← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

"ذكر حماية الشراب من سم أحد جناحي الذباب بإغماس الثاني": عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء".

стр. 4447

وفي رواية أبي داود: "فإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء فليغمسه كله". وفي رواية الطحاوي: "فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء". وفي قوله: "كله" رفع توهم المجاز في الاكتفاء بالبعض. قال شيخ شيوخنا: لم يقع لي في شيء من الطرق تعيين الجناح الذي فيه الشفاء من غيره. لكن ذكر بعض العلماء أنه تأمله فوجده يتقي بجناحه الأيسر، فعرف أن الأيمن هو الذي فيه الشفاء.

стр. 4448

وأخرج أبو يعلى عن ابن عمر مرفوعا: "عمر الذباب أربعون ليلة والذباب كله في النار إلا النحل". وسنده لا بأس به. قال الجاحظ: كونه في النار ليس تعذيبا له بل ليعذب به أهل النار، ويتولد من العفونة. ومن عجيب أمره أن رجيعه يقع على الثوب الأسود أبيض وبالعكس، وأكثر ما يظهر في أماكن العفونة، ومبدأ خلقه منها ثم من التوالد، وهو أكثر الطيور سفادا، وربما بقي عامة اليوم على الأنثى. ويحكى أن بعض الخلفاء سأل الشافعي: لأي علة خلق الذباب؟ فقال: مذلة للملوك، وكانت ألحت عليه ذبابة. قال الشافعي: سألني ولم يكن عندي جواب فاستنبطت ذلك من الهيئة الحاصلة، فرحمة الله عليه ورضوانه.

стр. 4449

عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "غطوا الإناء، وأوكوا السقاء فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا ينزل فيه من ذلك الوباء". رواه مسلم في صحيحه قيل: وذلك في آخر شهور السنة الرومية.

стр. 4450

"ذكر حمية الولد من إرضاع الحمقى": روى أبو داود في المراسيل بإسناد صحيح عن زياد السهمي قال: نهى رسول الله ﷺ أن تسترضع الحمقى، فإن اللبن يشبه. وعند ابن حبيب: يعدي، وعند القضاعي بسند حسن من حديث ابن عباس مرفوعا: "الرضاع يغير الطباع".

стр. 4451

وعند ابن حبيب أيضا مرفوعا أنه نهى عن استرضاع الفاجرة. وعن عمر بن الخطاب: أن اللبن ينزع لمن تسترضع له. وأما الحمية من البرد فاشتهر على الألسنة: اتقوا البرد فإنه قتل أبا الدرداء. لكن قال شيخ الحفاظ ابن حجر: لا أعرفه، فإن كان واردا فيحتاج إلى تأويل، فإن أبا الدرداء عاش بعد النبي ﷺ دهرا. انتهى. وأما ما اشتهر أيضا: أصل كل داء البردة، فقال شيخنا: رواه أبو نعيم والمستغفري معا في الطب النبوي والدارقطني في العلل، كلهم من طريق تمام بن نجيح عن الحسن البصري عن أنس رفعه. وتمام ضعفه الدارقطني وغيره، ووثقه ابن معين وغيره.

стр. 4452

ولأبي نعيم أيضا من حديث ابن المبارك عن السائب بن عبد الله عن علي بن زحر عن ابن عباس مثله. ومن حديث عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رفعه: "أصل كل داء من البردة". وقد قال الدارقطني عقب حديث أنس من علله: عباد بن منصور عن الحسن البصري من قوله، وهو أشبه بالصواب. وجعله الزمخشري في "الفائق" من كلام ابن مسعود. قال الدارقطني في كتاب التصحيف: قال أهل اللغة رواه المحدثون البردة يعني بإسكان الراء، والصواب "البردة" يعني الفتح، وهي التخمة، لأنها تبرد حرارة الشهوة، أو لأنها ثقيلة على المعدة بطيئة الذهاب. من "برد" إذا ثبت وسكن.

стр. 4453

وقد أورد أبو نعيم مضموما لهذه الأحاديث، حديث الحارث بن فضيل عن زياد بن مينا عن أبي هريرة رفعه: "استدفئوا من الحر والبرد". وكذا أورد المستغفري مع ما عنده منها حديث إسحاق بن نجيح عن أبان عن أنس رفعه: "إن الملائكة لتفرح بفراغ البرد عن أمتي، أصل كل داء البرد". وهما ضعيفان وذلك شاهد لما حكي عن اللغويين في كون المحدثين رووه بالسكون. انتهى.

