← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

النبي ﷺ رؤياه، فقال ﵊: "خير نلقاه وشر نوقاه، وخير لنا وشر على أعدائنا الحمد لله رب العالمين اقصص رؤياك" الحديث, وسنده ضعيف جدا، ويأتي إن شاء الله تعالى. ومن آداب المعبر أن لا يعبرها عند طلوع الشمس ولا عند غروبها، ولا عند الزوال، ولا في الليل، وأن لا يقصها على امرأة، لكن ثبت أنه ﷺ كان إذا صلى الغداة يقول: هل رأى أحد الليلة رؤيا، فيقص عليه ما شاء الله أن يقص، ويعبر لهم ما يقصونه، وبوب عليه البخاري: باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح. قالوا: وفي إشارة إلى ضعف ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن سعيد بن عبد الرحمن عن بعض علمائهم قال: لا تقصص رؤياك على امرأة، ولا تخبر بها حتى تطلع الشمس، وفيه إشارة إلى الرد على من قال من أهل التعبير: إن

стр. 4482

المستحب أن يكون التعبير من بعد طلوع الشمس إلى الرابعة، ومن العصر إلى قبل المغرب، فإن الحديث دال على استحباب تعبيرها قبل طلوع الشمس، ولا يخالف قولهم بكراهة تعبيرها في أوقات كراهة الصلاة. قال المهلب: تعبير الرؤيا عند صلاة الصبح أولى من غيره من الأوقات، لحفظ صاحبها لها لقرب عهده بها، وقبل ما يعرض له نسيانها، ولحضور ذهن العابر وقلة شغله بالفكرة فيما يتعلق بمعاشه، وليعرف الرائي ما يعرض له بسبب رؤياه، فيستبشره بالخير ويحذر من الشر، ويتأهب لذلك، فربما كان في الرؤيا تحذير من معصية فكيف عنها، وربما كانت إنذارا الأمر فيكون له مترقبا. قال: فهذه عدة فوائد لتعبير الرؤيا أو النهار. قاله في فتح الباري. وذكر أئمة التعبير أن من آداب الرائي أن يكون صادق اللهجة، وأن ينام على

стр. 4483

وضوء، على جنبه الأيمن، وأن يقرأ عند نومه والشمس، والليل، والتين، وسورة الإخلاص والمعوذتين وأن يقول: اللهم إني أعوذ بك من سيئ الأحلام، وأستجير بك من تلاعب الشيطان في اليقظة والمنام، اللهم إني أسألك رؤيا صالحة صادقة نافعة حافظة غير منسية, اللهم أرني في منامي ما أحب. وأن لا يقصها على عدو ولا جاهل. إذا علمت هذا، فاعلم أن جميع المرائي تنحصر في قسمين: أضغاث أحلام وهي لا تنذر بشيء وهي أنواع: الأول: تلاعب الشيطان ليحزن الرائي، كأن يرى أنه قطع رأسه وهو يتبعه، أو يرى أنه واقع في هول ولا يجد من ينجده ونحو ذلك. وروى مسلم عن جابر:

стр. 4484

قال جاء أعرابي فقال: يا رسول الله، إني حلمت أن رأسي قطع وأنا أتبعه، فزجره النبي ﷺ وقال: "لا تخبر بتلعب الشيطان بك في المنام". الثاني: أن يرى أن بعض الملائكة يأمره أن يفعل المحرمات ونحوه من المحالات عقلا.

стр. 4485

الثالث: ما يحدث به نفسه في اليقظة أو يتمناه، فيراه كما هو في المنام، وكذا رؤية ما جرت به عادته في اليقظة، أو يغلب على مزاجه ويقع على المستقبل غالبا، وعن الحال كثيرا، وعن الماضي قليلا. القسم الثاني: الرؤيا الصادقة، وهي رؤيا الأنبياء، ومن تبعهم من الصالحين، وقد تقع لغيرهم بندور، وهي التي تقع في اليقظة على ما وفق ما وقعت في النوم، وقد وقع لنبينا ﷺ من الرؤيا الصادقة التي كفلق الصبح ما لا يعد ولا يحد. قالت عائشة: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. الحديث رواه البخاري.

