Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.
стр. 4586
غيره ولا ضربت أكباد الإبل إلى أحد مثل ما ضربت إليه، وقال أبو مصعب: كان الناس يزدحمون على باب مالك ويقتتلون عليه من الزحام، يعني لطلب العلم. وممن روى عنه من الأئمة المشهورين: محمد بن شهاب الزهري، والسفيانان
الحواشي
(١) وحسنه، والنسائي و"الحاكم، وصححه عن أبي هريرة، قال: قال ﷺ "يوشك الناس أن يضربوا" وفي رواية: "يوشك أن يضرب الناس". "أكباد الإبل" يطلبون العلم، هكذا في الرواية عند الترمذي والحاكم قبل قوله: "فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة".
وفي رواية: "أفقه من عالم المدينة" وفي أخرى: "آباط الإبل" مكان "أكباد الإبل"، وفي أخرى "يلتمسون العلم" مكان "يطلبون العلم"، وفي رواية: "لا تنقضي الساعة حتى يضرب الناس أكباد الإبل من كل ناحية إلى عالم المدينة يطلبون علمه".
"قال سفيان بن عيينة" الهلالي، أبو محمد الكوفي، ثم المكي الثقة، الحافظ, الفقيه، الإمام, الحجة، مات سنة ثمان وتسعين ومائة وله إحدى وتسعون سنة: "نرى هذا العالم مالك بن أنس".
وفي رواية عن سفيان: كنت أقول هو ابن المسيب، حتى قلت: كان في زمنه سليمان وسالم وغيرهما، ثم أصبحت اليوم أقول: إنه مالك، وذلك أنه عاش حتى لم يبق له نظير بالمدينة.
وفي رواية عن سفيان: كانوا يرونه مالك بن أنس، قال ابن مهدي: يعني بقوله: كانوا التابعين وقال غيره: هو إخبار عن غيره من نظرائه، أو ممن هو فوقه، قال القاضي عبد الوهاب: لا ينازعنا في هذا الحديث أحد من أرباب المذاهب، إذ ليس منهم من له إمام من أهل المدينة، فيقول: هو إمامي، ونحن نقول: إنه صاحبنا بشهادة السلف له، وبأنه إذا أطلق بين العلماء قال عالم المدينة وإمام دار الهجرة، فالمراد به مالك دون غيره من علمائها، قال القاضي عياض: فوجه احتجاجنا بهذا الحديث من ثلاثة أوجه: الأول تأويل السلف، وما كانوا ليقولوا ذلك إلا عن تحقيق، الثاني: شهادة السلف الصالح له، وإجماعهم على تقديمه يظهر أنه المراد، إذ لم يحصل الأوصاف التي فيه لغيره، ولا أطبقوا على هذه الشهادة لسواه، الثالث: ما نبه عليه بعض الشيوخ أن طلبة العلم لم يضربوا أكباد الإبل من شرق الأرض وغربها إلى عالم ولا رحلوا إليه من الآفاق رحلتهم إلى مالك شعر:
فالناس أكيس من أن يحمدوا رجلا ... من غير أن يجدوا آثارا حسان
"وقال عبد الرزاق" بن همام الصنعاني، الحافظ الثقة، أحد تلامذة مالك: "ولم يعرف بهذا الاسم" أي عالم المدينة "غيره" من علمائها، "ولا ضربت أكباد الإبل إلى أحد مثل ماстр. 4587
والشافعي والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث بن سعد إمام أهل مصر، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت الإمام، وصاحباه: أبو يوسف ومحمد بن الحسن، وعبد الرحمن بن مهدي شيخ الإمام أحمد، ويحيى بن يحيى شيخ البخاري ومسلم، وأبو رجاء قتيبة بن سعيد شيخ البخاري ومسلم، وذو النون المصري، والفضيل بن عياض، وعبد الله بن المبارك، وإبراهيم بن أدهم. كما نقله العلامة عيسى بن مسعود الزواوي في كتاب
الحواشي
(١) ضربت إليه" من شرق الأرض وغربها.
"وقال أبو مصعب" أحمد بن أبي بكر واسمه القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب الزهري، المدني، الفقيه الصدوق، مات سنة ثنتين وأربعين ومائتين، وقد أناف على التسعين، وهو من تلامذة مالك: "كان الناس يزدحمون على باب مالك ويقتتلون عليه من الزحام، يعني لطلب العلم" وكان له حاجب يأذن أولا للخاصة، فإذا فرغوا أذن للعامة.
"وممن روى عنه من الأئمة المشهورين محمد" بن مسلم بن عبيد الله "بضم العين" ابن عبد الله "بفتحها" ابن شهاب" القرشي "الزهري" شيخ مالك ومات قبله بخمس وخمسين سنة، "والسفيانان" ابن سعيد الثوري وابن عيينة، وهما من أقرانه، "والشافعي" الإمام، "والأوزاعي" عبد الرحمن بن عمرو الثقة الفقيه، "إمام أهل الشام" من أقران مالك، مات سنة سبع وخمسين ومائة قبل مالك بأزيد من عشرين سنة، "والليث بن سعد" بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري، ثقة، فقيه، إمام مشهور، "إمام أهل مصر" مات في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة قبل مالك بقليل وهو من أقرانه.
"و" روى عنه من أقرانه أيضا الإمام "أبو حنيفة النعمان بن ثابت" الكوفي، يقال أصله من فارس، ويقال: مولى بني تميم الفقيه، العلم الشهير، مات وله سبعون سنة في سنة خمسين ومائة على الصحيح قبل مالك بنحو ثلاثين سنة.
ذكر السيوطي: أنه روى عنه حديثين، أخرجهما الخطيب، أحدهما من طريق القاسم بن الحكم العرني "بضم العين المهملة وفتح الراء ونون"، قال: حدثنا أبو حنيفة عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: أتى كعب بن مالك النبي ﷺ فسأله عن راعية له كانت ترعى في غنمه، فتخوفت على الشاة الموت، فذبحتها بحجر، فأمره النبي ﷺ أن يأكلها، وثانيهما من طريق إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، عن أبي حنيفة، عن مالك، عن عبد الله بن الفضل، عن نافع، عن جبير بن مطعم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر، وصمتها إقرارها". انتهى.
وقال ابن عبد البر في الحديث الثاني: قيل: رواه أبو حنيفة عن مالك، ولا يصح، لكنстр. 4588
"المنهج السالك إلى معرفة قدر الإمام مالك".
وإخباره بعالم قريش، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله عليه الصلاة
الحواشي
(١) جزم تلميذ تلاميذه عياض، بأنه رواه عنه، وزاد في تزيين الممالك ثالثا عن أبي حنيفة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: "إذا صليت الفجر والمغرب ثم أدركتهما" فلا تعدهما، وقد أورد في الشفاء فيما أخبر به ﷺ من الغيب حديث ابن مسعود، رفعه: "لو كان العلم معلقا بالثريا لتناوله رجال من فارس". وفي لفظ: لتناوله رجل بالإفراد، فجزم السيوطي، بأنه أبو حنيفة، لأنه لم يبلغ من أبناء فارس في العلم مبلغه أحد، ولا مبلغ أصحابه، والمراد بفارس الفرس جنس من العجم، كان جد "الإمام" منهم لا البلد المعروف، لكن هذا على أنه منهم، أما على أنه مولى تيم، فلا يفسر به، وهما قولان، حكاهما الحافظ في تقريبه، "وصاحباه أبو يوسف" يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، الكوفي، ثقة حافظ، كثير الحديث، صدوق، مات سنة اثنتين وثمانين ومائة وله تسع وسبعون، "ومحمد بن الحسن" الشيباني أقام عند مالك مدة، وكان يحبه، فأسمعه ثلاثمائة حديث من لفظه، "وعبد الرحمن بن مهدي" بن حسان العنبري، أحد الحفاظ الثقات، الأثبات، "شيخ الإمام أحمد" وشخ غيره، وخصه لشهرته وجلالته، "ويحيى بن يحيى" بن بكير بن عبد الرحمن التميمي أبو زكريا النيسابوري، "شيخ البخاري ومسلم" ثقة، ثبت إمام، وهو غير يحيى بن يحيى بن كثير الليثي، الأندلسي, وقد يلتبسان على من لم يعلم، وهما معا كابن مهدي وابن الحسن من رواة الموطأ، أما أبو يوسف، فإنما روى الموطأ عن مالك بواسطة، "وأبو رجاء قتيبة بن سعيد" بن جميل "بفتح الجيم" ابن طريف الثقفي، البغلاني "بفتح الموحدة وسكون المعجمة" اسمه يحيى، وقيل: علي. ثقة، ثبت، مات سنة أربعين ومائتين عن تسعين سنة، "شيخ البخاري ومسلم" وشيخ باقي الأئمة الستة، وهو من رواة الموطأ، "وذو النون المصري" ثوبان بن إبراهيم أبو الفيض النوبي، أوحد وقته علما وورعا وأدبا، ولد بإخميم، وهو أول من عبر عن علوم النازلات، وأنكر عليه أهل مصر، وقالوا: أحدث علما، لم تتكلم فيه الصحابة، وسعوا به إلى الخليفة المتوكل، ورموه عنده بالزندقة، فأحضره من مصر، فلما دخل عليه وعظه، فبكى المتوكل ورده مكرما، مات سنة خمس وأربعين ومائتين، وقد قارب سبعين.
قال ابن السبكي: كان أهل مصر يسمونه الزنديق، فلما مات أظلت الطير الخضر جنازته، ترفرف عليه إلى أن وصل إلى قبره، فلما دفن غابت، فاحترم أهل مصر قبره. انتهى.
وعده بعض الحفاظ من رواة الموطأ، "والفضيل بن عياض" ابن مسعود التميمي، أبو علي الزاهد المشهور، العابد، الثقة، الإمام، أصله من خراسان، وسكن مكة ومات سنة سبع وثمانين ومائة، وقيل: قبلها، "وعبد الله بن المبارك" المروزي، الحنظلي، مولاهم، ثقة ثبت، فقيه، عالم، جواد، مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، مات سنة إحدى وثمانين ومائة وله ثلاث وستونстр. 4589
والسلام: "لا تسبوا قريشا فإن عالمها يملأ طباق الأرض علما". رواه أبو داود الطيالسي في مسنده، وفيه الجارود مجهول، لكن له شواهد عن أبي هريرة في تاريخ بغداد للخطيب وعن علي وابن عباس في المدخل للبيهقي. قال الإمام أحمد وغيره: هذا العالم هو الشافعي، لأنه لم ينتشر في طباق الأرض من علم عالم قريش من الصحابة وغيرهم ما انتشر من علم الشافعي، وما كان الإمام أحمد ليذكر حديثا موضوعا يحتج أو يستأنس به في أمر شيخه الشافعي. وأما قوله:
الحواشي
(١) سنة، "وإبراهيم بن أدهم" بن منصور العجلي، وقيل: التميمي أبو إسحاق البلخي، الزاهد، صدوق، مات سنة اثنتين وستين ومائة قبل مالك بمدة، وهو من أقرانه، "كما نقله العلامة عيسى بن مسعود" بن منصور بن يحيى بن يونس "الزواوي" الفقيه، العالم، المتفنن، انتفع به الناس، وانتهت إليه رياسة المالكية بالديار المصرية.
وشرح المدونة وصحيح مسلم في اثني عشر مجلدا وتاريخ نحو عشر مجلدات، ورد على ابن تيمية في مسألة الطلاق وابن الحاجب سبع مجلدات إلى كتاب الصيد وغير ذلك، ولد بالمغرب سنة أربع وستين، وستمائة، ومات بالقاهرة سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة.
"في كتاب المنهج السالك إلى معرفة قدر الإمام مالك،" قال ابن عبد البر: ألف الناس في فضائل مالك كتبا كثيرة. انتهى.
والرواة عنه كثيرون جدا، بحيث لا يعرف لأحد من الأئمة رواة كرواته، ذكر عياض أنه ألف فيهم كتابا، ذكر فيه نيفا على ألف وثلاثمائة، وعد في مداركه نيفا على ألف، ثم قال: إنما ذكرنا المشاهير وتركنا كثيرا.
وقال الدارقطني: لا نعلم أحدًا ممن تقدم أو تأخر اجتمع له ما اجتمع لمالك، روى عنه رجلان حديثا واحدا بين وفاتيهما نحو من مائة وثاثين سنة: الزهري، عن شيخه، توفي سنة خمس وعشرين ومائة، وأبو حذافة السهمي توفي بعد الخمسين ومائتين، رويا عنه الحديث الفريعة بنت مالك في سكنى المعتدة.
"و" من ذلك "إخباره بعالم قريش، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا قريشا، فإن عالمها يملأ طباق"، "بكسر الطاء جمع طبق"، أي نواحي "الأرض"، كأنه غطاها من جميع جوانبها "علما" اللهم إنك أذقت أولها نكالا ووبالا، فأذق آخرها نوالا، هذا بقية الحديث الذي "رواه أبو داود" سليمان بن داود بن الجارود "الطيالسي" الحافظ "في مسنده، وفيه الجارود"، "بالجيم" راويه عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود "مجهول" والرواي عنه مختلف فيه كما في المقاصد، "لكن له شواهد" تقويه" عن أبي هريرة في تاريخ بغداد للخطيب" منстр. 4590
وروي عن النبي ﵊ أنه قال: "عالم قريش يملأ الأرض علما" أتى بصيغة التمريض احتياطا للشك في ضعفه، فإن إسناده لا يخلو من الضعف. قاله العراقي ردا على الصغاني في زعمه أنه حديث موضوع، وقد جمع الحافظ ابن حجر طرقه في كتاب سماه: لذة العيش في طرق حديث الأئمة من قريش، كما أفاده شيخنا.
وأخبر ﵊ بأن طائفة من أمته لا يزالون ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله. رواه الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة وبأن الله يبعث إلى
الحواشي
(١) حديث وهب بن كيسان عنه، رفعه: "اللهم اهد قريشا، فإن عالمها يملأ طباق الأرض علما، اللهم كما أذقتهم عذابا، فأذقهم نوالا". دعا بها ثلاث مرات، وراويه عن وهب فيه ضعف كما في المقاصد.
"وعن علي وابن عباس في" كتاب "المدخل للبيهقي" وثانيهما، أي حديث ابن عباس عند أحمد والترمذي، وقال: حسن بلفظ "اللهم اهد قريشا" فإن علم العالم يسع طباق الأرض.
"قال الإمام أحمد وغيره: هذا العالم هو الشافعي" الإمام، "لأنه لم ينتشر في طباق الأرض من علم عالم قرشي من الصحابة وغيرهم ما انتشر من علم الشافعي" التعليل بهذا الغير أحمد.
