Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.
стр. 4621
جماعة منهم في هذه الآية وشرائعهم مختلفة لا يمكن الجمع بينها، فدل على أن المراد ما اجتمعوا عليه من التوحيد وعبادة الله تعالى.
فإن قيل النبي ﷺ إنما نفى الشرك وأثبت التوحيد بناء على الدلائل القطعية، وإذا كان كذلك لم يكن متابعا لأحد، فيمتنع حمل قوله: ﴿أَنِ اتَّبِعْ﴾ على هذا المعنى، فوجب حمله على الشرائع التي صح حصول المتابعة فيها.
الحواشي
(١) إسحاق بن إبراهيم، "على قول من يقول: إنه ليس برسول" وإنما هو نبي على شريعة أبيه يعقوب، أو على ملة إبراهيم، والجمهور على أنه رسول بعث إلى القبط، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر: ٣٤] ، فإن المراد يوسف بن يعقوب، والقائل بأنه ليس برسول، قال: المراد في الآية حفيده يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب "وقد سمى الله تعالى جماعة منهم" سرد أسماءهم على التوالي "في هذه الآية" ثم أمره بالاقتداء بهم "وشرائعهم مختلفة، لا يمكن الجمع بينها" حتى يؤمر باتباعهم جميعا في فروع الشرائع العلمية التعبدية، "فدل على أن المراد ما اجتمعوا عليه من التوحيد وعبادة الله تعالى" القلبية التي لم يختلف فيها ونحوها من أصول الدين، وهذا أورده عياض ردا على من قال: كان يتعبد قبل البعثة على شريعة إبراهيم، فأورده المصنف ردا على من قال: كان بعدها على شريعته، لأنه أهم بالاعتناء برده، وكلاهما حسن، ولما كان ساقطا صادرا عن قلة العقل، لم يعتن عياض برده، وإنما قال عقب قوله: بل الصحيح أنه لم يكن لنبي دعوة عامة إلا لنبينا، ولا حجة أيضا للآخرين، أي القائلين بأنه كان قبل البعثة متبعا لشريعة إبراهيم في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥] ، ولا للآخرين في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ فحمل هذه الآية على اتباعهم في التوحيد، كقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] وقد سمى فيهم من لم يبعث ... إلخ ما ذكر المصنف هنا بالحرف، وقال بعده: هل يلزم من قال بمنع الاتباع بهذا القول في سائر الأنبياء غير نبينا أو يخالفون بينهم، أما من منع الاتباع عقلا، فيطرد أصله في كل رسول بلا مرية، وأما من مال إلى النقل فأينما تصور له وتقرر تبعه، ومن قال بالوقف فعلى أصله، ومن قال بوجوب الاتباع لمن قبله فليلتزمه بمساق حجته في كل نبي. ا. هـ.
"فإن قيل: النبي ﷺ إنما نفى الشرك وأثبت التوحيد بناء على الدلائل القطعية" العقلية والنقلية "وإذا كان كذلك لم يكن متابعا لأحد، فيمتنع حمل قوله: ﴿أَنِ اتَّبِعْ﴾ على هذا المعنى" الذي هو التوحيد، "فوجب حمله على الشرائع التي يصح حصول المتابعة فيها"стр. 4622
أجاب الفخر الرازي: بأنه يحتمل أن يكون المراد الأمر بمتابعته في كيفية الدعوة إلى التوحيد، وهو أن يدعو إليه بطريق الرفق والسهولة وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى بأنواع كثيرة، على ما هو الطريقة المألوفة في القرآن.
وقد قال صاحب الكشاف: لفظة "ثم" في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ تدل على تعظيم قدر رسول الله ﷺ وإجلال محله، فإن أشرف ما أوتي خليل الله من الكرامة وأجل ما أوتي من النعمة اتباع رسول الله ﷺ ملته، من قِبَل أن هذه الآية دلت على تباعد النعت في المرتبة على سائر المدائح التي مدحه الله بها. انتهى.
ومراده بالمدائح: المذكورة في قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] .
الحواشي
(١) كما قال ذلك البليد القليل العقل.
"أجاب الفخر الرازي بأنه يحتمل أن يكون المراد الأمر بمتابعته في كيفية الدعوة إلى التوحيد، وهو أن يدعو إليه بطريق الرفق والسهولة" كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] ، "وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى", والمجادلة مع كل واحد بحسبه "بأنواع كثيرة على ما هو الطريقة المألوفة في القرآن" كما وقع لإبراهيم من الاستدلال بالكوكب، ثم القمر، ثم الشمس.
"وقد قال صاحب الكشاف لفظة "ثم" في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ تدل على تعظيم قدر رسول الله ﷺ وإجلال محله، فإن أشرف ما أوتي خليل الله من الكرامة، وأجل ما أوتي من النعمة" عليه من الله تعالى "اتباع رسول الله ﷺ ملته من قِبَل"، "بكسر ففتح" أي جهة "أن هذه الآية دلت على تباعد" أي ارتفاع "النعت في المرتبة على سائر المدائح التي مدحه الله بها. انتهى".
"ومراده" أي الزمخشري "بالمدائح المذكورة في قوله: إن إبراهيم كان أمة" إماما قدوة، جامعا لخصال الخير التي لا تكاد توجد إلا مفرقة في أشخاص عديدة، كقوله:
وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
"قانتا لله" مطيعا فيما يأمره، "حنيفا" مائلا عن الباطل إلى الدين القيم، "ولم يك من المشركين" كما زعمت قريش أنهم على ملة إبراهيم، "شاكرا لأنعمه" ذكر بلفظ القلة، تنبيها على أنه لا يخل بشكر النعم القليلة، فكيف بالكثيرة "اجتباه" اصطفاه "وهداه إلى صراط مستقيم" في الدعوة إلى الله، "وآتيناه في الدنيا حسنة" بأن حببه للناس حتى أن أرباب الملل،стр. 4623
وقال ابن العراقي في شرح تقريب الأسانيد: وليت شعري كيف تلك العبادة؟ وأي أنواعها؟ وعلى أي وجه فعلها؟ يحتاج ذلك لنقل ولا أستحضره الآن. انتهى.
وقال شيخ الإسلام البلقيني في شرح البخاري: لم يجئ في الأحاديث التي وقفنا عليها كيفية تعبده ﵊، لكن روى ابن إسحاق وغيره أنه ﵇ كان يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة يتنسك فيه، وكان من تنسك قريش في الجاهلية أن يطعم من جاءه من المساكين، حتى إذا انصرف من مجاورته لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة، وحمل بعضهم التعبد على التفكر.
قال: وعندي أن هذا التعبد يشتمل على أنواع: وهي الانعزال عن الناس، كما صنع إبراهيم ﵇ باعتزاله قومه والانقطاع إلى الله تعالى، فإن "انتظار
الحواشي
(١) يتولونه ويثنون عليه، أو رزقه أولادا طيبة وعمرا طويلا في السعة والطاعة والثناء الحسن في كل أهل الأديان، "وإنه في الآخرة لمن الصالحين" الذين لهم الدرجات العلى في الجنة، كما سأله بقوله: وألحقني بالصالحين.
"وقال ابن العراقي" أحمد ولي الدين بن عبد الرحيم الحافظ ابن الحافظ "في شرح تقريب الأسانيد: وليت شعري كيف تلك العبادة" التي كان يتعبد بها ﷺ قبل بعثته، "وأي أنواعها، وعلى أي وجه فعلها، يحتاج ذلك لنقل، ولا أستحضره الآن. انتهى".
"وقال شيخ الإسلام" سراج الدين أبو حفص عمر "البلقيني"، "بضم فسكون فكسر"، "في شرح البخاري: لم يجئ في الأحاديث التي وقفنا عليها كيفية تعبده ﵊، لكن روى ابن إسحاق وغيره" كالبيهقي "أنه ﵇ كان يخرج إلى حراء" الجبل المعروف بمكة "في كل عام شهرا من السنة" وهو رمضان، كما رواه البيهقي "يتنسك" أي يتعبد "فيه، وكان من تنسك قريش في الجاهلية أن يطعم" المتنسك "من جاءه من المساكين، حتى إذا انصرف من مجاورته لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة" يعني: فيحتمل أن يكون تنسكه لله في حراء كذلك، "وحمل بعضهم" كابن المرابط: "التعبد على التفكر" في مصنوعات الله.
"قال" البلقيني: "وعندي أن هذا التعبد يشتمل على أنواع، وهي الانعزال عن الناس" لأنه عبادة لا سيما من كان على باطل، "كما صنع إبرايم ﵇ باعتزاله قومه" قال تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨] ، "والانقطاع إلى الله تعالى" عنстр. 4624
الفرج عبادة" كما رواه علي بن أبي طالب مرفوعا، وينضم إلى ذلك الأفكار، وعن بعضهم: كانت عبادته في حراء التفكر. انتهى.
وقد آن أن أشرع فيما قصدته على النحو الذي أردته, وقد اقتصرت من عباداته ﵊ على سبعة أنواع:
الحواشي
(١) الخلق والراحة من أشغال الدنيا وفراغ القلب، وناهيك بهذا من عبادة "فإن انتظار الفرج عبادة" كما رواه علي بن أبي طالب، مرفوعا" أخرجه ابن أبي الدنيا، والبيهقي والديلمي عن علي، رفعه: "انتظار الفرج من الله عبادة"، "وينضم إلى ذلك الأفكار،" أي التفكير الذي قاله بعضهم كما مر فقوله: "وعن بعضهم كانت عبادته في حراء التفكر" تكرار. "انتهى" كلام البلقيني.
وفي شرح المصنف للبخاري: وإنما كان يخلو بحراء دون غيره، لأن جده عبد المطلب أول من كان يخلو فيه من قريش، وكانوا يعظمونه لجلالته وسنه، فتبعه على ذلك، فكان يخلو بمكان جده، وكان الزمن الذي يخلو فيه شهر رمضان، فإن قريشا كانت تفعله كما كانت تصوم يوم عاشورا. ا. هـ.
"وقد آن" كحان وزنا ومعنى، أي قرب "أن أشرع" أي دخل وقت شروعي "فيما قصدته على النحو" الوجه "الذي أردته" عبر به تفننا وفرارا من تكرار اللفظ بعينه، "وقد اقتصرت من عباداته ﵊ على سبعة أنواع" "بسين فموحدة".стр. 4625
النوع الأول: في الطهارة
وفيه فصول:
الفصل الأول: في ذكر وضوئه ﷺ وسواكه ومقدار ما كان يتوضأ به
اعلم أن الوضوء بالضم: الفعل، وبالفتح: الماء الذي يتوضأ به، على المشهور فيهما، وهو مشتق من الوضاءة، وسمي به لأن المصلي يتنظف به فيصير وضيئا.
وقد استنبط بعض العلماء -كما جاء في فتح الباري- إيجاب النية في الوضوء من قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] لأن التقدير: إذا أردتم القيام إلى الصلاة فتوضؤا لأجلها. ومثله قوله: إذا رأيت الأمير فقم، أي، لأجله.
وقال ابن القيم: لم يرو أنه ﷺ كان يقول في أول وضوئه نويت رفع الحدث ولا غيرها، لا هو ولا أصحابه ألبتة، ولم يرو عنه لا بسند صحيح ولا ضعيف. انتهى.
قلت: أما التلفظ بالنية فلا نعلم أنه روي عنه ﷺ ، وأما كونه ﵇ أتي بها فقد قال الإمام فخر الدين الرازي في "المعالم" اعلم أنا إذا أردنا البحث في أمر من الأمور: هل فعله الرسول ﷺ ؟ قلنا في إثباته طرق:
الحواشي
(١) النوع الأول: في الطهارة
لغة النظافة، أي النقاء من الدنس والنجس، "وفيه فصول" ستة:
الفصل الأول: في ذكر وضوئه ﷺ وسواكه
وهو طهارة لغوية، "ومقدار ما ان يتوضأ به" سماه طهارة تجوزا، لأنها لما كانت تفعل به أطلقها عليه.
"اعلم أن الوضوء بالضم" للواو "الفعل وبالفتح الماء الذي يتوضأ به على المشهور فيهما" وحكي في كل منهما الأمران، "وهو مشتق من الوضاءة"، "بالهمز" وزن ضخامة الحسن والبهجة، "وسمي به لأن المصلي يتنظف به فيصير وضيئا".
"وقد استنبط بعض العلماء كما حكاه في فتح الباري إيجاب النية" القصد، وهو عزيمة القلب، قاله النووي، وقال البيضاوي: هي انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض صحيح من جلب نفع أو دفع ضر حالا أو مآلا وخص الشرع بالإرادة المتوجهة نحو الفعل لابتغاء رضا الله وامتثال حكمه "في الوضوء، من قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ لأن التقدير إذا أردتم القيام إلى الصلاة فتوضئوا لأجلها" أن ترتيب الوضوء على القيام إليها مشعر بأنه لأجلها، "ومثله قوله" أي القائل، إلا أن لفظ الفتح قولهم: "إذا رأيت الأمير فقم، أي لأجله".
"وقال ابن القيم: لم يرو أنه ﷺ كان يقول في أول وضوئه: نويت رفع الحدث ولا غيرها" أي غير هذه النية من النيات المعتبرة، "لا هو ولا أصحابه البتة، ولم يرو لا بسند صحيح ولا ضعيف. انتهى".
"قلت: أما التلفظ بالنية، فلا نعلم أنه روي عنه ﷺ "، كما قال: "وأما كونه ﵇ أتى بها، فقد قال الإمام فخر الدين الرازي في المعالم" أي معالم التنزيل اسم تفسيره:стр. 4626
الأول: أنا أردنا أن نقول إنه ﵇ توضأ مع النية والترتيب، قلنا، لا شك أن الوضوء مع النية والترتيب أفضل، والعلم الضروري حاصل بأنه أفضل الخلق لم يواظب على ترك الأفضل طول عمره، فثبت أنه أتى بالوضوء المرتب المنوي، ولم يثبت عندنا أنه أتى بالوضوء العاري عن النية والترتيب، والشك لا يعارض اليقين، فثبت أنه أتى بالوضوء المرتب المنوي، فوجب أن يجب علينا مثله.
والطريق الثاني: أن نقول: لو أنه ﵇ ترك النية والترتيب وجب علينا تركه للدلائل الدالة على وجوب الاقتداء به، ولما لم يجب علينا تركه ثبت أنه ما تركه، بل فعله.
