Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.
стр. 4656
فاستخرجها فمضمض واستنشق من كف واحد ففعل ذلك ثلاثا, ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه ثلاثا، ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل يديه إلى المرفقين
الحواشي
(١) الجنس، والمراد بهما الكفان لا غير، "فغسلهما ثلاثا".
هكذا في رواية خالد بن عبد الله عند مسلم، ووهيب، وسليمان بن بلال عند البخاري، والدارودي عند أبي نعيم، كلهم عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، وفي رواية مالك، عن عمرو مرتين.
قال الحافظ: وهؤلاء حفاظ وقد اجتمعوا، فزيادتهم مقدمة على الحافظ الواحد، وقد ذكر مسلم عن وهيب أنه سمع هذا الحديث مرتين من عمرو إملاء، فتأكد ترجيح روايته، ولا يحمل على واقعتين لاتحاد المخرج، والأصل عدم التعدد، "ثم أدخل يده" في الإناء، "فاستخرجها" منه، "فمضمض واستنشق من كف واحد"، وفي رواية: واحدة.
زاد في رواية وهيب: واستنثر، "ففعل ذلك ثلاثا" بأن تمضمض واستنشق من غرفة، ثم ثانية وثالثة كذلك، وهذا المرجح عند المالكية والشافعية.
وقال عياض في شرح مسلم: اختلف في المستحب عند مالك فقيل: هذه الصفة، وهو ظاهر الحديث، وقيل: أن يتمضمض ثلاثا نسقا بثلاث غرفات، ثم يستنشق كذلك، لأنهما عضوان فيأتي لكل عضو بثلاث نسقا.
ويؤيده رواية أبي داود: فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق، وقيل: يفعلهما ثلاث مرات بغرفة واحدة، وهو دليل قوله في رواية للبخاري: فمضمض واستنشق من غرفة واحدة، ثم هو محتمل، لأن يكون جمعهما أو فصل، فمضمض ثلاثا ثم استنشق ثلاثا والجميع من غرفة.
وقال الأبي: الحديث يحتمل جميع الصور، وهو أظهر في الأولى، يعني كما قال عياض هو ظاهر الحديث، وقد سقط من غالب نسخ المصنف، ثم أدخل يده إلى هنا مع ثبوته عند من عزاه لهم، "ثم أدخل يده فاستخرجها، فغسل وجهه" غسلا "ثلاثا" لم تختلف الروايات في هذا، ويلزم من استدل بهذا الحديث على وجوب تعميم المسح بالرأس، أن يستدل به على وجوب الترتيب لوله: ثم في الجميع، لأن كلا من الحكمين مجمل في الآية بينته السنة بالفعل، كذا قال الحافظ: ولا يلزم ذلك، لأن إسقاط الباء في قوله مسح رأسه في رواية مالك وغيره مع كونها في الآية ظاهرة في وجوب مسح جميعه، ولا سيما وقد أكده في رواية بلفظ: كله بخلاف لفظ ثم لا يفيد وجوب الترتيب، بل يتحقق بالسنية، وإلا لزم أن التثليث ونحوه واجب، لأنه مجمل في الآية أيضا.
"ثم أدخل يده فاستخرجها، فغسل يديه إلى المرفقين" أي مع عند الجمهور كما بينته السنة، ففي الدارقطني بإسناد حسن عن عثمان: فغسل يديه إلى المرفقين حتى مس أطرافстр. 4657
مرتين مرتين، ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر، ثم غسل رجليه إلى الكعبين، ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ .
وفي رواية: فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما، إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه. رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والترمذي والنسائي.
الحواشي
(١) العضدين، وله بإسناده ضعيف عن جابر كان ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه، وللبزار والطبراني عن ثعلبة بن عباد، عن أبيه مرفوعا: ثم يغسل ذراعيه حتى جاوز المرفق، وللطحاوي، عنه: ثم يغسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه فهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا، "مرتين مرتين" بالتكرار، لم تختلف الروايات عن عمرو بن يحيى في ذلك.
وفي مسلم عن حبان بن واسع، عن عبد الله بن زيد أنه رأى النبي ﷺ يتوضأ، وفيه: ويده اليمنى ثلاثا، ثم الأخرى ثلاثا، فيحمل على أنه وضوء آخر لاختلاف مخرج الحديثين، "ثم أدخل يده فاستخرجها، فمسح برأسه"، "بالباء" في رواية خالد هذه
وفي رواية مالك وغيره بدونها، وزاد بعضهم: كله، "فأقبل بيديه"، "مثنى إلى قفاه"، "وأدبر" بهما، زاد في رواية وهيب عند الشيخين مرة واحدة، "ثم غسل رجليه إلى" أي مع "الكعبين" الناتئين في جنبي الرجل، على الصحيح المعروف عند أهل اللغة، "ثم قال" عبد الله بن زيد: "هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ " هذا السياق لفظ مسلم من طريق عبد الله بن عمرو بن يحيى بن عمارة، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد.
"وفي رواية" يعني رواية مالك، عن عمرو عن أبيه، عن ابن زيد: "فأقبل بهما" إلى جهة قفاه "وأدبر", أي رجع، كما فسره بقوله: "بدأ بمقدم"، "بفتح الدال المشددة" رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه.
قال الحافظ: الظاهر أن قوله بدأ ... إلخ، من الحديث: وليس مدرجا من كلام مالك فهو حجة على القائل: يبدأ بمؤخر الرأس إلى أن ينتهي إلى مقدمه، لظاهر قوله: أقبل وأدبر، ويرد عليه أن الواو لا تقتضي الترتيب، وللبخاري رواية: فأدبر بيديه وأقبل، فلم يكن ظاهره حجة، لأن الإقبال والإدبار من الأمور الإضافية، ولم يعين ما أقبل إليه ولا ما أدبر عنه، ومخرج الطريقين متحد، فهما بمعنى واحد، وعينت رواية مالك البداءة بالمقدم، فيحمل قوله أقبل على أنه من تسمية الفعل بابتدائه، أي بدأ يقبل الرأس، وقيل في توجيهه غير ذلك.
"رواه" بنحوه "البخاري" من طرق "ومسلم" بلفظه: كما بينته أولا "ومالك" في الموطأстр. 4658
وفي رواية لأبي داود: ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما وفي أخرى له وأدخل أصابعه في صماخي أذنيه.
وفي رواية أبي داود والترمذي والنسائي عن عبد خير، أبي عمارة بن زيد بن خولي -بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وتشديد الياء- الهمداني، وهو من كبار أصحاب علي بن أبي طالب، قال: أتانا علي وقد صلى، فدعا بطهور، فقلنا ما يصنع بالطهور، وقد صلى، ما يريد إلا ليعلمنا، فأتي بإناء فيه ماء وطست، فأفرغ من الإناء على يمينه فغسل يديه ثلاثا، ثم تمضمض واستنثر ثلاثا، فمضمض ونثر من
الحواشي
(١) بنحوه، ومن طريقه رواه الشيخان أيضا، "وأبو داود والترمذي والنسائي" من طريق مالك وغيره.
"وفي رواية لأبي داود: ثم مسح برأسه وأذنيه، ظاهرهما وباطنهما، وفي أخرى له", أي أبي داود: "وأدخل أصابعه"، "بالجمع على إرادة الجنس"، والمراد السبابتين، لكن الذي في أبي داود: أدخل أصبعيه "بالتثنية"، "في صماخي أذنيه"، "بضم الصاد" الخرق الذي يفضي إلى الرأس، وهذا ينادي بالقصور على القرطبي في قوله: لم يجئ في حديث عبد الله بن زيد ذكر الأذنين، ويمكن أن ذلك لأن اسم الرأس يغمهما، وقد رد عليه أيضا بما رواه الحاكم والبيهقي، وصححاه عن عبد الله بن زيد، قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، فأخذ ماء لأذنيه خلاف الماء الذي مسح به رأسه.
"وفي رواية أبي داود، والترمذي والنسائي عن عبد خير" بلفظ: ضد شر، ويقال: اسمه عبد الرحمن، حكاه الخطيب، قال الحافظ: لعله غير في الإسلام "أبي عمارة"، "بضم العين بدل منه"، "ابن زيد بن خولي"، "بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وتشديد الياء"، "الهمداني" الكوفي، أدرك الجاهلية وأسلم في زمنه ﷺ ، ولم يره، ولم يصح له صحبة، روى عن الصديق وابن مسعود، وعائشة وعي وغيرهم، "وهو من كبار أصحاب علي بن أبي طالب" وعمر أزيد من مائة وعشرين سنة، كما رواه الدولابي، وذكر الإمام أحمد في الإثبات عن علي، ووثقه ابن معين والنسائي والعجلي، وذكره مسلم في الطبقة الأولى من التابعين.
وروى عنه ابن المسيب والشعبي وآخرون، "قال: أتانا علي وقد صلى، فدعا بطهور"، "بالفتح" ما يتطهر به، "فقلنا: ما يصنع بالطهور وقد صلى، ما يريد إلا ليعلمنا" بأن يتوضأ ونحن نراه، "فأتى بإناء فيه ماء وطست" يحتمل أنه عطف تفسير لإناء، ويحتمل أنه أتى بالماء في قدح أو إبريق ونحو ذلك، وبطست يلاقي فيه ما ينزل من الماء، "فأفرغ من الإناء على يمينه، فغسل يديه ثلاثا" من المرات، "ثم تمضمض واستنثر" بيده اليسرى، كما في رواية النسائي: استفعل من النثر "بنون ومثلثة" وهو طرح الماء الذي يستنشقه المتوضئ أي يجذبهстр. 4659
الكف الذي يأخذ فيه، ثم غسل وجهه ثلاثا، وغسل يده اليمنى ثلاثا، وغسل يده اليسرى ثلاثا، ثم جعل يده في الإناء فمسح برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا ورجله اليسرى ثلاثا، ثم قال: من سره أن يعلم وضوء رسول الله ﷺ فهو هذا.
قال ابن القيم: والصحيح أنه ﷺ لم يكرر مسح رأسه.
وقال النووي: الأحاديث الصحيحة فيها المسح مرة واحدة، وفي بعضها الاقتصار على قوله: مسح.
واحتج الشافعي بحديث عثمان ﵁ في صحيح مسلم أنه ﷺ توضأ ثلاثا ثلاث، وبالقياس على باقي الأعضاء، انتهى.
وأجيب: بأنه مجمل مبين في الروايات الصحيحة أن المسح لم يتكرر، فيحمل على الغالب ويخص بالمغسول، وبأن المسح مبني على التخفيف فلا
الحواشي
(١) بريح أنفه لتنظيف داخله، ثم يخرجه بيده اليسرى، ويكره فعله بغيرها عند مالك لأنه يشبه فعل الدابة، والمشهور عند الشافعية: لا كراهة "ثلاثا فمضمض ونثر من الكف الذي يأخذ" الماء "فيه ثم غسل وجهه ثلاثا، وغسل يده اليمنى ثلاثا، وغسل يده اليسرى ثلاثا، ثم جعل يده في الإناء، فمسح برأسه" جميعه "مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا، ورجله اليسرى ثلاثا، ثم قال: من سره أن يعلم وضوء رسول الله ﷺ فهو هذا" أي مثله، أو أطلقه عليه مبالغة.
"قال ابن القيم: والصحيح أنه ﷺ لم يكرر مسح رأسه" وبه قال أكثر العلماء، إذ ليس في شيء من طرق الأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما أنه كرر، بل في بعضها كحديث ابن زيد، وعلى التصريح بمرة واحد، ولذا قال ابن المنذر: الثابت عن النبي ﷺ المسح مرة واحدة، وقال أبو داود: أحاديث عثمان الصحاح، كلها تدل على أن مسح الرأس مرة واحدة، "وقال النووي: الأحاديث الصحيحة فيها المسح مرة واحدة، وفي بعضها الاقتصار على قوله مسح" بدون ذكر عدد.
"واحتج للشافعي" في قوله باستحباب تكرير مسحه ثلاثا، "بحديث عثمان ﵁" المروي "في صحيح مسلم" في بعض طرقه، "أنه ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثا" فإن ظاهره يغم مسح الرأس "وبالقياس على باقي الأعضاء. انتهى".
"وأجيب: بأنه" أي حديث مسلم المذكور "مجمل مبين في الروايات الصحيحة" فيстр. 4660
يقاس على الغسل الذي المراد منه المبالغة في الإسباغ، وبأن العدد لو اعتبر في المسح لصار في صورة الغسل، إذ حقيقة الغسل جريان الماء.
واحتج الشافعية أيضا لما رواه أبو داود في سننه من حديث عثمان من وجهين، صحح أحدهما ابن خزيمة: أنه ﷺ مسح رأسه ثلاثا والزيادة من الثقة مقبولة، وفي رواية أبي داود أيضا والترمذي من حديث الربيع بنت معوذ: فغسل كفيه ثلاثا ثلاثا، ووضأ وجهه ثلاثا، وتمضمض واستنشق مرة واحدة، ووضأ يديه ثلاثا، ومسح برأسه مرتين بدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدمه وبأذنيه كلتيهما ظهورهما
الحواشي
(١) مسلم وغيره "أن المسح لم يتكرر، فيحمل" ظاهر هذه الرواية "على الغالب، ويخص بالمغسول" لأن الحديث واحد، والمخرج وهو عثمان واحد وإن تعددت الطرق، فهذا مختصر مبين في الروايات المبسوطة، فيحمل عليها.
"و" أجيب عن القياس، "بأن المسح مبني على التخفيف، فلا يقاس على الغسل الذي المراد منه المبالغة في الإسباغ" فلم يتم القياس، "وبأن العدد لو اعتبر في المسح لصار في صورة الغسل" لأنه إذا كرر قرب من الغسل، "إذ حقيقة الغسل جريان الماء" لا سيما عند من لم يوجب الدلك، وقد اتفق عل كراهة غسل الرأس بدل المسح وإن كان مجزئا،
وأجيب، بأن الخفة تقتضي عدم الاستيعاب، وهو مشروع باتفاق، فليكن العدد كذلك، ويرد بأن الاستيعاب أخف من التكرار بالمشاهدة، وإنما اتفق على الاستيعاب لاتفاق الروايات على أنه ﷺ استوعب.