стр. 4454

الفصل الثاني: في تعبيره ﷺ الرؤيا يقال: عبرت الرؤيا بالتخفيف: إذا فسرتها، وعبرتها بالتشديد للمبالغة في

стр. 4455

ذلك. وأما "الرؤيا" بوزن فعلى -وقد تسهل الهمزة- فهي ما يراه الشخص في منامه. قال القاضي أبو بكر بن العربي: الرؤيا إدراكات يلقيها الله تعالى في قلب العبد على يدي ملك أو شيطان، إما بأسمائها، أي حقيقتها، وإما بكناها أي بعبارتها، وإما تخليطا. وذهب القاضي أبو بكر بن الطيب: إلى أنها اعتقادات، واحتج بأن الرائي قد

стр. 4456

يرى نفسه بهيمة أو طائرا مثلا، وليس هذا إدراكا، فوجب أن يكون اعتقادا، لأن الاعتقاد قد يكون على خلاف المعتقد. قال ابن العربي: والأول أولى، والذي يكون من قبيل ما ذكره ابن الطيب من قبيل التنسل فالإدراك إنما يتعلق به لا بأصل الذات. وقال المازري: كثر كلام الناس في حقيقة الرؤيا، وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة، لأنهم حاولوا الوقوف على حقائق لا تدرك بالعقل، ولا يقوم عليها برهان، وهم لا يصدقون بالسمع، فاضطربت أقاويلهم، فمن ينتمي إلى الطب ينسب جميع الرؤايا إلى الأخلاط، فيقول: من غلب عليه البلغم رأى أنه يسبح في الماء ونحو ذلك لمناسبة الماء طبيعة البلغم، ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الجو وهكذا إلى آخره. وهذا وإن جوزه العقل، وجاز أن يجري الله

стр. 4457

العادة به لكنه لم يقم عليه دليل، ولا اطردت به عادة، والقطع في موضع التجويز غلط. ومن ينتمي إلى الفلسفة يقول: إن صور ما يجري في الأرض هي في العالم العلوي كالنقوش، فما حاذى بعض النفوس منها انتقش فيها. قال: وهذا أشد فسادا من الأول، لكونه تحكما لا برهان عليه. والانتقاش من صفات الأجسام، وأكثر ما يجري في العالم العلوي الأعراض، والأعراض لا انتقاش فيها. قال: والصحيح ما عليه أهل السنة، أن الله تعالى يخلق في النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، فإذا خلقها فكأنه جعلها علما على أمور أخرى خلقها أو يخلقها في ثاني حال، ومهما وقع منها على خلاف المعتقد فهو كما يقع اليقظان، ونظيره أن الله تعالى خلق الغيم علامة على المطر، وقد يتخلف.

стр. 4458

وتلك الاعتقادات تقع تارة بحضرة الملك فيقع بعدها ما يسره، وتارة بحضرة الشيطان فيقع بعدها ما يضره، والعلم عند الله. وأخرج الحاكم والعقيلي من رواية محمد بن عجلان عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: لقي عمر عليا فقال: يا أبا الحسن، الرجل يرى الرؤيا، فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب، قال: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد ولا أمة ينام فيمتلئ نوما إلا تخرج روحه إلى العرش، فالذي لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تصدق، والذي يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تكذب". قال الذهبي في تلخيصه: هذا حديث منكر، ولم يصححه المؤلف. وذكر ابن القيم حديثا مرفوعا غير معزو: "إن رؤيا المؤمن كلام يكلمه ربه به في المنام". ووجد الحديث للترمذي في "نوادر الأصول" من حديث عبادة بن

