Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.
стр. 4691
الثانية ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ . ويؤيده قوله تعالى في الحائض: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] المفسر بـ"اغتسلن" اتفاقا.
وقد كان رسول الله ﷺ يطوف على نسائه بغسل واحد. رواه مسلم من حديث أنس.
وعن أبي رافع: طاف النبي ﷺ ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه، وعند هذه، قال: قلت يا رسول الله! ألا تجعله غسلا واحدًا آخرا؟ قال: "هكذا
الحواشي
(١) فهي من المجمل الذي لم تتضح دلالته، لكن منع ذلك بعض شراح البخاري بأن صيغة التفعل تدل على الغسل صريحا، لأن الوضوء هو الطهارة لا التطهر، وعلى الإجمال فقد "بينه قوله في الآية الثانية" في الذكر: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ لأن الاغتسال لغة تعميم البدن بالماء، "ويؤيده قوله تعالى في" شأن المرأة "الحائض: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ من الدم بانقطاعه، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ المفسر" هذا الثاني: "باغتسلن اتفاقا".
زاد الحافظ: ودلت آية النساء على أن استباحة الجنب الصلاة، وكذا اللبث في المسجد تتوقف على الاغتسال، "وقد كان رسول الله ﷺ يطوف على نسائه" يجامعهن "بغسل واحد".
قال النووي: يحتمل أنه كان يتوضأ بينهما، ويحتمل أن لا؛ ليدل على جواز ترك الوضوء. انتهى.
وفيه دلالة على أن القسم ليس بواجب عليه، إذ وطء المرأة في يوم الأخرى ممنوع، لكن قل: إنه وإن لم يجب عليه، لكنه التزمه تطييبا لنفوسهن، فيحتمل أن يكون بإذن صاحبة اليوم، أو في يوم لم يثبت فيه قسم، كيوم قدومه من سفر، أو في اليوم الذي بعد كمال الدور، لأنه يستأنف القسم بعد، أو من خصائصه ساعة يطوف فيها من ليل أو نهار لا حق لواحدة منهن، ثم يدخل عند صاحبة النوبة.
وفي حديث أنس عند البخاري: كان يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل أو النهار، وهن إحدى عشرة امرأة، وفي رواية: وله يومئذ تسع نسوة، وجمع بأنه ضم إلى التسع أمتيه مارية وريحانة، وأطلق عليهما نساءه تغليبا وبغير ذلك، كما مر بسط ذلك في الخصائص، "رواه مسلم من حديث أنس" فزاد على رواية البخاري بغسل واحد فلذا عزاه له دونه.
"وعن أبي رافع" اسمه أسلم على المشهور من عشرة أقوال سبقت، قال: "طاف النبي ﷺ ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه" أي: كل من جامعها اغتسل عندها، "قال" أبو رافع: "قلت: يا رسول الله ألا تجعله غسلا واحدا آخرا"، "بكسر الخاء"، "قال: "هكذا أزكى وأطيب وأطهر". رواه أحمد وأبو داود والنسائي" وفيه استحباب الغسل.стр. 4692
أزكى وأطيب وأطهر". رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
وقد أجمع العلماء على أنه لا يجب الغسل بين الجماعين وأما الوضوء فاستحبه الجمهور، وقال أبو يوسف: إنه لا يستحب، وأوجبه ابن حبيب من المالكية، وأهل الظاهر، لحديث: "إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءا". رواه مسلم وحمله بعضهم على الوضوء اللغوي، فقال: المراد به غسل الفرج.
وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذ اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم يتوضأ
الحواشي
(١) "وقد أجمع العلماء على أنه لا يستحب بين الجماعين" سواء كان للجامعة أولا أو لغيرها، "وأما الوضوء فاستحبه الجمهور، وقال أبو يوسف: أنه لا يستحب، وأوجبه ابن حبيب من المالكية، وأهل الظاهر لحديث" أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم أهله" أي: جامعها "ثم أراد أن يعود" إلى جماعها "فليتوضأ بينهما وضوءا" كاملا.
