Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.
стр. 4516
الصالحة، وانتفاع الناس بهما، وكل ذلك مأخوذ من النبي ﷺ ، لأنه صاحب الأمر، فقام به أكمل مقام، وقرر قواعد الدين، ثم خلفه أبو بكر فقاتل أهل الردة وقطع دابرهم، ثم خلفه عمر فاتسع الإسلام في زمنه. فشبه أمر المسلمين بقليب فيه الماء الذي فيه حياتهم وصلاحهم، وأميرهم المسقي لهم منها، وفي قوله: "فأخذ الدلو من يدي ليريحني" إشارة إلى خلافة أبي بكر بعد موته ﷺ ، لأن الموت راحة من كد الدنيا، وتعبها، فقام أبو بكر بتدبير أمر الأمة ومعاناة أحوالهم. وأما قوله: "وفي نزعه ضعف" فهو إخبار عن حاله في قصر مدة ولاته، وأما ولاية
الحواشي
(١) جرى للخليفتين من ظهور آثارهما الصالحة وانتفاع الناس بهما، وكل ذلك مأخوذ من النبي ﷺ ، لأنه صاحب الأمر، فقام به أكمل مقام، وقرر قواعد الدين" وفتح الله على يديه أمصار الكفر، مكة وخيبر والمدينة والبحرين وسائر جزيرة العرب، وأرض اليمن بكمالهما، وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل والمقوقس وملوك عمان، والنجاشي الذي ملك بعد أصحمة، "ثم خلفه، أبو بكر، فقاتل أهل الردة وقطع دابرهم" فلما فرغ منهم أخذ في قتال الكفار، ففتح على يديه بصرى ودمشق وبلاد حوران وما والاها، "ثم خلفه عمر، فاتسع الإسلام في زمنه" ففتح على يديه البلاد الشامية كلها، ومصر والعراق وأكثر أقليم فارس، وكسر كسرى وفر إلى أقصى مملكته وفر هرقل إلى القسطنطينية، "فشبه أمر المسلمين بقليب" بئر "فيه الماء الذي فيه حياتهم وصلاحهم وأميرهم المسقي لهم منها".
وقال البيضاوي: أشار بالبئر إلى الدين الذي هو منبع ما به حياة النفوس وتمام أمر المعاش والمعاد، والنزع منه إخراج الماء إشارة إلى إشاعة أمره وإجراء أحكامه.
"وفي قوله: فأخذ الدلو من يدي ليريحني إشارة إلى خلافة أبي بكر بعد موته ﷺ لأن الموت راحة من كد الدنيا وتعبها" خصوصا لمثله، ولذا لما قالت فاطمة في مرض موته: واكرب أبتاه، قال ﷺ : "لا كرب على أبيك بعد اليوم". "فقام أبو بكر بتدبير أمر الأمة ومعاناة أحوالهم" أتم قيام.
وفي حديث: "أنا سيف الإسلام وأبو بكر سيف الردة".
"وأما قوله: "وفي نزعه ضعف". فهو إخبار عن حاله في قصر مدة ولايته" لأنها كانت سنتين وثلاثة أشهر، والاضطراب الذي وجد في زمنه من أهل الردة وفزارة وغطفان وبني يربوع وبعض تميم وكندة وبكر بن وائل وأتباع مسيلمة الكذاب، وإنكار بعض الزكاة، فدعا له بالمغفرة ليتحقق السامعون أن الضعف الذي وجد في نزعه هو من مقتضى تغير الزمان، لا أن ذلك منه، لكن نسب إليه إطلاقا لاسم المحل على الحال، وهو مجاز شائع في كلام العرب، فليسстр. 4517
عمر فإنها لما طالت كثر انتفاع الناس بها واتسعت دائرة الإسلام بكثرة الفتوح وتمصير الأمصار وتدوين الدواوين، وليس في قوله: "والله يغفر له" نقص، ولا إشارة إلى أنه وقع منه ذنب، وإنما هي كلمة كانوا يقولونها. وقوله: "فاستحالت في يده غربا" أي تحولت الدلو غربا -بفتح المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة- أي: دلوا عظيمة.
وأخرج أحمد وأبو داود عن سمرة بن جندب أن رجلا قال: يا رسول الله، رأيت كأن دلوا دلي من السماء فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها فشرب شربا ضعيفا، ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب
الحواشي
(١) الضعف، وهنا في عزيمته، ولا خطأ من فضله عن عمر لقلة نزعه عن نزع عمر، بل هو إخبار عن حسن ولايته، والدعاء له بالمغفرة إعلام بأن الله جازاه على ما عاناه من حرب أهل الردة، فلا يظن أنه لتقصير وقع منه.
"وأما ولاية عمر فإنها لما طالت كثر انتفاع الناس بها واتسعت دائرة الإسلام بكثرة الفتوح وتمصير الأمصار وتدوين الدواوين، وليس في قوله: "والله يغفر له". نقص، ولا إشارة إلى أنه وقع منه ذنب وإنما هي كلمة كانوا يقولونها" يدعمون بها الكلام، أي يقومونه.
هكذا قال النووي تبعا لقول عياض: الأشبه عندي أن قوله: "والله يغفر له". دعامة للكلام ووصلة له، وقد جاء في الحديث، أنها كلمة كان المسلمون يقولونها، يقولون: افعل هذا والله يغفر لك، مثل قولهم: تربت يمينك وقاتله الله.
وقوله: "فاستحالت في يده" لم يذكرها فيما قدم، لكنها ثابتة في رواية نافع، عن ابن عمر عند البخاري "غربا"، "أي تحولت الدلو غربا بفتح المعجمة وسكون الراء، بعدها موحدة" أي: دلوا عظيمة" فتحولت من الصغر إلى الكبر.
"وأخرج أحمد وأبو داود عن سمرة" "بضم الميم" "ابن جندب" بن هلال الفزاري، حليف الأنصار، صحابي مشهور له أحاديث، مات بالبصرة سنة ثمان وخمسين "أن رجلا قال: يا رسول الله رأيت كأن دلوا دلي" بضم المهملة وشد اللام أي أرسل "من السماء" إلى الأرض، "فجاء أبو بكر، فأخذ بعراقيها" "بكسر المهملة وفتح القاف" خشبتان تجعلان على فم الدلو، متخالفتان لربط الدلو، "فشرب شربا ضعيفا" أي قليلا، "ثم جاء عمر، فأخذ بعراقيها، فشرب حتى تضلع" "بضاد معجمة" أي ملأ أضلاعه كناية عن الشبع، "ثم جاء عثمان، فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع" أي شبع، وقد طالت مدة ولايته عن عمر، وفتح في زمانه مدائن العراق وخراسان والأهواز وبلاد المغرب بتمامها، ومن المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى وباد ملكه بالكلية، "ثم جاء علي فانتشطت"، "بضم المثناة وكسر المعجمة، بعدها طاءстр. 4518
حتى تضلع، ثم جاء علي فانتشطت وانتضح عليه منها شيء.
والعراقي: جمع عرقوة، وهي الخشبة المعروضة على فم الدلو، وهما عرقوتان كالصليب، وقد: عرقيت الدلو إذا ركبت العرقوة فيها. وانتشطت: أي جذبت ورفعت.
فهي نبذة من مرائيه الكريمة ﷺ .
وأما ما رآه غيره فعبر ﷺ له بما يخص ويعم من أمور الدنيا والآخرة.
الحواشي
(١) مهملة" أي نزعت منه، فاضطرب وسقط بعض ما فيها أو كله، "وانتضح" أي رش "عليه منها شيء" قليل.
قال ابن العربي: حديث سمرة يعارض حديث ابن عمر، أو هما خبران، قال الحافظ: الثاني هو المعتمد، فحديث ابن عمر مصرح بأنه ﷺ هو الرائي، يعني: وكذا حديث أبي هريرة وحديث سمرة سابقة، فنزل الماء من السماء وهو خزانته، فاسكن في الأرض كما يقتضيه حديث سمرة، ثم أخرج منها الدلو، كما دل عليه حديث ابن عمر، أي وأبي هريرة، وفي حديث سمرة إشارة إلى نزول النصرة من السماء على الخلفاء.
وفي حديث ابن عمر إشارة إلى استيلائهم على كنوز الأرض بأيديهم، وكلاهما ظاهر في الفتح التي فتحوها، وفي حديث سمرة زيادة إشارة إلى ما وقع لعلي من الفتن والاختلاف عليه، فإن الناس أجمعوا على خلافته، ثم لم يلبث أهل الجمل أن خرجوا عليه، وامتنع معاوية في أهل الشام، ثم حاربه بصفين، ثم غلب بعد قليل على مصر، وخرجت الحرورية على علي، فلم يحصل له في أيام خلافته راحة، فضرب المنام المذكور مثالا لأحوالهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
"والعراقي جمع عرقوة" "بفتح العين وإسكان الراء وضم القاف وفتح الواو، ولا تضم العين"، قال الجوهري: لأن فعلوة إنما تضم إذا كان ثانيه نونا مثل عنصرة، "وهي الخشبة المعروضة على فم الدلو، وهما عرقوتان،" أي خشبتان تعرضان على الدلو "كالصليب، وقد عرقيت" "بتحتية ففوقية" "الدلو، إذا ركبت العرقوة فيها وانتشطت، أي جذبت" سحبت "ورفعت، فهذه نبذة" شيء قليل "من مرائيه الكريمة ﷺ " وإلا فهي كثيرة جدا "وأما ما رآه غيره، فعبره ﷺ له بما يخص" الرائي، "ويعم" أي يشمله ويشمل غيره "من أمور الدنيا والآخرة" فكثير لا يحصر، وإذا أردت بعضه "فقد كان" فجواب الشرط محذوف، والمذكور جواب شرط مقدر، إذ لا يظهر كونه جوابا للمذكور إلا أن يقال لما كان سببا لتفسير رؤيا الغير جعله جوابا،стр. 4519
فقد كان ﷺ إذا انفتل من صلاة الصبح أقبل على أصحابه فقال: "من رأى منكم الليلة رؤيا فليقصها عليّ أعبرها له"، فيقص الناس عليه مرائيهم.
وروى البخاري والترمذي عن سمرة بن جندب قال: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول لأصحابه: "هل رأى أحد منكم رؤيا"؟ فيقص عليه من شاء الله أن يقص، وأنه قال ذات غداة: "هل رأى أحد منكم رؤيا"؟، فقالوا: ما أحد رأى
الحواشي
(١) أو يقدر فيه، فهو ما تضمنه قولي: فقد كان " ﷺ إذا انفتل"، "بهمزة وصل ونون ساكنة وفاء ففوقية مفتوحتين فلام" أي التفت "من صلاة الصبح" بعد السلام وما يليه من الأذكار، ولذا لم يقل فرغ لئلا يوهم التفاته بمجرد الفراغ، "أقبل على أصحابه" أي جعل وجهه إليهم، فقال: "من رأى منكم الليلة" أي الماضية "رؤيا فليقصها علي أعبرها له"، "فيقص الناس عليه مرائيهم" أي: ما يرونه في منامهم: جمع مرأى "بفتح فسكون" وهو محل الرؤيا، فالرؤيا إدراكه في منامه، والمرأة ما تعلقت به تلك الرؤيا.
"وروى البخاري" في التعبير والجنائز تاما، وروى أطرافا منه في مواضع، ومسلم قطعة من أوله، "والترمذي" تاما، "عن سمرة بن جندب" "بضم الدال وفتحها" "قال: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول لأصحابه: "هل رأى أحد منكم" زاد في الجنائز: الليلة "رؤيا" مقصور غير منصرف، ويكتب بالألف، ولفظ البخاري كان مما يكثر.
قال الطيبي: مما خبر كان، وما موصولة، ويكثر صلته، والضمير الراجع إلى ما فاعل يقول. وقوله: أن يقول فاعل يكثر، و "هل رأى أحد منكم" هو المقول، أي رسول الله من الذين يكثر منهم هذا القول، فوضع ما موضع من تفخيما وتعظيما، كقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ ، أو تقديره كان رسول الله ﷺ يجيد تأويل الرؤيا، وكان له مساهمة فهم، لأن الإكثار من هذا القول لا يكثر إلا من تدرب فيه بإصابته، كقوله: كان زيد من العلماء بالنحو، ومنه قول صاحبي السجن ليوسف: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ، أي المجيدين في عبارة الرؤيا، وعلما ذلك لما رأياه يقص عليه بعض أهل السجن، هذا من حيث البيان، وأما من طريق النحو، فيحتمل أن قوله: "هل رأى أحد منكم من رؤيا" مبتدأ، والخبر مقدم عليه على تأول هذا القول مما يكثر رسول الله أن يقوله، ومال في الفتح إلى ترجيح الوجه السابق، والمتبادر وهو الثاني، وهو الذي اتفق عليه أكثر الشارحين "فيقص عليه من شاء الله أن يقص" "بفتح الياء وضم القاف فيهما" كذا في رواية النسفي، وفي رواية غيره: ما، وهي للمقصوص ومن للقاص، قاله كله المصنف، "وأنه قال ذات غداة" بإقحام لفظ ذات أو هو من إضافة المسمى إلى اسمه، أو من إضافة الجزء إلى الكل، وهذا أولى؛ لأن السؤال لم يقع في جميع الغداة، وعليه فهو صفة لمحذوف، أي ساعة صاحبة غداة؟стр. 4520
شيئا، قال: "لكني أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني فقالا لي: انطلق، فانطلقت فأتيا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فتثلغ رأسه"، الحديث.
وأقام ﵊ يسأل أصحابه: "هل رأى منكم الليلة أحد رؤيا"؟.
الحواشي
(١) "هل رأى أحد منكم رؤيا؟ "، فقالوا: ما منا أحد رأى شيئا، قال: "لكني أتاني الليلة آتيان"، "بمد الهمزة وكسر الفوقية" وعند ابن أبي حاتم من حديث علي: ملكان. وفي الجنائز: "رأيت الليلة رجلين أتياني". وقال في آخر الحديث: إنهما جبريل وميكائيل. قال الطيبي: وجه الاستدراك أنه كان يحب أن يعبر لهم الرؤيا، فلما قالوا: ما رأينا، كأنه قال: أنتم ما رأيتم، لكني رأيت. انتهى.
وإيضاحه أنه استدراك على ما يتوهم من أنه لو سكت لم يكن رأى شيئا ومنشأ التوهم حبه لتعبير ما يراه هو أو غيره و"الليلة" بالنصب على الظرفية، والمعنى: أتاني في الليلة الماضية، وإلا فمعلوم أنه وقت الإخبار كان في النهار لا في الليل، "وإنهما ابتعثاني" بموحدة ساكنة ففوقية فمهملة فمثلثة فألف فنون".
