Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.
стр. 4481
النبي ﷺ رؤياه، فقال ﵊: "خير نلقاه وشر نوقاه، وخير لنا وشر على أعدائنا الحمد لله رب العالمين اقصص رؤياك" الحديث, وسنده ضعيف جدا، ويأتي إن شاء الله تعالى.
ومن آداب المعبر أن لا يعبرها عند طلوع الشمس ولا عند غروبها، ولا عند الزوال، ولا في الليل، وأن لا يقصها على امرأة، لكن ثبت أنه ﷺ كان إذا صلى الغداة يقول: هل رأى أحد الليلة رؤيا، فيقص عليه ما شاء الله أن يقص، ويعبر لهم ما يقصونه، وبوب عليه البخاري: باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح.
قالوا: وفي إشارة إلى ضعف ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن سعيد بن عبد الرحمن عن بعض علمائهم قال: لا تقصص رؤياك على امرأة، ولا تخبر بها حتى تطلع الشمس، وفيه إشارة إلى الرد على من قال من أهل التعبير: إن
الحواشي
(١) "عند الطبراني" في المعجم الكبير، "والبيهقي في الدلائل" النبوية "لما قص" أي أراد أن يقص "على النبي ﷺ رؤياه" حين قال ﷺ بعد صلاة الصبح والاستغفار: هل رأى منكم أحد شيئا، قال ابن زمل: فقلت: أنا يا رسول الله، "فقال ﵊: خير نلقاه وشر نوقاه، وخير لنا وشر على أعدائنا، الحمد لله رب العالمين، اقصص رؤياك الحديث وسنده ضعيف جدا، ويأتي إن شاء الله" آخر هذا الفصل.
"ومن آداب المعبر أن لا يعبرها عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها، ولا عند الزوال، ولا في الليل".
"و" من آداب الرائي "أن لا يقصها على امرأة" لنقص عقلها، ولا على عدو، ولا على جاهل، "لكن ثبت" في البخاري وغيره، عن سمرة بن جندب "أنه ﷺ كان إذا صلى الغداة" أي الصبح "يقول" لأصحابه: "هل رأى أحد" منكم "الليلة رؤيا". فيقص عليه, بضم الياء وفتح القاف "ما" أي مقصوصا: "شاء الله أن يقص" "بضم الفتح".
وفي رواية النسفي للبخاري: فيقص عليه من شاء الله "بفتح الياء وضم القاف" ومن فاعل، أي القاص، "ويعبر لهم ما يقصونه" أي يفسره، "وبوب عليه البخاري باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح" وقبل طلوع الشمس، أي جوازه أو ندبه، "قالوا: وفيه إشارة إلى ضعف ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن سعيد بن عبد الرحمن عن بعض علمائهم قال: لا تقصص رؤياك على امرأة، ولا تخبر بها حتى تطلع الشمس" ووجه ضعفه من حديث الصحيح ظاهر؛ لأنه كان يصلي بغلس، "وفيه" أيضا" إشارة إلى الرد على من قال من أهل التعبير إنстр. 4482
المستحب أن يكون التعبير من بعد طلوع الشمس إلى الرابعة، ومن العصر إلى قبل المغرب، فإن الحديث دال على استحباب تعبيرها قبل طلوع الشمس، ولا يخالف قولهم بكراهة تعبيرها في أوقات كراهة الصلاة.
قال المهلب: تعبير الرؤيا عند صلاة الصبح أولى من غيره من الأوقات، لحفظ صاحبها لها لقرب عهده بها، وقبل ما يعرض له نسيانها، ولحضور ذهن العابر وقلة شغله بالفكرة فيما يتعلق بمعاشه، وليعرف الرائي ما يعرض له بسبب رؤياه، فيستبشره بالخير ويحذر من الشر، ويتأهب لذلك، فربما كان في الرؤيا تحذير من معصية فكيف عنها، وربما كانت إنذارا الأمر فيكون له مترقبا. قال: فهذه عدة فوائد لتعبير الرؤيا أو النهار. قاله في فتح الباري.
وذكر أئمة التعبير أن من آداب الرائي أن يكون صادق اللهجة، وأن ينام على
الحواشي
(١) المستحب أن يكون التعبير من بعد طلوع الشمس إلى" الساعة "الرابعة" من النهار، "ومن العصر إلى قبل المغرب، فإن الحديث دال على استحباب تعبيرها قبل طلوع الشمس"، "ولا يخالف قولهم بكراهة تعبيرها في أوقات كراهة الصلاة" لجواز حمله على بعد طلوع الشمس إلى ارتفاعها، وبعد الاصفرار إلى الغروب ووقت الاستواء على القول بكراهة الصلاة وقته لا بعد صلاة الصبح، وإن كره النفل حينئذ لتعبيره ﷺ فيه، فيخص قولهم بما عده، ولذا "قال المهلب" أبو القاسم بن أحمد بن أسيد بن أبي صفرة التميمي الأندلسي، من العلماء الراسخين في الفقه والحديث والعبادة والنظر، سمع الأصيلي والقابسي وأبا ذر الهروي وغيرهم، وسمع منه ابن المرابط وابن الحذاء وغيرهم أحيا صحيح البخاري بالأندلس، وشرحه ومات سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة: "تعبير الرؤيا عند" أي بعد "صلاة الصبح أولى من غيره من الأوقات لحفظ صاحبها لها، لقرب عهده بها وقبل ما يعرض له نسيانها" فيقصها على وجهها، "ولحضور ذهن العابر وقلة شغله بالفكرة فيما يتعلق بمعاشه" فيعبرها على الصواب "وليعرف الرائي ما يعرض له بسبب رؤياه، فيستبشر بالخير ويحذر من الشر، ويتأهب لذلك، فربما كان في الرؤيا تحذير من معصية فيكف عنها، وربما كانت إنذار الأمر، فيكون له مترقبا" فيكون أهون عليه من فجأته له.
"قال" المهلب: "فهذه عدة فوائد لتعبير الرؤيا أول النهار، قاله في فتح الباري، وذكر أئمة التعبير أن من آداب الرائي أن يكون صادق اللهجة"، "بفتح الهاء وسكونها لغة" أي فصيح اللسان، أي يبين كلامه بيانا شافيا، بحيث لا يشتبه على المخاطب، "وأن ينام على وضوءстр. 4483
وضوء، على جنبه الأيمن، وأن يقرأ عند نومه والشمس، والليل، والتين، وسورة الإخلاص والمعوذتين وأن يقول: اللهم إني أعوذ بك من سيئ الأحلام، وأستجير بك من تلاعب الشيطان في اليقظة والمنام، اللهم إني أسألك رؤيا صالحة صادقة نافعة حافظة غير منسية, اللهم أرني في منامي ما أحب. وأن لا يقصها على عدو ولا جاهل.
إذا علمت هذا، فاعلم أن جميع المرائي تنحصر في قسمين:
أضغاث أحلام وهي لا تنذر بشيء وهي أنواع:
الأول: تلاعب الشيطان ليحزن الرائي، كأن يرى أنه قطع رأسه وهو يتبعه، أو يرى أنه واقع في هول ولا يجد من ينجده ونحو ذلك. وروى مسلم عن جابر:
الحواشي
(١) على جنبه الأيمن".
قال ابن الوردي: ومن ينم على الشمال لا يصح، وصح ما سواه وهو متضح، وربما صحت كرؤيا الجنب، "وأن يقرأ عند نومه والشمس والليل والتين وسورة الإخلاص" ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ [الإخلاص: ١] .
وفي نسخة: وسورتي الإخلاص وهما ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ [الإخلاص: ١] والأولى هي الموافقة لما نقله شارح ألفية ابن الوردي، يندب للنائم أمور، منها: استقبال القبلة وقراءة ما تيسر، والأولى الفاتحة والإخلاص لما رواه البزار وغيره عن أنس، مرفوعا: إذا وضعت جنبك على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] الآية، فقد أمنت من كل شيء إلا الموت "والمعوذتين" "بكسر الواو"، "وأن يقول: اللهم إني أعوذ بك من سير الأحلام"، من إضافة الصفة للموصوف، "وأستجير بك من تلاعب الشيطان في اليقظة" "بفتحات" والمنام، اللهم إني أسألك رؤيا صالحة، صادقة، نافعة، حافظة" لصاحبها عن أن يخلط فيها، أو يفهم منها غير ما أريد بها، غير منسية" بأن يتذكرها إذا استيقظ، "الله أرني في منامي ما أحب، وأن لا يقصها على عدو ولا جاهل" بعلم الرؤيا "إذا علمت هذا، فاعلم أن جميع المرائي تنحصر في قسمين: أضغاث أحلام" تخليطها، "وهل لا تنذر" تخبر "بشيء، وهي أنواع الول تلاعب الشيطان ليحزن" "بضم الياء وكسر الزاي وفتحها وضم الزاي" الرائي، كأن يرى أنه قطع رأسه وهو يتبعه أو يرى أنه واقع في هول" فزع وخوف "ولا يجد من ينجده" يعينه ويخلصه منه "ونحو ذلك".стр. 4484
قال جاء أعرابي فقال: يا رسول الله، إني حلمت أن رأسي قطع وأنا أتبعه، فزجره النبي ﷺ وقال: "لا تخبر بتلعب الشيطان بك في المنام".
الثاني: أن يرى أن بعض الملائكة يأمره أن يفعل المحرمات ونحوه من المحالات عقلا.
الحواشي
(١) "وروى مسلم" من طريق أبي الزبير، "عن جابر قال: جاء أعرابي" زاد في رواية ابن ماجه والنبي ﷺ يخطب، "فقال: يا رسول الله إني حلمت" "بضم اللام" رأيت في منامي "أن رأسي قطع وأنا أتبعه" أمشي على أثره، وفي رواية ابن ماجه: فاتبعته فأعدته "فزجره النبي ﷺ "، وقال: "لا تخبر بتلعب الشيطان بك في المنام".
وفي مسلم أيضا من طريق أبي سفيان، عن جابر: جاء أعرابي، فقال: يا رسول الله رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج، فاشتددت على أثره، فقال ﷺ : "لا تحدث بتلعب الشيطان بك في منامك" وقال سمعت النبي ﷺ بعد يخطب، فقال: "لا يحدثن أحدكم بتلعب الشيطان به في منامه" وله في رواية ثالثة، عن جابر: جاء رجل، فقال: يا رسول الله رأيت في المنام كان رأسي قطع، فضحك ﷺ وقال: "إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه، فلا يحدث به الناس".
قال المازري والقرطبي: ليس في المنام ما يدل على أنه من الأضغاث أو تلاعب الشيطان، فيحتمل أن النبي ﷺ علم أن منامه هذا من الأضغاث أو تلاعب الشيطان، بوحي أو بدلالة في المنام دلته على ذلك، أو على أنه من المكروه الذي هو من تحذير الشيطان.
وقيل: إن الراوي أسقط من المنام ما لو ذكره لعلم أنه من الأضغاث وإلا فأهل التأويل في قطع الرأس تأويلات، كمفارقة الرائي ما هو عليه من النعم، أو مفارقة قومه، أو زوال سلطانه، أو تغير حاله في جميع الأمور، إلا أن يكون عبدا، فيدل على عتقه، أو مريضا فيدل على شفائه، أو مديانا فيدل على قضاء دينه، أو لم يحج، فيدل على أن يحج، أو محزونا فدل على زوال حزنه أو فرحه، أو خافئا فيدل على أمنه، إلى غير ذلك مما وسعوا فيه، وكذلك ينظرون في اتباع الرأس بما يئولون به قطع الرأس في الحملة لا باعتبار هذا المنام بعينه.
وقد ذكر ابن قتيبة في كتاب أصول العبارة أن رجلا قال: يا رسول الله إني رأيت رأسي قطع، فجعلت أنظر إليه بإحدى عيني، فضحك ﷺ وقال: "بأيهما كنت تنظر إليه" فلبث ما شاء الله، ثم قبض ﷺ ، وإن النظر إليه كأنه اتباع السنة. انتهى.
"الثاني: أن يرى بعض الملائكة يأمره أن يفعل المحرمات ونحوه من المحالات عقلا"؛ لأن العقل دل على عصمتهم من ذلك، فلا يمكن وقوعه، فهو من الأضغاث لا تعبير له.стр. 4485
الثالث: ما يحدث به نفسه في اليقظة أو يتمناه، فيراه كما هو في المنام، وكذا رؤية ما جرت به عادته في اليقظة، أو يغلب على مزاجه ويقع على المستقبل غالبا، وعن الحال كثيرا، وعن الماضي قليلا.
القسم الثاني: الرؤيا الصادقة، وهي رؤيا الأنبياء، ومن تبعهم من الصالحين، وقد تقع لغيرهم بندور، وهي التي تقع في اليقظة على ما وفق ما وقعت في النوم، وقد وقع لنبينا ﷺ من الرؤيا الصادقة التي كفلق الصبح ما لا يعد ولا يحد.
قالت عائشة: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. الحديث رواه البخاري.
الحواشي
(١) "الثالث: ما يحدث به نفسه في اليقظة أو يتمناه فيراه، كما هو في المنام" لا يعبر، لأنه منام همة، "وكذا رؤية ما جرت به عادته في اليقظة" بفعله أو قوله، "أو يغلب على مزاجه" من الأضغاث لا يؤول، "ويقع على المستقبل غالبا، وعن الحال كثيرا" غير غالب، "وعلى الماضي قليلا" وعبر في الفتح بلفظ عن في الثلاثة والخطب سهل.
"القسم الثاني: الصادقة وهي رؤيا الأنبياء ومن تبعهم من الصالحين، وقد تقع لغيرهم بندور" أي قلة إنقاذا لهم من المعاصي، أو معافاة في أبدانهم، "وهي التي تقع في اليقظة على وفق ما وقعت في النوم" كرؤياه ﷺ أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام آمنين محلقين رؤسهم ومقصرين.
"وقد وقع لنبينا ﷺ من الرؤيا الصادقة التي كفلق"، "بفتحتين"، "الصبح" أي شبيهة به في الضياء والوضوح، وخص بالشبة لظهوره الواضح الذي لا يشك فيه "ما لا بعد" لكثرته فلا يمكن حصره بعد "ولا يحد" لعدم إمكان حده.
"قال عائشة: أول ما بدئ "بضم الموحدة وكسر المهملة فهمزة" به رسول الله ﷺ من الوحي" أي من أقسامه، فمن للتبعيض، وقل القزاز لبيان الجنس، كأنها قالت من جنس الوحي وليست منه، أي فهي مجاز علاقته المشابهة للوحي في أنه لا دخل للشيطان فيها، رده عياض بحديث أنها جزء من النبوة الرؤيا الصادقة في النوم" زيادة للإيضاح أو لتخرج رؤيا العين يقظة، مجازا، "فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت" في بيانها مجيئا، "مثل:" فنصب نعت مصدر محذوف "فلق الصبح" في الضياء والظهور أو التقدير مشبهة ضياء الصبح، فالنصب على الحال والفلق الصبح لكنه لما استعمل في هذا المعنى وغيره أضيف إليه للتخصيص والبيان إضافة العام للخاص، "الحديث رواه البخاري" في مواضع ومسلم ومر بتمامه في أوائل الكتاب.стр. 4486
وفي رواية: الصالحة.
وهما بمعنى بالنسبة إلى أمور الآخر في حق الأنبياء، وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا، فالصالحة في الأصل أخص. فرؤيا النبي ﷺ كلها صادقة، وقد تكون صالحة وهو الأكثر، وغير صالحة بالنسبة إلى الدنيا، كما وقع في الرؤيا يوم أحد، فإنه ﷺ رأى بقرا تذبح، ورأى في سيفه ثلما، فأول البقر ما أصاب أصحابه يوم أحد، والثلم الذي كان في سيفه برجل من أهل بيته يقتل، ثم كانت العاقبة للمتقين، وكان بعد ذلك النصر والفتح على جميع الخلق.