"واحتج الشافعية أيضا بما رواه أبو داود في سننه، من حديث عثمان من وجهين" أي طريقين، "صحح أحدهما ابن خزيمة، أنه ﷺ مسح رأسه ثلاثا، والزيادة من الثقة مقبولة،" لكن محل ذلك كما قال ابن عبد البر وغيره: ما لم يكن من لم يزد أوثق ممن زاد، فتكون الزيادة شاذة وإن صح إسنادها، وهو هنا كذلك، أو هي ما يأتي محمولة إن صحت على إرادة استيعاب المسح، لا أنها مسحات مستقلة.
"وفي رواية أبي داود أيضا، والترمذي من حديث الربيع"، "بضم الراء وفتح الموحدة وكسر التحتية الشديدة، مهمة"، "بنت معوذ" بضم الميم وفتح المهملة وكسر الواو ثقيلة وذال معجمة" ابن عفراء الأنصارية النجارية، من صغار الصحابة وأبوها من شهداء بدر: أن النبي ﷺ توضأ، "فغسل كفيه ثلاثا ثلاثا، ووضأ" أي غسل "وجهه ثلاثا، وتمضمض واستنشق مرة واحدة،" لبيان الجواز أو المراد فعل الست بغرفة لبيان الجواز أيضا، والمتبادر الأول، "ووضأ يديه ثلاثا، ومسح برأسه مرتين، بدأ بمؤخر رأسه، ثم بمقدمه" بيان لمرتين، فليستا مسحتين،стр. 4661
وبطونهما، ووضأ رجليه ثلاثا ثلاثا.
وقد أجاب العلماء عن أحاديث المسح مرة واحدة بأن ذلك لبيان الجواز، ويؤيده رواية مرتين هذه.
وقال ابن السمعاني -كما حكاه في فتح الباري-: اختلاف الرواية يحمل على التعدد، فيكون مسح تارة مرة، وتارة ثلاثا، فليس في رواية مسح مرة حجة على منع التعدد، ويحتج للتعدد بالقياس على المغسول، لأن الوضوء طهارة حكمية، ولا فرق في الطهارة الحكمية بين الغسل والمسح.
قال: ومن أقوى الأدلة على عدم التعدد، الحديث المشهور الذي صححه ابن خزيمة وغيره من طريق عبد الله بن عمرو بن العاصي في صفة الوضوء بعد أن
الحواشي
(١) بدليل أنها لم تقل: وبدأ بالواو، وثم بدؤه بالمؤخر لبيان الجواز إن صحت هذه الرواية، وقال الأبي: هذا كان لأمر أو في وقت "و" مسح "بأذنيه كلتيهما ظهورهما وبطونهما"، "بدل أو عطف بيان لأذنيه"، "ووضأ رجليه ثلاثا ثلاثا" لكل رجل، "وقد أجاب العلماء" الشافعية، عن أحاديث المسح مرة واحدة، بأن ذلك لبيان الجواز، ويؤيده رواية مرتين هذه" ولا تأييد فيها، لأنه بين فيها معنى مرتين، بقوله: بدأ ... إلخ، وتقدير بدأ في كل مرة بعيد، فالأصل عدم التقدير ولو سلم، فهو مشترك الإلزام، فمسح مرتين لبيان الجواز، أي عدم الحرمة، لأنه يفعل المكروه في حق غيره للجواز.
"وقال ابن السمعاني" في كتاب الاعتصام "كما حكاه في فتح الباري: اختلاف الرواية يحمل على التعدد، فيكون مسح تارة مرة، وتارة ثلاثا فليس في رواية مسح مرة حجة على منع" أي كراهة "التعدد، ويحتج للتعدد بالقياس على المغسول لأن الوضوء طهارة حكمية" ليس مقصورا على محل الحدث، بل يكون في غيره بخلاف الطهارة العينية، لا تجاوز محل حلول موجبها، كإزالة النجاسة، "ولا فرق في الطهارة الحكمية بين الغسل والمسح" إشارة إلى أن الجامع بينهما الطهارة، ورد ما سبق من منع القياس وليس بشيء، لأنه لما ورد نص القرآن بالغسل في الأعضاء والمسح في الرأس، ظهر أنه للتخفيف، فيمتنع قياسه عليها وإن اجتمعا في مطلق الطهارة الحكمية، وإلى هذا أشار ابن السمعاني نفسه، فقال كما في الفتح عقب قوله بين الغسل ولمسح ما نصه: وأجيب بما تقدم أن المسح مبني على التخفيف بخلاف الغسل، ولو شرع التكرار لصارت صوره صور المغسول إلى آخر ما مر.
"قال:" أي صاحب الفتح لا ابن السمعاني، لأنه بعد أن انفصل عن كلام ابن السمعاني،стр. 4662
فرغ: "من زاد على هذا فقد أساء وظلم" فإن في رواية سعيد بن منصور التصريح بأنه مسح رأسه مرة واحدة، فدل على أن الزيادة في مسح الرأس على المرة غير مستحبة، ويحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح -إن صحت- على إرادة الاستيعاب بالمسح، لا أنها مسحات مستقلة متعددة لجميع الرأس، جمعا بين الأدلة. انتهى.
وفي حديث عبد الله بن زيد المتقدم عند البخاري الذي ذكرته قبل: ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر.
وفي رواية: بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه.
وزاد ابن الطباع بعد قوله: "ثم مسح رأسه" كله، كما هو رواية ابن خزيمة.
الحواشي
(١) قال: "ومن أقوى الأدلة على عدم التعدد الحديث المشهور الذي صححه ابن خزيمة وغيره من طريق" أي حديث "عبد الله بن عمرو بن العاصي في صفة الوضوء" النبوي حيث قال ﷺ "بعد أن فرغ ﷺ : "من زاد على هذا فقد أساء وظلم" لاستظهاره على الشارع، "فإن في رواية سعيد بن منصور" للحديث المذكور: "التصريح بأنه مسح رأسه مرة واحدة، فدل على أن الزيادة في مسح الرأس على المرة غير مستحبة" بل مكروهة، إذ لو استحبت، لم يقل من زاد على هذا فقد أساء وظلم مع كونه مسح مرة واحدة.
"ويحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح إن صحت على إرادة الاستيعاب بالمسح، لا إنها مسحات مستقلة متعددة لجميع الرأس جمعا بين الأدلة. انتهى" كلام الحافظ وهو في غاية الظهور.
"وفي حديث عبد الله بن زيد المتقدم" عن البخاري وغيره في بعض طرقه، "عند البخاري الذي ذكرته قبل، ثم مسح رأسه بيديه"، "بالتثنية" وفي رواية: بالإفراد على إرادة الجنس، "فأقبل بهما" أي يديه، وفي رواية: بها بالإفراد، "وأدبر".
"وفي رواية للبخاري وغيره من طريق مالك "بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما" أي يديه "إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه" وهذا تكرار أعاده لزيادة قوله، "وزاد" إسحاق بن عيسى بن نجيح البغدادي، أبو يعقوب "بن الطباع"، "بفتح الطاء المهملة والموحدة المشددة، فألف فعين مهملة"، ثقة من رواة الموطأ، روى له مسلم وأصحاب السنن، مات سنة أربع عشرة، وقيل: خمس عشرة ومائتين "بعد قوله: ثم مسح رأسه كله".стр. 4663
وفي رواية غيره كما قدمته: "برأسه"، بزيادة الباء، الموافقة لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .
قال البيضاوي: "الباء" أي في الآية مزيدة، وقيل: للتبعيض، فإنه الفارق بين قولك، مسحت المنديل، وبالمنديل، ووجهه أن يقال: إنها تدل على تضمين الفعل معنى الإلصاق، فكأنه يقول: وألصقوا المسح برءوسكم، وذلك لا يقتضى الاستيعاب، بخلاف ما لو قيل: وامسحوا رءوسكم فإنه كقوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ، انتهى.
الحواشي
(١) قال البخاري: سئل مالك أيجزئ أن يمسح بعض الرأس، فاحتج بحديث عبد الله بن زيد، قال الحافظ: السائل له عن ذلك إسحاق بن عيسى بن الطباع، بينه ابن خزيمة من طريقه، ولفظه: سألت مالكا عن الرجل يمسح مقدم رأسه في وضوئه، أيجزئه ذلك؟ فقال: حدثني عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، قال: مسح رسول الله ﷺ في وضوئه من ناصيته إلى قفاه، ثم رد يده إلى ناصيته، فمسح رأسه كله، فقوله "كما هو رواية ابن خزيمة", أي زيادة كله، وإلا فرواية الموطأ والشيخين وغيرهما من طريقه، مسح رأسه بدون باء خلاف ما يوهمه قوله "وفي رواية غيره: كما قدمته برأسه بزيادة الباء" بل لم تقع زيادة الباء إلا في رواية خالد، كما يفيده كلام الحافظ: "الموافقة لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ ".
"قل البيضاوي: الباء في الآية مزيدة" للتعدية، وبه تمسك من أوجب الاستيعاب، وقيل: موضع الدلالة من الآية والحديث، أن الآية تحتمل الكل على أن الباء زائدة، والبعض على أنها تبعيضية، فبان بفعله ﷺ أن المراد الأول، ولم ينقل عنه أنه مسح بعض رأسه إلا في حديث المغيرة أنه مسح على ناصيته وعمامته كما في مسلم، وذلك أيضا من أدلة الاستيعاب، إذ لو م يكن واجبا ما مسح على العمامة مع الناصية، فكان ذلك لعذر، لأنه كان في سفر، وهو مظنة العذر.
"وقيل: للتبعيض" وأنكره جماعة، حتى قال ابن برهان: من زعم أن الباء تفيد التبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه وأجيب بأنه منقول عن الأصمعي والفارسي والمتنبي وجماعة: "فإنه" أي التبعيض "الفارق بين قولك مسحت المنديل وبالمنديل ووجهه"، أي دلالتها على التبعيض؛ "أن يقال: إنها تدل على تضمين الفعل معنى الإلصاق، فكأنه يقول: "وألصقوا"، "بفتح الهمزة وكسر الصاد"، "المسح برءوسكم، وذلك لا يقتضي الاستيعاب" لصدقه بإلصاقه ببعض الرأس، "بخلاف ما لو قيل: وامسحوا رءوسكم" بدون باء، "فإنه" يفيد الاستيعاب، "كقوله:стр. 4664
وقال الشافعي ﵁: احتمل قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ جميع الرأس أو بعضه، فدلت السنة على أن بعضه يجزئ والفرق بينه وبين قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ في التيمم، أن المسح فيه بدل عن الغسل، ومسح الرأس أصل فافترقا. ولا يرد كون مسح الخف بدلا عن غسل الرجين، لأن الرخصة فيه ثبتت بالإجماع.
وقد روي من حديث عطاء أن النبي ﷺ توضأ، فحسر العمامة عن رأسه ومسح مقدم رأسه، وهو مرسل، لكنه اعتضد بمجيئه من وجه آخر موصولا أخرجه أبو داود من حديث أنس، وفي إسناده أبو معقل، لا يعرف حاله، لكن اعتضد كل
الحواشي
(١) ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ . انتهى".
وقال القرطبي: الباء للتعدية، يجوز حذفها وإثباتها، كقولك: مسحت رأس اليتيم ومسحت برأسه، وقيل: دخلت الباء لتفيد معنى آخر، وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولا به، والمسح لغة لا يقتضي ممسوحا به، فلو قال: وامسحوا رءوسكم لأجزأ المسح باليد بغير ماء، فكأنه قال: وامسحوا برءوسكم الماء، فهو على القلب والتقدير وامسحوا رءوسكم بالماء.
"وقال" الإمام "الشافعي ﵁: احتمل قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ ، جميع الرأس"، "بناء على أن الباء للتعدية"، "أو بعضه"، "بناء على أنها للتبعيض"، "فدلت السنة أن بعضه يجزئ" وهو أن النبي ﷺ مسح بناصيته، هذا أسقطه من كلام الشافعي، "والفرق بينه وبين قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ في التيمم" إذ المجزئ فيه مسح جميع الوجه اتفاقا، "إن المسح فيه بدل عن الغسل" فلا بد أن يأتي بالمسح على جميع موضع الغسل، "ومسح الرأس أصل فافترق" فلا يقاس عليه "ولا يرد كون مسح الخف بدلا عن غسل الرجلين" فقياسه استيعاب مسح أعلاه وأسفله، وبطلان صلاة تارك مسح أسفله، مع أنها صحيحة "لأن الرخصة فيه ثبتت بالإجماع" وأصله قوله علي: لو كان الدين يؤخذ بالقياس، لكان مسح أسفل الخف أولى من أعلاه، وقد رأيت النبي ﷺ مسح على أعلاه.
"وقد روى" الشافعي "من حديث عطاء" بن أبي رباح "أن النبي ﷺ توضأ فحسر العمامة عن رأسه ومسح مقدم رأسه" وهذا محتمل أنه فعل ذلك حين مسح على الناصية في السفر فيكون للعذر، فسقط به الاستدلال "وهو مرسل" فلا حجة فيه بمفرده "لكنه اعتضد" تقوى "بمجيئه من وجه آخر" حال كونه "موصولا، أخرجه أبو داود من حديث أنس، وفي إسناده أبو معقل لا يعرف حاله" أي مجهول، ولا اسمه.стр. 4665
من المرسل والموصول بالآخر وحصلت القوة من الصورة المجموعة وهذا مثال لما ذكره الشافعي من أن المرسل يعتضد بمرسل آخر أو مسند.
وفي الباب أيضا عن عثمان في صفة الوضوء قال: ومسح مقدم رأسه، أخرجه سعيد بن منصور، وفيه خالد بن يزيد بن أبي مالك مختلف فيه.
وصح عن ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرأس، قاله ابن المنذر وغيره، ولم يصح عن أحد من الصحابة إنكار ذلك. قاله ابن حزم.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا كله مما يقوى به المرسل المتقدم ذكره. انتهى.
واختلف في القدر الواجب في مسح الرأس، فذهب الشافعي في جماعة إلى أن الواجب ما ينطلق عليه اسم ولو شعرة واحدة أخذا باليقين.