وفي الصحيحين وغيرهما من حديث عمر مرفوعا: "إنما الأعمال بالنية وإنما
الحواشي
(١) "اعلم أنا إذا أردنا البحث في أمر من الأمور أنه هل فعله الرسول ﷺ " أم لا؟ "فلنا في" وفي نسخة: إلى "إثباته طرق" أراد ما فوق الواحد، إذ لم يذكر إلا طريقين، أو ترك ما زاد عليهما اختصارا.
"الأول: إذا أردنا أن نقول" جوابا لمن قال "إنه ﵇" له "توضأ مع النية والترتيب أم لا؟ "قلنا: لا شك أن الوضوء مع النية والترتيب أفضل، والعلم الضروري حاصل بأن أفضل الخلق لم يواظب" يلازم ويدوام "على ترك الأفضل طول عمره، فثبت أنه أتى بالوضوء المرتب المنوي" بالجر صفة"، "ولم يثبت عندنا أنه أتى بالوضوء العاري عن النية والترتيب والشك" الحاصل من عدم ورود دليل على ذلك "لا يعارض اليقين" الحاصل من أنه لا يمكن تركه الأكمل طول عمره، "فثبت أنه أتى بالوضوء المرتب المنوي، فوجب أنه يجب علينا مثله" لكن ثبوت إتيانه بذلك لا ينتج الوجوب كما هو ظاهر، إذ قد يتركه لبيان أنه لا يجب، فهذا الدليل ينتج عدم الوجوب.
"والطريق الثاني: أن نقول لو أنه ﵇ ترك النية والترتيب وجب علينا تركه،" أي المذكور منهما "للدلائل الدالة على وجوب الاقتداء به، ولما لم يجب علينا تركه ثبت أنه ما تركه، بل فعله،" لكن ثبوت ذلك لا يدل على وجوب الفعل، لأنه يفعل السنة، وليس تركه مثل هذا يوجب علينا الترك لما علم أنه يترك ما لم يجب، لإفادة أنه ليس بواجب، كما أنه يفعل المكروه في حق غيره لبيان الجواز، ويثاب على ذلك.
"وفي الصحيحين وغيرهما" كأحمد والترمذي وابن ماجه ومالك في الموطأ رواية محمد بن الحسن "من حديث عمر، مرفوعا": "إنما الأعمال بالنية" بالإفراد في معظم الرواياتстр. 4627
لكل امرئ ما نوى".
قال البخاري: "فدخل في الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج والصوم
الحواشي
(١) على الأصل لاتحاد محلها وهو القلب، كما أن مرجعها واحد، وهو الإخلاص للواحد الذي لا شريك له، فناسب إفرادها بخلاف الأعمال فمتعلقة بالظواهر وهي متعددة، فناسب جمعها، أو في رواية: بالنيات "بالجمع" باعتبار تنوعها، لأن المصدر إنما يجمع باعتبار تنوع، أو باعتبار مقاصد الناوي، كقصده تعالى، أو تحصيل موعوده، أو اتقاء وعيده.
وفي رواية للبخاري: "الأعمال بالنية"، بالإفراد فيهما وحذف "إنما" ولابن حبان: "الأعمال بالنيات" بحذفها وجمع الأعمال، "وإنما لكل امرئ ما نوى"، أي الذي نواه أو نيته، وكذا لكل امرأة ما نوت، لأن النساء شقائق الرجال.
وفي القاموس: المرء "مثلث الميم" الإنسان أو الرجل، وأتى بهذه الجملة بعد سابقتها مع اتحاد معناهما، لأن التقدير: وإنما لكل امرئ ثواب ما نوى، فالأولى نبهت على أن الأعمال لا تعتبر إلا بالنية، والثانية على أن للعامل ثواب العمل على قدر نيته، ورد بأن الأعمال حاصلة بثوابه للعامل لا لغيره، فهي عين معنى الجملة الثانية، وقيل: معنى الثتنية حصر ثواب الأجر المرتب على العمل لعامله، ومعنى الأول صحة الحكم وإجراؤه، ولا يلزم منه ثواب، فقد يصح العمل ولا ثواب عليه، كالصلاة في الثوب المغصوب على أرجح المذاهب، قاله ابن عبد السلام، وتعقب باقتضائه أن العمل نيتين: نية يصح بها في الدنيا ويحصل بها الاكتفاء ونية بها يحصل الثواب في الآخرة، إلا أن يقدر في ذلك وص النية إن لم يحصل صح ولا ثواب، وإن حصل صح وحصل الثواب، فلا إشكال, وقيل: الثانية تفيد اشتراط تعيين المنوي، فلا يكفي نية الصلاة بلا تعيين بل لا بد من تعيينها بالظهر أو العصر مثلا، أو أنها تفيد منع الاستنابة في النية، لأن الجملة الأولى لا تقتضي منعها بخلاف الثانية، ولا يرد نية ولي الصبي في الحج، فإنها صحيحة، وحج الإنسان عن غيره والتوكيل في تفرقة الزكاة، لأن ذلك وقع على خلاف الأصل في الوضع، وقال القرطبي: الجملة اللاحقة مؤكدة للسابقة، فذكر الحكم بالأولى، وأكده بالثانية تنبيها على سر الإخلاص، وتحذيرا من الرياء المانع منه وقد علم أن الطاعات في أصل صحتها وتضاعفها مرتبطة بالنيات، وبها ترفع إلى خالق البريات.
"قال البخاري" في آخر كتاب الإيمان: باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، ولكل امرئ ما نوى، "فدخل فيه" أي في الكلام "الإيمان" على رأيه، لأنه عنده عمل، وأما الإيمان بمعنى التصديق، فلا يحتاج إلى نية كسائر أعمال القلوب. "والوضوء" لأنه عمل "والصلاة" فتجب نيتها باتفاق، "والزكاة" فلا بد من نيتها. نعم إن أخذها الإمام من الممتنعстр. 4628
والأحكام".
وأشار بذكر الوضوء إلى خلاف من لا يشترط فيه النية، كما نقل عن الأوزاعي وأبي حنيفة وغيرهما.
وحجتهم: أنه ليس عبادة مستقلة، بل وسيلة إلى عبادة كالصلاة.
ونوقضوا بالتيمم، فإنه وسيلة، وقد اشترط الحنفية فيه النية.
واستدل الجمهور على اشتراط النية في الوضوء بالأدلة الصحيحة المصرحة بوعد الثواب عليه، فلا بد من قصد يميزه عن غيره ليحصل الثواب الموعود به.
وقوله: "إنما الأعمال بالنيات". ليس المراد منه نفي ذات العمل لأنه قد يوجد بغير نية، بل المراد نفي أحكامها كالصحة والكمال, لكن الحمل على نفي الصحة أولى لأنه أشبه بنفي الشيء نفسه، ولأن اللفظ دل على نفي الذات
الحواشي
(١) سقطت ولو لم ينو صاحب المال، لأن السلطان قائم مقامه، "والحج", وإنما ينصرف إلى من حج عن غيره لدليل خاص، وهو حديث ابن عباس في قصة شبرمة، "والصوم" فتلزم نيته عند الأئمة الأربعة إلا أن تعيين الرمضانية لا يشترط عند الحنفية، "والأحكام" أي المعاملات التي يدخل فيها الاحتياج إلى المحاكمات.
"وأشار بذكر الوضوء إلى خلاف من لا يشترط فيه النية، كما نقل عن الأوزاعي وأبي حنيفة وغيرهما، وحجتهم أنه ليس عبادة مستقلة، بل وسيلة إلى عبادة، كالصلاة" وسجود التلاوة ومس المصحف، "ونوقضوا بالتيمم، فإنه وسيلة، وقد اشترط الحنفية فيه النية" وأجابوا بأنها طهارة ضعيفة، فتحتاج إلى تقويتها بالنية، ورد بأن قياسه على التيمم غير مستقيم، فإن الماء خلق مطهرا، فتحتاج إلى تقويتها بالنية، ورد بأن قياسه على التيمم غير مستقيم، فإن الماء خلق مطهرا، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] ، والتراب ليس كذلك، فكان التطهير به تعبدا محضا، فاحتاج إلى النية، أو التيمم ينبئ لغة عن القصد، فلا يتحقق بدونه بخلاف الوضوء ففسد قياسه على التيمم، قاله المصنف.
"واستدل الجمهور على اشتراط النية في الوضوء بالأدلة، المصرحة بوعد الثواب عليه, فلا بد من قصد ميزه عن غيره ليحصل الثواب الموعود به" ولا يكون ذلك مع عدم النية.
"وقوله: "إنما الأعمال بالنيات"، ليس المراد به نفي ذات العمل، لأنه قد يوجد بغير نية" كأن يأتي بأفعال الوضوء بدونها، "بل المراد نفي أحكامها، كالصحة والكمال، لكن الحمل على نفي الصحة أولى، لأنه أشبه بنفي الشيء نفسه", لأنه إذا انتفت صحته لمстр. 4629
بالصريح وعلى نفي الصفات بالتبع، فلما منع الدليل نفي الذات بقيت دلالته على نفي الصفات مستمرة.
وقال ابن دقيق العيد: الذين اشترطوا النية، قدروا صحة الأعمال، والذين لم يشترطوا قدروا كمال الأعمال, ورجح الأول لأن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها أولى.
الحواشي
(١) يحصل به المقصود من سقوط الطلب عن المكلف، فأشبه ما انتفت ذاته بأن لم يفعل في عدم حصول القصد بكل منهما، بخلاف ما انتفى كماله، كمن ترك تسبيح الصلاة، فالفائت ثوابه الخاص مع سقوط الطلب عن المكلف، "ولأن اللفظ دل على نفي الذات بالصريح، وعلى نفي الصفات بالتبع، فلما منع الدليل، نفي الذات" لوجود العمل بلا نية، "بقيت دلالته على نفي الصفات مستمرة".
زاد الحافظ: قال شيخنا شيخ الإسلام، يعني البلقيني: الأحسن تقدير ما يقتضي أن الأعمال تتبع النية، لقوله: فمن كانت هجرته ... إلخ، وعلى هذا يقدر المحذوف كونا مطلقا من اسم فاعل أو فعل، ثم لفظ العمل يتناول فعل الجوارح حتى اللسان، فتدخل الأقوال.
قال ابن دقيق العيد: وأخرج بعضهم الأقوال وهو بعيد، ولا تردد عندي في أن الحديث بتناولها، وأما التروك، فهي وإن كانت فعل كف، لكن لا يطلق عليها لفظ العمل، وقد تعقب على من سمى القول عملا، لكونه عمل اللسان، بأن من حلف لا يعمل عملا، فقال قولا لا يحنث.
وأجيب: بأن مرجع اليمين إلى العرف والقول لا يسمى عملا في العرف، ولهذا يعطف عليه، والتحقيق أن القول لا يدخل في العمل حقيقة ويدخل مجازا، وكذا الفعل، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢] ، بعد قوله: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾ ، وأما عمل القلب فالنية، ولا يتناولها الحديث لئلا يلزم التسلسل والمعرفة، وفي تناولها نظر.
قال بعضهم: هي محال، لأن النية قصد المنوي، وإنما يقصد المرء ما يعرف، يلزم أن يكون عارفا قبل المعرفة، وتعقبه شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني بما حاصله، إن كان المراد بالمعرفة مطلق الشعور فمسلم، وإن كان المراد النظر في الدليل فلا، لأن كل ذي عقل يشعر مثلا بأن له من يدبره، فإذا أخذ في النظر في الدليل عليه ليتحققه لم تكن النية حينئذ محالا.
"وقال ابن دقيق العيد: الذين اشترطوا النية قدروا صحة الأعمال، والذين لم يشترطوها قدروا كمال الأعمال" إذ لا بد من محذوف يتعلق به الجار والمجرور، فقدر كل ما يوافق رأيه، "ورجح الأول، لأن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال، فالحمل عليهاстр. 4630
وفي هذا الكلام إيهام أن بعض العلماء لا يرى اشتراط النية، وليس الخلاف بينهم في ذلك إلا في الوسائل، وأما المقاصد فلا اختلاف بينهم في اشتراط النية لها, ومن ثم خالف الحنفية في اشتراطها للوضوء كما تقدم، وخالف الأوزاعي في اشتراطها في التيمم أيضا, نعم بين العلماء اختلاف في اقتران النية بأول العمل كما هو معروف في مبسوطات النفقة.
وأما قوله -أي البخاري- "فدخل في الإيمان" فتوجيه دخول النية في الإيمان على طريقة البخاري: أن الإيمان عمل، وأما الإيمان بمعنى التصديق فلا يحتاج إلى نية كسائر أعمال القلوب، من خشية الله وتعظيمه ومحبته والتقرب إليه، لأنها متميزة لله فلا تحتاج إلى نية تميزها، لأن النية إنما تميز العمل لله تعالى عن العمل لغيره رياء، وتميز مراتب الأعمال كالفرض عن الندب، وتميز العبادة عن العادة كالصوم
الحواشي
(١) أولى" للأكثرية، "وفي هذا الكلام إيهام أن بعض العلماء لا يرى اشتراط النية" أي وجوبها في شيء من الأعمال، "وليس الخلاف بينهم في ذلك إلا في الوسائل" كالوضوء، "وأما المقاصد" كالصلاة، "فلا اختلاف بينهم في اشتراط النية لها، ومن ثم خالف الحنفية في اشتراطها للوضوء" أي قالوا لا تشترط، "كما تقدم، وخالف الأوزاعي في اشتراطها في التيمم أيضا" نظرا لكونه وسيلة، فلم يناقض أصله بخلاف الحنفية، فاشترطوها فيه، فتناقضوا كما مر.
"نعم بين العلماء اختلاف في اقتران النية بأول العمل" هل هو شرط أم لا؟ "كما هو معروف في مبسوطات النفقة" فلا حاجة إلى الإطالة به.
زاد الحافظ: الظاهر أن الألف واللام معاقبة للضمير، والتقدير: الأعمال بنياتها، وعلى هذا، فيدل على اعتبار نية العمل من كونه صلاة أو غيرها، ومن كونها فرضا أو نفلا, ظهرا مثلا أو عصرا, مقصورة أو غير مقصورة، وهل يحتاج في مثل هذا إلى تعيين العدد؟ فيه بحث، والرجح الاكتفاء بتعيين العبادة التي لا تنفك عن العدد المعين، كالمسافر مثلا ليس له أن يقصر إلا بنية القصر، لكن لا يحتاج إلى نية ركعتين، لأن ذلك هو مقتضى القصر.