وأما رؤيا غير الأنبياء، فبينهما عموم وخصوص إن فسرنا الصادقة بأنها التي لا تحتاج إلى تفسير، وأما إن فسرناها بأنها غير الأضغاث فالصالحة أخص مطلقا.
وقال الإمام نصر بن يعقوب الدينوري في "التعبير القادري": الرؤية الصادقة ما يقع عينه، أو ما يعبر في المنام، أو يخبر به من لا يكذب، والصالحة ما فسر.
واعلم أن الناس في الرؤيا على ثلاثة درجات:
الحواشي
(١) "وفي رواية" عند مسلم والبخاري في بدء الوحي: "الصالحة" بدل الصادقة، "وهما بمعنى" واحد "بالنسبة إلى أمور الآخرة في حق الأنبياء، وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا، فالصالحة في الأصل أخص" من الصادقة، "فرؤيا النبي ﷺ " وغيره من الأنبياء "كلها صادقة، فالصالحة في الأصل أخص" من الصادقة، وقد تكون صالحة وهو الأكثر، وغير صالحة بالنسبة إلى الدنيا، كما وقع في الرؤيا يوم أحد، فإنه ﷺ رأى بقرا" "بموحدة فقاف" "تذبح، ورأى في سيفه ثلما" "بفتح المثلثة وسكون اللام" "فأول البقر ما" أي بما "أصاب أصحابه يوم أحد" من استشهاد سبعين، "والثلم الذي كان في سيفه برجل من أهل بيته يقتل" حمزة سيد الشهداء، "ثم كانت العاقبة للمتقين وكان بعد ذلك النصر الفتح على جميع الخلق".
"وأما رؤيا غير اأنبياء فبينهما" أي الصادقة والصالحة "عموم وخصوص" من وجه "إن فسرنا الصادقة بأنها التي تحتاج إلى تفسيره وأما إن فسرناها غير الأضغاث، فالصالحة أخص مطلقا" من الصادقة.
"وقال الإمام نصر بن يعقوب الدينوري" "بفتح الدال والنون والواو" وراء نسبة إلى الدينور من بلاد الجبل "في" كتاب "التعبير القادري: الرؤيا الصادقة ما يقع بعينه" يقظة مثل ما وقع مناما، "أو ما يعبر في المنام" للرائي "أو يخبر به من يكذب" من الأنبياء وكثير من الصالحين، "والصالحة ما فسر": عبر بتعبير كتعبيره ﷺ اللبن بالعلم.
"واعلم أن الناس في الرؤيا على ثلاث درجات: الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم،стр. 4487
الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- ورؤياهم كلها صدق، وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير.
والصالحون: والأغلب على رؤياهم الصدق، وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير.
ومن عداهم، يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث، وهم على ثلاثة أقسام: مستورون، فالغالب استواء الحال في حقهم، وفسقة فالغالب على رؤياهم الأضغاث ويقل فيها الصدق.
وكفار: ويندر في رؤياهم الصدق جدا، ويشير إلى ذلك قوله ﷺ : "وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا" أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة.
وقد وقعت الرؤيا الصادقة من بعض الكفار كما في رؤيا صاحب السجن مع يوسف ﵊، ورؤيا ملكهم وغير ذلك.
وقد روى الإمام أحمد مرفوعا، وصححه ابن حبان من حديث أبي سعيد:
الحواشي
(١) ورؤياهم كلها صدق" وغالبها لا يحتاج إلى تعبير، "ويقع فيها ما يحتاج إلى تعبير،" كرؤيا يوم أحد، "والصالحون والأغلب على رؤياهم الصدق" واحتياجها إلى تعبير، "وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير" بأن يقع يقظة، كما رأوا في المنام، ويندر فيها الأضغاث لشغل بال وتغير مزاج ونحو ذلك، "ومن عداهم يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث، وهم على ثلاثة أقسام: مستورون، فالغالب استواء الحال في حقهم". من جهة رؤياهم، "وفسقة والغالب على رؤياهم الأضغاث، ويقل فيها الصدق" لا جدا، "وكفار ويندر": يقل "في رؤياهم الصدق جدا، ويشير إلى ذلك قوله ﷺ : "وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا".
"أخرج مسلم من حديث أبي هريرة" وأوله إذا اقترب الزمان كما مر قريبا، لكن بلفظ أصدقكم "بالكاف" في الموضعين، وهو الذي رأيته في مسلم، "وقد وقعت الرؤيا الصادقة من بعض الكفار كما في رؤيا صاحب السجن" أحدهما يعصر خمرا، والآخر يحمل فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه "مع يوسف ﵊" أي اللذين دخلا السجن معه "ورؤيا ملكهم" سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، "وغير ذلك" كما حكى أن جالينوس غلظ طحاله فعجز عن علاجه، فرأى في المنام ملكا أمره بفصد عرق بين الخنصر والبنصر فبرئ، وأنه عرض له ورم في المحل الذي يتصل منه بالحجاب، فأمره الله في المنام بفصد العرق الضارب من كفه اليسرى فبرئ وذلك لأن الكافر وإن لم يكن محلا للصدق، لكن لا يمتنع أن يرى ما يعود عليه بخير في دنياه.
"وقد روى الإمام أحمد" والترمذي والدارمي "مرفوعا وصححه ابن حبان من حديثстр. 4488
أصدق الرؤيا بالأسحار. وذكر الإمام نصر بن يعقوب الدينوري أن الرؤيا أول الليل يبطئ تأويلها، ومن النصف الثاني يسرع بتفاوت أجزاء الليل، وإن أسرعها تأويلا رؤيا السحر، ولا سيما عند طلوع الفجر، وعن جعفر الصادق أسرعها تأويلا رؤيا القيلولة، وعند محمد بن سيرين: رؤيا الليل مثل رؤيا النهار، والنساء كالرجال، وعن القيرواني: إن المرأة إذا رأت ما ليست له أهلا فهو لزوجها، وكذا حكم العبد لسيده، كما أن رؤيا الطفل لأبويه.
ومن مرائيه الكريمة ﵊: شربه اللبن وتعبيره بالعلم، كما في حديث ابن عمر عند البخاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بينا أنا نائم
الحواشي
(١) أبي سعيد: أصدق الرؤيا بالأسحار" سبق شرحه قريبا.
"وذكر الإمام نصر بن يعقوب الدينوري أن الرؤيا أول الليل يبطئ تأويلها" إلى النصف الأول، "ومن النصف الثاني يسرع بتفاوت أجزاء الليل،" فكلما قرب من آخره كان أسرع مما قبله، "وإن أسرعها تأويلا رؤيا السحر" قبيل الصبح بين الفجرين، "ولا سيما عند طلوع الفجر" الصادق.
"وعن جعفر" بن محمد "الصادق: أسرعها تأويلا رؤيا القيلولة" نصف النهار، أي بالنهار، فلا يخالف الحديث.
"وعن محمد بن سيرين" التابعي المشهور، العالم بالتعبير: "رؤيا الليل مثل رؤيا النهار، و" رؤيا "النساء كالرجال" أي كرؤياهم.
"وعن" علي "القيرواني" العابر: "أن المرأة إذا رأت ما ليس له أهلا فهو لزوجها، وكذا حكم" رؤيا "العبد لسيده، كما أن رؤيا الطفل لأبويه" إن لم يكن كل أهلا، كما صرح به في الألفية، فقال:
والعبد رؤياه تخص المولى ... وما ترى المرأة نال البعلا
وانقل إلى الوالد رؤيا الطفل ... إن كان هؤلاء غير أهل
"ومن مرائيه الكريمة ﵊ شربه اللبن وتعبيره بالعلم" لا يظهر عطفه على ما قبله، فإما أن يقدر في الأول من مرئيه وتعبيراته، أو يقدر في الثاني، ومن تعبيراته تعبيره بالعلم، "كما في حديث ابن عمر عند البخاري" في العلم والمناقب والتعبير في ثلاثة مواضع.
وكذا أخرجه مسلم في الفضائل من طرق كلها عند الشيخين تدور على ابن شهاب، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه "قال: سمعت رسول الله ﷺ " يقول: "بينا" بغير ميم، كما ضبطه المصنف في المواضع المذكورة "أنا نائم أتيت"، "بضم الهمزة"، "بقدح لبن، فشربتстр. 4489
أتيت بقدح لبن فشربت منه، حتى إني لأرى الري يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي، يعني عمر". قالوا: فما أولته؟ قال: "العلم".
الحواشي
(١) منه". أي من اللبن وأكثرت، "حتى إني"، "بكسر الهمزة" بعد حتى الابتدائية وفتحها على جعلها جاره "لأرى" "بفتح الهمزة" من الرؤية، ويؤيده رواية المناقب: حتى أنظر "الري"، "بكسر الراء وشد الياء" على الرواية.
وحكى الجوهري: الفتح أيضا، وقيل: "بالكسر الفعل، وبالفتح المصدرية"، ورؤية الري على سبيل الاستعارة، كأنه لما جعل الري جسما أضاف إليه ما هو من خواص الجسم, وهو كونه مرئيا "يخرج في أظفاري" جمع ظفر وفي بمعنى على, نحو: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ، أي عليها، وتكون بمعنى يظهر عليها، والظفر إما منشأ الخروج أو ظرفه، والجملة في موضع نصب على الحال إن قدرت الرؤية بمعنى الإبصار، ومفعول ثان لأرى إن قدر بمعنى العلم، واللام للتأكيد، وعبر بصيغة المضارع، والأصل أنه ماض استحضار الصورة الحال، "ثم أعطيت فضلي" , أي ما فضل من القدح الذي شربت منه، "يعني عمر".
كذا في إحدى روايات البخاري في التعبير: وكان بعض رواته شك وله في العلم.
وفي الرواية الثانية في التعبر: "فأعطيت فضلي عمر بن الخطاب". وفي المناقب: "ثم ناولت عمر". وفي الرواية الثالثة في التعبير: "ثم أعطيت فضلته عمر". أي فضلة اللبن.
"قالوا": وفي رواية للبخاري في التعبير، فقال من حوله: "فما أولته؟ " أي عبرته، قال: "العلم"، "بالنصب" أي أولته العلم وبالرفع أي المؤول به هو العلم.
وفي رواية سفيان بن عيينة عن الزهري عند سعيد بن منصور: ثم ناول عمر فضله، قال: ما أولته، وظاهره أن السائل عمر، ووقع في جزء الحسن بن عرفة من وجه آخر عن ابن عمر، أنه ﷺ قال له: "أولوها" قالوا: يا نبي الله هذا العلم الذي آتاكه الله حتى إذا امتلأت فضلت منه فضلة، فأخذها عمر، قال: "أصبتم". وإسناده ضعيف، فإن كان محفوظا احتمل أن يكون بعضهم أول، وبعضهم سأل، أو أن هذا وقع أولا، ثم احتمل عندهم أن يكون عنده في تأويلها زيادة على ذلك، فقالوا ما أولته، ووجه التعبير بذلك من جهة اشتراك اللبن والعلم في كثرة المنافع، وكونهما سببا للصلاح، فاللبن للغذاء البدني، والعلم للغذاء المعنوي، وفيه فضل عمر، وإن من شأن عمر الرؤيا، أن لا تحمل على ظاهرها وإن كانت رؤيا الأنبياء من الوحي، لكن منها ما يحتاج إلى تعبير، ومنها ما يحمل على ظاهره، والمراد بالعلم هنا العلم بساسة الناس، بكتاب الله وسنة رسوله، واختص عمر بذلك لطول مدته بالنسبة إلى أبي بكر، وباتفاق الناس على طاعته بالنسبة إلى عثمان، فإن مدة أبي بكر كانت قصيرة، فلم تكثر فيها الفتوح التي هي أعظمстр. 4490
وفي رواية الكشميهني: "من أظافيري". وفي رواية صالح بن كيسان: "من أطرافي".
وهذه الرؤية يحتمل أن تكون بصرية، وهو الظاهر، ويحتمل أن تكون علمية، ويؤيد الأول: ما أخرجه الطبراني والحاكم من طريق أبي بكر بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده في هذا الحديث: "فشربت حتى رأيته يجري في عروقي بين الجلد واللحم". على أنه محتمل أيضا.
قال بعض العارفين: الذي خلص اللبن من بين فرث ودم قادر على أن يخلق المعرفة من بين شك وجهل، وهو كما قال، لكن اطردت العادة بأن العلم بالتعلم
الحواشي
(١) الأسباب في الاختلاف، ومع ذلك فساس عمر فيها مع طول مدته الناس، بحيث لم يخالفه أحد، ثم ازدادت اتساعا في خلافة عثمان، فانتشرت الأقوال واختلفت الآراء، ولم يتفق له ما اتفق لعمر من طواعية الخلق له، فنشأت الفتن من ثم إلى أن أفضى الأمر إلى قتله، استخلف علي فما ازداد الأمر إلا اختلافا والفتن إلا انتشارا، قاله الحافظ في موضعين.
"وفي رواية الكشميهني" للبخاري: "من أظافيري" جمع أظفور كأسبوع وأسابيع بدل قوله في الرواية الأولى: "في أظفاري".
"وفي رواية صالح بن كيسان" عن ابن شهاب بسنده عند البخاري في التعبير: "حتى إني لأرى الري يخرج من أطرافي". بدل: "في أظفاري".
وفي رواية المناقب: "يجري في ظفري" , أو: "أظفاري" بالشك. "وهذه الرؤية": "حتى لأرى الري" , "يحتمل أن تكون بصرية وهو الظاهر", ويؤيده رواية المناقب: "حتى أنظر إلى الري". "ويحتمل أن تكون علمية، ويؤيد الأول" البصرية، "ما أخرجه الطبراني والحاكم من طريق أبي بكر بن سالم بن عبد الله بن عمر" تابعي صغير، وثقه العجلي، وروى له الشيخان "عن أبيه" سالم أحد الفقهاء، "عن جده في هذا الحديث: "فشربت" من اللبن "حتى رأيته يجري في عروقي بين الجلد واللحم". "عن أنه محتمل أيضا" لأن تكون رؤيا علمية، فلا يؤيد الأول.
"قال بعض العارفين" عبارته على البخاري، قال القاضي أبو بكر بن العربي: "الذي خلص اللبن من بين فرث ودم قادر على أن يخلق" أي: يوجد "المعرفة من بين شك وجهل" زاد في الفتح: ويحفظ العمل عن غفلة وزلل. انتهى.
والمراد من هذه العبارة أن حال الرائي من حيث هو متردد بين أن لا يعلم من حال رؤياه شيئا يؤولها به، وبين أن يتخيل شيئا منها لا يجزم به، فيتردد في المراد منها، والله قادر على أنстр. 4491
والذي ذكره قد يكون خارقا للعادة فيكون من باب الكرامة.
وقال العارف ابن أبي جمرة: تأول النبي ﷺ اللبن بالعلم اعتبارا بما بين له أول الأمر حين أتى بقدح خمر وقدح لبن، فأخذ اللبن فقال له جبريل: أخذت الفطرة، انتهى.
وقد جاء في بعض الأحاديث المرفوعة تأويله بالفطرة، كما أخرجه البزار من حديث أبي هريرة رفعه: اللبن في المنام فطرة.
الحواشي
(١) يخلق المعرفة، وهي العلم المطابق للواقع فيمن أراد فيدركه ويجزم به.
وفي الفتح قال ابن العربي: اللبن رزق يخلقه الله طيبا بين أخباث من دم وفرث، كالعلم يظهره الله في ظلمة الجهل، فضرب به المثل في المنام، "وهو كما قال لكن اطردت العادة بأن العلم بالتعلم".
