهما، وهذا إذا تغذى بها الحيوان صار في لحمه من طبعها، بعد أن تلطفه تغذية، وتكسبها مزاجًا ألطف منها ولا سيما الإلية.
стр. 4383
[ذكر طبه ﷺ من الورم] :
والخراجات بالبط والبزل، يذكر عن علي ﵁ قال: دخلت مع رسول الله ﷺ على رجل يعوده، بظهره ورم، فقالوا: يا رسول الله، بهذه معدة فقال: "بطوا عنه"، قال علي: فما برحت حتى بطت، والنبي ﷺ شاهد.
стр. 4384
[ذكر طبه ﵊ بقطع العروق والكي جميعًا] :
روى البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ بعث إلى أبي بن كعب طبيبًا، فقطع له عرقًا وكواه عليه.
وأخرج مسلم عن جابر: لما رمي سعد بن معاذ في أكحله، جسمه النبي ﷺ .
وروى الطحاوي، وصححه الحاكم عن أنس قال: كواني أبو طلحة في
стр. 4385
زمن النبي ﷺ .
وعند الترمذي: أنه ﷺ كوى أسعد بن زرارة من الشوكة.
وروى مسلم عن عمران بن حصين قال: كان يسلم علي حتى اكتويت فتركت، ثم تركت فعاد. وفي رواية: إن الذي كان انقطع عني رجع إلي، يعني تسليم الملائكة.
وروى أحمد وأبو داود والترمذي عن عمران: نهى رسول الله ﷺ عن الكي، فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا، الحديث.
стр. 4386
وإنما يستعمل الكي في الخلط الباغي الذي لا تنقطع مادته إلا به، ولهذا وصفه ﷺ ثم نهى عنه، وإنما كرهه لما فيه من الألم الشديد والخطر العظيم، ولذا كانت العرب تقول في أمثلتها: آخر الدواء الكي.
والنهي فيه محمول على الكراهة أو على خلاف الأولى، لما يقتضيه مجموع الأحاديث، وقيل: إنه خاص بعمران لأنه كان به الباسور، وكان موضعه خطرًا فنهاه عن كيه، فلما اشتد عليه كواه فلم ينجح.
وقال ابن قتيبة: الكي نوعان: كي الصحيح لئلا يعتل، فهذا الذي قيل فيه: لم يتوكل من اكتوى. لأنه يريد أن يدفع القدر، والقدر لا يدافع، والثاني: كي
стр. 4387
الجرح إذا فسد، والعضو إذا قطع، فهو الذي شرع التداوي له، فإن كان الكي لأمر محتمل فهو خلاف الأولى لما فيه من تعجيل التعذيب بالنار لأمر غير محقق.
وحاصل الجمع: أن الفعل يدل على الجواز، وعدم الفعل لا يدل على المنع بل يدل على أن تركه أرجح من فعله، ولهذا وقع الثناء على تاركه، وأما النهي عنه فإما على سبيل الاختيار والتنزيه، وإما عما لا يتعين طريقًا إلى الشفاء.
وقال بعضهم: إنما نهى ﷺ عنه مع إثباته الشفاء فيه إما لكونهم كانوا يرون أنه يحسم الداء بطبعه فكرهه لذلك، ولذلك كانوا يبادرون إليه قبل حصول الداء لظنهم أنه يحسم الداء، فيتعجل الذي يكتوى التعذيب بالنار لأمر مظنون.
стр. 4388
قال في فتح الباري: ولم أر في أثر صحيح أن النبي ﷺ اكتوى، إلا أن القرطبي نسب إلى كتاب آداب النفوس للطبري أن النبي ﷺ اكتوى، وذكره الحليمي بلفظ: روى أنه اكتوى للجرح الذي أصابه بأحد. قال الحافظ ابن حجر: والثابت في الصحيح في غزوة أحد أن فاطمة أحرقت حصيرًا فحشت به جرحه، وليس هذا الكي المعهود. انتهى.
стр. 4389
ذكر طبه ﷺ من الطاعون:
قال الخليل بن أحمد: الطاعون الوباء، وقال ابن الأثير: الطاعون المرض العام والوباء الذي يفسد له الهواء فتفسد به الأمزجة، وقال القاضي أبو
стр. 4390
بكر بن العربي: الطاعون المرض الغالب الذي يطفئ الروح، سمي بذلك لعموم مصابه وسرعة قتله، وقال أبو الوليد الباجي: هو مرض يعم الكثير من الناس في جهة من الجهات، بخلاف المعتاد من أمراض الناس. وقال القاضي عياض: أصل الطاعون القروح الخارجة في الجسد، والوباء عموم الأمراض فسميت طاعونًا لشبهها بها في الهلاك. وقال النووي في تهذيبه: هو بئر وورم مؤلم جدًّا يخرج مع لهب، ويسود ما حوله أو يخضر أو يحمر حمرة شديدة بنفسجية كدرة، ويحصل معه خفقان وقيء، ويخرج غالبًا في مراق البدن والآباط، وقد يخرج في الأيدي والأصابع وسائر الجسد.