"وأما قوله -أي البخاري- فدخل فيه الإيمان، فتوجيه دخول النية في الإيمان على طريقة البخاري، أن الإيمان عمل، وأما الإيمان بمعنى التصديق، فلا يحتاج إلى نية كسائر أعمال القلوب من خشية الله" أي الخوف منه "وتعظيمه ومحبته والتقرب إليه، لأنها متميزة" بكونها "لله" لا لأمر آخر، "فلا تحتاج إلى نية تميزها" بل لا يمكن النية فيها كما أشار إليه بقوله الآتي: ومتى فرضت النية مفقودة استحالت حقيقته، "لأن النية إنما تميز العمل لله تعالىстр. 4631
عن الحمية.
وقوله أيضا: "والأحكام" أي المعاملات التي يدخل فيها الاحتياج إلى المحاكمات فيشمل البيوع والأنكحة والأقارير وغيرها وكل صورة لم تشترط فيها النية فذلك لدليل خاص.
وقد ذكر ابن المنير ضابطا -لما يشترط فيه النية مما لا يشترط فيه- فقال: كل عمل لا تظهر له فائدة عاجلة بل المقصود به طلب الثواب فالنية مشترطة فيه، وكل فعل ظهرت فائدته، ناجزة، وتقاضته الطبيعة قبل الشريعة لملاءمة بينهما فلا تشترط النية فيه إلا لمن قصد بفعله معنى آخر يترتب عليه الثواب.
قال: وإنما اختلف العلماء في بعض الصور من جهة تحقيق مناط التفرقة.
قال: وأما ما كان من المعاني المحضة كالخوف والرجاء فهذا لا يقال باشتراط النية فيه لأنه لا يمكن أن يقع إلا منويا، ومتى فرضت النية مفقودة فيه
الحواشي
(١) عن العمل لغيره رياء، وتميز مراتب الأعمال، كالفرض عن الندب، وتميز العبادة عن العادة، كالصوم عن المحبة" عن الأكل لضره.
"وقوله أيضا: والأحكام أي المعاملات التي يدخل فيها الاحتياج إلى المحاكمات، فيشمل البيوع والأنكحة والأقارير وغيرها" واستأنف بالرفع قوله: "وكل صورة لم تشترط فيه النية، فذلك لدليل خاص".
"وقد ذكر ابن المنير ضابطا" مميزا "لما يشترط فيه النية مما لا يشترط فيه" وفي نسخة: وما لا يشترط، فلا يقدر مميزا، لكن الذي في الفتح مما لا يشترط، "فقال: كل عمل لا يظهر له فائدة عاجلة" كالصلاة لا يظهر لفعلها فائدة تترتب عليها حالا، "بل المقصود به طلب الثواب" في الآخرة "فالنية مشترطة فيه" فلا يصح بدونها "وكل فعل ظهرت فائدته ناجزة وتقاضته"، "بقاف وضاد معجمة" أي طلبته "الطبيعة قبل الشريعة لملاءمة بينهما" بين الطبيعة والفعل، كالأكل والشرب والجماع مما منفعته ناجزة، كشبع وري وكسر شهوة، "فلا تشترط فيه النية إلا لمن قصد بفعله معنى آخر يترتب عليه الثواب" لقصد التقوي على العبادة بالأكل والشرب وحصول ولد صالح، أو عفة نفسه، أو المرأة بالنكاح، فيتوقف على النية.
"قال" ابن المنير: "وإنما اختلف العلماء في بعض الصور من جهة تحقيق مناط التفرقة" بين الأمرين، "قال: وأما ما كان من المعاني المحضة، كالخوف والرجاء، فهذاстр. 4632
استحالت حقيقته، فالنية فيه شرط عقلي.
وأما الأقوال، فتحتاج إلى النية في ثلاث مواطن: أحدها: التقرب إلى الله تعالى فرارا من الرياء، والثاني: التمييز عن الألفاظ المحتملة لغير المقصود. والثالث: قصد الإنشاء ليخرج سبق اللسان. انتهى، ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري.
وقد اختلف العلماء في الوقت الذي وجب فيه الوضوء.
فقال بعضهم: أول ما فرض بالمدينة، وتمسك بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآية.
ونقل ابن عبد البر اتفاق أهل السير على أن غسل الجنابة فرض عليه ﷺ وهو بمكة، كما فرضت الصلاة، وأنه لم يصل قط إلا بوضوء، وقال: وهذا مما لا
الحواشي
(١) لا يقال باشتراط النية فيه، لأنه لا يمكن أن يقع إلا منويا", فلا يصح اشتراطها فيه, ومتى فرضت النية مفقودة فيه استحالت حقيقته، فالنية فيه شرط عقلي" لا يمكن تخلفه، وحذف من كلام ابن المنير المنقول في الفتح ما لفظه، ويقاربه أنه لا تشترط النية للنية فرارا من التسلسل.
"وأما الأقوال فتحتاج إلى النية في ثلاث مواطن: أحدها: التقرب إلى الله تعالى فرارا من الرياء "بتحتية"، "والثاني: التمييز عن الألفاظ المحتملة لغير المقصود، والثالث: قصد الإنشاء ليخرج سبق اللسان. انتهى".
"ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري" آخر كتاب الإيمان وما قبله في شرح أو حديث فيه.
"وقد اختلف العلماء في الوقت الذي وجب فيه الوضوء، فقال بعضهم: أول ما فرض بالمدينة، وتمسك بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ محدثين كما قدر الأكثرون، وقال آخرون: الأمر عام بلا تقدير، إلا أنه في حق المحدث على الإيجاب، وفي حق غيره على الندب، وقيل: كان واجبا، ثم نسخ فصار مندوبا، ويدل له حديث عبد الله بن الغسيل الآتي ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية ووجه التمسك من كون الآية نزلت بالمدينة، وهو تمسك ضعيف.
"ونقل ابن عبد البر اتفاق أهل السير على أن غسل الجنابة فرض عليه ﷺ وهو بمكة، كما فرضت الصلاة" بمكة، "وأنه لم يصل قط إلا بوضوء، وقال" ابن عبد البر: "وهذا مماстр. 4633
يجهله عالم بالأخبار.
وقال الحاكم في المستدرك: أهل السنة قامت بهم حاجة إلى دليل الرد على من زعم أن الوضوء لم يكن قبل نزول آية المائدة، ثم ساق حديث ابن عباس: دخلت فاطمة على النبي ﷺ وهي تبكي فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا ليقتلوك، فقال: "ائتوني بوضوء". فتوضأ.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا يصلح أن يكون ردا على من أنكر وجود الوضوء قبل الهجرة، لا على من أنكر وجوبه حينئذ.
وقد جزم به الجهم المالكي بأنه كان قبل الهجرة مندوبا، وجزم ابن حزم بأنه لم يشرع إلا بالمدينة.
ورد عليه بما أخرجه عبد الله بن لهيعة في المغازي التي يرويها عن أبي
الحواشي
(١) لا يجهله عالم بالأخبار", وهذا مما يضعف القول بأن الوضوء أول ما فرض بالمدينة.
"وقال الحاكم في المستدرك: أهل السنة قامت بهم حاجة إلى دليل الرد على من زعم أن الوضوء لم يكن قبل نزول آية المائدة، ثم ساق حديث ابن عباس: دخلت فاطمة" الزهراء سيدة النساء "على النبي ﷺ وهي تبكي، فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا ليقتلوك، فقال: "ائتوني بوضوء"، "بالفتح" ما أتوضأ به "فتوضأ".
"قال الحافظ ابن حجر: وهذا يصلح أن يكون ردا على من أنكر وجود الوضوء قبل الهجرة، لا على من أنكر وجوبه حينئذ" فلا يصح ردا عليه، إذ لا يلزم من فعله الوجوب.
"قد جزم" أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد "بن الجهم" المروزي نسب لجد أبيه لشهرته به "المالكي" الفقيه، المحدث.
قال الخطيب: له مصنفات حسان محشوة بالآثار، يحتج لمذهب مالك ويدر على مخالفيه، وكتب حديثا كثيرا وكتبه تنبئ عن مقدار علمه.
روى عن إسماعيل القاضي وجعفر الفريابي وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهم، وعنه الأبهري والدينوري، مات سنة تسع وعشرين، وقيل: ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، "بأنه كان قبل الهجرة مندوبا".
"وجزم ابن حزم بأنه لم يشرع إلا بالمدينة" ويرد عليه حديث فاطمة السابق، "ورد عليه" أيضا "بما أخرجه عبد الله بن لهيعة"، "بفتح اللام وكسر الهاء" ابن عقبة الحضرمي، أبو عبد الرحمن المصري قاضيها، عالم صدوق، احترقت كتبه فاختلط، ورواية ابن المبارك:стр. 4634
الأسود عن عروة أن جبريل ﵇ علم النبي ﷺ الوضوء عند نزوله عليه بالوحي.
وهو مرسل، ووصله أحمد من طريق ابن لهيعة أيضا، لكن قال: عن الزهري عن عروة، عن أسامة بن زيد عن أبيه، وأخرجه ابن ماجه من رواية رشدين بن سعد عن عقيل عن الزهري نحوه، لكن لم يذكر زيد بن حارثة في السند، وأخرجه الطبراني في الأوسط من طريق الليث عن عقيل موصولا, ولو ثبت لكان على شرط الصحيح، لكن المعروف رواية ابن لهيعة.
وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة. قيل له: كيف كنتم
الحواشي
(١) وابن وهب، عنه: أعدل من غيرهما.
روى له أبو داود والترمذي وله في مسلم بعض شيء مقرون، مات سنة أربع وسبعين ومائة، وقد ناف على الثمانين "في" كتاب "المغازي التي يرويها عن أبي الأسود" محمد بن عبد الرحمن بن نوفل بن خويلد بن سد بن عبد العزى الأسدي المدني، يتيم عروة، ثقة من رجال الجميع، مات سنة بضع وثلاثين ومائة "عن عروة" بن الزبير: أن جبريل ﵇ علم النبي ﷺ الوضوء عند نزوله عليه بالوحي وهو مرسل" لأن عروة تابعي كبير "ووصله "أحمد من طريق ابن لهيعة أيضا، لكن قال عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد عن أبيه" زيد بن حارثة الصحابي، أحد من قيل أنه أول من أسلم.
"وأخرجه ابن ماجه من رواية رشدين"، "بكسر الراء وسكون المعجمة"، "ابن سعد" ابن مفلح المهري "بفتح الميم وسكون الهاء" أبي الحجاج المصري، ضعيف رجح أبو حاتم عليه ابن لهيعة.
وقال ابن يونس: كان صالحا في دينه، فأدركته غفلة الصالحين، فخلط في الحديث، مات سنة ثمان وثمانين ومائة وله ثمان وسبعون، خرج له الترمذي وابن ماجه "عن عقيل"، "بضم العين" ابن خالد بن عقيل "بالفتح" الأيلي "بفتح الهمزة فتحتية ساكنة فلام" الأموي، مولاهم ثقة، ثبت من رجال الجميع، سكن المدينة، ثم الشام ثم مصر، مات سنة أربع وأربعين ومائة على الصحيح، "عن الزهري" محمد بن مسلم بن شهاب "نحو، ولكن لم يذكر زيد بن حارثة في السند" بل قال عن عروة عن أسامة.
"وأخرجه الطبراني في الأوسط من طريق الليث" بن سعد الإمام "عن عقيل موصولا" عن الزهري، عن عروة، عن أسامة، عن أبيه: "ولو ثبت لكان على شرط الصحيح" للشيخين "لكن المعروف رواية ابن لهيعة" عن أبي الأسود، عن عروة مرسلا "وعن" عمرو بن عامرстр. 4635
تصنعون؟ قال: يجزي أحدنا الوضوء ما لم يحدث. رواه البخاري وأبو داود والترمذي.
وعن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة. رواه الدارمي. وروى مسلم عن بريدة قال: كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد. فقال له عمر: فعلت شيئا لم تفعله، فقال: "عمدا فعلته يا عمر". يعني لبيان الجواز.
الحواشي
(١) الأنصاري، عن "أنس قال: كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة" وعند النسائي عن عمرو بن عامر أنه سأل أنسا أكان النبي ﷺ يتوضأ لكل صلاة؟ قال: نعم، قال الحافظ: أي مفروضة زاد الترمذي من طريق حميد، عن أنس طاهر، أو غير طاهر وظاهره أن تلك كانت عادته، لكن حديث الصحيح عن سويد بن النعمان: خرجنا عام خيبر حتى إذا كنا بالصهباء صلى لنا رسول الله ﷺ العصر، إلى أن قال: ثم صلى لنا المغرب، ولم يتوضأ يدل على أن المراد الغالب.
وقال الطحاوي: يحتمل أن ذلك كان واجبا عليه، ثم نسخ يوم الفتح لحديث بريدة، يعني الآتية، ويحتمل أنه كان يفعله استحبابا، ثم خشي أن يظن وجوبه، فتركه لبيان الجواز.
قال الحافظ: وهذا هو الأقرب، وعلى تقدير، الأول، فالنسخ كان قبل الفتح بدليل حديث سويد، فإنه كان في خيبر وهي قبل الفتح بزمان، "قيل له" لفظ البخاري، قلت: "كيف كنتم تصنعون", قال الحافظ: القائل عمرو بن عامر، والمراد الصحابة، "قال" أنس: "يجزي"، "بضم أوله" من أجزأ، أي يكفي، وللإسماعيلي: يكفي "أحدنا"، "بالنصب" مفعول فاعله "الوضوء ما لم يحدث" ولابن ماجه: وكنا نحن نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد "رواه البخاري وأبو داود والترمذي" والنسائي وابن ماجه، "وعن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة" استحبابا، وإلا لما وسعه ولا وسع غيره أن يخالفه، ولأن الأصل عدم الوجوب قاله المصنف "رواه الدارمي" عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي الحافظ، صاحب المسند، ثقة، فاضل، متقن، شيخ مسلم وأبي داود والترمذي.
"وروى مسلم" وأبو داود والترمذي "عن بريدة"، "بضم الموحدة" مصغر, بن الحصيب "بمهملتين" مصغر, أبي سهل الأسلمي ﵁ "قال: كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة فلما كان يوم الفتح" فتح مكة "صلى الصلوات" الخمس، كما زاده في رواية أبي داود والترمذي، فأغرب من قال، أي جمع بين صلاتين "بوضوء واحد فقال له عمر" بن الخطاب: "فعلت شيئا لم تكن تفعله".стр. 4636
وفي رواية أحمد وأبي داود، من حديث عبد الله بن أبي عامر الغسيل، أنه ﷺ أمر بالوضوء، لكل صلاة طاهرا أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة ووضع عند الوضوء إلا من حدث.