стр. 4486

وفي رواية: الصالحة. وهما بمعنى بالنسبة إلى أمور الآخر في حق الأنبياء، وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا، فالصالحة في الأصل أخص. فرؤيا النبي ﷺ كلها صادقة، وقد تكون صالحة وهو الأكثر، وغير صالحة بالنسبة إلى الدنيا، كما وقع في الرؤيا يوم أحد، فإنه ﷺ رأى بقرا تذبح، ورأى في سيفه ثلما، فأول البقر ما أصاب أصحابه يوم أحد، والثلم الذي كان في سيفه برجل من أهل بيته يقتل، ثم كانت العاقبة للمتقين، وكان بعد ذلك النصر والفتح على جميع الخلق. وأما رؤيا غير الأنبياء، فبينهما عموم وخصوص إن فسرنا الصادقة بأنها التي لا تحتاج إلى تفسير، وأما إن فسرناها بأنها غير الأضغاث فالصالحة أخص مطلقا. وقال الإمام نصر بن يعقوب الدينوري في "التعبير القادري": الرؤية الصادقة ما يقع عينه، أو ما يعبر في المنام، أو يخبر به من لا يكذب، والصالحة ما فسر. واعلم أن الناس في الرؤيا على ثلاثة درجات:

стр. 4487

الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- ورؤياهم كلها صدق، وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير. والصالحون: والأغلب على رؤياهم الصدق، وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير. ومن عداهم، يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث، وهم على ثلاثة أقسام: مستورون، فالغالب استواء الحال في حقهم، وفسقة فالغالب على رؤياهم الأضغاث ويقل فيها الصدق. وكفار: ويندر في رؤياهم الصدق جدا، ويشير إلى ذلك قوله ﷺ : "وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا" أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة. وقد وقعت الرؤيا الصادقة من بعض الكفار كما في رؤيا صاحب السجن مع يوسف ﵊، ورؤيا ملكهم وغير ذلك. وقد روى الإمام أحمد مرفوعا، وصححه ابن حبان من حديث أبي سعيد:

стр. 4488

أصدق الرؤيا بالأسحار. وذكر الإمام نصر بن يعقوب الدينوري أن الرؤيا أول الليل يبطئ تأويلها، ومن النصف الثاني يسرع بتفاوت أجزاء الليل، وإن أسرعها تأويلا رؤيا السحر، ولا سيما عند طلوع الفجر، وعن جعفر الصادق أسرعها تأويلا رؤيا القيلولة، وعند محمد بن سيرين: رؤيا الليل مثل رؤيا النهار، والنساء كالرجال، وعن القيرواني: إن المرأة إذا رأت ما ليست له أهلا فهو لزوجها، وكذا حكم العبد لسيده، كما أن رؤيا الطفل لأبويه. ومن مرائيه الكريمة ﵊: شربه اللبن وتعبيره بالعلم، كما في حديث ابن عمر عند البخاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بينا أنا نائم

стр. 4489

أتيت بقدح لبن فشربت منه، حتى إني لأرى الري يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي، يعني عمر". قالوا: فما أولته؟ قال: "العلم".

стр. 4490

وفي رواية الكشميهني: "من أظافيري". وفي رواية صالح بن كيسان: "من أطرافي". وهذه الرؤية يحتمل أن تكون بصرية، وهو الظاهر، ويحتمل أن تكون علمية، ويؤيد الأول: ما أخرجه الطبراني والحاكم من طريق أبي بكر بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده في هذا الحديث: "فشربت حتى رأيته يجري في عروقي بين الجلد واللحم". على أنه محتمل أيضا. قال بعض العارفين: الذي خلص اللبن من بين فرث ودم قادر على أن يخلق المعرفة من بين شك وجهل، وهو كما قال، لكن اطردت العادة بأن العلم بالتعلم

стр. 4491

والذي ذكره قد يكون خارقا للعادة فيكون من باب الكرامة. وقال العارف ابن أبي جمرة: تأول النبي ﷺ اللبن بالعلم اعتبارا بما بين له أول الأمر حين أتى بقدح خمر وقدح لبن، فأخذ اللبن فقال له جبريل: أخذت الفطرة، انتهى. وقد جاء في بعض الأحاديث المرفوعة تأويله بالفطرة، كما أخرجه البزار من حديث أبي هريرة رفعه: اللبن في المنام فطرة.