стр. 4459

الصامت، أخرجه في الأصل الثامن والتسعين، وهو من روايته عن شيخه عمر بن أبي عمر، وهو واهن وفي سنده جنيد بن ميمون عن حمزة بن الزبير عن عبادة. قال الحكيم: قال بعض أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] قال: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ أي في المنام. ورؤيا الأنبياء وحي بخلاف غيرهم، فالوحي لا يدخله خلل لأنه محروس، بخلاف رؤيا غير الأنبياء فإنه قد يحضرها الشيطان. وقال الحكيم أيضا: وكل الله بالرؤيا ملكا اطلع على أحوال بني آدم من اللوح المحفوظ فينسخ منه، ويضرب لكل على قصته مثلا، فإذا نام مثلت له تلك الأشياء على طريق الحكمة الإلهية لتكون له بشرى أو نذارة أو معاتبة، والآدمي قد يسلط عليه الشيطان لشدة العداوة بينهما، فهو يكيده بكل وجه، ويريد إفساد أموره

стр. 4460

بكل طريق، فيلبس عليه رؤياه إما بتغليظه فيها أو بغفلته عنها. وفي البخاري عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال: "الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة". والمراد غالب رؤيا الصالحين، وإلا فالصالح قد يرى الأضغاث، ولكنه نادر لقلة تمكن الشيطان منهم، بخلاف عكسهم، فإن الصدق فيها نادر لغلبة تسلط الشيطان عليهم. وقد استشكل كون الرؤيا جزءا من النبوة، مع أن النبوة قد انقطعت بموته ﷺ . وأجيب: بأن الرؤيا إن وقعت منه ﷺ فهي جزء من أجزاء النبوة حقيقة، وإن وقعت من غير النبي فهي جزء من أجزاء النبوة على سبيل المجاز.

стр. 4461

وقيل: المعنى أنها جزء من علم النبوة، لأن النبوة وإن انقطعت فعلمها باق. وتعقب بقول مالك -كما حكاه ابن عبد البر- أنه سئل: أيعبر الرؤيا كل أحد؟ فقال: أبالنبوة يلعب؟ ثم قال: الرؤيا جزء من النبوة. وأجيب: بأنه لم يرد أنها نبوة باقية، وإنما أراد أنها أشبهت النبوة من جهة الاطلاع على بعض الغيب لا ينبغي أن يتكلم فيها بغير علم، فليس المراد أن الرؤيا الصالحة نبوة، لأن المراد تشبيه الرؤيا بالنبوة، وجزء الشيء لا يسلتزم ثبوت وصفه، كمن قال: أشهد أن لا إله إلا الله رافعا صوته لا يسمى مؤذنا، وفي حديث أم كرز الكعبية عند أحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان قال: ذهبت النبوة وبقيت المبشرات. وعند أحمد من حديث عائشة مرفوعا: "لم يبق بعدي من المبشرات

стр. 4462

إلا الرؤيا"، وفي حديث ابن عباس عند مسلم وأبو داود أنه ﵊ كشف الستارة ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه، والناس صفوف خلف أبي بكر فقال: "يا أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له". والتعبير بالمبشرات خرج مخرج الغالب، فإن من الرؤيا ما تكون منذرة وهي صادقة يريها الله تعالى للمؤمن رفقا به ليستعد لما يقع قبل وقوعه. وقوله: "من الرجل الصالح" لا مفهوم له، فإن المرأة الصالحة كذلك،

стр. 4463

وحكى ابن بطال الاتفاق عليه. وقوله: "جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة" كذا في أكثر الأحاديث. وروى مسلم من حديث أبي هريرة: "جزء من خمسة وأربعين جزءا من النبوة"، وعنده أيضا من حديث ابن عمر: "جزء من سبعين جزءا" وعند الطبراني: "جزء من ستة وسبعين جزءا" وسنده ضعيف، وعند ابن عبد البر من طريق عبد العزيز بن المختار عن ثابت عن أنس مرفوعا: "جزء من ستة وعشرين جزءا" ووقع في شرح مسلم للنووي وفي رواية عبادة: "أربعة وعشرين". والذي يتحصل من الروايات عشرة، أقلها ما عند النووي، وأكثرها من ستة وسبعين، وأضربنا عن باقيها خوف الإطالة.