واختلف العلماء في موجب الوضوء:
فقيل: يجب بالحدث وجوبا موسعا وقيل: به وبالقيام إلى الصلاة معا: ورجحه جماعة من الشافعية وقيل إلى الصلاة حسب، ويدل له ما رواه أصحاب السنن عن ابن عباس مرفوعا: "إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة".
الحواشي
(١) وفي رواية: لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه، "فقال: عمدا" أي قصدا "فعلته" وفي لفظ: صنعته "يا عمر، يعني لبيان الجواز" للناس، وخوف أن يعتقد وجوب ما كان يفعل من الوضوء لكل صلة، وقيل: إنه ناسخ لوجوب ذلك، وتعقب بقول أنس: كان خاصا به دون أمته، وأنه كان يفعله للفضيلة، كذا في شرح المصنف لمسلم.
"وفي رواية أحمد وأبي داود من حديث عبد الله" بن حنظلة "بن أبي عامر" الراهب الأنصاري، له رؤية وأبوه غسيل الملائكة، قتل يوم أحد وأم عبد الله جميلة بنت عبد الله بن أبي، استشهد عبد الله يوم الحرة في ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وكان أمير الأنصار بها، كما في التقريب كغيره، فكأنه سقط من قلم المصنف أو نساخه: ابن حنظلة، ولا يعتذر له بأنه نسبه إلى جده، لأن قوله "الغسيل" صفة لحنظلة لا لابنه عبد الله الراوي، وإسقاطه يوهم أنه صفة له كما ظنه من لم يراجع غزوة أحد، "أنه ﷺ أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا" كان "أو غير طاهر فلما شق" صعب "ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عند الوضوء إلا من حدث", أي ناقض للوضوء، لكن نومه ليس بناقض كما مر في الخصائص.
"واختلف العلماء في موجب الوضوء" وكذا الغسل، واقتصر على الوضوء، لأن الكلام فيه، "فقيل: يجب بالحدث" أي الناقض "وجوبا موسعا" إلى القيام إلى الصلاة، "وقيل" يجب "به وبالقيام إلى الصلاة معا" فلا يجب بالحدث وحده، ولا بالقيام لها وهو متوضئ، "ورجحه جماعة من الشافعية" وغيرهم، "وقي: بالقيام إلى الصلاة حسب" أي فقط، وأورد عليه أنه لو دخل وقت الصلاة ولم يرد فعلها، بل قصد تركها أو أخرها إلى خروج الوقت، لا يجب عليه الوضوء تلك المدة لعدم قيامه إلى الصلاة.
وأجيب بأن المراد القيام لها بالفعل أو بالخطاب، وهو بدخول الوقت يخاطب بالصلاة، وبكل ما تتوقف عليه، "ويدل له ما رواه أصحاب السنن، عن ابن عباس، مرفوعا: "إنما أمرتстр. 4637
وقد تمسك بحديث عبد الله بن أبي عامر هذا من قال بوجوب السواك عليه ﷺ ، لكن في إسناده محمد بن إسحاق، وقد رواه بالعنعنة وهو مدلس، والخصائص لا تثبت إلا بدليل صحيح.
وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في السنن عن عائشة مرفوعا: "ثلاث هي علي فرائض وهن لكم سنة: الوتر والسواك وقيام الليل".
وقد روى أحمد في مسنده بإسناد حسن من حديث واثلة بن الأسقع أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب علي".
وقد حكى بعضهم الإجماع على أنه ليس بواجب علينا. لكن حكي عن بعض الشافعية أنه أوجبه للصلاة ونوزع فيه.
الحواشي
(١) بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة" بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] الآية، "وقد تمسك بحديث عبد الله بن أبي عامر هذا" المذكور آنفا: "من قال بوجوب السواك عليه ﷺ " من قوله: فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة، "لكن" لا متمسك فيه، لأن "في إسناده محمد بن إسحاق" بن يسار صاحب المغازي, "وقد رواه بالعنعنة، وهو مدلس، وإن كان صدوقا فلا يقبل منه حتى يصرح بالسماع، "والخصائص لا تثبت إلا بدليل صحيح".
"وأخرج الطبراني في الأوسط، والبيهقي في السنن، عن عائشة مرفوعا: "ثلاث هن علي فرائض وهن لكن سنة: الوتر والسواك وقيام الليل"، فهذا شاهد لحديث ابن حنظلة، وقد صححه ابن خزيمة وغيره إما تساهلا وإما لأنهم وقفوا على طريق صرحت بالسماع، ولذا اعتمد المالكية والشافعية وجوبه عليه.
"وقد روى أحمد في مسنده بإسناد حسن من حديث واثلة"، "بمثلثة"، "ابن الأسقع"، "بالقاف"، "أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت" على لسان جبريل، أو بإلهام، أو برؤيا المنام "بالسواك" أمر ندب "حتى خشيت أن يكتب" أي يفرض "علي" وهذا وإن كان إسناده حسنا، لكن قال المنذري وغيره: فيه ليث بن أبي سليم، وهو ثقة مدلس، وقد رواه بالعنعنة، وقد جعله المصنف في مقصد الخصائص من حجج، من لم يجعل السواك واجبا عليه، لأنه ظاهر في عدم الوجوب، وحاول شيخنا الجمع بينه وبين الحديث قبله: "ثلاث هي علي فرائض" بما حاصله أنه واجب عليه لكل صلاة، مستحب له فيما عدا ذلك، والذي خشي أن يكتب عليه وجوبه عند القيام من نوم ودخول منزل ونحوهما مما يطلب فيه، وهو محتمل على بعده.
"وقد حكى بعضهم الإجماع على أنه ليس بواجب علينا" معشر الأمة "لكن حكي عنстр. 4638
واتفقوا على أنه يستحب مطلقا، ويتأكد في أحوال:
منها: عند الوضوء وإرادة الصلاة.
ومنها: عند القيام من النوم، لما ثبت في الصحيحين من حديث حذيفة أنه ﷺ كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك، لكن قد يقال: المراد، قام من الليل للصلاة، فيكون المراد السواك للصلاة وعند الوضوء.
ومنها: عند قراءة القرآن، كما جزم به الرافعي.
ومنها: عند تغير الفم، سواء فيه تغير الرائحة أو تغير اللون، كصفرة الأسنان، كما ذكره الرافعي.
ومنها: عند دخول المنزل، كما جزم به النووي في زوائد الروضة، لما روى
الحواشي
(١) بعض الشافعية أنه أوجبه للصلاة، ونوزع فيه" بأنه لا دليل عليه.
"واتفقوا على أنه يستحب مطلقا" في كل وقت فعل فيه أراد الصلاة أم لا، "ويتأكد" استحبابه "في أحوال منها عند الوضوء" والغسل والتيمم "وإرادة الصلاة، ومنها عند القيام من النوم لما ثبت في الصحيحين من حديث حذيفة" بن اليماني "أنه ﷺ كان إذا قام من الليل يشوص"، "بفتح التحتية وضم المعجمة وسكون الواو وصاد مهملة" يدلك "فاه بالسواك، لكن قد يقال المراد قام من الليل للصلاة، فيكون المراد السواك، أو عند الوضوء" فلا يدل على أنه للقيام من النوم، ويدل على ذلك أن في رواية لمسلم كان إذا قام للتهجد.
وقال الولي العراقي: يحتمل وجهين، أحدهما: أن معناه إذا قام للصلاة بدليل الرواية الأخرى، الثاني: إذا انتبه وفيه حذف، أي من نوم الليل، ويحتمل أن من لابتداء الغاية من غير تقدير حذف نوم. انتهى.
وقد يؤيد الثاني رواية أحمد وأبي داود عن عائشة: "كان ﷺ لا يرقد من ليل ولا نهار إلا تسوك قبل أن يتوضأ" فإن ظاهره أنه كان يتسوك قبل شروعه في الوضوء، إذ يستحب في السواك للوضوء كونه قبل المضمضة، وهذا غير الاستياك عند الاستيقاظ.
وقال بعضهم: الكلام في مقتضى هذا الحديث، فإن نظر إليه مع قطع النظر عن رواية مسلم، أفاد ندبه بمجرد الانتباه، وإن روعيت الرواية الأخرى، لأن الروايات تفسر بعضها لم يفد ذلك لكن له دليل آخر، "ومنها عند قراءة القرآن كما جزم به الرافعي، ومنها عند تغير الفم" بأكل أو شرب أو كثرة كلام، ولو بذكر الله، "سواء فيه تغير الرائحة أو تغير اللون، كصفرة الأسنان كما ذكره الرافعي، ومنها عند دخول المنزل كما جزم به النووي في زوائد الروضةстр. 4639
مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، من حديث عائشة أنه ﷺ كان إذا دخل بيته يبدأ بالسواك.
ومنها: عند إرادة النوم، كما ذكره الشيخ أبو حامد في "الرونق" وروى فيه ما رواه ابن عدي في الكامل من حديث جابر: أن النبي ﷺ كان يستاك إذا أخذ مضجعه. وفيه: حرام بن عثمان، متروك.
ومنها: عند الانصراف من صلاة الليل، لما رواه ابن ماجه من حديث ابن عباس بإسناد صحيح قال: كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل ركعتين ركعتين، ثم ينصرف فيستاك.
الحواشي
(١) لما روى مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه" كلهم في الطهارة "من حديث" شريح بن هانئ عن "عائشة أنه ﷺ كان إذا دخل بيته يبدأ بالسواك" لأجل السلام على أهله، إذ السلام اسم شريف، وليطيب فمه الطيب لتقبيل أهله زيادة في حسن العشرة وتعليم الأمة، لا لتغير فمه بصمت أو كلام كما زعم، لأنه ﷺ المنزه المبرأ عن أن يلحقه شيء من ذلك، ولأنه كان يبدأ بالنافلة أول دخوله بيته، ولأنه كما قال عياض والقرطبي: لا يفعله ذو مروءة بحضرة الناس، ولا ينبغي فعله في المسجد ولا في المحافل، قيل: المراد بالدخول ليلا، ففي مسند أحمد بإسناد صحيح عن شريح بن هانئ: سألت عائشة بأي شيء كان يبدأ ﷺ إذا دخل عليك بيتك ليلا، قالت: بالسواك، ويختم بركعتي الفجر، وألفاظ الخبر الواحد يفسر بعضها بعضا.
وقد حكى ابن منده الإجماع على صحة هذا الحديث، وتعقبه مغلطاي بأنه إن أراد إجماع العلماء قاطبة فمتعذر، أو إجماع الأئمة فغير صواب، لأن البخاري لم يخرجه، فأي إجماع مع مخالفته، كذا قال ولا طائل تحته، فالمراد إجماع علماء الحديث، وعدم إخراج البخاري له ليس فيه أنه لم يقل بصحته، فإنه لم يخرج في جامعه كل ما صح عنده، فقد صح عنه: أحفظ من الصحيح مائة ألف حديث، والذي في جامعه لم يبلغ نصف عشرها "ومنها عند إرادة النوم كما ذكره الشيخ أبو حامد "الإسفراييني "في الرونق" اسم كتاب، "وروى فيه ما رواه ابن عدي في الكامل من حديث جابر: أن النبي ﷺ كان يستاك إذا أخذ مضجعه"، "بزنة مقعد" كما في القاموس، "وفي حرام"، "بمهملتين مفتوحتين"، كما في التبصير "ابن عثمان" المدني "متروك" هالك، "ومنها عند الانصراف من صلاة الليل لما رواه ابن ماجه" والنسائي وأحمد "من حديث ابن عباس بإسناد صحيح" كما قال الحافظ، وقال المنذري: رواته ثقات، وقال الحاكم على شرطهما، وتعقبه مغلطاي، "قال: كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل ركعتين ركعتين" بالتكرير، "ثم ينصرف فيستاك" وعند أبي نعيم بإسناد جيد عن ابن عباس: كان ﷺ يستاك بينстр. 4640
ويجزئ بكل خشن، ولو بأصبع غيره الخشنة، وقد جزم النووي في شرح المذهب ودقائق المنهاج أنه يجزئ بها قطعا. قال في شرح تقريب الأسانيد: وما أدري ما وجه التفرقة بين أصبعه وأصبع غيره وكونه جزءا منه لا يظهر منه ما يقتضي منعه، بل كونها أصبعه أبلغ في الإزالة، لأنه لا يتمكن بها أكثر من تمكن غيره أن يسوكه بأصبعه لا جرم. قال النووي في شرح المذهب: المختار إجزاؤه مطلقا. قال: وبه قطع القاضي حسين والمحاملي في اللباب والبغوي واختاره في البحر. انتهى.
وقد أطبق الشافعي على استحباب "الأراك". روى الطبراني من حديث أبي خيرة الصنابحي -وله صحبة- حديثا قال فيه: ثم أمر لنا رسول الله ﷺ بأراك فقال: "استاكوا بهذا".
الحواشي
(١) كل ركعتين من صلاة الليل.
قال الولي العراقي: ومقتضاه أنه لو صلى صلاة ذات تسليمات كالضحى والتراويح، يستحب أن يستاك لكل ركعتين، وبه صرح النووي: "ويجزئ بكل خشن ولو بأصبع غيره الخشنة" المتصلة لا المنفصلة، لا بأصبعه، ولو متصلة على الأصح في المنهاج.
"وقد جزم النووي في شرح المذهب ودقائق المنهاج، أنه يجزئ بها قطعا".
"قال" الولي العراقي "في شرح تقريب الأسانيد: وما أدري ما وجه التفرقة بين أصبعه وأصبع غيره، وكونه جزءا منه لا يظهر منه ما يقتضي منعه، بل كونها أصبعه أبلغ في الإزالة" التي هي المقصود بالسواك من أصبع غيره، "لأنه لا يتمكن بها" أي أصبعه "أكثر من تمكن غيره أن يسوكه بأصبعه لا جرم" أي حقا.
"قال النووي في شرح المذهب المختار" عنده من حيث الدليل وإن كان خلاف ما اعتمده في المنهاج "إجزاؤه مطلقا" بأصبع غيره أو بأصبعه، "قال: وبه قطع القاضي حسين والمحاملي في الباب والبغوي واختاره في البحر" للروياني. "انتهى".
