← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

الصالحة، وانتفاع الناس بهما، وكل ذلك مأخوذ من النبي ﷺ ، لأنه صاحب الأمر، فقام به أكمل مقام، وقرر قواعد الدين، ثم خلفه أبو بكر فقاتل أهل الردة وقطع دابرهم، ثم خلفه عمر فاتسع الإسلام في زمنه. فشبه أمر المسلمين بقليب فيه الماء الذي فيه حياتهم وصلاحهم، وأميرهم المسقي لهم منها، وفي قوله: "فأخذ الدلو من يدي ليريحني" إشارة إلى خلافة أبي بكر بعد موته ﷺ ، لأن الموت راحة من كد الدنيا، وتعبها، فقام أبو بكر بتدبير أمر الأمة ومعاناة أحوالهم. وأما قوله: "وفي نزعه ضعف" فهو إخبار عن حاله في قصر مدة ولاته، وأما ولاية

стр. 4517

عمر فإنها لما طالت كثر انتفاع الناس بها واتسعت دائرة الإسلام بكثرة الفتوح وتمصير الأمصار وتدوين الدواوين، وليس في قوله: "والله يغفر له" نقص، ولا إشارة إلى أنه وقع منه ذنب، وإنما هي كلمة كانوا يقولونها. وقوله: "فاستحالت في يده غربا" أي تحولت الدلو غربا -بفتح المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة- أي: دلوا عظيمة. وأخرج أحمد وأبو داود عن سمرة بن جندب أن رجلا قال: يا رسول الله، رأيت كأن دلوا دلي من السماء فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها فشرب شربا ضعيفا، ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب

стр. 4518

حتى تضلع، ثم جاء علي فانتشطت وانتضح عليه منها شيء. والعراقي: جمع عرقوة، وهي الخشبة المعروضة على فم الدلو، وهما عرقوتان كالصليب، وقد: عرقيت الدلو إذا ركبت العرقوة فيها. وانتشطت: أي جذبت ورفعت. فهي نبذة من مرائيه الكريمة ﷺ . وأما ما رآه غيره فعبر ﷺ له بما يخص ويعم من أمور الدنيا والآخرة.

стр. 4519

فقد كان ﷺ إذا انفتل من صلاة الصبح أقبل على أصحابه فقال: "من رأى منكم الليلة رؤيا فليقصها عليّ أعبرها له"، فيقص الناس عليه مرائيهم. وروى البخاري والترمذي عن سمرة بن جندب قال: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول لأصحابه: "هل رأى أحد منكم رؤيا"؟ فيقص عليه من شاء الله أن يقص، وأنه قال ذات غداة: "هل رأى أحد منكم رؤيا"؟، فقالوا: ما أحد رأى

стр. 4520

شيئا، قال: "لكني أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني فقالا لي: انطلق، فانطلقت فأتيا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فتثلغ رأسه"، الحديث. وأقام ﵊ يسأل أصحابه: "هل رأى منكم الليلة أحد رؤيا"؟.

стр. 4521

ما شاء الله تعالى، ثم ترك السؤال، فكان يعبر لمن قص متبرعا. واختلف النقلة في سبب تركه السؤال: فقيل: سبب ذلك حديث أبي بكرة -عند الترمذي وأبي داود- أنه ﷺ قال ذات يوم: "من رأى منكم رؤيا"؟ , فقال رجل: أنا يا رسول الله! رأيت كأن ميزانا نزل من السماء، فوزنت أنت وأبي بكر فرجحت أنت بأبي بكر، ووزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان. فرأينا الكراهة في وجه رسول الله ﷺ ، قالوا: فمن حينئذ لم يسأل النبي ﷺ أحدًا عن رؤيا. قال بعضهم: وسبب كراهته ﵊ إيثاره لستر العواقب وإخفاء المراتب، فلما كانت هذه الرؤيا كاشفة لمنازلهم مبينة لفضل بعضهم على بعض

