← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

إلى جميع البدن وهي قسمان: عرضية وهي الحادثة عن ورم أو حركة أو إصابة حرارة الشمس، أو القيظ الشديد ونحو ذلك، ومرضية وهي ثلاثة أنواع، وتكون عن مادة، ثم منها ما يسخن جميع البدن، فإذا كان مبدأ تعلقها بالروح فهي حمى يوم، لا تقلع غالبًا في يوم ونهايتها إلى ثلاث، وإن كان تعلقها بالأعضاء الأصلية، فهي حمى دق، وهي أخطرها. وإن كان تعلقها بالأخلاط سميت عفنية، وهي بعدد الأخلاط الأربعة: صفراوية، سوداوية، بلغمية، دموية، وتحت هذه الأنواع المذكورة أصناف كثيرة بسبب الأفراد والتركيب. وإذا تقرر هذا فيجوز أن يكون المراد النوع الأول. فإنها تسكن بالانغماس في الماء البارد، وشرب الماء المبرد بالثلج وغيره، ولا يحتاج إلى علاج آخر. وقد قال جالينوس: لو أن شابًّا خشن اللحم خصب البدن ليس في أحشائه ورم واستحم بماء بارد أو سبح فيه وقت القيظ عند منتهى الحمى لانتفع بذلك.

стр. 4412

وقد تكرر في الحديث استعماله ﷺ الماء البارد في علته، كما في الحديث: "صبوا علي من ماء سبع قرب لم تحلل أوكيتهن" وفي المسند وغيره من حديث الحسن عن سيرة يرفعه "الحمى قطعة من النار فأبردوها عنكم بالماء البارد". وكان رسول الله ﷺ إذا حم دعا بقربة من ماء فأفرغها على رأسه فاغتسل، وصححه الحاكم، ولكن قال: في إسناده راو ضعيف. وعن أنس يرفعه: "إذا حم أحدكم فليسن على رأسه من الماء البارد من السحر ثلاث ليال". رواه الطحاوي وأبو نعيم في الطب.

стр. 4413

وأخرج الطبراني من حديث عبد الرحمن بن المرقع، رفعه: "الحمى رائد الموت، وهي سجن الله في الأرض، فبردوا لها الماء في الشنان وصبوه عليكم فيما بين الأذانين المغرب والعشاء". قال: ففعلوا فذهب عنهم الحمى. وقد أخرج الترمذي من حديث ثوبان مرفوعًا: "إذا أصاب أحدكم الحمى وهي قطعة من النار فليطفئها عنه بالماء، يستنقع في نهر جار، ويستقبل جريته،

стр. 4414

وليقل: بسم الله، اللهم اشف عبدك، وصدق رسولك، بعد صلاة الصبح وقبل طلوع الشمس، ولينغمس فيه ثلاث غمسات، ثلاثة أيام، فإن لم يبرأ فخمس، وإلا فسبع، وإلا فتسع، فإنها لا تكاد تجاوز تسعًا بإذن الله". قال الترمذي: غريب، وفي سنده سعيد بن زرعة مختلف فيه.

стр. 4415

[ذكر طبه ﷺ من الحكة وما يولد القمل﴾ : لما كانت الحكة لا تكون إلا عن حرارة ويبس وخشونة رخص ﷺ للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير لحكة كانت بهما، كما في البخاري عن قتادة أن أنسًا حدثهم أن النبي ﷺ رخص لعبد الرحمن بن عوف

стр. 4416

والزبير بن العوام في قميص من حرير من حكة كانت بهما. وفي رواية أن عبد الرحمن بن عوف والزبير شكيا إلى النبي ﷺ -يعني القمل- فأرخص لهما في لبس الحرير، قال فرأيته عليهما في غزاة. وفي رواية رخص النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في الحرير. وفي رواية رخص، أو رخص لحكة كانت بهما.

стр. 4417

ويحتمل أن تكون إحدى العلتين بأحد الرجلين، أو أن الحكة حصلت من القمل فنسبت العلة تارة إلى السبب وتارة إلى المسبب. قال النووي: هذا الحديث صريح في الدلالة لمذهب الشافعي وموافقيه: أنه يجوز لبس الحرير للرجل إذا كانت به حكة لما فيه من البرودة، وكان للقمل وما في بمعنى ذلك. وقال مالك: لا يجوز، وهذا الحديث حجة عليه، انتهى. وتعقب قوله: "لما فيه من البرودة" بأن الحرير حار.