الحواشي
(١) قال في التقريب أبو معقل، عن أنس: في المسح على العمامة مجهول من الخامسة، "لكن اعتضد كل من المرسل والموصول بالآخر، وحصلت القوة من الصورة المجموعة،" لكن قد علم أن حديث أنس في المسح على العمامة، وحديث عطاء في مسح مقدم الرأس من غير تعرض لمسح على العمامة، ولا لكونه في سفر، فإن لم يقل باحتمال أن حديث عطاء مختصر من هذا، كانا حديثين، فلا يعتضد أحدهما بالآخر، والشافعي لا يحتج بالمرسل وحده، وإن قلنا به سقط الاستدلال بمرسل عطاء، كما أشرت إليه آنفا، بل يكون من أدلة وجوب الاستيعاب، إذ لو لم يكن واجبا ما مسح على العمامة والناصية "وهذا مثال لما ذكره الشافعي، من أن المرسل يعتضد بمرسل آخر أو مسند" أي موصول.
"وفي الباب أيضا عن عثمان في صفة الوضوء قال: ومسح مقدم رأسه، أخرجه سعيد بن منصور وفيه: خالد بن يزيد بن أبي مالك" الدمشقي، "مختلف فيه" قال في التقريب: ضعيف. مع أنه كان فقيها، وقد اتهمه ابن معين، أي بالكذب، "وصح عن ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرأس، قاله ابن المنذر وغيره، ولم يصح عن أحد من الصحابة إنكار ذلك، قاله ابن حزم" ولا حجة فيه، إذ المختلف فيه لا يجب إنكاره، "قال الحافظ ابن حجر: وهذا كله مما يقوي المرسل المتقدم ذكره. انتهى".
وقد علم ما فيه، "واختلف في القدر الواجب في مسح الرأس" بعد الاتفاق على طلب استيعابه، "فذهب الشافعي في جماعة، إلى أن الواجب ما ينطلق عليه الاسم، ولو شعرةстр. 4666
وذهب مالك وأحمد وجماعة إلى وجوب الاستيعاب أخذا بالاحتياط.
وقال أبو حنيفة في رواية: الواجب ربعه، لأنه ﵇ مسح على ناصيته وهو قريب من الربع. والله أعلم.
وعن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق. رواه أبو داود.
وعنه أيضا: أن رسول الله ﷺ توضأ فمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا من كف واحد. رواه ابن ماجه.
الحواشي
(١) واحدة أخذا باليقين" بناء على أن الباء للتبعيض.
"وذهب مالك وأحمد وجماعة إلى وجوب الاستيعاب أخذا بالاحتياط"، ولأنه لم ينقل عنه ﷺ أنه مسح بعض رأسه إلا في حديث المغيرة، وقد كان في سفر، وهو مظنة العذر، فلعله فعل ذلك لعذر، ولهذا مسح على العمامة بعد مسح الناصية، كما هو ظاهر من سياق مسلم، فلو لم يكن الاستيعاب واجبا ما مسح على العمامة بعد الناصية، فهو من أدلة فرضية الاستيعاب كما قدمته، وإليه أشار القرطبي نقلا عن علمائنا.
"وقال أبو حنيفة في رواية الواجب ربعه، لأنه ﵇ مسح على ناصيته، وهو" أي ما مسح "قريب من الربع، والله أعلم" بالحق من ذلك.
"وعن طلحة بن مصرف"، "بضم الميم وفتح الصاد المهملة، وشد الراء" اليامي "بتحتية" الكوفي، ثقة، فاضل، مات سنة ثنتي عشرة ومائة أو بعدها، "عن أبيه" مصرف بن عمرو بن كعب، أو ابن كعب بن عمرو اليامي، الكوفي، مجهول، قاله في التقريب، "عن جده" كعب بن عمرو بن مصرف اليامي، وقيل: هو عمرو بن كعب بن مصرف حديثه، عند أبي داود، قاله في الإصابة والتقريب.
"قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يتوضأ، والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق" أي يفعل ثلاثة المضمضة نسقا، ثم ثلاثة الاستشاق كذلك، لأنهما عضوان، فيأتي لكل عضو بثلاثة نسقا، ثم فصله بغرفة واحدة كما في حديثه التالي، "رواه أبو داود" في سننه، "وعنه أيضا أن رسول الله ﷺ توضأ، فمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا من كف واحد" تذكير الكف لغة قليلة، وقيل: لا يعرف تذكيرها من يوثق به، ويجمع بين هذا وما قبله بأنه رآه فصل بينهما بغرفة واحدة، بأن تمضمض منها ثلاثا على الولاء،стр. 4667
وفي حديث مسلم أن عثمان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاث مرات.
وفي حديث عبد الله بن زيد عند البخاري: أنه أفرغ من الإناء على يديه فغسلهما ثم غسل ومضمض واستنشق من كفة واحدة ثم قال: هكذا وضوء
الحواشي
(١) ثم استنشق منها ثلاثا، كذلك وإن اقتضى كلام عياض أنه فصل بينهما بست غرفات، وعليه يكون رآه مرتين، "رواه ابن ماجه" محمد القزويني.
"وفي حديث مسلم، أن عثمان" بن عفان "دعا بإناء" فيه ماء للوضوء، "فأفرغ على كفيه"، "بالتثنية معطوف على دعا، والفاء للتعقيب" لكن، ثم فعل مقدر مفهوم من فحوى الكلام، تقديره دعا بإناء فأحضر، فأفرغ، والجار والمجرور متعلق بأفرغ "ثلاث مرار"، "بكسر الميم وتكرير الراء مرتين"، "فغسلهما ثم أدخل يمينه في الإناء" الذي أفرغ منه على كفيه بعد غسلهما "فمضمض" بغير تاء بعد الفاء، "واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاث مرات"، "بفتح الميم آخره فوقية" قاله المصنف في شرح مسلم.
"وفي حديث عبد الله بن زيد عند البخاري" ومسلم، كلاهما من طريق خالد بن عبد الله عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد "أنه أفرغ من الإناء على يديه، فغسلهما ثم غسل" أي فمه "ومضمض واستنشق" لفظ البخاري: أو مضمض.
قال الحافظ: بالشك أي هل قال غسل، أي فمه، أو قال: مضمض؟ قال: وأخرجه مسلم عن محمد بن الصباح عن خالد بسنده هذا من غير شك، ولفظه ثم أدخل يده، فاستخرجها، فمضمض واستنشق، وأخرجه الإسماعيلي من طريق وهيب، عن خالد بلا شك أيضا، فالظاهر أن الشك من مسدد شيخ البخاري، وأغرب الكرماني، فقال: الظاهر أن الشك فيه من التابعي. انتهى.
فلو عزاه المصنف لمسلم، أو لهما لاستقام "من كفة واحدة" قال الحافظ: كذا في رواية أبي ذر، وفي نسخة: من غرفة واحدة، وللأكثر من كف بغير ها.
قال ابن بطال: المراد بالكف الغرفة، فاشتق لذلك من اسم الكف عبارة عن ذلك المعنى، ولا يعرف في كلام العرب إلحاق هاء التأنيث في الكف، ومحصله أن المراد بقوله: كفة فعلة، لا أنها تأنيث الكف، وقال صاحب المشارق، قوله: من كفة "بالضم والفتح" كغرفة وغرفة، أي من ماء ملأ كفه من الماء.
زاد المصنف: وفي رواية ابن عساكر: من كف واحدة، "ثم قال" عبد الله بن زيد بعد أنстр. 4668
رسول الله ﷺ .
قال النووي: فيه أن السنة في المضمضة، والاستنشاق، أن يأخذ الماء لهما بيمينه، ثم قال: وفي الأفضل في كيفية المضمضة والاستنشاق خمسة أوجه:
الأصح: يتمضمض ويستنشق بثلاث غرفات، يتمضمض من كل واحدة ثم يستنشق.
والثاني: يجمع بينهما بغرفة واحدة، يتمضمض منها ثلاثا ثم يستنشق منها ثلاثا.
والثالث: يجمع أيضا بغرفة، ولكن يتمضمض منها ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها ثم يستنشق.
والرابع: يفصل بينهما بغرفتين، فيتمضمض من أحدهما ثلاثا، ثم يستنشق من الأخرى ثلاثا.
والخامس: يفصل بست غرفات، يتمضمض بثلاث غرفات، ثم يستنشق بثلاث غرفات.
الحواشي
(١) فرغ من وضوئه، "هكذا وضوء رسول الله ﷺ ".
"قال النووي فيه" أي الحديث من الفوائد "إن السنة في المضمضة والاستنشاق أن يأخذ الماء لهما بيمينه،" كما فعل ﷺ كما فعل ﷺ "ثم قال" النووي: "وفي الأفضل في كيفية المضمضة والاستنشاق خمسة أوجه، الأصح يتمضمض ويستنشق بثلاث غرفات، يتمضمض من كل واحدة، ثم يستنشق،" كما في رواية خالد المذكورة بلفظ: من كفة واحدة، ففعل ذلك ثلاثا، فإنها صريحة في الجمع في كل غرفة، بخلاف رواية وهيب: فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثا بثلاث غرفات، فإنه يطرقها احتمال التوزيع بلا تسوية، كما نبه عليه ابن دقيق العيد.
"والثاني: يجمع بينهما بغرفة واحدة يتمضمض منها ثلاثا، ثم يستنشق منها ثلاثا" على ما في حديثي أبي داود وابن ماجه، "والثالث: يجمع أيضا بغرفة، ولكن يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها، ثم يستنشق" على ما في بعض الروايات "والرابع: يفصل بينهما بغرفتين، فيتمضمض من أحدهما ثلاثا، ثم يستنشق من الأخرى ثلاثا، والخامس: يفصل بست غرفات" بأن يتمضمض بثلاث غرفات، ثم يستنشقстр. 4669
قال: والصحيح الأول، وبه جاءت الأحاديث الصحيحة.
وقد ذهب الإمام أحمد وأبو ثور إلى وجوب الاستنشاق، وهو أن يبلغ الماء إلى خياشيمه، مستدلين بقوله ﷺ في حديث أبي هريرة: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر". لظاهر الأمر.
وحمله الجمهور ومالك والشافعي وأهل الكوفة على الندب، لقوله ﵇ للأعرابي: توضأ كما أمرك الله، وليس في الآية ذكر الاستنشاق، والله أعلم.
الحواشي
(١) بثلاث غرفات".
وقال بعض المالكية: إنه الأفضل "قال" النووي: "والصحيح الأول" أعاده مع قوله أولا، الأصح لقوله: "وبه جاءت الأحاديث الصحيحة" وهو أيضا الأصح عند المالكية، بحيث حكى ابن رشد الاتفاق على أنه الأفضل.
"وقد ذهب الإمام أحمد وأبو ثور" إبراهيم بن خالد الكلبي، الفقيه: "إلى وجوب الاستنشاق وهو أن يبلغ الماء إلى خياشيمه، مستدلين بقوله ﵊ في حديث أبي هريرة" في البخاري ومسلم وغيرهما": "إذا توضأ أحدكم، فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر"، "بوزن يفتعل"، كذا لأبي ذر والأصيلي ولغيرهما، ثم لينتثر "بمثلثة مضمومة بعد النون الساكنة"، والروايتان لأصحاب الموطأ أيضا.
قال الفراء: يقال: نثر وانتثر واستنثر، إذا حرك النثرة، وهي طرف الأنف في الطهارة، قاله الحافظ.
وقال النووي: لينثر "بكسر المثلثة بعد النون الساكنة" على المشهور، وحكى ضمها "لظاهر الأمر" إذ الأصل فيه الوجوب، "وحمله الجمهور ومالك والشافعي وأهل الكوفة" ومنهم أبو حنيفة.
وفي نسخة: مالك بلا واو، على أنه بدل من الجمهور "على الندب لقوله ﵇" للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله". أخرجه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، فأحاله على الآية، "وليس في الآية ذكر الاستنشاق".
قال الحافظ: وأجيب باحتمال أن يراد بالأمر ما هو أعم من آية الوضوء، فقد أمر الله باتباع نبيه، ولم يحك أحد ممن وصف وضوءه على الاستقصاء، أنه ترك الاستنشاق، بل ولا المضمضة، وهذا يرد على من لا يوجب المضمضة أيضا، وقد ثبت الأمر بهما أيضا في سنن أبي داود، بإسناد صحيح.
وذكر ابن المنذر أن الشافعي لم يحتج على عدم وجوب الاستنشاق مع صحة الأمر به،стр. 4670
وعند أبي داود: كان ﵊ يمسح الماقين.
وعن عثمان أنه ﷺ كان يخلل لحيته، رواه الترمذي وابن ماجه. وعنده من حديث ابن عمر: كان ﵊ إذا توضأ عرك عارضيه بعض العرك ثم شبك لحيته بأصابعه من تحتها.
وعن أنس كان ﷺ إذا توضأ أخذ كفا من ماء فيدخله تحت حنكه ويخلل به لحيته ويقول: بهذا أمرني ربي . رواه أبو داود.
الحواشي
(١) إلا لكونه لا يعلم خلافا في أن تاركه لا يعيد، قال: وهذا دليل فقهي، فإنه لا يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة ولا التابعين إلا عطاء وثبت عنه أنه رجع عن وجوب الإعادة "والله أعلم" بالحكم.
"وعند أبي داود: وكان ﵊ يمسح الماقين"، "بقاف قبلها ألف" لغة في مؤق العين "بهمزة ساكنة" ويجوز إبدالها واوا مؤخرها، فلعل المراد بمسحهما غسلهما غسلا خفيفا.
وقال الأزهري: أجمع أهل اللغة على أن الموق والماق لغتان، بمعنى المؤخر، وهو ما يلي الصدغ "وعن عثمان أنه ﷺ كان يخلل لحيته" أي يدخل الماء في خلالها بأصابعه، "رواه الترمذي وابن ماجه، وعنده" أي ابن ماجه بإسناد ضعيف "من حديث ابن عمر: كان ﵊ إذا توضأ عرك عارضيه بعض العرك" يعني عركا خفيفا "ثم شبك لحيته" أي خللها "بأصابعه" أي أدخل أصابعه مبلولة فيها "من تحتها" والعارض: ما نبت على عرض اللحى فوق الذقن، وقيل: عارضا الإنسان صفحتا خديه، كذا في الفائق، قال ابن الكمال: وقول ابن المعتز:
كأن خط عذار شق عارضه ... عيدان آس على ورد ونسرين
يدل على صحة الثاني وفساد الأول، وكأن قائله لم يفرق بين العذار والعارض.