قال السخاوي: الحديث منطبق على الشافعي، ويؤيده قول أحمد كما في المدخل، إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبرا أخذت فيها بقول الشافعي، لأنه إمام عالم من قريش، قال: وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "عالم قريش يملأ الأرض علما"، "وما كان الإمام أحمد ليذكر حديثا موضوعا يحتج به أو يستأنس به في أمر شيخه الشافعي" لفظ السخاوي، به للأخذ في الأحكام بقول شيخ الشافعي.
"وأما قوله: وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "عالم قريش يملأ الأرض علما أتى" أي فأتى. وعبارة شيخه: وإنما أورده "بصيغة التمريض" المقتضية للضعف "احتياطا للشك في ضعفه، فإن إسناده لا يخلو من الضعف، قاله العراقي" الحافظ زين الدين "ردا على الصغاني في زعمه أنه حديث موضوع" ولا وجه له، فغاية ما فيه أن مفرداته ضعيفة، وبتعددها وبالشواهد يرتقي إلى درجة الحسن لغيره.
"وقد جمع الحافظ ابن حجر طرقه في كتاب سماه لذة العيش في طرق حديث الأئمة من قريش، كما أفاده شيخنا" السخاوي في المقاصد الحسنة، فكيف يتصور وضعه، ولاстр. 4591
هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها. رواه الحاكم وصححه عن أبي هريرة. وبذهاب الأمثل فالأمثل رواه الحاكم وصححه قال: "تذهبون الخير فالخير".
الحواشي
(١) كذاب فيه ولا متهم؟
"وأخبر ﵊ بأن طائفة من أمته لا يزالون ظاهرين على الحق" أي غالبين من خالفهم، وفي رواية لمسلم: يقاتلون على الحق ظاهرين "حتى يأتي أمر الله" وفي رواية: حتى تأتيهم الساعة، وقال النووي: أمر الله هو الريح الذي يأتي، فيأخذ روح كل مؤمن ومؤمنة، واستدل به أكثر الحنابلة وبعض من غيرهم على أنه لا يجوز خلو الزمان عن مجتهد، وعورض بحديث ابن عمر، مرفوعا عند البخاري وغيره: "أن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاهموه، ولكن ينزعه منه بقبض العلماء بعلمهم، فتبقى ناس جهال يستفتون، فيفتون برأيهم، فيضلون ويضلون". وفيه دلالة على جواز خلو الزمان عن مجتهد، وهو قول الجمهور، لأنه صرح في رفع العلم بقبض العلماء وترئيس الجهال وإذا انتفى العلم ومن يحكم به، استلزم انتفاء الاجتهاد والمجتهد.
"رواه الشيخان" البخاري في آخر العلامات والاعتصام والتوحيد ومسلم في الجهاد "من حديث المغيرة بن شعبة" عن النبي ﷺ قال: "لا يزال ناس". وفي رواية: "طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون". قال البخاري: هم أهل العلم.
وفي الترمذي، عن البخاري، عن شيخه علي بن المديني: هم أصحاب الحديث، وقال النووي: يجوز أن الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين، ما بين شجاع وبصير بالحرب، وفقيه ومحدث ومفسر، وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزاهد وعابد، قال: ولا يلزم اجتماعهم بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد، وتفرقهم في الأقطار، وأن يكونوا في بعض دون بعض، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أولا فأولا إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد، فإذا انقرضوا أتى أمر الله. انتهى.
وفي مسلم عن سعد بن أبي وقاص، مرفوعا: "لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة" قال علي بن المديني: هم العرب، لأنهم المخصوصون بالسقي بالغرب، وهي الدلو العظيمة، وقال غيره: هم أهل المغرب "بالميم" لوروده بميم في بعض الطرق.
وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، قاهرين لعدوهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك". قيل: يا رسول الله وأين هم؟ قال: "ببيت المقدس". والمراد بهم الذين يحصرهم الدجال فينزل عيسى إليهم فيقتله.стр. 4592
وبالخوارج: رواه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: بينما نحن عند رسول الله ﵊ وهو يقسم قسما إذ أتاه ذو الخويصرة، فقال: يا
الحواشي
(١) وفي البخاري عن معاذ وهم بالشام، وفي المفهم رواية أهل المغرب "بالميم" تدل على إبطال التأويلات فيه، قال: والمراد بالمغرب جهة المغرب، من المدينة إلى أقصى بلاد المغرب فيدخل فيه الشام وبيت المقدس، فلا منافاة بين الروايات.
وأرسل الطرطوسي رسالة لأهل المغرب، ذكر فيها الحديث، وقال: هل أراكم ﷺ إلا لما أنتم عليه من التمسك بالسنة وطهارتكم من البدع واقتفاء أثر السلف، وقد جمع بين هذا وبين حديث مسلم، عن عبد الله بن عمر، مرفوعا: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس" ... الحديث، بأن المراد بهم قوم يكونون بموضع مخصوص، ويكون بموضع آخر طائفة ظاهرون على الحق، وبأن ذلك بعد هبوب الريح بعد موت عيسى، فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، ويبقى شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة، وهناك يتحقق خلو الأرض عن مسلم، فضلا عن هذه الطائفة الكريمة، قال الحافظ: وهذا أولى ما يتمسك به في الجمع بين الحديثين. انتهى.
ومر في الخصائص شيء من هذا، "و" أخبر "بأن الله يبعث" يفيض "إلى هذه الأمة على رأس" أي أول "كل مائة سنة" من الهجرة، كما صرح به السبكي وغيره، وتجويز أن المراد من المولد النبوي، أو البعثة، أو الوفاة بعيد، إذ التاريخ من الهجرة "من يجدد لها دينها" أي يبين السنة من البدعة، ويكثر العلم وينصر أهله، ويكسر أهل البدع ويذلهم، قالوا: ولا يكون إلا عالما بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة.
قال ابن كثير: وقد ادعى كل قوم في إمامهم، أنه المراد بهذا الحديث، والظاهر أنه يعم حملة العلم من كل طائفة، وكل صنف من مفسر ومحدث وفقيه ونحوي ولغوي وغيرهم.
وفي الفتح: نبه بعض الأئمة على أنه لا يلزم أن يكون في رأس كل قرن واحد فقط، بل الأمر فيه، كما ذكر النووي في حديث: "لا تزال طائفة"، وسبق كلامه: ولا يشترط أن يكون المجدد مجتهدا، واشترطه بعضهم: ولا أن يكون هاشميا، وأما خبر أبي داود: "المجدد منا أهل البيت"، فذاك لما ورد مرفوعا: "آل محمد كل تقي" وأسانيده وإن كانت ضعيفة، لكنها تعددت وشواهده كثيرة، "رواه الحاكم" في الفتن "وصححه" لأن رجاله كلهم ثقات، وقد رواه أبو داود في الملاحم من سننه، والطبراني في الأوسط، والبيهقي في المعرفة، كلهم "عن أبي هريرة" عن رسول الله ﷺ ، قال: "إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها".
"و" من ذلك إخباره ﷺ "بذهاب" أي موت "الأمثل، فالأمثل" أي الأفضل فالأفضل، "رواه الحاكم وصححه" والطبراني والبخاري في التاريخ، كلهم عن رويفع بن ثابت أنه صلى الله عليه وسلمстр. 4593
رسول الله، اعدل، فقال: "ويلك، ومن يعدل إن لم أعدل، خبت وخسرت إن لم أعدل". فقال: عمر يا رسول الله دعني أضرب عنقه، فقال ﵊: "دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يخرج السهم من الرمية، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر، يخرجون على
الحواشي
(١) قال: "تذهبون"، "بفوقية أوله"، "الخير فالخير" بالتشديد، حتى لا يبقى منكم إلا مثل هذه، وأخذ حشفة من تمر، وأشار بها، هذا بقية الحديث.
"و" أخبر "بالخوارج، رواه الشيخان من حديث أبي سعيد" سعد بن مالك بن سنان "الخدري" الصحابي ابن الصحابي، "بلفظ: بينما"، "بالميم" نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسما"، "بفتح القاف، مصدر قسمت الشيء فانقسم، سمي الشيء المقسوم بالمصدر، والواو للحال" زاد في رواية: يوم حنين، وفي أخرى للبخاري: أن المقسوم كان تبرا، بعثه علي بن أبي طالب من اليمن، قسمه بين عيينة وأقرع بن حابس وزيد الخيل، والرابع إما علقمة وإما عامر بن الطفيل، وبين الحافظ أن الشك في عامر، وهم من بعض رواته، لأنه مات قبل ذلك كافرا، فالصواب أنه علقمة بن علاثة "بضم المهملة وخفة اللام ومثلثة"، "إذ أتاه ذو الخويصرة"، "بضم الخاء المعجمة وفتح الواو وسكون التحتية وكسر الصاد المهملة، بعدها راء واسمه نافع،" كما عند أبي داود، ورجحه السهيلي، وقيل: اسمه حرقوص بن زهير، وفي الرواية: وهو رجل من بني تميم، "فقال: يا رسول الله اعدل" في القسمة، "فقال" ﷺ : "ويك ومن يعدل إن لم أعدل" وفي رواية للبخاري، فقال: يا رسول الله اتق الله، قال: "ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله، خبت وخسرت إن لم أعدل".
قال المصنف: لم يضبط في اليونينية، تاءي خبت وخسرت هنا، وضبطهما في غيرهما "الضم والفتح"، على المتكلم، والمخاطب والفتح أشهر وأوجه.
قال التوربتشي: هو على ضمير المخاطب، لا على ضمير المتكلم، وإنما رد الخيبة والخسران إلى المخاطب على تقدير عدم العدل منه، لأن الله تعالى بعثه رحمة للعالمين، وليقوم بالعدل فيهم، فإذا قدر أنه لم يعدل، فقد خاب المعترف، بأنه مبعوث إليهم، وخسر لأن الله لا يحب الخائنين، فضلا أن يرسلهم إلى عباده.
وقال الكرماني: أي خبت أنت وخسرت لكونك تابعا ومقتديا لمن لا يعدل، "فقال عمر: يا رسول الله دعني" وفي رواية: ائذن لي فيه "أضرب" بالجزم جواب الأمر، وفي رواية.стр. 4594
حين فرقة من الناس". قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله ﵊، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل
الحواشي
(١) فأضرب "بالنصب" بقاء الجواب "عنقه، فقال ﵊: "دعه" لا تضرب عنقه، فإن قلت: كيف منع من قتله مع أنه قال: "لئن أدركتهم لأقتلنهم".
أجاب في شرح السنة بأنه إنما أباح قتلهم إذا كثروا وامتنعوا بالسلاح واستعرضوا للناس، ولم تكن هذه المعاني موجودة حين منع من قتلهم، وأول ما نجم ذلك في زمان علي ﵁، فقاتلهم حتى قتل كثيرا منهم. انتهى.
ولمسلم عن جابر: فقال عمر: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي"، وقال الإسماعيلي: إنما ترك قتله لأنه لم يكن أظهر ما يستدل به على ما وراءه، فلو قتل من ظاهره الصلاح عند الناس قبل استحكام الإسلام ورسوخه في القلوب، نفرهم عن الدخول في الإسلام، وأما بعده ﷺ ، فلا يجوز ترك قتالهم إذا أظهروا رأيهم وخرجوا عن الجماعة، وخالفوا الأئمة مع القدرة على قتالهم.
وفي رواية للبخاري: فسأله رجل أظنه خالد بن الوليد قتله، ولمسلم: فقال خالد بن الوليد بالجزم، وجمع بينهما، بأن كلا منهما سأل ذلك، ويؤيده ما في مسلم، فقام عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله ألا أضرب عنقه، قال: لا، ثم أدبر، فقام إليه خالد بن الوليد سيف الله، فقال: يا رسول الله ألا أضرب عنقه، قال: لا.
قال في فتح الباري: فهذا نص في أن كلا منهما سأل، وقد استشكل سؤال خالد في ذلك، لأن بعث علي إلى اليمن كان عقب بعث خالد إليها، والذهب المقسوم كان أرسله علي من اليمن، وأجيب بأن عليا لما وصل إلى اليمن رجع خالد منها إلى المدينة، فأرسل علي بالذهب، فحضر خالد قسمته، "فإن له أصحابا" ليست الفاء للتعليل، بل لتعقيب الأخبار، أي قال: دعه، ثم عقب مقالته بقصتهم، فقال: "يحقر"، "بكسر القاف" يستقل "أحدكم صلاته مع صلاتهم" لما يراه عليهم من إظهار الخشوع ونحوه، "وصيامه مع صيامهم".
وعند الطبري من رواية عاصم بن شمخ، عن أبي سعيد: "تحقرون أعمالكم مع أعمالهم" , ووصف عاصم أصحاب نجدة الحروي، بأنهم يصومون النهار ويقومون الليل.
وللطبراني عن ابن عباس في قصة مناظراته للخوارج، قال: فأتيتهم، فلم أر أشد اجتهادا منهم. "يقرءون القرآن، لا يجاوز تراقيهم"، "بفوقية وقاف جمع ترقوة، بفتح فسكون وضم القاف" قال في القاموس: ولا تضم تاؤه العظيم ما بين ثغرة النحر والعاتق، يريد أن قراءتهم، لا يرفعها الله ولا يقبلها لعلمه باعتقادهم، أو لأنهم لا يفقهونها، ويحملونها على غير المراد بها، فلا يثابون عليها، أو ليس لهم حظ إلا مروره على لسانهم، فلا يصل إلى حلوقهم، فضلا عن أنстр. 4595
فالتمس فوجد فأتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله ﵊
الحواشي
(١) يصل إلى قلوبهم، لأن المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب، "يمرقون" يخرجون سريعا "من الإسلام" هكذا رواه البخاري في التوحيد، ورواه في العلامات وغيره "يمرقون من الدين".
قال الحافظ في المغازي، في قوله: "من الإسلام". رد على من أول الدين هنا بالطاعة، وقال: المراد أنهم يخرجون من طاعة الإمام، وهي صفة الخوارج الذين كانوا لا يطيعون الخلفاء، والذي يظهر أن المراد بالدين الإسلام، كما فسرته الرواية الأخرى، وخرج الكلام مخرج الزجر، وأنهم بفعلهم ذلك يخرجون من الإسلام الكامل، "كما يخرج السهم من الرمية"، "بفتح الراء وكسر الميم وشد التحتية، فعلية بمعنى مفعولة" وهو الصيد المرمي شبه مروقهم من الدين بالسهم الذي يصيب الصيد، فيدخل فيه ويخرج منه, ومن شدة سرعة خروجه لقوة الرامي لا يعلق من جسد الصيد بشيء.