وفي حديث مرفوع: "وإنما العلم بالتعلم". "والذي ذكره قد يكون خارقا للعادة، فيكون من باب الكرامة" والمراد أن خلق المعرفة قد يكون العادة من تحصيله بالتعلم، فلا يكون كرامة، وقد يكون بإلهام من الله تعالى من غير تعب، وهو اللدني، فيكون كرامة لمن أوتيها، كما إليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] .
"وقال العارف ابن أبي جمرة: تأول" عبر "النبي ﷺ اللبن بالعلم، اعتبارا بما بين له أو الأمر حين أتى" في الإسراء "بقدح خمر وقدح لبن، فأخذ اللبن، فقال له جبريل: أخذت الفطرة. انتهى".
أي: الحق الذي أمر الله به من فعل الطاعات وترك المحرمات، وقيل غير ذلك مما سبق في المعراج.
وفي رواية: فقال له جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة، "وقد جاء في بضع الأحاديث المرفوعة تأويله بالفطرة" بكسر الفاء وسكون الطاء" زاد في الفتح والسنة والقرآن، "كما أخرجه البزار" بإسناد حسن "من حديث أبي هريرة رفعه: "اللبن في المنام فطرة" لأن العالم القدسي تصاغ فيه الصور من العالم الحسي لتدرك منه المعاني، ولما كان اللبن في عالم الحس من أول ما يحصل به التربية ويرشح به المولود، صيغ عنه مثال الفطرة الت بها تتم القوة الروحانية، وتنشأ عنها الخاصة الإنسانية، ذكره بعضهم.
وقيل: الفطرة هنا علم التوحيد لا غيره فهو الفطرة التي فطر الحق عليها عباده حتى أشهدهم حين قبضهم من ظهورهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ، فشاهدوا الربوبية قبل كل شيء. انتهى.стр. 4492
وقد ذكر الدينوري: أن اللبن المذكور في هذا يختص بلبن الإبل، وأنه لشاربه مال حلال وعلم، قال: ولبن البقر خصب السنة ومال حلال وفطرة أيضا، ولبن الشاة مال وسرور وصحة جسم، وألبان الوحش شك في الدين، وألبان السباع غير محمودة، إلا أن لبن اللبوة مال مع عداوة لذي أمر.
وفي الحديث: إن علم النبي ﷺ بالله لا يبلغ أحد درجته فيه؛ لأنه شرب حتى أرى الري يخرج من أظفاره.
وأما إعطاؤه فضله لعمر، ففيه إشارة إلى ما حصل لعمر من العلم بالله بحيث كان لا تأخذه في الله لومة لائم، ووجه التعبير في الحديث بذلك من جهة اشتراك اللبن والعلم في كثرة النفع، وكونهما سببا للصلاح، فاللبن للغذاء البدني،
الحواشي
(١) "وقد ذكر الدينوري: أن اللبن المذكور في هذا" الحديث "يختص بلبن الإبل، وأنه لشاربه مال حلال وعلم، قال: ولبن البقر" عراب أو جواميس "خصب السنة ومال حلال وفطرة أيضا، ولبن الشاة" ضأن أو معز "مال وسرور وصحة جسم" وفي ألفية ابن الوردي قال:
وكل ما حل من الألبان ... مال حلال كالظبا والضأن
"وألبان الوحش" مما لا يتأنس من دواب البر "شك في الدين" للشارب إما حالا بأن يكون متلبسا بذلك حال الرؤيا، وإما استقبالا بأن يطرأ عليه بعد، "وألبان السباع"، "جمع سبع بضم الياء وتسكن" يطلق على كل ما له ناب ويفترس، فهو من جملة الوحوش، فشربها شك في الدين، فلعله خصه بالذكر إشارة إلى أن فيها مضرة دنيوية أيضا.
ولذا قال: "غير محمودة" لشاربها "إلا أن لبن اللبوة" أنثى الأسد "مال مع عدواة لذي أمر" أي صاحب حكم، "وفي الحديث" من الفوائد: "أن علم النبي ﷺ بالله لا يبلغ أحد درجته فيه؛ لأنه شرب حتى أرى الري يخرج من أظفاره، وأما إعطاؤه فضله لعمر، ففيه إشارة إلى ما حصل لعمر من العلم بالله" والشدة في أمره، "بحيث كان لا تأخذه في الله لومة لائم" فلا يرفق في القيام بالحق، وأبو بكر، وإن كان لا يقر على باطل، لكنه كان يعامل بالرفق واللين، كما هو معلوم من سيرهما، وإليه أشار ﷺ بقوله: "أرأف أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في أمر الله عمر".
وتقدم أن وجه اختصاصه بذلك لطول مدة خلافته بالنسبة إلى أبي بكر، "ووجه التعبير في الحديث بذلك", أي: تعبير اللبن بالعلم "من جهة اشتراك اللبن والعلم في كثرة النفع" بهما، "وكونهما سببا للصلح فاللبن" جعل محصلا "للغذاء البدني" وهو إصلاحه، بما يتغذى به منстр. 4493
والعلم للغذاء المعنوي.
ومن ذلك رؤيته ﷺ القميص وتعبيره بالدين.
عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: "بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون عليّ وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي، ومنهما ما يبلغ دون ذلك، ومر عليّ بن الخطاب وعليه قميص يجره". قالوا: ما أولته يا رسول الله؟
الحواشي
(١) الطعام والشراب.
وفي الحديث: ليس شيء يجزي عن الطعام والشراب إلا اللبن، "والعلم للغذاء المعنوي", أي يحصل ما ينتفع به في الدين من تمييز الحق من الباطل، وإطلاق الغذاء عليه مجازا تشبيها لما يحصل المنفعة في الدين بما يحصل المنفعة في البدن.
وفي الحديث أيضا كما قال ابن أبي جمرة: مشروعية قص الكبير رؤياه على من دونه، وإلقاء العالم المسائل، واختيار أصحابه في تأويلها، وإن ممن أدب أن يرد الطالب علم ذلك إلى معلمه، قال: والذي يظهر أنه لم يرد منهم أن يعبروها، وإنما أراد أن يسألوه عن تعبيرها، ففهموا مراده فسأله فأفادهم، ولذلك ينبغي أن يسلك هذا الأدب في جميع الحالات.
"ومن ذلك" أي مرائيه وتعبيراته: "رؤيته ﷺ القميص وتعبيره بالدين عن أبي سعيد" سعد بن مالك بن سنان "الخدري ﵁" وعن أبيه، "عن النبي ﷺ " أنه قال: "بينا". "بغير ميم" وفي رواية بالميم. "أنا نائم رأيت الناس" من الرؤيا الحلمية على الأظهر، أو من الرؤية البصرية، فتطلب مفعولا واحدا وهو الناس، فجملة: "يعرضون عليّ". حال، أو علمية من الرأي، فتطلب مفعولين هما الناس, "يعرضون عليّ" أي يظهرو لي، ويجوز رفع الناس، كما قال الحافظ، ولعله بتقدير رأيت رؤيا، فقيل: ما هي؟ قال: هي الناس، وسقط لفظ على لأبي ذر وابن عساكر في التعبير، وثبت لغيره فيه كما في الإيمان وفي المناقب وفي التعبير أيضا، عرضوا علي "وعليهم قمص"، "بضم القاف والميم" جمع قميص "منها ما يبلغ الثدي" بالجمع والإفراد روايتان، يكون للرجل والمرأة خلافا لمن خصه بها، إلا أن يدعي أنه أطلق في الحديث على الرجل مجازا، "ومنها ما يبلغ دون ذلك، ومر علي" كذا عند البخاري في إحدى روايتيه في التعبير، وفي الثانية كالإيمان والمناقب: "وعرض علي". "عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره" لطوله، كذا في الإيمان والتعبير، وفيه أيضا رواية: يجتره.
قال المصنف: بسكون الجيم بعدها فوقية مفتوحة، ولابن عساكر: يجره بضم الجيم وإسقاط الفوقية، وفي المناقب: اجتره "بهمزة وصل وسكون الجيم" قالوا: ما أولته؟ أي عبرته، وللكشميهني: أولت بلا ضمير، وفي الإيمان: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: "الدين"стр. 4494
قال: "الدين". رواه البخاري.
وفي رواية الحكيم الترمذي في طبقة البخاري من طريق أخرى في هذا الحديث، فقال أبو بكر: علام تأولت هذا يا رسول الله؟
قالوا و"الثدي" بالمثلثة وكسر الدال وتشديد الياء، جمع ثدي، بفتح ثم سكون، والمعنى: أن القميص قصير جدا بحيث لا يصير من الحلق إلى نحو السرة بل فوقها.
وقوله: "ومنها ما يبلغ دون ذلك" يحتمل أن يريد به من جهة السفل، وهو الظاهر فيكون أطول، ويحتمل أن يكون دونه من جهة العلو فيكون أقصر، ويؤيد الأول ما في رواية الحكيم الترمذي المذكورة: "فمنهم من كان قميصه إلى سرته، ومنهم من كان قميصه إلى ركبته -بالإفراد- ومنهم من كان قميصه إلى أنصاف ساقيه".
الحواشي
(١) "بالنصب ويجوز الرفع"، "رواه البخاري" في التعبير في موضعين، وقبله في المناقب وقبله في الإيمان، ورواه مسلم في الفضائل، كلاهما من طرق تدور على ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل، عن أبي سعيد.
"وفي رواية الحكيم الترمذي" محمد بن علي "من طبقة البخاري من طريق أخرى في" روايته "هذا الحديث: فقال أبو بكر الصديق: علام" أي على أي معنى "تأولت هذا" المنام "يا رسول الله؟ " ففيه بيان أنه السائل، فالجمع في قوله: قالوا. كأنه لما سكتوا عن سؤاله، فكأنهما "قالوا: والثدي: بضم المثلثة وكسر الدال وتشديد الياء جمع ثدي بفتح ثم سكون" كما رواه أبو ذر في التعبير في الموضعين وفي المناقب، ورواه غيره في الثلاثة بالإفراد، وأما في الإيمان، فرواه أبو ذر بالإفراد، وغيره بالجمع، كما أفاده المصنف، "والمعنى أن القميص قصير جدا، بحيث لا يصير" أي لا يمتد، وفي نسخة: أي لا يستر، وفي الفتح، وتبعه المصنف في الشرح، بحيث لا يصل "من الحلق إلى نحو السرة بل فوقها" والمعنى واحد على الجميع.
"وقوله: "ومنها ما يبلغ دون ذلك". يحتمل أن يريد به" أي بالدون "من جهة السفل، وهو الظاهر، فيكون أطول" مما يبلغ الثدي، "ويحتمل أن يكون دونه من جهة العلو، فيكون أقصر" أي لم يبلغ الثدي.
"ويؤيد الأول ما في رواية الحكيم الترمذي المذكورة": "فمنهم من كان قميصه إلى سرته -بضم السين- ومنهم من كان قميصه إلى ركبته -بالإفراد- ومنهم من كان قميصه إلىстр. 4495
ويجوز النصب في قوله: "الدين". والتقدير: أولت الدين، ويجوز الرفع.
وفي رواية الحكيم المذكورة: على الإيمان.
وقد قيل في وجه تعبير القميص بالدين أن القميص يستر العورة في الدنيا، والدين يسترها في الآخرة ويحجبها عن كل مكروه، والأصل في قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] .
واتفق أهل التعبير على أن القميص يعبر بالدين، وأن طوله يدل على بقاء آثار صاحبه من بعده. وقال ابن العربي: إنما أول النبي ﷺ القميص بالدين، لأن الدين يستر عورة الجهل كما يستر القميص عورة البدن. قال: وأما غير عمر فالذي كان
الحواشي
(١) إنصاف ساقيه" بجمع إنصاف كراهة توالي تثنيتين، "ويجوز النصب في قوله الدين" على أنه معمول أولت، "والتقدير أولت الدين، ويجوز الرفع" أي هو الدين، وظاهره استواؤهما وليس كذلك، فإن الحافظ قال: بالنصب، ويجوز الرفع، فمفاده أن الرواية بالنصب، وكذا جزم به المصنف في الإيمان وغيره.
"وفي رواية الحكيم المذكورة" قال: "على الإيمان" أولته بدل قوله: قال الدين "وقد قيل في وجه تعبير القميص بالدين أن القميص يستر العورة في الدنيا، والدين يسترها في الآخرة ويحجبها عن كل مكروه" فهو من التشبيه البليغ، لأنه يستر العورة، والدين يستره من النار، كما قال المصنف، "والأصل في قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ العمل الصالح، أو السمت الحسن أو خشية الله، أو لباس الحرب، بالنصب عطفا على "لباسا"، والرفع مبتدأ خبره ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أو الخير خير وذلك صفته كأنه قيل: ولباس التقوى المشار إليه, ولم يقل المصنف الآية، وإن وقعت في الفتح، لأن الاستدلال لا يتوقف على تمامها، وهم إنما يقولون الآية إذا كان في باقيها تمام الاستدلال.
"واتفق أهل التعبير على أن القميص يعبر بالدين، وأن طوله يدل على بقاء آثار صاحبه من بعده" وذلك مناسب لحال عمر فإن دينه متين وآثاره باقية.
"وقال ابن العربي: إنما أول النبي ﷺ القميص بالدين، لأن الدين يستر عورة الجهل" فيشمل الإنسان ويحفظه ويمنعه من المخالفات، "كما يستر القميص عورة البدن" فوجه الشبه الستر والشمول، ولا يشكل ظاهره بأنه يستلزم فضل عمر على أبي بكر؛ لأن المراد بالأفضل الأكثر ثوابا والأعمال علاماته، فمن كان عمله أكثر فدينه أقوى، ومن كان دينه أقوى فثوابه أكثر، ومن كان ثوابه أكثر فهو أفضل، لأنه ليس في الحديث تصريح بالمطلوب، فيحتمل أن أبا بكرстр. 4496
يبلغ الثدي هو الذي يستر القلب عن الكفر ولو كان يتعاطى المعاصي؛ لأنه لا يخرج بها عن الإيمان، والذي كان يبلغ أسفل من ذلك وفرجه باد هو الذي يستر رجله عن المشي إلى المعصية، والذي يستر رجله هو الذي احتجب بالتقوى من جميع الوجوه، والذي يجر قميصه زاد على ذلك بالعمل الصالح الخالص.
وأشار العارف ابن أبي جمرة: إلى أن المراد بالناس في هذا الحديث: المؤمنون، لتأويله القميص بالدين، قال: والذي يظهر أن المراد خصوص هذه الأمة المحمدية، بل بعضها، والمراد بالدين العمل بمقتضاه، كالحرص على امتثال الأوامر واجتناب المناهي، وكان لعمر في ذلك المقام العالي.
قال: ويؤخذ من هذا الحديث، أن كل ما يرى في القميص من حسن أو غيره فإنه يعبر بدين لابسه، قال: والنكتة في القميص أن صاحبه إذا اختار نزعه،
الحواشي
(١) لم يعرض في أولئك الناس، إما لأنه عرض عليه قبل ذلك، وإما لأنه لا يعرض أصلا، أو أنه لما عرض كان عليه قميص أطول من قميص عمر، وسكت عن ذكره اكتفاء بما علم من فضله، أو لأن المراد حينئذ بيان فضيلة عمر، فاقتصر عليها، أو ذكر أبا بكر، فذهل عنه الراوي.
وعن التنزل بأن الأصل عدم جميع هذه الاحتمالات، فهو معارض بالأحاديث الدالة على أفضلية الصديق، وقد تواترت تواترا معنويا، فهو المعتمد، كما أفاده الحافظ في محلين.
"قال" ابن العربي: "وأما غير عمر، فالذي كان يبلغ الثدي هو الذي ستر القلب عن الكفر" لقرب الثدي من القلب، "ولو كان يتعاطى المعاصي لأنه لا يخرج بها عن الإيمان، والذي كان يبلغ أسفل من ذلك"، أي الثدي "وفرجه باد، هو الذي لم يسر رجله عن المشي في المعصية" بأن يمس فيها، "والذي ستر رجله هو الذي احتجب بالتقوى من جميع الوجوه" فلم يفعل معصية، "والذي يجر قميصه زاد على ذلك بالعمل الصالح الخالص" لله تعالى.