стр. 4464

وقال القاضي أبو بكر بن العربي: أجزاء النبوة لا يعلم حقيقتها إلا ملك أو نبي، وإنما القدر الذي أراده النبي ﷺ أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة في الجملة، لأن فيها اطلاعا على الغيب من وجه ما، وأما تفصيل النسبة فيختص بمعرفته درجة النبوة. وقال المازري: لا يلزم العالم أن يعرف كل شيء جملة وتفصيلا، فقد جعل

стр. 4465

الله للعالم حدا يقف عنده، فمنه ما يعلم المراد به جملة وتفصيلا، ومنه ما يعلم جملة لا تفصيلا، وهذا من هذا القبيل. وقد تكلم بعضهم على الرواية المشهورة وأبدى لها مناسبة، فنقل ابن بطال عن أبي سعيد السفاقسي أن بعض أهل العلم ذكر أن الله تعالى أوحى إلى نبيه في المنام ستة أشهر، ثم أوحى إليه بعد ذلك في اليقظة بقية مدة حياته، ونسبتها إلى الوحي في المنام جزء من ستة وأربعين جزءا؛ لأنه عاش بعد النبوة ثلاثا وعشرين سنة على الصحيح. قال ابن بطال: هذا تأويل بعيد من وجهين: أحدهما: أنه قد اختلف في قدر المدة التي بعد بعثه ﷺ . والثاني: أنه يبقى حديث السبعين جزءا بغير معنى. وهذا الذي قاله من الإنكار في هذه المسألة سبقه إليه الخطابي فقال: كان بعض أهل العلم يقولون في تأويل هذا العدد قولا لا يكاد يتحقق، وذلك أنه عليه

стр. 4466

الصلاة والسلام أقام بعد الوحي ثلاثا وعشرين سنة، وكان يوحى إليه في منامه ستة أشهر، وهي نصف سنة، فهي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة. قال الخطابي: وهذا وإن كان وجها تحتمله قسمة الحساب والعدد، فأول ما يجب على من قاله أن يثبت ما ادعاه خبرا، ولا نعلم في ذلك أثرا ولا ذكر مدعيه في ذلك خبرا، فكأنه قاله على سبيل الظن، والظن لا يغني من الحق شيئا. وليس كل ما خفي علينا علمه يلزمنا حجته، كأعداد الركعات وأيام الصيام، ورمي الجمار، فإنا لا نصل من علمها إلى أمر يوجب حصرها تحت أعدادها، ولم يقدح ذلك في موجب اعتقادنا للزومها. وقد ذكروا في المناسبات غير ذلك مما يطول ذكره.

стр. 4467

وعن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: "أصدق الرؤيا بالأسحار". رواه الترمذي

стр. 4468

والدارمي. وروى مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا". قال الخطابي في "المعالم" في قوله: "إذ اقترب الزمان" قولان: أحدهما: أن يكون معناه تقارب زمان الليل وزمان النهار، وهو وقت استوائهما، أيام الربيع، وذلك وقت اعتدال الطبائع الأربع غالبا، قال: والمعبرون

стр. 4469

يقولون: أصدق الرؤيا ما كان عند اعتدال الليل والنهار وإدراك الثمار. والثاني: أن اقتراب الزمان المراد به انتهاء مدته، إذ دنا قيام الساعة. وتعقب الأول: بأنه يبعده التقييد بالمؤمن، فإن الوقت الذي تعتدل فيه الطبائع لا يختص به. وجزم ابن بطال بأن الثاني هو الصواب، واستند إلى ما أخرجه الترمذي من طريق معمر عن أيوب في هذا الحديث بلفظ: "في آخر الزمان لا تكذب رؤيا المؤمن".

стр. 4470

وقيل: إن المراد بالزمان المذكور زمان المهدي عند بسط العدل وكثرة الأمن وبسط الخير والرزق، فإن ذلك الزمان يستقصر لاستلذاذه فتتقارب أطرافه. وقال القرطبي في "المفهم": المراد -والله أعلم- بآخر الزمان المذكور في هذا الحديث، زمان الطائفة الباقية مع عيسى ابن مريم ﵊ بعد قتله الدجال، فأهل هذا الزمان أحسن هذه الأمة حالا بعد الصدر الأول، وأصدقهم أقوالا، فكانت رؤيا لا تكذب، ومن ثم قال عقب هذا: "وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا"، وإنما كان كذلك لأن من كثر صدقه تنور قلبه، وانتقشت فيه المعاني على وجه الصحة، وكذلك من كان غالب أحواله الصدق في يقظته فإنه يستصحب ذلك في نومه فلا يرى إلا صدقا، وهذا بخلاف الكاذب والمخلط، فإنه يفسد