زاد في رواية ابن خزيمة: "فإنه أنشط للعود". فدل على أن الأمر للندب والإرشاد. انتهى.
ويدل له أيضا ما رواه الطحاوي عن عائشة: كان ﷺ يجامع، ثم يعود ولا يتوضأ. "رواه مسلم" وأبو داود والترمذي وابن خزيمة، كلهم عن أبي سعيد، وحمله بعضهم على الوضوء اللغوي، فقال: المراد به غسل الفرج" ورده ابن خزيمة بما رواه في هذا الحديث، بلفظ: "فليتوضأ وضوءه للصلاة".
وقال القاضي عياض: الجمهور على غسل الفرج خوف أن تدخل النجاسة في الفرج دون ضرورة مع ما فيه من النظافة التي بنيت عليها الشريعة وتكميل اللذة، لأن ما تعلق به من بلل الفرج وانتشر عليه من المني مفسد للذة الجماع المستأنف، ورطوبة الفرج عندنا نجسة لما يخالطها من النجاسة الجارية عليها كالحيض، والمني.
وتعقبه الزواوي بأن تعليله باختلاطه بالحيض وغيره من النجاسات ليس بمحل خلاف، وإنما الخلاف لو كان مغسولا نظيفا ليس فيه إلا الرطوبة والبلة خاصة، "وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل" أي: شرع في الغسل، أو أراد الغسل "من الجنابة" أي: لأجلها، فمن سببية "بدأ فغسل يديه"، "بالتثنية" قبل إدخالهما في الإناء "ثم يتوضأ" ولأبي ذر: ثم توضأ "كما يتوضأ للصلاة" احترازا عن الوضوء اللغوي، وهو غسل اليدين، وظاهره أنه يتوضأ وضوءاстр. 4693
كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول الشعر، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله. رواه البخاري.
ويحتمل أن يكون غسلهما للتنظيف مما بهما، ويحتمل أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النوم. ويدل عليه زيادة ابن عيينة في هذا الحديث عن هشام "قبل أن يدخلهما في الإناء" رواه الشافعي والترمذي وزاد أيضا: "ثم يغسل فرجه" وكذا لمسلم وأبي داود.
وهي زيادة جليلة، لأن تقديم غسله يحصل به الأمن من مسه في أثناء
الحواشي
(١) كاملا ولا يؤخر غسل رجليه، وهو المشهور عن مالك والشافعي "ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها،" أي بأصابعه التي أدخلها في الماء، ولمسلم: ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر، وللبيهقي: ثم يشرب شعره الماء "أصول الشعر" أي شعر رأسه، "ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه"، "بفتح الراء" جمع غرفة على المشهور في جمع القلة، والأصل في مميز الثلاثة أنه من جموع القلة، وهذه رواية الكشميهني والأصيلي ولغيرهما: ثلاث غرف، "بضم الغين وفتح الراء" جمع كثرة، إما لقيامه مقام جمع القلة، أو بناء على قول الكوفيين إنه جمع قلة، كعشر سور وثماني حجج، "ثم يفيض"، "بضم الياء من أفاض"، أي: يسيل "الماء على جلده" أي: بدنه، وقد يكنى بالجلد عن البدن، قاله الرافعي، "كله" أكده دلالة على أنه عم جميع بدنه بالغسل بعدما تقدم دفعا لتوهم إطلاقه على أكثره تجوزا، واستدل به من لم يشترط الدلك، لأن الإفاضة الإسالة.
قال المازري: لا حجة فيه، لأن أفاض بمعنى غسل، فالخلاف فيه قائم قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه. انتهى.