زاد في التوحيد: يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان: "لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد"، وحذف المصنف من رواية الشيخين عقب قوله: "الرمية". "ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافة، فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه وهو قدحه، لا يوجد فيه شيء، ثم ينطر إلى قذذه، فلا يوجد فيه شيء قد سبق للفرث والدم" وينظر بالبناء للمجهول في الجميع، والنصل حديدة السهم، ورصافة "براء مكسورة فمهملة ففاء"، أي عصبته التي تكون فوق مدخل النصل، جمع رصفة بحركات، ونضيه "بفتح النون" وحكي ضمها، وكسر الضاد المعجمة، فتحتية ثقيلة، فسره في الحديث بالقدح "بكسر القاف وسكون الدال"، أي عود السهم قبل أن يراش وينصل، وقيل: هو ما بين الريش والنصل، قاله الخطابي. قال ابن فارس: سمي بذلك لأنه بري حتى عاد نضوا، أي هزيلا.
وحكى الجوهري عن بعض أهل اللغة: أن النضي النصل، والأول أولى وقذذه "بضم القاف ومعجمتين، الأولى مفتوحة": جمع قذة وهي ريش السهم، يقال لكل واحدة قذه، ويقال هو أشبه بالقذة، لأنها تجعل على مثال واحد، والفرث "بفاء ومثلثه" ما يجتمع في الكرش والدم، يعني لم يظهر أثرهما فيه، وكذلك هؤلاء لم يتعلقوا بشيء من الإسلام، "آيتهم"، "بالمد"، أي علامتهم "رجل أسود" اسمه نافع، كما عند ابن أبي شيبة.
وقال ابن هشام: ذو الخويصرة "إحدى عضديه" ما بين المرفق والكتف، "مثل ثدي المرأة"، "بفتح المثلثة وسكون الدال المهملة"، "أو" قال: "مثل البضعة"، "بفتح الموحدة وسكون المعجمة" القطعة من اللحم "تدردر"، "بفتح الفوقية والدالين المهملتين بينهما راء ساكنة وآخره راء أخرى، وأصله تتدردر، حذفت إحدى التاءين تخفيفا، أي تتحرك وتذهبстр. 4596
الذي نعته.
وأخبر ﵊ أيضا بالرافضة، أخرجه البيهقي عن علي قال: قال رسول الله ﵊: "يكون في أمتي قوم يسمون الرافضة، يرفضون الإسلام".
الحواشي
(١) وتجيء، وأصله حكاية صوت الماء في بطن الوادي إذا تدافع، "يخرجون على حين"، "بكسر المهملة وسكون الياء ونون" أي زمان "فرقة"، "بضم الفاء" أي افتراق وفي رواية الكشميهني، وهي رواية الإسماعيلي: على خير "بخاء معجمة وراء" أي أفضل، وفرقة "بكسر الفاء"، أي أفضل طائفة "من الناس" علي وأصحابه، ولأحمد وغيره: على حين فترة "بفتح الفاء وسكون الفوقية".
قال الحافظ: رواية فرقة "بضم الفاء" هي المعتمدة، وهي التي عند مسلم وغيره، ويؤيدها ما في مسلم أيضا: تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين، تقتلها أولى الطائفتين بالحق، أخرجه هكذا مختصرا من وجهين، وفي هذا وفي قوله ﷺ "يقتل عمار الفئة الباغية" دلالة واضحة على أن عليا ومن معه كانوا على الحق، وأن من قاتلهم كانوا مخطئين في تأويلهم.
"قال أبو سعيد" الخدري: "فأشهد أني سمعت هذا" الحديث "من رسول الله ﷺ وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه" بالنهروان.
وفي رواية البخاري: وأشهد أن عليا قتلهم، ونسبة قتلهم له لأنه القائم بذلك "فأمر بذلك، الرجل" الذي قال ﷺ : "آيتهم" ... إلخ، "فالتمس"، "بضم الفوقية" مبنيا للمفعول، أي طلب في القتلى، "فوجد".
وفي مسلم: فلما قتلهم علي قال: انظروا، فلم ينظروا شيئا، فقال: ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثا، ثم وجدوه في خربة، "فأتي به".
وعند الطبري: فقال علي: اطلبوا ذا الثدية، فطلبوه فلم يجدوه، فقال: ما كذبت ولا كذبت، فوجدوه في وهدة من الأرض عليه ناس من القتلى، فإذا رجل على يديه مثل سلاسل السد نور، فكبر علي والناس "حتى نظرت إليه على نعت رسول الله ﷺ الذي نعته" يريد ما تقدم من كونه أسود ... إلخ.
قال بعض أهل اللغة: النعت يختص بالمعاني، كالطول والقصر، والعمى والخرس، والصفة بالفعل كالضرب والجرح، وقال غيره: النعت للشيء الخاص والصفة أعم.
وعند أحمد والطبراني والحاكم عن عبد الله بن شداد أنه دخل على عائشة مرجعه من العراق، فقالت: حدثني عن أمر هؤلاء الذين قتلهم علي، قال: إن عليا لما كاتب معاوية، وحكَّما الحكمين خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس، فنزلوا بأرض يقال لها حروراء بجانب الكوفة،стр. 4597
وأخبر أيضا بالقدرية والمرجئة وقال: "هم مجوس هذه الأمة"، رواه الطبراني في الأوسط عن أنس.
وقد أخبر ﵊ أصحابه بأشياء بين موته وبين الساعة، وحذر من مفاجأتها، كما يحذر من حاد عن الطاعة، وأن الساعة لا تقوم حتى تظهر
الحواشي
(١) وعتبوا عليه، فقالوا: انسلخت من قميص ألبسكه الله، ومن اسم سماك الله به، ثم حكمت الرجال في دين الله، ولا حكم إلا لله، فبلغ ذلك عليا، فجمع الناس، فدعا بمصحف عظيم، فجعل يقول: أيها المصحف حدث الناس، فقالوا: ماذا إنسان، إنما هو مداد وورق ونحن نتكلم بما روينا منه، فقال: كتاب الله بيني وبين هؤلاء، يقول الله في امرأة ورجل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] ، وأمة محمد ﷺ أعظم من امرأة ورجل، ونقموا عليَّ أن كاتبت معاوية، وقد كاتب ﷺ سهيل بن عمر، و ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ثم بعث إليهم ابن عباس، فناظرهم، فرجع منهم أربعة آلاف، منهم: عبد الله بن الكواء، فبعث علي إلى الآخرين أن يرجعوا، فأبوا، فأرسل إليهم: كونوا حيث شئتم وبيننا وبينكم أن لا تسفكوا دما حراما، ولا تقطعوا سبيلا ولا تظلموا، أحدا فإن فعلتم تندب إليكم الحرب.
قال عبد الله بن شداد: فوالله ما قتلهم حتى قطعوا السبيل وفكوا الدم الحرام.
"وأخبر ﵊ أيضا بالرافضة" فرقة من الشيعة تابعوا زيد بن علي بن الحسين، ثم قالوا له: تبرأ من الشيخين، فأبى وقال: كانا وزيري جدي، فتركوه ورفضوه، فأرفضوا، والروافض كل جند تركوا قائدهم، والرافضة فرقة منهم.
"أخرجه البيهقي عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون في أمتي قوم يسمون الرافضة يرفضون الإسلام"، "بكسر الفاء وضمها"، يتركونه بالخروج عن الطاعة والاعتقاد الفاسد، "وأخبر أيضا بالقدرية" سموا بذلك لإنكارهم القدر، وإسنادهم أفعال العباد إلى قدرتهم.
وفي الحديث: "القدر سر الله، فلا تفشوا سر الله". رواه أبو نعيم عن ابن عمر، وابن عدي عن عائشة، مرفوعا بإسنادين ضعيفين، ورواه الديلمي، بلفظ: فلا تتكلفوا عليه "والمرجئة" القائلين بالإرجاء وهو تأخير العمل عن النية والاعتقاد، أو بأنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة.
وعند البيهقي عن ابن عباس، رفعه: صنفان من أمتي لا سهم لهم في الإسلام المرجئة والقدرية، قيل: وما المرجئة، قال: الذي يقولون الإيمان قول ولا عمل، قيل: وما القدرية، قال: الذين يقولون لم يقدر الله الشر، "وقال: هم مجوس هذه الأمة" لأن إضافة القدرية الخير إلى الله والشر لغيره تشبه إضافة المجوس الكوائن إلى خالقين: خالق الخير وخالق الشر، لكن يقولونстр. 4598
جملة من الأمارات في العالم، فإذا جاءت الطامة الكبرى، يطيش منها الجاهل والعالم. كما روي من رفع الأمانة والقرآن، واشتهار الخيانة وحسد الأقران وقلة الرجال، وكثرة النسوان، إلى غير ذلك مما شهدت بصحته الأخبار، وقضى بحقيقة وقوعه الاعتبار, وقد تعين أن نلم بطرف من الآثار الصحاح والحسان.
فروى البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يكون بينهما مقتلة عظيمة، دعواهما
الحواشي
(١) ذلك في الأعيان والأحداث، والقدرية يقولونه في الأحداث دون الأعيان، وتركيب الحديث من قبيل القلم أحد اللسانين، ولفظه: هذه إشارة إلى تعظيم المشار إليه وإلى النعي على القدرية والتعجب منهم، أي انظروا إلى هؤلاء كيف امتازوا من هذه الأمة المكرمة بهذه الهيئة الشنيعة، حيث نزلوا من أوج المنازل الرفيعة إلى حضيض السفالة والرذيلة، قاله الطيبي.
"رواه الطبراني في الأوسط عن أنس" وأخرجه بدون ذكر المرجئة أبو داود والحاكم من حديث أبي حازم، عن ابن عمر، رفعه: "القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم"، ورواته ثقات لكنه منقطع، لأن أبا حازم لم يسمع من ابن عمر، وإليه أشار الحاكم، فقال: على شرطهما إن صح أن أبا حازم سمع من ابن عمر.
قال بعضهم: استأثر الله بسر القدر ونهى عن طلبه، ولو كشف لهم عنه وعن عاقبته لما صح التكليف، كما لا يصح عند كف الغطاء يوم القيامة، فالسعادة فضله والشقاوة عدله، وإنما ينكشف سر الله للخلائق إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف لهم قبل دخولها.
"وقد أخبر ﵊ أصحابه بأشياء بين موته وبين" قيام "الساعة، وحذر من مفاجأتها" إتيانها بغتة، بمعنى أنه حذر الإنسان من الغفلة، بحيث تفجؤه على غير تأهب، وإلا ففجأتها لا يمكن التحذير منها، "كما يحذر من حاد عن الطاعة، وإن الساعة لا تقوم حتى تظهر جملة من الأمارات" العلامات الدالة على دنوها "في العالم، فإذا جاءت الطامة" الداهية التي تطم، أي تعلو على سائر الدواهي "الكبرى" أكبر الدواهي، "يطيش منها الجاهل والعالم، كما روي من رفع الأمانة والقرآن" من الصدور والمصاحف، "واشتهار الخيانة وحسد الأقران" بعضهم لبعض، "وقلة الرجال وكثرة النسوان"، بحيث يكون لخمسين امرأة قيم واحد، "إلى غير ذلك مما شهدت بصحته الأخبار، وقضى بحقيقة وقوعه الاعتبار" وظاهر هذا أنه بيان للطامة، فالمراد بها غير المراد بها في الآية، فهي هنا المصيبة التي تعم الناس من الأشياء المذكورة، أما في الآية، فقال البيضاوي: القيامة أو النفخة الثانية أو الساعة التي يساق فيها أهل الجنة إليها وأهل النار إليها، ويحتمل أن يقدر في المصنف مضاف نحو، فإذا جاءت مقدماتстр. 4599
واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون قريبا من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج -وهو القتل- وحتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم الرجل من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي به، وحتى يتطاول الناس في
الحواشي
(١) الطامة، "وقد تعين أن نلم" أن نذكر من ألم بالشيء إذا فعله "بطرف من الآثار الصحاح والحسان، فروى البخاري" من أفراده، عن مسلم "من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال": "لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان"، "بكسر الفاء بعدها همزة مفتوحة تثنية فئة" أي جماعتان "عظيمتان" أي كثيرتان، والمراد علي ومن معه ومعاوية ومن معه لما تحاربا بصفين، "يكون بينهما مقتلة"، "بفتح الميم مصدر ميمي"، "عظيمة" أي قتل عظيم، فقتل من الفريقين سبعون ألفا، وقيل: أكثر، "دعواهما واحدة" أي دينهما، لأن كلا منهما كان يتسمى بالإسلام، أو المراد أن كلا منهما يدعي أنه المحق، وقد كان علي هو الإمام والأفضل، يومئذ باتفاق أهل السنة، ولأن أهل الحل والعقد بايعوه بعد عثمان فهو المصيب، فله أجران، ومخالفه مخطئ وليس المراد البعث بمعنى الإرسال المقارن للنبوة، بل هو كقوله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [مريم: ٨٣] ، "دجالون" جمع دجال، يقال: دجل فلان الحق بالباطل، أي غطاه، ومنه الدجال ودجله سحره، ويقال: سمي بذلك لتمويهه وتخليطه على الناس، ويطلق أيضا على الكذب، فقوله: "كذابون" تأكيد، ولا يجمع ما كان على فعال جمع تكسير عند الجمهور لئلا تذهب المبالغة منه وإنه كان قد جاء مكسرا فهو شاذ كما قال مالك في محمد بن إسحاق، إنما هو دجال من الدجاجلة، قال عبد الله بن إدريس الأودي: ما علمت أن دجالا يجمع على دجاجلة حتى سمعتها من مالك بن أنس، "قريبا" بالنصب حال من النكرة الموصوفة.
وفي رواية أحمد: قريب، بالرفع على الصفة "من ثلاثين".
وفي مسلم عن جابر بن سمرة أن بين يدي الساعة ثلاثين كذابا دجالا، كلهم يزعم أنه نبي، فجزم بالثلاثين، ولأبي داود والترمذي، وصححه ابن حبان عن ثوبان: "وأنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون". "كلهم يزعم أنه رسول الله" زاد في حديث ثوبان: "وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي".