"وقد أطبق أصحاب الشافعي" وغيرهم "على استحباب الأراك روى الطبراني والدولابي وأبو أحمد الحاكم "من حديث أبي خيرة"، "بفتح الخاء المعجمة وسكون التحتية فراء فتاء تأنيث"، قال الخطيب: لا أعلم أحدًا سماه وهو العبدي، ثم "الصنابحي"، "بضم الصاد المهملة وفتح النون وكسر الموحدة الخفيفة نسبة إلى صنابح بن كثير بن أقصى بطن من عبد القيس كما في الإصابة والفتح، "وله صحبة حديثا" أوله كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله ﷺ من عبد القيس، وكنا أربعين رجلا نسأله على الدباء والنقير ... الحديث. ثم "قالстр. 4641
وفي مستدرك الحاكم من حديث عائشة في دخول أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر في مرضه ﷺ ومعه سواك من أراك، فأخذته عائشة فطيبته ثم أعطته رسول الله ﷺ فاستن به أسنانه. والحديث في الصحيحين وليس فيه ذكر الأراك. وفي بعض طرقه عند البخاري: ومعه سواك من جريد النخل.
وقد روى أبو نعيم في كتاب السواك، من حديث عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يستاك عرضا، وروى البيهقي أيضا من حديث ربيعة بن أكثم قال: كان رسول الله ﷺ يستاك عرضا. الحديث.
الحواشي
(١) فيه: ثم أمر لنا رسول الله ﷺ بأراك، فقال: "استاكوا بهذا" فقلنا: يا رسول الله عندنا الجريد، ولكن نقبل كرامتك وعطيتك، فقال: "اللهم اغفر لعبد القيس، أسلموا طائعين غير مكرهين، إذ قعد قوم لم يسلموا إلا خزايا موتورين".
"وفي مستدرك الحاكم من حديث عائشة في" قصة "دخول أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر "الصديق "في مرضه ﷺ " الذي توفي فيه "ومعه سواك من أراك، فأخذته عائشة" لما نظر ﷺ إليه، "فطيبته" بمضغة ونفضه، "ثم أعطته رسول الله ﷺ فاستن به"، "بهمزة فمهملة فوقية دلك "أسنانه، والحديث في الصحيحين, وليس فيه ذكر الأراك"، فذكره في رواية الحاكم وهو وهم أو شذوذ.
"وفي بعض طرقه عند البخاري: ومعه سواك من جريد النخل" فصرح بخلاف ما روى الحاكم والحديث واحد، ولفظ البخاري في هذه الطريق، عنها: توفي النبي ﷺ في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري، وكانت إحدانا تعوذه بدعاء إذ مرض، فذهبت أعوذه، فرفع رأسه إلى السماء وقال: "في الرفي الأعلى، في الرفيق الأعلى". ومر عبد الرحمن بن أبي بكر وفي يده جريدة رطبة، فنظر إليه النبي ﷺ ، فظننت أن له حاجة، فأخذتها، فمضغت رأسها ونفضتها، فدفعتها إليه، فاستن بها كأحسن ما كان مستنا، ثم ناولينها، فسقطت يده، أو سقطت من يده فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة.
"وقد روى أبو نعيم في كتاب السواك من حديث عائشة، قالت: كان رسول الله" وفي نسخة: النبي " ﷺ يستاك عرضا" بقية رواية أبي نعيم، ولا يستاك طولا، هذا وفي إسناده عبد الله بن حكيم وهو متروك كما في المقاصد، وعورض بذكر الطول في خبر آخر، وجمع بأنه في اللسان والحلق طولا وفي الأسنان عرضا.
"وروى البيهقي" في السنن "أيضا" وكذا العقيلي "من حديث" سعيد بن المسيب عن "ربيعة بن أكثم"، "بمثلثة" الخزاعي "قال: كان رسول الله ﷺ يستاك عرضا الحديث" بقيتهстр. 4642
قال أصحابنا: والمرد بقوله: "عرضا" عرض الأسنان في طول الفم.
وهل الأولى أن يباشر المستاك بيمينه أو شماله؟ قال بعضهم بيمينه، لحديث: كان يعجبه التيمن في ترجله وتنعله وطهوره وسواكه.
وبناه بعضهم على أنه هل هو من باب التطهير والتطييب، أو من باب إزالة القاذورات. فإن قلنا بالأول استحب أن يكون باليمين، وإن قلنا بالثاني فبشماله لحديث عائشة: كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، واليسرى لخلائه وما كان من أذى. رواه أبو داود بإسناد صحيح.
قال في شرح تقريب الأسانيد: وما استدل به على أنه يستحب باليمين ليس فيه دلالة، فإن المراد منه بالشق الأيمن في الترجل، والبداءة بلبس النعل، والبداءة بالأعضاء اليمنى في التطهير، والبداءة بالجانب الأيمن في الاستياك، وأما كونه يفعل
الحواشي
(١) ويشرب مصا ويتنفس ثلاثا، ويقول: "هو أمنا وأمرأ وأبرأ"، قال في الإصابة: إسناده إلى ابن المسيب ضعيف.
وقال ابن السكن: لم يثبت حديثه، وفي المقاصد سنده ضعيف جدا، بل قال ابن عبد البر: ربيعة. قتل بخيبر، فلم يدركه سعيد، وقد رواه البيهقي والبغوي والعقيلي وابن عدي وابن منده وابن قانع والطبراني من حديث ثبيت بن كثير، وهو ضعيف، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن بهز بدل ربيعة.
قال ابن عبد البر في التمهيد: ولا يصحان من جهة الإسناد.
"قال أصحابنا: والمراد بقوله عرضا عرض الأسنان" ظاهرا وباطنا كما قال بعضهم "في طول الفم وهل الأولى أن يباشر المستاك بيمينه أو شماله؟ قال بعضهم: بيمينه لحديث: كان" ﷺ "يعجبه التيمن في ترجله" تسريح شعره "وتنعله" لبس نعله، "وطهوره" وضوئه وغسله، فيبدأ بالعضو الأيمن من اليدين والرجلين، والشق الأيمن في الغسل، "وسواكه" فيسوك الجهة اليمنى قبل اليسرى، "وبناه بعضهم على أنه هل هو من باب التطهير والتطييب، أو من باب إزالة القاذورات، فإن قلنا بالأول استحب أن يكون باليمين، وإن قلنا بالثاني، فبشماله لحديث عائشة: كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، واليسرى لخلائه"، "بالمد"، "وما كان من أذى، رواه أبو داود بإسناد صحيح".
"قال" الولي بن العراقي "في شرح تقريب الأسانيد وما استدل به" من حديث كان يعجبه التيمن "على أنه يستحب باليمين ليس فيه دلالة، فإن المراد منه بالشق الأيمن في الترجل" أي يسرحه قبل الأيسر "والبداءة بلبس النعل" للرجل اليمنى قبل اليسرى، "والبداءةстр. 4643
ذلك بيمينه فيحتاج إلى نقل، والظاهر أنه من باب إزالة الأذى كالامتخاط ونحوه فيكون باليسرى. وقد صرح بذلك أبو العباس القرطبي فقال في "المفهم" حكاية عن مالك: أنه لا يتسوك في المساجد لأنه من باب إزالة القذر والله أعلم.
وأما مقدار ما كان ﵊ يتوضأ ويغتسل به من الماء:
فعن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد، وفي رواية: كان يغتسل بخمس مكاكيك ويتوضأ بمكوك.
الحواشي
(١) بأعضاء" الجهة "اليمنى في التطهير" فيغسل اليد اليمنى، والرجل اليمنى قبل اليسرى فيهما، وشق جسده الأيمن قبل الأيسر في الغسل، "والبداءة بالجانب الأيمن" من الفم "في الاستياك، وأما كونه يفعل ذلك بيمينه، فيحتاج إلى نقل" إذ لا تعرض فيه لليد التي كانت يفعل بها، لكنه الظاهر منه لا سيما مع قوله في الحديث وفي شأنه كله، ولذا اعتمد الشافعية والمالكية أنه باليد اليمنى خلافا لقوله: "والظاهر أنه من باب إزالة الأذى كالامتخاط ونحوه، فيكون باليسرى".
"وقد صرح بذلك أبو العباس القرطبي فقال في المفهم" في شرح مسلم "حكاية عن مالك" الإمام "أنه لا يتسوك في المساجد، لأنه من باب إزالة القذر،" لكن لا دلالة فيه على التسوك بالشمال، إذ لا يلزم من كراهة مالك السواك بالمساجد لئلا تتقذر بالخارج من الفم بالسواك وإن كان طاهرا، كون التسوك نفسه بالشمال، بل باليمين إكراما للفم، كإدخال الأكل وإن كان ذا رائحة كريهة كثوم، "والله أعلم" بالحكم فيه.
"وأما مقدار ما كان ﵊ يتوضأ ويغتسل به من الماء، فعن أنس ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يغتسل بالصاع" لفظ مسلم.
وفي البخاري: كان يغسل جسده، أو كان غتسل بالصاع، قال الحافظ: الشك من البخاري أو من شيخه أبي نعيم لما حدثه به، فقد رواه الإسماعيلي من طريق أبي نعيم، فقال: كان يغتسل، ولم يشك، ثم إنه ربما اقتصر على الصاع، وهو أربعة أمداد، وربما زاد "إلى خمسة أمداد" فكأن أنسا لم يطلع على أنه اغتسل بأكثر، لأنه جعلها النهاية، وفي مسلم عن عائشة، أنها كانت تغتسل والنبي ﷺ من إناء واحد، وهو الفرق.
قال ابن عيينة والشافعي وغيرهما: هو ثلاثة آصع، وفي مسلم أيضا، عنها: كان ﷺ يغتسل من إناء يسع ثلاثة أمداد، فهذا يدل على اختلاف الحال في ذلك بقدر الحاجة، "ويتوضأ بالمد" وهو إناء يسع رطلا وثلثا بالبغدادي، قاله جمهور العلماء، وقال بعض الحنفية: رطلين.
"وفي رواية" عن أنس "كان" ﷺ "يغتسل بخمس مكاكيك"، "بميم فكاف فألف فكافينстр. 4644
رواه البخاري ومسلم وأبو داود وعنده:
يتوضأ بإناء يسع رطلين ويغتسل بالصاع. ورواه الترمذي وعنده أيضا:
أنه ﷺ قال: يجزئ في الوضوء رطلان من ماء.
وعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد رواه أبو داود.
وعن ابن عباس ﵄، أنه ﷺ وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد.
والصاع: خمسة أرطال وثلث، برطل بغداد، وهو على ما قاله النووي مائة
الحواشي
(١) بينهما تحتية ساكنة جمع مكوك "ويتوضأ بمكوك"، "بفتح الميم وتشديد الكاف المضمومة وسكون الواو آخره كاف مجرور بالباء" أي مد كما تفسره الرواية قبله، "رواه البخاري ومسلم وأبو داود وعنده: يتوضأ بإناء يسع رطلين،" فقوله: أولا يتوضأ بالمد أغلبي، إذ الرطلان أزيد من المد عند الجمهور، "ويغتسل بالصاع".
"ورواه الترمذي وعنده أيضا؛ أنه ﷺ قال: يجزئ"، "بضم أوله، أي يكفي"، "في الوضوء رطلان من ماء" أي فأقل بدليل فعله، "وعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد" بضم الميم "رواه أبو داود".
وفي مسلم عن سفينة مثله، ولأحمد بإسناد صحيح عن جابر مثله، وفي الباب عن أم سلمة وابن عباس وابن عمر وغيرهم، وهو أكثر ما جاء عن الصحابة في تقدير وضوئه وغسله ﷺ .
وروى أبو يعلى والطبراني بإسناد ضعيف، عن أبي أمامة أنه ﷺ توضأ بنصف مد.
وروى ابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن عبد الله بن زيد أنه رآه ﷺ توضأ بثلث مد، فجعل يدلك ذراعيه، ودلك أذنيه، يعني حين مسحهما وثلث بالإفراد، ولأبي داود عن أم عمارة أنه ﷺ توضأ بثلثي مد بالتثنية وجمع بين هذه الروايات بأنها كانت اغتسالات ووضوءات في أحوال وجد فيها أكثر ما استعمله وأقله، فليس المراد التحديد بالصاع والمد خلافا لمن حدد بهما، كابن شعبان من المالكية وبعض الحنفية، وهو أيضا في حق من يكون خلقه معتدلا.
"و" في البخاري والترمذي وابن ماجه، "عن ابن عباس ﵄ أنه ﷺ وميمونة" أم المؤمنين "كانا يغتسلان من إناء واحد" من الجنابة، ورواه مسلم عن ابن عباس، قال: أخبرتني ميمونة أنها كانت تغتسل هي والنبي ﷺ من إناء واحد، لكن قال البخاري: كان ابن عيينة يقول أخيرا عن ابن عباس، عن ميمونة، والصحيح ما رواه أبو نعيم، يعني شيخهстр. 4645
وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم.
وحذر ﷺ أمته من الإسراف فيه. ومر بسعد وهو يتوضأ، فقال: "ما هذا الإسراف يا سعد"؟. قال: أفي الوضوء سرف؟ قال: "نعم، وإن كانت على نهر جار". رواه أحمد بإسناد لين، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي.
وقال ﷺ : "إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان، فاتقوا وسواس الماء". رواه الترمذي من حديث أبي بن كعب.
الحواشي
(١) الفضل أنه من مسند ابن عباس لا من مسند ميمونة، "والصاع خمسة أرطال وثلث برطل بغداد، وهو على ما قاله النووي مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم،" وقيل: ثمانية أرطال، وقيل: أربعة، وحذر ﷺ أمته من الإسراف فيه، ومر بسعد وهو يتوضأ، فقال: "ما هذ الإسراف يا سعد؟ ". قال" مستفهما: "أفي الوضوء سرف؟ قال: "نعم. وإن كنت على نهر جار".
"رواه أحمد" وابن ماجه "بإسناد لين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي" السهمي، "وقال ﷺ : "إن للوضوء شيطانا يقال له: الولهان"، "بفتح الواو وسكون الواو" وهو في الأصل وصف معناه المتحير من شدة العشق، سمي به هذا الشيطان لإغوائه الناس في التحير في الوضوء حتى لا يعلموا هل مس الماء العضو أم لا؟ وكم غسل مرة أو أكثر؟ ونحو ذلك من الشكوك والأوهام "فاتقوا وسوا الماء" أي احذروا وسوسة الولهان، فوضع الماء موضع ضميره مبالغة في كمال وسواسه في شأن الماء وإيقاع الناس في التحير، والوسواس "بالفتح اسم من وسوست إليه نفسه": إذا حدثته "وبالكسر اسم مصدر"، ويقال لما يخطر بالقلب ولما لا خير فيه وسواس.
قال في النصائح: الوسوسة من آفات الطهارة، وأصلها جهل بالسنة أو خبال في العقل، ومتبعها متكبر مدل بنفسه، سيئ الظن بعبادة الله، معتمد على عمله، معجب به وبقوته، وعلاجها بالتلهي عنها والإكثار من سبحان الملك الخلاق، ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ .
قال الحكيم الترمذي: أما القلوب التي ولجها عظمة الله وجلاله فهامت واستقرت، فقد انتفى عنهم وسواس عدوهم، ومن هنا أنب ﷺ الوسوسة، فقال: "هكذا خرجت عظمة الله من قلوب بني إسرائيل حتى شهدت أبدانهم وغابت قلوبهم". ثم روى حديثا أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إني أدخل في صلاتي، فلا أدري أعلى شفع أم على وتر من وسوسة أجدها في صدري، فقال ﷺ : "إن وجدت ذلك فاطعن بأصبعك هذه، يعني السبابة في فخذك اليسرى، وقل: بسم الله، فإنها سكين الشيطان أو مدية الشيطان". "رواه الترمذي من حديث أبي بن كعب" وقال غريب: ليس إسناده بالقوي لا نعلم أحدًا أسنده غير خارجة بن مصعب. انتهى.
وخارجة ضعيف جدا، كما قال الحافظ وغيره، وأخرجه ابن خزيمة والحاكم في صحيحيهما من طريق خارجة، وتعجب من ذلك ابن سيد الناس، فقال: لا أدري كيف دخل هذا في الصحيح, والله أعلم.стр. 4646
الفصل الثاني: في وضوئه ﷺ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا
عن ابن عباس قال: توضأ رسول الله ﷺ مرة مرة. رواه البخاري وأبو داود وغيرهما. وهو بيان لمجمل قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] إذ الأمر يفيد طلب إيجاد الحقيقة ولا يتعين بعدد، فبين الشارع أن المرة الواحدة للإيجاب، وما زاد على ذلك للاستحباب.
الحواشي
(١) الفصل الثاني: في وضوئه ﷺ
"مرة مرة" لكل عضو من أعضاء الوضوء، "ومرتين مرتين" كذلك، "وثلاثا ثلاثا" كذلك، "عن ابن عباس، قال: توضأ رسول الله ﷺ " فغسل كل عضو من أعضاء الوضوء "مرة مرة"، "بنصبهما على المفعول المطلق المبين للكمية" أو على الظرفية، أي: توضأ في زمان واحد، لأن كل غسلة واقعة في زمان واحد، فلو تعدد الغسل لتعدد الزمن أو على الصدر، أي توضأ مرة من التوضؤ، أي غسل الأعضاء غسلة واحدة.
"رواه البخاري وأبو داود وغيرهما" كالنسائي وابن خزيمة، وهو مجمل جاء بيانه في رواية أخرى عند البخاري والنسائي وأبي داود والنسائي، وأبي داود عن ابن عباس: أتحبون أن أريكم كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فدعا بإناء فيه ماء، فأخذ غرفة من ماء، فمضمض بها واستنشق، ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها، هكذا أضافها إلى يده الأخرى، فغسل بها وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء، فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء، فغسل بها يده اليسرى، ثم قبض قبضة من الماء، ثم نفض يده، ثم مسح رأسه، زاد النسائي: وأذنيه مرة واحدة، ثم أخذ غرفة من ماء فرش على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى، فغسل بها رجله، يعني اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، "وهو بيان لمجمل" الأمر في "قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ إذ الأمر يفيد طلب إيجاد الحقيقة، ولا يتعين بعدد، فبين الشارع" بفعله "أن المرة الواحدة للإيجاب وما زاد على ذلك للاستحباب" إذстр. 4647
وأما حديث أبي بن كعب أنه ﷺ دعا بماء فتوضأ مرة مرة وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به". ففيه بيان بالقول والفعل معا، لكنه حديث ضعيف أخرجه ابن ماجه، وله طرق أخرى كلها ضعيفة، كما قاله في فتح الباري.
وعن عبد الله بن زيد أن رسول الله ﷺ توضأ مرتين مرتين وقال: "هو نور على نور". ذكره رزين.
وعن عثمان ﵁ أن رسول الله ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثا. رواه أحمد ومسلم عنه.
أن رسول الله ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثا وقال: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من
الحواشي
(١) هو المبين لمراد الله تعالى.
"وأما حديث أبي بن كعب، أنه ﷺ دعا بماء فتوضأ مرة مرة، وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به". ففيه بيان القول والفعل معا، لكنه حديث ضعيف، أخرجه ابن ماجه وله طرق أخرى كلها ضعيفة، كما قاله في فتح الباري" ومن تلك الطرق ما رواه الطيالسي وأحمد وأبو يعلى وابن ماجه، عن ابن عمر، أنه ﷺ توضأ مرة مرة، وقال: "هذه وظيفة الوضوء الذي لا تحل الصلاة إلا به", ثم توضأ مرتين مرتين، فقال: "هذا وضوء من أراد أن يضعف له الأجر مرتين"، ثم توضأ ثلاثا ثلاثا، وقال: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي".
"وعن عبد الله بن زيد" بن عاصم بن كعب الأنصاري، المازني، شهد أحدا وما بعدها، واختلف في شهوده بدرا، له عدة أحاديث، استشهد يوم الحرة سنة ثلاث وستين، وهو غير صاحب رؤيا الأذان، وغلط البخاري وغيره من زعم أنه هو واستم جد رائي الأذان عبد ربه، "أن رسول الله ﷺ توضأ مرتين مرتين"، "بالنصب فيهما على المفعول المطلق، أو الظرف، أو المصدر السابق"، "وقال: "هو نور على نور". ذكره رزين" بن معاوية الأندلسي، وإنما نسبه له لزيادة، وقال: هو نور ... إلخ، وهي ضعيفة، وإلا فالحديث في البخاري عن عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين، وفي أبي داود والترمذي وصححه وابن حبان عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ توضأ مرتين، مرتين، "عن عثمان ﵁ أن رسول الله ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثا" لكل عضو "رواه أحمد ومسلم" هكذا مختصرا، أن عثمان قال: ألا أريكم وضوء رسول الله ﷺ ثم توضأ ثلاثا ثلاثا، زاد في رواية لمسلم وعنده رجال من الصحابة، أي فلم يخالفوه، وعند البيهقي: أن عثمان توضأ ثلاثا ثلاثا، ثم قال لأصحاب رسول الله ﷺ : هل رأيتم رسول الله ﷺ فعل هكذا؟ قالوا: نعم.стр. 4648
قبلي ووضوء إبراهيم". ذكره رزين، وضعفه النووي في شرح مسلم كما حكاه في مشكاة المصابيح.
ولم يأت في شيء من الأحاديث المرفوعة في صفة وضوئه ﷺ أنه زاد على الثلاث، بل ورد عنه ذم من زاد عليها فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثا، ثم قال: "من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم" رواه أبو داود وإسناده جيد، لكن عده مسلم في جملة ما أنكروه على عمرو بن شعيب، لأن ظاهره ذم النقص عن الثلاثة.
وأجيب: بأمر نسبي، والإساءة تتعلق بالنقص والظلم بالزيادة عن الثلاث وقيل: فيه حذف تقديره: من نقص من واحدة، ويؤيده ما رواه أبو نعيم بن حمد من طريق المطلب بن حنطب مرفوعا: "الوضوء مرة ومرتين وثلاثا، فإن نقص من
الحواشي
(١) "وعنه" أي عثمان: "أن رسول الله ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثا، وقال: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي، ووضوء إبراهيم"، "عطف خاص على عام لشرفه"، "ذكره رزين"، "بفتح الراء وكسر الزاي" ابن معاوية في كتابه المسمى تجريد الصحاح، "وضعفه النووي في شرح مسلم كما حكاه في مشكاة المصابيح" أي ضعف زيادة، وقال: هذا وضوئي ... إلخ، "ولم يأت" كما أشار إليه البخاري بقوله: ولم يزد على الثلاث.
قال الحافظ: أي لم يأت "في شيء من الأحاديث المرفوعة في صفة وضوئه ﷺ أنه زاد على الثلاث، بل ورد عنه ذم من زاد عليها فعن عمرو" بفتح العين "ابن شعيب" بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاصي "عن أبيه" شعيب ثبت سماعه "عن جده" عبد الله الصحابي فضمير جده لشعيب أو لابنه عمرو ويحمل على الجد الأعلى فالحديث متصل على الصحيح: "أن النبي ﷺ توضأ ثلاثا ثم قال: من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم رواه أبو داود وإسناده جيد" أي مقبول "لكن عده مسلم في جملة ما أنكروه على عمرو بن شعيب لأن ظاهره ذم النقص عن الثلاثة" والنقص عنها جائز وفعله المصطفى فكيف يعبر عنه بأساء وظلم "وأجيب بأمر نسبي والإساءة تتعلق بالنقص" أي أساء من نقص عن الثلاث بالنسبة لمن علا لا حقيقة الإساءة "والظلم بالزيادة عن الثلاث" لفعله مكروها أو حراما "وقيل: فيه حذف تقديره من نقص" شيئا "من" غسله "واحدة" بأن ترك لمعة في الوضوء مرة، "ويؤيده ما رواه نعيم" بضم النون "ابن حماد" بن معاوية بن الحارث الخزاعي أبو عبد الله المروزي نزيل مصر صدوق فقيه عارف بالفرائض مات سنة ثمان وعشرين ومائتين على الصحيح، "من طريق المطلب" بشد الطاء ابن عبد الله بن المطلب "بن حنطب" بن الحارث المخزومي صدوق كثيرстр. 4649
واحدة أو زاد على ثلاثة فقد أخطأ"، وهو مرسل رجاله ثقات.
وأجيب عن الحديث أيضا: بأن الرواة لم يتفقوا على ذكر النقص فيه، بل أكثرهم يقتصر على قوله: فمن زاد. فقط، كذا رواه ابن خزيمة في صحيحه وغيره.
قال الشافعي: لا أحب أن يزيد المتوضئ على ثلاث، فإن زاد لم أكرهه، أي لم أحرمه، لأن قوله: لا أحب، يقتضي الكراهة وهذا هو الأصح عند الشافعية أنه يكره كراهة تنزيه.
وحكى الدارمي من الشافعية عن قوم أن الزيادة على الثلاث تبطل الوضوء، كالزيادة في الصلاة، وهو قياس فاسد.
وقال أحمد وإسحاق وغيرهما: لا تجوز الزيادة على الثلاث.
وقال ابن المبارك: لا آمن أن يأثم.
الحواشي
(١) التدليس والإرسال فنسبه إلى جده حنطب بسكون النون ووقع ليحيى الأندلسي في الموطأ تسميته حويطب وغلطوه "مرفوعا: "الوضوء مرة ومرتين وثلاثا" أي كل منها جائز "فإن نقص من واحدة أو زاد على ثلاثة فقد أخطأ وهو مرسل" لأن المطلب تابعي صغير "رجاله ثقات" ففيه بيان ما أجمل في حديث عمرو بن شعيب "وأجيب عن الحديث أيضا" أي حديث عمرو: "بأن الرواة لم يتفقوا على ذكر النقص فيه بل أكثرهم يقتصر على قوله فمن زاد فقط كذا رواه ابن خزيمة في صحيحه وغيره" ومن الغرائب ما حكاه أبو حامد الإسفراييني من بعض العلماء أنه لا يجوز النقص من الثلاث كأنه تمسك بظاهر الحديث المذكور وهو محجوب بالإجماع، وأما قول مالك في المدونة لا أحب الواحدة إلا من العالم فليس فيه إيجاب زيادة عليها قاله الحافظ.
"قال الشافعي: لا أحب أن يزيد المتوضئ على ثلاث فإن زادكم لم أكرهه أي لم أحرمه لأن قوله لا أحب يقتضي الكراهة وهذا هو الأصح عند الشافعية أنه يكره" الزيادة على الثلاث "كراهة تنزيه" وقيل يحرم، والقولان مشهوران على حد سواء عند المالكية، "وحكى الدارمي من الشافعية عن قوم أن الزيادة على الثلاث تبطل الوضوء كالزيادة في الصلاة وهو قياس فاسد" لأن الصلاة كلها شيء واحد تفسد بدخول ما ليس منها فيها فبطلت بالزيادة، بخلاف الوضوء فكل واحد من أفعاله مستقل ولو فعل معه أجنبيا عنه لم يبطل كأكل وشرب وكلام "وقال أحمد وإسحاق وغيرهما: لا تجوز الزيادة على الثلاث" وقال بعض الحنفية: إن اعتقد أن الزيادة سنة أخطأ ودخل في الوعيد وإلا فلا ولا سيما إذا قصد القربة لحديث: "الوضوءстр. 4650
ويلزم من القول بتحريم الزيادة على الثلاث أو كراهتها أنه لا يندب تجديد الوضوء على الإطلاق.
الحواشي
(١) على الوضوء نور على نور". وهو حديث ضعيف، "وقال ابن المبارك: لا آمن أن يأثم" من زاد على الثلاث "ويلزم من القول بتحريم الزيادة على الثلاث أو كراهتها أنه لا يندب تجديد الوضوء على الإطلاق" أي بلا قيد بل إنما يندب إن صلى بالأول فرضا أو نفلا أو فعل به فعلا يتوقف عليه كمس المصحف وسجدة تلاوة وقيل: الفرض فقط وقيل: غير ذلك.стр. 4651
الفصل الثالث: في صفة وضوئه ﷺ
عن عثمان بن عفان ﵁ أنه دعا بإناء فأفرغ على يديه ثلاث مرات فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثا ويديه ثلاثا إلى المرفقين، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرات إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث
الحواشي
(١) الفصل الثالث: في صفة وضوئه ﷺ
"عن عثمان بن عفان ﵁ أنه دعا بإناء" فيه ماء.
وفي روية: دعا بوضوء "بفتح الواو" اسم للماء المعد للوضوء، "بالضم الذي هو الفعل، "فأفرغ" بفاء التعقيب، أي صب "على يديه" وفي رواية: على كفيه "ثلاث مرات"، "بفوقية آخره"، وفي رواية مرار "فغسلهما" قبل إدخالهما في الإناء، وهذا يحتمل أنه غسلهما مجموعتين، وهو أفضل عند الشافعية أو مفترقتين، وهو الأفضل عند المالكية، وفيه غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء وإن لم يكن عقب نوم احتياطا "ثم أدخل يمينه في الإناء" وأخذ منه الماء وأدخله في فيه "فمضمض" بأن أدار الماء فيه.