"وأشار العارف ابن أبي جمرة إلى أن المراد بالناس في هذا الحديث المؤمنون لتأويله القميص بالدين" وإن كان لفظ الناس عاما "قال: والذي يظهر أن المراد خصوص هذه الأمة المحمدية" أي مؤمنوها، "بل بعضها، والمراد بالدين العمل بمقتضاه، كالحرص على امتثال الأوامر واجتناب المناهي، وكان لعمر في ذلك المقام العالي" الذي لا يساويه فيه من بعده.
"قال: ويؤخذ من الحديث أن كل ما يرى في القميص من حسن أو غيره، فإنه يعبر بدين لابسه" لأن المصطفى عبر الطول بالدين، فعلى قياسه: إذا كان حسنا، فلابسه حسنстр. 4497
وإذا اختار أبقاه فلما ألبس الله المؤمنين لباس الإيمان واتصفوا به كان الكامل في ذلك سابغ الثوب، ومن لا فلا، وقد يكون نقص الثوب بسبب نقص الإيمان، وقد يكون سبب نقص العمل.
وفي الحديث: إن أهل الدين يتفاضلون في الدين بالقلة والكثرة، والقوة والضعف، وهذا من أمثلة ما يحمد في المنام ويذم في اليقظة شرعا، أعني جر القميص، لما ورد من الوعيد في تطويله.
ومن ذلك رؤيته ﵊ السوارين الذهب في يده الشريفة وتعبيرهما بالكذابين.
روى البخاري عن عبيد الله بن عبد الله قال: سألت عبد الله بن عباس عن رؤيا النبي ﷺ التي ذكرها فقال ابن عباس ذكر لي أن رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا
الحواشي
(١) الدين، وإن كان قبيحا فلابسه ناقص الدين.
"قال: والنكتة في القميص أن صاحبه إذا اختار" نزعه "نزعه" "بفتحات" جواب إذا وما قدرته "بفتح فسكون" مفعول اختار، "وإذا اختار" بقاءه "أبقاه، فلما ألبس الله المؤمنين لباس الإيمان واتصفوا به كان الكامل في ذلك سابغ الثوب" أي طويله "ومن لا فلا، وقد يكون نقص الثوب بسبب نقص الإيمان" لأنه يزيد وينقص على المذهب المنصور، "وقد يكون بسبب نقص العمل" وإن كان كامل الإيمان.
"وفي الحديث" من الفوائد إفادة "أن أهل الدين يتفاضلون في الدين بالقلة والكثرة والقوة والضعف" ولذا بوب عليه البخاري تفاضل أهل الإيمان في الأعمال، "وهذا من أمثلة ما يحمد في المنام، ويذم في اليقظة شرعا، أعني جر القميص لما ورد من الوعيد في تطويله" بنحو خبر: "لا ينظر الله إلى من يجر إزاره خيلاء". وفيه أيضا مشروعية تعبير الرؤيا وسؤال العالم بها عن تعبيرها، ولو كان هو الرائي، وفيه الثناء على الفاضل بما فيه لإظهار منزلته عند السامعين، ومحله إذا أمن عليه الفتنة بالمدح، كالإعجاب وفضيلة عمر ظاهره، "ومن ذلك: رؤيته ﵊ السوارين الذهب في يده الشريفة وتعبيرهما بالكذابين".
"روى البخاري" في التعبير وقبله في المغازي، "عن عبيد الله" "بضم العين" "ابن عبد الله" بفتحها" ابن عتبة بن مسعود، أحد الفقهاء، "قال: سألت عبد الله بن عباس عن رؤيا النبي ﷺ التي ذكرها" في شأن مسيلمة الكذاب.
وعند البخاري في المغازي: أن مسيلمة قدم المدينة، فأتاه ﷺ ومعه ثابت بن قيس، وفي يده ﷺ قضيب، فكلمه، فقال له مسيلمة: إن شئت خلينا بينك وبين الأمر، ثم جعلته لنا بعدك،стр. 4498
نائم رأيت أنه وضع في يدي سواران من ذهب ففظعتهما وكرهتهما، فأذن لي فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان". فقال عبيد الله: أحدهما العنبسي الذي قتله فيروز باليمن، والآخر مسيلمة.
الحواشي
(١) فقال ﷺ : "لو سألتني هذا القضيب ما أعطيتكه، وإني لأراك الذي أريت فيه ما أريت".
قال عبيد الله: فسألت ابن عباس عن رؤياه التي ذكرها، "فقال ابن عباس: ذكر لي" "بضم أوله مبينا للمفعول" وإبهام الصحابي لا يقدح، والذاكر له أبو هريرة، كما في الصحيحين من طريق نافع بن جبير.
قال ابن عباس: فأخبرني أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "بينا" بغير ميم، قاله المصنف في المحلين "أنا نائم رأيت أنه وضع" بضم الواو "في يدي" بالتثنية "سواران"، "تثنية سوار بالكسر، ويجوز بالضم"، ولأبي ذر: إسواران "بكسر الهمزة وسكون المهملة تثنية إسوار لغة في سوار "من ذهب" من لبيان الجنس، كقوله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١] ، فهي القلب، "ففظعتهما"، "بفاء وظاء مشالة بعدها عين مهملة"، يقال: فظع الأمر، فهو فظيع إذا جاوز المقدار، قال ابن الأثير: الفظيع الأمر الشديد، وجاء هنا متعديا، والمعروف: فظعت به وفظعت منه، فتحمل التعدية على المعنى أي خفتهما أو معنى فظعتهما اشتد عليّ أمرهما.
قال الحافظ: ويؤيد الثاني رواية: فكبرا علي، "وكرهتهما" لكونهما من حلية النساء، وهو عطف مسبب على سبب، أي كرهتهما لشدة أمرهم وقبحه، "فأذن لي"، "بضم الهمزة وكسر المعجمة".
وفي رواية نافع عن ابن عباس: "فأوحي إلي في المنام أن أنفخهما". "فنفختهما فطارا فأولتهما كذابين يخرجان" أي تظهر شوكتهما ومحاربتهما، "فقال عبيد الله" "بضم العين" ابن عبد الله، المذكور في السند، "أحدهما العنبسي" "بمهملة فنون ساكنة فسين مهملة" وهو الأسود صحب صنعاء، كما في الرواية الثانية، واسمه عبهلة "بفتح العين المهملة وسكون الموحدة وفتح الهاء" ابن كعب، وكان يقال له أيضا: ذو الحمار؛ لأنه كان يخمر وجهه، وقيل: هو اسم شيطانه، وقول الكرماني: لأنه علم حمارا إذا قال له اسجد يخصف رأسه، يقتضي أنه بحاء مهملة، والمعروف أنه بالخاء المعجمة، بلفظ الثوب الذي يختمر به، كما أفاده الحافظ "الذي قتله فيروز" الديلمي الصحابي "باليمن" لما خرج بصنعاء وادعى النبوة، وغلب على عاملها للنبي ﷺ المهاجرين بن أبي أمية المخزومي، وأخرجه منها، ويقال: أنه مر به، فلما حاذاه عثر الحمار، فادعى أنه سجد له، ولم يقم الحمار حتى قال له شيئا، فقام.
روى يعقوب بن سفيان والبيهقي من طريقه من حديث النعمان بن بزرج "بضم الموحدةстр. 4499
وفي رواية أبي هريرة عند الشيخين: "بينا أنا نائم إذ أتيت خزائن الأرض
الحواشي
(١) وسكون الزاي"، ثم راء مضمومة ثم جيم قال: خرج الأسود الكذاب ومعه شيطانان، يقال لأحدهما سحيق "بمهملتين وقاف مصغر" والآخر شقيق "بمعجمة وقافين مصغر"، وكانا يخبرانه بكل شيء يحدث من أمور الناس، فلما مات باذان عامل النبي ﷺ بصنعاء، جاء شيطان الأسود، فأخبره، فخرج في قومه حتى ملك صنعاء، وتزوج المرزبانة، زوجة باذان، فذكر القصة في مواعدتها فيروز وغيره، فدخلوا على الأسود ليلا، وقد سقته المرزبانة الخمر صرفا حتى سكر، وكان على بابه ألف حارس، فنقب فيروز ومن معه الجدار حتى دخلوا، فقتله فيروز واحتز رأسه، وأخرجوا المرأة وما أحبوا من متاع البيت، وأرسلوا الخبر إلى المدينة، فوافى بذلك عند وفاة النبي ﷺ .
قال أبو الأسود عن عروة: أصيب الأسود قبل وفاته ﷺ بيوم أو ليلة، فأتاه الوحي، فأخبر أصحابه، ثم جاء الخبر إلى أبي بكر، وقيل: وصل الخبر بذلك صبيحة دفنه ﷺ "والآخر مسيلمة" "بكسر اللام" مصغر ابن ثمامة، بضم المثلثة ابن كبير، بموحدة ابن حبيب بن الحارث من بني حنيفة، قال ابن إسحاق: ادعى النبوة سنة عشر، وزعم بعضهم أن مسيلمة لقب واسمه ثمامة، فيه نظر لأن كنيته أبو ثمامة، فإن كان محفوظا، فيكون ممن توافقت كنيته واسمه، فجمع جموع كثيرة ليقاتل الصحابة، فجهز له الصديق جيشا، أميرهم خالد بن الليد، فقتل جمع من الصحابة، ثم كان الفتح بقتل مسيلمة، قتله عبد الله بن زيد بن عاصم المازني على الأشهر، وقيل: عدي بن سهل، وقيل: وحشي بالحربة التي قتل بها حمزة، وقيل: أبو دجانة، ولعل عبد الله هو الذي أصابته ضربته, وحمل عليه الباقون، ثم ما في هذه الرواية من أن النص على اسمهما من عبيد الله قد جاء عن النبي ﷺ عند الشيخين، من رواية نافع بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي هريرة ولفظه: "فأولتهما كذابين يخرجان بعدي أحدهما العنسي صاحب صنعاء، والآخر مسيلمة صاحب اليمامة".
قال عياض: النص على اسمهما في هذه الرواية التي بعدها هو من النبي ﷺ وعند ابن أبي شيبة من مرسل الحسن، رفع: "رأيت كأن في يدي سوارين، من ذهب فكرهتهما فذهبا كسرى وقيصر".
قال الحافظ: هذا إن كان الحسن أخذه عن ثبت، فظاهره يعارض التفسير بمسيلمة والأسود، فيحتمل أن يكون تعددا، والتفسير من قبله بحسب ما ظنه أدرج في الخبر فالمعتمد ما ثبت مرفوعا أنهما الأسود ومسيلمة.
"وفي رواية أبي الأسود عند الشيخين" في التعبير فالبخاري عن شيخه إسحاق بن راهويه، وفي المغازي عن شيخه إسحاق بن نصر، ومسلم عن شيخه محمد بن رافع، ثلاثتهم عنстр. 4500
فوضع في يدي سواران من ذهب، فكبر علي وأهماني، فأوحي إلي أن أنفخهما فنفختهما، فأولتهما بالكذابين اللذين أنا بينهما، صاحب صنعاء وصاحب اليمامة".
الحواشي
(١) عبد الرزاق، عن معمر، عن همام أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "بينا" بغير ميم "أنا نائم إذ أتيت" قال الحافظ: كذا وجدته في نسخة معتمدة من طريق أبي ذر من الإتيان بمعنى المجيء، وبحذف الباء من "خزائن الأرض"، وهي مقدرة، وعند غيره: "أوتيت" بزيادة واو من الإيتاء بمعنى الإعطاء، ولا إشكال في حذف الباء على هذه الرواية، ولبعضهم كالأول، لكن بإثبات الباء، وهي رواية أحمد وإسحاق بن نصر، عن عبد الرزاق يعني عند البخاري في المغازي، "فوضع"، "بضم الواو مبني لما لم يسم فاعله "في يدي" وفي رواية: في كفي "سواران" بالتثنية رفع بالألف مفعول ناب عن فاعله، ولأبي ذر: فوضع "بفتح الواو مبنيا للفاعل"، أي وضع الآتي بخزائن الأرض في يدي سوارين، نصب بالياء على المفعولية، كذا في شرح المصنف، وكان الحافظ لم ير الرواية الأولى هنا، فعزاها لرواية البخاري في المغازي، عن شيخه إسحاق بن نصر، عن عبد الرزاق قال: ولا إشكال فيهما، وشرح ابن التين هنا على لفظ وضع بالضم، وسوارين بالنصب، وتكلف لتخريج ذلك "من ذهب" صفة للسوارين، "فكبر"، "بضم الموحدة والإفراد" أي عظم على شأنهما وثقل.
وفي رواية المغازي: كمسلم، فكبرا بالتثنية، أي عظما "علي وأهماني" أحزناني وأقلقاني "فأوحي إلي" بالبناء للمجهول، رواه الأكثر، ولبعض الرواة: "فأوحى الله إلي".
قال القرطبي: أي إلهاما، أو على لسان ملك "أن انفخهما" بهمزة وصل، وكسر النون للتأكيد والجزم على الأمر، وقال الطيبي: ويجوز أن تكون مفسرة، لأن أوحي يتضمن معنى القول، وأن تكون ناصبة والجار محذوف، "فنفختهما" زاد البخاري في المغازي ومسلم: فذهبا، وفي رواية ابن عباس التي قبلها: فطارا، وزاد سعيد بن منصور من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة: فوقع واحد باليمامة، والآخر اليمن، "فأولتهما بالكذابين اللذين أنا بينهما" لأن السوارين في اليدين جميعا، فهو بينهما، قال عياض، ويأتي توجيه القرطبي "صاحب صنعاء" الأسود العنسي "وصاحب اليمامة" بتخفيف الميمين: مدينة باليمن على أربع مراحل من مكة، يعني مسيلمة الكذاب، وهذا ظاهر في أنهما كانا موجودين حين قص الرؤيا، فيخالف قوله في رواية ابن عباس التي فوق هذه: "يخرجان بعدي"، والجمع بينهما أن المراد بخروجهما بعده ظهور شوكتهما، ودعواهما النبوة ومحاربتهما، نقله النبوي عن العلماء.
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن ذلك كله ظهر للأسود بصنعاء في حياته ﷺ ، فادعى النبوة وعظمت شوكته، وحارب المسلمين وفتك بهم، وغلب على البلد، وآل أمره إلى أن قتل فيстр. 4501
قال المهلب: هذا الرواية ليست على وجهها، وإنما هي ضرب من المثل، وإنما أول النبي ﷺ السوارين بالكذابين لأن الكذب وضع الشيء في غير موضعه، فلما رأى في ذراعيه سوارين من ذهب وليس من لبسه، لأنهما من حلية النساء، عرف أنه سيظهر من يدعي ما ليس له. وأيضا: ففي كونهما من ذهب، والذهب نهي عن لبسه دليل على الكذب، وأيضا: فالذهب مشتق من الذهاب، فعلم أنه شيء يذهب عنه، وتأكد ذلك بالإذن له في نفخهما فطارا، فعرف أنه لا ينسب لهما أمر، وأن كلامه بالوحي الذي جاء به يزيلهما من موضعهما.
الحواشي
(١) حياته ﷺ كما مر وأما مسيلمة، فادعى النبوة في حياته ﷺ لكن لم تعظم شوكته، ولم تقع محاربته إلا في عهد أبي بكر، فإما أن يحمل ذلك على التغليب، وإما أن يكون المراد بقوله بعدي أي بعد نبوتي.