وروى أبو يعلى بإسناد حسن عن ابن الزبير: "لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا، منهم: مسيلمة والعنسي والمختار". فعين بعضهم، وجمع بينهما بأنه جبر الكسر، وقد ظهرстр. 4600
البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس
الحواشي
(١) مصداق ذلك في آخر زمنه ﷺ فخرج مسيلمة باليمامة, والأسود باليمن, ثم خرج في خلاف الصديق طليحة بن خويلد في بني أسد بن خزيمة وسجاح التميمية في بني تميم، وفيها يقول شبيب بن ربعي:
أضحت نبيتنا أنثى نطيف بها ... وأصبت أنبياء الناس ذكرانا
فقتل الأسود قبل موته ﷺ ، وقتل مسيلمة في خلافة أبي بكر، وتاب طليحة ومات على الإسلام على الصحيح في خلافة عمر، وقيل: أن سجاح تابت، ثم كان أول من خرج بعدهم المختار بن أبي عبيد الثقفي، غلب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير، فأظهر محبة أهل البيت، ودعاء الناس إلى طلب قتلة الحسين، فتتبعهم، فقتل كثيرا ممن باشر ذلك، أو أعان عليه، فأحبه الناس، ثم زين له الشيطان، فادعى النبوة، وزعم أن جبريل يأتيه، فروى أبو داود الطيالسي بإسناد صحيح عن رفاعة بن عبد الله، قال: كنت أبطن شيء بالمختار، فدخلت عليه يوما، فقال: دلت وقد قام جبريل قبلك من هذا الكرسي.
وروى يعقوب بن سفيان بإسناد حسن عن الشعبي أن الأحنف بن قيس أراه كتاب المختار إليه يذكر أنه نبي، وروى أبو داود في السير عن إبراهيم النخعي، قال: قلت لعبيدة بن عمرو: أترى المختار منهم؟ قال: أما إنه من الرءوس. ومنهم: الحارث الكذاب، خرج في خلافة عبد الملك بن مروان، فقتل، وخرج في خلافة بني العباس جماعة، وليس المراد بالحديث من ادعى النبوة مطلقا، فإنهم لا يحصون كثرة؛ لكون غالبهم ينشأ لهم ذلك من جنون أو سوداء وإنما المراد من قامت له شوكة، وبدت له شبهة، كمن وصفنا.
وقد أهلك الله تعالى من وقع له ذلك منهم وبقي منهم من يلحقه بأصحابه، وآخرهم الدجال الأكبر، قاله في فتح الباري "و" لا تقوم الساعة "حتى يقبض العلم" بقبض العلماء، وقد وقع ذلك، فلم يبق إلا رسمه، "وتكثر الزلازل" وقد كثر ذلك في البلاد الشمالية والشرقية والغربية، حتى قيل إنها استمرت في بلدة من بلاد الروم التي للمسلمين ثلاثة عشر شهرا.
وفي حديث سلمة بن نفيل عند أحمد: وبين يدي الساعة سنوات الزلازل، "ويتقارب الزمان" عند زمان المهدي، لوقوع الأمن في الأرض، فيستلذ العيش عند ذلك لانبساط عدله، فتقصر مدته؛ لأنهم يستقصرون مدة أيام الرخاء وإن طالت، ويستطيلون أيام الشدة وإن قصرت، أو المراد يتقارب أهل الزمان في الجهل، فيكونون كلهم جهلاء، أو المراد الحقيقة، بأن يعتدل الليل والنهار دائما بأن تنطبق منطقة البروج على معدل الليل والنهار.
وروى أحمد والترمذي عن أنس، مرفوعا: "لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعةстр. 4601
من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، ولتقومن الساعة وقد نشر
الحواشي
(١) كالضرمة بالنار"، "وتظهر الفتن" أي تكثر وتشتهر فلا تكتم، "ويكثر الهرج"، "بفتح الهاء وسكون الراء بعدها جيم" "وهو القتل".
وعند ابن أبي شيبة: قالوا: يا رسول الله وما الهرج؟ قال: "القتل". وهو صريح في أن تفسير الهرج مرفوع، ولا يعارضه كونه جاء موقوفا في غير هذه الرواية، ولا كونه بلسان الحبشة، "وحتى يكثر فيكم المال فيفيض"، "بفتح الياء والنصب عطفا على سابقه"، أي يكثر حتى يسيل "حتى يهم"، "بضم التحتية وكسر الهاء وشد الميم": يحزن "الرجل" الذي في البخاري رب المال "مفعول"، "من يقبل صدقته"، "فاعل".
وفي رواية: "بفتح الياء وضم الهاء"، ورب المال "فاعل، ومن مفعوله"، كما في الفتح وغيره، "وحتى يعرضه"، "بفتح الياء" يظهره.
قال الطيبي: معطوف على مقدر، المعنى: حتى يهم طلب من يقبل الصدقة صاحب المال، فيطلبه حتى يجده وتى يعرضه، "فيقول الذي يعرضه عليه لا أرب"، "بفتحتين" لا حاجة "لي به" لاستغنائي عنه.
قال القرطبي في التذكرة: هذا مما لم يقع، بل يكون فيما يأتي، وقال الحافظ: التقييد بقوله: فيكم يشعر بأنه في زمن الصحابة، وأما قوله: "فيفيض" ... إلخ، فهو إشارة إلى ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز، أن الرجل كان لا يجد من يقبل صدقته لبسط عدله وإيصال الحقوق لأهلها حتى استغنوا، وقوله: "حتى يعرضه" ... إلخ إشارة إلى ما سيقع زمن عيسى، فيكون فيه إشارة إلى ثلاثة أحوال: الأولى: كثرة المال فقط في زمن الصحابة, الثانية: فيضه بحيث يكثر ويحصل استغناء كل أحد عن أخذ مال غيره، ووقع ذلك في زمن عمر بن عبد العزيز.
أخرج يعقوب ابن سفيان في تاريخه بسند جيد، عن يحيى بن أسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، قال: والله ما مات عمر بن عبد العزيز حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم، فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء، فما يبرح حتى يرجع بماله، فيتذكر من يضعه فيهم فلا يجده، فيرجع به قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس، وسبب ذلك بسطه العدل وإيصال الحقوق لأهلها حتى استغنوا, الثالثة: كثرته وحصول الاستغناء عنه حتى يهم صاحب المال، لكونه لا يجد من يقبل صدقته، ويزداد بأن يعرضه على غيره، ولو كان يستحق الصدقة فيأبى أخذه، وهذا في زمن عيسى ﵇، ويحتمل أن يكون هذا الأخير عند خروج النار واشتغال الناس بالمحشر، فلا يلتفت أحد إلى شيء، بل نقصد نجاة نفسه ومن استطاع من أهله وولده، "وحتى يتطاول الناس في البنيان" بأن يكون كل ممن يبني، يريد ارتفاعه أعلى من ارتفاع الآخر، أوстр. 4602
الرجلان ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها".
الحواشي
(١) المراد المباهاة به في الزينة والزخرفة، أو أعم من ذلك، وقد وجد ذلك وهو في ازدياد، "وحتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه" لما يرى من عظم البلاء ورياسة الجهلاء وخمول العلماء، واستيلاء الباطل في الأحكام، وعموم الظلم واستحلال الحرام، والتحكم بغير حق في الأموال والأعراض والأبدان، كما في هذه الأزمان، فقد علا الباطل على الحق، وتغلب العبيد على الأحرار من سادات الخلق، فباعوا الأحكام، ورضي بذلك منهم الحكام، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ ولا منجا من الله إلا إليه.
وقيل: ذلك لما يقع لبعضهم من مصيبة في نفسه، أو أهله, أو ماله، وإن لم يكن في ذلك شيء يتعلق بدينه.
وفي مسلم عن أبي هريرة، مرفوعا: "لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر، فيتمرغ عليه ويقول: يا ليتني مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين إلا البلاء". وسبب ذلك أنه يقع البلاء والشدة حتى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على الرجل، فيتمنى أهون المصيبتين في اعتقاده، وذكر الرجل للغالب، وإلا فالمرأة يمكن أن تتمنى الموت لذلك أيضا، إلا أنه لما كان الغالب أن الرجال هم المبتلون بالشدائد، والنساء محجبات لا يصلين نار الفتنة، خصهم، ثم لا يلزم كونه في جميع الناس والبلاد والأزمان بل يصدق باتفاقه لبعض الناس في بعض البلاد في بعض الأزمان، وهو إخبار عما يكون لا تعرض لحكم شرعي، فلا ينافي النهي عن تمني الموت، وعلى التفسير الأول: بفساد الدين، فيجوز تمنيه ليسلم دينه، لحديث: "وإذا أردت بالناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون". كما قال ابن عبد البر: "و" لا تقوم الساعة "حتى تطلع الشمس من مغربها" غاية لعدم قيامها.
قال الكرماني: فإن قيل بين أهل الهيئة، أن الفلكيات بسيطة، لا تختلف مقتضاياتها، ولا يتطرق إليها خلاف ما هي عليه، قلت: قواعدهم منقوضة، ومقدماتهم ممنوعة، ولئن سلمنا صحتها، فلا امتناع في انطباق منطقة البروج على معدل الليل، بحيث يصير المشرق مغربا والمغرب مشرقا. انتهى.
وآية ذلك أن يطول الليل حتى يكون قدر ليلتين، رواه ابن مردويه عن حذيفة، رفعه: "فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل" صفة نفسا، "أو كسبت في إيمانها خيرا"، "عطف على آمنت"، والمعنى لا ينفع الإيمان حينئذстр. 4603
فهذه ثلاثة عشر علامة جمعها أبو هريرة في حديث واحد، ولم يبق بعد
الحواشي
(١) نفسا غير مقدمة إيمانها، أو مقدمة إيمانها غير كاسبة في إيمانها خيرا.
قال الناصر بن المنير رام الزمخشري: الاستدلال بالآية على مذهبه أن الكافر والعاصي في الخلود سواء، لأنه سوى بينهما في عدم الانتفاع بما يستدركان بعد ظهور الآيات ولا يتم ذلك، فإن هذا الكلام في البلاغة يلقب باللف، وأصله يوم يأتي بعض آيات ربك، لا ينفع نفسا إيمانها، لم تكن مؤمنة قبل إيمانها بعد، ولا نفسا لم تكسب خيرا قبل ما تكسبه من الخير بعد، فلف الكلامين، فجعلهما كلاما واحدا مجازا وبلاغة، ويظهر بذلك أنها لا تخالف مذهب أهل الحق، فلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير، وإن نفع الإيمان المتقدم من الخلود، فهي بالرد على مذهبه أولى من أن تدل له. انتهى.
وفي مسلم عن أبي هريرة، مرفوعا: "ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل: طلوع الشمس من مغربها، والدجال, والدابة".
قال الحافظ: والذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغيير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى ﵇، وأن طلوع الشمس من مغربها هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغيير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة.
وفي مسلم عن عبد الله بن عمر، ورفعه: "أول الآيات طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى، فأيهما خرجت قبل الأخرى، فالأخرى منها قريب".
وقال أبو عبد الله الحاكم: الذي يظهر أن طلوع الشمس يسبق خروج الدابة، ثم تخرج الدابة في ذلك اليوم أو الذي يقرب منه.
قال الحافظ: والحكمة في ذلك أن عند طلوعها من مغربها يغلق باب التوبة، فتخرج الدابة تميز المؤمن من الكافر، تكميلا للمقصود من إغلاق باب التوبة، وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة النار التي تحشر الناس، كما سبق في بدء الخلق من حديث أنس.
وروى عبد بن حميد والطبراني بسند صحيح عن عائشة: إذا خرجت أول الآيات طرحت الأقلام وطويت الصحف وخلصت الحفظة وشهدت الأجسام على الأعمال، وهذا موقوف وحكمه الرفع، "ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما" بغير تحتية بعد الموحدة ليتبايعانه، "فلا يتبايعانه ولا يطويانه" وللحاكم عن عقبة بن عامر، رفعه: "تطلع عليكم قبل الساعة سحابة سوداء من قبل المغرب مثل الترس، فما تزال ترتفع حتى تملأ السماء، ثم ينادي مناد: يا أيها الناس ثلاثا، يقول في الثالثة: أتى أمر الله". قال: "والذي نفسي بيده إن الرجلين لينشران الثوب بينهماстр. 4604
هذا ما ينظر من صحيح العلامات والأشراط. وقد ظهر أكثر هذه العلامات.
فأما قوله: "حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة" , فيريد فتنة معاوية وعلي بصفين. قال القاضي أبو بكر بن العربي: وهذا أول خطب طرق الإسلام.
وتعقبه القرطبي بأن أول أمر دهم الإسلام موت النبي ﵊، ثم بعده موت عمر، لأن بموته ﵊ انقطع الوحي وكان أول ظهور الشر ارتداد العرب وغير ذلك، وبموت عمر سل سيف الفتنة فقتل عثمان. وكان من قضاء الله وقدره ما كان وما يكون.
الحواشي
(١) فلا يطويانه"، "ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته"، "بكسر اللام وسكون القاف فحاء مهملة" أي ناقته اللبون "فلا يطعمه" أي فلا يشربه، "ولتقومن الساعة وهو يليط"، "بضم التحتية وكسر اللام وسكون التحتية فطاء مهملة" أي يصلح بالطين "حوضه" فيسد شقوقه ليملأه ويسقي منه دوابه، "فلا يسقي فيه" أي تقوم القيامة قبل أن يسقي فيه، "ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته"، "بضم الهمزة" لقمته "إلى فيه" فمه "فلا يطعمها" أي تقوم الساعة قبل أن يضع لقمته في فيه، أو قبل أن يمضغها، أو يبتلعها. وعند البيهقي عن أبي هريرة، رفعه: "تقوم الساعة على رجل أكلته في فيه يلوكها فلا يسيغها ولا يلفظها". وهذا كله إشارة إلى أنها تقوم بغتة، وأسرها رفع اللقمة إلى الفم.
"فهذه ثلاثة عشر علامة، جمعها أبو هريرة في حديث واحد" كما سمعها من النبي ﷺ "ولم يبق بعد هذا ما ينظر من صحيح العلامات والأشراط" لقيام الساعة، "وقد ظهر أكثر هذه العلامات، فأما قوله": "حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة" الإسلام، أو أن كلا على الحق، "فيريد فتنة معاوية وعلي بصفين".
"قال القاضي أبو بكر" محمد "بن العربي" الحافظ الفقيه: "وهذا أول خطب طرق الإسلام، وتعقبه القرطبي بأن أول أمر دهم" أي فجأ "الإسلام موت النبي ﷺ " لانقطاع خبر السماء مع ما آذن به من إقبال الفتن والحوادث والكرب، فهو الخطب الكالح والرزء لأهل الإسلام الفادح، وقد سمع أبو ذؤيب الهذلي في نومه الهاتف يقول:
خطب أجل أناخ بالإسلام ... بين النخيل ومعقد الآطام
قبض النبي محمد محبوبنا ... تهمي الدموع عليه بالنسجام
وهو المصيبة العامة كما قال ﷺ : "لتعز المسلمين في مصائبهم، المصيبة بي"، يعني لأنстр. 4605
وأما قوله: "دجالون كذابون قريب من ثلاثين" فقد جاء عددهم معينا من حديث حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون في أمتي دجالون كذابون سبعة وعشرون، منهم أربع نسوة منهن سجاح وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي". أخرجه الحافظ أبو نعيم وقال: هذا حديث غريب. قال القاضي عياض: هذا الحديث قد ظهر، فلو عد من تنبأ من زمن النبي ﵊ إلى الآن ممن اشتهر بذلك لوجد هذا العدد، ومن طالع كتب التواريخ عرف صحة هذا.