стр. 4522

في التعيين خشي أن يتواتر ويتوالى ما هو أبلغ في الكشف من ذلك، ولله في ستر خلقه حكمة بالغة ومشيئة نافذة. وقال ابن قتيبة -فيما ذكر ابن المنير: سبب تركه السؤال حديث ابن زمل: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح قال ﷺ وهو ثاني رجليه: "سبحان الله وبحمده وأستغفر الله، إن الله كان توابا". سبعين مرة، ثم يقول: "سبعون بسبعمائة، لا خير فيمن كانت ذنوبه في يوم أكثر من سبعمائة". ثم يستقبل الناس بوجهه فيقول: "هل رأى أحد منكم شيئا؟ ". قال ابن زمل: فقلت ذات يوم: أنا يا رسول الله! قال: "خير تلقاه وشر نوقاه، وخير لنا وشر على أعدائنا والحمد لله رب العالمين اقصص رؤياك". قال: رأيت جميع الناس على طريق رحب لاحب سهل، والناس على الجادة منطلقون، فبينما هم كذلك أشفى ذلك الطريق بهم على مرج لم تر عيني مثله،

стр. 4523

يرف رفيقا، يقطر نداه، فيه من أنواع الكلأ، فكأني بالرعلة الأولى حين أشرفوا على المرج كبروا ثم أكبوا رواحلهم في الطريق فلم يضلوه يمينا ولا شمالا، ثم جاءت الرعلة الثانية من بعدهم، وهم أكثر منهم أضعافا، فلما أشفوا على المرج كبروا، ثم أكبوا رواحلهم في الطريق، فمنهم المرتع، ومنهم الآخذ الضغث ومضوا على ذلك. قال: ثم قدم عظم الناس، فلما أشفوا على المرج كبروا وقالوا: هذا خير المنزل، فمالوا في المرج يمينا وشمالا، فلما رأيت ذلك لزمت الطريق حتى أتيت أقصى المرج، فإذا أنا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات، وأنت في أعلاها درجة، وإذا عن يمينك رجل أقنى آدم، إذا هو تكلم يسمو، يكاد يفرع الرجال طولا، وإذا عن يسارك رجل ربعة تار أحمر، كثير خيلان الوجه، إذا هو تكلم أصغيتم

стр. 4524

إليه إكراما له، وإذا أمام ذلك شيخ كأنكم تقتدون به، وإذا أمام ذلك ناقة عجفاء شارف، وإذا أنت كأنك تبعثها يا رسول الله. قال: فانتقع لون رسول الله ﷺ ساعة، ثم سري عنه، فقال: "أما ما رأيت من الطريق الرحب اللاحب السهل، فذلك ما حملتكم عليه من الهدى، فأنتم عليه، وأما المرج الذي رأيت فالدنيا وغضارة عيشها، لم نتعلق بها ولم تردنا ولم نردها، وأما الرعلة الثانية والثالثة -وقص كلامه- فإن لله وإنا إليه راجعون، وأما أنت فعلى طريقة صالحة، فلن تزال عليها حتى تلقاني، وأما المنبر فالدنيا سبعة آلاف سنة، أنا في آخرها ألفا، وأما الرجل الطويل الآدم فذلك موسى، نكرمه بفضل كلام الله إياه، وأما الرجل الربعة التار فذلك عيسى ﵇ نكرمه بفضل منزلته من الله، وأما

стр. 4525

الشيخ الذي رأيت كأننا نقتدي به فذلك إبراهيم ﷺ ، وأما الناقة العجفاء الشارف التي رأيتني أبعثها فهي الساعة عليها -أي على الأمة- تقوم، لا نبي بعدي ولا أمة بعد أمتي". قال الراوي: فما سأل رسول الله ﷺ بعد هذا أحدًا عن رؤيا، إلا أن يجيء الرجل متبرعا فيحدثه بها. رواه ابن قتيبة والطبراني والبيهقي في الدلائل وسنده ضعيف جدا. ومن غرائب ما نقل عنه ﷺ من التعبير، أن زرارة بن عمرو النخعي قدم على رسول الله ﷺ في وفد النخع، فقال: يا رسول الله، إني رأيت في طريقي هذا رؤيا، رأيت أتانا تركتها في الحي ولدت جديا أسفع أحوى، فقال له رسول الله ﷺ : "هل لك من امرأة تركتها مصرة حملا؟ " قال: نعم، تركت أمة