قال العيني: في نظره نظر، لأن كلام ابن عباس يصدق على خروج مسيلمة بعده ﷺ ، وأما كلامه في حق الأسود، فمن حيث أن أتباعه ومن لاذ به تبعوا سبيله وقووا شوكته، فأطلق عليه الخروج بعده بهذا الاعتبار، كذا قال، وهو كلام يضحك منه، فإن قوله يصدق على خروج مسيلمة بعده تقرير لقول الحافظ، يحمل على التغليب وقوله: وأما كلامه ... إلخ، فإنما يتم أن ثبت أن أتباعه بعد قتله استمروا على ما كانوا عليه معه وأتى به، ولذا قال المصنف عقب نقله. انتهى.
فليتأمل "قال المهلب: هذه الرواية ليست على وجهها" أي ظاهرها، "وإنما هي ضرب من المثل، وإنما أول النبي ﷺ السوارين بالكذابين، لأن الكذب وضع الشيء في غيره موضعه" تفسير باللازم وإلا فهو لغة الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عمدا أو خطأ، "فلما رأى في ذراعيه سوارن من ذهب، وليس من لبسه" أي مما يليق به ويلبسه، ولم يسبق له لبسهما، "لأنهما من حلية النساء، عرف أنه سيظهر من يدعي ما ليس له" فهو كاذب، "وأيضا ففي كونهما من ذهب، والذهب نهي عن لبسه" تحريما "دليل على" وجود "الكذب" إذ محال أن يلبس ما نهى عنه، "وأيضا: فالذهب مشتق من الذهاب، فعلم أنه شيء يذهب عنه، وتأكد ذلك بالإذن له في نفخهما، فطارا، فعرف أنه لا ينسب لهما أمر، وأن كلامه بالوحي الذي جاء به يزيلهما عن موضعهما" وفي ذلك إشارة إلى حقارة أمرهما، لأن شأن الذي ينفخ فيه فيذهب بالنفخ أن يكون في غاية الحقارة، قاله بعضهم، ورده ابن العربي، بأن أمرهما كان في غاية الشدة، لم ينزل بالمسلمين قبله مثله، قال الحافظ: وهو كذلك، لكن الإشارة إنما هي إلى الحقارة المعنوية لا الحسية، ويتجه في تأويل نفخهما أنه قتلهما بريحه، لأنهстр. 4502
وقال ابن العربي: كان النبي ﷺ يتوقع بطلان أمر مسيلمة والعنسي، فأول الرؤيا عليهما ليكونا ذلك، إخراجا للمنام عليهما، فإن الرؤيا إذا عبرت خرجت, ويحتمل أن يكون بوحي.
والمراد بـ"خزائن الأرض" الذي ذكرها، ما فتح على أمته من الغنائم، ومن ذخائر كسرى وقيصر وغيرهما، ويحتمل معادن الأرض التي فيها الذهب والفضة.
وقال القرطبي: إنما كبر عليه السواران لكون الذهب من حلية النساء، وما حرم على الرجال، وفي طيرانهما إشارة إلى اضمحلال أمرهما، ومناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا أن أهل صنعاء وأهل اليمامة كانوا مسلمين، فكانوا كالساعدين للإسلام، فلما ظهر فيهما الكذابان، وبهرجا على أهلهما بزخرف أقوالهما ودعاويهما الباطلة انخدع أكثرهم بذلك، فكأن الدين بمنزلة البلدين، والسوارين بمنزلة الكذابين، وكونهما من ذهب إشارة إلى ما زخرفا من الكذب، والزخرف من أسماء الذهب.
الحواشي
(١) لم يغزهما بنفسه أما الأسود، فقتله فيروز الصحابي في مرض موته ﷺ على الصحيح، وأما مسيلمة، فقتل في خلافة الصديق.
"وقال ابن العربي: كان النبي ﷺ يتوقع بطلان أمر مسيلمة والعنسي، فأول" أي حمل "الرؤيا عليهما، فيكون ذلك إخراجا للمنام عليهما، فإن الرؤيا إذا عبرت خرجت" أي وقعت على الوجه الذي عبرت به، "ويحتمل أن يكون" تعبيره إياها بهما "بوحي" أوحى إليه بتعيينهما، "والمراد بخزائن الأرض التي ذكرها ما فتح على أمته من الغنائم، ومن ذخائر كسرى وقيصر وغيرهما، ويحتمل معادن الأرض التي فيها الذهب والفضة" وقال غيره: بل يحمل على أعم من ذلك.
"وقال القرطبي" أبو العباس في المفهم: "إنما كبر عليه السواران، لكون الذهب من حلية النساء، ومما حرم على الرجال" فلا يليق ذلك بعلي مقامه، "وفي طيرانهما إشارة إلى اضمحلال أمرهما" وعدم ثباته، "ومناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا أن أهل صنعناء وأهل اليمامة كانوا مسلمين، فكانوا كالساعدين" تثنية ساعد، ما بين المرفق والكتف مذكر "للإسلام، فلما ظهر فيهما الكذابان، وبهرجا" زورا وزخرفا "على أهلهما بزخرف أقوالهما" المفسد لعقولهما "ودعاويهما الباطلة، انخدع أكثرهم بذلك، فكأن اليدين" الشريفتين اللتين وضع فيهما السواران "بمنزلة البلدين و"كأن "السوارين بمنزلة الكذابين، وكونهما من ذهب إشارة إلى ما زخرفا" أي حسنا "من الكذب، والزخرف من أسماء الذهب" ولذا قال: "اللذين أنا بينهما"،стр. 4503
وقال أهل التعبير: من رأى أنه يطير، فإن كان إلى جهة السماء تعريجا ناله ضرر، وإن غاب في السماء ولم يرجع مات، وإن رجع أفاق من مرضه، وإن كان يطير عرضا سافر ونال رفعة بقدر طيرانه.
ومن ذلك: رؤيته ﷺ المرأة السوداء الثائرة الرأس، وتعبيرها بنقل وباء المدينة إلى الجحفة.
روى البخاري من حديث عن عبد الله بن عمر، أن النبي ﷺ قال: "رأيت في المنام امرأة سوداء ثائرة الرأس، خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة -وهي
الحواشي
(١) "وقال أهل التعبير: من رأى أنه يطير، فإن كان إلى جهة السماء تعريجا" أي ارتفاعا، والتكثير للمبالغة، لكن لفظ الفتح إلى جهة السماء بغير تعريج، وتبع المصنف في الشرح، "ناله ضرر وإن غاب في السماء ولم يرجع مات، وإن رجع أفاق من مرضه" إن كان مريضا، "وإن كان يطير عرضا سافر ونال رفعة بقدر طيرانه" زاد في الفتح: فإن كان بجناح، فهو مال أو سلطان يسافر في كنفه، وإن كان بغير جناج دل على التحذير مما يدخل فيه، وقالوا: إن الطيران للشرار دليل رديء. انتهى.
وقال بعضهم: من رأى عليه سوارين من ذهب، أصابه ضيق في ذاته مدة، فإن كانا من فضة فهو خير من الذهب، وليس يصلح للرجال في المنام من الحلي إلا التاج والقلادة والعقد والخاتم.
قال الحافظ في المغازي: ويؤخذ من هذه القصة منقبة للصديق؛ لأنه ﷺ تولى نفخ السوارين بنفسه حتى طارا، فأما الأسود فقتل في زمنه، وأما مسيلمة فكان القائم عليه حتى قتل أبو بكر، فقام مقامه ﷺ في ذلك، ويؤخذ منه أن السوار وسائر آلات الحلي اللائقة بالنساء تعبر للرجال بما يسوءهم ولا يسرهم، ولله أعلم.
"ومن ذلك" أي مرائيه وتعبيراته "رؤيته ﷺ المرأة السوداء الثائرة الرأس" "بمثلثة من ثار الشيء إذا انتشر". "وتعبيرها بنقل وباء المدينة" "بالمد والقصر" مرضها العام لا الطاعون، لأنه لم يدخلها "إلى الجحفة" "بضم الجيم وسكون المهملة" الميقات المعلوم.
"روى البخاري" في التعبير من ثلاثة طرق، "من حديث" موسى بن عقبة، عن سالم، "عن" أبيه "عبد الله بن عمر" ﵄ "أن النبي ﷺ قال: "رأيت في المنام امرأة". وفي رواية: "كأن امرأة". "سوداء ثائرة الرأس"، "بمثلثة"، أي منتفش شعر رأسها، ولأحمد وأبي يعلى عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة: "ثائرة الشعر تفلة". والمراد شعر الرأس وتفلة، "بفتح الفوقية وكسر الفاء ولام"، أي كريهة الرائحة "خرجت من المدينة" النبوية، كذا في أكثرстр. 4504
الجحفة- فأولت ذلك أن وباء المدينة نقل إليها".
وهذا من قسم الرؤيا المعبرة، وهي مما ضرب به المثل ووجه التمثيل أنه شق من اسم السوداء: السوء والداء، فتأول خروجها بما جمع اسمها، وتأول من ثوران شعر رأسها أن الذي يسوء ويثير الشر يخرج من المدينة.
وقال القيرواني من أهل التأويل: كل شيء غلبت السوداء في أكثر
الحواشي
(١) الروايات.
وفي رواية ابن أبي الزناد: أخرجت بزيادة همزة مضمومة أوله على البناء للمجهول، ولفظه: أخرجت من المدينة، فأسكنت بالجحفة وسارت "حتى قامت" أي انتصبت قائمة حين وصولها "بمهيعة" "بفتح الميم وسكون الهاء فتحتية مفتوحة فعين مهملة" وقيل: بوزن عظيمة، ثم استقرت فيها كما يفيده التعبير بأسكنت في تلك الرواية.
قال الحافظ: وأظن قوله: "وهي الجحفة" مدرجا من قول موسى بن عقبة، فإن أكثر الروايات عنه خلا عن هذه الزيادة، وثبتت في رواية سليمان، يعني ابن بلال عن موسى عند البخاري، وابن جريج عن موسى عند ابن ماجه، إلا أنه قال بالمهيعة.
قال ابن التين: ظاهر كلام الجوهري أن مهيعة تصرف، لأنه أدخل عليها الألف واللام، إلا أن يكون أدخلهما للتعظيم وفيه بعد، انتهى.
وجزم السيوطي بأنه مدرج منه، "فأولت ذلك أن وباء المدينة نقل إليها" أي نقل من المدينة الجحفة لعدوان أهلها وأذاهم للناس، وكانوا يهودا وترجم البخاري على هذا الحديث باب: إذا رأى أنه أخرج الشيء من كورة "بضم الكاف وسكون الواو، بعدها راء مفتوحة فهاء تأنيث" أي: ناحية.
قال الحافظ: ظاهر الترجمة أن فاعل الإخراج النبي ﷺ وكأنه نسبه إليه لأنه دعا به حيث قال: "اللهم حبب إلينا المدينة، وانقل حماها إلى الجحفة"، "وهذا" كما قال المهلب "من قسم الرؤيا المعبرة، وهي مما ضرب به المثل ووجه التمثيل أنه شق" أي قطع، أي أخذ "من اسم السوداء" جزئين "السوء والداء فتأول خروجهما بما جمع" هو، أي الجزآن "اسمها" فهو بالنصب مفعول، أو بالرفع والمفعول محذوف، أي بما جمعه اسمها، "وتأول من ثوران شعر رأسها أن الذي يسوء ويثير الشر يخرج من المدينة" "بفتح التحتية وضمها".
"وقال" علي "القيرواني، من" علماء "أهل التأويل: كل شيء غلبت عليه السوداء في أكثر وجوهها فهو مكروه" أي رؤياه تدل على مكروه، "وقال غيره: ثوران الرأس يؤولстр. 4505
وجوهها فهو مكروه، وقال غيره: ثوران الرأس يؤول بالحمى لأنها تثير البدن بالاقشعرار وبارتفاع الرأس، لا سيما من السوداء لأنها أكثر اسيتحاشا.
ومن ذلك: رؤيته ﵊ أنه في درع حصينة وبقرا ينحر وتعبير ذلك.
عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "رأيت من المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة
الحواشي
(١) بالحمى، لأنها تثير البدن بالاقشعرار وبارتفاع الرأس، لا سيما من السوداء، لأنها أكثر استيحاشا" وعبارة الحافظ في حكاية هذا، وقيل: لأن ثوران الشعر من اقشعرار الجسد، ومعنى الاقشعرار: الاستيحاش، فلذلك يخرج ما يستوحش النفوس منه، كالحمى قلت: وكأن مراده بالاستيحاش أن رؤيته موحشة، وإلا فالاقشعرار في اللغة تجمع الشعر وتقبضه وكل شيء تغير عن هيئته، يقال: اقشعر كاقشعرت الأرض بالجدب والنبات من العطش، وقد قال القيرواني: فذكر كلامه استشهادا لما ترجاه وهو حسن.
"ومن ذلك رؤيته ﵊ أنه في درع حصينة" صفة درع الحديد، لأنها مؤنثة عند الأكثر، "و" رؤيته "بقرا" "بالنصب" في نسخ وهي ظاهرة، وفي أخرى: وبقر بالجر، أي: وفي بقر، أي: مع بقر "ينحر، وتعبير ذلك عن أبي موسى" عبد الله بن قيس الأشعري، "عن النبي ﷺ " قال: "رأيت في المنام أني أهاجر" بضم الهمزة "من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي" "بفتح الهاء" أي وهمي واعتقادي، قاله عياض وتبعه النووي، وجزم به الحافظ في الهجرة، وقال: هنا قال ابن التين: وبه رويناه والذي عند أهل مكة "بسكون الهاء" قال: ولعل الرواية على نحو قولهم في البحر بحر بالتحريك، ونهر ونهر، وشعر وشعر. انتهى.
وجزم في النهاية "بسكون الهاء" ولعله رواية قليلة، وقد يشعر به قول المصنف في علامات النبوة "بفتح الواو والهاء" وقد تسكن، وبه جزم في النهاية "إلى أنها اليمامة": بلاد الجو بين مكة واليمن، "أو هجر"، "بفتح الهاء والجيم" غير مصروف، قاعدة أرض البحرين، أو بلد باليمن، قاله المصنف.
وفي القاموس: مذكر مصروف، وقد يؤنث بلد باليمن واسم لجميع أرض البحرين، ورواه أبو ذر والأصيلي وابن عساكر الهجر بزيادة أل "فإذا هي" مبتدأ، وإذ للمفأجاة "المدينة" خبر "يثرب" اسمها في الجاهلية، فأتى به للبيان، أي التي تسمونها يثرب، ألا تراه قال قبل المدينة: فلا ينافي نهيه عن تسميتها بذلك، أو كان ذلك قبل نهيه، قاله عياض، قال: وفيه خروج الرؤيا على وجهها لهجرته ﷺ إلى أرض بها نخل، وهي المدينة.стр. 4506
يثرب، ورأيت فيها بقرا، والله خير، وإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير بعد، وثواب الصدق الذي أتانا الله بعد يوم بدر". رواه
الحواشي
(١) قال القرطبي: ولم يجزم بأحد البلدين، وليس في الرؤيا ما يدل على تعيين أحدهما، وإنما ذهب وهله إلى أحدهما لكثرة ما بهما من النخل.
وفي الصحيح مرفوعا: "أريت دار هجرتكم بين لابتين". قال الزهري: وهما الحرتان، قال ابن التين: رأى ﷺ دار هجرته بصفة تجمع المدينة وغيرها، ثم رأى الصفة المختصة بالمدينة فتعينت، قال أبو عبد الله الأبي: فإن قيل: رؤياه حق، وقد ظن أحد البلدين ولم يتفق ذلك، أجيب بحضرة الشيخ حين أورد السؤال، بأن معنى كونها حقا، أنها ليست حلما من الشيطان، وأما باعتبار المطابقة فقد لا تجب المطابقة، ولم ينكره الشيخ، وأجاب هو، بأن الوهل يحتمل أن يكون أول حركة الذهن إلى التفسير، ثم لم يتماد عليه، ثم الوهل يحتمل أنه في النوم ويحتمل في اليقظة، انتهى.