"وعن أنس: كان ﷺ إذا توضأ أخذ كفا"، "بفتح الكاف" غرفة "من ماء، فيدخله تحت حنكه ويخلل به لحيته ويقول: "بهذا" الفعل "أمرني ربي ". رواه أبو داود والحاكم بإسناد فيه مقال.
وقد قال أحمد وأبو حاتم: لا يثبت في تخليل اللحية شيء لكن قيل: أراد أن أحاديثه ليس شيء منها يرتقي درجة الصحة بذاته، وإلا فقد جاء عن أكثر من عشرة من الصحابة: لو كان كل طريق منها ضعيفا لقامت الحجة بمجموعها، فكيف وبعضها لا ينزل عن درجة الحسن، إلا أن البخاري قال: لم تثبت المواظبة، بل مجرد الفعل إلا في شذوذ من الطرق. انتهى.стр. 4671
وعن أبي رافع: كان ﷺ إذا توضأ حرك خاتمه. رواه ابن ماجه والدارقطني وضعفه.
وعن المستورد بن شداد: كان ﷺ إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره، رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه.
وعن عائشة: كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى.
وعن المغيرة بن شعبة أنه كان مع رسول الله ﷺ في سفر، وأنه ﵊ ذهب لحاجة له وأن مغيرة جعل يصب الماء عليه وهو يتوضأ. رواه
الحواشي
(١) وقد كره مالك في المدونة تخليل اللحية الكثيفة، وهو المشهور، فتخليله ﷺ مع أن لحيته كثيفة لبيان الجواز.
"وعن أبي رافع:" أسلم، أو إبراهيم أو غير ذلك أقوال عشرة، أصحها أسلم: "كان ﷺ إذا توضأ" زاد في رواية: وضوءه للصلاة "حرك خاتمه" زاد في رواية: في أصبعه، أي عند غسل اليد التي هو فيها ليصل الماء إلى ما تحته يقينا.
"رواه ابن ماجه والدارقطني وضعفه", وكذا ضعفه ابن عدي والبيهقي وعبد الحق وابن القطان وغيرهم، ومن ثم لم يأخذ به مالك.
"وعن المستورد"، "بضم الميم وسكون السين المهملة وفتح الفوقية وكسر الراء ومهملة"، "ابن شداد" بن عمر القرشي، الفهري، حجازي نزل الكوفة، ولأبيه صحبة، مات سنة خمس وأربعين: "كان ﷺ إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره" أي بخنصر إحدى يديه، والظاهر أنها اليسرى، قاله بعض الشراح، "رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه" وقال الترمذي: حسن غريب، قال اليعمري: يشير بالغرابة إلى تفرد ابن لهيعة به عن يزيد بن عمرو وليس كذلك، فقد رواه الليث بن سعد وعمرو بن الحارث عن يزيد، كرواية ابن لهيعة، وناهيك بهما جلالة ونبلا، فالحديث إذا صحيح مشهور.
"وعن عائشة: كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه" فيأكل باليمين، زاد في رواية: وشرابه، "وكانت اليسرى لخلائه"، "بالمد"، "وما كان من أذى", قال الأبي: هو ما تكرهه النفس، ومنه سمي الحيض أذى. انتهى.
وهذا أصل في أن ما كان من باب التكريم يفعل باليمنى، وما كان بخلاف ذلك يفعل باليسرى.
"وعن المغيرة بن شعبة أنه كان مع رسول الله ﷺ في سفر" هو سفره لغزوة تبوك فيстр. 4672
البخاري ومسلم.
وعن صفوان بن عسال قال: صببت على النبي ﷺ الماء في السفر والحضر في الوضوء. رواه ابن ماجه.
وفي ذلك جواز استعانة الرجل بغيره في صب الماء في الوضوء من غير كراهة، وكذا إحضار الماء من باب أولى، ولا دليل في هذين الحديثين لجواز الإعانة بالمباشرة.
وقد روى الحاكم في المستدرك، من حديث الربيع بنت معوذ أنها قالت: أتيت رسول الله ﷺ بوضوء فقال: "اسكبي". فسكبت عليه.
الحواشي
(١) رجب سنة تسع "وأنه ﵊ ذهب لحاجة له" هي التبرز "وأن مغيرة جعل يصب الماء عليه وهو يتوضأ" جملة اسمية وقعت حالا "رواه البخاري ومسلم" في الطهارة.
"وعن صفوان بن عسال"، "بمهملتين" مثقل المرادي، صحابي، معروف، غزا مع النبي ﷺ ثنتي عشرة غزوة، نزل الكوفة "قال: صببت على النبي ﷺ الماء في السفر، والحضر في الوضوء".
"رواه ابن ماجه وفي ذلك المذكور من حديثي المغيرة وصفوان "جواز استعانة الرجل بغيره في صب الماء من غير كراهة" خلافا لمن قال: مكروه، أو خلاف الأولى، لأنها ترفه لا تليق بالمتعبد، ورد بأنه إذا ثبت أنه ﷺ فعله، لا يكون خلاف الأولى.
وأجيب بأنه يفعله لبيان الجواز، فلا يكون في حقه خلاف الأولى بخلاف غيره.
وقال الكرماني: إذا كان الأولى تركه كيف ينازع في كراهته، وأجيب، بأن كل مكروه فعله خلاف الأولى من غير عكس، إذ المكروه يطلق على الحرام بخلاف الآخر، "وكذا إحضار الماء من باب أولى" لا كراهة فيه أصلا.
قال الحافظ: لكن الأفضل خلافه "ولا دليل في هذين الحديثين لجواز الإعانة بالمباشرة" أي مباشرة المعين لغسل الأعضاء خلافا لاستدلال البخاري بحديث المغيرة على الإعانة بالمباشرة.
وقد تعقبه ابن المنير بما حاصله أنه فرق بين الإعانة بالصب وبين الإعانة بمباشرة الغير لغسل الأعضاء فدل الحديثان على الأول دون الثاني، وأقره الحافظ.
"وقد روى الحاكم في المستدرك من حديث الربيع"، "بضم الراء وفتح الموحدة وتحتية ثقيلة"، "بنت معوذ" بن عفراء "أنها قالت: أتيت رسول الله ﷺ بوضوء"، "بفتح الواو ماстр. 4673
وهذا أصرح في عدم الكراهة من الحديثين المذكورين لكونه في الحضر، ولكونه بصيغة الطلب، والله أعلم.
وفي الترمذي، من حديث معاذ بن جبل: كان ﷺ إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه.
وعن عائشة: كانت له ﵇ خرقة يتنشف بها بعد الوضوء. قال الترمذي: هذا الحديث ليس بالقائم، وأبو معاذ الرازي ضعيف عند أهل الحديث.
الحواشي
(١) يتوضأ به" فقال: "اسكبي" صبي، "فسكبت عليه، وهذا أصرح في عدم الكراهة من الحديثين المذكورين، لكونه في الحضر" فيه، أنه قال في حديث صفوان في السفر والحضر، لكن هذه العبارة جاء بها من الفتح، وإنما قالها في الحديثين اللذين أوردهما البخاري، وهما حديث المغيرة وحديث أسامة، لما أفاض من عرفة عدل إلى الشعب، فقضى حاجته، قال أسامة بن زيد: فجعلت أصب عليه وهو يتوضأ، وكلاهما في السفر، فلذا قال الحافظ: إن حديث الربيع أصرح، لكونه في الحضر، "ولكونه بصيغة الطلب" الأمر، بقوله: "اسكبي".
قال الحافظ: لكنه ليس على شرط البخاري، نعم الأفضل أن لا يستعين أصلا "والله أعلم".
وفي شرح المهذب حديث: أن عمر بادر لصب الماء على النبي ﷺ ، فقال: "أنا لا أستعين في وضوئي بأحد". باطل لا أصل له.
"وفي الترمذي من حديث معاذ بن جبل: كان ﷺ إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه" يتنشف به.
قال الترمذي: غريب وإسناده ضعيف، وبه جزم الحافظان العراقي والعسقلاني.
"و" في الترمذي أيضا، والحاكم "عن عائشة: كانت له ﵇ خرقة يتنشف بها بعد الوضوء" وفي لفظ: بعد وضوئه، فيجوز التنشف بلا كراهة، وعليه جماعة من الصحابة ومن بعدهم ومالك وغيره، وذهب آخرون إلى كراهته لحديث ميمونة أنها أتته ﷺ بمنديل فرده، ولقول الزهري: إن ماء الوضوء يوزن، وأجاب الأولون، بأنها واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال، وبأجوبة أخرى تأتي في فصل الغسل.
"قال الترمذي: هذا الحديث ليس بالقائم" ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء هذا أسقطه من كلام الترمذي قبل قوله "وأبو معاذ" سليمان بن أرقم "الرازي" البصري راويه عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: "ضعيف عند أهل الحديث" كالبخاري وأبي حاتم ويحيىстр. 4674
وقد احتجم ﷺ فصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه، رواه الدارقطني.
وأكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ. رواه البخاري ومسلم.
وللنسائي: قال كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار.
وشرب ﷺ لبنا ولم يتمضمض ولم يتوضأ فصلى. رواه أبو داود.
وأتي ﷺ بسويق فأمر به فثري فأكل منه، ثم قام إلى المغرب فتمضمض.
الحواشي
(١) والنسائي وابن حبان، وبقية كلام الترمذي: وقد رخص قوم من أهل العلم من الصحابة، ومن بعدهم في التمندل بعد الوضوء، ومن كرهه إنما كرهه لما قيل: إن الوضوء يوزن، روي ذلك عن سعيد بن المسيب والزهري.
"وقد احتجم ﷺ فصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه" جمع محجم بزنة جعفر موضع الحجامة، "رواه الدارقطني" فدل على أن خروج الدم لا ينقض الوضوء، "وأكل" ﷺ " كتف شاة" أي لحمه.
وفي رواية للبخاري: معرق شاة، أي أكل ما على العرق "بفتح المهملة وسكون الراء"، وهو العظيم، ويقال له أيضا العراق "بالضم".
وأفاد القاضي إسماعيل أن ذلك في بيت ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، وهي بنت عمه ﷺ ويحتمل أنه كان في بيت ميمونة، ففي الصحيحين، عنها أنه ﷺ أكل عندها كتفا، ثم صلى ولم يتوضأ، ولا مانع من التعدد كما في الفتح، "ثم صلى ولم يتوضأ، رواه البخاري ومسلم" عن ابن عباس، وهو صريح في أنه لا وضوء مما مست النار.
وأما أحاديث زيد وأبي هريرة وعائشة: "توضئوا مما مست النار". رواها مسلم، فمحولة على الوضوء اللغوي، وهو غسل اليد، أو منسوخة كما أشار إليه بقوله "وللنسائي" وأبي داود، وصححه ابن خزيمة عن جابر "قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار", وفي رواية: مست النار، "وشرب ﷺ لبنا فلم يتمضمض" لبيان الجواز، فلا ينافي استحباب المضمضة لحديث الصحيحين، عن ابن عباس أن النبي ﷺ شرب لبنا، ثم دعا بماء فمضمض، وقال: إن له دسما، ولبيان أن أمره في رواية ابن ماجه: "مضمضوا من اللبن، فإن له دسما". للاستحباب. "ولم يتوضأ، فصلى، رواه أبو داود" بإسناد حسن عن أنس "وأتي ﷺ " وهو سائر إلى غزاة خيبر بعدما صلى العصر "بسويق" قمح أو شعير، أو سلت مقلو، وصفه أعرابي، فقال: عدة المسافر وطعام العجلان وبلغة المريض. "فأمر به فثري"، "بضم المثلثة وشد الراء", ويجوزстр. 4675
رواه البخاري ومالك والنسائي.
وكان ﷺ إذا قام من النوم ربما توضأ. وربما لم يتوضأ لأن عينه تنام ولا ينام قلبه كما في البخاري وغيره.
وفيه دليل على أن النوم ليس حدثا بل مظنة الحدث، فلو أحدث لعلم بذلك فتكون الخصوصية شعوره بالوقوع بخلاف غيره. قال الخطابي: إنما منع قلبه ليعي الوحي الذي يأتيه في منامه.
الحواشي
(١) تخفيفها، أي بل بالماء ليبسه، "فأكل منه" في الرواية: وأكلنا، "ثم قام إلى المغرب فتمضمض" قبل الدخول في الصلاة وفي الرواية: وتمضمضنا، وفائدتها وإن كان لا دسم في السويق أنه يحتبس بقاياه بين الأسنان ونواحي الفم، فيشغله بلعه عن الصلاة.
وبقية الحديث: ثم صلى ولم يتوضأ، "رواه البخاري" في ستة مواضع، "ومالك" في الموطأ، وعن عبد الله بن يوسف عنه، رواه البخاري في الطهارة، "والنسائي" وابن ماجه، كلهم من حديث سويد بن النعمان "وكان ﷺ إذ قام من النوم ربما توضأ وربما لم يتوضأ لأن عينه تنام ولا ينام قلبه،" وكذلك الأنبياء، وفي مسلم، مرفوعا: "رؤيا الأنبياء وحي". "كما في البخاري وغيره" في قصة بيات ابن عباس عنده في بيت ميمونة، إذ توضأ لما قام من النوم الأول ثم تهجد، ثم نام حتى نفخ، ثم أتاه المنادي، فناداه بالصلاة، فقام معه فصلى ولم يتوضأ.
"وفيه دليل على أن النوم ليس حدثا، بل مظنة الحدث، فلو أحدث لعلم بذلك" لعدم نوم قلبه، "فتكون الخصوصية شعوره بالوقوع بخلاف غيره".
"قال الخطابي: إنما منع قلبه النوم ليعي الوحي الذي يأتيه في منامه", وكذلك الأنبياء، ولذا جاز لإبراهيم الإقدام على ذبح ولده برؤيا المنام، والله أعلم.стр. 4676
الفصل الرابع: في مسحه ﷺ على الخفين
اعلم أنه قد صرح جمع من العلماء الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين، منهم العشرة، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أنه قد روي عن أحد من فقهاء السلف إنكاره إلا عن مالك، مع أن الروايات الصحيحة عنه مصرحة بإثباته، وقد أشار الشافعي في الأم إلى إنكار ذلك على المالكية، والمعروف المستقر عندهم الآن قولان: الجواز مطلقا. وثانيهما: للمسافر دون المقيم، وهذا الثاني مقتضى ما في "المدونة"، وبه جزم ابن الحاجب.