стр. 4471

قلبه ويظلم، فلا يرى إلا تخليطا وأضغاثا، وقد يندر المنام أحيان، فيرى الصادق ما لا يصح، ويرى الكاذب ما يصح، ولكن الأغلب الأكثر ما تقدم. انتهى ملخصا. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رأى أحدكم في منامه الرؤيا يحبها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها وليتحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها، فإنها لا تضره". رواه البخاري. وفي رواية مسلم: "ورؤيا السوء من الشيطان، فمن رأى رؤيا فكره منها شيئا

стр. 4472

فلينفث عن يساره وليتعوذ بالله من الشيطان، ولا يخبر بها أحدا، فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر بها إلا من يحب". وقوله: "فليبشر" بفتح التحتانية وسكون الموحدة وضم المعجمة، من البشرى. وفي حديث أبي رزين العقيلي عند الترمذي: "ولا يقصها إلا على واد -بتشديد الدال، اسم فاعل من الود- أو ذي رأي". وفي أخرى: "ولا تحدث بها إلا لبيبا أو حبيبا". وفي أخرى: "لا تقص رؤياك إلا على عالم أو ناصح". وفي حديث أبي سعيد عند مسلم: "فليحمد الله عليها وليحدث بها".

стр. 4473

وحاصل ما ذكر من آداب الرؤيا الصالحة ثلاثة أشياء: أن يحمد الله عليها، وأن يستبشر بها، وأن يتحدث بها لكن لمن يحب دون من يكره. وحاصل ما ذكر من آداب الرؤيا المكروهة أربعة أشياء: أن يتعوذ بالله من شرها، ومن شر الشيطان، ويتفل حين يهب من نومه، ولا يذكرها لأحد أصلا. وفي البخاري من حديث أبي هريرة خامسة: وهي الصلاة، ولفظه: "من رأى شيئا يكرهه في منامه فلا يقصه على أحد وليقم فليصل". لكن لم يصرح البخاري بوصله، وصرح به مسلم، وزاد مسلم سادسة: وهي التحول عن جنبه الذي كان عليه فقال: عن جابر رفعه: "إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثا، وليستعذ

стр. 4474

بالله من الشيطان، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه". قال النووي: وينبغي أن يجمع هذه الروايات كلها، ويعمل بجميع ما تضمنته، فإن اقتصر على بعضها أجزأه في دفع ضررها كما صرحت به الأحاديث. وتعقبه الحافظ ابن حجر بأنه لم ير في شيء من الأحاديث الاقتصار على واحد، ثم قال: لكن أشار المهلب إلى أن الاستعاذة كافية في دفع شرها. انتهى. ولا ريب أن الصلاة تجمع ذلك كله كما قال القرطبي، لأنه إذا قام يصلي تحول عن جنبه، وبصق ونفث عند المضمضة في الوضوء، واستعاذ قبل القراءة، ثم دعا الله في أقرب الأحوال إليه، فيكفيه الله شرها.

стр. 4475

وذكر بعضهم سابعة: وهي قراءة آية الكرسي، ولم يذكر لذلك مستندا، فإن كان أخذه من عموم قوله في حديث أبي هريرة: ولا يقربك شيطان فمتجه، قال: وينبغي أن يقرأها في صلاته المذكورة. وحكمة التفل -كما قال القاضي عياض- أمر به طردا للشيطان الذي حضر الرؤيا المكروهة، تحقيرا له واستقذارا، وخصت به اليسار لأنها محل الأقذار ونحوها، والتثليث للتأكيد. وقد ورد التفل والنفث والبصق، وقال النووي في الكلام على النفث في