стр. 4526

أظنها قد حملت، قال: "قد ولدت غلاما وهو ابنك"، قال: فما باله أسفع أحوى؟ قال: ادن مني، فدنا منه، قال: "هل بك برص تكتمه؟ " قال: نعم والذي بعثك بالحق ما رآه مخلوق ولا علم به أحد، قال: فهو ذاك". قال: ورأيت النعمان بن المنذر وعليه قرطان ودملجان ومسكتان، قال: "ذلك ملك العرب رجع إلى أحسن زيه وبهجته". قال: ورأيت عجوزا شمطاء، تخرج من الأرض، قال: "تلك بقية الدنيا". قال: ورأيت نارا خرجت من الأرض فحالت بيني وبين ابن لي يقال له عمرو، ورأيتها تقول: لظى لظى، بصير وأعمى، آكلكم آكلكم وأهلكم ومالكم فقال

стр. 4527

النبي ﷺ : "تلك فتنة تكون في آخر الزمان"، قال: وما الفتنة؟ قال: "يفتك الناس بإمامهم ثم يشتجرون اشتجار أطباق الرأس"، وخالف ﷺ بين أصابعه، "يحسب المسيء أنه محسن، ودم المؤمن عند المؤمن أحلى من شرب الماء البارد". فانظر إلى هذا التعبير البارز من مشكاة النبوة، محشوا حلاوة الحق، مكسوا طلاوة الصدق مجلوا بأنوار الوحي. والأسفع: الذي أصاب جسده لون آخر.

стр. 4528

والأحوى: الأسود ليس بالشديد. والمسكتان: السواران من ذهب. وأطباق الرأس: عظامه. والاشتجار: الاختلاف والاشتباك. فإن قلت: تعبيره ﵊ السوارين هنا يرجع إلى بشرى، وعبرهما بالكذابين فيما مر. أجيب: بأن النعمان بن المنذر كان ملك العرب، وكان مملكا من جهة الأكاسرة، وكانوا يسورون الملوك ويحلونهم، وكان السواران من زي النعمان ليسا بمنكرين في حقه ولا بموضوعين في غير موضعهما عرفا، وأما النبي ﷺ فنهى عن لباس الذهب لآحاد أمته فجدير أن يهمه ذلك لأنه ليس من زيه، فاستدل به على أمر يوضع في غير موضعه، ولكن حمدت العاقبة بذهابهما، ولله الحمد.

стр. 4529

ومن ذلك: ما روي عن قيس بن عباد -بضم العين وتخفيف الموحدة- قال: كنت في حلقة فيها سعد بن مالك وابن عمر، فمر عبد الله بن سلام فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، فقلت له: إنهم قالوا كذا وكذا، فقال: سبحان الله، ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم، إنما رأيت كأنما عمود وضع في روضة

стр. 4530

خضراء، فنصب فيها، وفي رأسها عروة، وفي أسفلها منصف -والمنصف الوصيف- فقال: ارقه، فرقيته حتى أخذت بالعروة، فقصصتها على رسول الله ﷺ فقال: "يموت عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى". رواه البخاري.

стр. 4531

وفي رواية خرشة: بينما أنا نائم أتاني رجل فقال لي: قم، فأخذ بيدي فانطلقت معه، فإذا أنا بجواد -بجيم ودال مشددة جمع جادة وهي الطريق المسلوك- عن شمالي، قال: فأخذت لآخذ فيها -أي أسير- فقال: لا تأخذ فيها فإنها طريق أصحاب الشمال. وفي رواية النسائي من طريقه: فبينا أنا أمشي إذ عرض لي طريق عن شمالي، فأردت أن أسلكها، فقال: إنك لست من أهلها.

стр. 4532

وفي رواية مسلم: فإذا جواد منهج على يميني، فقال لي خذ ههنا، فأتى بي جبلا فقال لي: اصعد، قال فجعلت إذا أردت أن أصعد خررت، حتى فعلت ذلك مرارا. وفي رواية ابن عون: فقال: "تلك الروضة روضة الإسلام، وذلك العمود عمود الإسلام، وتلك العروة، عروة الوثقى، لا تزال متمسكا بالإسلام حتى تموت". وفي رواية خرشة عند النسائي وابن ماجه قال: "رأيت خيرا، أما المنهج فالمحشر وأما الجبل فهو منزل الشهداء". زاد مسلم: "ولن تناله". وهذا علم من أعلام نبوة نبينا محمد ﷺ فإن عبد الله بن سلام لم يمت

стр. 4533

شهيدا، وإنما مات على فراشه في أول خلافة معاوية بالمدينة. وقولهم إنه من أهل الجنة، أخذوه من قوله لما ذكر طريق الشمال: إنك لست من أهلها. وإنما قال: "ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم" على سبيل التواضع وكراهية أن يشار إليه بالأصابع، خشية أن يدخله العجب، عافانا الله من سائر المكاره. وقال القيرواني: الروضة التي لا يعرف نبتها تعبر بالإسلام لنضارتها وحسن بهجتها، وتعبر أيضا بكل مكان فاضل، وقد تعبر بالمصحف وكتب العلم والعالم ونحو ذلك. انتهى.

