← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

فاستخرجها فمضمض واستنشق من كف واحد ففعل ذلك ثلاثا, ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه ثلاثا، ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل يديه إلى المرفقين

стр. 4657

مرتين مرتين، ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر، ثم غسل رجليه إلى الكعبين، ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ . وفي رواية: فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما، إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه. رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والترمذي والنسائي.

стр. 4658

وفي رواية لأبي داود: ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما وفي أخرى له وأدخل أصابعه في صماخي أذنيه. وفي رواية أبي داود والترمذي والنسائي عن عبد خير، أبي عمارة بن زيد بن خولي -بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وتشديد الياء- الهمداني، وهو من كبار أصحاب علي بن أبي طالب، قال: أتانا علي وقد صلى، فدعا بطهور، فقلنا ما يصنع بالطهور، وقد صلى، ما يريد إلا ليعلمنا، فأتي بإناء فيه ماء وطست، فأفرغ من الإناء على يمينه فغسل يديه ثلاثا، ثم تمضمض واستنثر ثلاثا، فمضمض ونثر من

стр. 4659

الكف الذي يأخذ فيه، ثم غسل وجهه ثلاثا، وغسل يده اليمنى ثلاثا، وغسل يده اليسرى ثلاثا، ثم جعل يده في الإناء فمسح برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا ورجله اليسرى ثلاثا، ثم قال: من سره أن يعلم وضوء رسول الله ﷺ فهو هذا. قال ابن القيم: والصحيح أنه ﷺ لم يكرر مسح رأسه. وقال النووي: الأحاديث الصحيحة فيها المسح مرة واحدة، وفي بعضها الاقتصار على قوله: مسح. واحتج الشافعي بحديث عثمان ﵁ في صحيح مسلم أنه ﷺ توضأ ثلاثا ثلاث، وبالقياس على باقي الأعضاء، انتهى. وأجيب: بأنه مجمل مبين في الروايات الصحيحة أن المسح لم يتكرر، فيحمل على الغالب ويخص بالمغسول، وبأن المسح مبني على التخفيف فلا

стр. 4660

يقاس على الغسل الذي المراد منه المبالغة في الإسباغ، وبأن العدد لو اعتبر في المسح لصار في صورة الغسل، إذ حقيقة الغسل جريان الماء. واحتج الشافعية أيضا لما رواه أبو داود في سننه من حديث عثمان من وجهين، صحح أحدهما ابن خزيمة: أنه ﷺ مسح رأسه ثلاثا والزيادة من الثقة مقبولة، وفي رواية أبي داود أيضا والترمذي من حديث الربيع بنت معوذ: فغسل كفيه ثلاثا ثلاثا، ووضأ وجهه ثلاثا، وتمضمض واستنشق مرة واحدة، ووضأ يديه ثلاثا، ومسح برأسه مرتين بدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدمه وبأذنيه كلتيهما ظهورهما

стр. 4661

وبطونهما، ووضأ رجليه ثلاثا ثلاثا. وقد أجاب العلماء عن أحاديث المسح مرة واحدة بأن ذلك لبيان الجواز، ويؤيده رواية مرتين هذه. وقال ابن السمعاني -كما حكاه في فتح الباري-: اختلاف الرواية يحمل على التعدد، فيكون مسح تارة مرة، وتارة ثلاثا، فليس في رواية مسح مرة حجة على منع التعدد، ويحتج للتعدد بالقياس على المغسول، لأن الوضوء طهارة حكمية، ولا فرق في الطهارة الحكمية بين الغسل والمسح. قال: ومن أقوى الأدلة على عدم التعدد، الحديث المشهور الذي صححه ابن خزيمة وغيره من طريق عبد الله بن عمرو بن العاصي في صفة الوضوء بعد أن

стр. 4662

فرغ: "من زاد على هذا فقد أساء وظلم" فإن في رواية سعيد بن منصور التصريح بأنه مسح رأسه مرة واحدة، فدل على أن الزيادة في مسح الرأس على المرة غير مستحبة، ويحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح -إن صحت- على إرادة الاستيعاب بالمسح، لا أنها مسحات مستقلة متعددة لجميع الرأس، جمعا بين الأدلة. انتهى. وفي حديث عبد الله بن زيد المتقدم عند البخاري الذي ذكرته قبل: ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر. وفي رواية: بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه. وزاد ابن الطباع بعد قوله: "ثم مسح رأسه" كله، كما هو رواية ابن خزيمة.

