← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

الثانية ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ . ويؤيده قوله تعالى في الحائض: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] المفسر بـ"اغتسلن" اتفاقا. وقد كان رسول الله ﷺ يطوف على نسائه بغسل واحد. رواه مسلم من حديث أنس. وعن أبي رافع: طاف النبي ﷺ ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه، وعند هذه، قال: قلت يا رسول الله! ألا تجعله غسلا واحدًا آخرا؟ قال: "هكذا

стр. 4692

أزكى وأطيب وأطهر". رواه أحمد وأبو داود والنسائي. وقد أجمع العلماء على أنه لا يجب الغسل بين الجماعين وأما الوضوء فاستحبه الجمهور، وقال أبو يوسف: إنه لا يستحب، وأوجبه ابن حبيب من المالكية، وأهل الظاهر، لحديث: "إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءا". رواه مسلم وحمله بعضهم على الوضوء اللغوي، فقال: المراد به غسل الفرج. وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذ اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم يتوضأ

стр. 4693

كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول الشعر، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله. رواه البخاري. ويحتمل أن يكون غسلهما للتنظيف مما بهما، ويحتمل أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النوم. ويدل عليه زيادة ابن عيينة في هذا الحديث عن هشام "قبل أن يدخلهما في الإناء" رواه الشافعي والترمذي وزاد أيضا: "ثم يغسل فرجه" وكذا لمسلم وأبي داود. وهي زيادة جليلة، لأن تقديم غسله يحصل به الأمن من مسه في أثناء

стр. 4694

الغسل. ويحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سنة مستقلة، بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد، ويحتمل أن يكتفي بغسلها في الوضوء عن إعادته، وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في أول عضو. وإنما قدم أعضاء الوضوء تشريفا لها، ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى. ونقل ابن بطال: الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل. وهو مردود، فقد ذهب جماعة, منهم: أبو ثور وداود وغيرهما إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث. وقوله: "فيخلل بها أصول الشعر" أي شعر رأسه ويدل عليه رواية حماد بن سلمة عن هشام -عند البيهقي- يخلل بها شق رأسه الأيمن فيتتبع بها أصول

стр. 4695

الشعر، ثم يفعل بشق رأسه الأيسر كذلك. وقال القاضي عياض: احتج به بعضهم على تخليل شعر اللحية في الغسل. إما لعموم قوله: "أصول الشعر" وإما بالقياس على شعر الرأس. وفائدة التخليل، إيصال الماء إلى الشعر والبشرة، ومباشرة الشعر باليد ليحل تعمميه بالماء، وهذا التخليل غير واجب اتفاقا، إلا إن كان الشعر متلبدا بشيء يحول بين الماء وبين الوصول إلى أصوله. واختلف في وجوب الدلك، فلم يوجبه الأكثر. ونقل عن مالك والمزني وجوبه، واحتج له ابن بطال بالإجماع على وجوب إمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسلها، فيجب ذلك في الغسل قياسا لعدم الفرق بينهما. وتعقب: بأن جميع من لم يوجب الدلك أجازوا غمس اليد في الماء للمتوضئ من غير إمرار، فبطل الإجماع وانتفت الملازمة.

стр. 4696

وفي قوله في هذا الحديث: "ثلاث غرفات" استحباب التثليث في الغسل. قال النووي: ولا نعلم فيه خلافا إلا ما انفرد به الماوردي: فإنه قال: لا يستحب التكرار في الغسل. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري -ومنه لخصت ما ذكرته- قلت: وكذا قال الشيخ أبو علي السنجي وكذا قال القرطبي. وقالت ميمونة: وضعت له ﷺ ماء للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثا، ثم أفرغ على شماله فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق

стр. 4697

وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول عن مكانه فغسل قدميه. رواه البخاري. ولم يقيد في هذه الرواية بعدد، فيحمل على أقل مسمى وهو المرة الواحدة، لأن الأصل عدم الزيادة عليها. وفيه مشروعية المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة، لقوله: "ثم مضمض واستنشق" وتمسك به الحنفية للقول بوجوبهما. وأجيب: بأن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب، إلا إذا كان بيانا لمجمل