стр. 4534

وقال غيره من المعبرين: الحلقة والعروة المجهولة، تدل لمن تمسك به على قوته في دينه، وإخلاصه فيه. ومن ذلك، ما رواه البخاري عن أم العلاء وهي امرأة من نسائهم، بايعت رسول الله ﷺ وأريت لعثمان بن مظعون بعد موته في النوم عينا تجري، فجئت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: "ذلك عمله يجري له". وقد قيل: يحتمل أنه كان لعثمان شيء من عمله بقي له ثوابه جاريا

стр. 4535

كالصدقة. وأنكره مغلطاي وقال: لم يكن له شيء من الأمور الثالثة التي ذكرها مسلم في حديث أبي هريرة رفعه: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث". وتعقبه الحافظ ابن حجر: بأنه كان له ولد صالح شهد بدرا وما بعدها، وهو السائب، مات في خلافة أبي بكر، فهو أحد الثلاث. قال: وقد كان عثمان من الأغنياء، فلا يبعد أن تكون له صدقة استمرت بعد موته. وقال غيره: العين الجارية عمل من صدقة أو معروف لحي أو ميت. وقال آخر: عين الماء نعمة وبركة وخير، وبلوغ أمنية إن كان صاحبها مستورا، فإن كان غير عفيف أصابته مصيبة تبكي لها أهل داره. والله أعلم.

стр. 4536

فهذا طرف من تعبيره ﵊ يهدي إلى غيره ما يشابهه، وإلا فالذي نقل عنه ﷺ من غرائب التأويل، ولطائف التعبير -كما قاله ابن المنير- لا تحصره المجلدات. وأنت إذا تأملت أن كل كرامة أوتيها واحد من هذه الأمة في علم أو عمل، هي من آثار معجزة نبيه ﷺ وسر تصديقه، وبركات طريقه، وثمرات الاهتداء بهديه وتوفيقه، واستحضرت ما أوتيه الإمام محمد بن سيرين من لطائف التعبير، مما شاع وذاع، وامتلأت به الأسماع، طبق الأرض صدقا وصوابا، وعجبا عجابا، بل بحرا عبابا، قضيت بأن ما منحه ﷺ من العلوم والمعارف، لا تحيط به

стр. 4537

العبارات، ولا تدرك حقيقة كنهه الإشارات، وإذا كان هذا ابن سيرين واحد من أمته ﵊ نقل عنه من فن التعبير ما لا يعد فكيف به ﷺ وزاده فضلا وشرفا لديه، وأفاض علينا من سحائب علومه ومعارفه، وتعطف علينا بعواطفه.

стр. 4538

الفصل الثالث: في إنبائه ﷺ بالأنباء المغيبات اعلم أن علم الغيب يختص بالله تعالى، وما وقع منه على لسان رسوله ﵊ وغيره فمن الله تعالى، إما بوحي أو إلهام، والشاهد لهذا قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧] ، ليكون معجزة له. واستدل به على إبطال الكرامات. وأجيب: بتخصيص الرسول بالملك، والإظهار بما يكون بغير توسطه،

стр. 4539

وكرامات الأولياء على المغيبات إنما تكون برؤيا الملائكة، كإطلاق اطلاعنا على أحوال الآخرة بتوسط الأنبياء، وفي حديث مر: أنه ﵊ قال: "والله إني لا أعلم إلا ما علمني ربي". فكل ما ورد عنه ﵊ من الأنباء المنبئة عن الغيوب ليس هو إلا من إعلام الله له به، إعلاما على ثبوت نبوته، ودلائل على صدق رسالته، وقد اشتهر وانتشر أمره ﵊ بين أصحابه بالاطلاع على الغيوب، حتى إن كان بعضهم ليقول لصاحبه: اسكت فوالله لو لم يكن عنده من يخبره لأخبرته حجارة البطحاء، ويشهد له قول ابن رواحة: وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الصبح ساطع