ولم يظهر فيه شيء "رواه البخاري" في أول الغسل من طريق مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به ورواه مسلم من طرق عن غيره بنحوه "و" قوله: بدأ فغسل يديه: "يحتمل أن يكون غسلهما للتنظيف مما بهما" مما قد يستقذر ويقويه حديث ميمونة كما في الفتح "ويحتمل أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النوم، ويدل عليه زيادة ابن عيينة" سفيان "في هذا الحديث عن هشام" عن أبيه عن عائشة: "قبل أن يدخلهما في الإناء. رواه الشافعي والترمذي، وزاد أيضا: ثم يغسل فرجه، وكذا لمسلم" من رواية أبي معاوية "وأبي داود" من رواية حماد بن زيد كلاهما عن هشام ولفظ مسلم: كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، وله من طريق زائدة عن هشام: فغسل يديه قبل أن يدخل يديه في الإناء، "وهي زيادة جليلة لأن تقديم غسله يحصل به إلا من مسهстр. 4694
الغسل.
ويحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سنة مستقلة، بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد، ويحتمل أن يكتفي بغسلها في الوضوء عن إعادته، وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في أول عضو.
وإنما قدم أعضاء الوضوء تشريفا لها، ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى.
ونقل ابن بطال: الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل.
وهو مردود، فقد ذهب جماعة, منهم: أبو ثور وداود وغيرهما إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث.
وقوله: "فيخلل بها أصول الشعر" أي شعر رأسه ويدل عليه رواية حماد بن سلمة عن هشام -عند البيهقي- يخلل بها شق رأسه الأيمن فيتتبع بها أصول
الحواشي
(١) في أثناء الغسل" فينتقض الوضوء، "ويحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سنة مستقلة، بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء" بعد ذلك "مع بقية الجسد" إذ لم يغسلهما بنية الفرض.
قال الحافظ: ويؤيده التأكيد بقوله: كله، وعليه فينوي المغتسل الوضوء إن كان محدثا، وإلا فسنة الغسل، "ويحتمل أن يكتفي بغسلها في الوضوء عن إعادته" في الغسل، "وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في أول عضو" من أعضاء الوضوء ليقع غسله عن الجنابة، فهو جواب عما يقال: لا يصح هذا الاحتمال لانتفاء نية الجنابة فيه بناء على وجوب نيته.
قال الحافظ: وإليه جنح الداودي شارح المختصر من الشافعية، فقال: يقدم غسل أعضاء الوضوء لكن بنية غسل الجنابة، "وإنما قدم أعضاء الوضوء" على هذا الاحتمال تشريفا لها، ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى" الوضوء "والكبرى" الغسل.
"ونقل ابن بطال" وتلميذه ابن عبد البر: "الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل" لأنه وضوء وزيادة، "وهو مردود، فقد ذهب جماعة، منهم: أبو ثور وداود وغيرهما إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث".
"وقوله: فيخلل بها أصول الشعر، أي: شعر رأسه، ويدل عليه رواية حماد بن سلمة" بن دينار، "عن هشام" بن عروة عن أبيه، عن عائشة "عند البيهقي" بلفظ: "يخلل بها شقстр. 4695
الشعر، ثم يفعل بشق رأسه الأيسر كذلك.
وقال القاضي عياض: احتج به بعضهم على تخليل شعر اللحية في الغسل. إما لعموم قوله: "أصول الشعر" وإما بالقياس على شعر الرأس.
وفائدة التخليل، إيصال الماء إلى الشعر والبشرة، ومباشرة الشعر باليد ليحل تعمميه بالماء، وهذا التخليل غير واجب اتفاقا، إلا إن كان الشعر متلبدا بشيء يحول بين الماء وبين الوصول إلى أصوله.
واختلف في وجوب الدلك، فلم يوجبه الأكثر.
ونقل عن مالك والمزني وجوبه، واحتج له ابن بطال بالإجماع على وجوب إمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسلها، فيجب ذلك في الغسل قياسا لعدم الفرق بينهما.