كذا رواه الأكثر للكشميهني انبعثا بي "بنون فموحدة وبعد الألف موحدة"، قا الجوهري: بعثه وابتعثه أرسله، وقال ابن هبيرة: معنى ابتعثاني أيقظاني، ويحتمل أن يكون رأى في المنام أنهما أيقظاه، فرأى ما رأى في المنام، ووصفه بعد أن أفاق على أن منامه كاليقظة، لكن لما رأى مثالا كشفه التعبير دل على أنه كان مناما، "فقالا لي: انطلق"، "بكسر اللام"، "فانطلقت" لفظ البخاري في التعبير: "وإنهما قالا لي انطلق، وإني انطلقت معهما".
وفي الجنائز: "رأيت الليلة رجلين أتياني، فأخذا بيدي، فأخرجاني إلى الأرض المقدسة". وعند أحمد: "إلى أرض فضاء، أو أرض مستوية".
وفي حديث علي عند ابن أبي حاتم: "فانطلقا بي إلى السماء، فأتيا على رجل مضطجع" وفي الجنائز: مستلق على قفاه "وإذا آخر قائم عليه بصخرة" وفي الجنائز: بفهر أو صخرة بالشك.
وفي حديث علي: "فمررت على ملك وأمامه آدمي، وبيد الملك صخرة يضرب بها هامة الآدمي"، "وإذا هو يهوي بالصخرة"، "بفتح أوله وكسر الواو" أي يسقط، يقال: هوى "بالفتح" يهوي هويا، سقط إلى أسفل، وضبطه ابن التين "بضم أوله" من الرباعي، يقال: أهوى من بعد، وهوى "بفتح الواو" من قرب "لرأسه، فتثلغ" الصخرة "رأسه"، "بفتح أوله وسكون المثلثة وفتح اللام فغين معجمة" أي تشدخه، وفي الجنائز: فتشدخ به، والشدخ كسر الشيء الأجوف.
وقد فسره الملكان بأنه الرجل يأخذ القرآن، فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة.
وفي الجنائز: "وأما الذي رأيت تشدخ رأسه، فرجل علمه الله القرآن، فنام عنه بالليل ولمстр. 4521
ما شاء الله تعالى، ثم ترك السؤال، فكان يعبر لمن قص متبرعا. واختلف النقلة في سبب تركه السؤال:
فقيل: سبب ذلك حديث أبي بكرة -عند الترمذي وأبي داود- أنه ﷺ قال ذات يوم: "من رأى منكم رؤيا"؟ , فقال رجل: أنا يا رسول الله! رأيت كأن ميزانا نزل من السماء، فوزنت أنت وأبي بكر فرجحت أنت بأبي بكر، ووزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان. فرأينا الكراهة في وجه رسول الله ﷺ ، قالوا: فمن حينئذ لم يسأل النبي ﷺ أحدًا عن رؤيا.
قال بعضهم: وسبب كراهته ﵊ إيثاره لستر العواقب وإخفاء المراتب، فلما كانت هذه الرؤيا كاشفة لمنازلهم مبينة لفضل بعضهم على بعض
الحواشي
(١) يعمل بما فيه بالنهار، يعمل به إلى يوم القيامة، أي ما رأيت" الحديث، رواه البخاري مطولا في التعبير من طريق عوف، وقبله في الجنائز من طريق جرير بن أبي حازم، كلاهما عن أبي رجاء، عن سمرة بنحو ورقتين، فذكره بشرحه فيه طول، وبدونه لا فائدة فيه.
"وأقام ﵊ يسأل أصحابه" بقوله: "هل رأى منكم الليلة أحد رؤيا"؟. "ما شاء الله تعالى" أي مدة مشيئته، "ثم ترك السؤال، فكان يعبر لمن قص" أي لمن ذكر ما رآه له "متبرعا" من غير أن يسأل أحدا.
"واختلف النقلة في سبب تركه السؤال، فقيل: سبب ذلك حديث أبي بكرة" نفيع بن الحارث الثقفي، وقيل: اسمه مسروح، أسلم بالطائف، ثم نزل بالبصرة ومات بها سنة إحدى أو اثنتين وخمسين.
"عند الترمذي وأبي داود أنه ﷺ " كان يعجبه الرؤيا الصالحة ويسأل عنها، وأنه "قال ذات يوم: "من رأى منكم رؤيا"؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله" رأيت رؤيا، "رأيت كأن ميزانا نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر، فرجحت أنت بأبي بكر ووزن".
وفي رواية: ثم وزن "أبو بكر وعمر، فرجح أبو بكر" على عمر "ووزن عمر وعثمان، فرجح عمر" على عثمان، هكذا في نسخ صحيحة، وفي بعضها: فرجح عثمان بنصبه مفعول رجح وفاعله مستتر، أي: فرجح عمر عثمان، "ثم رفع الميزان، فرأينا الكراهة" ظهرت "في وجه رسول الله ﷺ ".
وفي رواية: فانساء لها رسول الله ﷺ ثم قال: "خلافة نبوة, ثم يؤتي الله الملك من يشاء". "قالوا: فمن حيئنذ لم يسأل النبي ﷺ أحدا عن رؤيا".
"قال بعضهم: وسبب كراهته ﵊ إيثاره لستر العواقب وإخفاءстр. 4522
في التعيين خشي أن يتواتر ويتوالى ما هو أبلغ في الكشف من ذلك، ولله في ستر خلقه حكمة بالغة ومشيئة نافذة.
وقال ابن قتيبة -فيما ذكر ابن المنير: سبب تركه السؤال حديث ابن زمل: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح قال ﷺ وهو ثاني رجليه: "سبحان الله وبحمده وأستغفر الله، إن الله كان توابا". سبعين مرة، ثم يقول: "سبعون بسبعمائة، لا خير فيمن كانت ذنوبه في يوم أكثر من سبعمائة". ثم يستقبل الناس بوجهه فيقول: "هل رأى أحد منكم شيئا؟ ". قال ابن زمل: فقلت ذات يوم: أنا يا رسول الله! قال: "خير تلقاه وشر نوقاه، وخير لنا وشر على أعدائنا والحمد لله رب العالمين اقصص رؤياك".
قال: رأيت جميع الناس على طريق رحب لاحب سهل، والناس على الجادة منطلقون، فبينما هم كذلك أشفى ذلك الطريق بهم على مرج لم تر عيني مثله،
الحواشي
(١) المراتب، فلما كانت هذه الرؤيا كاشفة لمنازلهم، مبينة لفضل بعضهم على بعض في التعيين، خشي أن يتواتر ويتوالى" يتتابع "ما هو أبلغ في الكشف من ذلك، ولله في ستر خلقه" أي المخلوقين بإيجاده "حكمة بالغة" أي تامة "ومشيئة نافذة" "بمعجمة" أي ماضية.
"وقال ابن قتيبة" عبد الله بن مسلم الدينوري "فيما ذكر ابن المنير" في معراجه "سبب تركه السؤال حديث ابن زمل" "بكسر الزاي وسكون الميم ولام" الجهني، واسمه عبد الله على الأصح، صحابي جزما، كما مر عن الإصابة، وأنه لا عبرة بقول القاموس: تابعي، مجهول، غير ثقة وقول الصغاني، صحابي غلط، وأنه هو الغالط.
وقد أنصف من قال فيه: لكثرة دخوله فيما لا يعنيه كثر الغلط فيه، "كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح، قال ﷺ وهو ثاني رجليه: "سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله" "بالواو" عند ابن قتيبة، وعند غيره بلا واو، "إن الله كان توابا". "سبعين مرة"، ثم يقول: "سبعون بسبعمائة" لأن الحسنة بعشر أمثالها، "لا خير فيمن كانت ذنوبه في يوم أكثر من سبعمائة". "ثم يستقبل الناس بوجهه" أي يجعل وجهه إليهم، فيقول: "هل رأى أحد منكم شيئا" في منامه، "قال ابن زمل: فقلت ذات يوم: أنا يا رسول الله"، قال: رؤياك "خير تلقاه وشر نوقاه، وخير لنا وشر على أعدائنا والحمد لله رب العالمين، اقصص رؤياك". حدث بها على وجهها، "قال: رأيت جميع الناس على طريق رحب" "براء مفتوحة فمهملة ساكنة فموحدة" أي: واسع "لاحب" "بلام فمهملة مكسورة" واضح "سهل" أي: لا صعوبة فيه "والناس على الجادة" "بجيم فألفстр. 4523
يرف رفيقا، يقطر نداه، فيه من أنواع الكلأ، فكأني بالرعلة الأولى حين أشرفوا على المرج كبروا ثم أكبوا رواحلهم في الطريق فلم يضلوه يمينا ولا شمالا، ثم جاءت الرعلة الثانية من بعدهم، وهم أكثر منهم أضعافا، فلما أشفوا على المرج كبروا، ثم أكبوا رواحلهم في الطريق، فمنهم المرتع، ومنهم الآخذ الضغث ومضوا على ذلك. قال: ثم قدم عظم الناس، فلما أشفوا على المرج كبروا وقالوا: هذا خير المنزل، فمالوا في المرج يمينا وشمالا، فلما رأيت ذلك لزمت الطريق حتى أتيت أقصى المرج، فإذا أنا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات، وأنت في أعلاها درجة، وإذا عن يمينك رجل أقنى آدم، إذا هو تكلم يسمو، يكاد يفرع الرجال طولا، وإذا عن يسارك رجل ربعة تار أحمر، كثير خيلان الوجه، إذا هو تكلم أصغيتم
الحواشي
(١) فمهملة مفتوحة ثقيلة فتاء تأنيث،" أي وسط الطريق "منطلقون، فبينما هم كذلك أشفى"، "بفتح الهمزة وإسكان المعجمة ففاء فياء تحتية" أي أشرف "ذلك الطريق بهم على مرج"، "بفتح الميم وسكون الراء وجيم" موضع ترعى فيه الدواب، "لم تر عيني مثله يرف"، "بفتح التحتية وكسر الراء ففاء"، "رفيقا" أي يكثر ماؤه "يقطر نداه فيه من أنواع الكلأ"، "بكاف فلام مفتوحتين فهمزة" عشبه ونباته ويابسه، "فكأني بالرعلة"، "براء مفتوحة فعين مهملة ساكنة فلام فتاء تأنيث" القطعة من الفرسان "الأولى حين أشرفوا"، الرواية عند ابن قتيبة الذي هو نافل عنه: أشفوا "بفتح فسكون ففاء" بمعنى أشرفوا، فذكره المصنف بالمعنى "على المرج كبروا، ثم أكبو"، أي أرسلوا "رواحلهم في الطريق, فلم يضلوه" أي لم يخرجوا عنه "يمينا ولا شمالا".
زاد في رواية: فكأني أنظر إليهم منطلقين، "ثم جاءت الرعلة الثانية من بعدهم، وهم أكثر منهم أضعافا، فلما أشفوا" أشرفوا وأطلقوا "على المرج كبروا، ثم أكبوا رواحلهم في الطريق، فمنهم المرتع"، "بضم الميم وسكون الراء وكسر الفوقية" أي الذي يخلي ركابه ترتع، أي: تسعى وترعى كيف شاءت ومنهم الآخذ الضغث"، "بكسر المعجمة وإسكان المهملة، فمثلثة" قبضة من حشيش مختلط, "ومضوا على ذلك، قال: ثم قدم عظم"، "بضم فسكون" أكثر "الناس فلما أشفوا على المرج كبروا" فرحا، "وقالوا: هذا خير المنزل، فمالوا في المرج يمينا وشمالا، فلما رأيت ذلك لزمت الطريق حتى أتيت أقصى" أبعد "المرج فإذا أنا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات، وأنت في أعلاها درجة، وإذا عن يمينك رجل أقنى"، "بقاف ونون"، قال ابن الأثير: هو السائل الأنف، المرتفع وسطه، وقيل: هو نتوء في وسط القصبة، والأول أولى بالمدح "آدم"، "بالمد" أي أسمر، "إذا هو تكلم يسمو" يعلو ويرتفع على جلسائه، "يكاد يفرع"، "بفتح الياء وسكون الفاء وفتح الراء وعين مهملة" أي: يعلو، "الرجال طولا،стр. 4524
إليه إكراما له، وإذا أمام ذلك شيخ كأنكم تقتدون به، وإذا أمام ذلك ناقة عجفاء شارف، وإذا أنت كأنك تبعثها يا رسول الله.
قال: فانتقع لون رسول الله ﷺ ساعة، ثم سري عنه، فقال: "أما ما رأيت من الطريق الرحب اللاحب السهل، فذلك ما حملتكم عليه من الهدى، فأنتم عليه، وأما المرج الذي رأيت فالدنيا وغضارة عيشها، لم نتعلق بها ولم تردنا ولم نردها، وأما الرعلة الثانية والثالثة -وقص كلامه- فإن لله وإنا إليه راجعون، وأما أنت فعلى طريقة صالحة، فلن تزال عليها حتى تلقاني، وأما المنبر فالدنيا سبعة آلاف سنة، أنا في آخرها ألفا، وأما الرجل الطويل الآدم فذلك موسى، نكرمه بفضل كلام الله إياه، وأما الرجل الربعة التار فذلك عيسى ﵇ نكرمه بفضل منزلته من الله، وأما
الحواشي
(١) وإذا عن يسارك رجل ربعة"، "بفتح الراء وسكون الموحدة" وقد تفتح، أي ليس بالطويل ولا بالقصير "تار"، "بفوقية فألف فراء ثقيلة"، "أي مسترخ من جوع أو غيره، "أحمر كثير خيلان" جمع خال، أي شامات "الوجه".
زاد في رواية: كأنه حمم شعره بالماء، "إذا هو تكلم أصغيتم" أملتم سمعكم ورأسكم "إليه" تسمعوا كلامه "إكراما له، وإذا أمام" قدام "ذلك شيخ كأنما تقتدون به، وإذا أمام ذلك ناقة عجفاء"، "بفتح العين المهملة وسكون الجيم ففاء فهمز ومد" مهزولة "شارف"، "بمعجمة فألف فراء ففاء" أي مسنة "وإذا أنت كأنك تبعثها يا رسول الله! قال: فانتقع"، "بنون ففوقية فقاف" مبني للمجهول، أي تغير "لون رسول الله ﷺ ساعة" قطعة من الزمان "ثم سري" أي كشف "عنه، فقال": "أما ما رأيت من الطريق الرحب اللاحب السهل فذلك" أي تعبيره "ما حملتكم عليه من الهدى، فأنتم عليه، وأما المرج الذي رأيت فلدنيا وغضارة"، "بفتح المعجمتين فألف فراء فتاء تأنيث" طيب "عيشها" ولذاته وخصبه، "لم نتعلق بها ولم تردنا ولم نردها".