стр. 4698

تعلق به الوجوب، وليس الأمر هنا كذلك. وعنها توضأ ﷺ وضوءه للصلاة غير رجليه، وغسل فرجه وما أصابه من الأذى، ثم أفاض عليه الماء، ثم نحى رجليه فغسلهما. رواه البخاري. وفيه التصريح بتأخير غسل الرجلين في وضوء الغسل إلى آخره، وهو مخالف لظاهر رواية عائشة. ويمكن الجمع بينهما إما بحمل رواية عائشة على المجاز، أو بحمله على حالة أخرى، وبحسب اختلاف هاتين الحالتين اختلف نظر العلماء، فذهب الجمهور إلى استحباب تأخير غسل الرجلين. وعن مالك: إن كان المكان غير

стр. 4699

نظيف فالمستحب تأخيرهما، وإلا فالتقديم، وعند الشافعية: في الأفضل قولان، قال النووي: أصحهما وأشهرهما ومختارهما أنه يكمل وضوءه. قال: ولم يقع في شيء من طرق هذا الحديث التنصيص على مسح الرأس في هذا الوضوء، وتمسك به المالكية لقولهم: إن وضوء الغسل لا يمسح فيه الرأس، بل يكتفي فيه بغسلهما. وعن جبير بن مطعم قال: قال ﷺ : "أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثا". وأشار

стр. 4700

بيديه، كلتيهما رواه البخاري. وفيه عن أبي هريرة قال: أقيمت الصلاة، وعدلت الصفوف قياما، فخرج إلينا رسول الله ﷺ ، فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب، فقال لنا: "مكانكم". ثم

стр. 4701

رجع فاغتسل ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه. وقوله: "ذكر" أي تذكر، لا أنه قال ذلك لفظا، وعلم الراوي بذلك من قرائن، أو بإعلامه بعد ذلك. وظاهر قوله: "فكبر" الاكتفاء بالإقامة السابقة، فيؤخذ منه جواز التخلل الكثير بين الإقامة والدخول في الصلاة. وعنده أيضا من حديث ميمونة: وضعت للنبي ﷺ غسلا فسترته بثوب،

стр. 4702

وصب على يديه فغسلهما، ثم صب بيمينه على شماله فغسل فرجه، فضرب بيده الأرض فمسحها، ثم غسلها، فتمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم صب الماء على رأسه، وأفاض على جسده، ثم تنحى فغسل قدميه، فناولته ثوبا فلم يأخذه، فانطلق وهو ينفض يديه. وقد استدل بعضهم بقولها: "فناولته ثوبا فلم يأخذه" على كراهة التنشف بعد الغسل. ولا حجة فيه، لأنها واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال، فيجوز أن يكون عدم الأخذ لأمر آخر لا يتعلق بكراهة التنشف، بل يتعلق بالخرقة أو غير ذلك. قال

стр. 4703

المهلب: يحتمل تركه الثوب لإبقاء بركة الماء، أو للتواضع، أو لشيء رآه في الثوب من حرير أو وسخ. وقد وقع عند أحمد في هذا الحديث عن الأعمش قال: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: لا بأس بالمنديل، وإنما رده مخافة أن يصير عادة. وقال التيمي في شرحه: في هذا الحديث دليل على أنه كان يتنشف، ولولا ذلك لم تأته بالمنديل. وقال ابن دقيق العيد: نفضه الماء بيده يدل على أن لا كراهة في التنشف لأن كلا منهما إزالة. وقال النووي: اختلف أصحابنا في ذلك على خمسة أوجه، أشهرها: أن

стр. 4704

المستحب تركه، وقيل: مكروه، وقيل: مباح، وقيل: مستحب، وقيل: مكروه في الصيف مباح في الشتاء. وفي هذا الحديث جواز نفض اليدين من ماء الغسل، وكذا ماء الوضوء، لكن فيه حديث ضعيف أورده الرافعي وغيره، ولفظه: "لا تنفضوا أيديكم في