وتعقب: بأن جميع من لم يوجب الدلك أجازوا غمس اليد في الماء للمتوضئ من غير إمرار، فبطل الإجماع وانتفت الملازمة.
الحواشي
(١) رأسه الأيمن، فيتتبع بها أصول الشعر، ثم يفعل بشق رأسه الأيسر كذلك" كما فعل في الأيمن،
"وقال القاضي عياض: احتج به بعضهم على تخليل شعر اللحية في الغسل إما لعموم قوله أصول الشعر" بقطع النظر عن رواية البيهقي المذكورة، أو لأنها تعطي التخصيص، "وإما بالقياس على شعر الرأس" بجامع أن كلا شعر، "وفائدة التخليل إيصال الماء إلى الشعر والبشرة" أي: الجلد، "و" فائدة "مباشرة" فهو "بالجر عطف" على التخليل "الشعر باليد ليحصل تعميمه بالماء" وتأنيس البشرة لئلا يصيبها بالصب ما تتأذى به، كما في كلام عياض، وهو في الفتح متصلا بقوله: "وهذا التخليل غير واجب اتفاقا إلا إن كان الشعر متلبدا بشيء يحول" يمنع "بين الماء وبين الوصول إلى أصوله" كصمغ ونحوه.
"واختلف في وجوب الدلك، فلم يوجبه الأكثر، ونقل عن مالك" وهو مشهور مذهبه، "والمزني" إسماعيل تلميذ الشافعي "وجوبه" لذاته تعبدا عند مالك.
"واحتج له ابن بطال: بالإجماع على وجوب إمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسلها، فيجب ذلك في الغسل قياسا لعدم الفرق بينهما" إذ كل طهارة ترفع الحدث.
"وتعقب بأن جميع من لم يوجب الدلك أجازوا غمس اليد في الماء للمتوضئ من غير إمرار، فبطل الإجماع وانتفت الملازمة" التي ادعاها البطلان.стр. 4696
وفي قوله في هذا الحديث: "ثلاث غرفات" استحباب التثليث في الغسل.
قال النووي: ولا نعلم فيه خلافا إلا ما انفرد به الماوردي: فإنه قال: لا يستحب التكرار في الغسل.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري -ومنه لخصت ما ذكرته- قلت: وكذا قال الشيخ أبو علي السنجي وكذا قال القرطبي.
وقالت ميمونة: وضعت له ﷺ ماء للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثا، ثم أفرغ على شماله فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق
الحواشي
(١) "وفي قوله في هذا الحديث: ثلاث غرفات استحباب التثليث في الغسل، قال النووي: ولا نعلم فيه خلافا" يعني: في مذهبه بدليل قوله: "إلا ما انفرد به الماوردي" من الشافعية، "فإنه قال: لا يستحب التكرار في الغسل" وإلا فمشهور مذهب مالك أن استحباب التثليث خاص بالرأس، كما هو مدلول قول الحديث: ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات.
"قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ومنه لخصت ما ذكرته" من أول هذا الفصل، "قلت: وكذا قال الشيخ أبو علي السنجي" في شرح الفروع، "وكذا قال القرطبي" وحمل التثليث في هذه الرواية على رواية القاسم عن عائشة فإن مقتضاها أن كل غرفة كانت في جهة من جهات الرأس، هذا بقية كلام الحافظ، وقوله: وحمل، يعني: القرطبي.