стр. 4476

الرقية تبعا للقاضي عياض: اختلف في التفل والنفث، فقيل: هما بمعنى واحد ولا يكونان إلا بريق. وقال أبو عبيدة: يشترط في التفل ريق يسير، ولا يكون في النفث، وقيل: عكسه. وسئلت عائشة عن النفث في الرقية فقالت: كما ينفث آكل الزبيب، لا ريق معه. قال: ولا اعتبار بما يخرج معه من بلة بغير قصد. قال: وقد جاء في حديث أبي سعيد في الرقية بفاتحة الكتاب: فجعل يجمع بزاقه. قال القاضي عياض: وفائدة التفل التبرك بتلك الرطوبة والهواء والنفث المباشر للرقية المقارن للذكر الحسن، كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر والأسماء. وقال النووي أيضا: وأكثر الروايات في الرؤيا: "فلينفث" , وهو النفخ اللطيف بلا ريق، فيكون التفل والبصق محمولين عليه مجازا. وتعقبه الحافظ ابن حجر: بأن المطلوب منه في الموضعين مختلف، لأن المطلوب في الرقية برطوبة الذكر كما تقدم، والمطلوب هنا طرد الشيطان،

стр. 4477

وإظهار احتقاره واستقذاره كما نقله هو عن عياض كما تقدم. فالذي يجمع الثلاثة، الحمل على التفل، فإنه نفخ معه ريق لطيف، فبالنظر إلى النفخ قيل له: نفث، وبالنظر إلى الريق قيل له: بصق. وأما قوله: "فإنها لا تضره". فمعناه كما قال النووي: إن الله تعالى جعل ما ذكر سببا للسلامة من المكروه المترقب من الرؤيا، كما جعل الصدقة وقاية للمال. وأما التحول، فللتفاؤل بتحول تلك الحال كان عليها. والحكمة في قوله في الرؤيا الحسنة: "ولا يخبر بها إلا من يحب" لأنه إذا أخبر بها من لا يحب فقد يفسرها له لما لا يحب، إما بغضا فيه وإما حسدا، فقد تقع على تلك الصفة، أو يتعجل لنفسه من ذلك حزنا ونكدا، فأمر بترك تحديث من لا يحب بسبب ذلك.

стр. 4478

وقد روي من حديث أنس مرفوعا: "الرؤيا لأول عابر". وهو حديث ضعيف، فيه يزيد الرقاشي، ولكن له شاهد أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه، بسند حسن، وصححه الحاكم عن أبي رزين العقيلي رفعه: "الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت". وعند الدارمي بسند حسن عن سليمان بن يسار عن عائشة قالت: كانت امرأة من أهل المدينة لها زوج تاجر يختلف في التجارة، فأتت رسول الله ﷺ فقالت: إن زوجي غائب، وتركني حاملا، فرأيت في المنام أن سارية بيتي انكسرت وإني ولدت غلاما أعور، فقال: "خير يرجع زوجك إن شاء الله

стр. 4479

صالحا، وتلدين غلاما برا". فذكرت ذلك ثلاثا، فجاءت ورسول الله ﷺ غائب، فسألتها فأخبرتني بالمنام، فقلت لها: لئن صدقت رؤياك ليموتن زوجك، وتلدين غلاما فاجرا، فقعدت تبكي، فجاء رسول الله ﷺ فقال: "مه يا عائشة، إذا عبرتم للمسلم الرؤيا فاعبروها على خير، فإن الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها". وعند سعيد بن منصور من مرسل عطاء بن أبي رباح: قال جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: إني رأيت كأن جائزة بيتي انكسرت، وكان زوجها غائبا، فقال: "رد الله عليك زوجك"، فرجع سالما، الحديث. قال أبو عبيدة وغيره: معنى قوله: "الرؤيا لأول عابر" إذا كان العابر الأول

стр. 4480

عالما، فعبر وأصاب وجه التعبير، وإلا فهي لمن أصاب بعده، إذ ليس المدار إلا على إصابة الصواب في تعبير المنام ليتوصل بذلك إلى مراد الله تعالى فيما ضربه من المثل، فإن أصاب فلا ينبغي أن يسأل غيره، وإن لم يصب فليسأل الثاني، وعليه أن يخبر بما عنده ويبين ما جهل الأول. هكذا قال، وفيه بحث يطول ذكره. ومن آداب المعبر، ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر أنه يكتب إلى أبي موسى: فإذا رأى أحدكم رؤيا فقصها على أخيه فليقل: خير لنا شر لأعدائنا. ورجاله ثقات، ولكن سنده منقطع. وفي حديث ابن زمل عند الطبراني والبيهقي في الدلائل: لما قص على