стр. 4663

وفي رواية غيره كما قدمته: "برأسه"، بزيادة الباء، الموافقة لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] . قال البيضاوي: "الباء" أي في الآية مزيدة، وقيل: للتبعيض، فإنه الفارق بين قولك، مسحت المنديل، وبالمنديل، ووجهه أن يقال: إنها تدل على تضمين الفعل معنى الإلصاق، فكأنه يقول: وألصقوا المسح برءوسكم، وذلك لا يقتضى الاستيعاب، بخلاف ما لو قيل: وامسحوا رءوسكم فإنه كقوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ، انتهى.

стр. 4664

وقال الشافعي ﵁: احتمل قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ جميع الرأس أو بعضه، فدلت السنة على أن بعضه يجزئ والفرق بينه وبين قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ في التيمم، أن المسح فيه بدل عن الغسل، ومسح الرأس أصل فافترقا. ولا يرد كون مسح الخف بدلا عن غسل الرجين، لأن الرخصة فيه ثبتت بالإجماع. وقد روي من حديث عطاء أن النبي ﷺ توضأ، فحسر العمامة عن رأسه ومسح مقدم رأسه، وهو مرسل، لكنه اعتضد بمجيئه من وجه آخر موصولا أخرجه أبو داود من حديث أنس، وفي إسناده أبو معقل، لا يعرف حاله، لكن اعتضد كل

стр. 4665

من المرسل والموصول بالآخر وحصلت القوة من الصورة المجموعة وهذا مثال لما ذكره الشافعي من أن المرسل يعتضد بمرسل آخر أو مسند. وفي الباب أيضا عن عثمان في صفة الوضوء قال: ومسح مقدم رأسه، أخرجه سعيد بن منصور، وفيه خالد بن يزيد بن أبي مالك مختلف فيه. وصح عن ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرأس، قاله ابن المنذر وغيره، ولم يصح عن أحد من الصحابة إنكار ذلك. قاله ابن حزم. قال الحافظ ابن حجر: وهذا كله مما يقوى به المرسل المتقدم ذكره. انتهى. واختلف في القدر الواجب في مسح الرأس، فذهب الشافعي في جماعة إلى أن الواجب ما ينطلق عليه اسم ولو شعرة واحدة أخذا باليقين.

стр. 4666

وذهب مالك وأحمد وجماعة إلى وجوب الاستيعاب أخذا بالاحتياط. وقال أبو حنيفة في رواية: الواجب ربعه، لأنه ﵇ مسح على ناصيته وهو قريب من الربع. والله أعلم. وعن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق. رواه أبو داود. وعنه أيضا: أن رسول الله ﷺ توضأ فمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا من كف واحد. رواه ابن ماجه.

стр. 4667

وفي حديث مسلم أن عثمان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاث مرات. وفي حديث عبد الله بن زيد عند البخاري: أنه أفرغ من الإناء على يديه فغسلهما ثم غسل ومضمض واستنشق من كفة واحدة ثم قال: هكذا وضوء

стр. 4668

رسول الله ﷺ . قال النووي: فيه أن السنة في المضمضة، والاستنشاق، أن يأخذ الماء لهما بيمينه، ثم قال: وفي الأفضل في كيفية المضمضة والاستنشاق خمسة أوجه: الأصح: يتمضمض ويستنشق بثلاث غرفات، يتمضمض من كل واحدة ثم يستنشق. والثاني: يجمع بينهما بغرفة واحدة، يتمضمض منها ثلاثا ثم يستنشق منها ثلاثا. والثالث: يجمع أيضا بغرفة، ولكن يتمضمض منها ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها ثم يستنشق. والرابع: يفصل بينهما بغرفتين، فيتمضمض من أحدهما ثلاثا، ثم يستنشق من الأخرى ثلاثا. والخامس: يفصل بست غرفات، يتمضمض بثلاث غرفات، ثم يستنشق بثلاث غرفات.

стр. 4669

قال: والصحيح الأول، وبه جاءت الأحاديث الصحيحة. وقد ذهب الإمام أحمد وأبو ثور إلى وجوب الاستنشاق، وهو أن يبلغ الماء إلى خياشيمه، مستدلين بقوله ﷺ في حديث أبي هريرة: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر". لظاهر الأمر. وحمله الجمهور ومالك والشافعي وأهل الكوفة على الندب، لقوله ﵇ للأعرابي: توضأ كما أمرك الله، وليس في الآية ذكر الاستنشاق، والله أعلم.