"وقالت ميمونة" أم المؤمنين: "وضعت له" لفظها للنبي " ﷺ ماء للغسل" متعلق بمحذوف، أي: كائنا أو معدا، وقولها للنبي ظرف لغو متعلق بوضعت، فلم يتعلق حرفا جر متحدا اللفظ والمعنى بعامل واحد، "فغسل يديه" "بالتثنية" للكشميهني، وللمستملي وغيره: يده "مرتين أو ثلاثا" الشك من الأعمش، كما سيأتي من رواية أبي عوانة عنه، وغفل الكرماني، فقال: الشك من ميمونة، قاله الحافظ: ورده العيني بأن الذي يأتي مرة أو مرتين، ففيه خلط رواية بأخرى، كذا قال: وهو مردود بأن مجيء ذلك عنه في رواية أخرى، وإن بلفظ آخر يعين كون الشك منه دون غيره، فإنه حديث واحد، وقد رواه ابن فضيل عن الأعمش، فصب على يديه ثلاثا ولم يشك، أخرجه أبو عوانة في مستخرجه.
قال الحافظ: فكأن الأعمش كان يشك فيه، ثم تذكر فجزم، لأن سماع ابن فضيل منه متأخر، "ثم أفرغ على شماله، فغسل مذاكيره" مع ذكر على غير قياس، وقيل: واحده مذكار، كأنهم فرقوا بين العضو وبين خلاف الأنثى.
قال الأخفش: هو من الجمع الذي لا واحد له، وقال ابن خروف: إنما جمعه مع أنه ليسстр. 4697
وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول عن مكانه فغسل قدميه. رواه البخاري.
ولم يقيد في هذه الرواية بعدد، فيحمل على أقل مسمى وهو المرة الواحدة، لأن الأصل عدم الزيادة عليها.
وفيه مشروعية المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة، لقوله: "ثم مضمض واستنشق" وتمسك به الحنفية للقول بوجوبهما.
وأجيب: بأن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب، إلا إذا كان بيانا لمجمل
الحواشي
(١) في الجسد إلا واجد بالنظر إلى ما يتصل به، يعني: من الخصيتين وحواليهما معا، وأطلق على الكل اسمه، فكأنه جعل كل جزء من المجموع، كالذكر في حكم الغسل، "ثم مسح يده بالأرض" لما لعله تعلق بها من رائحة أو لزوجة، وبدأ بالفرج لتكون طهارة الحدث بعد طهارة الخبث، وليسلم من نقض طهارة الوضوء لو مسه أثناء اغتساله.
قال الحافظ: وفيه تقديم غسل الكفين على غسل الفرج لمن يريد الاغتراف لئلا يدخلهما في الماء، وفيهما ما لعله يستقذر، أما إذا كان الماء في إبريق، مثلا، فالأولى تقديم غسل الفرج لتتوالى أعضاء الوضوء، وفي رواية: ثم ضرب بشماله الأرض، فدلكها دلكا شديدا، "ثم مضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه" "بالتثنية" "ثم أفاض" الماء "على جسده, ثم تحول عن مكانه فغسل قدميه".
قال القرطبي: كالمازري حكمة تأخيرهما ليصل الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء "رواه البخاري" بطرق عديدة مدارها على الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة، وكذا أخرجه مسلم وأصحاب السنن، "ولم يقيد في هذه الرواية" أي رواية: عبد الواحد عن الأعمش "بعدد" بل قال: أفاض الماء على جسده، "فيحمل على أقل مسمى، وهو المرة الواحدة، لأن الأصل عدم الزيادة عليها" ولذا ترجم عليه البخاري الغسل مرة واحدة، قاله ابن بطال وأقره الحافظ، وزعم العيني أن فيه تكلفا، قال شيخنا البابلي: ولعل وجهه أن فيه بأخرة الأمر قصر الحديث على مرة واحدة، مع أنه يتناول المرة فالأكثر, ورده شيخنا لما ذكرته له، بأنه لا تكلف فيه، والتوجيه المذكور ليس بشيء إذ المرة محققة وما زاد عليها مشكوك فيه.
"وفيه مشروعية المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة، لقوله: ثم مضمض واستنشق وتمسك به الحنفية للقول" أي: لقلهم "بوجوبهما" في الغسل.
"وأجيب بأن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب" لتحققه بغيره، "إلا إذا كان بياناстр. 4698
تعلق به الوجوب، وليس الأمر هنا كذلك.