стр. 4418

والصواب: أن الحكمة فيه إنما هي لخاصية فيه تدفع الحكة والقمل. وقال ابن القيم: وإذا اتخذ منه ملبوس كان معتدل الحرارة في مزاجه، مسخنًا للبدن، وربما برد البدن بتسميته إياه. وقال الرازي: الأبريسم أسخن من الكتان وأبرد من القطن، ويربي اللحم، وكل لباس خشن فإنه يهزل ويصلب البشرة، فملابس الأوبار والأصواف تسخن وتدفئ وملابس الكتان والحرير والقطن تدفئ ولا تسخن، فثياب الكتاب باردة يابسة، وثياب الصوف حارة يابسة، وثياب القطن معتدلة الحرارة، وثياب الحرير ألين من ثياب القطن وأقل حرارة منه، ولما كانت ثياب الحرير لبس فيها من اليبس والخشونة كغيرها صارت نافعة من الحكة؛ لأن الحكة -كما قدمته- لا تكون إلا عن حرارة ويبس وخشونة، فلذلك رخص ﵊ لهما في لباس الحرير لمداواة الحكة.

стр. 4419

[ذكر طبه ﷺ من السم الذي أصابه بخيبر] : تقدم في غزوتها قصة اليهودية التي أهدت إليه الشاة المسمومة، وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن امرأة يهودية أهدت للنبي ﷺ شاة مصلية بخيبر، فقال: "ما هذه"؟ فقالت: هدية، وحذرت أن تقول من الصدقة فلا يأكل. فأكل النبي ﷺ وأكل أصحابه، ثم قال: "أمسكوا"،

стр. 4420

ثم قال للمرأة: "هل سميت هذه الشاة"؟ قالت: من أخبرك؟ قال: "هذا العظم"، لساقها، وهو في يده، قالت: نعم، قال: "لِم"؟ قالت: أردت إن كنت كاذبا أن نستريح منك والناس، وإن كنت نبيا لم يضرك. قال: فاحتجم النبي ﷺ ثلاثا على كاهله. وقد ذكروا في علاج السم أن يكون بالاستفراغات والأدوية التي تعارض فعل السم وتبطله، إما بكيفياتها وإما بخواصها، فمن عدم الدواء فليبادر إلى الدواء

стр. 4421

الكلي، وأنفعه الحجامة، ولا سيما إذا كان البلد حارا والزمان حارا، فإن القوة السمية تسري في الدم، فتبعثه في العروق والمجاري، حتى تصل إلى القلب والأعضاء، فإذا بادر المسموم وأخرج الدم خرجت معه تلك الكيفية السمية التي خالطته، فإن كان استفراغا تاما لم يضره السم، بل إما أن يذهب، وإما أن يضعف فتقوى عليه الطبيعة فتبطل فعله، أو تضعفه. ولما احتجم ﷺ احتجم على الكاهل؛ لأنه أقرب إلى القلب، فخرجت المادة السمية مع الدم، لا خروجا كليا بل بقي أثرها مع ضعفه لما يريد الله تعالى من تكميل مراتب الفضل كلها له بالشهادة زاده الله فضلا وشرفا.

стр. 4422

فهرس الجزء التاسع: من شرح العلامة الزرقاني على المواهب اللدنية للقسطلاني الفهرس ... فهرس الجزء الناسع: من شرح العلامة الزرقاني على المواهب اللدنية للقسطلاني الفهرس: ٣ النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه ٥٨ المقصد السابع في وجوب محبته واتباع سنته والاهتداء بهديه ٥٩ الفصل الأول في وجوب محبته واتباع سنته ١٥٩ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية ٢٣٩ الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه ﵊ ٣٢٩ المقصد الثامن في طبه ﷺ لذوي الأمراض والعاهات ٣٣٢ الفصل الأول في طبه ﷺ لذوي الأمراض والعاهات ٣٦٦ النوع الأول في طبه ﷺ بالأدوية الإلهية ٤٠٥ ذكر طبه ﷺ من الفزع والأرق المانع من النوم ٤٠٦ ذكر طبه ﵊ من مر المصيبة ببرد الرجوع إلى الله تعالى ٤٠٩ ذكر طبه ﷺ من داء الهم والكرب بدواء التوجه إلى الرب ٤٢٧ ذكر طبه ﷺ من داء الفقر ٤٢٨ ذكر طبه ﷺ من داء الحريق ٤٣١ ذكر ما كان ﵊ يطب به من داء الصرع ٤٣٤ ذكر دوائه ﷺ من داء السحر ٤٥٣ ذكر رقية تنفع لكل شكوى ٤٥٤ رقيته ﷺ من الصداع ٤٥٥ رقيته ﷺ من وجع الضرس ٤٥٦ رقية لعسر البول ٤٥٧ رقية الحمى ٤٦٤ ذكر ما يقي من كل بلاء ٤٦٥ ذكر ما يستجلب به المعافاة من سبعين بلاء ٤٦٧ ذكر دواء داء الطعام ٤٦٩ النوع الثاني في طبه ﷺ بالأدوية الطبيعية ٤٧٤ ذكر طبه ﷺ للرمد