стр. 4540

أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع وقول حسان بن ثابت:

стр. 4541

نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مشهد فإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في ضحوة اليوم أو غد وهذا الفصل ينقسم قسمين: الأول: فيما أخبر به ﵊ مما نطق به القرآن العظيم. من ذلك: في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] ، فقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ إخبار عن غيب تقضي العادة بخلافه. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٧] الآية فإنها كان لقريش قافلتان:

стр. 4542

إحداهما ذات غنيمة دون الأخرى، فأخبر الله تعالى عما في ضمائرهم، وأنجز لهم ما وعد، ولا شك أن الوعد كان قبل اللقاء، لأن الوعد بالشيء بعد وقوعه غير جائز. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] ، وهذا إخبار عن المستقبل، لأن "السين" تعين الاستقبال، يعني كفار قريش يوم بدر، وقد كان عددهم ما بين تسعمائة إلى ألف، وكانوا مستعدين بالمال والسلاح، وكان عدد المسلمين ثلاثمائة عشر رجلا، وليس معهم إلا فرسان، إحداهما للزبير بن العوام، والأخرى للمقداد بن الأسود فهزم الله المشركين ومكن المسلمين من قتل أبطالهم واغتنام أموالهم.

стр. 4543

ومن ذلك في كفار قريش: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران: ١٥١] ، يريد ما قذف في قلوبهم من الخوف يوم أحد حتى تركوا القتال ورجعوا من غير سبب، ونادى أبو سفيان: يا محمد! موعدنا موسم بدر القابل إن شئت، فقال ﵊: "إن شاء الله تعالى". قيل: لما رجعوا وكانوا ببعض الطريق ندموا، وعزموا أن يعودوا عليهم ليستأصلوهم، فألقى الله تعالى الرعب في قلوبهم. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٦٠١] إلى قوله: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ ، وسبب نزول هذه الآية أن كسرى وقيصر تقاتلا فغلب كسرى قيصر، فساء المسلمين ذلك، لأن الروم أهل كتاب، ولتعظيم قيصر كتاب النبي ﷺ وتمزيق كسرى كتابه، وفرح المشركون به، فأخبر الله تعالى بأن الروم بعد أن غلبوا سيغلبون في بضع سنين، والبضع ما بين

стр. 4544

الثلاثة إلى العشرة، فغلبت الروم أهل فارس يوم الحديبية، وأخرجوهم من بلادهم، وذلك بعد سبع سنين. ومن ذلك، قوله تعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾ [الجمعة: ٧] ، فأخبر أنهم لا يتمنون الموت بالقلب ولا بالنطق باللسان مع قدرتهم عليه أبدا، فأخبر فوجد مخبره كما أخبر، فلو لم يعلموا ما يلحقهم من الموت لسارعوا إلى تكذيبه، بالتمني، ولو لم يعلم ذلك لخشي أن يجيبوا إليه فيقضى عليه بالكذب، قال البيضاوي: وهذه الجملة إخبار بالغيب وكان كما أخبر، لأنهم لو تمنوا الموت ثقل وانتشر، فإن التمني ليس من عمل القلب فيخفى، وروي مرفوعا: "لو تمنوا الموت لغص كل إنسان منهم بريقه فمات مكانه وما بقي يهودي على وجه الأرض". ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

стр. 4545

لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥] الآية. هذا وعد من الله لرسوله ﵊ بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد،

стр. 4546

﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾ من الناس ﴿أَمْنًا﴾ وحكما فيهم، وقد فعل ذلك فيهم ولله الحمد والمنة، فإنه لم يمت ﵊ حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هجر، ومن بعد أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم، وصاحب مصر والإسكندرية، وهو المقوقس، وملوك عمان، والنجاشي ملك الحبشة الذي تولى بعد أصحمة ﵀. ثم لما مات رسول الله ﵊ واختار الله له ما عنده من الكرامة، قام بالأمر بعد خليفته أبو بكر الصديق ﵁ فلمَّ شعث ما