وعنها توضأ ﷺ وضوءه للصلاة غير رجليه، وغسل فرجه وما أصابه من الأذى، ثم أفاض عليه الماء، ثم نحى رجليه فغسلهما. رواه البخاري.
وفيه التصريح بتأخير غسل الرجلين في وضوء الغسل إلى آخره، وهو مخالف لظاهر رواية عائشة.
ويمكن الجمع بينهما إما بحمل رواية عائشة على المجاز، أو بحمله على حالة أخرى، وبحسب اختلاف هاتين الحالتين اختلف نظر العلماء، فذهب الجمهور إلى استحباب تأخير غسل الرجلين. وعن مالك: إن كان المكان غير
الحواشي
(١) لمجمل تعلق به الوجوب" فيدل عليه من هذه الجهة لا من مجرد الفعل "وليس الأمر هنا كذلك" بل مجرد فعل، "وعنها" من رواية سفيان الثوري، عن الأعمش، عن سالم، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة قالت: "توضأ ﷺ وضوءه للصلاة" احترازا عن اللغوي الذي هو غسل اليدين "غير رجليه" فأخرهما لتكون البداءة والتمام بأعضاء الوضوء، قاله المازري: "وغسل فرجه وما أصابه من الأذى" من رطوبة فرج المرأة والبول وغيرهما.
قال الحافظ: فيه تقديم وتأخير، لأن غسل الفرج كان قبل الوضوء، إذ الواو لا تقتضي الترتيب، وقد بين ذلك ابن المبارك عن الثوري عند البخاري، فأتى بثم الدالة على الترتيب في الجميع، ويأتي في المتن قريبا لفظ رواية ابن المبارك، "ثم أفاض عليه الماء" أي على جسده، وللدارقطني: ثم غسل سائر جسده، ولابن ماجه: ثم أفاض على سائر جسده، "ثم نحى رجليه فغسلهما، رواه البخاري" ومسلم وأصحاب السنن، "وفيه التصريح بتأخير غسل الرجلين في وضوء الغسل إلى آخره، وهو مخالف لظاهر رواية عائشة" السابقة، حيث قالت: ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، فإن ظاهره أنه لم يؤخر غسل رجليه كما في الفتح، لا من قولها: ثم يفيض الماء على جلده كله كما وهم فيه الشارح.
"ويمكن الجمع بينهما إما بحمل رواية عائشة على المجاز" بأن أطلقت الوضوء مريدة ما عدا غسل رجليه تعبيرا بالكل عن البعض، وفي شرح المصنف للبخاري حمله القائل بالتأخير على أكثر الوضوء حملا للمطلق على المقيد.
وأجيب بأنه ليس من المطلق والمقيد، لأن ذلك في الصفات لا في غسل جزء وتركه، "أو بحمله على حالة أخرى" بأن يكون فعل عند كل واحدة ما روته، إذ ليس هو غسلا واحدا "وبحسب اختلاف هاتين الحالتين اختلف نظر العلماء" في أيهما أفضل، "فذهب الجمهور إلى استحباب تأخير غسل الرجلين" مطلقا.стр. 4699
نظيف فالمستحب تأخيرهما، وإلا فالتقديم، وعند الشافعية: في الأفضل قولان، قال النووي: أصحهما وأشهرهما ومختارهما أنه يكمل وضوءه.
قال: ولم يقع في شيء من طرق هذا الحديث التنصيص على مسح الرأس في هذا الوضوء، وتمسك به المالكية لقولهم: إن وضوء الغسل لا يمسح فيه الرأس، بل يكتفي فيه بغسلهما.
وعن جبير بن مطعم قال: قال ﷺ : "أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثا". وأشار
الحواشي
(١) "وعن مالك" في رواية: "إن كان المكان غير نظيف، فالمستحب تأخيرهما وإلا فالتقديم" وله وجه، وبه يجمع بين الحديثين.