وقوله: "حتى يقبض العلم" فقد قبض العلم ولم يبق إلا رسمه.
وأما: "الزلازل" فوقع منها شيء كثير، وقد شاهدنا بعضها.
وأما قوله: "حتى يكثر فيكم المال أو حتى يهم رب المال" فهذا مما لم
الحواشي
(١) كل مصاب به دونها، إذ كل مصاب به عنه عوض ولا عوض عنه ﷺ : "ثم بعده موت عمر" بن الخطاب "لأن بموته ﷺ انقطع الوحي".
وقال جمع من الصحابة: أنكرنا قلوبنا، أي لم يشاهدوا فيها تلك الأنوار التي كانت في حياته، "وكان أول ظهور الشر ارتداد العرب وغير ذلك" كرفع المنافقين رءوسهم، "وبموت عمر، سل سيف الفتنة" لأنه كان قفلها، وصح أنه ﷺ أخبر أن الفتن لا تظهر ما دام عمر حيا، "فقتل عثمان، وكان من قضاء الله وقدره ما كان" من الحروب الكثيرة وغيرها، "وما يكون" من ذلك إلى قيام الساعة.
"وأما قوله: "دجالون كذابون قريب من ثلاثين"، فقد جاء عددهم معينا من حديث حذيفة" بن اليمان الذي أعلمه ﷺ بما كان وما يكون إلى قيام الساعة، "قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون في أمتي دجالون كذابون سبعة"، "بسين فمودة"، "وعشرون: منهم أربع نسوة، منهن: سجاح" التميمية "وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي".
"أخرجه الحافظ أبو نعيم" أحمد بن عبد الله الأصبهاني، "وقال: هذا حديث غريب" تفرد به معاوية بن هشام، لكن أخرجه أحمد بسند جيد، وسبق الجمع بينه وبين حديث جابر بن سمرة وثوبان وابن الزبير من الجزم بالثلاثين؛ بأنه على طريق جبر الكسر، وأما ما رواه أحمد وأبو يعلى عن ابن عمر: ثلاثون كذابون أو أكثر، للطبراني عنه: "لا تقوم الساعة حتى يخرج سبعون كذابا" فسندهما ضعيف، وعلى تقدير الثبوت فيحمل على المبالغة في الكثرة لا التحديد.
"قال القاضي عياض: هذا الحديث قد ظهر، فلو عد من تنبأ من زمن النبي ﷺ إلى الآن ممن اشتهر بذلك، لوجد هذا العدد، ومن طالع كتب التواريخ عرف صحة هذا" قال:стр. 4606
يقع.
وقوله: "حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه" لما يرى من عظيم البلاء ورياسة الجهلاء وخمول العلماء وغير ذلك، مما ظهر كثير منه.
وفي حديث أبي هريرة عند الشيخين أن رسول الله ﵊ قال: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز يضيء لها أعناق الإبل ببصرى". وقد خرجت نار عظيمة على قرب مرحلة من المدينة، وكان بدؤها زلزلة
الحواشي
(١) ولولا الإطالة لنقلنا ذلك، والفرق بين هؤلاء وبين الدجال الأكبر أنهم يدعون النبوة، وذاك يدعي الألوهية مع اشتراك الكل في التمويه والادعاء الباطل.
قال الأبي: دعوى النبوة لفظ أو معنى حتى يدخل فيه ما يقع لكثير، أن يقول: قيل لي أو أذن لي، وقد كان الشيخ ينكر هذه المقالة ويقول: لا أقبلها ولا من المرجاني الذي صحت ولايته قال: وقد اختلف مم يعرف النبي أن الذي يخاطبه ملك، فكيف يصح لغيره أن يأتي بكلام فيه تعمية توهم أن الذي يقول له ذلك ملك، كذا قال وفيه نظر، لأن المراد كما مر عن الحافظ من قامت له شكوة، لا مطلق من ادعى النبوة، إذ لا يحصون كثرة، وغالبهم ينشأ له ذلك من جنون أو سوداء، وليس قول من قال من الأولياء: قيل لي أو أذن لي من دعوى النبوة في شيء، إنما هو من باب الإلهام والإلقاء في القلب المشار إليه بحديث: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله" ثم قرأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] .
أخرجه الترمذي مرفوعا، "وقوله: حتى يقبض العلم، فقد قبض العلم ولم يبق إلى رسمه" أثره الدال عليه، "وأما الزلازل فوقع منها شيء كثير، وقد شاهدنا بعضها".
"وأما قوله: حتى يكثر فيكم المال، أو حتى يهم رب المال" كذا في نسخ, وفي بعضها: الرجل موافقة لما قدم، لكن الذي في البخاري رب المال كما مر، "فهذا مما لم يقع" وقدمت تفصيله.
"وقوله: حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه" ذلك "لما يرى من عظيم البلاء ورياسة الجهلاء وخمول" "بضمتين" "العلماء" سقوطهم وعدم حظهم، مأخوذ من خمل المنزل خمولا إذا عفا ودرس "وغير ذلك مما ظهر كثير منه".
زاد عياض: أو لما يرى من البلاء والمحن والفتنة، كما قال في الحديث الآخر: "والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قتل، ولا المقتول على أي شيء قتل" رواه مسلم، وعلى الوجهين: فقد وقع ما أخبره به ﷺ .стр. 4607
عظيمة في ليلة الأربعاء بعد العشاء ثالث جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة وفي يوم الثلاثاء اشتدت حركتها، وعظمت رجفتها، وتتابعت حطمتها، وارتجت الأرض بمن عليها، وعجت الأصوات لبارئها، ودامت الحركة إثر الحركة، حتى أيقن أهل المدينة بوقوع الهلكة، وزلزلوا زلزالا شديدا، من جملة ثمانية عشر حركة في يوم واحد دون ليلته.
قال القرطبي: وكان يأتي المدينة ببركته ﵊ نسيم بارد, وشوهد من هذه النار غليان كغليان البحر، وانتهت إلى قرية من قرى اليمن
الحواشي
(١) "وفي حديث أبي هريرة عند الشيخين" كليهما في الفتن، "أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار" أي تنفجر "من أرض الحجاز، يضيء لها أعناق الإبل ببصرى"، "بضم الموحدة وفتح الراء" مقصور، ونصب أعناق مفعول يضيء على أنه متعد والفاعل النار، أي تجعل على أعناق الإبل ضوءا، وبصرى مدينة معروفة بالشام، وهي مدينة حوران، بينها وبين دمشق نحو ثلاثة مراحل، وفي كامل بن عدي عن عمر، رفعه: "لا تقوم الساعة حتى يسيل واد من أودية الحجاز بالنار، يضيء له أعناق الإبل ببصرى"، وفي إسناده عمر بن سعيد التنوخي.
قال الحافظ: ذكره ابن حبان، ولينه ابن عدي والدارقطني، وهذا ينطبق على النار المذكورة، "وقد خرجت نار عظيمة على قرب مرحلة من المدينة، وكان بدؤها زلزلة عظيمة في ليلة الأربعاء بعد العشاء ثالث جمادى الآخرة، سنة أربع وخمسين وستمائة" لا خلاف في السنة، وأما اليوم فجزم القرطبي في التذكرة، بما قال المصنف، وقال في جمل الإيجاز: اضطرب الناقلون في تحقيق اليوم الذي ابتدأت فيه، فالأكثر أن ابتداءها كان يوم الأحد، مستهل جمادى الآخرة.
وقيل: ابتدأت ثالث الشهر، وجمع بأن القائل بالأول، لأنها كانت خفيفة إلى ليلة الثلاثاء بيومها، ثم ظهرت ظهورا اشترك فيه الخاص والعام، "وفي يوم الثلاثاء اشتدت حركتها، وعظمت رجفتها، وتتابعت حطمتها" كسرها كلما أتت عليه، "وارتجت" اضطربت "الأرض بمن عليها وعجت" ارتفعت "الأصوات لبائها" خالقها، "ودامت الحركة أثر الحركة حتى أيقن أهل المدينة بوقوع الهلكة"، "بفتحتين" بمعنى الهلاك "وزلزلوا" حركوا "زلزالا شديدا" من شدة الفزع، وهذا إنما نقله المصنف في شرح البخاري، عن القطب القسطلاني في جمل الإيجاز بعد يوم الثلاثاء، ولفظه، وجمع بأن القائل بالأول بأنها كانت خفيفة إلى ليلة الثلاثاء بيومها، ثم ظهرت ظهورا شديدا، واشتدت حركتها إلى آخر ما هنا، وقال عقب قوله: زلزلوا زلزالاстр. 4608
فأحرقتها. قال: وقال لي بعض أصحابنا: ولقد رأيتها صاعدة في الهواء من مسيرة خمسة أيام، قال: وسمعت أنها رئيت من مكة ومن جيال بصرى.
وقال الشيخ قطب الدين القسطلاني: أقامت اثنين وخمسين يوما، قال وكان انطفاؤها في السامع والعشرين من شهر رجب ليلة الإسراء والمعراج.
وبالجملة فاستيفاء الكلام على هذه النار يخرج عن المقصود، وقد نبه عليها القرطبي في التذكرة، وأفردها بالتأليف الشيخ قطب الدين القسطلاني في كتاب سماه "جمل الإيجاز بنار الحجاز" فأتى فيه من رقائق الحقائق
الحواشي
(١) شديدا، فلما كان يوم الجمعة نصف النهار، ثار في الجو دخان متراكم أمره متفاقم، ثم شاع شعاع النار، وعلا حتى غشي الأبصار. انتهى
فهو صريح في وقوع الاشتداد الموصوف بما ذكر في يوم الأربعاء لا في يوم الثلاثاء كما قال المصنف، فقوله "من جملة ثمانية عشر حركة في يوم واحد دون ليلته" صريحه أنه يوم الثلاثاء، والمنقول أنه يوم الأربعاء كما علم.
"قال القرطبي" في تذكرته: كان بدؤها زلزلة عظيمة ليلة الأربعاء، ثالث جمادى الآخرة، سنة أربع وخمسين وستمائة، إلى ضحوة النهار يوم الجمعة، فسكنت بقريظة عند قاع التنعيم بطرف الحرة، ترى في صورة البلد العظيم، عليها سور محيط عليه شراريف كشراريف الحصون، وأبراج ومواذن، ويرى رجال يقودونها، لا تمر على جبل إلا دكته وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك نهر أحمر ونهر أزرق له دوي كدوي الرعد، يأخذ الصخور والجبال بين يديه، وينتهي بها إلى محط الركب العراقي، فاجتمع من ذلك ردم صار كالجبل العظيم، وانتهت النار إلى قرب المدينة.
قال: "وكان يأتي المدينة ببركته ﷺ نسيم بارد، وشوهد من هذه النار" غليان البحر لفظ القرطبي "غليان كغليان البحر، وانتهت إلى قرية من قرى اليمن فأحرقتها".
"قال" القرطبي: "وقال لي بعض أصحابنا: ولقد رأتها صاعدة في الهواء من مسيرة خمسة أيام" من المدينة، "قال: وسمعت أنها رئيت من مكة ومن جبال بصرى" مصداق قوله ﷺ : "تضيء لها أعناق الإبل ببصرى" وقال أبو شامة: وردت كتب من المدينة في بعضها، أنه ظهر نار بالمدينة، انفجرت من الأرض، وسال منها واد من نار حتى حاذى جبل أحد، وفي آخر: سال منا واد يكون مقداره أربع فراسخ وعرضه أربعة أميال، يجري على وجوه الأرض، يخرج منه مهاد وجبال صغار.
"وقال الشيخ قطب الدين القسطلاني: أقامت اثنين وخمسين يوما، قال: وكانстр. 4609
بالعجب العجاب، والله الموفق للصواب.
الحواشي
(١) انطفاؤها في السابع والعشرين من شهر رجب ليلة الإسراء والمعراج" أي الذي اتفق فيه ذلك، "وبالجملة فاستيفاء الكلام على هذه النار يخرج عن المقصود" من الاختصار. "وقد نبه عليه القرطبي في التذكرة، وأفردها بالتأليف الشيخ قطب الدين القسطلاني في كتاب سماه جمل الإيجاز بنار الحجاز، فأتى فيه من رقائق الحقائق بالعجب العجاب", ومن جملة ذلك قوله فيه: حكى لي جمع ممن حضر أن النفوس سكرت من حلول الوجل، وفتنت من ارتقاب نزول الأجل، ونشج المجاورون في الجؤار بالاستغفار، وعزموا على الإقلاع عن الإصرار والتوبة عما اجترحوا من الأوزار، وفزعوا إلى الصدقة بالأموال، فصرفت عنهم النار ذات اليمين وذات الشمال، وظهر حسن بركة نبينا ﷺ في أمته، ويمن طلعته في رفقته بعد فرقته، فقد ظهر أن النار المذكورة في الحديث هي النار التي ظهرت بنواحي المدينة، كما فهمه القرطبي وغيره، ويبقى النظر هل هي من داخل كالتنفس؟ أو من خارج كصاعقة نزلت؟ والظاهر الأول، ولعل التنفس حصل من الأرض لما تزلزلت وتزايلت عن مركزها الأول، وقد تضمن الحديث في ذكر النار ثلاثة أمور: خروجها من الحجاز وسيلان واد منه بالنار وقد وجدا، وأما الثالث، وهو إضاءة أعناق الإبل ببصرى، فقد جاء من أخبر به، فإذا ثبت هذا فقد صحت الأمارات وتمت العلامات وإن لم يثبت، فتحمل إضاءة أعناق الإبل ببصرى على وجه المبالغة، وذلك في لغة العرب سائغ، وفي باب التشبيه في البلاغة بالغ، وللعرب في التصرف في المجاز ما يقضي للغتها بالسبق في الإعجاز، وعلى هذا يكون القصد بذلك التعظيم بشأنها والتفخيم لمكانها والتحذير من فورانها وغليانها، وقد وجد ذلك على وفق ما أخبر، وقد جاء من أخبر أنه أبصرها من تيماء وبصرى على مثل ما هي من المدينة في البعد، فتعين أنها المراد، وارتفع الشك والعناد، وأما النار التي تحشر الناس فنار أخرى، قاله المصنف، "والله الموفق للصواب" سبحانك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك ما شاء الله لا قوة إلا بالله، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، وصلى الله وسلم على سيد المرسلين.стр. 4610
المقصد التاسع: في لطيفة من لطائف عباداته ﷺ
مدخل
...