وقال ابن سينا: الطاعون مادة سمية تحدث مرضًا قتالًا يحدث في المواضع الرخوة والمغابن من البدن، وأغلب ما يكون تحت الإبط، أو خلف الآذان، أو عند الأربية، وسببه ورم رديء: يستحيل إلى جوهر سمي يفسد العضو، ويغير ما يليه،
стр. 4391
ويؤدي إلى القلب كيفية ردية فيحصل القيء والغثيات والغشي والخفقان، وهو لرداءته لا يقبل من الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع، وأردؤه ما يقع في الأعضاء الرئيسة، والأسود منه قل من يسلم منه، وأسلمه الأحمر ثم الأصفر، والطواعين تكثر عند الوباء في البلاد الوبئة، ومن ثم أطلق على الطاعون وباء وبالعكس، وأما الوباء: فهو فساد جواهر الهواء الذي هو مادة الروح ومدده.
والحاصل: أن حقيقته ورم ينشأ عن هيجان الدم وانصباب الدم إلى عضو فيفسده، وأن غير ذلك من الأمراض العامة الناشئة عن فساد الهواء، يسمى طاعونًا بطريق المجاز، لاشتراكهما في عموم المرض به أو كثرة الموت.
والدليل على أن الطاعون يغاير الوباء، أن الطاعون لم يدخل المدينة النبوية، وقد قالت عائشة: دخلنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، وقال بلال: أخرجونا إلى
стр. 4392
أرض الوباء.
والطاعون: من طعن الجن، وإنما لم تتعرض له الأطباء لكونه من طعن الجن؛ لأنه أمر لا يدرك بالعقل، وإنما عرف من الشارح، فتكلموا في ذلك على ما اقتضته قواعدهم، ومما يؤيد أن الطاعون إنما يكون من طعن الجن وقوعه غالبًا في أعدل الفصول، وفي أصح البلاد هواء، وأطيبها ماء، ولأنه لو كان بسبب فساد الهواء لدام في الأرض لأن الهواء يفسد تارة ويصح أخرى، والطاعون يذهب أحيانًا ويجيء أحيانًا على غير قياس ولا تجربة، فربما جاء سنة على سنة، وربما أبطأ سنين، وبأنه لو كان كذلك لعم الناس والحيوان، والموجود بالمشاهدة أنه يصيب الكثير، ولا يصيب من هم بجانبهم ممن هو مثلهم في مزاجهم، ولو كان كذلك لعم جميع البدن، وهذا يختص بموضع من الجسد لا يتجاوزه، ولأن فساد الهواء يقتضي تغير الأخلاط وكثرة الأسقام، وهذا في الغالب بقتل بلا مرض، فدل على أنه طعن الجن. كما ثبت في الأحاديث الواردة في ذلك.
منها حديث أحمد والطبراني عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري عن أبيه
стр. 4393
قال: سألت عنه رسول الله ﷺ فقال: "هو وخز أعدائكم من الجن وهو لكم شهادة".
قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: يقع في الألسنة، وهو في النهاية تبعًا لغريبي الهروي بلفظ "وخز إخوانكم" ولم أره بلفظ "إخوانكم" بعد التتبع الطويل البالغ في شيء من طرق الحديث المسندة، لا في الكتب المشهورة ولا في الأجزاء المنثورة، وقد عزاه بعضهم لمسند أحمد والطبراني أو كتاب الطواعين لابن أبي الدنيا، ولا وجود لذلك في واحد منها والله أعلم. انتهى.
стр. 4394
وفي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل، وعلى من كان قبلكم، فإذا
стр. 4395
سمعت به بأرض فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارًا منه".
стр. 4396
وقد ذكر العلماء في النهي عن الخروج حكمًا.
منها: أن الطاعون يكون في الغالب عامًّا في البلد الذي يقع به، فإذا وقع فالظاهر مداخلة سببه لمن هو بها، فلا يفيده الفرار؛ لأن المفسدة إذا تعينت حتى لا يقع الانفكاك عنها كان الفرار عبثًا فلا يليق بالعاقل.