قال المصنف: وكذا نقل عن الشافعية أيضا، "وعند الشافعية", وكذا المالكية "في الأفضل قولان".
"قال النووي: أصحهما وأشهرهما ومختارهما أنه يكمل وضوءه" وكذا هو المشهور عن مالك كما صرح به الفاكهاني وغيره، وبقية كلام النووي، لأن أكثر الروايات عن عائشة وميمونة كذلك، كذا قال وليس في شيء من الروايات عنهما التصريح بذلك، بل هي إما محتملة، كرواية: توضأ وضوءه للصلاة، أو ظاهرة في تأخيرهما، كروية أبي معاوية عن هشام، عن أبيه، عن عائشة عند مسلم، بلفظ: ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه.
وهذه الزيادة تفرد بها أبو معاوية دون أصحاب هشام والمحفوظ في حديث عائشة: توضأ كما يتوضأ للصلاة، يعني: فرواية أبي معاوية شاذة، قال: لكن لها شاهد عند أبي داود، عن أبي سلمة، عن عائشة بلفظ: فإذا فرغ غسل رجليه، ويوافقها أن أكثر الروايات عن ميمونة ظاهرة، أو صريحة في تأخيرهما، كحديث الباب، ورواتها مقدمون في الحفظ والثقة على جميع من رواه عن الأعمش، وقوله من "قال" إنما فعل ذلك لبيان الجواز، متعقب برواية أحمد عن أبي معاوية، عن الأعمش، بلفظ: كان إذا اغتسل من الجنابة. الحديث، وفي آخره: ثم يتنحى فيغسل رجليه، ففيه ما يدل على المواظبة، قاله الحافظ ملخصا.
"ولم يقع في شيء من طرق هذا الحديث التنصيص على مسح الرأس في هذا الوضوء" للغسل، "وتمسك به المالكية، لقولهم: إن وضوء الغسل لا يمسح فيه الرأس، بل يكتفى فيه بغسلها" أي الرأس أنثه وهو مذكر، باعتبار أنه قطعة من البدن، وهو تمسك ظاهر، "و" عن زهير بن معاوية عن أبي إسحاق، قال: حدثني سليمان بن صرد "عن جبير" "بضم الجيم وفتح الموحدة" "ابن مطعم" بن عدي الصحابي من سادات قريش "قال: قال ﷺ ". وفي مستخرجстр. 4700
بيديه، كلتيهما رواه البخاري.
وفيه عن أبي هريرة قال: أقيمت الصلاة، وعدلت الصفوف قياما، فخرج إلينا رسول الله ﷺ ، فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب، فقال لنا: "مكانكم". ثم
الحواشي
(١) أبي نعيم: ذكروا عند النبي ﷺ الغسل من الجنابة، فقال: "أما"، "بالفتح وشد الميم"، "أنا فأفيض"، "بضم الهمزة"، "على رأسي ثلاثا" , أي: ثلاث أكف، وعند أحمد: "فآخذ ملء كفي, فأصب على رأسي". "وأشار بيديه كلتيهما" كذا للأكثر، وللكشميهني: كلاهما، وحكى ابن التين أن في بعض الروايات: كلتاهما، وهي مخرجة على من يراها تثنية، وأنها لا تتغير، كقوله:
قد بلغا في المجد غايتاها
وهكذا القول في رواية الكشميهني، وهو مذهب الفراء في "كلا" خلافا للبصريين، ويمكن أن يخرج الرفع فيهما على القطع، وقسيم أما محذوف، وهو في مسلم من طريق أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سليمان، عن جبير، قال: تماروا عند النبي ﷺ فقال بعض القوم: أما أنا فأغسل رأسي بكذا وكذا، فذكر الحديث، وله من وجه آخر أن السائلين عن ذلك وفد ثقيف، قاله الحافظ لثبوت القسيم في بعض طرق الحديث، لأنه حديث واحد، طوله بعض روته واختصره بعضهم، لا لأن أما تقتضي القسيم، إذ هو لا يجب لها، فقد تكون للتأكيد كما قاله الزمخشري وغيره، فلا تحتاج إلى قسيم، إذ مثله لا يجهل ذلك حتى يعترض عليه به، كما فعل العيني، لا سيما والكرماني بيده، وقد قال: إنه لا يجب لها، بل لأن الطرق يفسر بعضها بعضا كما أشار إليه، ثم قال: ودل قوله: ثلاثا على أن المراد بكذا وكذا أكثر منها، والسياق يشعر بأنه كان لا يفيض إلا ثلاثا، وهي محتملة لأن تكون للتكرار، ولأن تكون للتوزيع على جميع البدن، لكن يقوي الأول حديث جابر في البخاري: كان ﷺ يأخذ ثلاث أكف، فيفيضها على رأسه، ثم يفيض على سائر جسده.