وقال ابن المنذر: اختلف العلماء أيهما أفضل، المسح أو الغسل والذي أختاره: أن المسح أفضل لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج
الحواشي
(١) الفصل الرابع: في مسحه ﷺ على الخفين
"اعلم أنه قد صرح جمع من العلماء الحفاظ، بأن المسح على الخفين" وهو خاص بالوضوء لا مدخل للغسل فيه، بالإجماع كما في الفتح "متواتر" أي نقله جمع عن جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب بلا قيد عدد على الأصح.
"وجمع بعضهم: رواته، فجاوزوا الثمانين" بيان لتواتره "منهم العشرة" المبشرة بالجنة، وروى ابن أبي شيبة وغيره عن الحسن البصري: حدثني سبعون من الصحابة بالمسح على الخفين، ونقل ابن المنذر عن ابن المبارك، قال ليس في المسح على الخفين عن الصحابة اختلاف، لأن كل من روى عنه منهم إنكاره، فقد روى عنه إثباته.
"وقال ابن عبد البر: لا أعلم أنه قد روي عن أحد من فقهاء السلف إنكاره إلا عن مالك" في رواية أنكرها أكثر أصحابه، "مع أن الروايات الصحيحة عنه مصرحة بإثباته، وموطؤه يشهد للمسح في الحضر والسفر، وعليها جميع أصحابه وجميع أهل السنة، هذا بقية كلام ابن عبد البر.
"وقد أشار الشافعي في الأم إلى إنكار ذلك على المالكية" الذين نقلوا إنكاره عن مالك لأن الشافعي من أصحابه، وقد قال أبو عمر: أنكرها أكثر الصحابة، وقال الباجي: رواية الإنكار وقعت في العتبية، وظاهرها المنع، وإنما معناها أن الغسل أفضل منه.
قال ابن وهب: آخر ما فارقت مالكا على المسح في الحضر والسفر، وقال نحوه ابن نافع، وأن مالكا إنما كان يتوقف فيه في خاصة نفسه مع افتائه بالجواز، وهذا مثل ما صح عن أبي أيوب الصحابي "والمعروف المستقر عندهم" أي المالكية "الآن قولان: الجواز مطلقا" للحاضر والمسافر وهو المشهور، "وثانيهما للمسافر دون المقيم، وهذا الثاني مقتضى ما في المدونة، وبه جزم ابن الحاجب" وهو ضعيف، والمشهور الإطلاق، وصرح الباجي بأنه الأصح، وقال: قال أصبغ: المسح عن النبي ﷺ وعن أكابر أصحابه أثبت عندنا من أن نتبع مالكا على خلافه، يعني في هذه الرواية. انتهى.
وقد حكى الإجماع على جوازه إلا أن قوما ابتدعوا كالخوارج، فقالوا: لم يرد به القرآن والشيعة، لأن عليا امتنع منه، ورد بأنه لم يثبت عن علي بإسناد موصول يثبت بمثله كما قاله البيهقي.
وقال الكرخي من الحنفية: أخاف الكفر على من لا يرى المسح على الخفين "وقال ابنстр. 4677
والروافض.
وقال النووي: مذهب أصحابنا أن الغسل أفضل من المسح لكن بشرط أن لا يترك المسح.
وقد تمسك من اكتفى بالمسح بقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ عطفا على قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فذهب إلى ظاهرها جماعة من الصحابة والتابعين، وحكي عن ابن عباس في رواية ضعيفة، والثابت عنه خلافه.
وعن عكرمة والشعبي وقتادة: الواجب الغسل أو المسح.
وعن بعض أهل الظاهر: يجب الجمع بينهما.
الحواشي
(١) المنذر: اختلف العلماء أيهما أفضل المسح أو الغسل" للرجلين، "والذي أختاره" أنا "أن المسح أفضل لأجل" الرد على "من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض" وإحياء ما طعن فيه المخالفون من السنن أفضل من تركه، هذا بقية كلام ابن المنذر.
"وقال النووي: مذهب أصحابنا" الشافعية، وكذا المالكية "أن الغسل" للرجلين "أفضل من المسح" على الخف، "لكن بشرط أن لا يترك المسح" رغبة عن السنة، كما قالوا في تفضيل القصر على الإتمام، هذا بقية كلام النووي كما في الفتح، وهو متعين، "وقد تمسك من اكتفى بالمسح" على الرجلين نفسهما، ولم يوجب غسلهما بقوله تعالى: "وَأَرْجُلِكُمْ"، "بالجر"، "عطفا على" رءوسكم، من "قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ فذهب إلى ظاهرها جماعة من الصحابة والتابعين" إذ التقدير وامسحوا بأرجلكم.
"وحكي عن ابن عباس في رواية ضعيفة والثابت عنه خلافه" أن المسح لا يجزئ، "وعن عكرمة والشعبي"، "بموحدة بعد المهملة"، "وقتادة: الواجب الغسل" عملا بقراءة: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ "بالنصب", "أو المسح" لنفس الرجلين، عملا بقراءة الخفض، فالفرض التخيير عند هؤلاء, وليس المعنى مسح الخف بدليل سابق الكلام ولاحقه، لكن هذا الذي نقله المصنف عن الثلاثة مخالف لنقل القرطبي، عنهم أن الواجب المسح لا الغسل، وعبارته: كان عكرمة يمسح على رجليه وقال: ليس في الرجلين غسل.
وقال عامر الشعبي: نزل جبريل بالمسح، ثم قال: ألا ترى أن اتيمم يمسح فيه ما كان غسلا ويلغي ما كان مسحا، وقال قتادة: افترض الله غسلين ومسحين، وذهب ابن جرير الطبري إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح، وجعل القراءتين كالروايتين. انتهت, فإنما نقل التخيير عن ابن جرير، فلعل للثلاثة قولين.
"وعن بعض أهل الظاهر: يجب الجمع بينهما" بين مسح نفس الرجلين ثم غسلهما.стр. 4678
وحجة الجمهور: الأحاديث الصحيحة من فعله ﷺ كما سيأتي إن شاء الله تعالى، فإنه بيان للمراد، وأجابوا عن الآية بأجوبة:
منها: أنه قرئ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب عطفا على ﴿أَيْدِيَكُمْ﴾ .
وقيل: إنه معطوف على محل ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ ، كقوله تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠] .
وقيل: المسح في الآية محمول على مشروعية المسح على الخفين، فحملوا قراءة "الجر" على مسح الخفين، وقراءة "النصب" على غسل الرجلين.
الحواشي
(١) قال القرطبي: قال النحاس، ومن أحسن ما قيل أن المسح والغسل واجبان جميعا، فالمسح واجب على قراءة الخفض، والغسل واجب على قراءة النصب، والقراءتان بمنزلة آيتين. انتهى.
فليس المراد الجمع بين غسل الرجلين، ثم المسح على الخفين، "وحجة الجمهور" القائلين بأن الواجب غسل الرجلين، ولا يصح مسحهما، "الأحاديث الصحيحة من فعله ﷺ كما سيأتي" قريبا إن شاء الله تعالى، فإنه بيان المراد" في الآية.
زاد القرطبي: وهو اللازم من قوله في غير ما حديث وقد رأى قوما يتوضئون وأعقابهم تلوح، فنادى بأعلى صوته: "ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء"، وفي رواية: "ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار". فخوفنا بالنار من مخالفة مراد الله، ومعلوم أنه لا يعذب بالنار إلا من ترك الواجب، وأن المسح ليس شأنه الاستيعاب.
"وأجابوا عن الآية بأجوبة، منها أنه قرئ" عند حمزة والكسائي، وحفص عن عاصم: " ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب عطفا على ﴿أَيْدِيَكُمْ﴾ " وذلك نص في وجوب الغسل، وإنما قدم عليه مسح الرأس لإفادة أنه يفعل قبل غسل الرجلين، ولذا اختلف في أن الترتيب سنة أو واجب، وقد جاء عن علي أن هذا من المقدم والمؤخر من الكلام.
"وقيل: إنه معطوف على محل ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ " لأن محله النصب مفعول ﴿َامْسَحُوا﴾ ، لكن عطفه عليه لا يعطي الغسل الذي هو المطلوب، فلا يصح جوابا للجمهور عن الآية الذي الكلام فيه، "كقوله تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي﴾ " فـ ﴿جِبَالُ﴾ مبني على الضم في محل نصب، فعطف عليه " ﴿وَالطَّيْرَ﴾ بالنصب" بإجماع القراء سوى الجرمي، باعتبار المحل، وعلى القول، بأنه عطف على ﴿فَضْلًا﴾ من قوله: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ لا شاهد فيه.
"وقيل: المسح في الآية محمول على مشروعية المسح على الخفين، فحملوا قراءة الجر" ابن كثير، وأبو عمرو, وحمزة, وشعبة عن عاصم، "على مسح الخفين وقراءةстр. 4679
وجعل البيضاوي "الجر" على الجواز، قال: ونظيره كثير في القرآن كقوله تعالى: ﴿عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٦] ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] بالجر في قراة حمزة والكسائي. وقولهم: "جحر ضب خرب" وللنحاة باب في ذلك.
وفائدته التنبيه على أنه ينبغي أن يقتصد في صب الماء عليهما ويغسلا
الحواشي
(١) النصب على غسل الرجلين" جمعا ين القراءتين، فأفاد الجر مسحهما، لكن إذا كانا عليهما خفان.
قال القرطبي: وتلقينا هذا القيد من النبي ﷺ ، إذ لم يمسح رجليه إلا وعليهما خفان، فبين بفعله الحال التي تغسل فيها الرجل، والحال التي تمسح فيه وهذا حسن.
"وجعل البيضاوي" تبعا لطائفة "الجر على الجواز، قال: ونظيره كثير في القرآن، كقوله تعالى" ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٦] أي مؤلم، فأليم في الحقيقة صفة لعذاب، لا ليوم فجر للمجاورة.
وقال في سورة هود: يوصف به العذاب وزمانه للمبالغة، كجد جده ونهارك صائم، " ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ بالجر في قراءة حمزة والكسائي" للمجاورة لأكواب وأباريق وما بعده وإن كان عطفا على ﴿وِلْدَانٌ﴾ المرفوع في قوله: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ﴾ ، وقيل: عطفا على ﴿جَنَّاتِ﴾ بتقدير مضاف، أي هم في جنات ومصاحبة حور، أو على أكواب؛ لأن معنى ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ، بِأَكْوَابٍ﴾ ينعمون بأكواب، وقرأ غيرهما: ﴿وَحُورٌ﴾ بالرفع عطفا على ﴿وُلْدَانٌ﴾ ، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي وفيها، أو ولهم حور، وقرئ "بالنصب" على تقدير ويؤتون حورا، ولا شاهد فيما عدا الجوار "وقولهم" أي العرب "جحر ضب خرب" بالجر لمجاورة ضب وإن كان بالرفع صفة لحجر، إذ هو الذي وصف بخرب دون ضب، "وللنحاة باب في ذلك" يعبر عنه بعضهم بالعطف على اللفظ دون المعنى، فيكون دليلا على غسل الرجلين، إذ المراعى المعنى لا اللفظ، وإنما خفض للجوار، وهذا مذهب الأخفش وأبي عبيدة وغيرهما، وجعلوا منه أيضا قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ , بالجر، لأن النحاس الدخان، وقوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] للجوار، فالمعنى محفوظ بالخفض في لوح، وقول امرئ القيس:
كبير أناس في بجاد مزمل
فخفض مزمل للجوار، فالمزمل الرجل وهو مرفوع، وقال زهير:
لعب الزمان بها وغيرها ... بعدي سوى في المزن والقطر
قال أبو حاتم: الوجه القطر بالرفع، فجر للمجاورة "وفائدته التنبيه على أنه ينبغي أنстр. 4680
غسلا يقرب من المسح. انتهى.
وعن المغيرة بن شعبة أنه غزا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك، قال فتبرز ﷺ قبل الغائط فحملت معه إداوة -قبل الفجر- فلما رجع أخذت أهريق الماء على يديه من الإداوة، فغسل يديه ووجهه، وعليه جبة من صوف، ذهب يحسر عن
الحواشي
(١) يقتصد"، أي يتوسط "في صب الماء عليهما، ويغسلا غسلا يقرب من المسح" دفعا لتوهم المبالغة في غسلهما بالزيادة على الثلاث لملاقاتهما الأوساخ، ورد ذلك النحاس وقال: هذا القول غلط عظيم، لأن الجوار لا يكون في كلام يقاس عليه، وإنما هو غلط، ونظيره الأقواء. "انتهى".
يعني: فلا ينبغي أن يحمل عليه أفصح الكلام، وقد أمكن غيره، وأجاب قوم عن قراءة الخفض بأن المسح في الرجلين هو الغسل حكاه ابن عطية، قال القرطبي: وهو الصحيح فإن لفظ المسح مشترك يطلق بمعنى المسح، وبمعنى الغسل كما حكاه أبو زيد عن العرب، فيترجح أن المراد بقراءة الخفض الغسل لقراءة النصب التي لا احتمال فيها، ولكثرة الأحاديث الثابتة بالغسل والتوعد على ترك غسلهما في أخبار صحاح لا تحصى كثرة، أخرجها الأئمة. انتهى.
"وعن المغيرة بن شعبة أنه غزا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك" بعدم الصرف على المشهور لوزن الفعل كتقول، "قال: فتبرز" بالتشديد، أي خرج " ﷺ " لقضاء حاجته، ولابن سعد عن مغيرة: لما كنا بين الحر وتبوك ذهب لحاجته "قبل" بكسر ففتح، أي جهة "الغائط" أي المكان المطمئن الذي تقضى فيه الحاجة، فاستعمل في أصل حقيقته اللغوية، فليس المراد الفضلة، "فحملت معه إداوة" بكسر الهمزة، أي مطهرة من جلد وكان حملها بأمره.