стр. 4670

وعند أبي داود: كان ﵊ يمسح الماقين. وعن عثمان أنه ﷺ كان يخلل لحيته، رواه الترمذي وابن ماجه. وعنده من حديث ابن عمر: كان ﵊ إذا توضأ عرك عارضيه بعض العرك ثم شبك لحيته بأصابعه من تحتها. وعن أنس كان ﷺ إذا توضأ أخذ كفا من ماء فيدخله تحت حنكه ويخلل به لحيته ويقول: بهذا أمرني ربي . رواه أبو داود.

стр. 4671

وعن أبي رافع: كان ﷺ إذا توضأ حرك خاتمه. رواه ابن ماجه والدارقطني وضعفه. وعن المستورد بن شداد: كان ﷺ إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره، رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه. وعن عائشة: كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى. وعن المغيرة بن شعبة أنه كان مع رسول الله ﷺ في سفر، وأنه ﵊ ذهب لحاجة له وأن مغيرة جعل يصب الماء عليه وهو يتوضأ. رواه

стр. 4672

البخاري ومسلم. وعن صفوان بن عسال قال: صببت على النبي ﷺ الماء في السفر والحضر في الوضوء. رواه ابن ماجه. وفي ذلك جواز استعانة الرجل بغيره في صب الماء في الوضوء من غير كراهة، وكذا إحضار الماء من باب أولى، ولا دليل في هذين الحديثين لجواز الإعانة بالمباشرة. وقد روى الحاكم في المستدرك، من حديث الربيع بنت معوذ أنها قالت: أتيت رسول الله ﷺ بوضوء فقال: "اسكبي". فسكبت عليه.

стр. 4673

وهذا أصرح في عدم الكراهة من الحديثين المذكورين لكونه في الحضر، ولكونه بصيغة الطلب، والله أعلم. وفي الترمذي، من حديث معاذ بن جبل: كان ﷺ إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه. وعن عائشة: كانت له ﵇ خرقة يتنشف بها بعد الوضوء. قال الترمذي: هذا الحديث ليس بالقائم، وأبو معاذ الرازي ضعيف عند أهل الحديث.

стр. 4674

وقد احتجم ﷺ فصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه، رواه الدارقطني. وأكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ. رواه البخاري ومسلم. وللنسائي: قال كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار. وشرب ﷺ لبنا ولم يتمضمض ولم يتوضأ فصلى. رواه أبو داود. وأتي ﷺ بسويق فأمر به فثري فأكل منه، ثم قام إلى المغرب فتمضمض.

стр. 4675

رواه البخاري ومالك والنسائي. وكان ﷺ إذا قام من النوم ربما توضأ. وربما لم يتوضأ لأن عينه تنام ولا ينام قلبه كما في البخاري وغيره. وفيه دليل على أن النوم ليس حدثا بل مظنة الحدث، فلو أحدث لعلم بذلك فتكون الخصوصية شعوره بالوقوع بخلاف غيره. قال الخطابي: إنما منع قلبه ليعي الوحي الذي يأتيه في منامه.

стр. 4676

الفصل الرابع: في مسحه ﷺ على الخفين اعلم أنه قد صرح جمع من العلماء الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين، منهم العشرة، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أنه قد روي عن أحد من فقهاء السلف إنكاره إلا عن مالك، مع أن الروايات الصحيحة عنه مصرحة بإثباته، وقد أشار الشافعي في الأم إلى إنكار ذلك على المالكية، والمعروف المستقر عندهم الآن قولان: الجواز مطلقا. وثانيهما: للمسافر دون المقيم، وهذا الثاني مقتضى ما في "المدونة"، وبه جزم ابن الحاجب. وقال ابن المنذر: اختلف العلماء أيهما أفضل، المسح أو الغسل والذي أختاره: أن المسح أفضل لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج

стр. 4677

والروافض. وقال النووي: مذهب أصحابنا أن الغسل أفضل من المسح لكن بشرط أن لا يترك المسح. وقد تمسك من اكتفى بالمسح بقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ عطفا على قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فذهب إلى ظاهرها جماعة من الصحابة والتابعين، وحكي عن ابن عباس في رواية ضعيفة، والثابت عنه خلافه. وعن عكرمة والشعبي وقتادة: الواجب الغسل أو المسح. وعن بعض أهل الظاهر: يجب الجمع بينهما.