كذا في رواية ابن قتيبة، وفي رواية غيره: "مضيت أنا وأصحابي، لم نتعلق منها، ولم تتعلق منا ولم نردها". "وأما الرعلة الثانية والثالثة". "وقص" أي: ذكر "كلامه". "فإنا لله وإنا إليه راجعون" أسف من تهافتهم على الدنيا وانهماكهم عليها فاسترجع "وأما أنت فعلى طريقة صالحة، فلن تزال عليها حتى تلقاني" تعبير لقوله: لزمت الطريق حتى أتيت أقصى المرج فإذا أنا بك. "وأما المنبر، فالدنيا سبعة آلاف سنة، أنا في آخرها ألفا، وأما الرجل الطويل الآدم، فذلك موسى نكرمه" نحن، أي: نعظمه "بفضل كلام الله إياه" مثله في رواية ابن قتيبة.
وفي رواية غيره: "فذلك موسى إذا تكلم يعلو الرجال بفضل كلام الله تعالى إياه". وهذاстр. 4525
الشيخ الذي رأيت كأننا نقتدي به فذلك إبراهيم ﷺ ، وأما الناقة العجفاء الشارف التي رأيتني أبعثها فهي الساعة عليها -أي على الأمة- تقوم، لا نبي بعدي ولا أمة بعد أمتي".
قال الراوي: فما سأل رسول الله ﷺ بعد هذا أحدًا عن رؤيا، إلا أن يجيء الرجل متبرعا فيحدثه بها. رواه ابن قتيبة والطبراني والبيهقي في الدلائل وسنده ضعيف جدا.
ومن غرائب ما نقل عنه ﷺ من التعبير، أن زرارة بن عمرو النخعي قدم على رسول الله ﷺ في وفد النخع، فقال: يا رسول الله، إني رأيت في طريقي هذا رؤيا، رأيت أتانا تركتها في الحي ولدت جديا أسفع أحوى، فقال له رسول الله ﷺ : "هل لك من امرأة تركتها مصرة حملا؟ " قال: نعم، تركت أمة
الحواشي
(١) المناسب لتعبير قوله: إذا تكلم يعلو، "وأما الرجل الربعة التار"، "بالفوقية"، أي المسترخي "فذلك" أي تعبيره "عيسى ﵇" وذلك مناسب لحاله، فإنه كثير الصيام والسياحة وعبادة الله، فيسترخي من ذلك "نكرمه" نعظمه بالإصغاء إليه "بفضل منزلته من الله".
"وأما الشيخ الذي رأيت كاننا نقتدي به، فذلك إبراهيم ﷺ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣] "وأما الناقة العجفاء الشارف الذي رأيتني أبعثها فهي الساعة عليها -أي على الأمة- تقوم, لا نبي بعدي ولا أمة بعد أمتي، قال الراوي: فما سأل رسول الله ﷺ بعد هذا أحد عن رؤيا إلا أن يجيء الرجل متبرعا" يقص منامه عليه من غير سؤال "فيحدثه بها"، أي يعبرا له.
"رواه ابن قتيبة" بإسناده، واقتصر ابن المنير على عزوه له، وزاد المصنف "والطبراني" في الكبير "والبيهقي في الدلائل" النبوية، "وسنده ضعيف جدا" ولا يلزم منه أن ابن زمل ليس بصحابي، إذ ضعف الدليل لا يضعف المدلول.
"ومن غرائب ما نقل عنه ﷺ من التعبير أن زرارة"، "بضم الزاي"، "ابن عمرو"، "بفتح العين"، وسماه ابن الكلبي زرارة بن قيس بن الحارث بن عدي "النخعي"، "بفتح النون والخاء المعجمة" نسبة إلى النخع قبيلة من مذحج من اليمن، "قدم على رسول الله ﷺ في وفد النخع" في نصف المحرم سنة إحدى عشرة، قاله أبو حاتم، وبه جزم ابن سعد عن الواقدي.
وقال أبو عمر: قدم زرارة في نصف رجب سنة تسع، وجمع باحتمال قدومه وحده في هذا التاريخ، ثم قدم مع قومه في التاريخ المبدأ به وهو سنة قدوم قومه وكانوا آخر الوفود، "فقال: يا رسول الله إني رأيت في طريقي هذا رؤيا" زاد في رواية، هالتني، وفي أخرى، رأيت فيстр. 4526
أظنها قد حملت، قال: "قد ولدت غلاما وهو ابنك"، قال: فما باله أسفع أحوى؟ قال: ادن مني، فدنا منه، قال: "هل بك برص تكتمه؟ " قال: نعم والذي بعثك بالحق ما رآه مخلوق ولا علم به أحد، قال: فهو ذاك".
قال: ورأيت النعمان بن المنذر وعليه قرطان ودملجان ومسكتان، قال: "ذلك ملك العرب رجع إلى أحسن زيه وبهجته".
قال: ورأيت عجوزا شمطاء، تخرج من الأرض، قال: "تلك بقية الدنيا".
قال: ورأيت نارا خرجت من الأرض فحالت بيني وبين ابن لي يقال له عمرو، ورأيتها تقول: لظى لظى، بصير وأعمى، آكلكم آكلكم وأهلكم ومالكم فقال
الحواشي
(١) سفري هذا عجبا، "رأيت أتانا"، "بفوقية ونون" الأنثى من الحمير، ولا يقال: إتانة، قاله ابن السكيت "تركتها في الحي" وفي رواية: خلفتها في أهلي, "ولدت جديا" الذكر من أولاد المعز "أسفع" بفتح فسكون ففتح أسود مشرب بحمرة "أحوى" كالتأكيد لما قبله، "فقال له رسول الله ﷺ : هل لك من امرأة تركتها مصرة حملا؟ "، "اسم فاعل من أصر على الشيء أقام عليه"، والمراد أن حملها محقق ثابت، "قال: نعم تركت أمة أظنها قد حملت، قال: "قد ولدت غلاما وهو ابنك" جملة استئنافية دفع بها ما قد يدخل عليه من الريبة إذا رأى اللون الغريب، "قال: فما باله أسفع أحوى", أي ما الحال الداعي إلى مجيئه بهذا اللون المخالف للون أبيه، "قال: ادن مني، فدنا منه، قال: "هل بك برص تكتمه؟ " استفهام تقريري أريد به طلب اعترافه به ليرتب عليه الجواب، فيكون ألزم للحجة، وأمره بالقرب منه لعلمه أنه يخفيه، "قال: نعم" هو بي، ولكن "والذي بعثك بالحق ما رآه مخلوق، ولا علم به أحد" غيرك، فهذا من آياته ﷺ "قال: "فهو ذاك" أي اللون الذي في ابنك أثر البرص الذي فيك.
"قال" زرارة: "ورأيت النعمان بن المنذر" ملك العرب "وعليه قرطان"، "بضم القاف تثنية قرط، وهو ما يعلق في شحمتي الأذن "ودملجان"، "بضم الدال وضم اللام وفتحها شيء يشبه السوار "ومسكتان"، "بفتح الميم والسين المهملة سواران"، "قال: ذلك ملك"، "بضم فسكون"، "العرب، رجع إلى أحسن زيه"، "بكسر الزاي وشد الياء هيئته"، "وبهجته" حسنه لأن النعمان كان ملكا على العرب، فالمعنى عادت العرب إلى ما كانوا عليه من العز والشرف، وذهبت غلبة الفرس والعجم بظهوره ﷺ "قال: ورأيت عجوزا شمطاء"، "بزنة حمراء أبيض شعر رأسها"، "تخرج من الأرض، قال: "تلك بقية الدنيا" فلم يبق منها إلا القليل بالنسبة للماضي، كالباقي من عمر العجوز مما مضى، "قال: ورأيت نارا خرجت من الأرض، فحالت بيني وبين ابن ليстр. 4527
النبي ﷺ : "تلك فتنة تكون في آخر الزمان"، قال: وما الفتنة؟ قال: "يفتك الناس بإمامهم ثم يشتجرون اشتجار أطباق الرأس"، وخالف ﷺ بين أصابعه، "يحسب المسيء أنه محسن، ودم المؤمن عند المؤمن أحلى من شرب الماء البارد".
فانظر إلى هذا التعبير البارز من مشكاة النبوة، محشوا حلاوة الحق، مكسوا طلاوة الصدق مجلوا بأنوار الوحي.
والأسفع: الذي أصاب جسده لون آخر.
الحواشي
(١) يقال له عمرو" بن زرارة، أورده في الإصابة في القسم الأول، وقال: صحبته محتملة، "ورأيتها تقول: لظى لظى" بزنة فتى النار أو لهبها، ولظى معرفة جهنم، كما في القاموس: "بصير وأعمى", أي أجمع الغث والثمين، فلا أترك واحدا منهما، "آكلكم آكلكم" تأكيد لفظي للأول، "أهلكم ومالكم" عطف بيان لآكلكم، وفي نسخ: آكلكم كلكم، بالتوكيد المعنوي وما بعده بالنصب بدل من الكاف، وهذا الذي في ابن المنير عن ابن قتيبة، "فقال ﷺ : "تلك فتنة تكون في آخر الزمان" سماه آخرا مع أنا قتل عثمان ﵁، باعتبار أنه لغلظ أمرها وفحشها بمنزلة ما يكون في آخر الزمان أن الذي فيه الأحكام وتزول، حتى كأنها لا أثر لها، أو المراد آخر زمان خلافة النبوة، وسماه آخر مع أنه بقي منها خلافة علي والحسن لقرب قتل عثمان من آخرها، "قال: وما الفتنة" لأنها لغة تطلق على معان، فسأله أيها أراد، "قال: "يفتك"، "بكسر التاء وضمها" يبطش "الناس بإمامهم" الخليفة ويقتلونه على غفلة، ولعل تفسيرها بالفتك متسببة عنها، لأنها الميل والخروج عن الاعتدال، وذلك يتسبب عنه البطش والقتل، "ثم يشتجرون"، "بمعجمة وجيم" أي يتنازعون "اشتجار أطباق الرأس" عظامه "وخالف ﷺ بين أصابعه" لم يبينوا صفة لمخالفة، وقال مستأنفا: "يحسب المسيء أنه محسن" للإشارة إلى غلبتها، فيظن المبطل أنه محق، لأن اجتهاده أداه لذلك، "ودم المؤمن عند المؤمن أحلى" ألذ، والذي في ابن المنير وغيره: أحل من الحل ضد الحرام "من شرب الماء البارد", وكأنه لغلبة اشتباه الحال، فيظن أنه محق، فيراه أشد حلاء من شرب الماء, وخصه لغلبة حصوله من جهة حل، كالأنهار والأمصار، ونحوهما بقية الحديث كما مر في الوفدان: مات ابنك قبلك أدركت الفتنة، وإن مت أنت أدركها ابنك، قال: يا رسول الله ادع الله أن لا أدركها، فقال ﷺ : "اللهم لا يدركها" فمات، فبقي ابنه، فكان ممن خلع عثمان.
وعند ابن الكلبي وغيره: فكان أول خلق الله خلع عثمان بالكوفة، "فانظر إلى هذا التعبير البارز من مشكاة النبوة محشوا حلاوة الحق مكسوا طلاوة الصدق" مثلث الطاء الحسنстр. 4528
والأحوى: الأسود ليس بالشديد.
والمسكتان: السواران من ذهب.
وأطباق الرأس: عظامه.
والاشتجار: الاختلاف والاشتباك.
فإن قلت: تعبيره ﵊ السوارين هنا يرجع إلى بشرى، وعبرهما بالكذابين فيما مر.
أجيب: بأن النعمان بن المنذر كان ملك العرب، وكان مملكا من جهة الأكاسرة، وكانوا يسورون الملوك ويحلونهم، وكان السواران من زي النعمان ليسا بمنكرين في حقه ولا بموضوعين في غير موضعهما عرفا، وأما النبي ﷺ فنهى عن لباس الذهب لآحاد أمته فجدير أن يهمه ذلك لأنه ليس من زيه، فاستدل به على أمر يوضع في غير موضعه، ولكن حمدت العاقبة بذهابهما، ولله الحمد.
الحواشي
(١) والبهجة والقبول، كما في القاموس: "مجلوا بأنوار الوحي، والأسفع الذي أصاب جسده لون آخر" هذا مخالف لظاهر قول المجد: السفع: السواد يضرب إلى الحمرة، ثم قال: ومن اللون سواد أشرب حمرة، "والأحوى الأسود ليس بالشديد" في ذلك، "والمسكتان السواران من ذهب" كأنه بيان للمراد، وإلا فالذي قاله ابن سيده والجوهري: المسك بالتحريك، أي بتفحتين أسورة من ذبل أو عاج الواحدة مسكة.
زاد ابن الأثير في الجامع: فإن كانت من غير ذلك أضيفت إلى ما هي منه، فيقال: من ذهب أو فضة أو غيرهما، والذبل: "بمعجمة وموحدة" شيء كالعاج، وقيل: ظهر السلحفاة البحرية، "وأطباق الرأس عظامه، والاشتجار الاختلاف والاشتباك، فإن قلت: تعبيره ﵊ السوارين هنا يرجع إلى بشرى، وعبرهما" أي السوارين اللذين رآهما في يده الكريمتين "بالكذابين فيما مر" وذلك ضد البشرى.
"أجيب" أي أجاب ابن المنير في معراجه "بأن النعمان بن المنذر كان ملك العرب، وكان مملكا من جهة الأكاسرة، وكانوا يسورون الملوك", يجعلون لهم الأساور "ويحلونهم" بالحلي "وكان السواران من زي النعمان"، "بكسر الزاي" ليسا بمنكرين في حقه، ولا بموضوعين في غير موضعهما عرفا" فلذلك عبرهما ببشرى.
"وأما النبي ﷺ فنهى عن لباس الذهب لآحاد أمته" فضلا عنه، "فجدير" حقيق "أن يهمه"، "بفتح الياء وضم الهاء"، "ذلك لأنه ليس من زيه، فاستدل به على أمر يوضع في غيرстр. 4529
ومن ذلك: ما روي عن قيس بن عباد -بضم العين وتخفيف الموحدة- قال: كنت في حلقة فيها سعد بن مالك وابن عمر، فمر عبد الله بن سلام فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، فقلت له: إنهم قالوا كذا وكذا، فقال: سبحان الله، ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم، إنما رأيت كأنما عمود وضع في روضة
الحواشي
(١) موضعه"، وهو الكذابان، "ولكن حمدت العاقبة بذهابهما"، المأخوذ من لفظ ذهب، لأن حروفهما واحدة، "ولله الحمد" على ذلك، "ومن ذلك" أي تعبيره ﷺ "ما روي عن قيس بن عباد، بضم العين" المهملة "وتخفيف الموحدة" آخره دال مهملة، الضبعي "بضم المعجمة وفتح الموحدة" أبي عبد الله البصري، ثقة، تابعي، كبير، له إدراك، قدم المدينة في خلافة عمر، ووهم من عده في الصحابة، مات بعد الثمانين، "قال كنت في حلقة"، "بسكون اللام"، "فيها سعد بن مالك" هو ابن أبي وقاص "وابن عمر" عبد الله، "فمر عبد الله بن سلام"، "بتخفيف اللام اتفاقا" الإسرائيلي، من ذرية يوسف الصديق، أسلم أول ما دخل النبي ﷺ المدينة، كما في الصحيح، وغلط من قال قبل الوفاة النبوية بعامين، ومات سنة ثلاث وأربعين.