ففي رواية للشيخين، فقال: يا مغيرة خذ الإداوة "قب الفجر" أي الصبح، ولابن سعد: فتبعته بماء بعد الفجر، ويجمع بأن خروجه كان بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الصبح، زاد في رواية للشيخين: فانطلق حتى توارى عني، ثم قضى حاجته، وعند أحمد أن الماء أخذه المغيرة من أعرابية صبته له من قربة من جلد ميتة، فقال له ﷺ : "سلها، فإن كانت دبغتها فهو طهورها". فقالت: إي والله لقد دبغتها. "فلما رجع أخذت أهريق الماء على يديه"، "بضم الهمزة وفتح الهاء وإسكانها" أي أصب، وفي رواية: فصببت عليه "من الإداوة، فغسل يديه", زاد في رواية أحمد: فأحسن غسلهما، وللبخاري: تمضمض واستنشق، "ووجهه" زاد أحمد ثلاث مرات، "وعليه جبة" هي ما قطع من الثياب مشمرا، قاله في المشارق: "من صوف" وللبخاري ومسلم: وعليه جبة شامية ضيقة الكمين، زاد أبو داود: من جباب الروم، "ذهب يحسر" بكسر السين المهملة، كما للمصنف على مسلم، وكأنه الرواية، وإلا ففي لغة "بضم السين أيضا"стр. 4681
ذراعيه فضاق كم الجبة، فأخرج يده من تحت الجبة، وألقى الجبة على منكبيه وغسل ذراعيه، ثم مسح بناصيته وعلى العمامة، ثم أهويت لأنزع خفيه فقال: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين". فمسح عليهما، ثم ركب وركبت. الحديث رواه مسلم.
الحواشي
(١) "عن ذراعيه فضاق كم الجبة، فأخرج يده" بإفراد كم ويد على إرادة الجنس، ففي الموطأ: ثم ذهب يخرج يديه من كمي جبته، فلم يستطع من ضيق كمي الجبة فأخرجهما "من تحت الجبة، وألقى الجبة على منكبيه" لأنه كان عليه إزار تحتها، "وغسل ذراعيه"، "بالتثنية"، ولأحمد: فغسل يديه اليمنى ثلاث مرات ويده اليسرى ثلاث مرات، "ثم مسح بناصيته وعلى العمامة" لعله للعذر، إذ السفر مظنته، ففيه دلالة على وجوب الاستيعاب، إذ لو كفى البعض ما مسح على العمامة.
قال المازري: استدل به الحنفية على أن الواجب الناصية، وأحمد على جوازه على العمامة، وهو رد عليهما، فيقال لأبي حنيفة: لم تقتصر على الناصية، ويقال لأحمد: لو جاز الاقتصار عليه فلم مسح الناصية، "ثم أهويت" أي مددت يدي، أو قصدت، أو أشرت، أو أومأت "لأنزع خفيه، فقال: "دعهما، فإني أدخلتهما" أي الرجلين حال كونهما "طاهرتين" من الحدثين، ولأبي داود: فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتين "فمسح عليهما" وفي هذا الرد على من زعم أن المسح عليهما منسوخ بآية المائدة، لأن هذه القصة في غزوة تبوك، وهي آخر مغازيه، وكانت سنة تسع بعد المائدة باتفاق، لأنها نزلت في غزوة المريسيع سنة ست.
وقد روى الجماعة عن جرير بن عبد الله البجلي: رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم توضأ ومسح على خفيه.
زاد الترمذي في رواية، فقيل له: قبل المائدة أم بعدها، فقال: ما أسلمت إلا بعد المائدة.
قال الأعمش: قال إبراهيم النخعي، وكان أصحاب رسول الله ﷺ يعجبهم هذا الحديث، لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة.
قال النسائي: كان إسلامه قبل موته ﷺ بيسير، وقال غيره: بأربعين ليلة وفيه نظر، لأنه شهد حجة الوداع، وهي قبل الوفاة النبوية بنحو ثلاثة أشهر، "ثم ركب" راحلته "وركبت" راحلتي "الحديث" ذكر فيه أنهما انطلقا، فوجدا الناس قدموا ابن عوف، فأدرك ﷺ الركعة الثانية، وقضى الأولى بعد سلام عبد الرحمن، وتقدم في الأذان من المقصد الأول مبسوطا، "رواه مسلم" وأبو داود وغيرهما مطولا، وروى بعضه البخاري، وفيه فوائد كثيرة، ذكر جملة منها صاحب الفتح وغيره.стр. 4682
وعند الترمذي من حديث المغيرة أيضا أنه ﷺ مسح على الخفين على ظاهرهما.
وعند أبي داود من حديثه أيضا: ومسح على الجوربين والنعلين.
وعنه قال: مسح ﷺ على الخفين، فقلت يا رسول الله: نسيت، فقال: "بل أنت نسيت، بهذا أمرني ربي ". رواه أبو داود وأحمد.
وعن عمرو بن أمية الضمري قال: رأيته ﵇ يمسح على عمامته وخفيه. رواه البخاري وأحمد.
الحواشي
(١) "وعند الترمذي من حديث المغيرة أيضا أنه ﷺ مسح على الخفين على ظاهرهما", فأفاد أنه لا يكفي مسح أسفله، وروي عن المغيرة أيضا أنه ﷺ كان يمسح على أعلى الخف وأسفله، فأفادت هذه الرواية أن ذلك عادته، ورواية الترمذي: فعلها مرة في السفر، لإفادة أن ترك مسح الأسفل لا يبطل المسح بخلاف الأعلى.
وقد روى أبو داود والدارقطني عن علي: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، ولكن رأيت رسول الله ﷺ يمسح أعلاه".
"وعند أبي داود من حديثه" أي المغيرة "أيضا: ومسح على الجوربين"، "مثنى جورب وزن فوعل معرب" ما كان على شكل الخف من صوف ونحوه، وحمله الفقهاء على ما إذا جلد ظاهره وهو ما يلي السماء، وباطنه وهو ما يلي الأرض، "والنعلين" أي الخفين، ولعل المعنى أنه لبسهما فوق الجوربين، ولذا قال المالكية: يجوز مسح الخف ولو على خف أو خف على جورب، قال أبو داود: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث، لأن المعروف عن المغيرة أن النبي ﷺ مسح على الخفين، "وعنه قال: مسح ﷺ على الخفين، فقلت: يا رسول الله نسيت" همزة الاستفهام مقدرة، "فقال: "بل أنت نسيت" يشعر بعلم المغيرة قبل رؤيته يمسح، فيحتمل أن النبي ﷺ لم بأنه رآه قبل ذلك يمسح، أو علم بأنه بلغه من الصحابة قبل لانتشار المسح بينهم. "بهذا أمرني ربي " بالوحي، أو بلا واسطة أو في القرآن على قراءة الخفض، "رواه أبو داود وأحمد، وعن عمرو بن أمية الضمري"، "بفتح الضاد المعجمة وإسكان الميم"، "قال: رأيته ﵇" اختصار لقوله: رأيت النبي ﷺ "يمسح على عمامته", أي كمل عليها بعد مسح الناصية، ففي مسلم عن المغيرة: ثم مسح بناصيته وعلى العمامة، وإلى هذا ذهب الجمهور، وذهب أحمد والأوزاعي وجماعة إلى جواز الاقتصار في المسجد على العمامة تمسكا بظاهر هذا الحديث، وقياسا على الخفين فإن الرأس عضو يسقط فرضه في التيمم، فجاز المسح على حائله كالقدمين.стр. 4683
وقال علي بن أبي طالب: جعل ﷺ المسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم. رواه مسلم.
الحواشي
(١) وأجاب الخطابي بأن الله فرض مسح الرأس، وحديث مسح العمامة محتمل للتأويل، فلا يترك المتيقن للمحتمل، وقياسه على الخف بعيد لمشقة نزعه دونها، وتعقب بأن الآية لا تنفي الاقتصار على المسح على العمامة، لا سيما عند من يحمل المشترك على حقيقته ومجازه لأن من قال قبلت رأس فلان يصدق ولو على حائل، وبأن المجيزين الاقتصار على مسح العمامة شرطوا مشقة نزعها بأن تكون محنكة كعمائم العرب، ورد الأول بأن الأصل حمل اللفظ على حقيقته ما لم يرد نص صريح بخلافه، والنصوص وردت عن النبي ﷺ أمرا وفعلا بمسح الرأس، فتحمل رواية مسح العمامة على أنه كان لعذر بدليل المسح على الناصية معا كما في مسلم: سلمنا أنه حديث آخر لاختلاف المخرج، فيحتمل أنه فعله لعذر لم يمكنه مسح رأسه ولا شيء منه أصلا، وبالجملة فيه قضية فعلية تتطرق إليها الاحتمالات، ورد الثاني بأنهم ولو شرطوا مشقة نزعها لا يجامع الخف، لأنه مأخوذ من الآثار من القياس ولو كان منه لجاز المسح على القفازين في اليدين، فلا يقاس على الخفين شيء، "وخفيه رواه البخاري وأحمد" وغيرهما وأعل الأصيلي إسناده بما رده عليه فتح الباري.
"وقال علي بن أبي طالب: جعل ﷺ المسح على الخفين" أي مدته "ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر" سفر قصر "ويوما وليلة للمقيم" وقال به الجمهور والأئمة الثلاثة، ونسب لمالك مثله في كتاب البشر، لكن أنكر أهل المذهب ذلك الكتاب، والمشهور عنه يمسح بلا توقيت ما لم يخلعه أو يجب عليه غسل أو يختل شرط من شروطه، وروى مثله عن عمرو وعن مالك أيضا من الجمعة إلى الجمعة، وحملت لى أنه ينزعه لغسلها إلا أنه أراد التأقيت، "رواه مسلم" عن شريح بن هانئ، قال: سألت عائشة عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بعلي بن أبي طالب ﵁، فاسأله فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ ، وفي لفظ له، فقالت: ائت عليا، فإنه أعلم بذلك مني، فأتيت عليا، فقال. فذكره, واختلف في رفع هذا الحديث ووقفه على علي.
قال ابن عبد البر: من رفعه أثبت وأحفظ ممن وقفه، وقال ابن العربي: أحاديث التوقيت صحيحة وأحاديث عدمه ضعيفة، وعند ابن خزيمة عن صفوان بن عسال، قال: أمرنا النبي ﷺ أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثا إذا سافرنا، ويوما وليلة إذا أقمنا، قال الحافظ: صحيح، لكن ليس على شرط البخاري، وفي الباب عن أبي بكر صححه الشافعي وغيره.стр. 4684
الفصل الخامس: في تيممه ﷺ
واعلم أن التيمم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وهو من خصائص هذه الأمة.
وأجمعوا على أن التيمم لا يكون إلا في الوجه واليدين، سواء كان عن حدث أصغر أو أكبر، وسواء تيمم عن الأعضاء كلها أو بعضها.
واختلفوا في كيفية: فمذهبنا ومذهب الأكثرين، أنه لا بد من ضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين.
وعن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها
الحواشي
(١) الفصل الخامس: في تيممه ﷺ
هو لغة القصد، وشرعا: القصد إلى الصعيد لمسح الوجه واليدين فقط، "واعلم أن التيمم ثابت بالكتاب" بقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ ، "والسنة" لثبوت تيممه ﷺ "والإجماع" عليه من الأمة، "وهو من خصائص هذه الأمة" المحمدية، "وأجمعوا على أن التيمم لا يكون إلا في الوجه واليدين، سواء كان عن حدث أصغر أو أكبر" وما نقل عن ابن مسعود وعمر أنهما منعا تيمم الجنب واستدلا بقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] فثبت عنهما أنهما رجعا عن ذلك، "وسواء تيمم عن الأعضاء كلها أو بعضها".
"واختلفوا في كيفية" التيمم، "فمذهبنا ومذهب الأكثرين" وأبي حنيفة "أنه لا بد من ضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين" لأحاديث وردت بذلك لا تخلو من مقال، وذهب مالك وأحمد والشافعي في القديم إلى أن الواجب ضربة واحدة، والمسح إلى الكوعين، واعترف النووي والحافظ وغيرهما بأنه الأقوى دليلا لصحة الأحاديث بذلك، وتحمل أحاديث الضربتين وإلى المرفقين على السنية جمعا بينهما.
"وعن حذيفة" بن اليمان "قال: قال رسول الله ﷺ ": "فضلنا"، "بفتح الفاء والضاد وسكون اللام" أي: زدنا في الفضل أو "بضم الفاء وكسر الضاد مشددة" أي: فضلنا الله "على الناس بثلاث" من الخصال: "جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة" قال الزين العراقي المراد به التراص وإتمام الصف الأول فالأول في الصلاة, فهو من خصائص هذه الأمة، وكانت الأمم السابقة يصلون منفردين، وكل واحد على حدة، "وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتهاстр. 4685
طهورا إذا لم نجد الماء". رواه مسلم.
وفي رواية أبي أمامة عند البخاري: "وجعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجدا وطهورا".
وهذا عام، وحديث حذيفة خاص، فينبغي أن يحمل العام عليه، فيختص الطهور بالتراب.
ومنع بعضهم الاستدلال بلفظ "التربة" على خصوصية التيمم بالتراب، بأن قال: تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره. وأجيب: بأنه ورد في الحديث بلفظ التراب، أخرجه ابن خزيمة وغيره, وفي حديث علي: "وجعل لي التراب طهورا".
الحواشي
(١) طهورا إذا لم نجد الماء" هذه الخصلة الثانية.
قال في رواية مسلم وذكر خصلة أخرى، يعني: أبهما نسيانا أو نحوه، "رواه مسلم" وهذه الخصلة المبهمة بينها ابن خزيمة والنسائي، وهي: "وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعطها نبي قبلي" والنص على عدد لا يدل على نفي ما عداه، فلا ينافي حديث مسلم عن أبي هريرة: "فضلت على الأنبياء بست"، أو لعله أطلع أولا على بعض ما خص به، ثم أطلع على الباقي، فإن خصائصه كثيرة جدا.
"وفي رواية أبي أمامة عند البخاري: "وجعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجدا وطهورا" فزاد: ولأمتي، "وهذا عام" لقوله: "الأرض كلها" فهو حجة لمالك وأبي حنيفة وأحمد في رواية, ومن وافقهم في جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض وإن لم يكن ترابا، "و" لكن "حديث حذيفة" المذكور "خاص" لقوله: تربتها، "فينبغي أن يحمل العام عليه، فيختص الطهور بالتراب" كما ذهب إليه الشافعي وأحمد في رواية.