стр. 4705

الوضوء فإنها مراوح الشيطان". قال ابن الصلاح: لم أجده، وتبعه النووي. وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ للصلاة. رواه البخاري. وفيه رد على من حمل الوضوء هنا على التنظيف. وقوله: "وتوضأ للصلاة" أي توضؤا كما يتوضأ للصلاة، أي وضوءا شرعيا لا لغويا، وليس المراد أنه توضأ لأداء الصلاة. والحكمة فيه أنه يخفف الحدث، ولا سيما على القول بجواز تفريق الغسل، فينويه فيرتفع الحدث عن تلك الأعضاء المخصوصة على الصحيح، ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة بسند رجاله ثقات عن شداد بن أوس الصحابي قال: إذا أجنب أحدكم من الليل ثم أراد أن ينام فليتوضأ، فإنه نصف غسل الجنابة. وقيل: الحكمة فيه أنه إحدى الطهارتين، فعلى هذا يقوم التيمم مقامه، وقد

стр. 4706

روى البيهقي بإسناد حسن عن عائشة أنه ﷺ كان إذا أجنب فأراد أن ينام توضأ أو تيمم. ويحتمل أن يكون التيمم هنا عند عسر وجود الماء، وقيل: غير ذلك. انتهى ملخصا من فتح الباري.

стр. 4707

النوع الثاني: في ذكر صلاته ﷺ اعلم أن الصلاة تحصل تحقيق العبودية، وأداء حق الربوبية، وسائر العبادات وسائل إلى تحقيق سر الصلاة. وقد جمع الله تعالى للمصلين في ركعة ما فرق على أهل السموات، فلله ملائكة في الركوع منذ خلقهم الله تعالى لا يرفعون من الركوع إلى يوم القيامة، وهكذا السجود، والقيام, والقعود.

стр. 4708

واجتمع فيها أيضا من العبادات ما لم يجتمع في غيرها، من الطهارة والصمت واستقبال القبلة، والاستفتاح بالتكبير، والقراءة والقيام والركوع والسجود، والتسبيح في الركوع، والدعاء في السجود إلى غير ذلك. فهي مجموع عبادات عديدة، لأن الذكر بمجرده عبادة، والقراءة بمجردها عبادة، وكذا كل فرد فرد. وقد أمر نبيه بالصلاة في قوله سبحانه: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] . وفي ذلك -كما نبه عليه صاحب كتاب التنوير أمدنا الله بمدده- إشارة إلى

стр. 4709

أن في الصلاة تكليفا للنفوس شاقا عليها، لأنها تأتي في أوقات ملاذ العباد وأشغالهم، فتطالبهم بالخروج عن ذلك كله إلى القيام بين يديه، والفراغ عما سوى الله، فلذلك قال: ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ . قال: ومما يدل على أن في القيام بالصلاة تكاليف العبودية وأن القيام بها على خلاف ما تقتضيه البشرية، قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] فجعل الصبر والصلاة مقترنين إشارة إلى أنه يحتاج في الصلاة إلى الصبر، صبر على ملازمة أوقاتها، وصبر على القيام بمسنوناتها وواجباتها، وصبر يمنع القلوب فيها عن غفلاتها، ولذلك قال تعالى بعد ذلك: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ فأفرد الصلاة بالذكر ولم يفرد الصبر به، إذ لو كان كذلك لقال: وإنه لكبير. فقد يدل على ما قلناه، أو لأن الصبر والصلاة مقترنان متلازمان، فكان أحدهما هو عين الآخر، كما قال تعالى في الآية الآخرى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] . انتهى ملخصا. ثم إن الكلام فيها ينقسم إلى خمسة أقسام:

стр. 4710

القسم الأول: في الفرائض وما يتعلق بها, وفيه أبواب: الباب الأول: في الصلوات الخمس وفيه فصول: الفصل الأول: في فرضها عن أنس قال: فرضت على النبي ﷺ ليلة أسري به خمسون صلاة، ثم نقصت حتى جعلت خمسا، ثم نادى: يا محمد إنه لا يبدل القول لديّ، وإن لك بهذه الخمس خمسين. رواه الترمذي هكذا مختصرا، ورواه البخاري ومسلم من حديث طويل تقدم في مقصد الإسراء مع ما فيه من المباحث.