وللبخاري في المناقب: كنت جالسا في مسجد المدينة، فدخل رجل على وجهه أثر الخضوع، "فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة".
وعند مسلم: كنت بالمدينة في ناس فيهم بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، فجاء رجل في وجهه أثر الخشوع، فقال بعض القوم: هذا رجل من أهل الجنة، هذا رجل من أهل الجنة، هذا رجل من أهل الجنة ثلاثا، فصلى ركعتين تجوز فيهما، ثم خرج.
وعنده أيضا عن خرشة بن الحر: كنت جالسا في حلقة في مسجد بالمدينة وفيها شيخ حسن الهيئة، وهو عبد الله بن سلام، فجعل يحدثهم حديثا حسنا، فلما قام قال القوم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا، وللنسائي: فجاء شيخ يتوكأ على عصا، فذكر نحوه.
قال الحافظ: ويجمع بينهما بأنهما قصتان، اتفقا الرجلين، فكأنه كان في مجلس يتحدث، كما في رواية خرشة: فلما قام ذاهبا مر على حلقة فيها سعد وابن عمر، فحضر ذلك قيس بن عباد، كما في روايته، وكل من خرشة وقيس، اتبع ابن سلام ودخل عليه منزله، وسأله فأجابه، ومن ثم اختلف الجواب بالزيادة والنقص، سواء كان زمن اجتماعهما بابن سلام، اتحد أم تعدد، "فقلت له: إنهم قالوا كذا وكذا"، بين في مسلم أن قائل ذلك رجل واحد، وفيه زيادة، ولفظه: ثم خرج فاتبعته، فدخل منزله ودخلت، فتحدثنا، فلما استأنس قلت له: إنك لما دخلت قبل قال رجل: كذا وكذا، وكأنه نسب القول للجماعة، والناطق به واحد لرضاهم به وسكوتهمстр. 4530
خضراء، فنصب فيها، وفي رأسها عروة، وفي أسفلها منصف -والمنصف الوصيف- فقال: ارقه، فرقيته حتى أخذت بالعروة، فقصصتها على رسول الله ﷺ فقال: "يموت عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى". رواه البخاري.
الحواشي
(١) عليه.
وفي رواية خرشة: فقلت: والله لأتبعه، فلأعلمن مكان بيته، فانطلق حتى كان يخرج من المدينة، ثم دخل منزله، فاستأذنت عليه، فأذن لي، فقال: ما حاجتك يابن أخي؟ فقلت: سمعت القوم يقولون لما قمت: من سره أن ينظر إلى الرجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا، فأعجبني أن أكون معك، "فقال: سبحان الله، ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم" إنكار منه على من قطع له بالجنة، فكأنه ما سمع حديث سعد بن أبي وقاص: ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض أنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، رواه الشيخان، وكأنهم هم سمعوه، ويحتمل أن يكون هو أيضا سمعه، لكنه كره الثناء عليه بذلك تواضعا، ويحتمل أن يكون إنكار منه على من سأله عن ذلك، لكونه فهم منه التعجب من خبرهم، فأخبره بأن ذلك لا عجب فيه لما ذكر له من قصة المنام، وأشار بذلك القول إلى أنه لا ينبغي لأحد إنكار ما لا علم له به إذا كان الذي أخبره به من أهل الصدق.
وفي رواية خرشة: فقال: الله أعلم بأهل الجنة، وسأحدثك مم قالوا ذلك فذكر المنام، وهذا يقوى باحتمال أنه أنكر عليهم الجزم، ولم ينكر أصل الأخبار، بأنه من أهل الجنة، وهذا شأن الخائف المراقب المتواضع.
وفي رواية النسائي: الجنة لله يدخلها من يشاء، زاد ابن ماجه: الحمد لله، "إنما رأيت كأنما عمود وضع في روضة خضراء" أي وسطها، فعند البخاري في المناقب: رأيت كأني في روضة، ذكر من سمعتها وخضرتها كذا وكذا وسطها عمود من حديد، أسفله في الأرض وأعلاه في السماء.
قال الكرماني: يحتمل أن يراد بالروضة جميع ما يتعلق بالدي وبالعمود الأركان الخمسة، وبالعروة الوثقى الإيمان، "فنصب فيها"، "بضم النون وكسر المهملة فموحدة" وللمستملي والكشميهني: قبضت "بفتح القاف والموحدة، فضاد معجمة ساكنة، فتاء المتكل"، "وفي رأسها عروة".
وفي رواية المناقب في مسلم: في أعلاه، أي العمود عروة، فيعلم منه أن ضمير رأسها للعمود، وأنثه وهو مذكر باعتبار الدعامة، "وفي أسفلها منصف"، "بكسر الميم وسكون النون وفتح الصاد المهملة وبالفاء" ويقال أيضا بفتح الميم.
حكاه عياض وغيره، "والمنصف الوصيف" مدرج في الخبر، وهو تفسير من ابن سيرين،стр. 4531
وفي رواية خرشة: بينما أنا نائم أتاني رجل فقال لي: قم، فأخذ بيدي فانطلقت معه، فإذا أنا بجواد -بجيم ودال مشددة جمع جادة وهي الطريق المسلوك- عن شمالي، قال: فأخذت لآخذ فيها -أي أسير- فقال: لا تأخذ فيها فإنها طريق أصحاب الشمال.
وفي رواية النسائي من طريقه: فبينا أنا أمشي إذ عرض لي طريق عن شمالي، فأردت أن أسلكها، فقال: إنك لست من أهلها.
الحواشي
(١) بدليل قوله في رواية مسلم: فجاءني منصف، قال ابن عود: والمنصف الخادم، كذا قال الحافظ.
وفي البخاري في المناقب: قال لي خليفة: حدثنا معاذ، حدثنا ابن عون عن محمد، حدثنا قيس عن ابن سلام، قال: وصيف مكان منصف، والوصيف الخادم الصغير، ذكرا كان أو أنثى، "فقال" المنصف: "ارقه"، "بهاء السكت" وفي رواية بإسقاطها، "فرقيته"، "بكسر القاف على الأفصح" وحكى فتحها، كذا قال الحافظ وقال عياض: روي "بكسر القاف وفتحها، والفصيح الكسر" أي صعدت "حتى أخذت بالعروة" وفي المناقب: كمسلم، فقيل لي: ارقه، قلت: لا أستطيع، فأتاني منصف، فرفع ثيابي من خلفي، فرقيت حتى كنت في أعلاها، فأخذت بالعروة، فقيل لي: استمسك فاستيقظت، وإنها لفي يدي، "فقصصتها" على رسول الله ﷺ ، فقال: $"يموت عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى". تأنيث الأوثق العقد الوثيق من الحبل الوثيق المحكم، وهو تمثيل للمعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد، المخصوص حتى يتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه، فيحكم اعتقاده، والمعنى: وهو آخذ من الدين عقدا وثيقا لا تحله شبهة.
"رواه البخاري" في التعبير، ومسلم في الفضائل، كلاهما من طريق قرة بن خالد، عن محمد بن سيرين، عن قيس بهذا اللفظ مختصرا، وأخرجاه في المناقب من طريق عبد الله بن عون، عن محمد بن سيرين، كان يتيما في حجر عمر.
قال أبو داود: له صحبة، وقال العجلي: ثقة من كبار التابعين، مات سنة أربع وسبعين، وروايته عند مسلم، عنه، عن ابن سلام: وسأحدثك مم قالوا: ذلك: "بينا أنا نائم أتاني رجل، فقال لي: قم، فأخذ بيدي، فانطلقت معه، فإذا أنا بجواد، بجيم ودال مشددة" زاد عياض: ومخففة "جمع جادة، وهي الطريق المسلوك" البين "عن شمالي، قال" عبد الله بن سلام: "فأخذت لآخذ فيها، أي أسير، فقال: لا تأخذ فيها، فإنها طريق أصحاب الشمال".стр. 4532
وفي رواية مسلم: فإذا جواد منهج على يميني، فقال لي خذ ههنا، فأتى بي جبلا فقال لي: اصعد، قال فجعلت إذا أردت أن أصعد خررت، حتى فعلت ذلك مرارا.
وفي رواية ابن عون: فقال: "تلك الروضة روضة الإسلام، وذلك العمود عمود الإسلام، وتلك العروة، عروة الوثقى، لا تزال متمسكا بالإسلام حتى تموت".
وفي رواية خرشة عند النسائي وابن ماجه قال: "رأيت خيرا، أما المنهج فالمحشر وأما الجبل فهو منزل الشهداء". زاد مسلم: "ولن تناله".
وهذا علم من أعلام نبوة نبينا محمد ﷺ فإن عبد الله بن سلام لم يمت
الحواشي
(١) "وفي رواية النسائي من طريقه" أي خرشة، عن ابن سلام: "فبينا أنا أمشي إذ عرض لي طريق عن شمالي، فأردت أن أسلكها، فقال: إنك لست من أهلها" أي فلا تسلكها.
"وفي رواية مسلم" المذكورة عن خرشة، عن ابن سلام عقب قوله الشمال، "فإذا جواد منهج على يميني".
قال القرطبي: يرفع منهج على الصفة، أي ظاهر واضح، "فقال لي: خذ" أي سر "ههنا، فأتى بي جبلا، فقال لي: اصعد، قال: فجعلت إذا أردت أن أصعد خررت" سقطت على استي، كما في مسلم متصلا بقوله: "حتى فعلت ذلك مرارا" قال: ثم انطلق بي حتى أتى بي عمودا، رأسه في السماء وأسفله في الأرض، فقال لي: اصعد فوق هذا، قلت: كيف أصعد هذا ورأسه في السماء، قال: فأخذ بيد، فزجل بي "بزاي وجيم"، أي رفعني، وروي "بحاء مهملة"، بمعناه، قال القرطبي: ورواية الجيم أصح وأولى، قال: فإذا أنا متعلق بالحلقة، ثم ضرب العمود فخر, وبقيت متعلقا بالحلقة حتى أصبحت، فأتيت النبي ﷺ فقصصتها عليه كما في مسلم.
"وفي رواية" عبد الله "بن عون" البصري، عن محمد بن سيرين، عن قيس بن عباد، عن ابن سلام، عند الشيخين، فقصصتها على النبي ﷺ ، فقال: "تلك الروضة روضة الإسلام" , أي جميع ما يتعلق بالدين، "وذلك العمود عمود الإسلام" أي أركانه الخمسة، أو كلمة الشهادة وحدها، "وتلك العروة عروة الوثقى" أي الإيمان.
قال في المفهم: معنى الوثقى القوية التي لا انقطاع لها، وأضيفت عروة هنا إلى صفتها، كمسجد الجامع وصلاة الأولى، ورواه أبو ذر: وتلك العروة الوثقى بدون عروة الثانية، "لا تزال متمسكا بالإسلام" لفظ الصحيحين من هذه الطريق: "فأنت على الإسلام". نعم في مسلم في رواية خرشة: "ولن تزال متمسكا به"، "حتى تموت" وذلك الرجل عبد الله بن سلام. هذا بقية هذه الرواية عندهما، وهو يحتمل أنه قوله، ولا مانع أن يخبر بذلك ويريد نفسه، ويحتمل أنه من كلام الراوي، قاله الحافظ.стр. 4533
شهيدا، وإنما مات على فراشه في أول خلافة معاوية بالمدينة.
وقولهم إنه من أهل الجنة، أخذوه من قوله لما ذكر طريق الشمال: إنك لست من أهلها.
وإنما قال: "ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم" على سبيل التواضع وكراهية أن يشار إليه بالأصابع، خشية أن يدخله العجب، عافانا الله من سائر المكاره.
وقال القيرواني: الروضة التي لا يعرف نبتها تعبر بالإسلام لنضارتها وحسن بهجتها، وتعبر أيضا بكل مكان فاضل، وقد تعبر بالمصحف وكتب العلم والعالم ونحو ذلك. انتهى.
الحواشي
(١) "وفي رواية خرشة عند النسائي وابن ماجه، قال" ﷺ لعبد الله بن سلام، لما قص عليه: "رأيت"، "بفتح التاء"، " خيرا" فيستحب قول ذلك للعابر.
"أما المنهج فالمحشر وأما الجبل فهو منزل الشهداء". "زاد مسلم" من رواية خرشة: "ولن تناله". "وهذا علم من أعلام نبوة نبينا محمد ﷺ ، فإن عبد الله بن سلام لم يمت شهيدا وإنما مات على فراشه في أول خلافة معاوية بالمدينة" سنة ثلاث وأربعين.
"وقولهم: إنه من أهل الجنة أخذوه من قوله: لما ذكر طريق الشمال إنك لست من أهلها", ومن كان كذلك فهو من أهل الجنة، أو من قوله ﷺ : "فأنت على الإسلام حتى تموت". ومن مات عليه فهو من أهلها.
قال الأبي: قوله في رواية مسلم: وسأحدثك لم ذلك، أي قالوا ذلك، نص في أنه فهم عنهم، أنهم قالوه مستندين للرؤيا، وإنما فيها أنه يموت على الإسلام وهو يستلزم دخول الجنة، وفهموا أنه دخول أولي، وكأنه هو لم يره أوليا، "وإنما قال: ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم على سبيل التواضع وكراهية" بكسر الهاء وخفة الياء"، "أن يشار إليه بالأصابع خشية أن يدخله العجب، عافانا الله من سائر المكاره".
قال عياض: لا نقطع بالجنة إلا لمن أخبر ﷺ أنه من أهلها، أو أخبر أه يموت على الإسلام، فهؤلاء إن بلغهم حديث سعد، فما قالوا ذلك إلا عن علم، وإنكاره عليهم يحتمل أنه لم يبلغه حديث سعد، أو بلغه ولم يذكره تواضعا وتسترا.
قال الأبي: والثاني أظهر، لأنه وإن لم يبلغه حديث سعد، فالرؤيا تدل على دخوله الجنة مطلقا لا دخولها أولا، أي مع السابقين، ومراد أولئك أنه يدخلها دخولا أوليا. انتهى.
وتقدم احتمال أنه إنكار على سائله، لفهمه منه التعجب من خبرهم، بأن ذلك لا عجبстр. 4534
وقال غيره من المعبرين: الحلقة والعروة المجهولة، تدل لمن تمسك به على قوته في دينه، وإخلاصه فيه.
ومن ذلك، ما رواه البخاري عن أم العلاء وهي امرأة من نسائهم، بايعت رسول الله ﷺ وأريت لعثمان بن مظعون بعد موته في النوم عينا تجري، فجئت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: "ذلك عمله يجري له".
وقد قيل: يحتمل أنه كان لعثمان شيء من عمله بقي له ثوابه جاريا
الحواشي
(١) فيه للرؤيا، فلا ينبغي لأحد إنكار ما لا يعلم إذا أخبره أهل الصدق.