стр. 4492

وقد ذكر الدينوري: أن اللبن المذكور في هذا يختص بلبن الإبل، وأنه لشاربه مال حلال وعلم، قال: ولبن البقر خصب السنة ومال حلال وفطرة أيضا، ولبن الشاة مال وسرور وصحة جسم، وألبان الوحش شك في الدين، وألبان السباع غير محمودة، إلا أن لبن اللبوة مال مع عداوة لذي أمر. وفي الحديث: إن علم النبي ﷺ بالله لا يبلغ أحد درجته فيه؛ لأنه شرب حتى أرى الري يخرج من أظفاره. وأما إعطاؤه فضله لعمر، ففيه إشارة إلى ما حصل لعمر من العلم بالله بحيث كان لا تأخذه في الله لومة لائم، ووجه التعبير في الحديث بذلك من جهة اشتراك اللبن والعلم في كثرة النفع، وكونهما سببا للصلاح، فاللبن للغذاء البدني،

стр. 4493

والعلم للغذاء المعنوي. ومن ذلك رؤيته ﷺ القميص وتعبيره بالدين. عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: "بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون عليّ وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي، ومنهما ما يبلغ دون ذلك، ومر عليّ بن الخطاب وعليه قميص يجره". قالوا: ما أولته يا رسول الله؟

стр. 4494

قال: "الدين". رواه البخاري. وفي رواية الحكيم الترمذي في طبقة البخاري من طريق أخرى في هذا الحديث، فقال أبو بكر: علام تأولت هذا يا رسول الله؟ قالوا و"الثدي" بالمثلثة وكسر الدال وتشديد الياء، جمع ثدي، بفتح ثم سكون، والمعنى: أن القميص قصير جدا بحيث لا يصير من الحلق إلى نحو السرة بل فوقها. وقوله: "ومنها ما يبلغ دون ذلك" يحتمل أن يريد به من جهة السفل، وهو الظاهر فيكون أطول، ويحتمل أن يكون دونه من جهة العلو فيكون أقصر، ويؤيد الأول ما في رواية الحكيم الترمذي المذكورة: "فمنهم من كان قميصه إلى سرته، ومنهم من كان قميصه إلى ركبته -بالإفراد- ومنهم من كان قميصه إلى أنصاف ساقيه".

стр. 4495

ويجوز النصب في قوله: "الدين". والتقدير: أولت الدين، ويجوز الرفع. وفي رواية الحكيم المذكورة: على الإيمان. وقد قيل في وجه تعبير القميص بالدين أن القميص يستر العورة في الدنيا، والدين يسترها في الآخرة ويحجبها عن كل مكروه، والأصل في قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] . واتفق أهل التعبير على أن القميص يعبر بالدين، وأن طوله يدل على بقاء آثار صاحبه من بعده. وقال ابن العربي: إنما أول النبي ﷺ القميص بالدين، لأن الدين يستر عورة الجهل كما يستر القميص عورة البدن. قال: وأما غير عمر فالذي كان

стр. 4496

يبلغ الثدي هو الذي يستر القلب عن الكفر ولو كان يتعاطى المعاصي؛ لأنه لا يخرج بها عن الإيمان، والذي كان يبلغ أسفل من ذلك وفرجه باد هو الذي يستر رجله عن المشي إلى المعصية، والذي يستر رجله هو الذي احتجب بالتقوى من جميع الوجوه، والذي يجر قميصه زاد على ذلك بالعمل الصالح الخالص. وأشار العارف ابن أبي جمرة: إلى أن المراد بالناس في هذا الحديث: المؤمنون، لتأويله القميص بالدين، قال: والذي يظهر أن المراد خصوص هذه الأمة المحمدية، بل بعضها، والمراد بالدين العمل بمقتضاه، كالحرص على امتثال الأوامر واجتناب المناهي، وكان لعمر في ذلك المقام العالي. قال: ويؤخذ من هذا الحديث، أن كل ما يرى في القميص من حسن أو غيره فإنه يعبر بدين لابسه، قال: والنكتة في القميص أن صاحبه إذا اختار نزعه،