стр. 4711

وعن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. رواه مسلم وأبو داود والنسائي. وقوله: "وفي الخوف ركعة" محمول على أن المراد ركعة مع الإمام وينفرد بالأخرى. وعن عائشة: فرض الله الصلاة -حين فرضها- ركعتين ركعتين، ثم أتمها في الحضر, وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى. رواه البخاري. وعنده -في كتاب الهجرة- من طريق معمر عن الزهري، عن عروة عن عائشة: فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر ﷺ ففرضت أربعا. فعين في هذه الرواية أن الزيادة في قوله في الحديث الذي قبله "وزيد في صلاة الحضر" وقعت بالمدينة. وقد أخذ بظاهر هذا الحديث الحنفية، وبنوا عليه: أن القصر في السفر

стр. 4712

عزيمة لا رخصة. واحتج مخالفوهم بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] لأن نفي الجناح لا يدل على العزيمة، والقصر إنما يكون من شيء أطول منه، ويدل على أنه رخصة أيضا قوله ﵊: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته". رواه مسلم. وأما خبر: "فرضت الصلاة

стр. 4713

ركعتين، أي في السفر، فمعناه: لمن أراد الاقتصار عليهما جمعا بين الأخبار. قاله في الجموع. الفصل الثاني: في ذكر تعيين الأوقات التي صلى فيها ﷺ الصلوات الخمس عن جابر: أن جبريل أتى النبي ﷺ يعلمه مواقيت الصلاة، فتقدم جبريل، ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى الظهر حين زالت الشمس، وأتاه حين كان الظل مثل شخصه، فصنع كما صنع، فتقدم جبريل ورسول الله ﷺ

стр. 4714

خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى العصر، ثم أتاه حين وجبت الشمس، فتقدم جبريل، ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى المغرب، ثم أتاه حين غاب الشفق، فتقدم جبريل ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى العشاء، ثم أتاه حين انشق الفجر، فتقدم جبريل ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ ، فصلى الصبح. ثم أتاه جبريل في اليوم الثاني حين كان ظل الرجل مثل شخصه، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى الظهر، ثم أتاه حين كان الظل مثلي شخصه فصنع كما

стр. 4715

صنع بالأمس فصلى العصر، ثم أتاه حين وجبت الشمس فصنع كما صنع بالأمس فصلى المغرب، ثم أتاه حين غاب الشفق فصنع كما صنع بالأمس فصلى العشاء، ثم أتاه حين امتد الفجر وأصبح والنجوم بادية مشتبكة وصنع كما صنع بالأمس فصلى الغداة. ثم قال: "ما بين هاتين الصلاتين للصلاة وقت". رواه النسائي. وفي رواية قال: خرج رسول الله ﷺ فصلى الظهر حين زالت الشمس، وكان الفيء قدر الشراك، ثم صلى العصر حين كان الفيء قدر الشراك، وكان ظل الرجل مثله، ثم صلى المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى العشاء حين غاب

стр. 4716

الشفق، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر، ثم صلى الغداة -أي الظهر- حين كان الظل طول الرجل، ثم صلى العصر حين كان ظل الرجل مثليه، ثم صلى المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى العشاء إلى ثلث الليل أو نصف الليل -شك أحد رواته- ثم صلى الفجر فأسفر. وعن ابن عباس: قال ﷺ : "أمَّني جبريل عند البيت مرتين، فصلى الظهر بي في الأولى حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين

стр. 4717

غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم. وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شيء مثله كوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم صلى المغرب لوقت الأولى، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفر، ثم التفت إليّ جبريل فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين". رواه الترمذي وغيره.