قال المصنف: ويحقق هذا قوله: فاستيقظت، وإنها لفي يدي، أي حقيقة من غير تأويل على ظاهر اللفظ، وتكون رؤياه هذه كشفا كشفه الله له كرامة. انتهى.
وفيه تورك على قول الحافظ، أي إن الاستيقاظ كان حين الأخذ من غير فاصل، ولم يرد أنها بقيت في يده في حال يقظته، ولو حمل على ظاهره لم يمتنع في قدرة الله، لكن الذي يظهر خلافه، ويحتمل أن يريد أن أثرها بقي في يده بعد الاستيقاظ، كأن يصبح فيرى يده مقبوضة.
"وقال القيرواني" على المعابر في كتاب البستان: "الروضة التي لا يعرف نبتها تعبر بالإسلام لنضارتها وحسن بهجتها" زيادة على غيرها، "وتعبر أيضا بكل مكان فاضل، وقد تعبر بالمصحف، وكتب العلم والعالم ونحو ذلك. انتهى".
باعتبار الرائي والزمان والمكان، "وقال غيره من المعبرين: الحلقة والعروة المجهولة" التي لا تعرف من أي نوع هي، "تدل لمن تمسك بها على قوته في دينه وإخلاصه فيه" لأن أصل العروة الشيء المتعلق به، حبلا كان أو غيره.
وقيل: هي شجرة تبقى على الجدب سميت عروة، لأن العرب تتعلق بها إلى زمان الخصب.
"ومن ذلك ما رواه البخاري" في مواضع من طرق، كلها عن ابن شهاب، عن خارجة بن زيد بن ثابت، "عن" أمه "أم العلاء"، "بفتح العين والمد" اسمها، كنيتها بنت الحارث بن ثابت بن خارجة بن ثعلبة، وهي أم خارجة الراوي عنها، فعند أحمد والطبراني عن سالم أبي النضر، عن خارجة بن زيد، عن أمه، عن عثمان بن مظعون: لما قبض قالت أم خارجة: طبت أبا السائب ... الحديث، فلا يلزم من كونه أبهمها في رواية الزهري أن تكون أخرى، فقد يبهم الإنسان نفسه فضلا عن أمه، ووقع عند أحمد بن سعد عن ابن عباس لما مات عثمان بن مظعون قالت امرأته: هنيئا لك الجنة، فذكر نحو القصة وفيه نظر، فلعله امرأة بلا ضمير، وهي أم العلاء، ويحتمل أنه كان تزوجها قبل زيد بن ثابت، ويحتمل تعدد القول منهما جميعا، وهذا أظهر، "وهيстр. 4535
كالصدقة.
وأنكره مغلطاي وقال: لم يكن له شيء من الأمور الثالثة التي ذكرها مسلم في حديث أبي هريرة رفعه: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث".
وتعقبه الحافظ ابن حجر: بأنه كان له ولد صالح شهد بدرا وما بعدها، وهو السائب، مات في خلافة أبي بكر، فهو أحد الثلاث. قال: وقد كان عثمان من الأغنياء، فلا يبعد أن تكون له صدقة استمرت بعد موته.
وقال غيره: العين الجارية عمل من صدقة أو معروف لحي أو ميت.
وقال آخر: عين الماء نعمة وبركة وخير، وبلوغ أمنية إن كان صاحبها مستورا، فإن كان غير عفيف أصابته مصيبة تبكي لها أهل داره. والله أعلم.
الحواشي
(١) امرأة من نسائهم" أي الأنصار، ففي رواية للبخاري امرة من الأنصار، وقائل هذا الزهري، "بايعت رسول الله ﷺ " قالت: طار لنا عثمان بن مظعون في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين، فاشتكى، فمرضناه حتى توفي، ثم جعلناه في أثوابه، فدخل علينا النبي ﷺ ، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، قال: "وما يدريك"؟. قلت: لا أدري والله. قال: "أما هو فقد جاءه اليقين، إني لأرجو له الخير من الله، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم"؟. قالت أم العلاء: فوالله لا أزكي أحدا بعده، قالت: "وأريت"، "بهمزة مضمومة فراء مكسورة" وفي رواية: ورأيت بتقديم الراء على الألف لعثمان بن مظعون" وفي رواية للبخاري: فأحزنني ذلك، فنمت، فأريت لعثمان "بعد موته في النوم عينا" من ماء "تجري فجئت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك" الذي رأيته "له" ﵇، "فقال": "ذلك"، " بكسر الكاف"، " عمله" الذي كان يعمله في حياه، "يجري له" ثوابه بعد موته.
"وقد قيل: يحتمل أنه كان لعثمان شيء من عمله بقي له ثوابه جاريا كالصدقة" فإنه كان من الأغنياء" وأنكره مغلطاي وقال: لم يكن له شيء من الأمور الثلاثة التي ذكرها مسلم في حديث أبي هريرة، رفعه: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث". إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.
"وتعقبه الحافظ" وفي نسخة: شيخ الحافظ "ابن حجر بأنه كان له ولد صالح شهد بدرا وما بعدها، وهو السائب، مات في خلافة أبي بكر" الصديق، "فهو أحد الثلاث" في حديث مسلم، "قال: وقد كان عثمان من الأغنياء، فلا يبعد أن تكون له صدقة استمرت بعد موته" فقد أخرج ابن سعد من مرسل أبي بردة بن أبي موسى، قال: دخلت امرأة عثمان بن مظعونстр. 4536
فهذا طرف من تعبيره ﵊ يهدي إلى غيره ما يشابهه، وإلا فالذي نقل عنه ﷺ من غرائب التأويل، ولطائف التعبير -كما قاله ابن المنير- لا تحصره المجلدات.
وأنت إذا تأملت أن كل كرامة أوتيها واحد من هذه الأمة في علم أو عمل، هي من آثار معجزة نبيه ﷺ وسر تصديقه، وبركات طريقه، وثمرات الاهتداء بهديه وتوفيقه، واستحضرت ما أوتيه الإمام محمد بن سيرين من لطائف التعبير، مما شاع وذاع، وامتلأت به الأسماع، طبق الأرض صدقا وصوابا، وعجبا عجابا، بل بحرا عبابا، قضيت بأن ما منحه ﷺ من العلوم والمعارف، لا تحيط به
الحواشي
(١) على نساء النبي ﷺ فرأين هيئتها، فقلن: ما لك، فما في قريش أغنى من بعلك، قالت: الحديث، ويحتمل أن يراد بعمل عثمان مرابطته في جهاد أعداء الله، فإنه مما يجري له عمله، كما ثبت في السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم، عن فضالة بن عبيد، رفعه: "كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله، فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة، ويؤمن من فتنة القبر". وله شاهد عند مسلم والنسائي والبزار، عن سلمان، رفعه: "رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمل، وأمن الفتانين". وله شواهد أخرى، فليحمل حال عثمان على ذلك، ويزول الإشكال من أصله، هذا بقية كلام الحافظ، ومر الكلام في غير هذا الموضع على قوله: "ما أدري ما يفعل بي ولا بكم". وعلى أن الخصال الباقية بعد الموت عشرة، وأنه اقتصر في خبر مسلم على ثلاث، لإمكان رجوع ما عداها إليها.
وقال المهلب: العين الجارية في المنام تحتمل وجوها، فإن كان ماؤها صافيا عبرت بالعمل الصالح وإلا فلا.
"وقال غيره: العين الجارية عمل جار من صدقة أو معروف لحي أو ميت" قد أحدثه أو أجراه.
"وقال آخر" وفي الفتح، وقال آخرون: "عين الماء نعمة وبركة وخير وبلوغ أمنية إن كان صاحبها" أي الذي رآها مناما "مستورا، فإن كان غير عفيف أصابته مصيبة تبكي لها أهل داره، والله أعلم، فهذا طرف من تعبيره ﵊، يهدى إلى غيره مما يشابهه، وإلا فالذي نقل عنه ﷺ من غرائب التأويل ولطائف التعبير، كما قال ابن المنير" في المعراج: "لا تحصره المجلدات" لكثرته، "وأنت إذا تأملت أن كل كرامة أوتيها واحد من هذه الأمة في علم أو عمل هي من آثار معجزة نبيه ﷺ وسر تصديقه" لنبيه، "وبركات" اتباع "طرقه وثمرات الاهتداء بهديه وتوفيقه، واستحضرت ما أوتيه الإمام محمد بن سيرين"стр. 4537
العبارات، ولا تدرك حقيقة كنهه الإشارات، وإذا كان هذا ابن سيرين واحد من أمته ﵊ نقل عنه من فن التعبير ما لا يعد فكيف به ﷺ وزاده فضلا وشرفا لديه، وأفاض علينا من سحائب علومه ومعارفه، وتعطف علينا بعواطفه.
الحواشي
(١) التابعي المشهور، "من لطائف التعبير مما شاع وذاع وامتلأت به الأسماع طبق الأرض صدقا وصوابا وعجبا عجابا، بل بحرا عبابا"، "بضم العين وموحدتين، أي كثير الماء"، "قضيت" جواب إذا تأملت "بأن ما منحه ﷺ " من العلوم والمعارف لا تحيط به العبارات، ولا تدرك حقيقة كنهه" إضافة بيانية، ففي المصباح كنه الشيء: حقيقته ونهايته "الإشارات وإذا كان هذا ابن سيرين" بدل من اسم الإشارة "واحد"، "بالرفع" صفة ابن "من أمته ﵊" والخبر "نقل عنه من فن التعبير ما لا يعد" لكثرته، "فكيف به ﷺ " عليه، "وزاده فضلا وشرفا لديه، وأفاض علينا من سحائب علومه ومعارفه، وتعطف علينا بعواطفه".стр. 4538
الفصل الثالث: في إنبائه ﷺ بالأنباء المغيبات
اعلم أن علم الغيب يختص بالله تعالى، وما وقع منه على لسان رسوله ﵊ وغيره فمن الله تعالى، إما بوحي أو إلهام، والشاهد لهذا قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧] ، ليكون معجزة له.
واستدل به على إبطال الكرامات.
وأجيب: بتخصيص الرسول بالملك، والإظهار بما يكون بغير توسطه،
الحواشي
(١) الفصل الثالث: في إنبائه
"بكسر الهمزة" أي إخباره " ﷺ بالأنباء" "بفتح الهمز" جمع نبأ "بالهمز" أي الأخبار "المغيبات" أي الأمور التي بعدت عنا، فلم يتعلق علمنا بها.
"اعلم أن علم الغيب" أي ما غاب عنا جمعه غيوب، "يختص بالله تعالى" علام الغيوب، "وما وقع منه على لسان رسوله ﷺ " وعلى لسان "غيره" من الأنبياء والصالحين، "فمن الله تعالى، إما بوحي" للأنبياء "أو إلهام" لغيرهم، "والشاهد لهذا" أي الدليل عليه "قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ ما غاب عن العباد، ﴿فَلَا يُظْهِرُ﴾ يطلع ﴿عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ من الناس ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ ، "ليكون" العلم به "معجزة له" أي لمن أظهر على يديه.стр. 4539
وكرامات الأولياء على المغيبات إنما تكون برؤيا الملائكة، كإطلاق اطلاعنا على أحوال الآخرة بتوسط الأنبياء، وفي حديث مر: أنه ﵊ قال: "والله إني لا أعلم إلا ما علمني ربي". فكل ما ورد عنه ﵊ من الأنباء المنبئة عن الغيوب ليس هو إلا من إعلام الله له به، إعلاما على ثبوت نبوته، ودلائل على صدق رسالته، وقد اشتهر وانتشر أمره ﵊ بين أصحابه بالاطلاع على الغيوب، حتى إن كان بعضهم ليقول لصاحبه: اسكت فوالله لو لم يكن عنده من يخبره لأخبرته حجارة البطحاء، ويشهد له قول ابن رواحة:
وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الصبح ساطع
الحواشي
(١) "واستدل به على إبطال الكرامات" لأنها إذا كانت إخبارا عن غيب، فالعلم بها مناف لقوله: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ ، فإن المستثنى منه شامل لما يظهر على يد بعض الأولياء من اغيب.
"وأجيب بتخصيص الرسول بالملك والإظهار بما يكون بغير توسطه" أي الملك "وكرامات الأولياء" الحاصلة باطلاعهم "على المغيبات" فهو متعلق بمحذوف، "إنما تكون برؤيا الملائكة" للغيوب، ويلقون ما يطلعون عليه إلى من شاء الله بوحي أو إلهام، فلا حاجة إلى تأويل رؤيا براءة الملاكئة للناس، وأن يطلعوهم على ذلك بطريق من الطرق، "كإطلاق اطلاعنا على أحوال الآخرة" أي علمنا بها "بتوسط الأنبياء".
"وفي حديث مر" في غزوة تبوك: "أنه ﵊ قال" لما ضلت ناقته وقال بعض المنافقين: لو كان نبيا لعلم مكانها فقال ﷺ : "والله إني لا أعلم إلا ما علمني ربي" وأنه أخبرني أنها بمكان، كذا حبستها شجرة، وأرسل فأتى بها، "فكل ما ورد عنه ﵊ من الأنباء المنبئة عن الغيوب ليس هو إلا من إعلام الله له به" لتكون تلك الغيوب "أعلاما" "بفتح الهمزة" جمع علم، أي دلائل "على ثبوت نبوته ودلائل" أي علامات "على صدق رسالته" "عطف تفسير"، وقد تواترت الأخبار واتفقت معانيها على اطلاعه ﷺ على الغيب، كما قال عياض، ولا ينافي الآيات الدالة على أنه لا يعلم الغيب إلا الله، وقوله: ﴿لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ ، لأن المنفي علمه من غير واسطة، كما أفاده المتن، أما اطلاعه عليه بإعلام الله، فمحقق لقوله: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ .
قال في لطائف المنن: اطلاع العبد على غيب من غيوب الله بنور منه، لدليل خبر: "اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله" لا يستغرب، وهو معنى "كنت بصره الذي يبصر به"، فمن كان الحق بصره أطلعه على غيبه، فلا يستغرب.стр. 4540
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع
وقول حسان بن ثابت:
الحواشي
(١) وقال بعض العارفين: قوله: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ ، لا ينافي قول العارف المرسي في تفسيرها، أو صديق، أو ولي، ولا زيادة فيه على النص، فإن السلطان إذا قال: لا يدخل علي اليوم إلا الوزير، لا ينافي دخول أتباع الوزير معه، فكذلك الولي إذا أطلعه الله على غيبه لم يره بنور نفسه، وإنما رآه بنور متبوعه، وما كلفنا الله الإيمان بالغيب إلا وقد يفتح لنا باب غيبه، وإلى هذا أشار الغزالي في أماليه على الإحياء، ثم قال: ويحتمل أن المراد بالرسول في الآية ملك الوحي، الذي بواسطته تنكشف الغيوب، فيرسله للإعلام بمشافهة، أو إلقاء في روع، أو ضرب مثل في يقظة، أو منام، ليطلع على الغيب من أراد، وفائدة ذلك الامتنان على من رزقه الله ذلك، وإعلامه بأنه لم يصل إليه بحوله وقوته، فلا يظهر على غيبه أحدا من عباده إلا على يدي رسول من ملائكته، أرسله لمن فرغ قلبه لانصباب أنهار العلوم الغيبية في أوديته، حتى يصل لأسرار الغيب المكنونة في خزائن الألوهية. انتهى.