стр. 4547

وهي عند موته ﵊ وأطد جزيرة العرب ومهدها، وبعث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد ففتحوا منها طرفا، وجيشا آخر صحبة أبي عبيدة إلى أرض الشام، وجيشا ثالثا صحبة عمرو بن العاصي إلى بلاد مصر، ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بصرى ودمشق ومخاليفها من بلاد حوران وما والاها. وتوفاه الله واختار له ما عنده. ومنّ على الإسلام وأهله بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق. فقام في الأمر بعده قياما تاما، لم يدر الفلك بعد الأنبياء على مثله في قوة سيره وكمال عدله، وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس، وكسر كسرى وأهانه غاية الهوان وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقصر قيصر وانتزع يده من بلاد الشام، فانحاز إلى قسطنطينية، وأنفق

стр. 4548

أموالهما في سبيل الله، كما أمر بذلك ووعد به ﷺ . ثم لما كانت الدولة العثمانية امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك أندلس وقيروان وسبتة مما يلي البحر المحيط ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى، وباد ملكه بالكلية، وفتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز، وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدا، وجيء بالخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ القرآن، فها نحن نتقلب فيما وعدنا الله، ورسوله، وصدق الله ورسوله. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١] ، فاليهود أذل الكفار في كل مكان وزمان كما أخبر.

стр. 4549

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] ، وهذا ظاهر في العيان بأن دين الإسلام كما أخبر عال على جميع الأديان. ومن ذلك، قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلى آخرها، فكان كما أخبر، دخل الناس في دين الله أفواجا، فما مات ﵊ وفي بلاد العرب كلها موضع لم يدخله الإسلام, إلى غير ذلك مما يطول استقصاؤه.

стр. 4550

القسم الثاني: في ما أخبر به ﵊ من الغيوب سوى ما في القرءان العزيز فكان كما أخبر به في حياته وبعد مماته. أخرج الطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵊: "إن الله قد رفع لي الدنيا، فأنا أنظر إليها وإلى ما هو كائن فيها إلى يوم القيامة، كأنما أنظر إلى كفي هذه". وعن حذيفة قال: قام فينا رسول الله ﵊ مقاما، فما ترك شيئا في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته فأراه فأعرفه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه، ثم قال

стр. 4551

حذيفة: ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوه؟ والله ما ترك رسول الله ﵊ من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلثمائة فصاعدا إلا سماه لنا باسمه واسم أبيه وقبيلته. رواه أبو داود. وروى مسلم من حديث ابن مسعود في الدجال: فيبعثون عشرة فوارس طليعة، قال رسول الله ﵊: "إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ".

стр. 4552

فوضح من هذا الخبر وغيره مما سيأتي من الأخبار، وسنح من خواطر الأبرار الأخيار أنه ﵊ عرفهم بما يقع في حياته وبعد موته، وما قد انحتم وقوعه فلا سبيل إلى فوته.

стр. 4553

وقال أبو ذر: لقد تركنا رسول الله ﵊ وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علما. ولا شك أن الله تعالى قد أطلعه على أزيد من ذلك، وألقى عليه علم الأولين والآخرين. وأما علم عوارف المعارف الإلهية فتلك لا يتناهى عددها، وإليه ﵊ ينتهي مددها. ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أبي هريرة أن النبي ﵊ نعى النجاشي للناس في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات. وفي حديث أنس عند أحمد والبخاري: أن النبي ﵊ صعد أحدًا، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم الجبل فضربه برجله وقال له: "اثبت

стр. 4554

أحد! فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان". فكان كما أخبر ﵊. ومن ذلك: ما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة أنه ﵊ قال: "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي

стр. 4555

نفسي بيده لتنفقن في سبيل الله، قال النووي قال الشافعي وسائر العلماء: معنا لا يكون كسرى بالعراق ولا قيصر بالشام، كما كان في زمنه ﵊، فأعلمنا ﵊ بانقطاع ملكهما من هذين الإقليمين، فكان كما قال، فأما كسرى فانقطع ملكه بالكلية من جميع الأرض، وتمزق ملكه كل ممزق، واضمحل بدعوة النبي ﵊، وأما قيصر فانهزم من الشام ودخل أقصى بلاده، فافتتح المسلمون بلاده واستقرت للمسلمين, ولله الحمد. وقد وقع ذلك في خلافة سيدنا عمر بن الخطاب كما قدمته. وقال عليه
следующие страницы →