стр. 4678

وحجة الجمهور: الأحاديث الصحيحة من فعله ﷺ كما سيأتي إن شاء الله تعالى، فإنه بيان للمراد، وأجابوا عن الآية بأجوبة: منها: أنه قرئ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب عطفا على ﴿أَيْدِيَكُمْ﴾ . وقيل: إنه معطوف على محل ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ ، كقوله تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠] . وقيل: المسح في الآية محمول على مشروعية المسح على الخفين، فحملوا قراءة "الجر" على مسح الخفين، وقراءة "النصب" على غسل الرجلين.

стр. 4679

وجعل البيضاوي "الجر" على الجواز، قال: ونظيره كثير في القرآن كقوله تعالى: ﴿عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٦] ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] بالجر في قراة حمزة والكسائي. وقولهم: "جحر ضب خرب" وللنحاة باب في ذلك. وفائدته التنبيه على أنه ينبغي أن يقتصد في صب الماء عليهما ويغسلا

стр. 4680

غسلا يقرب من المسح. انتهى. وعن المغيرة بن شعبة أنه غزا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك، قال فتبرز ﷺ قبل الغائط فحملت معه إداوة -قبل الفجر- فلما رجع أخذت أهريق الماء على يديه من الإداوة، فغسل يديه ووجهه، وعليه جبة من صوف، ذهب يحسر عن

стр. 4681

ذراعيه فضاق كم الجبة، فأخرج يده من تحت الجبة، وألقى الجبة على منكبيه وغسل ذراعيه، ثم مسح بناصيته وعلى العمامة، ثم أهويت لأنزع خفيه فقال: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين". فمسح عليهما، ثم ركب وركبت. الحديث رواه مسلم.

стр. 4682

وعند الترمذي من حديث المغيرة أيضا أنه ﷺ مسح على الخفين على ظاهرهما. وعند أبي داود من حديثه أيضا: ومسح على الجوربين والنعلين. وعنه قال: مسح ﷺ على الخفين، فقلت يا رسول الله: نسيت، فقال: "بل أنت نسيت، بهذا أمرني ربي ". رواه أبو داود وأحمد. وعن عمرو بن أمية الضمري قال: رأيته ﵇ يمسح على عمامته وخفيه. رواه البخاري وأحمد.

стр. 4683

وقال علي بن أبي طالب: جعل ﷺ المسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم. رواه مسلم.

стр. 4684

الفصل الخامس: في تيممه ﷺ واعلم أن التيمم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وهو من خصائص هذه الأمة. وأجمعوا على أن التيمم لا يكون إلا في الوجه واليدين، سواء كان عن حدث أصغر أو أكبر، وسواء تيمم عن الأعضاء كلها أو بعضها. واختلفوا في كيفية: فمذهبنا ومذهب الأكثرين، أنه لا بد من ضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين. وعن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها

стр. 4685

طهورا إذا لم نجد الماء". رواه مسلم. وفي رواية أبي أمامة عند البخاري: "وجعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجدا وطهورا". وهذا عام، وحديث حذيفة خاص، فينبغي أن يحمل العام عليه، فيختص الطهور بالتراب. ومنع بعضهم الاستدلال بلفظ "التربة" على خصوصية التيمم بالتراب، بأن قال: تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره. وأجيب: بأنه ورد في الحديث بلفظ التراب، أخرجه ابن خزيمة وغيره, وفي حديث علي: "وجعل لي التراب طهورا".

стр. 4686

أخرجه أحمد والبيهقي بإسناد حسن. وعن عمارة: قال جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار لعمر: أما تذكر أنا كنا في سفر، أنا وأنت، فأما أنت فلم

стр. 4687

تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "إنما كان يكفيك هكذا". وضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه إلى كوعيه. رواه البخاري ومسلم. واستدل بالنفخ على استحباب تخفيف التراب، وسقوط استحباب تكرار

стр. 4688

التيمم لأن التكرار يستلزم عدم التخفيف. وعن أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة قال: مررت على النبي ﷺ وهو يبول، فسلمت عليه فلم يرد عليّ، حتى قام إلى جدار فحته بعصا كانت معه، ثم وضع يديه على الجدار فمسح وجهه وذراعيه، ثم رد عليّ، رواه البغوي في شرح

стр. 4689

السنة وقال: حديث حسن. وهذا محمول على أن الجدار كان مباحا، أو كان مملوكا لإنسان يعلم رضاه.