стр. 4423

٤٨١ ذكر طبه ﷺ من العذرة ٤٨٦ ذكر طبه ﷺ لداء استطلاق البطن ٤٩٤ ذكر طبه ﷺ من يبس الطبيعة ٤٩٨ ذكر طبه ﷺ للمفئود ٥٠١ ذكر طبه ﷺ لداء ذات الجنب ٥٠٥ الاستسقاء ٥١١ ذكر طبه ﷺ من داء عرق النسا ٥١٢ ذكر طبه ﷺ في الورم ٥١٣ ذكر طبه ﵊ بقطع العروق والكي جميعا ٥١٧ ذكر طبه ﷺ من الطاعون ٥٢٨ ذكر طبه ﷺ من السلعة ٥٢٩ ذكر طبه ﷺ من الحمى ٥٤٠ ذكر طبه ﷺ من الجنة وما يولد القمل ٥٤٤ ذكر طبه ﷺ من السم الذي أصابه بخيبر

стр. 4424

المجلد العاشر تابع المقصد الثامن: في طبه ﷺ لذوي الأمراض والعاهات وتعبيره الرؤيا وإنبائه بالأنباء المغيبات تابع الفصل الأول: في طبه ﷺ لذوي الأمراض والعاهات ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تابع المقصد الثامن: في طبه ﷺ لذوي الأمراض والعاهات وتعبيره الرؤيا وإنبائه بالأنباء المغيبات تابع الفصل الأول: في طبه ﷺ لذوي الأمراض والعاهات النوع الثالث: في طبه ﵊ بالأدوية المركبة من الإلهية والطبيعية: "ذكر طبه ﵊ من القرحة والجرح وكل شكوى": عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقول للمريض: "بسم الله تربة أرضنا، وريقة بعضنا، يشفى سقيمنا". وفي رواية أنه ﷺ كان يقول في الرقية: "بسم الله تربة أرضنا، وريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا". رواه البخاري. وفي رواية مسلم: كان إذا اشتكى الإنسان، أو كانت به قرحة أو جرح قال بإصبعه هكذا، ووضع سفيان سبابته بالأرض، الحديث.

стр. 4425

وقوله: "تربة أرضنا" خبر مبتدأ محذوف، أي هذه تربة أرضنا. وقوله: "يشفى سقيمنا" ضبط بوجهين، بضم أوله على البناء للمجهول، وسقيمنا بالرفع، وبفتح أوله على أن الفاعل مقدر، وسقيمنا بالنصب على المفعولية. قال النووي: معنى الحديث: أنه أخذ من ريق نفسه، على أصبعه السبابة، ثم وضعها على التراب فعلق بها شيء منه، ثم مسح به الموضع العليل أو الجرح قائلا الكلام المذكور في حالة المسح. وقال القرطبي: زعم بعض علمائنا أن السر في أن تراب الأرض لبرودته ويبسه يبرئ الموضع الذي فيه الألم، ويمنع انصباب المواد إليه ليبسه، مع منفعته في تجفيف الجراح واندمالها. وقال في الريق: إنه يختص بالتحليل والإنضاج وإبراء الجرح والورم، ولا سيما من الصائم والجائع.