ومراده بالشيخ الإمام محمد بن عرفة شيخه "ورأيت فيها" أي الرؤيا، اختصر الحديث تبعا للبخاري في التعبير، وإلا فقبل هذا في البخاري في علامات النبوة.
وفي مسلم: ورأيت في رؤياي هذه سيفا، فذكر ما يأتي، وقال عقبه: ورأيت فيها "بقرا"، "بموحدة وقاف" $"والله خير" "مبتدأ وخبر".
قال عياض: رويناه برفعهما، ومعناه عند الأكثر، أي ثواب الله للمقتولين خير لهم من مقامهم في الدنيا، وقيل: المعنى صنع الله خير لهم وهو قتلهم يوم أحد، قال الأبي: وعلى التقديرين، فارتفاعهما على المبتدأ والخبر، ويحتمل أنه على اعتبار العوض بالنصر، كما يقال: في الله عوض من كل هالك.
قال عياض: وقيل فيه تقديم وتأخير، والتقدير: رأيت والله بقرا ينحر، والاسم مخفوض على القسم، وبهذا اللفظ جاء في رواية السيرة، وسمي خيرا على التفاؤل وإن كان مكروها في الظاهر، أو باعتبار عقباه، كما يقول العابر لمن قص عليه رؤياه خير، والأولى قول من قال: والله خير من جملة الرؤيا، وأنها كلمة ألقيت إليه، وسمعها عند رؤياه بدليل قوله: وإذا الخير ... إلخ. انتهى.
"وإذا هم النفر"، "بفتح النون والفاء"، "من المؤمنين" الذين استشهدوا "يوم أحد".
قال القرطبي: أخذ النفر من لفظ بقر مصحفا، إذ لفظهما واحد ليس بينهما إلا النقط، يعني: والتصحيف من وجوه التأويل، وهذا لفظ مسلم ولفظ البخاري في المواضع كلها، فإذا هم المؤمنون يوم أحد، "وإذ الخير ما جاء الله به من الخير بعد".стр. 4507
البخاري ومسلم.
وقد روى الإمام وغيره عن جابر: أن النبي ﷺ قال: "رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت بقرا تنحر، فأولت الدرع الحصينة المدينة، والبقر بَقْرًا".
وهذه اللفظة الأخيرة وهي "بقر" الموحدة، وسكون القاف، مصدر بقره يبقره بقرا.
الحواشي
(١) قال عياض: صحت الرواية فيها أنها بالضم مقطوعة عن الإضافة، أي بعد ما أصيبوا يوم أحد، "وثواب الصدق" أي صدق الوعد مع قريش يوم أحد على الاجتماع ببدر في العام القابل، فخرج ﷺ إليها، وجبنت قريش فما خرجوا إليها "الذي أتانا"، "بالمد"، أي أعطانا "الله بعد يوم بدر" أي بدر الموعد، وهي الثالثة، وربما عبر عنها بالثانية، ولفظ الجلالة ثابت في الصحيحين، فلا عبرة بسقوطها في غالب نسخ المصنف.
قال عياض: صحت رواية في بعد "بالنصب" مضافة ليوم بدر، فهما أمران مختلفان أوتيهما في وقتين مختلفين، فيستحيل أن يكون المراد بيوم بدر، الغزوة الكبرى لتقدمها على أحد في رمضان سنة اثنتين، وأحد في شوال سنة ثلاث، فتعين أنها بدر الثانية في شوال سنة أربع.
"رواه البخاري" مفرقا في التعبير: وغزوة بدر، وغزوة أحد، وعلق أوله في الهجرة، وساقه تاما في علامات النبوة، لكنه في الجميع شك في رفعه، فيقول: أرى عن النبي ﷺ .
قال الحافظ: قائل ذلك هو البخاري، كأنه شك هل سمع من شيخه صيغة الرفع أم لا؟
"و" أخرجه "مسلم" وأبو يعلى عن أبي كريب شيخ البخاري، فيه: فلم يترددا، بل جزما برفعه إلى النبي ﷺ ، "وقد روى الإمام أحمد وغيره" النسائي وابن سعد بإسناد صحيح، "عن جابر أن النبي ﷺ قال: رأيت كأني في درع حصينة" منيعة، تمنع عن لابسها الأذى، "ورأيت بقرا" فزاد على السابقة: "تنحر" وبه يتضح التأويل.
وفي حديث ابن عباس: تذبح، "فأولت الدرع الحصينة المدينة" فهذا أيضا زيادة على السابق "و" أولت "البقر" "بفتحتين"، "بقرا"، "وهذه اللفظة الأخيرة، وهي بقر: "بفتح الموحدة وسكون القاف" مصدر بقره يبقره" كقتله يقتله، أي شق بطنه "بقرا" يكون فينا، قال: فكان من أصيب من المسلمين، كما زاد في حديث ابن عباس: ومنهم من ضبطها "بفتح النون والفاء"؛ لأن من وجوه التأويل التصحيف، ولفظ بقر مثل لفظ نفر "بنون وفاء" خطأ.
ويؤيده رواية مسلم: وإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد كما مر، قيل: إنما أول البقر بمن قتل، لأن البقر متسلحة بقرونها، وبها يدفع ويناطح بعضها بعضا، فأشبهت رجال الحرب، وخص القتل بأصحابه، وليس في الرؤيا دليل ظاهر على تخصيصهم، لأن البقر قد يعبر بها عن أهلстр. 4508
ولهذا الحديث سبب جاء بيانه في حديث ابن عباس عند أحمد أيضا والنسائي والطبراني، وصححه الحاكم من طريق أبي الزناد عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس في قصة أحد، وإشارة النبي ﷺ أن لا يبرحوا من المدينة، وإيثارهم الخروج طلبا للشهادة ولبسه اللأمة وندامتهم على ذلك، وقوله ﷺ : "لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل". وفيه: "إني رأيت أني في درع حصينة" الحديث، بنحو حديث جابر، وأتم منه، وقد تقدمت الإشارة إليه في غزوة أحد من المقصد الأول.
والمراد بقوله: "وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر" فتح خيبر ثم مكة، أي ما جاء الله به بعد بدر الثانية من تثبيت قلوب المؤمنين.
الحواشي
(١) الحرب والبادية ومن يثير الأرض، لأنها تثيرها، ولأن الذكر منها ثور، وهذه صفة أصحابه الأنصار لاشتغالهم بالزراعة، وليست صفة غيرهم من قريش، أو لأن أصحابه الثائرين معه على الحرب، كذلك لتحريكهم جهتهم من الأرض، وقلبهم ظاهرها وباطنها.
قاله عياض: "ولهذا الحديث سبب، جاء بيانه في حديث ابن عباس عند أحمد أيضا، والنسائي والطبراني، وصححه الحاكم من طريق أبي الزناد" "بكسر الزاي وخفة النون" اسمه عبد الله بن ذكوان، "عن عبيد الله" "بضم العين" "ابن عبد الله" "بفتحها" "ابن عتبة" "بضمها وإسكان الفوقية" "عن ابن عباس في قصة أحد، وإشارة النبي ﷺ أن لا يبرحوا" يخرجوا "من المدينة وإيثارهم" تقديمهم "الخروج طلبا للشهادة ولبسه" ﷺ "اللأمة" "بهمزة ساكنة"، ويجوز تخفيفه الدرع، "وندامتهم على ذلك" بعدما دخل بيته، وقول بعضهم: استكرهتم رسول الله، "وقوله ﷺ " حين خرج وعرضوا عليه القعود "لا ينبغي" لا يجوز "لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل" أو يحكم الله بينه وبين عدوه، وفيه: "إني رأيت أن في درع حصينة، الحديث بنحو حديث جابر" المذكور قبله، "وأتم منه" سياقا، "وقد تقدمت الإشارة إليه في غزوة أحد من المقصد الأول".
"والمراد بقوله": "وإذا الخير ما جاء الله به من الخير، وثواب الصدق الذي آتانا"، "بالمد" أعطانا "الله بعد يوم بدر". فتح خيبر وقريظة، "ثم مكة"، "أي ما جاء الله به بعد بدر الثانية" التي بعد أحد، وتسمى بدر الموعد، لتواعدهم عليها بعد فراغ غزوة أحد "من تثبيت قلوب المؤمنين" لأن الناس جمعوا لهم، فزادهم إيمانا وفرق العدو من هيبتهم، فلم يأتوها وأخلفوا الموعد.стр. 4509
قال في فتح الباري: وفي هذا السياق إشعار بأن قوله في الخبر: "والله خير" من جملة الرؤيا. قال: والذي يظهر لي أن لفظ "والله خير" لم يتحرر إيراده، وأن رواية ابن إسحاق هي المحررة، وأنه رأى بقرا ورأى خيرا، فأول البقر على من قتل من الصحابة، يوم أحد، وأول الخير على ما حصل لهم من ثواب الصدق في القتال والصبر على الجهاد يوم بدر وبعده إلى فتح مكة، والمراد بالبعدية على هذا لا يختص بما بين بدر وأحد نبه عليه ابن بطال.
ومن ذلك رؤيته ﵊ أنه أتى برطب. روى مسلم عن أنس
الحواشي
(١) "قال في فتح الباري: وفي هذا السياق إشعار، بأن قوله في الخبر" أي الحديث: "والله خير من جملة الرؤيا" زاد الفتح في المغازي، كما جزم به عياض وغيره، "قال" في الفتح هنا: "والذي يظهر لي أن لفظ الله خير لم يتحرر إيراده" من راويه، "وإن رواية ابن إسحاق": "إني رأيت والله خيرا، رأيت بقرا". "هي المحررة" والواو للقسم، وخيرا مفعول رأيت، "وأنه رأى بقرا ورأى خيرا، فأول البقر على من قتل من الصحابة يوم أحد، وأول الخير على ما حصل لهم من ثواب الصدق في القتال والصبر على الجهاد يوم بدر" العظمى، "وبعده إلى فتح مكة" وما اتصل به من حنين والطائف، ولم ينظروا إلى ما وقع في أحد، وفي هذا تورك على قول عياض: يستحيل أن المراد غزوة بدر الكبرى لتقدمها على أحد، لأنه لا يمتنع أنها المراد، وأن الرؤيا مؤولة بثواب القتال الواقع قبلها وبعدها، إلى آخر المغازي، كما أشار إليه بقوله: "والمراد بالبعدية على هذا لا يختص بما بين بدر وأحد" بل يم جميع المغازي "نبه عليه ابن بطال".
قال الحافظ عقبه: ويحتمل أن يريد ببدر بدر الموعد، لا الواقعة المشهورة، السابقة على أحد، فإن بدر الموعد كان بعد أحد، ولم يقع فيها قتال، وكان المشركون لما رجعوا من أحد، قالوا: موعدكم العام المقبل بدر، فخرج ﷺ ومن انتدب معه إلى بدر، ولم يحضر المشركون، فسميت بدر الموعد، فأشار بالصدق إلى أنهم صدقوا الموعد ولم يخلفوه، فأثابهم الله تعالى على ذلك بما فتح عليهم بعد ذلك من قريظة وخيبر وما بعدهما. انتهى.
وهذا الذي قدمه المصنف باختصار، بقوله: والمراد ... إلخ. هو مختار عياض كما قدمته، ومر في المغازي أن غزوات بدر ثلاثة: الأولى في طلب كرز بن جابر لما أغار على سرح المدينة، فرجع ولم يلق حربا، والثانية: الكبرى، وتسمى العظمى، والثانية, وبدر القتال، والثالثة: بدر الموعد، "ومن ذلك رؤيته ﵊، أنه أتي برطب" في المنام.
"روى مسلم عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رأيت الليلة" الذي رأيته فيстр. 4510
قال: سمعت رسول الله ﷺ : "رأيت الليلة فيما يرى النائم، كأنا في دار عقبة بن نافع فأتينا برطب من رطب ابن طاب". فأولته أن الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب، ومن ذلك: رؤيته ﵊ سيفا يهزه، وتعبيره ما روي في حديث أبي موسى أنه ﷺ قال: "ورأيت في رؤياي
الحواشي
(١) مسلم، قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم كائنا"، "بنون" المتكلم ومعه غيره "في دار عقبة"، "بالقاف"، "ابن رافع"، "بالراء" الأنصاري، الصحابي، له ذكر في هذا الحديث.
وأخرجه ابن منده من حديثه، لكنه صحف أباه، فقال ابن نافع، "بالنون"، وتعقبه أبو نعيم وله حديث آخر، وهو: "إذا أحب الله عبدا أحماه الدنيا" أخرجه أبو يعلى والحسن بن سفيان، عنه رفعه، قاله في الإصابة ملخصا: "فأتينا برطب من رطب ابن طاب" نوع من أنواع تمر المدينة، منسوب إلى ابن طاب رجل من أهلها، "فأولته أن الرفعة لنا في الدنيا" أخذا من لفظ رافع، "والعاقبة في الآخرة" أخذا من لفظ عقبة، "وأن ديننا قد طاب" أي قارب الاستقامة، ويناهي صلاحه لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] .
وقد قيل: لعل هذه الرؤيا كانت بعد أحد والخندق واستقامة الدين، ويحتمل أنها كانت قبل تبشيرا له ﷺ بما يكون من حاله وحال الدين، وتأول الرطب بالدين؛ لأنه حلو، في القلوب سهل، لأن الشريعة سمحة كملت بعد تدريج، كما أن الرطب سهل حلو، كمل بعد تدريج من الطلع، إلى أن صار رطبا، قال علماء التعبير: طرق التعبير أربعة: الاشتقاق كما تقدم، والثانية ما يعبر بمثاله ويعتبر بشكله، كدلالة متعلم الكتابة على القاضي والسلطان وصاحب السجن ورئيس السفينة، وعلى الوصي والوالد، والثالثة ما يفسره المعنى المقصود من ذلك الشيء المرئي، كدلالة فعل السفر على السفر، وفعل السوق على المعيشة، وفعل الدار على الزوجة والجارية، والرابعة: التعبير بما تقدم له ذكر في القرآن والسنة والشعر وكلام العرب وأمثالها، وكلام الناس وأمثالهم، أو خبر معروف, أو كلمة حكمة، وذلك كتعبير الخشبة بالمنافق، لقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ﴾ [المنافقون: ٤] والفأرة بالفاسق؛ لأنه ﷺ سماها فويسقة، وتعبير الزجاجة بفم المرأة لتسمية بعض الشعراء إياها بذلك، وكتعبير رؤية الأنبياء والخلفاء بما كان في أيامهم وخاص قصصهم.
قاله عياض: "ومن ذلك رؤيته ﵊ سيفا يهزه"، "بضم الهاء" من باب نصر، أي يحركه، "وتعبيره ما روي في حديث أبي موسى" السابق في وسطه، عند مسلم والبخاري في العلامات، واقتصره هنا، فذكر منه هذه القطعة، وبوب عليه: إذا رأى الشخص أنهстр. 4511
هذه أني هززت سيفا فانقطع صدره فإذا هو ما أصيب به المؤمنون يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان. فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين". رواه الشيخان.
وهذه أيضا من ضرب المثل ولما كان ﷺ يصول بالصحابة عبر عن السيف بهم، وبهمزة عن أمره لهم بالحرب، وعن القطع فيه بالقتل فيهم، وبالهمزة
الحواشي
(١) هز سيفا في المنام، وكذا فعل في غزوة أحد، لكن ذكر بقيته، وهي: "ورأيت فيها بقرا ... إلخ ". أنه ﷺ قال: "ورأيت" في رواية الكشميهني: أريت "في رؤياي هذه" التي أولها قوله: "رأيت في المنام أني أهاجر". "أني هززت"، "بفتح الهاء والزاي الأولى وسكون الثانية"، "سيفا".