وهو نفيس من المهمات، والثاني: هو ما أشار إليه المصنف بقول: واستدل ... إلخ، تبعا للبيضاوي، لكن لم ينمقه هذا التنميق الحسن.
"وقد اشتهر وانتشر أمره ﵊ بين أصحابه" ولو ظاهرا كالمنافقين والمؤلفة، "بالاطلاع على الغيوب، حتى أن" مخففة من الثقيلة، أي أنه "كان بعضهم" أي بعض أصحابه بحسب الظاهر، وهم بعض المؤلفة قبل خلوص إسلامهم والمنافقون، "ليقول لصاحبه" أي من هو معه: إذا أراد أن يتكلم بشيء في حقه ﷺ "اسكت": لا تنطق بشيء من أمره، "فوالله لو لم يكن عنده من يخبره" بما نقوله في شأنه من ملك ونحوه، "لأخبرته حجارة البطحاء" أرض مستوية يسيل فيها، وحجارتها ما فيها من الحصباء، أي أنها تخبره بما غاب عنه حقيقة، إن فرض أنه ليس عنده من يخبره غيرها، فلا داعي لجعله مبالغة في هذا المقام.
روي أنه ﷺ لما فتح مكة وأمر بلالا، بأن يؤذن فوق الكعبة، قال عتاب بن أسيد: لقد أكرم الله أسيدا إذا لم ير هذا اليوم، وقال الحارث بن هشام: أما وجد محمد مؤذنا غير هذا الغراب الأسود.
وقال أبو سفيان بن حرب: لا أقول شيئا، ولو تكلمت لأخبرته هذه الحصباء، فخرج ﷺ وقال: قد علمت الذي قلتم، وذكر مقالتهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، ما كان معنا أحد فنقول: أخبرك، ثم حسن إسلام الثلاثة بعد، فالغاية إنما تتعلق ببعض المؤلفة والمنافقين، وسماهم أصحابه بحسب الظاهر، كما أشرت إليه، فأما أصحابه المؤمنون، فإنهم جازمون بإطلاعهстр. 4541
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مشهد
فإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في ضحوة اليوم أو غد
وهذا الفصل ينقسم قسمين:
الأول: فيما أخبر به ﵊ مما نطق به القرآن العظيم.
من ذلك: في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] ، فقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ إخبار عن غيب تقضي العادة بخلافه.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٧] الآية فإنها كان لقريش قافلتان:
الحواشي
(١) على الغيب، لكنهم لا يتكلمون بشيء في حقه، ولا يريدون إخفاء كلام عنه حتى يأمر بعضهم بعضا بالسكوت، ولذا قصر في شفاء الغاية على المنافقين، "ويشهد له قول ابن رواحة" عبد الله الأنصاري، الأمير، الشهيد بموته من قصيدة: "وفينا رسول الله يتلو كتابه" القرآن "إذا انشق معروف من الصبح ساطع" أي مرتفع، يقال: سطع الصبح يسطع "بفتحتين": ارتفع "أرانا الهدى" يعني الإيمان "بعد العمى" أي الكفر "فقلوبنا به" أي بالهدى "موقنات أن ما قال واقع" لا محالة.
"وقول حسان بن ثابت" الأنصاري في جملة قصيدة: "نبي يرى ما لا يرى الناس حوله" كرؤيته لجبريل وغيره من الملائكة، وكرؤيته الجنة والنار وغيرهما في صلاة الكسوف دون الناس وهم حوله.
وقد قال: إني أرى ما لا ترون، "ويتلو كتاب الله" القرآن العظيم "في كل مشهد" محضر، "فإن قال في يوم مقالة غائب" أي مقالة أخبر بها عن أمر غائب، "فتصديقها" أي نسبتها إلى الصدق حاصل بسرعة، فيظهر "في ضحوة اليوم" الذي قالها فيه، "أو غد" أي ما يليه "وهذا الفصل ينقسم قسمين: الأول: فيما أخبر به ﵊ مما نطق به القرآن العظيم، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ شك ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ محمد ﷺ من القرآن أنه من عند الله، ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ " أي المنزل، ومن للبيان، أي هي مثله في البلاغة وحسن النظم والأخبار عن الغيب، فإنكم عربيون فصحاء، مثله، "إلى قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ " ما ذكر لعجزكم، ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ ذلك أبدًا لظهور إعجازه، "فقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ إخبار عن غيب" هو عدمстр. 4542
إحداهما ذات غنيمة دون الأخرى، فأخبر الله تعالى عما في ضمائرهم، وأنجز لهم ما وعد، ولا شك أن الوعد كان قبل اللقاء، لأن الوعد بالشيء بعد وقوعه غير جائز.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] ، وهذا إخبار عن المستقبل، لأن "السين" تعين الاستقبال، يعني كفار قريش يوم بدر، وقد كان عددهم ما بين تسعمائة إلى ألف، وكانوا مستعدين بالمال والسلاح، وكان عدد المسلمين ثلاثمائة عشر رجلا، وليس معهم إلا فرسان، إحداهما للزبير بن العوام، والأخرى للمقداد بن الأسود فهزم الله المشركين ومكن المسلمين من قتل أبطالهم واغتنام أموالهم.
الحواشي
(١) إتيانهم بسورة من مثله "تقضي العادة بخلافه" لأنهم كانوا غاية في البلاغة، مع استنكافهم أن يغلبوا خصوصا في الفصاحة، فما فعلوا ولا قدروا، ومر بسط هذا في المعجزات.
"ومن ذلك قوله تعالى": اذكر ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٧] ، العير أو النفير ﴿أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ﴾ تريدون ﴿أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ﴾ ، أي البأس والسلاح ﴿تَكُونُ لَكُمْ﴾ " لقلة عَددها، وعُددها بخلاف النفير، "الآية فإنها" أي القصة، وفي نسخة: فإنه، أي الشأن "كان لقريش قافلتان، إحداهما ذات غنيمة دون الأخرى، فأخبر الله تعالى عما في ضمائرهم" وهو ودهم للغنيمة دون القتال، "وأنجز لهم ما وعد" من النصر البالغ يوم بدر، "ولا شك أن الوعد كان قبل اللقاء، لأن الوعد بالشيء بعد وقوعه غير جائز" إذ هو مجرد عبث.
"ومن ذلك قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] ، قال الزجاج: يعني الأدبار، لأن اسم الواحد يقع على الجمع، أي سيفرق جمعهم ويغلبون، "وهذا إخبار عن المستقبل، لأن السين تعين الاستقبال يعني" بالجمع "كفار قريش يوم بدر" وفيه علم من أعلام النبوة، لأن الآية: نزلت بمكة، وأخبرهم أنهم سيهزمون في الحرب، فكان كما قال.
وعند ابن أبي حاتم عن عكرمة، وعبد الرزاق, عن معمر، عن قتادة أن عمر بن الخطاب قال: لما نزلت، أي جمع يهزم، أي جمع يغلب، قال: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ تثبت في الدرع، وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ، فعرفت تأويلها يومئذ، "وقد كان عددهم ما بين تسعمائة إلى ألف" أي تسعمائة وخمسين مقاتلا عند ابن عقبة وابن عائذ.
وفي صحيح مسلم عن عمر: كانوا ألفا، وهو أولى بالصواب على أنه يمكن الجمع، بأن الخمسين غير مقاتلين، لأنهما قيدا بمقاتلا، ومر بسط ذلك، "وكانوا مستعدين بالمال والسلاح،стр. 4543
ومن ذلك في كفار قريش: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران: ١٥١] ، يريد ما قذف في قلوبهم من الخوف يوم أحد حتى تركوا القتال ورجعوا من غير سبب، ونادى أبو سفيان: يا محمد! موعدنا موسم بدر القابل إن شئت، فقال ﵊: "إن شاء الله تعالى". قيل: لما رجعوا وكانوا ببعض الطريق ندموا، وعزموا أن يعودوا عليهم ليستأصلوهم، فألقى الله تعالى الرعب في قلوبهم.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٦٠١] إلى قوله: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ ، وسبب نزول هذه الآية أن كسرى وقيصر تقاتلا فغلب كسرى قيصر، فساء المسلمين ذلك، لأن الروم أهل كتاب، ولتعظيم قيصر كتاب النبي ﷺ وتمزيق كسرى كتابه، وفرح المشركون به، فأخبر الله تعالى بأن الروم بعد أن غلبوا سيغلبون في بضع سنين، والبضع ما بين
الحواشي
(١) وكان عدد المسلمين ثلاثمائة وثلاثة عشر رلا" على أرجح الأقوال، "وليس معهم إلا فرسان، أحدهما للزبير بن العوم، والأخرى للمقداد بن الأسود، فهزم الله المشركين ومكن المسلمين، من قتل أبطالهم" سبعين، "و" من "اغتنام أموالهم" وأسر سبعين.
"ومن ذلك في كفار قريش: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ بسكون العين وضمها ﴿بِمَا أَشْرَكُوا﴾ بسبب إشراكهم ﴿بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ حجة على عبادته، وهو الأصنام، "يريد ما قذف" تفسير نلقي "في قلوبهم من الخوف" تفسير الرعب "يوم أحد حتى تركوا القتال، ورجعوا من غير سبب" بحسب الظاهر، "ونادى أبو سفيان" صخر بن حرب: "يا محمد! موعدنا موسم بدر القابل" أي الآتي بعد هذا، وفي نسخ: لقابل، أي لعام قابل "إن شئت فقال ﵊" لعمر بن الخطاب: قل: "نعم هو موعد بيننا وبينكم إن شاء الله تعالى".
"قيل: لما رجعوا وكانوا ببعض الطريق ندموا، وعزموا أن يعودوا عليهم" على المؤمنين "ليستأصلوهم" بالقتل، "فألقى الله تعالى الرعب في قلوبهم" فاستمروا راجعين.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم: ١-٣] ، أي أقرب أرض الروم إلى فارس، بالجزيرة التي التقى فيها الجيشان والبادئ بالغزو الفرس ﴿وَهُمْ﴾ أي الروم ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ .
أضيف المصدر إلى المفعول به، أي غلبة فارس إياهم، ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ فارس ﴿فِي بِضْعِстр. 4544
الثلاثة إلى العشرة، فغلبت الروم أهل فارس يوم الحديبية، وأخرجوهم من بلادهم، وذلك بعد سبع سنين.
ومن ذلك، قوله تعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾ [الجمعة: ٧] ، فأخبر أنهم لا يتمنون الموت بالقلب ولا بالنطق باللسان مع قدرتهم عليه أبدا، فأخبر فوجد مخبره كما أخبر، فلو لم يعلموا ما يلحقهم من الموت لسارعوا إلى تكذيبه، بالتمني، ولو لم يعلم ذلك لخشي أن يجيبوا إليه فيقضى عليه بالكذب، قال البيضاوي: وهذه الجملة إخبار بالغيب وكان كما أخبر، لأنهم لو تمنوا الموت ثقل وانتشر، فإن التمني ليس من عمل القلب فيخفى، وروي مرفوعا: "لو تمنوا الموت لغص كل إنسان منهم بريقه فمات مكانه وما بقي يهودي على وجه الأرض".
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
الحواشي
(١) سِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ بالنصر، "وسبب نزول هذه الآية أن كسرى" ملك الفرس، "وقيصر" ملك الروم "تقاتلا، فغلب كسرى قيصر، فساء" أحزن "المسلمين ذلك، لأن الروم أهل كتاب" وفارس عباد أوثان، "ولتعظيم قيصر كتاب النبي ﷺ ، وتمزيق كسرى كتابه" من باب العلة الغائية، وإلا فالآية مكية، والكتابة إليهما وإلى غيرهما من الملوك إنما كانت سنة سبع من الهجرة، "وفرح المشركون به" وقالوا للمسلمين: نحن نغلبكم كما غلبت فارس الروم، وهذا السبب رواه ابن أبي حاتم عن الزهري بلاغا، "فأخبر الله تعالى بأن الروم بعد أن غلبوا سيغلبون في بضع سنين، والبضع ما بين الثلاثة إلى العشرة، فغلبت الروم أهل فارس يوم الحديبية وأخرجوهم من بلادهم، وذلك بعد سبع سنين" من غلبة فارس على الروم.
"ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤] تعلق بتمنيه الشرطان على أن الأول قيد في الثاني، أي إن صدقتم في زعمكم أنها لكم، ومن كانت له يؤثرها والموصل إليها، فتمنوه ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٤] "فأخبر" بالبناء للمفعول النبي، أي أخبره الله "أنهم لا يتمنون الموت بالقلب، ولا" يتمنونه "بالنطق باللسان مع قدرتهم عليه أبدا" فنفى عنهم تمنيه في جميع الأزمنة المستقبلة بقوله: ﴿أَبَدًا﴾ ، وبقوله: ﴿لَنْ﴾ ، "فأخبر" ﷺ بذلك الذي أوحي إليه، "فوجد مخبره، كما أخبره فلو لم يعلموا ما يلحقهم من الموت"، أي العذاب الأليم بعده "لسارعوا إلى تكذيبه بالتمني", إذ هم أحرص شيء على تكذيبه لو قدروا "ولو لم يعلم ذلك" ﷺ "لخشي أن يجيبوا إليه، فيقضى عليه بالكذب،" فظهرстр. 4545
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥] الآية.
هذا وعد من الله لرسوله ﵊ بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد،
الحواشي
(١) بذلك معجزته، وبانت حجته بصدق خبره عن الغيب.
"قال البيضاوي: وهذه الجملة إخبار بالغيب، وكان كما أخبر، لأنهم لو تمنوا الموت لثقل وانتشر، فإن التمني ليس من عمل القلب فيخفى", بل هو أن يقول: ليت كذا، ولو كان بالقلب لقالوا تمنينا، هذا كلام البيضاوي، وهو اختصار لقول الكشاف: إن قلت التمني من أعمال القلوب، وهو سر لا يطلع عليه أحد، فمن أين علم أنهم لن يتمنوه، قلت: ليس التمني من أعمال القلوب، وإنما هو قول الإنسان بلسانه: ليت لي كذا، وليت كلمة تمنٍ، ومحال أن يقع التحدي بما في الضمائر والقلوب، ولو كان بالقلوب لقالوا: قد تمنيناه بقلوبنا، ولم ينقل أنهم قالوه.