стр. 4426

وتعقبه القرطبي: بأن ذلك إنما يتم إذا وقعت المعالجة على قوانينها من مراعاة مقدار التراب والريق، وملازمة ذلك في أوقاته، وإلا فالنفث ووضع السبابة على الأرض إنما يعلق بها ما ليس له بال ولا أثر، وإنما هذا من باب التبرك بأسماء الله تعالى وآثار رسوله ﷺ وأما وضع الأصبع بالأرض فلعله لخاصية في ذلك، أو لحكمة إخفاء آثار القدرة بمباشرة الأسباب المعتادة. وقال البيضاوي: قد شهدت المباحث الطبية على أن للريق مدخلا في النضج وتعديل المزاج، وتراب الوطن له تأثير في حفظ المزاج ودفع الضرر، فقد ذكروا أنه ينبغي للمسافر أن يستصحب تراب أرضه إن عجز عن استصحاب مائها، حتى إذا ورد المياه المختلفة جعل شيئا منه في سقائه ليأمن مضرة ذلك، ثم إن الرقى والعزائم لها آثار عجيبة تتقاعد العقول عن الوصول إلى كنهها. وقال التوربشتي: كأن المراد بالتربة الإشارة إلى النطفة، كأنه تضرع بلسان

стр. 4427

الحال: إنك اخترعت الأصل الأول من التراب ثم أبدعته من ماء مهين، فهين عليك أن تشفي من كانت هذه نشأته. وقال النووي: قيل المراد "بأرضنا" أرض المدينة لبركتها، و"بعضنا" ريق رسول الله ﷺ لشرف ريقه، فيكون ذلك مخصوصا بريقه وفيه نظر. وفي حديث عائشة عند أبي داود والنسائي: أنه ﷺ دخل على ثابت بن قيس بن شماس وهو مريض، فقال: "اكشف الباس رب الناس"، ثم أخذ ترابا من بطحان فجعله في قدح ثم نفث عليه، ثم صبه عليه، قال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث تفرد به الشخص المرقي.

стр. 4428

"ذكر طبه ﷺ من لدغة العقرب": عن عبد الله بن مسعود قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي إذ سجد فلدغته عقرب في إصبعه، فانصرف رسول الله ﷺ وقال: "لعن الله العقرب، ما تدع نبيا ولا غيره"، ثم دعا بإناء فيه ماء وملح فجعل يضع موضع اللدغة في الماء والملح، ويقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين حتى سكنت، رواه ابن أبي شيبة في مسنده. وقال ابن عبد البر: رقى ﷺ من العقرب بالمعوذتين، وكان يمسح الموضع

стр. 4429

بماء فيه ملح. وهذا طب مركب من الطبيعي والإلهي، فإن سورة الإخلاص قد جمعت الأصول الثلاثة التي هي مجامع التوحيد، وفي المعوذتين الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلا. ولهذا أوصى ﷺ عقبة بن عامر أن يقرأ بهما عقب كل صلاة. رواه الترمذي. وفي هذا سر عظيم في استدفاع الشرور من الصلاة إلى الصلاة الأخرى التي تليها. وقال: "ما تعوذ المتعوذون بمثلهما". وأما الماء والملح فهو الطب الطبيعي، فإن في الملح نفعا كثيرا من السموم ولا سيما لدغة العقرب، وفيه من القوة الجاذبة المحللة ما يجذب السموم ويحللها من البدن، ولما كان في لسعها قوة نارية تحتاج إلى تبريد وجذب استعمل ﷺ الماء والملح لذلك.

стр. 4430

"ذكر الطب من النملة": وهي بفتح النون وإسكان الميم، قروح تخرج في الجنب، وسمي نملة لأن صاحبه يحس في مكانه كأن نملة تدب عليه وتعضه. وفي حديث مسلم عن أنس أنه ﷺ رخص في الرقية من الحمة والعين والنملة.

стр. 4431

وروى الخلال أن الشفاء بنت عبد الله كانت ترقي في الجاهلية من النملة، فلما هاجرت إلى النبي ﷺ وكانت قد بايعته بمكة قالت: يا رسول الله إني كنت أرقي في الجاهلية من النملة، فأريد أن أعرضها عليك، فعرضتها عليه، فقالت: بسم الله ضلت حتى تعود من أفواهها ولا تضر أحدا، اللهم اكشف الباس رب الناس. قال: ترقي بها على عود سبع مرات، وتقصد مكانا نظيفا وتدلكه على حجر بخل خمر حاذق وتطليه على النملة.

стр. 4432

"ذكر طبه ﵊ من البثرة": روى النسائي عن بعض أزواج النبي ﷺ أنه قال لها: "عندك ذريرة؟ " فقلت: نعم، فدعا بها فوضعها على بثرة بين أصبعين من أصابع رجله، ثم قال: "اللهم مطفئ الكبير، ومكبر الصغير، أطفئها عني". فطفئت.