المقصد التاسع: في لطيفة من لطائف عباداته ﷺ
قال الله تعالى مخاطبا له ﷺ : ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٧-٩٩] .
الحواشي
(١) المقصد التاسع:
"في" فوائد "لطيفة" أي قليلة سهلة التناول من لطف "بالضم" صغر "من لطائف عباداته ﷺ قال الله تعالى مخاطبا له ﷺ : ﴿وَلَقَدْ﴾ "للتحقيق" ﴿نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَстр. 4611
فأمره تعالى بعبادته حتى يأتيه الموت، وهو المراد بـ"اليقين" وإنما سمي الموت باليقين لأنه أمر متيقن.
فإن قيل: ما الفائدة في قوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ وكان قوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ﴾ كافيا في الأمر بالعبادة؟
أجاب القرطبي تبعا لغيره: بأنه لو قال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ﴾ مطلقا ثم عبده مرة واحدة كان مطيعا، ولما قال: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ أي اعبد ربك في زمان حياتك ولا تخل لحظة من لحظات الحياة في هذه العبادات, كما قال العبد الصالح: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١] .
وهذا مصير منه إلى أن الأمر المطلق لا يفيد التكرار، وهي مسألة معروفة
الحواشي
(١) بِمَا يَقُولُونَ﴾ من الاستهزاء والتكذيب، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي قل سبحان الله وبحمده ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ أي المصلين كما قال أهل التفسير: لا خصوص لسجود؛ لأنه لا يكون مستقلا، وسجود التلاوة تابع للقراءة، وسجود الشكر على القول به، لأنه إنما يكون بسبب نعمة حصلت، فالمناسب حمله على الصلاة، لأنها تدفع ضيق الصدر لخبر: "أرحنا بالصلاة" , ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ فأمره تعالى بعبادته حتى يأتيه الموت، وهو المراد باليقين، وإنما سمي الموت باليقين لأنه أمر متيقن" تسمية مجازية، لأن اليقين اعتقاد أن الشيء كذا مع اعتقاد أنه لا يكون إلا كذا اعتقادا مطابقا للواقع، غير ممكن الزوال, فإطلاقه على الموت من تسمية الشيء بما يتعلق به وظاهر قول القاموس: اليقين إزاحة الشك كاليقين محركة، والموت إنه يطلق عليه حقيقة إلا أن يكون على عادته في التساهل بإدخال المجاز في الحقيقة اللغوية، "فإن قيل: ما الفائدة في قوله ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ وكان قوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ﴾ كافيا في الأمر بالعبادة".
"أجاب القرطبي تبعا لغيره، بأنه لو قال: واعبد ربك مطلقا" بدون التقييد بالغاية، "ثم عبده مرة واحدة كان مطيعا"، أي ممتثلا للأمر ومنقادا له، "ولما"، "بفتح اللام وخفة الميم"، "قال ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ أي لما احتيج إلى ذلك في إفادة المقصود، ويصح شد الميم، والجواب محذوف، هو علم أن المراد انقياده طول حياته، دل عليه قول: "أي اعبد ربك في زمان حياتك" كلها، "ولا تخل لحظة من لحظات"، "بفتح الحاء"، "الحياة من هذه العبادات، كما قال العبد الصالح" عيسى ﵇: ﴿وَأَوْصَانِي﴾ أمرني ﴿بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ ، وهذا مصير منه" أي القرطبي ومن تبعه "إلى أن الأمر المطلق لا يفيد التكرار" أي لا يدل علىстр. 4612
في كتب الأصول اختلف فيها.
وهي: هل الأمر المطلق يفيد التكرار، أو المرة الواحدة، أو لا يفيد شيئا منهما؟ على مذاهب:
الأول: أنه لا يفيد التكرار ولا ينافيه، بل إنما يفيد طلب فعل المأمور به من غير إشعار بالمرة أو المرات، لكن المرة ضرورية لأجل تحقيق الامتثال، إذ لا توجد الماهية بأقل منها، وهذا مختار الإمام مع نقله له على الأقلين، ورجحه الآمدي وابن الحاجب وغيرهما.
الثاني: أنه يفيد التكرار مطلقا، كما ذهب إليه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني وأبو حاتم القزويني، فإن عين للتكرار أمدًا استوعبه، وإلا استوعب زمان العمر، لكن بحسب الإمكان، فلا يستوعب زمان قضاء الحاجة والنوم وغيرهما من الضروريات.
الثالث: أنه يدل على المرة، حكاه الشيخ أبو إسحاق في شرح "اللمع" عن أكثر أصحابنا وأبي حنيفة وغيرهم. وإن علق بشرط أو صفة اقتضى التكرار بحسب
الحواشي
(١) طلبه، "وهي مسألة معروفة في كتب الأصول، اختلف فيها، وهي: هل الأمر المطلق" عن التقييد بشرط أو صفة "يفيد التكرار،" لظاهر قول الصحابي في الحج: أكل عام، "أو المرة الواحدة، أو لا يفيد شيئا منهم على مذاهب" ثلاثة:
"الأول أنه لا يفيد التكرار ولا ينافيه" بحيث لو كرر ما أمر به لا يقال فيه لم يمتثل، "بل إنما يفيد طلب فعل المأمور به" أي طلب حصول الماهية "من غير إشعار بالمرة أو المرات، لكن المرة ضرورية لأجل تحقيق الامتثال إذ لا توجد الماهية" الحقيقة "بأقل منها، وهذا مختار الإمام" أي إمام الحرمين "مع نقله له عن الأقلين" من الأصوليين، "ورجحه الآمدي وابن الحاجب وغيرهما".
"الثاني: أنه يفيد التكرار مطلقا" سواء علق بشرط أو صفة، أو لم يعلق بذلك، لأن النهي يقتضي التكرار، فكذا الأمر بجامع أن كلا منها طلب، "كما ذهب إليه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني وأبو حاتم القزويني، فإن عين للتكرار أمدا استوعبه، وإلا استوعب زمان العمر، لكن بحسب الإمكان، فلا يستوعب زمان قضاء الحاجة والنوم وغيرهما من الضروريات", وفي نسخة من الضروريات على تقدير مضاف، أي مقتضى الضروريات والأولى أولى.
"الثالث: أنه يدل على المرة، حكاه الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع عن أكثر أصحابنا" الشافعية: "وأبي حنيفة وغيرهم، وإن علق بشرط أو صفة" مفهوم قوله أولا المطلق،стр. 4613
تكرار المعلق به، "نحو ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] ، و ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] انتهى ملخصا من شرح العلامة أبي الحسن الأشموني لنظمه لجمع الجوامع للعلامة ابن السبكي.
وقد روى جبير بن نفير مرسلا أن النبي ﷺ قال: "ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين ولكن أوحي إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين". رواه البغوي في شرح السنة وأبو نعيم في الحلية عن أبي مسلم الخولاني.
الحواشي
(١) "اقتضى التكرار بحسب تكرار المعلق به" فالشرط "نحو: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ فكلما وجدت الجنابة لزم التطهير، "و" الصفة نحو: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ فكلما وجد الزنا لزمت المائة. "انتهى ملخصا من شرح العلامة أبي الحسن" نور الدين علي "الأشموني"، "بضم الهمزة وسكون المعجمة" نسبة إلى أشمون بلدة بصعيد مصر، كان إماما عاما، زاهدا ورعا، متقشفا في مأكله وملبسه وفراشه.
قال الشعراوي: صحبته نحو ثلاث سنين، كأنها سنة من حسن سمته وحلاوة كلامه وقلة كلامه، ولم يزل على ذلك حتى مات ﵀، "لنظمه لجمع الجوامع للعلامة ابن السبكي" ﵀، وللأشموني أيضا "نظم المنهاج" في الفقه وشرحه ألفية بن مالك المشهور.
"وقد روى جبير"، "بجيم وموحدة" مصغر "ابن نفير" بنون وفاء" مصغر ابن مالك بن عامر الحضرمي، الحمصي، تابعي، ثقة جليل، مخضرم، ولأبيه صحبة، مات سنة ثمانين، وقيل: بعدها "مرسلا أن النبي ﷺ قال: "ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين" جمع تار، إذ الدنيا يجمعها من لا عقل له كما ورد، "ولكن أوحي إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" رواه البغوي" الحسين بن مسعود بن محمد الإمام الحافظ "في شرح السنة" أحد تصانيفه المبارك له فيها لقصده الصالح، فإنه كان من العلماء الربانيين، ذا تعبد ونسك وقناعة باليسير، مات سنة ست عشرة وخمسمائة في شوال وله ثمانون سنة.
"و" رواه "أبو نعيم" أحمد بن عبد الله "في الحلية" أي كتابه حلية الأولياء "عن أبي مسلم الخولاني: "بفتح المعجمة وإسكان الواو" نسبة إلى خولان بن عمرو قبيلة نزلت بالشام الزاهد، العابد، الشامي واسمه عبد الله بن ثوب "بضم المثلثة وفتح الواو، فموحدة" وقيل: غيرстр. 4614
وقد أمر الله نبيه ﷺ في هذه الآية بأربعة أشياء: التسبيح والتحميد والسجود والعبادة.
واختلف العلماء في أنه كيف صار الإقبال على مثل هذه الطاعات سببا لزوال ضيق القلب والحزن.
فحكى الإمام فخر الدين الرازي عن بعض المحققين أنه قال: إذا اشتغل الإنسان بمثل هذه الأنواع من العبادات انكشفت له أضواء عالم الربوبية، ومتى حصل ذلك الانكشاف صارت الدنيا بالكلية حقيرة، وإذا صارت حقيرة خف على القلب فقدانها ووجدانها، فلا يستوحش من فقدانها ولا يستريح بوجدانها، وعند ذلك يزول الحزن والغم. وقال أهل السنة: إذا نزل بالعبد بعض المكاره فزع إلى الطاعات، كأنه يقول: تجب عليَّ عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكروهات.
الحواشي
(١) ذلك تابعي كبير، ثقة، رحل إلى النبي ﷺ فلم يدركه، وعاش إلى زمن يزيد بن معاوية، "وقد أمر الله نبيه ﷺ في هذه الآية بأربعة أشياء: التسبيح" بقوله: ﴿فَسَبِّحْ﴾ ، "والتحميد" بحمد ربك، "والسجود" الصلاة "والعبادة" أعم منها.
وفي البيضاوي: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ ، فافزع إلى الله تعالى فيما نابك بالتسبيح والتحميد، يكفك ويكشف الغم عنك، أو فنزهه عما يقولون حامدا له على أن هداك للحق، وكن من الساجدين من المصلين، وعنه ﷺ كان إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة.
"واختلف العلماء في أنه كيف صار الإقبال على مثل هذه الطاعات سببا لزوال ضيق القلب والحزن" أشار إلى أن القلب هو المراد بالصدر في الآية، عبر بالصدر عنه مجازا لمجاورته له، وإلا فحقيقة الصدر ما نزل عن العظام عن الترقوتين إلى المعدة، وهي المنخسف تحته، "فحكى الإمام فخر الدين الرازي عن بعض المحققين أنه قال: إذا اشتغل الإنسان بمثل هذه الأنواع من العبادات انكشفت له أضواء عالم الربوبية" أي العالم الذي يتعلق به علم الرب تعالى مما غاب عن إدراكنا، "ومتى حصل ذلك الانكشاف صارت الدنيا بالكلية" أي بجملتها "حقيرة" عنده، "وإذا صارت حقيرة خف على القلب فقدانها"، "بكسر الفاء" عدمها مصدر لفقد "بفتح فسكون"، "ووجدانها"، "بكسر الواو" مصدر وجد ووجود أيضا في لغة، "فلا يستوحش من فقدانها ولا يستريح بوجدانها" لحقارتها، "وعند ذلك يزول الحزن والغم، وقال أهل السنة: إذا نزل بالعبد بعض المكاره فزع"، "بكسر الزاي وفتحها" التجأ "إلى الطاعات، كأنه يقول: تجب علي عبادتك، سواء أعطيتني الخيرات" التي تسر، "أو ألقيتنيстр. 4615
وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِه﴾ [مريم: ٦٥] .
فأمره تعالى ﵇ بالعبادات والمصابرة على مشاق التكاليف في الإنذار والإبلاغ.
فإن قلت: لم لم يقل: واصطبر على عبادته، بل قال: ﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ ؟
فالجواب: لأن العبادة جعلت بمنزلة القِرْن في قولك للمحارب: اصطبر لقرنك أي: اثبت له فيما يورده عليك من مشاقه. والمعنى: أن العبادة تورد عليك شدائد ومشاق فاثبت لها قاله الفخر الرازي وكذا البيضاوي.
وقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] .
فأول درجات السير إلى الله تعالى، عبودية الله، وآخرها التوكل عليه، وإذا كان العبد لا
الحواشي
(١) في المكروهات" إذ هذا من حقيقة العبودية.
"وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ أي اصبر عليها، "فأمره تعالى ﵇ بالعبادات والمصابرة على مشاق التكاليف في الإنذار والإبلاغ" كأنه قصر المشقة على ذلك، لأنه لا يشق عليه غيره من العبادات، وإن تورمت قدماه من القيام، "فإن قلت: لم لم يقل واصطبر على عبادته" مع أن المعنى على ذلك، "بل قال: ﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ ، قلت: "فالجواب" عبر بذلك، "لأن العبادة جعلت بمنزلة القرن"، "بكسر القاف وسكون الراء" المقاوم في علم، أو قتال، أو غير ذلك "في قولك للمحارب: اصطبر لقرنك، أي اثبت له فيما يورده عليك من مشاقه، والمعنى" هن "أن العبادة تورد عليك شدائد ومشاق، فاثبت لها، قاله الفخر الرازي" وحاصله: أن اللام للتعليل ومفعول اصطبر محذوف، أي اصطبر على المكاره والمشاق لأجل العبادة، "وكذا البيضاوي" بلفظ: إنما عدي "باللام" لتضمنه معنى الثبات للعبادة فيما يورد عليه من الشدائد والمشاق، كقولك للمحارب: اصطبر لقرنك.
"وقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي علم ما غاب فيهما، ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ﴾ "بالبناء للفاعل" يعود "وللمفعول" يرد ﴿الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ فينتقم ممن عصى، ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ثق به، فإنه كافيك، "فأول درجات السير إلى الله تعالى" أي السعي في طلب الوصول إلى القرب منه "عبودية الله" بالاجتهاد فيها، "وآخرها التوكل عليه" بأن يفوض جميع أموره إليه مخلصا، بحيث لا يعتمد على غيره في أمر ما، حتى لو سأل غيره في شيء لاحظ أن المسئول لا فعل له، وأن الله هو المعطي، فإن أراد وصول شيء للعبد على يدстр. 4616
يزال مسافرا إلى ربه لا ينقطع سيره إلي ما دام في قيد الحياة، فهو محتاج إلى زاد العبادة لا يستغنى عنه ألبتة، ولو أتى بأعمال الثقلين جميعا، وكلما كان العبد في الله تعالى أقرب كان جهاده في الله أعظم، قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] ، ولهذا كان ﷺ أعظم الخلق اجتهادا وقياما بوظائف العبادة، ومحافظة عليها إلى أن توفاه الله تعالى. وتأمل أصحابه ﵃ فإنهم كانوا كلما ترقوا من القرب مقاما عظم جهادهم واجتهادهم.
ولا تلتفت إلى ما يظنه بعض المنتسبين إلى التصوف حيث قال: القرب
الحواشي
(١) بعض خلقه ألهمه فعله وأقدره عليه "وإذا كان العبد لا يزال مسافرا" أي مشغولا بالعبادة "إلى" لقاء "ربه" ففيه استعارة تصريحية تبعية، شبه الاشتغال بالطاعة بسفر إنسان إلى مقصد يريده، واشتق منه الوصف بمسافر "لا ينقطع سيره إليه ما دام في قيد الحياة، فهو محتاج إلى زاد العبادة" أي ما يوصله إليها، كاجتهاده في الطاعات وكثرة النوافل، فالعابد كأنه جعل طاعته مودية للوصول إلى الله، كطعام المسافر يوصله إلى مقصده، "لا يستغنى عنه البتة"، "بقطع الهمزة"، "ولو أتى بأعمال الثقلين" الإنس والجن "جميعا، وكلما كان العبد إلى الله تعالى أقرب" قربا معنويا، "كان جهاده في الله أعظم" من غيره، "قال تعالى: ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي لله، ومن أجله أعداء الله الظاهرة كأهل الزيغ، والباطنة كالقوى والنفس.
روى البيهقي في الزهد، وضعف إسناده عن جابر، قال: قدم على رسول الله ﷺ قوم غزاة، فقال: "قدمتم خير مقدم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر". قيل: وما الجهاد الأكبر؟ قال: "مجاهدة العبد نفسه". "حق جهاده" أي جهادا فيه، حقا خالصا لوجهه، فعكس، وأضيف الحق إلى الجهاد مبالغة، كقولك: هو حق عالم، وأضيف الجهاد إلى الضمير اتساعا، أو لأنه يختص بالله من حيث أنه مفعول لوجه الله ومن أجله، قاله البيضاوي تبعا للزمخشري.
قال الطيبي: يعني أن أصل المعنى: جاهدوا في الله جهادا حقا، فهو يفيد أن هناك جهادا واجبا، والمطلوب منهم الإتيان به، فإذا عكس وأضيفت الصفة إلى الموصوف بعد الإضافة إلى الله تعالى، أفاد إثبات جهاد مختص بالله، والمطلوب القيام بواجبه وشرائطه على وجه التمام بقدر التوسع والطاقة، "ولهذا كان ﷺ أعظم الخلق اجتهادا وقياما بوظائف العبادة ومحافظة عليها، إلى أن توفاه الله تعالى وتأمل أصحابه" أي أحوالهم "﵃، فإنهم كانوا كلما ترقوا من القرب" المعنوي من الله "مقاما، عظم جهادهم" لأنفسهم ولأعداء الله،стр. 4617
الحقيقي ينقل العبد من الأعمال الظاهرة إلى الأعمال الباطنة ويريح الجسد والجوارح من كد العمل زاعما بذلك سقوط التكليف عنه, وهؤلاء أعظم كفرا وإلحادا، حيث عطلوا العبودية وظنوا أنهم استغنوا عنها بما حصل لهم من الخيالات الباطلة، التي هي من أماني النفس وخدع الشيطان, فلو وصل العبد من القرب إلى أعلى مقام يناله العبد لما سقط عنه من التكليف مثقال حبة ما دام قادرا عليه.
وقد اختلف العلماء: هل كان ﵊ قبل بعثته متعبدا بشرع من قبله أم لا؟
فقال جماعة: لم يكن متعبدا بشيء، وهو قول الجمهور، واحتجوا بأنه لو كان كذلك لنقل، ولما أمكن كتمه وستره في العادة، إذ كان من مهم أمره، وأولى ما اهتبل به من سيرته، ولفخر به أهل تلك الشريعة، ولاحتجوا به عليه، ولم
الحواشي
(١) "واجتهادهم" في الطاعات، "ولا تلتفت إلى ما يظنه بعض المنتسبين إلى التصوف، حيث قال: القرب الحقيقي ينقل العبد من الأعمال الظاهرة إلى الأعمال الباطنة، ويريح الجسد والجوارح من كد" أي تعب "العمل، زاعما بذلك سقوط التكليف عنه، وهؤلاء أعظم كفرا وإلحادا، حيث عطلوا العبودية، وظنوا أنهم استغنوا عنها بما حصل لهم من الخيالات الباطلة، التي هي من أماني النفس" أكاذيبها "وخدع الشيطان" ما يخدع به الإنسان ليضله، "فلو وصل العبد من القرب إلى أعلى مقام يناله العبد لما سقط عنه من التكليف مثقال حبة ما دام قادرا عليه" بإجماع.
"وقد اختلف العلماء هل كان ﵊ قبل بعثته متعبدا بشرع من قبله أم لا؟ " قيل: صوابه أو لا، لأن أم لا تعادل هل، وفيه نظر، "فقال جماعة: لم يكن متعبدا بشيء" من شرائع من قبله، "وهو قول الجمهور" كالباقلاني وغيره من المحققين.
قال عياض: فالمعاصي على هذا القول غير موجودة ولا متصورة في حقه حينئذ، إذ الأحكام الشرعية إنما تتعلق بالأوامر والنواهي، وتقرر الشريعة "واحتجوا بأنه لو كان ذلك لنقل" إلينا بعده "ولما أمكن كتمه وستره في العادة" الجارية بين الناس في مثله أن من تعبد بشرع يظهره وينقله من اطلع عليه نقلا مستفيضا لا يخفى، "إذ كان" نقله وعدم كتمانه "من مهم أمره" أي تعبده بشرع غيره عند أهل ذلك الدين، "وأولى"، أي أحق "ما اهتبل"، "بهاء ففوقية فموحدة مبني للمفعول"، أي اعتنى واهتم "به من سيرته" وصفاته المأثورة، "ولفخر به أهل تلك الشريعة" بأن من أهل ملتهم أشرف الأنبياء، "ولاحتجوا به عليه" أي لاستدل أهل تلك الشريعة على النبي ﷺ إذا دعاهم لاتباعه، بأنك كنت على شريعتنا، فلم تنهانا عنها الآن،стр. 4618
يؤثر شي من ذلك جملة.
وذهبت طائفة إلى امتناع ذلك عقلا، قالوا: لأنه يبعد أن يكون متبوعا من عرف تابعا. والتعليل الأول المستند إلى النقل أولى.
وذهب آخرون إلى الوقف في أمره ﵊ وترك قطع الحكم عليه بشيء من ذلك، إذ لم يحل الوجهين منها العقل، وهذا مذهب الإمام أبي المعالي إمام الحرمين وكذا الغزالي والآمدي.
وقال آخرون: كان عاملا بشرع من قبله. ثم اختلفوا: هل يتعين ذلك الشرع أم لا؟ فوقف بعضهم على التعيين وأحجم، وجسر بعضهم على التعيين وصمم، ثم
الحواشي
(١) وتأمرنا بترك ما كنت توافقنا فيه "ولم يؤثر" أي ينقل "شيء من ذلك" المذكور من النقل والظهور والافتخار "جملة" أي أصلا، وكثيرا ما تستعمل بمعنى كافة وعامة، "وذهبت طائفة إلى امتناع ذلك عقلا" أي بدليل عقلي لا دخل للنقل فيه "قالوا" معللين لذلك: "لأنه يبعد أن يكون متبوعا" مقتدى به فيما شرعه الله، وأمره بدعوة الناس إليه "من عرف تابعا" لشرع غيره متعبدا به قبل بعثته.
قال عياض: وبنوا هذا على التحسين والتقبيح العقليين، وهي طريقة غير سديدة، "والتعليل الأول المستند إلى النقل أولى" أحق وأظهر لوجهين، أحدهما: ابتناء الثاني على قول ضعيف كما قاله عياض، والثاني: أن العقل يجوز أنه تابع باعتبار، ومتبوع باعتبار آخر، وإنما يمتنع في جهة واحدة.
"وذهب آخرون" وفي الشفاء طائفة "إلى الوقف في أمره ﵊" أي التوقف من غير تعيين لطرف، "وترك قطع الحكم عليه بشيء من ذلك" الحال، المتعلق بعبادته قبل البعثة "إذ لم يحل الوجهين منها" أي المسألة "العقل" أي لم يعده محالا لتساويهما عنده في الإمكان.
زاد عياض: ولا استبان عندها، أي الطائفة في أحدهما طريق النقل، "وهذا مذهب الإمام أبي المعالي" عبد الملك الجويني إمام الحرمين، وقوله: "وكذا الغزالي والآمدي" زيادة على ما في الشفاء.
"وقال آخرون" في الشفاء: وقالت فرقة: "وكان عاملا بشرع من قبله" من الأنبياء، "ثم اختلفوا هل يتعين ذلك الشرع" بتعيين صاحبه "أم لا" فيقال: كان على شرع لم يعلم،"فوقف بعضهم على التعيين وأحجم"، "بحاء فجيم" أي تأخر ولم يجسر عليه لعدم دليل قام عنده علىстр. 4619
اختلفت هذه الفرقة المعينة فيمن كان يتبع فقيل: نوح، وقيل: إبراهيم، وقيل: موسى، وقيل: عيسى.
فهذه جملة المذاهب في هذه المسألة. والأظهر فيها ما ذهب إليه القاضي أبو بكر، وأبعدها مذهب المعينين، إذ لو كان شيء من ذلك لنقل -كما قدمناه- لكنه ولم يخف جملة، ولا حجة لهم في أن عيسى آخر الأنبياء فلزمت شريعته من جاء بعده، إذ لم يثبت عموم دعوة عيسى، بل الصحيح أنه لم يكن لنبي دعوة عامة إلا لنبينا ﷺ . انتهى ملخصا من كلام القاضي عياض، وهو كلام حسن بديع، لكن قوله: فهذه جملة المذاهب، فيه نظر، لأنه بقي عليه منها شيء، فقد
الحواشي
(١) التعيين، "وجسر" تجرأ، وأقدم "بعضهم على التعيين وصمم" عزم وتمادى على ذلك ولم يرجع عنه، "ثم اختلفت هذه الفرقة المعينة فيمن كان يتبع، فقيل: نوح،" لأنه أول رسول إلى أهل الأرض كما في الصحيح، أي بالإهلاك والإنذار لقومه، فلا يرد أن أول الرسل آدم، لأن رسالته كانت كالتربية لبنيه، "وقيل: إبراهيم" لأنه أفضل الرسل بعد نبينا، "وقيل: موسى" لأنه كليم الله وكتابه أجل الكتب قبل وجود القرآن، "وقيل: عيسى" لأنه أقرب الرسل زمانا إليه، "فهذه جملة المذاهب" المنقولة "في هذه المسألة والأظهر", أي الأقوى دليلا "فيها ما ذهب إليه القاضي أبو بكر "محمد بن الطيب الباقلاني، وهو قول الجمهور المنقول أولا، وقد وصف أبو بكر في الشفاء، بأنه سيف السنة ومقتدى فرق الأمة إشارة إلى ترجيحه، وأنه لا ينبغي العدول عنه، ولأنه مالكي على مذهب عياض، لا شافعي كما وهم، "وأبعدها مذهب المعينين، إذ لو كان شيء من ذلك لنقل" إذ مثله لا يخفى "كما قدمناه لكنه" لم ينقل، فدل على عدمه، "ولم يخف،" أي يستر "جملة" على الناس، "ولا حجة لهم في أن عيسى آخر الأنبياء" قبله، فهو أقربهم إليه، ولا نبي بينهما، فهو أولى به، كما ذهب إليه من عينه "فلزمت شريعته ما جاء بعده" لأنه المتبادر ببادي الرأي قبل، التأمل وعند التأمل لا يلزم من جاء بعده، "إذ لم يثبت عموم دعوة عيسى" وإنما كانت لبني إسرائيل كما في التنزيل: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الصف: ٦] ، "بل الصحيح أنه لم يكن لنبي دعوة عامة إلا لنبينا ﷺ " فإنها عمت الثقلين إجماعا والملائكة على أحد القولين ورجح، ومقابل الصحيح إن دعوة بعض من قبله عامة أيضا، لقول نوح: ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ ، إذ لو لم يرسل لهم ما استحقوا الهلاك بمخالفته، وهذا إن سلم فهو عموم نسبي لا حقيقي، كما لنبينا ﵊.
"انتهى ملخصا من كلام القاضي عياض" في الشفاء "وهو كلام حسن بديع" فيстр. 4620
قيل: شريعة آدم ﵇ أيضا، وهو محكي عن ابن برهان، وقيل: جميع الشرائع. حكاه صاحب "المحصول" عن المالكية.
وأما قول من قال: إنه كان على شريعة إبراهيم، وليس له شرع منفرد به، وأن المقصود من بعثته ﷺ إحياء شرع إبراهيم، وعول في إثبات مذهبه على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] فهذا قول ساقط مردود، لا يصدر مثله إلا عن سخيف العقل كثيف الطبع.
وإنما المراد بهذه الآية الاتباع في التوحيد، لأنه لما وصف إبراهيم ﵇ في هذه الآية بأنه ما كان من المشركين، فلما قال: ﴿أَنِ اتَّبِعْ﴾ كان المراد منه ذلك. ومثله قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] وقد سمى الله تعالى فيهم من لم يبعث ولم تكن له شريعة تخصه كيوسف بن يعقوب. على قول من يقول إنه ليس برسول. وقد سمى الله تعالى
الحواشي
(١) الحسن "لكن قوله: فهذه جملة المذاهب فيه نظر، لأنه بقي عليه منها شيء فقد قيل: شريعة آدم ﵇ أيضا" لأنه الأب الأول، "وهو محكي عن ابن برهان" "بفتح الموحدة" أحمد بن علي بن برهان الفقيه، صاحب الفقيه.
"وقيل: جميع الشرائع" بأن يتعبد بما شاء منها بالإلهام "حكاه صاحب المحصول عن المالكية".