وأجاب الأولون بأن شرط المخصص أن يكون منافيا للعام، ولفظ تربة أو تراب لا ينافيه، فالنص عليه ليس تخصيصا، بل من باب النص على بعض أفراد العام، كقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ، فخصه لبيان أفضليته على غيره، وقد قلنا به لا لأنه لا يجزئ غيره، "ومنع بعضهم الاستدلال بلفظ التربة" المذكورة في حديث حذيفة "على خصوصية التيمم بالتراب بأن قال: تربة كل ما فيه من تراب أو غيره" فيكون من أدلة التعميم.
"وأجيب بأنه ورد في الحديث بلفظ التراب أخرجه ابن خزيمة وغيره، وفي حديث علي: "وجعل لي التراب طهورا" بفتح الطاء على المشهور "أخرجه أحمد والبيهقي بإسنادстр. 4686
أخرجه أحمد والبيهقي بإسناد حسن.
وعن عمارة: قال جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار لعمر: أما تذكر أنا كنا في سفر، أنا وأنت، فأما أنت فلم
الحواشي
(١) حسن" فصح الاستدلال به على التخصيص، وقد علم منع التخصيص لفقد شرطه، والصعيد اسم لوجه الأرض، وهو نص القرآن، وليس بعد بيان الله تعالى بيان.
وقد قال ﷺ للجنب: "عليك بالصعيد" فإنه يكفيك، فنص له على العام في وقت البيان، ودعوى أن الحديث سيق لإظهار التخصيص أو التشريف -فلو جاز بغير التراب لما اقتصر عليه في حديث حذيفة وعلي- ممنوعة، وسند المنع أن شأن الكريم الامتنان بالأعظم والسكوت عن الأدون، على أنه امتن بالكل في حديث جابر في الصحيحين، بقوله: "وجعلت الأرض مسجدا وطهورا". فقد حصل الامتنان بها تارة، وبالآخر أخرى لمناسبة اقتضاء الحال.
وأما زعم أن اقتران اللفظ بالتأكيد في رواية، بقوله: كلها في المسجد دون الآخر، يدل على افتراق الحكم، وإلا لعطف أحدهما على الآخر بلا تأكيد، كما في رواية جابر، فمدفوع بأن حديث جابر دل على عدم الافتراق، إذ لو أريد افتراق الحكم ما تركه فيه، وقد يكون المقام اقتضى تأكيد كون الأرض مسجدا ردا على منكر ذلك دون كونها صعيدا لثبوته بالقرآن، فلا دلالة فيه على افتراق الحكم البتة.
"وعن عمارة" كذا في النسخ، والذي في الصحيحين من عدة طرق، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، "قال: جاء رجل" قال الحافظ: لم أقف على تسميته، وفي رواية للطبراني، أنه من أهل البادية، وفي رواية للبخاري، أن عبد الرحمن بن أبزى شهد ذلك "إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني أجنبت"، "بفتح الهمزة" أي صرت جنبا، "فلم أصب الماء"، "بضم الهمزة" أي لم أجده.
قال الحافظ: هذه الرواية اختصر فيها جواب عمر وليس ذلك من البخاري، فقد أخرجه البيهقي من طريق آدم شيخه، فيه بدونها أيضا، وقد أورده البخاري في الباب الذي بعده من رواية ستة أنفس عن شعبة بالإسناد المذكور، ولم يسقه تاما من رواية واحد منهم، نعم ذكر جواب عمرَ مسلمٌ من طريق يحيى بن سعيد، والنسائي من طريق حجاج بن محمد, كلاهما عن شعبة، ولفظهما، فقال: لا تصل زاد السراج حتى تجد الماء، وللنسائي نحوه، وهذا مذهب مشهور عن عمر وافقه عليه ابن مسعود، ووقعت فيه مناظرة بين ابن مسعود وأبي موسى، وقيل: إن ابن مسعود رجع عن ذلك، "فقال عمار" بن ياسر أحد السابقين الأولين، هو وأبوه شهد المشاهد كلها "لعمر: أما"، "بفتح الهمزة والميم المخففة"، "تذكر" زاد في رواية: يا أمير المؤمنين "أنا"стр. 4687
تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "إنما كان يكفيك هكذا". وضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه إلى كوعيه. رواه البخاري ومسلم.
واستدل بالنفخ على استحباب تخفيف التراب، وسقوط استحباب تكرار
الحواشي
(١) وفي رواية: إذ "كنا في سفر" وفي رواية للشيخين: في سرية، وزاد: فأجنبنا "أنا وأنت" تفسير بضمير الجمع في كنا، "فأما أنت فلم تصل"، لأنه كان يعتقد أن التيمم عن الحدث الأصغر لا الأكبر، بدليل قوله للسائل: لا تصل حتى تجد الماء، "وأما أنا فتمعكت" في رواية: فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة "بغين معجمة" أي: تقلبت، كأنه استعمل القياس لأنه رأى أن التيمم إذا وقع بدل الوضوء وقع على هيئة الوضوء، فرأى أنه إذا وقع عن الغسل يقع على صفة الغسل، "فصليت، فذكرت ذلك للنبي ﷺ " لما عدت من السرية، "فقال": "إنما كان يكفيك هكذا"، "بكاف بعد الهاء"، "وضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما", وفي رواية: ثم أدناهما من فيه، وهي كناية عن النفخ، وفيها إشارة إلى أنه نفخ نفخا خفيفا "ثم مسح بهما وجهه وكفيه إلى كوعيه" ففيه دلالة على أن هذه الصفة هي الواجبة في التيمم، والزيادة عليها لو ثبتت بالأمر دلت على النسخ ولزم قبولها, لكن إنما وردت بالفعل، فتحمل على الأكمل وهذا هو الأظهر من حيث الدليل.
قال النووي في شرح المهذب: هذا القول وإن كان مجروحا عند الأصحاب، فهو القوي في الدليل، وأجاب في شرح مسلم، بأن المراد بيان صورة الضرب للتعليم، وليس المراد بيان جميع ما يحصل به التيمم، وتعقب بأن سياق القصة يدل على أن المراد جميع ذلك، لأن ذلك هو الظاهر من قوله: إنما كان يكفيك، وقياسه على الوضوء قياس في مقابلة النص، فهو فاسد الاعتبار، وقد عارضه من لم يشترط ذلك بقياس آخر، وهو الإطلاق في آية السرقة، ولا حاجة لذلك مع وجود النص، ثم سياق هؤلاء، يعني: الستة الذين رووه عن شعبة عن البخاري، يدل على أن التعليم وقع بالفعل.
ولمسلم من طريق يحيى بن سعيد، والإسماعيلي من طريق يزيد بن هارون وغيره، كلهم عن شعبة، أن التعليم وقع بالقول، ولفظهم: "إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض". زاد يحيى: "ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك". قاله كله الحافظ، يعني: فجمع له ﷺ بين التعليم بالقول والفعل، غايته أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر، أو تركه اكتفاء بالفعل، لأنه أبلغ.
"رواه البخاري ومسلم" بطرق متعددة، "واستدل بالنفخ على استحباب تخفيف التراب و" على "سقوط استحباب تكرار التيمم، لأن التكرار يستلزم عدم التخفيف".стр. 4688
التيمم لأن التكرار يستلزم عدم التخفيف.
وعن أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة قال: مررت على النبي ﷺ وهو يبول، فسلمت عليه فلم يرد عليّ، حتى قام إلى جدار فحته بعصا كانت معه، ثم وضع يديه على الجدار فمسح وجهه وذراعيه، ثم رد عليّ، رواه البغوي في شرح
الحواشي
(١) زاد في الفتح: وعلى أن غسل رأسه بدل المسح أجزأه أخذا من كون عمار تمرغ في التراب للتيمم وأجزأه ذلك، ويستفاد من الحديث وقوع اجتهاد الصحابة في زمنه ﷺ ، وأن المجتهد لا لوم عليه إذا بذل وسعه وإن لم يصب الحق، وإنه إذا عمل بالاجتهاد لا يجب عليه الإعادة، وفي تركه أمر عمر بقضائها متمسك لمن قال: إن فاقد الطهورين لا يصلي ولا قضاء عليه. انتهى.
"وعن أبي الجهيم"، "بضم الجيم وفتح الهاء مصغر": قال الحافظ، قيل اسمه عبد الله، وحكى ابن أبي حاتم، عن أبيه، قال: ويقال هو الحارث بن الصمة، فعلى هذا لفظ ابن في قوله: "ابن الحارث" زائد "ابن الصمة"، "بكسر المهملة وشد الميم" ابن عمرو بن عتيك الخزرجي، لكن صحح أبو حاتم أن الحارث اسم أبيه لا اسمه، أي: فليست ابن زائدة.
وقال ابن منده: عبد الله بن جهيم بن الحارث بن الصمة, فجعل الحارث اسم جده ولم يوافق عليه، وكأنه أراد أن يجمع الأقوال المختلفة فيه.
وفي مسلم أبي الجهم "بإسكان الهاء" والصواب أنه بالتصغير، وفي الصحابة شخص آخر، يقال له أبو الجهم، وهو صاحب الانبجانية، وهو غير هذا، لأنه قرشي وهذا أنصاري، ويقال في كل منهما بحذف الألف واللام وبإثباتها. ا. هـ. من فتح الباري "قال: مررت على النبي ﷺ وهو يبول، فسلمت عليه، فلم يرد" بالحركات الثلاث في الدال: الكسر لأنه الأصل والفتح لأنه أخف وهو الذي في الفرع وغيره، والضم لاتباع الراء، قاله المصنف. "عليّ حتى قام إلى جدار فحته بعصا كانت معه، ثم وضع يديه على لجدار فمسح وجهه وذراعيه" كذا في هذه الرواية, والذي في الصحيحين: ويديه، قال الحافظ والدارقطني والشافعي: وذراعيه، وله شاهد من حديث ابن عمر، أخرجه أبو داود, لكن خطأ الحافظ رواية في رفعه، وصوبوا وقفه، وأخرجه مالك موقوفا بمعناه، وهو الصحيح، والثابت في حديث أبي جهيم، بلفظ: يديه لا ذراعيه، فإنها رواية شاذة مع ما في أبي الحويرث راويها عند الشافعي، وأبي صالح عن الليث راويها عند الدارقطني من الضعف. انتهى.
"ثم رد علي" السلام، زاد في رواية الطبراني في الأوسط، وقال: "إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت على غير طهر". أي: أنه كره أن يذكر الله على غير طهارة.стр. 4689
السنة وقال: حديث حسن.
وهذا محمول على أن الجدار كان مباحا، أو كان مملوكا لإنسان يعلم رضاه.
الحواشي
(١) قال ابن الجوزي: لأن السلام من أسماء الله، لكنه منسوخ بآية الوضوء، أو بحديث عائشة: كان ﷺ يذكر الله على كل أحيانه، قال النووي: والحديث محمول على أنه كان عادما للماء حال التيمم لامتناعه حال القدرة، سواء كان لفرض أو لنفل.
قال الحافظ: وهو مقتضى صنيع البخاري، يعني: ترجمته بقوله: التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء لكن تعقب استدلاله به على جواز التيمم في الحضر بأنه ورد على سبب، وهو ذكر الله، فلم يرد به استباحة الصلاة.
وأجيب بأنه لما تيمم في الحضر، لرد السلم مع جوازه بدون الطهارة، فمن خشي فوات الصلاة في الحضر جاز له التيمم بطريق الأولى، وقيل: يحتمل أنه لم يرد بذلك التيمم رفع حدث ولا استباحة محظور، وإنما أراد التشبه بالمتطهرين، كما يشرع الإمساك في رمضان لمن يباح له الفطر، أو أراد تخفيف الحدث بالتيمم، كما يشرع تخفيف الجنب بالوضوء، وهذا الاحتمال بعيد.
"رواه البغوي في شرح السنة، وقال: حديث حسن" ورواه أيضا الشافعي والدارقطني والطبراني، وأصله في الصحيحين وأبي داود والنسائي، عن أبي الجهيم قال: أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل، يعني: نفسه، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد السلام.
وفي مسلم عن ابن عمر أن رجلا مر ورسول الله ﷺ يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه، "وهذا" أي: حته للجدار "محمول على أن الجدار كان مباحا، أو كان مملوكا لإنسان يعلم رضاه" بحته كما قاله النووي، وتبعه الحافظ وغيره، قال بعض شراح البخاري: وهو تكلف بلا فائدة لما تقرر أنه ﷺ إذ احتاج إلى شيء وجب على مالكه بذله له، وإنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، كذا قال.стр. 4690
الفصل السادس: في غسله ﷺ
والغُسل -بضم الغين- اسم للاغتسال.
وقيل: إذا أريد به الماء فهو مضموم، وأما المصدر فيجوز فيه الضم والفتح، حكاه ابن سيدة وغيره.
وقيل: المصدر بالفتح، والاغتسال بالضم.
وقيل: الغَسل بالفتح: فعل المغتسل، وبالضم: الماء الذي يغتسل به، وبالكسر: ما يجعل مع الماء كالإشنان.
وحقيقة الغسل: جريان الماء على الأعضاء.
وحقيقة الاغتسال: غسل جميع الأعضاء مع تمييز ما للعبادة عما للعادة بالنية.
ووجوب الغسل على الجنب مستفاد من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ، [النساء: ٤٣] .
ففي الآية الأولى إجمال، وهو قوله تعالى: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ بينه قوله في الآية
الحواشي
(١) الفصل السادس: في غسله ﷺ
"والغسل -بضم الغين- اسم للاغتسال" أي: فهو اسم مصدر "وقيل: إذا أريد به الماء فهو مضموم وأما المصدر" أي الفعل الواقع من المغتسل، ولفظ الفتح: وإذا أريد به الفعل، "فيجوز فيه" أي: الاسم المعبر عنه "الضم والفتح، حكاه بن سيده" بكسر السين المهملة وإسكان التحتية"، "وغيره".
"وقيل: المصدر بالفتح والاغتسال" الحاصل بالمصدر "بالضم" فصب الماء على البدن غَسل "بالفتح"، والأثر الحاصل منه للبدن غُسل "بالضم" ويقال فيه: اغتسال.