стр. 4433

"ذكر طبه ﵊ من حرق النار": روى النسائي عن محمد بن حاطب قال: تناولت قدرا، فأصاب كفي من مائها، فاحترق ظهر كفي، فانطلقت بي أمي إلى النبي ﷺ ، فقال: "أذهب الباس رب الناس"، وأحسبه قال: و "اشف أنت الشافي" ويتفل.

стр. 4434

"ذكر طبه ﷺ بالحمية": وهي قسمان: حمية عما يجلب المرض، وحمية عما يزيده فيقف على حاله. فالأولى: حمية الأصحاء. والثانية: حمية المرضى، فإن المريض إذا احتمى وقف مرضه عن الزائد، وأخذت القوى في دفعه. والأصل في الحمية قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] فحمى المريض من استعمال الماء

стр. 4435

لأنه يضره، كما وقعت الإشارة لذلك في أوائل هذا المقصد. وقد قال بعض فضلاء الأطباء: رأس الطب الحمية. والحمية للصحيح عندهم في المضرة بمنزلة التخليط للمريض والناقه، وأنفع ما تكون الحمية للناقه من المرض، لأن التخليط يوجب الانتكاس، والانتكاس أصعب من ابتداء المرض. والفاكهة تضر بالناقه من المرض، لسرعة استحالتها وضعف الطبيعة عن دفعها لعدم القوة، وفي سنن ابن ماجه عن صهيب قال: قدمت على النبي ﷺ وبين يديه خبز وتمر، فقال: "ادن وكل". فأخذت تمرا فأكلت، فقال: "أتأكل تمرا وبك رمد"؟. فقلت: يا رسول الله أمضغ من الناحية الأخرى، فتبسم رسول الله ﷺ . ففيه الإشارة إلى الحمية وعدم التخليط، وأن الرمد يضر به التمر.

стр. 4436

وعن أم المنذر بنت قيس الأنصارية قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ ومعه علي، وهو ناقه من مرض، ولنا دوال معلقة، فقام رسول الله ﷺ يأكل منها، وقام علي يأكل منها، فطفق النبي ﷺ يقول لعلي: "إنك ناقه"، حتى كف. قالت: وصنعت شعيرا وسلقا فجئت به فقال ﷺ لعلي: "من هذا فأصب فإنه أنفع لك"، رواه ابن ماجه. وإنما منعه ﷺ من أكله من الدوالي لأن في الفاكهة نوع ثقل على المعدة، ولم يمنعه من السلق والشعير لأنه من أنفع الأغذية للناقه، ففي ماء الشعير التغذية والتلطيف والتليين وتقوية الطبيعة. فالحمية من أكبر الأدوية للناقه قبل زوال الداء لكي تمنع تزايده وانتشاره. وقال ابن القيم: ومما ينبغي أن يعلم أن كثيرا مما يحمى منه العليل والناقه والصحيح إذا اشتدت الشهوة إليه، ومالت إليه الطبيعة، فتناول منه الشيء اليسير الذي لا تعجز الطبيعة عن هضمه لم يضره تناوله، بل ربما انتفع به، فإن الطبيعة والمعدة تتلقيانه بالقبول والمحبة، فيصلحان ما يخشى من ضرره، وقد يكون أنفع

стр. 4437

من تناول ما تكرهه الطبيعة وتدفعه من الدواء, ولهذا أقر النبي ﷺ صهيبا وهو أرمد على تناول التمرات اليسيرة وعلم أنها لا تضره. ففي هذا الحديث -يعني حديث صهيب- سر طبي لطيف، فإن المريض إذا تناول ما يشتهيه عن جوع صادق وكان فيه ضرر ما، كان أنفع وأقل ضررا مما لا يشتهيه وإن كان نافعا في نفسه. فإن صدق شهوته ومحبة الطبيعة له تدفع ضرره، وكذلك العكس.

стр. 4438

"ذكر حمية المريض من الماء": عن قتادة بن النعمان أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أحب الله العبد حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء". قال الترمذي: حديث حسن غريب.

стр. 4439

وروى الحميدي مرفوعا: "لو أن الناس أقلوا من شرب الماء لاستقامت أبدانهم". وللطبراني في الأوسط عن أبي سعيد مرفوعا: "من شرب الماء على الريق انتقصت قوته". وفيه محمد بن مخلد الرعيني، وهو ضعيف.

стр. 4440

"ذكر طبه ﷺ بالحمية من الماء المشمس خوف البرص": روى الدارقطني عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لا تغتسلوا بالماء المشمس فإنه يورث البرص. وروى الدارقطني هذا المعنى مرفوعا من حديث عامر عن النبي ﷺ وهو ضعيف.