وفي رواية الكشميهني: سيفي بالإضافة، وهو ذو الفقار، "فانقطع صدره" , وعن ابن إسحاق: "ورأيت في ذباب سيفي ثلما". وعند ابن سعد من مرسل عروة والبيهقي في الدلائل، موصولا عن أنس: "ورأيت سيفي ذا الفقار قد انقصم". "فإذا هو" أن تعبيره "ما أصيب به المؤمنون يوم أحد" من قتل سبعين وفي رواية عروة: كأن الذي رأى بسيفه ما أصاب وجهه.
وقال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم أنه ﷺ : قال: "وأما الثلم في لسيف، فهو رجل من أهل بيتي يقتل" ولا خلف، فإن ذلك مما أصيب به المؤمنون، فإن ساغ هذا وإلا فما في الصحيحين أصح، "ثم هززته أخرى".
قال القاضي عياض: وكذا رويناه من طريق العذري وابن هامان "بزائين" في الموضعين، يعني هذا وما قبله، قال: ووقع في طريق غيرهم في الموضعين: هززته بتشديد الزاي، وهي لغة بكر بن وائل "فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح" لمكة "واجتماع المؤمنين" وإصلاح حالهم.
قال القرطبي: يعني ما يفتح الله به بعد أحد، فإنهم لم يكلوا من الجهاد، وما ضعفوا بما أصابهم فيها، بل خرجوا صبيحتها ونزلوا حمراء الأسد، مستظهرين على عدوهم، ولم يزل أمرهم مجتمعا، وإيمانهم يعلو ويقوى.
"رواه الشيخان:" مسلم جزما برفعه في جملة الحديث المشتمل على ثلاثة أمور، والبخاري بهذه القطعة منه في التعبير، بلفظ: أراه عن النبي ﷺ "بضم الهمزة" أي أظنه، ومر قول الحافظ الشك من البخاري، ورواه مسلم وغيره جزما، عن أبي كريب محمد بن العلاء شيخ البخاري فيه، "وهذه" الرؤيا كما قال المهلب "أيضا من ضرب المثل" المحتاجة إلى التعبير، "و" وجهه أنه "لما كان ﷺ يصول" يثب "بالصحابة" على القتال "عبر عن السيف" أي أوله "بهم وبهمزة" أي عبر عنه "عن أمره لهم بالحرب، وعن القطع فيه" أي السيف، وهو تفسير للثلم،стр. 4512
الأخرى لما عاد إلى حالته من الاستواء عبر به عن اجتماعهم والفتح عليهم.
وقال أهل التعبير: السيف يصرف على أوجه، منها أن من نال سيفا فإنه ينال سلطانا، إما ولاية وإما وديعة، وإما زوجة وإما ولدا، فإن سله من غمده فانثلم سلمت زوجته وأصيب ولده، فإن انكسر الغمد وسلم السيف فبالعكس، وإن سلما أو عطبا فكذلك. وقائم السيف يتعلق بالأب والعصبات، ونعله بالأم وذوي الرحم وإن جرد السيف وأراد قتل شخص فهو لسانه يجرده في خصومة، وربما عبر السيف بسلطان جائر.
وقال بعض أهل التعبير أيضا: من رأى أنه أغمد سيفا فإنه يتزوج، أو ضرب
الحواشي
(١) "بالقتل فيهم، وبالهمزة الأخرى، لما عاد إلى حالته من الاستواء عبر به عن اجتماعهم والفتح عليهم" بالفتوحات والنصر، ونحوه قول القرطبي: هزه حمله إياهم على الجهاد, وإنما أول قطع صدره بمن قتل يوم أحد، لأنهم كانوا معظم عسكره وصدره إذا كان فيهم عمه حمزة وغيره من أشراف المهاجرين والأنصار، واقتبس صدر القوم بصدر السيف، وأول القطع الذي رأى فيه بقطع أعمال المقتولين.
وقال عياض: هذه الرؤيا بخلاف الأولى، أي رؤيا الهجرة، لأن تلك خرجت على وجهها، وهذه أولها بما ذكر، لأن سيف الرجل أنصاره الذين يصول بهم كما يصول بسيفه، وقد يكون سيفه ولده، أو والده، أو أخاه، أو عمه، أو زوجته، وقد يدل على الولاية والوديعة، وعلى لسان الرجل وحجته، وعلى سلطان جائر، كل ذلك بحسب القرائن التي تصحب الرؤيا وتشهد لأحد هذه الوجوه، كما أول ذلك هنا بأصحابه لقرينة محاربتهم.
"وقال أهل التعبير: السيف يصرف" في تعبيره "على أوجه" بحسب القرائن، "منها: أن من نال سيفا، فإنه ينال سلطانا إما ولاية، وإما وديعة، وإما زوجة" ظاهرة، عزبا كان أو متزوجا ووقع في كلام المصنف تقييده بما إذا كان عزبا، "وإما ولدا، فإن سله من غمده فانثلم" "بنون فمثلثة" انكسر "سلمت زوجته وأصيب ولده، فإن انكسر الغمد وسلم السيف، فبالعكس" يسلم ولده وتموت زوجته، "وإن سلما أو عطبا فكذلك" أي يصابان معا إن عطب الغمد والسيف، ويسلمان جميعا إن سلما، "وقائم السيف يتعلق بالأب والعصبات، ونعله" الحديدة التي في أسفل غمده يتعلق بالأم وذوي الرحم" كالخالة، "وإن جرد السيف وأراد قتل شخص، فهو لسانه يجرده في خصومة، وربما عبر السيف بسلطان جائر".
"وقال بعض أهل التعبير أيضا: من رأى أنه أغمد سيفا، فإنه يتزوج، أو ضرب شخصاстр. 4513
شخصا بسيف فإنه يبسط لسانه فيه، ومن رأى أنه يقاتل آخر وسيفه أطول من سيفه فإنه يغلبه ومن رأى سيفا عظيما فهو فتنة، ومن قلد سيفا قلد أمرا، فإن كان قصيرا لم يدم أمره.
ومن ذلك: رؤياه ﵊ أنه على قليب.
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا نائم، رأيت أني على قليب، عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم استحالت غربا فأخذها
الحواشي
(١) بسيف، فإنه يبسط لسانه فيه، ومن رأى أنه يقاتل آخر وسيفه أطول من سيفه فإنه يغلبه، ومن رأى سيفا عظيما، فهو فتنة، ومن قلد سيفا قلد أمرا، فإن كان قصيرا لم يدم أمره" وإن رأى أنه يجر حمائله، فإنه يعجز عنه كما في الفتح.
"ومن ذلك رؤياه ﵊ أنه على قليب" "بفتح القاف وكسر اللام وسكون التحتية وموحدة" بئر لم يطو، "عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ " قال: "بينا" بغير ميم، كما قال المصنف في مواضع: "أنا نائم رأيت على قليب" بئر مقلوب ترابها قبل الطي، هكذا رواه سعد بن المسيب عن أبي هريرة.
وفي رواية همام، عنه: على حوض أسقي الناس، وجمع بأن الحوض هو الذي يجعل بجانب البئر لتشرب منه الإبل، فلا منافاة، وكأنه كان يملأ من البئر، فيسكب في الحوض والناس يتناولون الماء لأنفسهم ولبهائمهم "وعليها دلو، فنزعت"، "بسكون العين"، "منها ما شاء الله" أن أنزع، "ثم أخذها ابن أبي قحافة"، "بضم القاف وخفة المهملة فألف ففاء" أبو بكر الصديق عبد الله ن عثمان ﵄، "فنزع" أخرج "منها" من البئر "ذنوبا أو ذنوبين"، "بفتح المعجمة" فيهما الدلو الممتلئ، والشك من الراوي، هكذا رواه الأكثر.
وفي رواية همام وأبي يونس مولى أبي هريرة عند مسلم، كلاهما عن أبي هريرة: ذنوبين بلا شك.
قال الحافظ في المناقب: اتفق من شرح هذا الحديث على أن ذكر الذنوب إشارة إلى مدة خلافته، وفيه نظر؛ لأنه ولي سنتين وبعض سنة، فلو كان ذلك المراد، لقال: ذنوبين أو ثلاثة، والذي يظهر أن ذلك إشارة إلى ما فتح في زمانه من الفتوح الكبار، وهي ثلاثة ولذا لم يتعرض في ذكر عمر إلى عدد ما نزعه من الدلاء، وإنما وصف بالعظمة إشارة إلى كثرة ما وقع في خلافته من الفتوحات، وفي الأم للشافعي: معنى قوله: "وفي نزعه ضعف" قصر مدته وعجلة موته وشغله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح والازدياد، الذي بلغه عمر في طول مدته، فجمع ماстр. 4514
عمر بن الخطاب، فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع ابن لخطاب حتى ضرب الناس بعطن".
وعبقري القوم: سيدهم وكبيرهم وقويهم.
وفي رواية: "فلم يزل ينزع حتى تولى الناس والحوض يتفجر".
وفي رواية: "وأتاني أبو بكر فأخذ الدلو من يدي ليريحني".
الحواشي
(١) تفرق في كلام غيره.
ويؤيده حديث ابن مسعود عند الطبراني، فقال ﷺ : "ما عبرتها يا أبا بكر؟ "، قال: إليّ الأمر من بعدك، ثم يليه عمر، قال: "كذلك عبرها الملك". وفيه أيوب بن جابر، وهو ضعيف، "والله يغفر له" إشارة إلى أن ضعفه المراد به الرفق غير قادح فيه، أو المراد بالضعف ما وقع في أيامه من أمر الردة واختلاف الكلمة، إلى أن اجتمع ذلك في أواخر أيامه، وتكمل في زمان عمر، وإليه الإشارة بالقوة.
وفي حديث سمرة أن رجلا قال: يا رسول الله رأيت كأن دلوا من السماء دليت، فجاء أبو بكر فشرب شربا ضعيفا، ثم جاء عمر فشرب حتى تضلع، ففي هذه إشارة إلى بيان المراد بالنزع الضعيف والنزع القوي، "ثم استحالت" أي تحولت الدلو "غربا"، "بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وموحدة" أي دلوا عظيما، "فأخذها عمر بن الخطاب فلم أر عبقريا" أي سيدا عظيما قويا "من الناس ينزع نزع ابن الخطاب حتى ضرب الناس بعطن"، "بفتح المهملتين آخره نون" ما يعد للشرب حول البئر من مبارك الإبل، والمراد شربت الإبل بعطن بأن بركت، والعطن للإبل كالوطن للناس، لكن غلب على مبركها حول الحوض.
"وعبقري القوم سيدهم وكبيرهم وقويهم" وقيل: الأصل أن عبقر أرض تسكنها الجن فيما يزعمون، فكما رأوا شيئا فائقا غريبا مما يصعب علمه ويدق، أو ينشأ عظيما في نفسه، نسبوه إليه، ثم اتسع فيه، فسمي به السيد والكبير والقوي، وهو المراد هنا.
"وفي رواية" عند البخاري، عن همام، عن أبي هريرة: "فأتى ابن الخطاب، فأخذ منه، فلم يزل ينزع" يستخرج الماء من البئر بالدلو "حتى تولى الناس" أعرضوا "والحوض يتفجر" يتدفق منه الماء ويسيل.
"وفي رواية" هي رواية همام المذكورة: "وأتاني أبو بكر، فأخذ الدلو من يدي ليريحني من التعب، فنزع ذنوبين، وفي نزعه ضعف والله يغفر له، فأتى ابن الخطاب فأخذ" ... إلخ، فلو قال المصنف: وفي رواية: وأتاني أبو بكر، فأخذ الدلو من يدي ليريحني، إلى أن قال في عمر: فلم يزل ينزع ... إلخ، كان أحسن، لأن كلامه يوهم أنهما روايتان.стр. 4515
وفي رواية موسى عن سالم عن أبيه: "رأيت الناس اجتمعوا فقام أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم قام ابن الخطاب فاستحالت غربا، فما رأيت من الناس يفري فريه حتى ضرب الناس بعطن". رواه البخاري.
قال النووي: قالوا هذا المنام مثال لم جرى للخليفتين، من ظهور آثارهما
الحواشي
(١) "وفي رواية موسى" بن عقبة "عن سالم" بن عبد الله بن عمر "عن أبيه" مرفوعا: "رأيت الناس" في المنام "اجتمعوا" على بئر "فقام أبو بكر" في هذه الرواية اختصار.
وفي رواية نافع عن ابن عمر عند البخاري قال: قال ﷺ : "بينما أنا على بئر أنزع منها، جاءني أبو بكر وعمر، فأخذ أبو بكر الدلو".
وفي رواية أبي بكر بن سالم، عن أبيه، عن جده مرفوعا عند البخاري أيضا: "أريت في المنام أني أنزع بدلو بكرة على قليب، فجاء أبو بكر، فنزع" أبو بكر "ذنوبا أو ذنوبين" شك الراوي "وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم قام ابن الخطاب".
وفي رواية نافع: "ثم أخذها ابن الخطاب من يد أبي بكر". "فاستحالت" تحولت الدلو "غربا" أي انقلبت من الصغرى إلى الكبرى، "فما رأيت من الناس" وللكشميهيني: "فما رأيت في الناس"، وفي رواية نافع: "فلم أر عبقريا من الناس يفري"، "بفتح التحتية وسكون الفاء وكسر الراء"، "فريه"، "بفتح الفاء وسكون الراء وتخفيف التحتية" ولأبي ذر: من يفري فريه "بكسر الراء وشد التحتية" أي يعمل عملا جديا صالحا عجيبا، كذا قاله المصنف هنا، لكن قال الحافظ في المناقب: روي فريه "بسكون الراء" وخطأه الخليل. انتهى.
وهو مخالف لقول عياض: ضبطناه "بسكون الراء وبكسرها وتشديد الياء" وأنكر الخليل التشديد وخطأ قائله، والمعنى: يعمل عمله ويقوى قوته، وأصل الفري القطع، يقال: فلان يفري الفرى، أي يعمل العمل البالغ، ومنه: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ ، أي عظيما، يقال: فريت إذا قطعت على وجه الصلاح، وأفريت إذا فعلت الفساد، "حتى ضرب الناس بعطن", "بفتحتين"، أي رويت إبلهم.
وعند البخاري في المناقب من طريق أبي بكر بن سالم، عن أبيه، عن جده: حتى روى الناس، وضروبا بعطن، وهو عند أبي بكر بن أبي شيبة بلفظ: فما قب عمر حتى روى الناس وضربوا بعطن، وأقامت في مكانها حتى بركت، "رواه" أي المذكور من حديثي أبي هريرة بالروايتين، "وابن عمر "والبخاري" في مواضع من التعبير والمناقب من طرق وروى الحديثين أيضا مسلم في الفضائل من طرق.
"قال النووي قالوا:" أي: العلماء ومراده العز، ولجمع لا التبري، "هذ المنام مثال لماстр. 4516
الصالحة، وانتفاع الناس بهما، وكل ذلك مأخوذ من النبي ﷺ ، لأنه صاحب الأمر، فقام به أكمل مقام، وقرر قواعد الدين، ثم خلفه أبو بكر فقاتل أهل الردة وقطع دابرهم، ثم خلفه عمر فاتسع الإسلام في زمنه. فشبه أمر المسلمين بقليب فيه الماء الذي فيه حياتهم وصلاحهم، وأميرهم المسقي لهم منها، وفي قوله: "فأخذ الدلو من يدي ليريحني" إشارة إلى خلافة أبي بكر بعد موته ﷺ ، لأن الموت راحة من كد الدنيا، وتعبها، فقام أبو بكر بتدبير أمر الأمة ومعاناة أحوالهم. وأما قوله: "وفي نزعه ضعف" فهو إخبار عن حاله في قصر مدة ولاته، وأما ولاية
الحواشي
(١) جرى للخليفتين من ظهور آثارهما الصالحة وانتفاع الناس بهما، وكل ذلك مأخوذ من النبي ﷺ ، لأنه صاحب الأمر، فقام به أكمل مقام، وقرر قواعد الدين" وفتح الله على يديه أمصار الكفر، مكة وخيبر والمدينة والبحرين وسائر جزيرة العرب، وأرض اليمن بكمالهما، وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل والمقوقس وملوك عمان، والنجاشي الذي ملك بعد أصحمة، "ثم خلفه، أبو بكر، فقاتل أهل الردة وقطع دابرهم" فلما فرغ منهم أخذ في قتال الكفار، ففتح على يديه بصرى ودمشق وبلاد حوران وما والاها، "ثم خلفه عمر، فاتسع الإسلام في زمنه" ففتح على يديه البلاد الشامية كلها، ومصر والعراق وأكثر أقليم فارس، وكسر كسرى وفر إلى أقصى مملكته وفر هرقل إلى القسطنطينية، "فشبه أمر المسلمين بقليب" بئر "فيه الماء الذي فيه حياتهم وصلاحهم وأميرهم المسقي لهم منها".