стр. 4497

وإذا اختار أبقاه فلما ألبس الله المؤمنين لباس الإيمان واتصفوا به كان الكامل في ذلك سابغ الثوب، ومن لا فلا، وقد يكون نقص الثوب بسبب نقص الإيمان، وقد يكون سبب نقص العمل. وفي الحديث: إن أهل الدين يتفاضلون في الدين بالقلة والكثرة، والقوة والضعف، وهذا من أمثلة ما يحمد في المنام ويذم في اليقظة شرعا، أعني جر القميص، لما ورد من الوعيد في تطويله. ومن ذلك رؤيته ﵊ السوارين الذهب في يده الشريفة وتعبيرهما بالكذابين. روى البخاري عن عبيد الله بن عبد الله قال: سألت عبد الله بن عباس عن رؤيا النبي ﷺ التي ذكرها فقال ابن عباس ذكر لي أن رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا

стр. 4498

نائم رأيت أنه وضع في يدي سواران من ذهب ففظعتهما وكرهتهما، فأذن لي فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان". فقال عبيد الله: أحدهما العنبسي الذي قتله فيروز باليمن، والآخر مسيلمة.

стр. 4499

وفي رواية أبي هريرة عند الشيخين: "بينا أنا نائم إذ أتيت خزائن الأرض

стр. 4500

فوضع في يدي سواران من ذهب، فكبر علي وأهماني، فأوحي إلي أن أنفخهما فنفختهما، فأولتهما بالكذابين اللذين أنا بينهما، صاحب صنعاء وصاحب اليمامة".

стр. 4501

قال المهلب: هذا الرواية ليست على وجهها، وإنما هي ضرب من المثل، وإنما أول النبي ﷺ السوارين بالكذابين لأن الكذب وضع الشيء في غير موضعه، فلما رأى في ذراعيه سوارين من ذهب وليس من لبسه، لأنهما من حلية النساء، عرف أنه سيظهر من يدعي ما ليس له. وأيضا: ففي كونهما من ذهب، والذهب نهي عن لبسه دليل على الكذب، وأيضا: فالذهب مشتق من الذهاب، فعلم أنه شيء يذهب عنه، وتأكد ذلك بالإذن له في نفخهما فطارا، فعرف أنه لا ينسب لهما أمر، وأن كلامه بالوحي الذي جاء به يزيلهما من موضعهما.

стр. 4502

وقال ابن العربي: كان النبي ﷺ يتوقع بطلان أمر مسيلمة والعنسي، فأول الرؤيا عليهما ليكونا ذلك، إخراجا للمنام عليهما، فإن الرؤيا إذا عبرت خرجت, ويحتمل أن يكون بوحي. والمراد بـ"خزائن الأرض" الذي ذكرها، ما فتح على أمته من الغنائم، ومن ذخائر كسرى وقيصر وغيرهما، ويحتمل معادن الأرض التي فيها الذهب والفضة. وقال القرطبي: إنما كبر عليه السواران لكون الذهب من حلية النساء، وما حرم على الرجال، وفي طيرانهما إشارة إلى اضمحلال أمرهما، ومناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا أن أهل صنعاء وأهل اليمامة كانوا مسلمين، فكانوا كالساعدين للإسلام، فلما ظهر فيهما الكذابان، وبهرجا على أهلهما بزخرف أقوالهما ودعاويهما الباطلة انخدع أكثرهم بذلك، فكأن الدين بمنزلة البلدين، والسوارين بمنزلة الكذابين، وكونهما من ذهب إشارة إلى ما زخرفا من الكذب، والزخرف من أسماء الذهب.

стр. 4503

وقال أهل التعبير: من رأى أنه يطير، فإن كان إلى جهة السماء تعريجا ناله ضرر، وإن غاب في السماء ولم يرجع مات، وإن رجع أفاق من مرضه، وإن كان يطير عرضا سافر ونال رفعة بقدر طيرانه. ومن ذلك: رؤيته ﷺ المرأة السوداء الثائرة الرأس، وتعبيرها بنقل وباء المدينة إلى الجحفة. روى البخاري من حديث عن عبد الله بن عمر، أن النبي ﷺ قال: "رأيت في المنام امرأة سوداء ثائرة الرأس، خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة -وهي

стр. 4504

الجحفة- فأولت ذلك أن وباء المدينة نقل إليها". وهذا من قسم الرؤيا المعبرة، وهي مما ضرب به المثل ووجه التمثيل أنه شق من اسم السوداء: السوء والداء، فتأول خروجها بما جمع اسمها، وتأول من ثوران شعر رأسها أن الذي يسوء ويثير الشر يخرج من المدينة. وقال القيرواني من أهل التأويل: كل شيء غلبت السوداء في أكثر