стр. 4441

وكذا خرج العقيلي نحوه عن أنس بن مالك، ورواه الشافعي عن عمر. فعلى هذا يكره استعمال الماء المشمس شرعا خوف البرص، لكنهم اشترطوا شروطا: أن يكون في البلاد الحارة، والأوقات الحارة دون الباردة، وفي الأواني المنطبعة على الأصح دون الحجر والخشب ونحوهما, واستثنى النقدان لصفائهما. وقال الجويني بالتسوية، حكاه ابن الصلاح. ولا يكره المشمس في الحياض والبرك قطعا، وأن يكون الاستعمال في البدن لا في الثوب، وأن يكون مستعملا حال حرارته، فلو برد زالت الكراهة في الأصح في الروضة وصحح في الشرح الصغير عدم الزوال. واشترط صاحب التهذيب -كما قاله الجبلي- أن يكون

стр. 4442

رأس الإناء منسدا لتنجس الحرارة، وفي شرح المهذب أنها شرعية يثاب تاركها وقال في شرح التنبيه: إن اعتبرنا القصد فشرعية وإلا فإرشادية، وإذا قلنا بالكراهة فكراهة تنزيه لا تمنع صحة الطهارة. وقال الطبري: إن خاف الأذى حرم، وقال ابن عبد السلام: لو لم يجد غيره وجب استعماله، واختار النووي في الروضة عدم الكراهة مطلقا، وحكاه الروياني في البحر عن النص.

стр. 4443

"ذكر الحمية من طعام البخلاء": عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "طعام البخيل داء وطعام الأسخياء شفاء". رواه التنيسي عن مالك في غير الموطأ، كما ذكره عبد الحق في الأحكام.

стр. 4444

"ذكر الحمية من داء الكسل": روى أبو داود في المراسيل عن يونس عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه رآه مضطجعا في الشمس، قال يونس فنهاني وقال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "إنها تورث الكسل وتثير الداء الدفين".

стр. 4445

"ذكر الحمية من داء البواسير": عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يجامعن أحدكم وبه حقن خلاء، فإنه يكون منه البواسير" رواه أبو أحمد الحاكم.

стр. 4446

"ذكر حماية الشراب من سم أحد جناحي الذباب بإغماس الثاني": عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء".

стр. 4447

وفي رواية أبي داود: "فإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء فليغمسه كله". وفي رواية الطحاوي: "فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء". وفي قوله: "كله" رفع توهم المجاز في الاكتفاء بالبعض. قال شيخ شيوخنا: لم يقع لي في شيء من الطرق تعيين الجناح الذي فيه الشفاء من غيره. لكن ذكر بعض العلماء أنه تأمله فوجده يتقي بجناحه الأيسر، فعرف أن الأيمن هو الذي فيه الشفاء.

стр. 4448

وأخرج أبو يعلى عن ابن عمر مرفوعا: "عمر الذباب أربعون ليلة والذباب كله في النار إلا النحل". وسنده لا بأس به. قال الجاحظ: كونه في النار ليس تعذيبا له بل ليعذب به أهل النار، ويتولد من العفونة. ومن عجيب أمره أن رجيعه يقع على الثوب الأسود أبيض وبالعكس، وأكثر ما يظهر في أماكن العفونة، ومبدأ خلقه منها ثم من التوالد، وهو أكثر الطيور سفادا، وربما بقي عامة اليوم على الأنثى. ويحكى أن بعض الخلفاء سأل الشافعي: لأي علة خلق الذباب؟ فقال: مذلة للملوك، وكانت ألحت عليه ذبابة. قال الشافعي: سألني ولم يكن عندي جواب فاستنبطت ذلك من الهيئة الحاصلة، فرحمة الله عليه ورضوانه.

стр. 4449

عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "غطوا الإناء، وأوكوا السقاء فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا ينزل فيه من ذلك الوباء". رواه مسلم في صحيحه قيل: وذلك في آخر شهور السنة الرومية.

стр. 4450

"ذكر حمية الولد من إرضاع الحمقى": روى أبو داود في المراسيل بإسناد صحيح عن زياد السهمي قال: نهى رسول الله ﷺ أن تسترضع الحمقى، فإن اللبن يشبه. وعند ابن حبيب: يعدي، وعند القضاعي بسند حسن من حديث ابن عباس مرفوعا: "الرضاع يغير الطباع".
следующие страницы →