стр. 4718

وقوله: "صلى بي الظهر حين كان ظله مثله" أي فرغ منها حينئذ، كما شرع في العصر في اليوم الأول، وحينئذ فلا اشتراك بينهما في وقت، ويدل له حديث مسلم: "وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم تحضر العصر". وقوله في حديث جابر: "فصلى الظهر حين زالت الشمس". يقتضي جواز فعل الظهر إذا زالت الشمس، ولا ينتظر بها وجوبا ولا ندبا مصير الفيء مثل الشراك، كما اتفق عليه أئمتنا ودلت عليه الأخبار الصحيحة، وأما حديث ابن عباس فالمراد

стр. 4719

به أنه حين زالت الشمس كان الفيء حينئذ مثل الشراك، لأنه أخر إلى أن صار مثل الشراك. ذكره في المجموع. وقد بين ابن إسحاق في المغازي أن صلاة جبريل به ﷺ كانت صبيحة الليلة التي فرضت فيها الصلاة، وهي ليلة الإسراء. ولفظه: قال نافع بن جبير وغيره: لما أصبح رسول الله ﷺ من الليلة التي أسري به لم يرعه إلا جبريل نزل حين زاغت الشمس، ولذلك سميت "الأولى" -أي صلاة الظهر- فأمر فصيح بأصحابه: "الصلاة جامعة" فاجتمعوا فصلى به جبريل وصلى النبي ﷺ بأصحابه. فذكر الحديث وفيه رد على من زعم أن بيان الأوقات إنما

стр. 4720

وقع بعد الهجرة، والحق أن ذلك وقع قبلها ببيان جبريل، وبعدها ببيان النبي ﷺ . وإنما دعاهم بقوله: "الصلاة جامعة" لأن الأذان لم يكن شرع حينئذ. واستدل بهذا الحديث على جواز الائتمام بمن يأتم بغيره. ويجاب عنه بما يجاب عن قصة أبي بكر في صلاته خلف النبي ﷺ وصلاة الناس خلفه، فإنه محمول على أنه كان مبلغا فقط، كما يأتي تقريره إن شاء الله تعالى. وقد صلى النبي ﷺ العصر والشمس في حجرة عائشة لم يظهر الفيء من

стр. 4721

حجرتها. رواه البخاري ومسلم. وقال أنس: كان ﷺ يصلي العصر والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة، وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال. رواه البخاري ومسلم.

стр. 4722

وفي ذلك دليل على تعجيله ﷺ بصلاة العصر، لوصف الشمس بالارتفاع بعد أن تمضي مسافة أميال، والمراد بالشمس ضوءها. وعن سلمة بن الأكوع أنه ﷺ كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب. رواه البخاري ومسلم والترمذي. وعن رافع بن خديج: كنا نصلي المغرب معه ﷺ فينصرف أحدنا، وإنه ليبصر مواقع نبله. رواه البخاري ومسلم. والنبل -بفتح النون: السهام العربية.

стр. 4723

أي يبصر مواقع سهامه إذا رمى بها، ومقتضاه المبادرة بالمغرب في أول وقتها، بحيث إن الفراغ منها يقع والضوء باق. وكان ﷺ إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عجل، رواه النسائي من حديث أنس. ويؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية. رواه أبو داود من حديث علي بن شيبان. وقال ﵇: "إذا قدم العشاء فابدءوا به قبل صلاة المغرب ولا تعجلوا

стр. 4724

عن عشائكم". رواه البخاري ومسلم. وعند أبي داود: "ولا تؤخروا الصلاة لطعام ولا غيره". وأعتم ﷺ بالعشاء ليلة، حتى ناداه عمر: الصلاة، نام النساء والصبيان،

стр. 4725

فخرج ﷺ فقال: "ما ينتظرها من أهل الأرض أحد غيركم". قال: ولا تصلي يومئذ بالمدينة، وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول. زاد في رواية: وذلك قبل أن يفشو الإسلام. وفي رواية: فخرج ورأسه يقطر ماء يقول: "لولا أن أشق على أمتي -أو: على الناس- لأمرتهم بالصلاة هذه الساعة". رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أبي داود من حديث أبي سعيد: فلم يخرج حتى مضى نحو من شطر الليل، فقال: "خذوا مقاعدكم" فأخذنا مقاعدنا، فقال: "إن الناس قد صلوا وأخذوا مضاجعهم، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة، ولولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل". وفي حديث أبي هريرة: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء

стр. 4726

إلى ثلث الليل أو نصفه". صححه الترمذي. فعلى هذا: من وجد به قوة على تأخيرها ولم يغلبه النوم، ولم يشق على أحد من المأمومين فالتأخير في حقه أفضل. وقد قرر ذلك النووي في شرح مسلم، وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعية وغيرهم. وقال الطحاوي: يستحب إلى الثلث، وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة والتابعين، وهو قول الشافعي في الجديد.