قال القطب في حواشيه: استدل على أن التمني ليس من أفعال القلوب، بأن التحدي إنما يكون بأمر ظاهر، وفيه أن التحدي إنما يكون بإظهار المعجز لإلزام من لم يقبل الدعوى، والتمني ليس بمعجز، فهو كقول الخصم: احلف لي إن كنت صادقا، ويمكن أن يقال التحدي هنا لطلب دفع المعجزة، فإن إخباره بأنهم لن يتمنوه أبداً معجزة، طلب دفعها بتمنيهم، والدفع إنما يكون بأمر ظاهر.
"وروي مرفوعا: لو تمنوا الموت لغص" "بفتح المعجمة والصاد المهملة"، أي مات، كما جز به التلمساني وضبطه غيره "بضم المعجمة وفتح المهملة المشددة"، وهما لغتان، "كل إنسان منهم بريقه" أي رضاب فمه، وخصه لأنه إذا جف فمه أسرع هلاكه، "فمات مكانه" سريعا، "وما بقي يهودي على وجه الأرض"، كذا ساق الحديث البيضاوي، وأشار محشيه الحافظ السيوطي، إلى أنه لم يرد بهذ اللفظ، فقال: أخرج البخاري والترمذي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : "لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه" ولابن جرير من وجه آخر عن ابن عباس، موقوفا: "لو تمنوه يوم قال ذلك ما بقي على وجه الأرض يهودي إلا مات"، وللبيهقي عنه، رفعه: "لا يقولها رجل منهم إلا غص بريقه". انتهى.
وأخرجه أحمد بسند جيد عن ابن عباس، مرفوعا: "لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا" وأخرجه البيهقي من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، رفعه: "والذي نفسي بيده، لا يقولها رجل منهم إلا غص بريقه"، وبهذا اللفظ الأخير، أورده في الشفاء وقال: يعني يموت مكانه، وقدمت هذا وما قبله في وجوه إعجاز القرآن.
"ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْстр. 4546
﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾ من الناس ﴿أَمْنًا﴾ وحكما فيهم، وقد فعل ذلك فيهم ولله الحمد والمنة، فإنه لم يمت ﵊ حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هجر، ومن بعد أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم، وصاحب مصر والإسكندرية، وهو المقوقس، وملوك عمان، والنجاشي ملك الحبشة الذي تولى بعد أصحمة ﵀.
ثم لما مات رسول الله ﵊ واختار الله له ما عنده من الكرامة، قام بالأمر بعد خليفته أبو بكر الصديق ﵁ فلمَّ شعث ما
الحواشي
(١) فِي الأَرْضِ﴾ ، بدلا من الكفار، ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥] من بني إسرائيل بدلا عن الجبابرة، "الآية" سبب نزولها ما أخرجه ابن مردويه في تفسيره والدارمي، ومن طريقه الطبراني والضياء في المختارة، والحاكم، وصححه عن أبي بن كعب، قال: لما قدم رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة، وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، فكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا: ترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين، لا نخاف إلا الله، "هذا وعد من الله لرسول ﷺ بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أئمة الناس" قادتهم، "و" يجعلهم "الولاة" أي الحكام "عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع" وتذل "لهم العباد" وهذا كالتفسير لقوله: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ ، وهو الإسلام، بأن يظهره على جميع الأديان، ويوسع لهم في البلاد فيملكونها، ﴿وَلَيُبِدِّلَنَّهُمْ﴾ "بالتخفيف والتشديد"، " ﴿مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾ من الناس" الكفار " ﴿أَمْنًا﴾ وحكما فيهم"، "لفظا ومعنى"، "وقد فعل تعالى ذلك فيهم، والحمد لله والمنة"؛ لأن وعده متحتم الوقوع، "فإنه لم يمت ﷺ حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين" بلفظ تثنية بحر اسم لموضع بين البصرة وعمان, "وسائر جزيرة العرب".
قال أبو عبيدة: هي ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى تهامة طولا، وأما العرض فما بين يبرين إلى منقطع السماوة.
وقال الأصمعي: هي ما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولا، وأما العرض فمن جدة وما والاها من شاطئ البحر إلى ريف العراق "وأرض اليمن بكمالها", وهو إقليم كبير معروف، "وأخذ الجزية من مجوس هجر"، "بفتحتين" إقليم معلوم، "ومن بعد أطراف الشام" كأيلة وغيرها، "وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر والإسكندرية، وهو المقوقس" مع أنه لم يسلم واحدة منهما "وملوك عمان"، "بضم العين وتخفيف الميم" موضع باليمن، أما عمان:стр. 4547
وهي عند موته ﵊ وأطد جزيرة العرب ومهدها، وبعث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد ففتحوا منها طرفا، وجيشا آخر صحبة أبي عبيدة إلى أرض الشام، وجيشا ثالثا صحبة عمرو بن العاصي إلى بلاد مصر، ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بصرى ودمشق ومخاليفها من بلاد حوران وما والاها. وتوفاه الله واختار له ما عنده. ومنّ على الإسلام وأهله بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق.
فقام في الأمر بعده قياما تاما، لم يدر الفلك بعد الأنبياء على مثله في قوة سيره وكمال عدله، وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس، وكسر كسرى وأهانه غاية الهوان وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقصر قيصر وانتزع يده من بلاد الشام، فانحاز إلى قسطنطينية، وأنفق
الحواشي
(١) "بالفتح والتشديد" بلدة بطرف الشام من بلاد البلقاء، فلا تراها هنا، "والنجاشي ملك الحبشة الذي تولى بعد أطحمة ﵀" دعاء لأصحمة كما هو ظاهر، إذ هو الذي أسلم، وكان رد المهاجرين إلى الحبشة، ونعاه النبي ﷺ لأصحابه يوم موته وصلى عليه، أما الذي تولى بعده فكافر، لم يعرف له إسلام ولا اسم، والنجاشي لقب لكل من ملك الحبشة، "ثم لما مات رسول الله ﷺ واختار الله له ما عنده من الكرامة" التي لا يدرك مداها، "قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق ﵁ فلمَّ": جمع "شعث ما وهى" تفرق "عند موته ﵊" من ضعف الأمر بردة قبائل تقدم ذكرها في الرؤيا، ومنع الزكاة حتى رجعوا إلى الحق وهو جواب لما دخلته "الفاء على قلة"، "وأطد"، "بفتح الهمزة والطاء المهملة المشددة ودال مهملة ثبت"، "جزيرة العرب ومهدها، وبعث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد" سيف الله، "ففتحوا منها طرفا، وجيشا آخر صحبة أبي عبيدة" عامر بن الجراح، أمين هذه الأمة "إلى أرض الشام، وجيشا ثالثا صحبة عمرو بن العاصي إلى بلاد مصر، ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بصرى"، "بضم
الموحدة"، "ودمشق" بكسر الدال وفتح الميم وقد تكسر"، "ومخالفيها جمع مخلاف "بكسر الميم والحاء معجمة" بناء على استعمال مخلاف في غير اليمن، بمعنى الناحية، أي نواحيها "من بلاد حوران" وما والها، وتوفاه الله واختار له ما عنده ومنّ على الإسلام وأهله بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق، فقام في الأمر بعده قياما تاما، لم يدر الفلك"، "بفتحتين" بعد الأنبياء" وبعد أبي بكر، كما زاده السخاوي "على مثله في قوة سيره وكمال عدله، وتم في أيامه فتح البلادстр. 4548
أموالهما في سبيل الله، كما أمر بذلك ووعد به ﷺ .
ثم لما كانت الدولة العثمانية امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك أندلس وقيروان وسبتة مما يلي البحر المحيط ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى، وباد ملكه بالكلية، وفتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز، وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدا، وجيء بالخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ القرآن، فها نحن نتقلب فيما وعدنا الله، ورسوله، وصدق الله ورسوله.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١] ، فاليهود أذل الكفار في كل مكان وزمان كما أخبر.
الحواشي
(١) الشامية بكمالها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس، وكسر": هزم "كسرى، وأهانه غاية الهوان، وتقهقر" رجع "إلى أقصى مملكته، وقصر قيصر وانتزع يده من بلاد الشام، فانحاز إلى قسطنطينية"، "بضم القاف"، "وأنفق أموالهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك ووعد به ﷺ ".
وقد قال بعض السلف: خلافة أبي بكر وعمر حق في كتاب الله، ثم تلا هذه الآية، وفي المجالسة عن ابن قتيبة: هذه الآية شاهدة لخلافة الصديق، وقوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ ، أي بعد النبي ﷺ والمراد بقوله: من بعد خوفهم أمنا الصحابة، لأنهم كانوا الخائفين في صدر الإسلام وقبل الهجرة المستضعفين، ثم وجدوا بعد هذا جميع ما وعدهم الله من النصر والظهور والعز، قاله في التماس السعد، "ثم لما كانت الدولة العثمانية" أي خلافة عثمان بن عفان ﵁، "امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك أندلس"، "بفتح الهمزة والدال وضم اللام" إقليم بالمغرب، "وقيروان"، "بفتح القاف والراء والواو" بلد بإفريقية "وسبتة"، "بفتح المهملة وسكون الموحدة وفوقية" مدينة "مما يلي البحر والمحيط و" فتح "من ناحية المشرق إلى أقصى بلا الصين"، بكسر الصاد: إقليم "وقتل كسرى وباد" هلك "ملكه بالكلية" تصديقا لقوله ﷺ لما مزق كتابه: "والله ممزقه وملكه". "وفتحت مدائن العراق وخراسان"، "بضم المعجمة والتخفيف" إقليم من الري إلى مطلع الشمس "والأهواز"، "بفتح الهمزة والواو بينهما هاء ساكنة، ثم ألف فزاي" بلد مشهور "وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدا، وجيء بالخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظстр. 4549
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] ، وهذا ظاهر في العيان بأن دين الإسلام كما أخبر عال على جميع الأديان.
ومن ذلك، قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلى آخرها، فكان كما أخبر، دخل الناس في دين الله أفواجا، فما مات ﵊ وفي بلاد العرب كلها موضع لم يدخله الإسلام, إلى غير ذلك مما يطول استقصاؤه.
الحواشي
(١) القرآن، فها نحن نتقلب فيما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله" وهذا جاء به المصنف من مؤلف لطيف لشيخه السخاوي، سماه التماس السعد في الوفاء بالوعد، وقال عقب هذا: وبهذا ظهر قوله ﷺ ، الذي ثبت في الصحيح: "إن الذي زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها". وقوله ﷺ لعدي بن حاتم حين وفد عليه: "أتعرف الحرة"؟. قلت: لم أرها، سمعت بها. قال: "فوالذي نفسي بيده ليتمنَّ الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز". قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: "نعم كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد". قال عدي: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة، فتطوف بالبيت في غير جوار، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة، لأن رسول الله ﷺ قد قالها، وقوله: "بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة، والدين والنصر، والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب".
"ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [آل عمران: ١١٢] ، الذل والهوان ﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾ أي أثر الفقر من السكون والخزي، فهي لازمة لهم وإن كانوا أغنياء لزوم الدرهم المضروب لسكته، "فاليهود أذل الكفار في كل مكان وزمان، كما أخبر" الله تعالى، ومن ذلك أنه ليس لهم مملكة قط، بل هم مبددون في البلدان.
"ومن ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ محمدًا ﷺ : ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ﴾ يعليه ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ جميع الأديان المخالفة له ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] ، ذلك "وهذا ظاهر في العيان"، "بكسر العين" المشاهدة، "بأن دين الإسلام كما أخبر"، بأنه يظهره "عال" مرتفع "على جميع الأديان" باعتبار زاعميها ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ .
"ومن ذلك" الإخبار بالغيب "قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر: ١] نبيه صلى الله عليه وسلمстр. 4550
القسم الثاني: في ما أخبر به ﵊ من الغيوب سوى ما في القرءان العزيز فكان كما أخبر به في حياته وبعد مماته.
أخرج الطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵊: "إن الله قد رفع لي الدنيا، فأنا أنظر إليها وإلى ما هو كائن فيها إلى يوم القيامة، كأنما أنظر إلى كفي هذه".
وعن حذيفة قال: قام فينا رسول الله ﵊ مقاما، فما ترك شيئا في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته فأراه فأعرفه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه، ثم قال
الحواشي
(١) على أعدائه "والفتح" فتح مكة "إلى آخرها" أي السورة، "فكان كما أخبر، دخل الناس في دين الله أفواجا": جماعات بعدما كان فيه واحد واحد، بعد فتح مكة جاءته العرب من أقطار الأرض طائعين، "فما مات ﷺ وفي بلاد العرب كلها موضع لم يدخله الإسلام، إلى غير ذلك مما يطول استقصاؤه" تتبعه والكشف عنه.
"القسم الثاني" بيان "ما" أي شيء كثير "أخبر به ﵊ من الغيوب سوى ما في القرآن العزيز" الغالب على غيره، "فكان" فوجد بعد إخباره "كما أخبر" أي على الوجه الذي أخبر "به" بعضه وقع "في حياته" بعضه وقع "بعد مماته" على طبق ما قال.
"أخرج الطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله قد رفع" أي أظهر وكشف "لي الدنيا"، بحيث أحطت بجميع ما فيها، "فأنا أنظر إليها وإلى ما هو كائن فيها إلى يوم القيامة، كأنما أنظر إلى كفي هذه" إشارة إلى أنه نظر حقيقة، دفع به احتمال أنه أريد النظر العلم، ولا يرد أنه إخبار عن مشاهدة، فلا يلاقي الترجمة، لأن إخباره بذلك إخبار عن غيب عن الناس ثم يعلم باعتبار صدقه ووجوب اعتقاد ما يقوله أن كل ما علمه الناس بعده من جملة ما رآه رفعت له الدنيا ﷺ .
"وعن حذيفة" بن اليمان ﵄، "قال: قام" أي خطيبا، فعبر بالقيام عن الخطبة، لأن الخطيب يخطب قائما "فينا"، أي الصحابة، أي قام ونحن عنده، فالظرفية مجازية "رسول الله ﷺ مقاما"، "بفتح الميم" اسم لموضع القيام، ومنه: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ ، أي لا موضع، أما على قراءة "ضم الميم" فالمراد موضع الإقامة أو نفس الإقامة، بجعله مصدرا من أقام، "فما تركстр. 4551
حذيفة: ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوه؟ والله ما ترك رسول الله ﵊ من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلثمائة فصاعدا إلا سماه لنا باسمه واسم أبيه وقبيلته. رواه أبو داود.
وروى مسلم من حديث ابن مسعود في الدجال: فيبعثون عشرة فوارس طليعة، قال رسول الله ﵊: "إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ".