ومنها: أن الناس لو تواردوا على الخروج لصار من عجز عنه بالمرض المذكور أو بغيره، أو الكبر حيًّا وميتًا.
وأيضًا: فلو شرع الخروج. فخرج الأقوياء لكان في ذلك كسر قلوب الضعفاء. وقد قالوا: إن حكمة الوعيد في الفرار من الزحف لما فيه من كسر قلب من لم يفر، وإدخال الرعب عليه بخلافه.
وقد جمع الغزالي بين الأمرين فقال: الهواء لا يضر من حيث ملاقاته ظاهر
стр. 4397
البدن، بل من حيث دوام الاستنشاق، فيصل إلى القلب والرئة فيؤثر في الباطن ولا يظهر على الظاهر إلا بعد التأثير في الباطن، فالخارج من البلد الذي سيقع به لا يسلم غالبًا مما استحكم به، وينضاف إلى ذلك أنه لو رخص للأصحاء في الخروج لبقي المرض لا يجدون من يتعاهدهم فتضيع مصالحهم.
ومنها: ما ذكره بعض الأطباء: أن المكان الذي يقع به الوباء تتكيف أمزجة أهله بهواء تلك البقعة فتألفها ويصير لهم كالأهوية الصحيحة لغيرهم فلو انتقلوا إلى الأماكن الصحيحة لم توافقهم، بل ربما إذا استنشقوا هواءها استصحب معه إلى القلب من الأبخرة الردية التي حصل تكيف بدنها بها فأفسدته فمنع من الخروج
стр. 4398
لهذه النكتة.
ومنها: أن الخارج يقول: لو أقمت لأصبت، والمقيم يقول: لو خرجت لسلمت، فيقع في اللو المنهي عنه.
وقال العارف بن أبي جمرة: البلاء إنما يقصد به أهل البقعة، لا البقعة نفسها، فمن أراد الله إنزال البلاء به فهو واقع به لا محالة، فأينما توجه يدركه، فأرشدنا الشارع إلى عدم النصب.
стр. 4399
وقال ابن القيم: جمع ﷺ للأم في نهيه عن الدخول إلى الأرض التي هو بها، ونهيه عن الخروج منها بعد وقوعه، كمال التحرز منه، فإن في الدخول في الأرض التي هو فيها تعرضًا للبلاء وموافاة له في محل سلطانه، وإعانة الإنسان على نفسه، وهذا مخالف للشرع والعقل، بل تجنب الدخول إلى أرضه من باب الحمية التي أرشدنا الله إليها، وهي حمية عن الأمكنة والأهوية والمؤذية، وأما نهيهه عن الخروج من بلده ففيه معنيان.
أحدهما: حمل النفوس على الثقة بالله تعالى والتوكل عليه، والصبر على أقضيته والرضا.
стр. 4400
والثاني: ما قاله أئمة الطب أنه يجب على من كان يحترز من الوباء أن يخرج عن بدنه الرطوبات الفضيلة، ويقلل الغذاء، ويميل إلى التدبير المجفف من كل وجه، والخروج من أرض الوباء والسفر منها لا يكون إلا بحركة شديدة، وهي مضرة جدًّا. هذا كلام أفضل المتأخرين من الأطباء، فظهر المعنى الطبي من الحديث النبوي، وما فيه من علاج القلب والبدن وصلاحهما، انتهى.
стр. 4401
[ذكر طبه ﷺ من السلعة] :
أخرج البخاري في تاريخه، والطبراني والبيهقي عن شرحبيل الجعفي قال: أتيت رسول الله ﷺ وبكفي سلعة، فقلت: يا رسول الله هذه السلعة قد أذتني، تحول بيني وبين قائم السيف أن أقبض عليه وعنان الدابة، فنفث في كفي، ووضع كفه على السلعة
стр. 4402
فما زال يطحنها بكفه حتى رفعها عنها وما أرى أثرها.
ومسح ﷺ وجه أبيض بن جمال وكان به القوباء فلم يمس من ذلك اليوم ومنها أثر، رواه البيهقي وغيره.
стр. 4403
[ذكر طبه ﷺ من الحمى] :
روى البخاري من حديث مالك عن النبي ﷺ قال: "الحمى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء البارد".
واختلف في نسبتها إلى جهنم، فقيل: حقيقة، واللهب الحاصل في جسم
стр. 4404
المحموم قطعة من جهنم، وقدر الله ظهورها بأسباب تقتضيها ليعتبر العباد بذلك، كما أن أنواع الفرح واللذة من نعيم الجنة، أظهرها في هذه الدار عبرة ودلالة.