стр. 4505

وجوهها فهو مكروه، وقال غيره: ثوران الرأس يؤول بالحمى لأنها تثير البدن بالاقشعرار وبارتفاع الرأس، لا سيما من السوداء لأنها أكثر اسيتحاشا. ومن ذلك: رؤيته ﵊ أنه في درع حصينة وبقرا ينحر وتعبير ذلك. عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "رأيت من المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة

стр. 4506

يثرب، ورأيت فيها بقرا، والله خير، وإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير بعد، وثواب الصدق الذي أتانا الله بعد يوم بدر". رواه

стр. 4507

البخاري ومسلم. وقد روى الإمام وغيره عن جابر: أن النبي ﷺ قال: "رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت بقرا تنحر، فأولت الدرع الحصينة المدينة، والبقر بَقْرًا". وهذه اللفظة الأخيرة وهي "بقر" الموحدة، وسكون القاف، مصدر بقره يبقره بقرا.

стр. 4508

ولهذا الحديث سبب جاء بيانه في حديث ابن عباس عند أحمد أيضا والنسائي والطبراني، وصححه الحاكم من طريق أبي الزناد عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس في قصة أحد، وإشارة النبي ﷺ أن لا يبرحوا من المدينة، وإيثارهم الخروج طلبا للشهادة ولبسه اللأمة وندامتهم على ذلك، وقوله ﷺ : "لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل". وفيه: "إني رأيت أني في درع حصينة" الحديث، بنحو حديث جابر، وأتم منه، وقد تقدمت الإشارة إليه في غزوة أحد من المقصد الأول. والمراد بقوله: "وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر" فتح خيبر ثم مكة، أي ما جاء الله به بعد بدر الثانية من تثبيت قلوب المؤمنين.

стр. 4509

قال في فتح الباري: وفي هذا السياق إشعار بأن قوله في الخبر: "والله خير" من جملة الرؤيا. قال: والذي يظهر لي أن لفظ "والله خير" لم يتحرر إيراده، وأن رواية ابن إسحاق هي المحررة، وأنه رأى بقرا ورأى خيرا، فأول البقر على من قتل من الصحابة، يوم أحد، وأول الخير على ما حصل لهم من ثواب الصدق في القتال والصبر على الجهاد يوم بدر وبعده إلى فتح مكة، والمراد بالبعدية على هذا لا يختص بما بين بدر وأحد نبه عليه ابن بطال. ومن ذلك رؤيته ﵊ أنه أتى برطب. روى مسلم عن أنس

стр. 4510

قال: سمعت رسول الله ﷺ : "رأيت الليلة فيما يرى النائم، كأنا في دار عقبة بن نافع فأتينا برطب من رطب ابن طاب". فأولته أن الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب، ومن ذلك: رؤيته ﵊ سيفا يهزه، وتعبيره ما روي في حديث أبي موسى أنه ﷺ قال: "ورأيت في رؤياي

стр. 4511

هذه أني هززت سيفا فانقطع صدره فإذا هو ما أصيب به المؤمنون يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان. فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين". رواه الشيخان. وهذه أيضا من ضرب المثل ولما كان ﷺ يصول بالصحابة عبر عن السيف بهم، وبهمزة عن أمره لهم بالحرب، وعن القطع فيه بالقتل فيهم، وبالهمزة

стр. 4512

الأخرى لما عاد إلى حالته من الاستواء عبر به عن اجتماعهم والفتح عليهم. وقال أهل التعبير: السيف يصرف على أوجه، منها أن من نال سيفا فإنه ينال سلطانا، إما ولاية وإما وديعة، وإما زوجة وإما ولدا، فإن سله من غمده فانثلم سلمت زوجته وأصيب ولده، فإن انكسر الغمد وسلم السيف فبالعكس، وإن سلما أو عطبا فكذلك. وقائم السيف يتعلق بالأب والعصبات، ونعله بالأم وذوي الرحم وإن جرد السيف وأراد قتل شخص فهو لسانه يجرده في خصومة، وربما عبر السيف بسلطان جائر. وقال بعض أهل التعبير أيضا: من رأى أنه أغمد سيفا فإنه يتزوج، أو ضرب