وفي رواية: فتمضمض "بتاء بعد الفاء" واستنشق" بأن أدخل الماء في أنفه، وفي رواية: بدله، واستنثر "بفوقية فمثلثة بينهما نون ساكنة"، أي أخرج الماء من أنفه بعد الاستنشاق وثبتت الثلاثة في رواية للبخاري، وعند أبي داود وابن المنذر: فتمضمض ثلاثا، واستنثر ثلاثا واتفقت الروايات على تقديم المضمضة "ثم غسل وجهه" غسلا "ثلاثا و" غسل "يديه" لك واحدة "ثلاثا إلى" أي مع "الموفقين".
وفي رواية: ثلاث مرار، "ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرات" لكل رجل، "إلى" أي مع "الكعبين ثم قال" عثمان: زاد في رواية للبخاري: رأيت النبي ﷺ يتوضأ نحوстр. 4652
فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه". رواه البخاري.
الحواشي
(١) وضوئي هذا، و"قال رسول الله ﷺ : "من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه" بشيء من الدنيا، كما زاده الحكيم الترمذي في روايته لهذا الحديث، وفي مسند أحمد والأوسط للطبراني: "لا يحدث نفسه فيهما إلا بخير". فلا يضر حديث نفسه بمعاني ما يتلوه من القرآن أو غيره، أو بأمور الآخرة، كما قرره العز بن عبد السلام وغيره.
قال القاضي عياض: أي بحديث يجتلبه، لأنه أضافه إليه، فهو من كسبه، فلا تؤثر الخطرات التي لا يقدر على دفعها، وقال بعضهم: المراد من لم يحصل له حديث النفس أصلا ورأسا. انتهى.
قال الحافظ: ويشهد له ما أخرجه ابن المبارك في الزهد، بلفظ: "لم يسر فيهما". ورده النووي وقال: الصواب حصول هذه الفضيلة مع طيران الحوادث العارضة غير المستقرة، نعم من لم يحصل له حديث النفس أصلا أعلى درجة بلا ريب. ا. هـ.
وقال ابن دقيق العيد: يصح أن يحمل على النوعين، لأن الحديث ليس في التكليف حتى يرفع فيه العسر، وإنما فيه ترتيب ثواب مخصوص على علم مخصوص فمن حصل له ذلك العمل، حصل له ذلك الثواب، وغير بعيد أن يحصل ذلك لمن تجرد عن شواغل الدنيا وعمر قلبه بذكر الله تعالى، وقد ذكر ذلك عن بعضهم. انتهى.
وروي عن سعيد: ما قمت في صلاة فحدثت نفسي فيها بغيرها، قال الزهري: رحم الله سعدا إنه كان لمأمونا على هذا ما ظننت أن يكون هذا إلا في نبي "غفر له ما تقدم من ذنبه" قال الحافظ: ظاهره يعم الكبائر والصغائر، لكن خصه العلماء بالصغائر، لوروده مقيدا بالصغائر في غير هذه الرواية، وهو في حق من له كبائر وصغائر، فمن ليس له إلا صغائر كفرت عنه، ومن ليس له إلا كبائر خفف عنه بمقدار ما لصاحب الصغائر، ومن ليس له صغائر ولا كبائر زاد في حسناته بنظير ذلك.
"رواه البخاري" ومسلم وغيرهما من طرق تدور على ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن حمران، عن عثمان، ووقع في مسند ابن أبي شيبة ومصنفه معا من وجه آخر، إسناد صحيح عن حمران عن عثمان زيادة وما تأخر.
قال الحافظ: وأصل الحديث في الصحيحين من أوجه ليس في شيء منها زيادة ما تأخر، وأخرجه أيضا الحافظ أبو بكر أحمد بن علي سعيد المروزي، شيخ النسائي في مسند عثمان، له قال: ووقع للبخاري في الرقاق في آخر هذا الحديث، قال النبي ﷺ : "لا تغتروا". أي فتستكثرا من الأعمال السيئة بناء على أن الصلاة تكفرها، فإن الصلاة التي تكفر الخطايا هي التيстр. 4653
وقد استدل بعضهم بقوله: "ثم أدخل يمينه" على عدم اشتراط نية الاعتراف, ولا دلالة فيه نفيا ولا إثباتا، وأما اشتراط نية الاغتراف فليس في هذا الحديث ما يثبتها ولا ما ينفيها. قال الغزالي: مجرد الاغتراف لا يصير الماء مستعملا، لأن الاستعمال إنما يقع في المغترف منه. وبهذا قطع البغوي.
وقد ذكروا في حكمة تأخير غسل الوجه، أنه لاعتبار أوصاف الماء، لأن اللون يدرك بالبصر، والطعم بالفم، والريح بالأنف. فقدمت المضمضة والاستنشاق قبل الوجه، وهو مفروض احتياطا للعبادة.
وقال النووي في قوله: "نحو وضوئي", هذا إنما لم يقل: مثل؛ لأن حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره.
لكن تعقبه في "فتح الباري" بأنه ثبت التعبير بها في رواية البخاري في الرقاق من طريق معاذ بن عبد الرحمن عن حمران عن عثمان ولفظه: "من توضأ مثل
الحواشي
(١) يقبلها الله، وأنى للعبد بالاطلاع على ذلك.
"وقد استدل بعضهم بقوله: ثم أدخل يمينه على عدم اشتراط نية الاغتراف، ولا دلالة فيه نفيا ولا إثباتا" لأن النية أمر قلبي لا يطلع عليه، وقوله: "وإما اشتراط نية الاغتراف فليس في هذا الحديث ما يثبتها، ولا ما ينفيها" تكرار محض، إذ هو مدلول ما قبله.
"قال الغزالي: مجرد الاغتراف لا يصير الماء مستعملا، لأن الاستعمال إنما يقع في المغترف منه" أما ما أخذه في يده فطهور يرفع الحدث عن اليد التي أخذ بها، "وبهذا قطع البغوي، وقد ذكروا في حكمة تأخير غسل الوجه أنه لاعتبار أوصاف الماء، لأن اللون يدرك بالبصر، والطعم بالفم، والريح بالأنف، فقدمت المضمضة والاستنشاق", وهما مسنونان "قبل الوجه، وهو مفروض احتياطا للعبادة" وحكمة الاستنثار تنظيف ما بداخل الأنف إعانة على القراءة، لأن تنقية مجرى النفس تصحح مخارج الحروف.
"وقال النووي في قوله: نحو وضوئي هذا: إنما لم يقل: مثل، لأن حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره، لكن تعقبه في فتح الباري بأنه ثبت التعبير بها في رواية البخاري في الرقاق"، "بكسر الراء وقافين" جمع رقيق وهو الذي فيه رقة وهي الرحمة ضد الغلظة.
قال الكرماني: أي كتاب الكلمات المرققة للقلوب، ويال لكثير الحياء رق وجهه.
وفي رواية النسفي عن البخاري كتاب الرقائق، والمعنى واحد "من طريق معاذ بن عبد الرحمن" بن عثمان بن عبيد الله القرشي التيمي، ذكره ابن سعد وابن حبان في ثقات التابعينстр. 4654
هذا الوضوء". وفي الصيام من رواية معمر: "من توضأ وضوئي هذا". ولمسلم من طريق زيد بن أسلم عن حمران: "من توضأ مثل وضوئي هذا". قال: وعلى هذا فالتعبير بنحو من تصرف الرواة، لأنها تطلق على المثلية مجازا، ولأن "مثل" وإن كانت تقتضي المساواة ظاهر، لكنها تطلق على الغالب، فبهذا تلتئم الروايتان، ويكون المتروك بحيث لا يخل بالمقصود. انتهى.
الحواشي
(١) وأبوه صحابي، وذكره ابن السكن في ترجمة والده، وقال لهما صحبة، وذكره ابن فتحون في الصحابة، ونسبه لخليفة، وقال البخاري: وسمع أبان، وروى الزهري عنه: يعد في أهل الحجاز، وقال بعضهم: سمع معاذ عمر بن الخطاب ولا يصح، وكذا قال أبو حاتم: لا يصح سماعه من عمر.
قال الحافظ: فإذا لم يسمع من عمر، فكيف يدرك العصر النبوي، وحديثه في الصحيحين والنسائي "عن حمران" بضم المهملة ابن أبان مولى عثمان اشتراه زمن أبي بكر الصديق، ثقة من رجال الجميع، مات سنة خمس وسبعين، وقيل: غير ذلك.
"عن عثمان ولفظه": "من توضأ مثل هذا الوضوء". وفي" كتاب "الصيام" من البخاري "من رواية معمر" عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن حمران: "من توضأ وضوئي هذا". ولمسلم من طريق زيد بن أسلم عن حمران: "من توضأ مثل وضوئي هذا".
"قال" الحافظ: "وعلى هذا، فالتعبير بنحو من تصرف الرواة" أي الرواية بالمعنى، "لأنها" أي لفظة نحو "تطلق على المثلية مجازا" والحامل لهم على ذلك أن المثل ليس هنا عبارة عن المساواة من كل وجه لتعذره، إذ هو كما قال الأبي المساوي لمثله في جميع صفات المثل، ولا يقدر على مثل وضوئه غيره، فلفظ نحو يقتضي المقاربة دون المماثلة من كل وجه، فالثواب يترتب في ذلك على المقاربة لا على المماثلة لتعذرها، وذلك مما تقتضيه الشريعة السمحة من التوسعة وعدم التضييق. انتهى.
"ولأن مثل وإن كانت تقتضي المساواة ظاهر، لكنها تطلق على الغالب" أي تطلق على ما إذا اشترك شيئان في أمر، وكان في أحدهما أكثر، وفي الآخر مستغرقا لجميع أجزائه، فيجوز إطلاق المثل على ما غلب فيه ذلك المعنى وإن لم يساو الآخر، "فبهذا تلتئم الروايتان" أي رواية: نحو, ورواية: مثل, أما رواية: "من توضأ وضوئي"، فلا منافاة بينها وبين واحدة من الروايتين، فلم تظهر نسخة الروايات بالجمع على أن الذي في الفتح الروايتان "بالتثنية"، "ويكون المتروك" مما تحصل به المماثلة "بحيث لا يخل بالمقصود" إذ لو أخل به لم يكن شيئا. "انتهى" كلام الحافظ.стр. 4655
وعن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري، أنه قيل له: توضأ لنا وضوء رسول الله ﷺ فدعا بإناء، فدعا بماء فأكفأ على يديه فغسلهما ثلاثا، ثم أدخل يده
الحواشي
(١) قال المصنف: نعم علمه ﵇ بحقائق الأشياء وخفيات الأمور لا يعلمها غيره، وحينئذ يكون قوله: مثل بمقتضى الظاهر.
قال البرماوي في شرح العمدة، وإنما حمل نحو على معنى مثل مجازا، أو على جل المقصود، لأن الكيفية المترتب عليها ثواب معين باختلال شيء منها، يختل الثواب بخلاف ما يفعل لامتثال الأمر مثل فعله ﷺ ، فيكتفي فيه بأصل فعل الصادق عليه الأمر.
"وعن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري أنه قيل له:" اختلف رواة الموطأ في تعيينه، فأكثرهم قال: إن رجلا قال لعبد الله بن زيد بإبهام القائل، وبعضهم قال: إن يحيى بن عمارة المازني قال لعبد الله بن زيد. وبعضهم قال: عن عمرو، عن أبيه يحيى بن عمارة أنه سمع جده أبا حسن يسأل عبد الله بن زيد، وللبخاري من طريق وهيب، عن عمرو، عن أبيه شهدت عمرو بن أبي حسن، سأل عبد الله بن زيد، وجمع الحافظ بأنه اجتمع عند ابن زيد أبو حسن الأنصاري وابنه عمرو وابن ابنه يحيى بن عمارة بن أبي حسن، فسألوه عن صفة الوضوء، وتولى السؤال منهم عمرو بن أبي حسن، فنسبته له حقيقة، وإلى أبي حسن مجاز، لأنه الأكبر وكان حاضرا، وكذا نسبته ليحيى بن عمارة مجازا لأنه ناقل الحديث، وحضر السؤال.
ويؤيده رواية الإسماعيلي، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، قال: قلنا لعبد الله. فإنه يشعر بأنهم اتفقوا على سؤاله، لكن تولاه عمرو بن أبي حسن، ويزيد ذلك وضوحا رواية أبي نعيم عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عمه عمرو بن أبي حسن، قال: كنت كثير الوضوء فقلت لعبد الله بن زيد: "توضأ لنا وضوء رسول الله ﷺ " أي وضوءا مثل وضوئه، "لأن الإرادة بالفعل أبلغ في التعليم، أو أطلق عليه وضوءه مبالغة، "فدعا بإناء" وللبخاري: فدعا بتور من ماء "بفوقية مفتوحة" الطست، أو يشبهه، أو مثل القدر من صفر أو حجارة، وللبخاري رواية في أول هذا الحديث: أتانا رسول الله ﷺ ، فأخرجنا له ماء في تور من صفر، "بضم المهملة، وقد تكسر" صنف من جيد النحاس، قيل: سمي بذلك لأنه يشبه الذهب، ويسمى أيضا الشبه "بفتح المعجمة والموحدة".
قال الحافظ: والتور المذكور هو الذي توضأ منه عبد الله بن زيد حين سئل، فيكون أبلغ في حكاية صورة الحال على وجهها، ولفظ رواية مالك: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ فقال عبد الله بن زيد: نعم. "فدعا بماء فأكفأ"، "بهمزتين" وفي رواية للبخاري: فكفأ "بفتح الكاف" وهما لغتان بمعنى: والمراد أفرغ الماء منه، أي الإناء، كما صرح به في رواية مالك، بلفظ: فأفرغ "على يديه"، "بالتثنية"، وفي رواية مالك: يده بالإفراد علىстр. 4656
فاستخرجها فمضمض واستنشق من كف واحد ففعل ذلك ثلاثا, ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه ثلاثا، ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل يديه إلى المرفقين
الحواشي
(١) الجنس، والمراد بهما الكفان لا غير، "فغسلهما ثلاثا".
هكذا في رواية خالد بن عبد الله عند مسلم، ووهيب، وسليمان بن بلال عند البخاري، والدارودي عند أبي نعيم، كلهم عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، وفي رواية مالك، عن عمرو مرتين.
قال الحافظ: وهؤلاء حفاظ وقد اجتمعوا، فزيادتهم مقدمة على الحافظ الواحد، وقد ذكر مسلم عن وهيب أنه سمع هذا الحديث مرتين من عمرو إملاء، فتأكد ترجيح روايته، ولا يحمل على واقعتين لاتحاد المخرج، والأصل عدم التعدد، "ثم أدخل يده" في الإناء، "فاستخرجها" منه، "فمضمض واستنشق من كف واحد"، وفي رواية: واحدة.