وقيل: الخبر ورد مورد التشبيه، والمعنى: أن حر الحمى شبيه بحر جهنم، تنبيهًا للنفوس على شدة حر النار، وأن هذه الحرارة الشديدة شبيهة بفيحها، وهو ما يصيب من قرب منها من حرها.
قوله "فأطفئوها" الحمى حظ المؤمن من النار.
стр. 4405
وفي رواية نافع عن ابن عمر، عند الشيخين: قال رسول الله ﷺ : "إن الحمى أو شدة الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء" بهمزة وصل والراء مضمومة
стр. 4406
على المشهور وحكي كسرها الراء. وفي رواية ابن ماجه بالماء البارد.
وفي رواية همام عن أبي جمرة عند البخاري، قال: كنت أجالس ابن عباس بمكة، فأخذتني الحمى، فاحتبست أيامًا، فقال: ما حبسك؟ قلت: الحمى، قال: أبردها بماء زمزم، فإن رسول الله ﷺ قال: "الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء، أو بماء زمزم"، شك همام.
قال ابن القيم: قوله "بالماء" فيه قولان: أحدهما: أنه كل ماء، وهو
стр. 4407
الصحيح. والثاني: أنه ماء زمزم. ثم قال بعد أن روى حديث أبي جمرة هذا، وراوي هذا قد شك فيه، ولو جزم به لكان أمرًا لأهل مكة بماء زمزم؛ إذ هو متيسر عندهم، وأمر غيرهم بما عندهم من المياه، انتهى.
وتعقب: بأنه وقع في رواية أحمد عن عفان عن همام: فأبردوها بماء زمزم ولم يشك، وكذا أخرجه النسائي وابن حبان والحاكم.
قال ابن القيم: واختلف من قال: إنه على عمومه: هل المراد به الصدقة بالماء أو استعماله على قولين، والصحيح أنه استعماله، وأظن الذي حمل من قال إن المراد به الصدقة أنه أشكل عليه استعمال الماء البارد في الحمى. ولم يفهم وجهه، مع أن لقوله وجهًا حسنًا وهو أن الجزاء من جنس العمل، فكما أخمد لهيب العطش عن الظمآن بالماء البارد أخمد الله لهيب الحمى عنه جزاء وفاقًا، انتهى.
وقال الخطابي وغيره: اعترض بعض سخفاء الأطباء على هذا الحديث، بأن
стр. 4408
قال اغتسال المحموم بالماء خطر يقربه من الهلاك؛ لأنه يجمع المسام، ويحقن البخار ويعكس الحرارة التي في داخل الجسم، فيكون ذلك سببًا للتلف. وقد غلط بعض من ينسب إلى العمل، فانغمس في الماء لما أصابته الحمى، فاحتقنت الحرارة في باطن بدنه، فأصابته علة صعبة كادت تهلكه، فلما خرج من علته قال قولًا سيئًا لا يحسن ذكره، وإنما أوقعه في ذلك جهله بمعنى الحديث.
والجواب: أن هذا الإشكال صدر عن صدر مرتاب في صدق الخبر، فيقال له أولًا: من أين حملت الأمر على الاغتسال، وليس في الحديث الصحيح بيان الكيفية فضلًا عن اختصاصها بالغسل، وإنما في الحديث الإرشاد إلى تبريد الحمى بالماء، فإن أظهر الوجود أو اقتضت صناعة الطب أن انغماس كل محموم في الماء أو صبه إياه على جميع بدنه يضره فليس هو المراد، وإنما قصده عليه الصلاة
стр. 4409
والسلام استعمال الماء على وجه ينفع فليبحث عن ذلك الوجه ليحصل الانتفاع به، وهذا كله وقع في أمره العائن بالاغتسال وأطلق، وقد ظهر من الحديث الآخر أنه لم يرد مطلق الاغتسال، وإنما أراد الاغتسال على كيفية مخصوصة، وأولى ما يحمل عليه كيفية تبريد الحمى بالماء ما صنعته أسماء بنت الصديق ﵂: فإنها كانت ترش على بدن المحموم شيئًا من الماء بين ثدييه وثوبه، فيكون ذلك من باب النشرة المأذون فيها، والصحابي، ولا سيما مثل أسماء التي كانت تلازم بيت النبي ﷺ أعلم بالمراد من غيرها.
وقد ذكر أبو نعيم وغيره، من حديث أنس رفعه: "إذا حم أحدكم فليرش عليه الماء البارد ثلاث ليال من السحر".