стр. 4727

وقال في القديم: التعجيل أفضل. وكذا قال في "الإملاء" وصححه النووي وجماعة، وقالوا: إنه مما يفتى به على القديم. وتعقب: بأنه ذكره في "الإملاء" وهو من كتبه الجديدة. والمختار من حيث الدليل أفضلية التأخير، قاله في فتح الباري. الفصل الثالث: في ذكر كيفية صلاته ﷺ وفيه فروع: الفرع الأول: في صفة افتتاحه ﷺ روى أبو داود أنه ﷺ سمع بلالا يقيم الصلاة، فلما قال: قد قامت الصلاة،

стр. 4728

قال: "أقامها الله وأدامها". وكان ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير. رواه عبد الرزاق من حديث عائشة. وروى البخاري عن ابن عمر قال: رأيت رسول الله ﷺ افتتح التكبير في الصلاة. واستدل به على تعين لفظ "التكبير" دون غيره من ألفاظ التعظيم، وهو قول الجمهور، ووافقهم أبو يوسف. وعن الحنفية: تنعقد بكل لفظ يقصد به التعظيم. وقد روى البزار بإسناد صحيح، على شرط مسلم، عن علي أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة قال: "الله أكبر".

стр. 4729

ولأحمد والنسائي من طريق واسع بن حبان أنه سأل ابن عمر عن صلاة رسول الله ﷺ فقال: الله أكبر كلما وضع ورفع. وليعلم أن تكبيرة الإحرام ركن عند الجمهور، وقيل: شرط، وهو مذهب الحنفية، ووجه عند الشافعية، وقيل: سنة، قال ابن المنذر: ولم يقل به أحد غير الزهري. ولم يختلف أحد في إيجاب النية للصلاة. قال البخاري في أواخر الإيمان: باب ما جاء في قوله ﵊: "الأعمال بالنية" فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة. وقال ابن القيم في الهدي النبوي: كان ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال: "الله أكبر". ولم يقل شيئا قبلها، ولا تلفظ بالنية، ولا قال: أصلي صلاة كذا مستقبل القبلة أربع ركعات إماما أو مأموما، ولا أداء ولا قضاء، ولا فرض الوقت. قال:

стр. 4730

وهذه عشر بدع لم ينقل عنه ﷺ أحد قط بإسناد صحيح، ولا ضعيف ولا مسند ولا مرسل لفظة واحدة ألبتة بل ولا عن أحد من الصحابة، ولا استحبه أحد من التابعين، ولا الأئمة الأربعة. وقول الشافعي في الصلاة: "إنها ليست كالصيام فلا يدخل أحد فيها إلا بذكر" أي تكبيرة الإحرام ليس إلا، وكيف يستحب الشافعي أمرا لم يفعله ﷺ في صلاة واحدة، ولا أحد من الصحابة. وعبارة الشافعي في كتاب المناسك: "ولو نوى الإحرام بقلبه، ولم يلب أجزأه، وليس كالصلاة، لأن في أولها نطقا واجبا" هذا نصه. قال الشيخ أبو علي السنجي في شرح التلخيص، وابن الرفعة في المطلب، والزركشي في الديباج وغيرهم: إنما أراد الشافعي بذلك تكبيرة الإحرام قطعا، انتهى. وبالجملة: فلم ينقل أحد أنه ﵇ تلفظ بالنية، ولا علم أحدًا من أصحابه التلفظ بها ولا أقره على ذلك، بل المنقول عنه في السنن أنه قال: "مفتاح
следующие страницы →