"وقيل: الغسل بالفتح فعل المغتسل، وبالضم الماء الذي يغتسل به، وبالكسر ما يجعل مع الماء كالإشنان"، "بضم الهمزة وكسرها لغة".
وفي شرح المصنف للبخاري: الغسل "بفتح الغين" أفصح وأشهر من ضمها مصدر بمعنى الاغتسال، وبكسرها اسم لما يغسل به وهو لغة سيلان الماء على الشيء "وحقيقة الغسل جريان الماء على الأعضاء وحقيقة الاغتسال غسل جميع الأعضاء مع تمييز ما للعبادة عما للعادة بالنية" إذ هي المميزة لذلك، "ووجوب الغسل على الجنب مستفاد من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ أي: اغتسلوا، ووجه الاستفادة أن صيغة التفعل تدل عليه صريحا؛ لأن الوضوء هو الطهارة لا التطهر.
"وقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ أي: اجتنبوها حالة السكر، "ففي الآية الأولى إجمال، وهو قوله: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ لأن الطهر فيها محتمل للوضوء والغسل وغيرهما،стр. 4691
الثانية ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ . ويؤيده قوله تعالى في الحائض: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] المفسر بـ"اغتسلن" اتفاقا.
وقد كان رسول الله ﷺ يطوف على نسائه بغسل واحد. رواه مسلم من حديث أنس.
وعن أبي رافع: طاف النبي ﷺ ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه، وعند هذه، قال: قلت يا رسول الله! ألا تجعله غسلا واحدًا آخرا؟ قال: "هكذا
الحواشي
(١) فهي من المجمل الذي لم تتضح دلالته، لكن منع ذلك بعض شراح البخاري بأن صيغة التفعل تدل على الغسل صريحا، لأن الوضوء هو الطهارة لا التطهر، وعلى الإجمال فقد "بينه قوله في الآية الثانية" في الذكر: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ لأن الاغتسال لغة تعميم البدن بالماء، "ويؤيده قوله تعالى في" شأن المرأة "الحائض: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ من الدم بانقطاعه، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ المفسر" هذا الثاني: "باغتسلن اتفاقا".
زاد الحافظ: ودلت آية النساء على أن استباحة الجنب الصلاة، وكذا اللبث في المسجد تتوقف على الاغتسال، "وقد كان رسول الله ﷺ يطوف على نسائه" يجامعهن "بغسل واحد".
قال النووي: يحتمل أنه كان يتوضأ بينهما، ويحتمل أن لا؛ ليدل على جواز ترك الوضوء. انتهى.
وفيه دلالة على أن القسم ليس بواجب عليه، إذ وطء المرأة في يوم الأخرى ممنوع، لكن قل: إنه وإن لم يجب عليه، لكنه التزمه تطييبا لنفوسهن، فيحتمل أن يكون بإذن صاحبة اليوم، أو في يوم لم يثبت فيه قسم، كيوم قدومه من سفر، أو في اليوم الذي بعد كمال الدور، لأنه يستأنف القسم بعد، أو من خصائصه ساعة يطوف فيها من ليل أو نهار لا حق لواحدة منهن، ثم يدخل عند صاحبة النوبة.
وفي حديث أنس عند البخاري: كان يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل أو النهار، وهن إحدى عشرة امرأة، وفي رواية: وله يومئذ تسع نسوة، وجمع بأنه ضم إلى التسع أمتيه مارية وريحانة، وأطلق عليهما نساءه تغليبا وبغير ذلك، كما مر بسط ذلك في الخصائص، "رواه مسلم من حديث أنس" فزاد على رواية البخاري بغسل واحد فلذا عزاه له دونه.
"وعن أبي رافع" اسمه أسلم على المشهور من عشرة أقوال سبقت، قال: "طاف النبي ﷺ ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه" أي: كل من جامعها اغتسل عندها، "قال" أبو رافع: "قلت: يا رسول الله ألا تجعله غسلا واحدا آخرا"، "بكسر الخاء"، "قال: "هكذا أزكى وأطيب وأطهر". رواه أحمد وأبو داود والنسائي" وفيه استحباب الغسل.стр. 4692
أزكى وأطيب وأطهر". رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
وقد أجمع العلماء على أنه لا يجب الغسل بين الجماعين وأما الوضوء فاستحبه الجمهور، وقال أبو يوسف: إنه لا يستحب، وأوجبه ابن حبيب من المالكية، وأهل الظاهر، لحديث: "إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءا". رواه مسلم وحمله بعضهم على الوضوء اللغوي، فقال: المراد به غسل الفرج.
وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذ اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم يتوضأ
الحواشي
(١) "وقد أجمع العلماء على أنه لا يستحب بين الجماعين" سواء كان للجامعة أولا أو لغيرها، "وأما الوضوء فاستحبه الجمهور، وقال أبو يوسف: أنه لا يستحب، وأوجبه ابن حبيب من المالكية، وأهل الظاهر لحديث" أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم أهله" أي: جامعها "ثم أراد أن يعود" إلى جماعها "فليتوضأ بينهما وضوءا" كاملا.
زاد في رواية ابن خزيمة: "فإنه أنشط للعود". فدل على أن الأمر للندب والإرشاد. انتهى.
ويدل له أيضا ما رواه الطحاوي عن عائشة: كان ﷺ يجامع، ثم يعود ولا يتوضأ. "رواه مسلم" وأبو داود والترمذي وابن خزيمة، كلهم عن أبي سعيد، وحمله بعضهم على الوضوء اللغوي، فقال: المراد به غسل الفرج" ورده ابن خزيمة بما رواه في هذا الحديث، بلفظ: "فليتوضأ وضوءه للصلاة".
وقال القاضي عياض: الجمهور على غسل الفرج خوف أن تدخل النجاسة في الفرج دون ضرورة مع ما فيه من النظافة التي بنيت عليها الشريعة وتكميل اللذة، لأن ما تعلق به من بلل الفرج وانتشر عليه من المني مفسد للذة الجماع المستأنف، ورطوبة الفرج عندنا نجسة لما يخالطها من النجاسة الجارية عليها كالحيض، والمني.
وتعقبه الزواوي بأن تعليله باختلاطه بالحيض وغيره من النجاسات ليس بمحل خلاف، وإنما الخلاف لو كان مغسولا نظيفا ليس فيه إلا الرطوبة والبلة خاصة، "وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل" أي: شرع في الغسل، أو أراد الغسل "من الجنابة" أي: لأجلها، فمن سببية "بدأ فغسل يديه"، "بالتثنية" قبل إدخالهما في الإناء "ثم يتوضأ" ولأبي ذر: ثم توضأ "كما يتوضأ للصلاة" احترازا عن الوضوء اللغوي، وهو غسل اليدين، وظاهره أنه يتوضأ وضوءاстр. 4693
كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول الشعر، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله. رواه البخاري.
ويحتمل أن يكون غسلهما للتنظيف مما بهما، ويحتمل أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النوم. ويدل عليه زيادة ابن عيينة في هذا الحديث عن هشام "قبل أن يدخلهما في الإناء" رواه الشافعي والترمذي وزاد أيضا: "ثم يغسل فرجه" وكذا لمسلم وأبي داود.
وهي زيادة جليلة، لأن تقديم غسله يحصل به الأمن من مسه في أثناء
الحواشي
(١) كاملا ولا يؤخر غسل رجليه، وهو المشهور عن مالك والشافعي "ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها،" أي بأصابعه التي أدخلها في الماء، ولمسلم: ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر، وللبيهقي: ثم يشرب شعره الماء "أصول الشعر" أي شعر رأسه، "ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه"، "بفتح الراء" جمع غرفة على المشهور في جمع القلة، والأصل في مميز الثلاثة أنه من جموع القلة، وهذه رواية الكشميهني والأصيلي ولغيرهما: ثلاث غرف، "بضم الغين وفتح الراء" جمع كثرة، إما لقيامه مقام جمع القلة، أو بناء على قول الكوفيين إنه جمع قلة، كعشر سور وثماني حجج، "ثم يفيض"، "بضم الياء من أفاض"، أي: يسيل "الماء على جلده" أي: بدنه، وقد يكنى بالجلد عن البدن، قاله الرافعي، "كله" أكده دلالة على أنه عم جميع بدنه بالغسل بعدما تقدم دفعا لتوهم إطلاقه على أكثره تجوزا، واستدل به من لم يشترط الدلك، لأن الإفاضة الإسالة.
قال المازري: لا حجة فيه، لأن أفاض بمعنى غسل، فالخلاف فيه قائم قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه. انتهى.
ولم يظهر فيه شيء "رواه البخاري" في أول الغسل من طريق مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به ورواه مسلم من طرق عن غيره بنحوه "و" قوله: بدأ فغسل يديه: "يحتمل أن يكون غسلهما للتنظيف مما بهما" مما قد يستقذر ويقويه حديث ميمونة كما في الفتح "ويحتمل أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النوم، ويدل عليه زيادة ابن عيينة" سفيان "في هذا الحديث عن هشام" عن أبيه عن عائشة: "قبل أن يدخلهما في الإناء. رواه الشافعي والترمذي، وزاد أيضا: ثم يغسل فرجه، وكذا لمسلم" من رواية أبي معاوية "وأبي داود" من رواية حماد بن زيد كلاهما عن هشام ولفظ مسلم: كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، وله من طريق زائدة عن هشام: فغسل يديه قبل أن يدخل يديه في الإناء، "وهي زيادة جليلة لأن تقديم غسله يحصل به إلا من مسهстр. 4694
الغسل.
ويحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سنة مستقلة، بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد، ويحتمل أن يكتفي بغسلها في الوضوء عن إعادته، وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في أول عضو.
وإنما قدم أعضاء الوضوء تشريفا لها، ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى.
ونقل ابن بطال: الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل.
وهو مردود، فقد ذهب جماعة, منهم: أبو ثور وداود وغيرهما إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث.
وقوله: "فيخلل بها أصول الشعر" أي شعر رأسه ويدل عليه رواية حماد بن سلمة عن هشام -عند البيهقي- يخلل بها شق رأسه الأيمن فيتتبع بها أصول
الحواشي
(١) في أثناء الغسل" فينتقض الوضوء، "ويحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سنة مستقلة، بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء" بعد ذلك "مع بقية الجسد" إذ لم يغسلهما بنية الفرض.
قال الحافظ: ويؤيده التأكيد بقوله: كله، وعليه فينوي المغتسل الوضوء إن كان محدثا، وإلا فسنة الغسل، "ويحتمل أن يكتفي بغسلها في الوضوء عن إعادته" في الغسل، "وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في أول عضو" من أعضاء الوضوء ليقع غسله عن الجنابة، فهو جواب عما يقال: لا يصح هذا الاحتمال لانتفاء نية الجنابة فيه بناء على وجوب نيته.
قال الحافظ: وإليه جنح الداودي شارح المختصر من الشافعية، فقال: يقدم غسل أعضاء الوضوء لكن بنية غسل الجنابة، "وإنما قدم أعضاء الوضوء" على هذا الاحتمال تشريفا لها، ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى" الوضوء "والكبرى" الغسل.
"ونقل ابن بطال" وتلميذه ابن عبد البر: "الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل" لأنه وضوء وزيادة، "وهو مردود، فقد ذهب جماعة، منهم: أبو ثور وداود وغيرهما إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث".
"وقوله: فيخلل بها أصول الشعر، أي: شعر رأسه، ويدل عليه رواية حماد بن سلمة" بن دينار، "عن هشام" بن عروة عن أبيه، عن عائشة "عند البيهقي" بلفظ: "يخلل بها شقстр. 4695
الشعر، ثم يفعل بشق رأسه الأيسر كذلك.
وقال القاضي عياض: احتج به بعضهم على تخليل شعر اللحية في الغسل. إما لعموم قوله: "أصول الشعر" وإما بالقياس على شعر الرأس.
وفائدة التخليل، إيصال الماء إلى الشعر والبشرة، ومباشرة الشعر باليد ليحل تعمميه بالماء، وهذا التخليل غير واجب اتفاقا، إلا إن كان الشعر متلبدا بشيء يحول بين الماء وبين الوصول إلى أصوله.
واختلف في وجوب الدلك، فلم يوجبه الأكثر.
ونقل عن مالك والمزني وجوبه، واحتج له ابن بطال بالإجماع على وجوب إمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسلها، فيجب ذلك في الغسل قياسا لعدم الفرق بينهما.
وتعقب: بأن جميع من لم يوجب الدلك أجازوا غمس اليد في الماء للمتوضئ من غير إمرار، فبطل الإجماع وانتفت الملازمة.
الحواشي
(١) رأسه الأيمن، فيتتبع بها أصول الشعر، ثم يفعل بشق رأسه الأيسر كذلك" كما فعل في الأيمن،
"وقال القاضي عياض: احتج به بعضهم على تخليل شعر اللحية في الغسل إما لعموم قوله أصول الشعر" بقطع النظر عن رواية البيهقي المذكورة، أو لأنها تعطي التخصيص، "وإما بالقياس على شعر الرأس" بجامع أن كلا شعر، "وفائدة التخليل إيصال الماء إلى الشعر والبشرة" أي: الجلد، "و" فائدة "مباشرة" فهو "بالجر عطف" على التخليل "الشعر باليد ليحصل تعميمه بالماء" وتأنيس البشرة لئلا يصيبها بالصب ما تتأذى به، كما في كلام عياض، وهو في الفتح متصلا بقوله: "وهذا التخليل غير واجب اتفاقا إلا إن كان الشعر متلبدا بشيء يحول" يمنع "بين الماء وبين الوصول إلى أصوله" كصمغ ونحوه.
"واختلف في وجوب الدلك، فلم يوجبه الأكثر، ونقل عن مالك" وهو مشهور مذهبه، "والمزني" إسماعيل تلميذ الشافعي "وجوبه" لذاته تعبدا عند مالك.
"واحتج له ابن بطال: بالإجماع على وجوب إمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسلها، فيجب ذلك في الغسل قياسا لعدم الفرق بينهما" إذ كل طهارة ترفع الحدث.
"وتعقب بأن جميع من لم يوجب الدلك أجازوا غمس اليد في الماء للمتوضئ من غير إمرار، فبطل الإجماع وانتفت الملازمة" التي ادعاها البطلان.следующие страницы →