وقال المازري: لا شك أن علم الطب من أكثر العلوم احتياجًا إلى التفصيل
стр. 4410
حتى إن المريض يكون الشيء دواء له في ساعة فيصير داء له في الساعة الأخرى التي تليها لعارض يعرض له من غضب يحمي مزاجه مثلًا فيتغير علاجه، ومثل ذلك كثير. فإذا فرض وجود الشفاء لشخص بشيء في حالة ما لم يلزم منه وجود الشفاء به له أو لغيره في سائر الأحوال. والأطباء مجمعون على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والزمان والعادة والغذاء المتقدم والتأثير المألوف، وقوة الطباع. ويحتمل أن يكون هذا في وقت مخصوص فيكون من الخواص التي أطلع عليه النبي ﷺ بالوحي، ويضمحل عند ذلك جميع كلام أهل الطب.
وجعل ابن القيم خطابه ﷺ في هذا الحديث خاصًّا لأهل الحجاز وما والأهم، إذا كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من نوع الحمى اليومية العرضية، الحادثة عن شدة حرارة الشمس. قال: وهذا ينفعها الماء البارد شربًا واغتسالًا؛ لأن الحمى حرارة غريبة تشتعل في القلب، وتنتشر منه بتوسط الروح والدم في العروق
стр. 4411
إلى جميع البدن وهي قسمان: عرضية وهي الحادثة عن ورم أو حركة أو إصابة حرارة الشمس، أو القيظ الشديد ونحو ذلك، ومرضية وهي ثلاثة أنواع، وتكون عن مادة، ثم منها ما يسخن جميع البدن، فإذا كان مبدأ تعلقها بالروح فهي حمى يوم، لا تقلع غالبًا في يوم ونهايتها إلى ثلاث، وإن كان تعلقها بالأعضاء الأصلية، فهي حمى دق، وهي أخطرها. وإن كان تعلقها بالأخلاط سميت عفنية، وهي بعدد الأخلاط الأربعة: صفراوية، سوداوية، بلغمية، دموية، وتحت هذه الأنواع المذكورة أصناف كثيرة بسبب الأفراد والتركيب.
وإذا تقرر هذا فيجوز أن يكون المراد النوع الأول. فإنها تسكن بالانغماس في الماء البارد، وشرب الماء المبرد بالثلج وغيره، ولا يحتاج إلى علاج آخر.
وقد قال جالينوس: لو أن شابًّا خشن اللحم خصب البدن ليس في أحشائه ورم واستحم بماء بارد أو سبح فيه وقت القيظ عند منتهى الحمى لانتفع بذلك.
стр. 4412
وقد تكرر في الحديث استعماله ﷺ الماء البارد في علته، كما في الحديث: "صبوا علي من ماء سبع قرب لم تحلل أوكيتهن" وفي المسند وغيره من حديث الحسن عن سيرة يرفعه "الحمى قطعة من النار فأبردوها عنكم بالماء البارد". وكان رسول الله ﷺ إذا حم دعا بقربة من ماء فأفرغها على رأسه فاغتسل، وصححه الحاكم، ولكن قال: في إسناده راو ضعيف.
وعن أنس يرفعه: "إذا حم أحدكم فليسن على رأسه من الماء البارد من السحر ثلاث ليال". رواه الطحاوي وأبو نعيم في الطب.
стр. 4413
وأخرج الطبراني من حديث عبد الرحمن بن المرقع، رفعه: "الحمى رائد الموت، وهي سجن الله في الأرض، فبردوا لها الماء في الشنان وصبوه عليكم فيما بين الأذانين المغرب والعشاء". قال: ففعلوا فذهب عنهم الحمى.
وقد أخرج الترمذي من حديث ثوبان مرفوعًا: "إذا أصاب أحدكم الحمى وهي قطعة من النار فليطفئها عنه بالماء، يستنقع في نهر جار، ويستقبل جريته،
стр. 4414
وليقل: بسم الله، اللهم اشف عبدك، وصدق رسولك، بعد صلاة الصبح وقبل طلوع الشمس، ولينغمس فيه ثلاث غمسات، ثلاثة أيام، فإن لم يبرأ فخمس، وإلا فسبع، وإلا فتسع، فإنها لا تكاد تجاوز تسعًا بإذن الله". قال الترمذي: غريب، وفي سنده سعيد بن زرعة مختلف فيه.
стр. 4415
[ذكر طبه ﷺ من الحكة وما يولد القمل﴾ :
لما كانت الحكة لا تكون إلا عن حرارة ويبس وخشونة رخص ﷺ للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير لحكة كانت بهما، كما في البخاري عن قتادة أن أنسًا حدثهم أن النبي ﷺ رخص لعبد الرحمن بن عوف