"وأما قول من قال إنه كان على شريعة إبراهيم، وليس له شرع منفرد به، وأن المقصود من بعثته ﷺ إحياء شرع إبراهيم، وعول في إثبات مذهبه على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَينَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ ، فهذا قول ساقط مردود لا يصدر مثله إلا عن سخيف" أي رقيق "العقل" أي ناقصه، "كثيف" غليظ "الطبع" لا يفهم شيئا، "وإنما المراد بهذه الآية الاتباع في التوحيد" أي الإيمان بالله وحده وما يتعلق بالعقائد الحقة مما يشترك فيه جميع الأنبياء "لأنه لما وصف إبراهيم ﵇ في هذه الآية، بأنه ما كان من المشركين، "فلما قال: ﴿أَنِ اتَّبِعْ﴾ كان المراد منه ذلك،" أي التوحيد لا اتباع شريعته، "ومثله قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فالمراد بهداهم ما اتفقوا عليه من التوحيد دون فروع الشرائع، فإنه لا يضاف للكل، وقد قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] الآية، "وقد سمى الله فيهم من لم يبعث" أي لم يرسل بشريعة خاصة، وأمر بدعوة الناس إليها، "ولم تكن له شريعة" جديدة "تخصه، كيوسف بن يعقوب" بنстр. 4621
جماعة منهم في هذه الآية وشرائعهم مختلفة لا يمكن الجمع بينها، فدل على أن المراد ما اجتمعوا عليه من التوحيد وعبادة الله تعالى.
فإن قيل النبي ﷺ إنما نفى الشرك وأثبت التوحيد بناء على الدلائل القطعية، وإذا كان كذلك لم يكن متابعا لأحد، فيمتنع حمل قوله: ﴿أَنِ اتَّبِعْ﴾ على هذا المعنى، فوجب حمله على الشرائع التي صح حصول المتابعة فيها.
الحواشي
(١) إسحاق بن إبراهيم، "على قول من يقول: إنه ليس برسول" وإنما هو نبي على شريعة أبيه يعقوب، أو على ملة إبراهيم، والجمهور على أنه رسول بعث إلى القبط، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر: ٣٤] ، فإن المراد يوسف بن يعقوب، والقائل بأنه ليس برسول، قال: المراد في الآية حفيده يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب "وقد سمى الله تعالى جماعة منهم" سرد أسماءهم على التوالي "في هذه الآية" ثم أمره بالاقتداء بهم "وشرائعهم مختلفة، لا يمكن الجمع بينها" حتى يؤمر باتباعهم جميعا في فروع الشرائع العلمية التعبدية، "فدل على أن المراد ما اجتمعوا عليه من التوحيد وعبادة الله تعالى" القلبية التي لم يختلف فيها ونحوها من أصول الدين، وهذا أورده عياض ردا على من قال: كان يتعبد قبل البعثة على شريعة إبراهيم، فأورده المصنف ردا على من قال: كان بعدها على شريعته، لأنه أهم بالاعتناء برده، وكلاهما حسن، ولما كان ساقطا صادرا عن قلة العقل، لم يعتن عياض برده، وإنما قال عقب قوله: بل الصحيح أنه لم يكن لنبي دعوة عامة إلا لنبينا، ولا حجة أيضا للآخرين، أي القائلين بأنه كان قبل البعثة متبعا لشريعة إبراهيم في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥] ، ولا للآخرين في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ فحمل هذه الآية على اتباعهم في التوحيد، كقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] وقد سمى فيهم من لم يبعث ... إلخ ما ذكر المصنف هنا بالحرف، وقال بعده: هل يلزم من قال بمنع الاتباع بهذا القول في سائر الأنبياء غير نبينا أو يخالفون بينهم، أما من منع الاتباع عقلا، فيطرد أصله في كل رسول بلا مرية، وأما من مال إلى النقل فأينما تصور له وتقرر تبعه، ومن قال بالوقف فعلى أصله، ومن قال بوجوب الاتباع لمن قبله فليلتزمه بمساق حجته في كل نبي. ا. هـ.
"فإن قيل: النبي ﷺ إنما نفى الشرك وأثبت التوحيد بناء على الدلائل القطعية" العقلية والنقلية "وإذا كان كذلك لم يكن متابعا لأحد، فيمتنع حمل قوله: ﴿أَنِ اتَّبِعْ﴾ على هذا المعنى" الذي هو التوحيد، "فوجب حمله على الشرائع التي يصح حصول المتابعة فيها"стр. 4622
أجاب الفخر الرازي: بأنه يحتمل أن يكون المراد الأمر بمتابعته في كيفية الدعوة إلى التوحيد، وهو أن يدعو إليه بطريق الرفق والسهولة وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى بأنواع كثيرة، على ما هو الطريقة المألوفة في القرآن.
وقد قال صاحب الكشاف: لفظة "ثم" في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ تدل على تعظيم قدر رسول الله ﷺ وإجلال محله، فإن أشرف ما أوتي خليل الله من الكرامة وأجل ما أوتي من النعمة اتباع رسول الله ﷺ ملته، من قِبَل أن هذه الآية دلت على تباعد النعت في المرتبة على سائر المدائح التي مدحه الله بها. انتهى.
ومراده بالمدائح: المذكورة في قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] .
الحواشي
(١) كما قال ذلك البليد القليل العقل.
"أجاب الفخر الرازي بأنه يحتمل أن يكون المراد الأمر بمتابعته في كيفية الدعوة إلى التوحيد، وهو أن يدعو إليه بطريق الرفق والسهولة" كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] ، "وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى", والمجادلة مع كل واحد بحسبه "بأنواع كثيرة على ما هو الطريقة المألوفة في القرآن" كما وقع لإبراهيم من الاستدلال بالكوكب، ثم القمر، ثم الشمس.
"وقد قال صاحب الكشاف لفظة "ثم" في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ تدل على تعظيم قدر رسول الله ﷺ وإجلال محله، فإن أشرف ما أوتي خليل الله من الكرامة، وأجل ما أوتي من النعمة" عليه من الله تعالى "اتباع رسول الله ﷺ ملته من قِبَل"، "بكسر ففتح" أي جهة "أن هذه الآية دلت على تباعد" أي ارتفاع "النعت في المرتبة على سائر المدائح التي مدحه الله بها. انتهى".
"ومراده" أي الزمخشري "بالمدائح المذكورة في قوله: إن إبراهيم كان أمة" إماما قدوة، جامعا لخصال الخير التي لا تكاد توجد إلا مفرقة في أشخاص عديدة، كقوله:
وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
"قانتا لله" مطيعا فيما يأمره، "حنيفا" مائلا عن الباطل إلى الدين القيم، "ولم يك من المشركين" كما زعمت قريش أنهم على ملة إبراهيم، "شاكرا لأنعمه" ذكر بلفظ القلة، تنبيها على أنه لا يخل بشكر النعم القليلة، فكيف بالكثيرة "اجتباه" اصطفاه "وهداه إلى صراط مستقيم" في الدعوة إلى الله، "وآتيناه في الدنيا حسنة" بأن حببه للناس حتى أن أرباب الملل،стр. 4623
وقال ابن العراقي في شرح تقريب الأسانيد: وليت شعري كيف تلك العبادة؟ وأي أنواعها؟ وعلى أي وجه فعلها؟ يحتاج ذلك لنقل ولا أستحضره الآن. انتهى.
وقال شيخ الإسلام البلقيني في شرح البخاري: لم يجئ في الأحاديث التي وقفنا عليها كيفية تعبده ﵊، لكن روى ابن إسحاق وغيره أنه ﵇ كان يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة يتنسك فيه، وكان من تنسك قريش في الجاهلية أن يطعم من جاءه من المساكين، حتى إذا انصرف من مجاورته لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة، وحمل بعضهم التعبد على التفكر.
قال: وعندي أن هذا التعبد يشتمل على أنواع: وهي الانعزال عن الناس، كما صنع إبراهيم ﵇ باعتزاله قومه والانقطاع إلى الله تعالى، فإن "انتظار
الحواشي
(١) يتولونه ويثنون عليه، أو رزقه أولادا طيبة وعمرا طويلا في السعة والطاعة والثناء الحسن في كل أهل الأديان، "وإنه في الآخرة لمن الصالحين" الذين لهم الدرجات العلى في الجنة، كما سأله بقوله: وألحقني بالصالحين.
"وقال ابن العراقي" أحمد ولي الدين بن عبد الرحيم الحافظ ابن الحافظ "في شرح تقريب الأسانيد: وليت شعري كيف تلك العبادة" التي كان يتعبد بها ﷺ قبل بعثته، "وأي أنواعها، وعلى أي وجه فعلها، يحتاج ذلك لنقل، ولا أستحضره الآن. انتهى".
"وقال شيخ الإسلام" سراج الدين أبو حفص عمر "البلقيني"، "بضم فسكون فكسر"، "في شرح البخاري: لم يجئ في الأحاديث التي وقفنا عليها كيفية تعبده ﵊، لكن روى ابن إسحاق وغيره" كالبيهقي "أنه ﵇ كان يخرج إلى حراء" الجبل المعروف بمكة "في كل عام شهرا من السنة" وهو رمضان، كما رواه البيهقي "يتنسك" أي يتعبد "فيه، وكان من تنسك قريش في الجاهلية أن يطعم" المتنسك "من جاءه من المساكين، حتى إذا انصرف من مجاورته لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة" يعني: فيحتمل أن يكون تنسكه لله في حراء كذلك، "وحمل بعضهم" كابن المرابط: "التعبد على التفكر" في مصنوعات الله.
"قال" البلقيني: "وعندي أن هذا التعبد يشتمل على أنواع، وهي الانعزال عن الناس" لأنه عبادة لا سيما من كان على باطل، "كما صنع إبرايم ﵇ باعتزاله قومه" قال تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨] ، "والانقطاع إلى الله تعالى" عنстр. 4624
الفرج عبادة" كما رواه علي بن أبي طالب مرفوعا، وينضم إلى ذلك الأفكار، وعن بعضهم: كانت عبادته في حراء التفكر. انتهى.
وقد آن أن أشرع فيما قصدته على النحو الذي أردته, وقد اقتصرت من عباداته ﵊ على سبعة أنواع:
الحواشي
(١) الخلق والراحة من أشغال الدنيا وفراغ القلب، وناهيك بهذا من عبادة "فإن انتظار الفرج عبادة" كما رواه علي بن أبي طالب، مرفوعا" أخرجه ابن أبي الدنيا، والبيهقي والديلمي عن علي، رفعه: "انتظار الفرج من الله عبادة"، "وينضم إلى ذلك الأفكار،" أي التفكير الذي قاله بعضهم كما مر فقوله: "وعن بعضهم كانت عبادته في حراء التفكر" تكرار. "انتهى" كلام البلقيني.
وفي شرح المصنف للبخاري: وإنما كان يخلو بحراء دون غيره، لأن جده عبد المطلب أول من كان يخلو فيه من قريش، وكانوا يعظمونه لجلالته وسنه، فتبعه على ذلك، فكان يخلو بمكان جده، وكان الزمن الذي يخلو فيه شهر رمضان، فإن قريشا كانت تفعله كما كانت تصوم يوم عاشورا. ا. هـ.
"وقد آن" كحان وزنا ومعنى، أي قرب "أن أشرع" أي دخل وقت شروعي "فيما قصدته على النحو" الوجه "الذي أردته" عبر به تفننا وفرارا من تكرار اللفظ بعينه، "وقد اقتصرت من عباداته ﵊ على سبعة أنواع" "بسين فموحدة".стр. 4625
النوع الأول: في الطهارة
وفيه فصول:
الفصل الأول: في ذكر وضوئه ﷺ وسواكه ومقدار ما كان يتوضأ به
اعلم أن الوضوء بالضم: الفعل، وبالفتح: الماء الذي يتوضأ به، على المشهور فيهما، وهو مشتق من الوضاءة، وسمي به لأن المصلي يتنظف به فيصير وضيئا.
وقد استنبط بعض العلماء -كما جاء في فتح الباري- إيجاب النية في الوضوء من قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] لأن التقدير: إذا أردتم القيام إلى الصلاة فتوضؤا لأجلها. ومثله قوله: إذا رأيت الأمير فقم، أي، لأجله.
وقال ابن القيم: لم يرو أنه ﷺ كان يقول في أول وضوئه نويت رفع الحدث ولا غيرها، لا هو ولا أصحابه ألبتة، ولم يرو عنه لا بسند صحيح ولا ضعيف. انتهى.
قلت: أما التلفظ بالنية فلا نعلم أنه روي عنه ﷺ ، وأما كونه ﵇ أتي بها فقد قال الإمام فخر الدين الرازي في "المعالم" اعلم أنا إذا أردنا البحث في أمر من الأمور: هل فعله الرسول ﷺ ؟ قلنا في إثباته طرق:
الحواشي
(١) النوع الأول: في الطهارة
لغة النظافة، أي النقاء من الدنس والنجس، "وفيه فصول" ستة:
الفصل الأول: في ذكر وضوئه ﷺ وسواكه
وهو طهارة لغوية، "ومقدار ما ان يتوضأ به" سماه طهارة تجوزا، لأنها لما كانت تفعل به أطلقها عليه.
"اعلم أن الوضوء بالضم" للواو "الفعل وبالفتح الماء الذي يتوضأ به على المشهور فيهما" وحكي في كل منهما الأمران، "وهو مشتق من الوضاءة"، "بالهمز" وزن ضخامة الحسن والبهجة، "وسمي به لأن المصلي يتنظف به فيصير وضيئا".
"وقد استنبط بعض العلماء كما حكاه في فتح الباري إيجاب النية" القصد، وهو عزيمة القلب، قاله النووي، وقال البيضاوي: هي انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض صحيح من جلب نفع أو دفع ضر حالا أو مآلا وخص الشرع بالإرادة المتوجهة نحو الفعل لابتغاء رضا الله وامتثال حكمه "في الوضوء، من قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ لأن التقدير إذا أردتم القيام إلى الصلاة فتوضئوا لأجلها" أن ترتيب الوضوء على القيام إليها مشعر بأنه لأجلها، "ومثله قوله" أي القائل، إلا أن لفظ الفتح قولهم: "إذا رأيت الأمير فقم، أي لأجله".
"وقال ابن القيم: لم يرو أنه ﷺ كان يقول في أول وضوئه: نويت رفع الحدث ولا غيرها" أي غير هذه النية من النيات المعتبرة، "لا هو ولا أصحابه البتة، ولم يرو لا بسند صحيح ولا ضعيف. انتهى".
"قلت: أما التلفظ بالنية، فلا نعلم أنه روي عنه ﷺ "، كما قال: "وأما كونه ﵇ أتى بها، فقد قال الإمام فخر الدين الرازي في المعالم" أي معالم التنزيل اسم تفسيره:следующие страницы →