الحواشي
(١) شيئا" يكون كما في أبي داود، أي يوجد ويحدث بعده من فهم أحوال المسلمين، ومن يتولى أمورهم بعده، وما يكون بعده من الفتن، والحرب، فيكون تامة، والجملة صفة "شيئا"، "في مقامه ذلك" من وضع الظاهر موضع المضمر، لكمال العناية به "إلى قيام الساعة" القيامة "إلا حدث به" أي ذكر أنه سيوجد، والفعل في تأويل الاسم، كقولهم: أنشدك الله لا فعلت، والاستثناء متصل لدخول المحدث به في "شيئا"، وقيل: منقطع بمعنى لكن، "حفظه" أي ما حدث به "من حفظه" أي استمر على حفظه بعض من سمعه لاعتنائهم به، "ونسيه من نسيه" ممن سمعه، أي لم يداوموا بذكرهم له فنسوه، وأفرد ضمير حفظه ونسيه رعاية للفظ "شيئا"، "قد علمه أصحابي هؤلاء" الحاضرون عنده من الصحابة، "وأنه" أي الشأن "ليكون" يوجد "منه الشيء" في الخارج، "قد نسيته" لطول العهد "فأراه" بعد وجوده، "فأعرفه فأذكره" أي أتذكره وأستحضره، "كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه" فيه تقديم وتأخير أي كما أن الرجل إذا غاب عنه رجل كان يعرف وهه وسمته، وهو في مخيلته، لكنه لم يذكره، فإذا رآه تذكره وعرفه، فليس إذا متعلقا بيذكر، بل ينسى المعلوم من الكلام، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس تشبيها تمثيليا "ثم قال حذيفة: ما أدري أنسي أصحابي" هذا الحديث "أم تناسوه"، أي أظهروا نسيانه خوف الفتنة، لا لقلة الاهتمام به، كما زعم، بل لأنه من الأسرار التي لا ينبغي أن يحدث بها كل أحد، "والله" أقسم للتأكيد "ما ترك رسول الله ﷺ من قائد"، "بقاف ودال مهملة" ومن زائدة، أي محرك "فتنة" محاربة وإيقاع ضرر بالمسلمين، كالحجاج وغيره الذين معهم جند تتبعهم، كما يتبع الجمل والفرس من يقوده، وفيه استعارة بالكناية، شبه الفتنة بخيل تقاد بمقاودها، وأثبت لها القائد تخييلا، "إلى أن تنقضي الدنيا" تتم وتنتهي مدتها، ويخرب العالم "يبلغ" يصل "من معه" من أتباعه، والضمير للقائد "ثلاثمائة فصاعدا إلا" قد "سماه لنا" ﷺ "باسمه واسم أبيه وقبيلته" التي عرف بها أعم من كونها منها نسبا أو حلفا أو مقيما عندهم أو غير ذلك، بحيث لم يبق فيه شبهة، والجملة صفة قائد فتنة، أي أنه إنما ذكر منهم من جمعه ثلاثمائة، فأزيد، فإن نقص عنها لم يذكرهстр. 4552
فوضح من هذا الخبر وغيره مما سيأتي من الأخبار، وسنح من خواطر الأبرار الأخيار أنه ﵊ عرفهم بما يقع في حياته وبعد موته، وما قد انحتم وقوعه فلا سبيل إلى فوته.
الحواشي
(١) "رواه أبو داود" من طريق أبي وائل، عن حذيفة به، وروى صدره الشيخان، حتى قوله: عرفه، ولذا عزاه المصنف لأبي داود لزيادة، ثم قال حذيفة إلى آخر الحديث.
"وروى مسلم" في أواخر صحيحه، في كتاب الفتن، "من حديث ابن مسعود في" أمر "الدجال" من طريق أبي قتادة العدوي، عن يسير بن جابر "بضم التحتية فسين مهملة مصغر" أو يقال أصله أسير، فسهلت الهمزة، قال: هاجت ريح حمراء بالكوفة، فجاء رجل ليس له هجيري، ألا يا عبد الله بن مسعود جاءت الساعة، قال: فقعد وكان متكئا، فقال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة، ثم قال: بيده هكذا ونحاها نحو الشام، فقال: عدو يجتمعون لأهل الشام، ويجتمع لهم أهل الشام، قلت: الروم، يعني قال: نعم، ويكون عند ذلكم القتال ردة شديدة "بفتح الراء" أي هزيمة، فيشترط المسلمون شرطة الموت، لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيبقى هؤلاء وهؤلاء، كل غير غالب وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة الموت، لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يمسوا، فيبقى هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة، فإذا كان اليوم الرابع نهد إليهم بقية الإسلام، فيجعل الله الدبرة عليهم فيقتتلون مقتلة إما قال لا يرى مثلها، وإما قال لم ير مثلها، حتى أن الطائر ليمر بجنبتهم، فما يخلفهم حتى يخر ميتا، فيتعاد بنو الأب، كانوا مائة فلا يجدون بقي منهم إلا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يفرح، أو أي ميراث يقاسم، فبينما هم كذلك إذ سمعوا بناس هم أكثر من ذلك، فجاءهم الصريخ أن الدجال قد خلفهم في ذراريهم، فيرفضون ما في أيديهم، ويقبلون، "فيبعثون عشرة فوارس طليعة"، "بطاء مهملة بوزن فعيلة" القوم، يبعثون أما الجيش، يتعرفون طلع العدو "بالكسر" أي خبره.
"قال رسول الله ﷺ ": "إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم" التي يركبون عليها، "هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ" أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ، هكذا في مسلم بالشك لبذلهم نفوسهم في نصر دين الله تعالى، وقوله: ليس له هجيري "بكسر الهاء والجيم مشددة والقصر"، أي شأن ودأب، وقوله: فيشترط المسلمون ضبط بوجهين "بتحتية ثم فوقية، وفتح الشين والراء المشددة، فطاء وبتحتية فشين ساكنة، ففوقية فطاء مهملة"، والشرطة "بضم المعجمة" أول طائفة من الجند تتقدم للقتال، ومعنى نهد بدال مهملة نهض، والدبرة "بفتح المهملة وسكون الموحدة" أي الهزيمة على الروح، وقوله فما يخلفهم، أيстр. 4553
وقال أبو ذر: لقد تركنا رسول الله ﵊ وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علما.
ولا شك أن الله تعالى قد أطلعه على أزيد من ذلك، وألقى عليه علم الأولين والآخرين. وأما علم عوارف المعارف الإلهية فتلك لا يتناهى عددها، وإليه ﵊ ينتهي مددها.
ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أبي هريرة أن النبي ﵊ نعى النجاشي للناس في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات.
وفي حديث أنس عند أحمد والبخاري: أن النبي ﵊ صعد أحدًا، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم الجبل فضربه برجله وقال له: "اثبت
الحواشي
(١) يتجاوزهم، "فوضح" انكشف وانجلى "من هذا الخبر وغيره مما سيأتي من الأخبار، وسنح"، "بمهملتين بينهما نون"، أي ظهر وعبر به تفننا، إذ هو بمعنى وضح "من خواطر الأبرار الأخيار أنه ﷺ عرفهم" أعلمهم "بما يقع في حياته وبعد موته، وما قد انحتم وقوعه" أي وجب وجوبا لا يمكن إسقاطه، "فلا سبيل إلى فوته" بل لا بد منه.
"وقال أبو ذر" في حديث رواه أحمد والطبراني وغيرهما: "لقد تركنا رسول الله ﷺ " أي ذهب عنا وانتقل إلى الآخرة "و" الحال أنه "ما يحرك طائر جناحيه في" جو "السماء إلا ذكرنا منه علما" أي عرفنا بعلامات فيه تدل على أشياء تقصد من طيرانه على الصفة التي هو عليها، كذا في الشرح.
وقال غيره: أي ذكر لنا من طيرانه علما يتعلق به، فكيف بغيره مما يهمنا في الأرض، وهذا تمثيل لبيان كل شيء تفصيلا تارة، وإجمالا أخرى، والمعنى لم يدع شيئا إلا بينه لنا، بحيث لا يخفى علينا شيء بعده، وقد كان خطب قبل وفاته خطبا، أطال فيها مرة من الصباح إلى الظهر ومرة من الظهر إلى قبيل الغروب، لم يدع شيئا إلا بينه لأصحابه.
وفي رواية: إلا ذكر لنا منه علما، "ولا شك أن الله تعالى قد أطلعه على أزيد من ذلك، وألقى عليه علم الأولين والآخرين" وعطف على ما فهم مما سبق أنه فيما يتعلق بأحوال الدنيا مما يمكن علمها والاطلاع عليها قوله: "وأما علم عوارف المعارف الإلهية، فتلك لا يتناهى عددها، وإليه ﷺ ينتهي مددها" لا إلى غيره، إذ لا يصل إلى ذلك، "ومن ذلك" الغيب الذي أخبر به قبل وقوعه "ما رواه الشيخان" من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، "عن أبي هريرة أن النبي ﷺ نعى النجاشي"، "بفتح النون" واسمه أصحمةстр. 4554
أحد! فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان". فكان كما أخبر ﵊.
ومن ذلك: ما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة أنه ﵊ قال: "إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي
الحواشي
(١) "للناس" أي أخبرهم بموته "في اليوم الذي مات فيه" في رجب سنة تسع، قاله ابن جرير وجماعة، وقيل: مات قبل الفتح، وفيه جواز الإعلام بالجنازة ليجتمع الناس للصلاة، والنعي المنهي عنه هو ما يكون معه صياح، خلافا لزاعم أنه الإعلام بالموت للاجتماع، فإن شهود الجنائز خير، والدعاء إلى الخير خير جماعا، قاله ابن عبد البر.
وفي رواية للبخاري: نعى لنا النجاشي يوم مات، فقال: "استغفروا لأخيكم". "وخرج بهم إلى المصلى" مكان ببطحان، فقوله في رواية ابن ماجه: فخرج وأصحابه إلى البقيع، أي بقيع بطحان، أو المراد موضع معد للجنائز ببقيع الغرقد غير مصلى العيدين، والأول أظهر، قاله الحافظ.
وفي الصحيحين عن جابر، مرفوعا: "قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش، فهلم فصلوا عليه" وللبخاري: "فقوموا، فصلوا على أخيكم أصحمة"، ولمسلم: "مات عبد الله صالح أصحمة". وفي الإصابة: جاء في بعض طرق حديث أبي هريرة: أصبحنا ذات يوم عند رسول الله ﷺ ، فأتاه جبريل، فقال: إن أخاك أصحمة النجاشي، قد توفي، فصلوا عليه، فوثب ووثبنا معه حتى جاء المصلى، "فصف بهم" لازم والباء بمعنى مع"، أي صف معهم، أو متعد والباء زائدة للتوكيد، أصفهم، لأن الظاهر أن الإمام متقدم فلا يوصف بأنه صاف معهم إلا على المعنى الآخر، قاله الحافظ، "وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات" إشاعة لموته على الإسلام، لأن بعض الناس لم يعلم بأنه أسلم.
وفي صحيح ابن حبان، عن عمران بن حصين: فقاموا وصلوا خلفه وهم لا يظنون، إلا أن جنازته بين يديه.
وفي صحيح أبي عوانة، عن عمران: فصلينا خلفه ونحن لا نرى، إلا أن جنازته قدامنا.
وذكر الواحدي: بلا سند، عن ابن عباس قال: كشف للنبي ﷺ عن سرير النجاشي، حتى رآه وصلى عليه، وعلى هذا فصلاته كصلاة الإمام على ميت رآه، ولم يره المأموم، ولا خلاف في جوازها، وقد أشبعت الكلام على هذا الحديث في شرح الموطأ، ولله الحمد.
"وفي حديث أنس عند أحمد والبخاري" وأبي داود والترمذي والنسائي "أن النبي ﷺ صعد"، "بكسر العين" علا "أحدا" الجبل المعروف بالمدينة، ولمسلم عن أبي سعيد، وأحمد بإسناد صحيح عن بريدة حراء، وجمع بتعدد القصة لما في مسلم، عن أبي هريرة أنه كان على حراء ومعه المذكورون هنا، وزاد: وعلي وطلحة والزبير "ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف" أيстр. 4555
نفسي بيده لتنفقن في سبيل الله، قال النووي قال الشافعي وسائر العلماء: معنا لا يكون كسرى بالعراق ولا قيصر بالشام، كما كان في زمنه ﵊، فأعلمنا ﵊ بانقطاع ملكهما من هذين الإقليمين، فكان كما قال، فأما كسرى فانقطع ملكه بالكلية من جميع الأرض، وتمزق ملكه كل ممزق، واضمحل بدعوة النبي ﵊، وأما قيصر فانهزم من الشام ودخل أقصى بلاده، فافتتح المسلمون بلاده واستقرت للمسلمين, ولله الحمد.
وقد وقع ذلك في خلافة سيدنا عمر بن الخطاب كما قدمته. وقال عليه
الحواشي
(١) تحرك واضطرب "بهم الجبل، فضربه برجله" الشريفة ﷺ ، "وقال له": "اثبت أحد" منادى بحذف الأداة ونداؤه خطابه، وهو يحتمل المجاز والحقيقة، وهو الظاهر، ويؤيده ضربه برجله، "فإنما عليك نبي وصديق"، "بكسر الصاد وشد الدال" ملازم للصدق.
وفي الطبراني: برجال ثقات أن عليا كان يحلف أن الله أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق، "وشهيدان" عمر وعثمان.
قال ابن المنير: قيل: حكمة ذلك أنه لما رجف أراد ﷺ أن يبين أن هذه الرجفة ليست من جنس رجفة الجبل بقوم موسى لما حرفوا الكلم، وأن تلك رجفة الغضب، وهذه رجفة الطرب، ولذا نص على مقام النبوة والصديقية والشهادة التي توجب سرور ما اتصلت به لا رجفانه، فأقر الجبل بذلك فاستقر وتقدم لهذا مزيد، "فكان كما أخبر ﵊، ومن ذلك ما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: "إذا هلك كسرى"، "بكسر الكاف" على الأفصح، وقد تفتح لقب لكل من ملك الفرس، أي إذا مات كسرى أنوشروان بن هرمز، "فلا كسرى بعده" بالعراق، "وإذا هلك" مات "قيصر" لقب لكل من ملك الروم، والمراد هرقل، "فلا قيصر بعده" بالشام، "والذي نفسي بيده لتنفقن"، "بضم الفوقية وسكون النون وكسر الفاء وضم القاف"، " كنوزهما" مالهما المدفون، أو الذي جمع وادخر "في سبيل الله" ، وقد وقع ذلك.
وفي نسخة: الناصرية "بفتح الفاء والقاف" مصلحة، ورفع كنوزهما قاله المصنف.
"قال النووي: قال الشافعي" الإمام "وسائر العلماء: معناه لا يكون كسرى بالعراق، ولا قيصر بالشام، كما كان في زمنه ﵊" فلا يشكل ببقاء مملكة الفرس مدة، لأن آخرهم قتل في زمن عثمان، وببقاء مملكة الروم إلى الآن، "فأعلمنا ﷺ ، بانقطاع ملكهما من هذين الإقليمين، فكان كما قال، فأما كسرى، فانقطع ملكه بالكلية من جميع الأرض، وتمزق ملكه كل ممزق" فرق جيشه في البلاد كل تفريق، "واضمحل بدعوة النبي ﷺ " لما مزقследующие страницы →