стр. 4690

الفصل السادس: في غسله ﷺ والغُسل -بضم الغين- اسم للاغتسال. وقيل: إذا أريد به الماء فهو مضموم، وأما المصدر فيجوز فيه الضم والفتح، حكاه ابن سيدة وغيره. وقيل: المصدر بالفتح، والاغتسال بالضم. وقيل: الغَسل بالفتح: فعل المغتسل، وبالضم: الماء الذي يغتسل به، وبالكسر: ما يجعل مع الماء كالإشنان. وحقيقة الغسل: جريان الماء على الأعضاء. وحقيقة الاغتسال: غسل جميع الأعضاء مع تمييز ما للعبادة عما للعادة بالنية. ووجوب الغسل على الجنب مستفاد من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ، [النساء: ٤٣] . ففي الآية الأولى إجمال، وهو قوله تعالى: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ بينه قوله في الآية

стр. 4691

الثانية ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ . ويؤيده قوله تعالى في الحائض: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] المفسر بـ"اغتسلن" اتفاقا. وقد كان رسول الله ﷺ يطوف على نسائه بغسل واحد. رواه مسلم من حديث أنس. وعن أبي رافع: طاف النبي ﷺ ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه، وعند هذه، قال: قلت يا رسول الله! ألا تجعله غسلا واحدًا آخرا؟ قال: "هكذا

стр. 4692

أزكى وأطيب وأطهر". رواه أحمد وأبو داود والنسائي. وقد أجمع العلماء على أنه لا يجب الغسل بين الجماعين وأما الوضوء فاستحبه الجمهور، وقال أبو يوسف: إنه لا يستحب، وأوجبه ابن حبيب من المالكية، وأهل الظاهر، لحديث: "إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءا". رواه مسلم وحمله بعضهم على الوضوء اللغوي، فقال: المراد به غسل الفرج. وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذ اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم يتوضأ

стр. 4693

كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول الشعر، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله. رواه البخاري. ويحتمل أن يكون غسلهما للتنظيف مما بهما، ويحتمل أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النوم. ويدل عليه زيادة ابن عيينة في هذا الحديث عن هشام "قبل أن يدخلهما في الإناء" رواه الشافعي والترمذي وزاد أيضا: "ثم يغسل فرجه" وكذا لمسلم وأبي داود. وهي زيادة جليلة، لأن تقديم غسله يحصل به الأمن من مسه في أثناء

стр. 4694

الغسل. ويحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سنة مستقلة، بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد، ويحتمل أن يكتفي بغسلها في الوضوء عن إعادته، وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في أول عضو. وإنما قدم أعضاء الوضوء تشريفا لها، ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى. ونقل ابن بطال: الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل. وهو مردود، فقد ذهب جماعة, منهم: أبو ثور وداود وغيرهما إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث. وقوله: "فيخلل بها أصول الشعر" أي شعر رأسه ويدل عليه رواية حماد بن سلمة عن هشام -عند البيهقي- يخلل بها شق رأسه الأيمن فيتتبع بها أصول

стр. 4695

الشعر، ثم يفعل بشق رأسه الأيسر كذلك. وقال القاضي عياض: احتج به بعضهم على تخليل شعر اللحية في الغسل. إما لعموم قوله: "أصول الشعر" وإما بالقياس على شعر الرأس. وفائدة التخليل، إيصال الماء إلى الشعر والبشرة، ومباشرة الشعر باليد ليحل تعمميه بالماء، وهذا التخليل غير واجب اتفاقا، إلا إن كان الشعر متلبدا بشيء يحول بين الماء وبين الوصول إلى أصوله. واختلف في وجوب الدلك، فلم يوجبه الأكثر. ونقل عن مالك والمزني وجوبه، واحتج له ابن بطال بالإجماع على وجوب إمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسلها، فيجب ذلك في الغسل قياسا لعدم الفرق بينهما. وتعقب: بأن جميع من لم يوجب الدلك أجازوا غمس اليد في الماء للمتوضئ من غير إمرار، فبطل الإجماع وانتفت الملازمة.
следующие страницы →