стр. 4481

النبي ﷺ رؤياه، فقال ﵊: "خير نلقاه وشر نوقاه، وخير لنا وشر على أعدائنا الحمد لله رب العالمين اقصص رؤياك" الحديث, وسنده ضعيف جدا، ويأتي إن شاء الله تعالى. ومن آداب المعبر أن لا يعبرها عند طلوع الشمس ولا عند غروبها، ولا عند الزوال، ولا في الليل، وأن لا يقصها على امرأة، لكن ثبت أنه ﷺ كان إذا صلى الغداة يقول: هل رأى أحد الليلة رؤيا، فيقص عليه ما شاء الله أن يقص، ويعبر لهم ما يقصونه، وبوب عليه البخاري: باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح. قالوا: وفي إشارة إلى ضعف ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن سعيد بن عبد الرحمن عن بعض علمائهم قال: لا تقصص رؤياك على امرأة، ولا تخبر بها حتى تطلع الشمس، وفيه إشارة إلى الرد على من قال من أهل التعبير: إن

стр. 4482

المستحب أن يكون التعبير من بعد طلوع الشمس إلى الرابعة، ومن العصر إلى قبل المغرب، فإن الحديث دال على استحباب تعبيرها قبل طلوع الشمس، ولا يخالف قولهم بكراهة تعبيرها في أوقات كراهة الصلاة. قال المهلب: تعبير الرؤيا عند صلاة الصبح أولى من غيره من الأوقات، لحفظ صاحبها لها لقرب عهده بها، وقبل ما يعرض له نسيانها، ولحضور ذهن العابر وقلة شغله بالفكرة فيما يتعلق بمعاشه، وليعرف الرائي ما يعرض له بسبب رؤياه، فيستبشره بالخير ويحذر من الشر، ويتأهب لذلك، فربما كان في الرؤيا تحذير من معصية فكيف عنها، وربما كانت إنذارا الأمر فيكون له مترقبا. قال: فهذه عدة فوائد لتعبير الرؤيا أو النهار. قاله في فتح الباري. وذكر أئمة التعبير أن من آداب الرائي أن يكون صادق اللهجة، وأن ينام على

стр. 4483

وضوء، على جنبه الأيمن، وأن يقرأ عند نومه والشمس، والليل، والتين، وسورة الإخلاص والمعوذتين وأن يقول: اللهم إني أعوذ بك من سيئ الأحلام، وأستجير بك من تلاعب الشيطان في اليقظة والمنام، اللهم إني أسألك رؤيا صالحة صادقة نافعة حافظة غير منسية, اللهم أرني في منامي ما أحب. وأن لا يقصها على عدو ولا جاهل. إذا علمت هذا، فاعلم أن جميع المرائي تنحصر في قسمين: أضغاث أحلام وهي لا تنذر بشيء وهي أنواع: الأول: تلاعب الشيطان ليحزن الرائي، كأن يرى أنه قطع رأسه وهو يتبعه، أو يرى أنه واقع في هول ولا يجد من ينجده ونحو ذلك. وروى مسلم عن جابر:

стр. 4484

قال جاء أعرابي فقال: يا رسول الله، إني حلمت أن رأسي قطع وأنا أتبعه، فزجره النبي ﷺ وقال: "لا تخبر بتلعب الشيطان بك في المنام". الثاني: أن يرى أن بعض الملائكة يأمره أن يفعل المحرمات ونحوه من المحالات عقلا.

стр. 4485

الثالث: ما يحدث به نفسه في اليقظة أو يتمناه، فيراه كما هو في المنام، وكذا رؤية ما جرت به عادته في اليقظة، أو يغلب على مزاجه ويقع على المستقبل غالبا، وعن الحال كثيرا، وعن الماضي قليلا. القسم الثاني: الرؤيا الصادقة، وهي رؤيا الأنبياء، ومن تبعهم من الصالحين، وقد تقع لغيرهم بندور، وهي التي تقع في اليقظة على ما وفق ما وقعت في النوم، وقد وقع لنبينا ﷺ من الرؤيا الصادقة التي كفلق الصبح ما لا يعد ولا يحد. قالت عائشة: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. الحديث رواه البخاري.
следующие страницы →