زاد في رواية وهيب: واستنثر، "ففعل ذلك ثلاثا" بأن تمضمض واستنشق من غرفة، ثم ثانية وثالثة كذلك، وهذا المرجح عند المالكية والشافعية.
وقال عياض في شرح مسلم: اختلف في المستحب عند مالك فقيل: هذه الصفة، وهو ظاهر الحديث، وقيل: أن يتمضمض ثلاثا نسقا بثلاث غرفات، ثم يستنشق كذلك، لأنهما عضوان فيأتي لكل عضو بثلاث نسقا.
ويؤيده رواية أبي داود: فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق، وقيل: يفعلهما ثلاث مرات بغرفة واحدة، وهو دليل قوله في رواية للبخاري: فمضمض واستنشق من غرفة واحدة، ثم هو محتمل، لأن يكون جمعهما أو فصل، فمضمض ثلاثا ثم استنشق ثلاثا والجميع من غرفة.
وقال الأبي: الحديث يحتمل جميع الصور، وهو أظهر في الأولى، يعني كما قال عياض هو ظاهر الحديث، وقد سقط من غالب نسخ المصنف، ثم أدخل يده إلى هنا مع ثبوته عند من عزاه لهم، "ثم أدخل يده فاستخرجها، فغسل وجهه" غسلا "ثلاثا" لم تختلف الروايات في هذا، ويلزم من استدل بهذا الحديث على وجوب تعميم المسح بالرأس، أن يستدل به على وجوب الترتيب لوله: ثم في الجميع، لأن كلا من الحكمين مجمل في الآية بينته السنة بالفعل، كذا قال الحافظ: ولا يلزم ذلك، لأن إسقاط الباء في قوله مسح رأسه في رواية مالك وغيره مع كونها في الآية ظاهرة في وجوب مسح جميعه، ولا سيما وقد أكده في رواية بلفظ: كله بخلاف لفظ ثم لا يفيد وجوب الترتيب، بل يتحقق بالسنية، وإلا لزم أن التثليث ونحوه واجب، لأنه مجمل في الآية أيضا.
"ثم أدخل يده فاستخرجها، فغسل يديه إلى المرفقين" أي مع عند الجمهور كما بينته السنة، ففي الدارقطني بإسناد حسن عن عثمان: فغسل يديه إلى المرفقين حتى مس أطرافстр. 4657
مرتين مرتين، ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر، ثم غسل رجليه إلى الكعبين، ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ .
وفي رواية: فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما، إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه. رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والترمذي والنسائي.
الحواشي
(١) العضدين، وله بإسناده ضعيف عن جابر كان ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه، وللبزار والطبراني عن ثعلبة بن عباد، عن أبيه مرفوعا: ثم يغسل ذراعيه حتى جاوز المرفق، وللطحاوي، عنه: ثم يغسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه فهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا، "مرتين مرتين" بالتكرار، لم تختلف الروايات عن عمرو بن يحيى في ذلك.
وفي مسلم عن حبان بن واسع، عن عبد الله بن زيد أنه رأى النبي ﷺ يتوضأ، وفيه: ويده اليمنى ثلاثا، ثم الأخرى ثلاثا، فيحمل على أنه وضوء آخر لاختلاف مخرج الحديثين، "ثم أدخل يده فاستخرجها، فمسح برأسه"، "بالباء" في رواية خالد هذه
وفي رواية مالك وغيره بدونها، وزاد بعضهم: كله، "فأقبل بيديه"، "مثنى إلى قفاه"، "وأدبر" بهما، زاد في رواية وهيب عند الشيخين مرة واحدة، "ثم غسل رجليه إلى" أي مع "الكعبين" الناتئين في جنبي الرجل، على الصحيح المعروف عند أهل اللغة، "ثم قال" عبد الله بن زيد: "هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ " هذا السياق لفظ مسلم من طريق عبد الله بن عمرو بن يحيى بن عمارة، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد.
"وفي رواية" يعني رواية مالك، عن عمرو عن أبيه، عن ابن زيد: "فأقبل بهما" إلى جهة قفاه "وأدبر", أي رجع، كما فسره بقوله: "بدأ بمقدم"، "بفتح الدال المشددة" رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه.
قال الحافظ: الظاهر أن قوله بدأ ... إلخ، من الحديث: وليس مدرجا من كلام مالك فهو حجة على القائل: يبدأ بمؤخر الرأس إلى أن ينتهي إلى مقدمه، لظاهر قوله: أقبل وأدبر، ويرد عليه أن الواو لا تقتضي الترتيب، وللبخاري رواية: فأدبر بيديه وأقبل، فلم يكن ظاهره حجة، لأن الإقبال والإدبار من الأمور الإضافية، ولم يعين ما أقبل إليه ولا ما أدبر عنه، ومخرج الطريقين متحد، فهما بمعنى واحد، وعينت رواية مالك البداءة بالمقدم، فيحمل قوله أقبل على أنه من تسمية الفعل بابتدائه، أي بدأ يقبل الرأس، وقيل في توجيهه غير ذلك.
"رواه" بنحوه "البخاري" من طرق "ومسلم" بلفظه: كما بينته أولا "ومالك" في الموطأстр. 4658
وفي رواية لأبي داود: ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما وفي أخرى له وأدخل أصابعه في صماخي أذنيه.
وفي رواية أبي داود والترمذي والنسائي عن عبد خير، أبي عمارة بن زيد بن خولي -بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وتشديد الياء- الهمداني، وهو من كبار أصحاب علي بن أبي طالب، قال: أتانا علي وقد صلى، فدعا بطهور، فقلنا ما يصنع بالطهور، وقد صلى، ما يريد إلا ليعلمنا، فأتي بإناء فيه ماء وطست، فأفرغ من الإناء على يمينه فغسل يديه ثلاثا، ثم تمضمض واستنثر ثلاثا، فمضمض ونثر من
الحواشي
(١) بنحوه، ومن طريقه رواه الشيخان أيضا، "وأبو داود والترمذي والنسائي" من طريق مالك وغيره.
"وفي رواية لأبي داود: ثم مسح برأسه وأذنيه، ظاهرهما وباطنهما، وفي أخرى له", أي أبي داود: "وأدخل أصابعه"، "بالجمع على إرادة الجنس"، والمراد السبابتين، لكن الذي في أبي داود: أدخل أصبعيه "بالتثنية"، "في صماخي أذنيه"، "بضم الصاد" الخرق الذي يفضي إلى الرأس، وهذا ينادي بالقصور على القرطبي في قوله: لم يجئ في حديث عبد الله بن زيد ذكر الأذنين، ويمكن أن ذلك لأن اسم الرأس يغمهما، وقد رد عليه أيضا بما رواه الحاكم والبيهقي، وصححاه عن عبد الله بن زيد، قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، فأخذ ماء لأذنيه خلاف الماء الذي مسح به رأسه.
"وفي رواية أبي داود، والترمذي والنسائي عن عبد خير" بلفظ: ضد شر، ويقال: اسمه عبد الرحمن، حكاه الخطيب، قال الحافظ: لعله غير في الإسلام "أبي عمارة"، "بضم العين بدل منه"، "ابن زيد بن خولي"، "بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وتشديد الياء"، "الهمداني" الكوفي، أدرك الجاهلية وأسلم في زمنه ﷺ ، ولم يره، ولم يصح له صحبة، روى عن الصديق وابن مسعود، وعائشة وعي وغيرهم، "وهو من كبار أصحاب علي بن أبي طالب" وعمر أزيد من مائة وعشرين سنة، كما رواه الدولابي، وذكر الإمام أحمد في الإثبات عن علي، ووثقه ابن معين والنسائي والعجلي، وذكره مسلم في الطبقة الأولى من التابعين.
وروى عنه ابن المسيب والشعبي وآخرون، "قال: أتانا علي وقد صلى، فدعا بطهور"، "بالفتح" ما يتطهر به، "فقلنا: ما يصنع بالطهور وقد صلى، ما يريد إلا ليعلمنا" بأن يتوضأ ونحن نراه، "فأتى بإناء فيه ماء وطست" يحتمل أنه عطف تفسير لإناء، ويحتمل أنه أتى بالماء في قدح أو إبريق ونحو ذلك، وبطست يلاقي فيه ما ينزل من الماء، "فأفرغ من الإناء على يمينه، فغسل يديه ثلاثا" من المرات، "ثم تمضمض واستنثر" بيده اليسرى، كما في رواية النسائي: استفعل من النثر "بنون ومثلثة" وهو طرح الماء الذي يستنشقه المتوضئ أي يجذبهстр. 4659
الكف الذي يأخذ فيه، ثم غسل وجهه ثلاثا، وغسل يده اليمنى ثلاثا، وغسل يده اليسرى ثلاثا، ثم جعل يده في الإناء فمسح برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا ورجله اليسرى ثلاثا، ثم قال: من سره أن يعلم وضوء رسول الله ﷺ فهو هذا.
قال ابن القيم: والصحيح أنه ﷺ لم يكرر مسح رأسه.
وقال النووي: الأحاديث الصحيحة فيها المسح مرة واحدة، وفي بعضها الاقتصار على قوله: مسح.
واحتج الشافعي بحديث عثمان ﵁ في صحيح مسلم أنه ﷺ توضأ ثلاثا ثلاث، وبالقياس على باقي الأعضاء، انتهى.
وأجيب: بأنه مجمل مبين في الروايات الصحيحة أن المسح لم يتكرر، فيحمل على الغالب ويخص بالمغسول، وبأن المسح مبني على التخفيف فلا
الحواشي
(١) بريح أنفه لتنظيف داخله، ثم يخرجه بيده اليسرى، ويكره فعله بغيرها عند مالك لأنه يشبه فعل الدابة، والمشهور عند الشافعية: لا كراهة "ثلاثا فمضمض ونثر من الكف الذي يأخذ" الماء "فيه ثم غسل وجهه ثلاثا، وغسل يده اليمنى ثلاثا، وغسل يده اليسرى ثلاثا، ثم جعل يده في الإناء، فمسح برأسه" جميعه "مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا، ورجله اليسرى ثلاثا، ثم قال: من سره أن يعلم وضوء رسول الله ﷺ فهو هذا" أي مثله، أو أطلقه عليه مبالغة.
"قال ابن القيم: والصحيح أنه ﷺ لم يكرر مسح رأسه" وبه قال أكثر العلماء، إذ ليس في شيء من طرق الأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما أنه كرر، بل في بعضها كحديث ابن زيد، وعلى التصريح بمرة واحد، ولذا قال ابن المنذر: الثابت عن النبي ﷺ المسح مرة واحدة، وقال أبو داود: أحاديث عثمان الصحاح، كلها تدل على أن مسح الرأس مرة واحدة، "وقال النووي: الأحاديث الصحيحة فيها المسح مرة واحدة، وفي بعضها الاقتصار على قوله مسح" بدون ذكر عدد.
"واحتج للشافعي" في قوله باستحباب تكرير مسحه ثلاثا، "بحديث عثمان ﵁" المروي "في صحيح مسلم" في بعض طرقه، "أنه ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثا" فإن ظاهره يغم مسح الرأس "وبالقياس على باقي الأعضاء. انتهى".
"وأجيب: بأنه" أي حديث مسلم المذكور "مجمل مبين في الروايات الصحيحة" فيстр. 4660
يقاس على الغسل الذي المراد منه المبالغة في الإسباغ، وبأن العدد لو اعتبر في المسح لصار في صورة الغسل، إذ حقيقة الغسل جريان الماء.
واحتج الشافعية أيضا لما رواه أبو داود في سننه من حديث عثمان من وجهين، صحح أحدهما ابن خزيمة: أنه ﷺ مسح رأسه ثلاثا والزيادة من الثقة مقبولة، وفي رواية أبي داود أيضا والترمذي من حديث الربيع بنت معوذ: فغسل كفيه ثلاثا ثلاثا، ووضأ وجهه ثلاثا، وتمضمض واستنشق مرة واحدة، ووضأ يديه ثلاثا، ومسح برأسه مرتين بدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدمه وبأذنيه كلتيهما ظهورهما
الحواشي
(١) مسلم وغيره "أن المسح لم يتكرر، فيحمل" ظاهر هذه الرواية "على الغالب، ويخص بالمغسول" لأن الحديث واحد، والمخرج وهو عثمان واحد وإن تعددت الطرق، فهذا مختصر مبين في الروايات المبسوطة، فيحمل عليها.
"و" أجيب عن القياس، "بأن المسح مبني على التخفيف، فلا يقاس على الغسل الذي المراد منه المبالغة في الإسباغ" فلم يتم القياس، "وبأن العدد لو اعتبر في المسح لصار في صورة الغسل" لأنه إذا كرر قرب من الغسل، "إذ حقيقة الغسل جريان الماء" لا سيما عند من لم يوجب الدلك، وقد اتفق عل كراهة غسل الرأس بدل المسح وإن كان مجزئا،
وأجيب، بأن الخفة تقتضي عدم الاستيعاب، وهو مشروع باتفاق، فليكن العدد كذلك، ويرد بأن الاستيعاب أخف من التكرار بالمشاهدة، وإنما اتفق على الاستيعاب لاتفاق الروايات على أنه ﷺ استوعب.
"واحتج الشافعية أيضا بما رواه أبو داود في سننه، من حديث عثمان من وجهين" أي طريقين، "صحح أحدهما ابن خزيمة، أنه ﷺ مسح رأسه ثلاثا، والزيادة من الثقة مقبولة،" لكن محل ذلك كما قال ابن عبد البر وغيره: ما لم يكن من لم يزد أوثق ممن زاد، فتكون الزيادة شاذة وإن صح إسنادها، وهو هنا كذلك، أو هي ما يأتي محمولة إن صحت على إرادة استيعاب المسح، لا أنها مسحات مستقلة.
"وفي رواية أبي داود أيضا، والترمذي من حديث الربيع"، "بضم الراء وفتح الموحدة وكسر التحتية الشديدة، مهمة"، "بنت معوذ" بضم الميم وفتح المهملة وكسر الواو ثقيلة وذال معجمة" ابن عفراء الأنصارية النجارية، من صغار الصحابة وأبوها من شهداء بدر: أن النبي ﷺ توضأ، "فغسل كفيه ثلاثا ثلاثا، ووضأ" أي غسل "وجهه ثلاثا، وتمضمض واستنشق مرة واحدة،" لبيان الجواز أو المراد فعل الست بغرفة لبيان الجواز أيضا، والمتبادر الأول، "ووضأ يديه ثلاثا، ومسح برأسه مرتين، بدأ بمؤخر رأسه، ثم بمقدمه" بيان لمرتين، فليستا مسحتين،следующие страницы →