وقال البيضاوي: أشار بالبئر إلى الدين الذي هو منبع ما به حياة النفوس وتمام أمر المعاش والمعاد، والنزع منه إخراج الماء إشارة إلى إشاعة أمره وإجراء أحكامه.
"وفي قوله: فأخذ الدلو من يدي ليريحني إشارة إلى خلافة أبي بكر بعد موته ﷺ لأن الموت راحة من كد الدنيا وتعبها" خصوصا لمثله، ولذا لما قالت فاطمة في مرض موته: واكرب أبتاه، قال ﷺ : "لا كرب على أبيك بعد اليوم". "فقام أبو بكر بتدبير أمر الأمة ومعاناة أحوالهم" أتم قيام.
وفي حديث: "أنا سيف الإسلام وأبو بكر سيف الردة".
"وأما قوله: "وفي نزعه ضعف". فهو إخبار عن حاله في قصر مدة ولايته" لأنها كانت سنتين وثلاثة أشهر، والاضطراب الذي وجد في زمنه من أهل الردة وفزارة وغطفان وبني يربوع وبعض تميم وكندة وبكر بن وائل وأتباع مسيلمة الكذاب، وإنكار بعض الزكاة، فدعا له بالمغفرة ليتحقق السامعون أن الضعف الذي وجد في نزعه هو من مقتضى تغير الزمان، لا أن ذلك منه، لكن نسب إليه إطلاقا لاسم المحل على الحال، وهو مجاز شائع في كلام العرب، فليسстр. 4517
عمر فإنها لما طالت كثر انتفاع الناس بها واتسعت دائرة الإسلام بكثرة الفتوح وتمصير الأمصار وتدوين الدواوين، وليس في قوله: "والله يغفر له" نقص، ولا إشارة إلى أنه وقع منه ذنب، وإنما هي كلمة كانوا يقولونها. وقوله: "فاستحالت في يده غربا" أي تحولت الدلو غربا -بفتح المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة- أي: دلوا عظيمة.
وأخرج أحمد وأبو داود عن سمرة بن جندب أن رجلا قال: يا رسول الله، رأيت كأن دلوا دلي من السماء فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها فشرب شربا ضعيفا، ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب
الحواشي
(١) الضعف، وهنا في عزيمته، ولا خطأ من فضله عن عمر لقلة نزعه عن نزع عمر، بل هو إخبار عن حسن ولايته، والدعاء له بالمغفرة إعلام بأن الله جازاه على ما عاناه من حرب أهل الردة، فلا يظن أنه لتقصير وقع منه.
"وأما ولاية عمر فإنها لما طالت كثر انتفاع الناس بها واتسعت دائرة الإسلام بكثرة الفتوح وتمصير الأمصار وتدوين الدواوين، وليس في قوله: "والله يغفر له". نقص، ولا إشارة إلى أنه وقع منه ذنب وإنما هي كلمة كانوا يقولونها" يدعمون بها الكلام، أي يقومونه.
هكذا قال النووي تبعا لقول عياض: الأشبه عندي أن قوله: "والله يغفر له". دعامة للكلام ووصلة له، وقد جاء في الحديث، أنها كلمة كان المسلمون يقولونها، يقولون: افعل هذا والله يغفر لك، مثل قولهم: تربت يمينك وقاتله الله.
وقوله: "فاستحالت في يده" لم يذكرها فيما قدم، لكنها ثابتة في رواية نافع، عن ابن عمر عند البخاري "غربا"، "أي تحولت الدلو غربا بفتح المعجمة وسكون الراء، بعدها موحدة" أي: دلوا عظيمة" فتحولت من الصغر إلى الكبر.
"وأخرج أحمد وأبو داود عن سمرة" "بضم الميم" "ابن جندب" بن هلال الفزاري، حليف الأنصار، صحابي مشهور له أحاديث، مات بالبصرة سنة ثمان وخمسين "أن رجلا قال: يا رسول الله رأيت كأن دلوا دلي" بضم المهملة وشد اللام أي أرسل "من السماء" إلى الأرض، "فجاء أبو بكر، فأخذ بعراقيها" "بكسر المهملة وفتح القاف" خشبتان تجعلان على فم الدلو، متخالفتان لربط الدلو، "فشرب شربا ضعيفا" أي قليلا، "ثم جاء عمر، فأخذ بعراقيها، فشرب حتى تضلع" "بضاد معجمة" أي ملأ أضلاعه كناية عن الشبع، "ثم جاء عثمان، فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع" أي شبع، وقد طالت مدة ولايته عن عمر، وفتح في زمانه مدائن العراق وخراسان والأهواز وبلاد المغرب بتمامها، ومن المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى وباد ملكه بالكلية، "ثم جاء علي فانتشطت"، "بضم المثناة وكسر المعجمة، بعدها طاءстр. 4518
حتى تضلع، ثم جاء علي فانتشطت وانتضح عليه منها شيء.
والعراقي: جمع عرقوة، وهي الخشبة المعروضة على فم الدلو، وهما عرقوتان كالصليب، وقد: عرقيت الدلو إذا ركبت العرقوة فيها. وانتشطت: أي جذبت ورفعت.
فهي نبذة من مرائيه الكريمة ﷺ .
وأما ما رآه غيره فعبر ﷺ له بما يخص ويعم من أمور الدنيا والآخرة.
الحواشي
(١) مهملة" أي نزعت منه، فاضطرب وسقط بعض ما فيها أو كله، "وانتضح" أي رش "عليه منها شيء" قليل.
قال ابن العربي: حديث سمرة يعارض حديث ابن عمر، أو هما خبران، قال الحافظ: الثاني هو المعتمد، فحديث ابن عمر مصرح بأنه ﷺ هو الرائي، يعني: وكذا حديث أبي هريرة وحديث سمرة سابقة، فنزل الماء من السماء وهو خزانته، فاسكن في الأرض كما يقتضيه حديث سمرة، ثم أخرج منها الدلو، كما دل عليه حديث ابن عمر، أي وأبي هريرة، وفي حديث سمرة إشارة إلى نزول النصرة من السماء على الخلفاء.
وفي حديث ابن عمر إشارة إلى استيلائهم على كنوز الأرض بأيديهم، وكلاهما ظاهر في الفتح التي فتحوها، وفي حديث سمرة زيادة إشارة إلى ما وقع لعلي من الفتن والاختلاف عليه، فإن الناس أجمعوا على خلافته، ثم لم يلبث أهل الجمل أن خرجوا عليه، وامتنع معاوية في أهل الشام، ثم حاربه بصفين، ثم غلب بعد قليل على مصر، وخرجت الحرورية على علي، فلم يحصل له في أيام خلافته راحة، فضرب المنام المذكور مثالا لأحوالهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
"والعراقي جمع عرقوة" "بفتح العين وإسكان الراء وضم القاف وفتح الواو، ولا تضم العين"، قال الجوهري: لأن فعلوة إنما تضم إذا كان ثانيه نونا مثل عنصرة، "وهي الخشبة المعروضة على فم الدلو، وهما عرقوتان،" أي خشبتان تعرضان على الدلو "كالصليب، وقد عرقيت" "بتحتية ففوقية" "الدلو، إذا ركبت العرقوة فيها وانتشطت، أي جذبت" سحبت "ورفعت، فهذه نبذة" شيء قليل "من مرائيه الكريمة ﷺ " وإلا فهي كثيرة جدا "وأما ما رآه غيره، فعبره ﷺ له بما يخص" الرائي، "ويعم" أي يشمله ويشمل غيره "من أمور الدنيا والآخرة" فكثير لا يحصر، وإذا أردت بعضه "فقد كان" فجواب الشرط محذوف، والمذكور جواب شرط مقدر، إذ لا يظهر كونه جوابا للمذكور إلا أن يقال لما كان سببا لتفسير رؤيا الغير جعله جوابا،стр. 4519
فقد كان ﷺ إذا انفتل من صلاة الصبح أقبل على أصحابه فقال: "من رأى منكم الليلة رؤيا فليقصها عليّ أعبرها له"، فيقص الناس عليه مرائيهم.
وروى البخاري والترمذي عن سمرة بن جندب قال: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول لأصحابه: "هل رأى أحد منكم رؤيا"؟ فيقص عليه من شاء الله أن يقص، وأنه قال ذات غداة: "هل رأى أحد منكم رؤيا"؟، فقالوا: ما أحد رأى
الحواشي
(١) أو يقدر فيه، فهو ما تضمنه قولي: فقد كان " ﷺ إذا انفتل"، "بهمزة وصل ونون ساكنة وفاء ففوقية مفتوحتين فلام" أي التفت "من صلاة الصبح" بعد السلام وما يليه من الأذكار، ولذا لم يقل فرغ لئلا يوهم التفاته بمجرد الفراغ، "أقبل على أصحابه" أي جعل وجهه إليهم، فقال: "من رأى منكم الليلة" أي الماضية "رؤيا فليقصها علي أعبرها له"، "فيقص الناس عليه مرائيهم" أي: ما يرونه في منامهم: جمع مرأى "بفتح فسكون" وهو محل الرؤيا، فالرؤيا إدراكه في منامه، والمرأة ما تعلقت به تلك الرؤيا.
"وروى البخاري" في التعبير والجنائز تاما، وروى أطرافا منه في مواضع، ومسلم قطعة من أوله، "والترمذي" تاما، "عن سمرة بن جندب" "بضم الدال وفتحها" "قال: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول لأصحابه: "هل رأى أحد منكم" زاد في الجنائز: الليلة "رؤيا" مقصور غير منصرف، ويكتب بالألف، ولفظ البخاري كان مما يكثر.
قال الطيبي: مما خبر كان، وما موصولة، ويكثر صلته، والضمير الراجع إلى ما فاعل يقول. وقوله: أن يقول فاعل يكثر، و "هل رأى أحد منكم" هو المقول، أي رسول الله من الذين يكثر منهم هذا القول، فوضع ما موضع من تفخيما وتعظيما، كقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ ، أو تقديره كان رسول الله ﷺ يجيد تأويل الرؤيا، وكان له مساهمة فهم، لأن الإكثار من هذا القول لا يكثر إلا من تدرب فيه بإصابته، كقوله: كان زيد من العلماء بالنحو، ومنه قول صاحبي السجن ليوسف: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ، أي المجيدين في عبارة الرؤيا، وعلما ذلك لما رأياه يقص عليه بعض أهل السجن، هذا من حيث البيان، وأما من طريق النحو، فيحتمل أن قوله: "هل رأى أحد منكم من رؤيا" مبتدأ، والخبر مقدم عليه على تأول هذا القول مما يكثر رسول الله أن يقوله، ومال في الفتح إلى ترجيح الوجه السابق، والمتبادر وهو الثاني، وهو الذي اتفق عليه أكثر الشارحين "فيقص عليه من شاء الله أن يقص" "بفتح الياء وضم القاف فيهما" كذا في رواية النسفي، وفي رواية غيره: ما، وهي للمقصوص ومن للقاص، قاله كله المصنف، "وأنه قال ذات غداة" بإقحام لفظ ذات أو هو من إضافة المسمى إلى اسمه، أو من إضافة الجزء إلى الكل، وهذا أولى؛ لأن السؤال لم يقع في جميع الغداة، وعليه فهو صفة لمحذوف، أي ساعة صاحبة غداة؟стр. 4520
شيئا، قال: "لكني أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني فقالا لي: انطلق، فانطلقت فأتيا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فتثلغ رأسه"، الحديث.
وأقام ﵊ يسأل أصحابه: "هل رأى منكم الليلة أحد رؤيا"؟.
الحواشي
(١) "هل رأى أحد منكم رؤيا؟ "، فقالوا: ما منا أحد رأى شيئا، قال: "لكني أتاني الليلة آتيان"، "بمد الهمزة وكسر الفوقية" وعند ابن أبي حاتم من حديث علي: ملكان. وفي الجنائز: "رأيت الليلة رجلين أتياني". وقال في آخر الحديث: إنهما جبريل وميكائيل. قال الطيبي: وجه الاستدراك أنه كان يحب أن يعبر لهم الرؤيا، فلما قالوا: ما رأينا، كأنه قال: أنتم ما رأيتم، لكني رأيت. انتهى.
وإيضاحه أنه استدراك على ما يتوهم من أنه لو سكت لم يكن رأى شيئا ومنشأ التوهم حبه لتعبير ما يراه هو أو غيره و"الليلة" بالنصب على الظرفية، والمعنى: أتاني في الليلة الماضية، وإلا فمعلوم أنه وقت الإخبار كان في النهار لا في الليل، "وإنهما ابتعثاني" بموحدة ساكنة ففوقية فمهملة فمثلثة فألف فنون".
كذا رواه الأكثر للكشميهني انبعثا بي "بنون فموحدة وبعد الألف موحدة"، قا الجوهري: بعثه وابتعثه أرسله، وقال ابن هبيرة: معنى ابتعثاني أيقظاني، ويحتمل أن يكون رأى في المنام أنهما أيقظاه، فرأى ما رأى في المنام، ووصفه بعد أن أفاق على أن منامه كاليقظة، لكن لما رأى مثالا كشفه التعبير دل على أنه كان مناما، "فقالا لي: انطلق"، "بكسر اللام"، "فانطلقت" لفظ البخاري في التعبير: "وإنهما قالا لي انطلق، وإني انطلقت معهما".
وفي الجنائز: "رأيت الليلة رجلين أتياني، فأخذا بيدي، فأخرجاني إلى الأرض المقدسة". وعند أحمد: "إلى أرض فضاء، أو أرض مستوية".
وفي حديث علي عند ابن أبي حاتم: "فانطلقا بي إلى السماء، فأتيا على رجل مضطجع" وفي الجنائز: مستلق على قفاه "وإذا آخر قائم عليه بصخرة" وفي الجنائز: بفهر أو صخرة بالشك.
وفي حديث علي: "فمررت على ملك وأمامه آدمي، وبيد الملك صخرة يضرب بها هامة الآدمي"، "وإذا هو يهوي بالصخرة"، "بفتح أوله وكسر الواو" أي يسقط، يقال: هوى "بالفتح" يهوي هويا، سقط إلى أسفل، وضبطه ابن التين "بضم أوله" من الرباعي، يقال: أهوى من بعد، وهوى "بفتح الواو" من قرب "لرأسه، فتثلغ" الصخرة "رأسه"، "بفتح أوله وسكون المثلثة وفتح اللام فغين معجمة" أي تشدخه، وفي الجنائز: فتشدخ به، والشدخ كسر الشيء الأجوف.
وقد فسره الملكان بأنه الرجل يأخذ القرآن، فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة.
وفي الجنائز: "وأما الذي رأيت تشدخ رأسه، فرجل علمه الله القرآن، فنام عنه بالليل ولمследующие страницы →