стр. 4513

شخصا بسيف فإنه يبسط لسانه فيه، ومن رأى أنه يقاتل آخر وسيفه أطول من سيفه فإنه يغلبه ومن رأى سيفا عظيما فهو فتنة، ومن قلد سيفا قلد أمرا، فإن كان قصيرا لم يدم أمره. ومن ذلك: رؤياه ﵊ أنه على قليب. عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا نائم، رأيت أني على قليب، عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم استحالت غربا فأخذها

стр. 4514

عمر بن الخطاب، فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع ابن لخطاب حتى ضرب الناس بعطن". وعبقري القوم: سيدهم وكبيرهم وقويهم. وفي رواية: "فلم يزل ينزع حتى تولى الناس والحوض يتفجر". وفي رواية: "وأتاني أبو بكر فأخذ الدلو من يدي ليريحني".

стр. 4515

وفي رواية موسى عن سالم عن أبيه: "رأيت الناس اجتمعوا فقام أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم قام ابن الخطاب فاستحالت غربا، فما رأيت من الناس يفري فريه حتى ضرب الناس بعطن". رواه البخاري. قال النووي: قالوا هذا المنام مثال لم جرى للخليفتين، من ظهور آثارهما

стр. 4516

الصالحة، وانتفاع الناس بهما، وكل ذلك مأخوذ من النبي ﷺ ، لأنه صاحب الأمر، فقام به أكمل مقام، وقرر قواعد الدين، ثم خلفه أبو بكر فقاتل أهل الردة وقطع دابرهم، ثم خلفه عمر فاتسع الإسلام في زمنه. فشبه أمر المسلمين بقليب فيه الماء الذي فيه حياتهم وصلاحهم، وأميرهم المسقي لهم منها، وفي قوله: "فأخذ الدلو من يدي ليريحني" إشارة إلى خلافة أبي بكر بعد موته ﷺ ، لأن الموت راحة من كد الدنيا، وتعبها، فقام أبو بكر بتدبير أمر الأمة ومعاناة أحوالهم. وأما قوله: "وفي نزعه ضعف" فهو إخبار عن حاله في قصر مدة ولاته، وأما ولاية

стр. 4517

عمر فإنها لما طالت كثر انتفاع الناس بها واتسعت دائرة الإسلام بكثرة الفتوح وتمصير الأمصار وتدوين الدواوين، وليس في قوله: "والله يغفر له" نقص، ولا إشارة إلى أنه وقع منه ذنب، وإنما هي كلمة كانوا يقولونها. وقوله: "فاستحالت في يده غربا" أي تحولت الدلو غربا -بفتح المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة- أي: دلوا عظيمة. وأخرج أحمد وأبو داود عن سمرة بن جندب أن رجلا قال: يا رسول الله، رأيت كأن دلوا دلي من السماء فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها فشرب شربا ضعيفا، ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب

стр. 4518

حتى تضلع، ثم جاء علي فانتشطت وانتضح عليه منها شيء. والعراقي: جمع عرقوة، وهي الخشبة المعروضة على فم الدلو، وهما عرقوتان كالصليب، وقد: عرقيت الدلو إذا ركبت العرقوة فيها. وانتشطت: أي جذبت ورفعت. فهي نبذة من مرائيه الكريمة ﷺ . وأما ما رآه غيره فعبر ﷺ له بما يخص ويعم من أمور الدنيا والآخرة.

стр. 4519

فقد كان ﷺ إذا انفتل من صلاة الصبح أقبل على أصحابه فقال: "من رأى منكم الليلة رؤيا فليقصها عليّ أعبرها له"، فيقص الناس عليه مرائيهم. وروى البخاري والترمذي عن سمرة بن جندب قال: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول لأصحابه: "هل رأى أحد منكم رؤيا"؟ فيقص عليه من شاء الله أن يقص، وأنه قال ذات غداة: "هل رأى أحد منكم رؤيا"؟، فقالوا: ما أحد رأى

стр. 4520

شيئا، قال: "لكني أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني فقالا لي: انطلق، فانطلقت فأتيا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فتثلغ رأسه"، الحديث. وأقام ﵊ يسأل أصحابه: "هل رأى منكم الليلة أحد رؤيا"؟.
следующие страницы →