قال الحافظ: إن الثلاث للتكرار، ويحتمل أن لكل جهة من الرأس غرفة، كما في حديث القاسم عن عائشة، "رواه البخاري" ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، "وفيه" أي: البخاري، وكذا مسلم وأبو داود والنسائي، "عن أبي هريرة" قال: أقيمت الصلاة وعدلت" أي: سويت "الصفوف قياما" جمع قائم نصب حال من مقدر، أي: حال كونهم قائمين، أو مصدر على التمييز المفسر للإبهام، أي: عدلت الصفوف من حيث القيام، "فخرج إلينا رسول الله ﷺ " صريحه أنه بعد الإقامة والتعديل مع أنه قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني".
وأجيب بأنه محمول على الغالب، فما هنا من النادر أو النهي متأخر عنه، فيمكن أنه سبب النهي، "فلما قام في مصلاه"، "بضم الميم"، أي موضع صلاته "ذكر" قبل أن يكبر للصلاة كماстр. 4701
رجع فاغتسل ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه.
وقوله: "ذكر" أي تذكر، لا أنه قال ذلك لفظا، وعلم الراوي بذلك من قرائن، أو بإعلامه بعد ذلك.
وظاهر قوله: "فكبر" الاكتفاء بالإقامة السابقة، فيؤخذ منه جواز التخلل الكثير بين الإقامة والدخول في الصلاة.
وعنده أيضا من حديث ميمونة: وضعت للنبي ﷺ غسلا فسترته بثوب،
الحواشي
(١) في رواية أخرى للبخاري "أنه جنب، فقال لنا: "مكانكم"، "بالنصب"، أي الزموه، وفيه إطلاق القول على الفعل، ففي رواية الإسماعيلي، فأشار بيده أن مكانكم، ويحتمل أن يكون جمع بين الكلام والإشارة، قاله الحافظ "ثم رجع" إلى الحجرة "فاغتسل، ثم رجع إلينا ورأسه يقطر" من ماء الغسل، ونسبة القطر إلى الرأس مجاز من باب ذكر المحل وإرادة الحال، "فكبر فصلينا معه".
"وقوله: ذكر، أي تذكر لا أنه قال ذلك لفظا و" حيث لم يلفظ به "علم الراوي بذلك من قرائن" الحال "أو بإعلامه" ﷺ "بعد ذلك" أي: بعد السلام من الصلاة، وهذا الثاني متعين، ففي رواية الدارقطني: فصلى بهم، فقال: إني كنت جنبا، فنسيت أن أغتسل، وإنما يصار إلى القرائن مع عدم النص، "وظاهر قوله: فكبر الاكتفاء بالإقامة السابقة، فيؤخذ منه جواز التخلل الكثير بين الإقامة والدخول في الصلاة".
وقال النووي: هو محمول على قرب الزمان، فإن طال فلا بد من إعادتها، قال: ويدل على قرب الزمان في هذا الحديث قوله: "مكانكم" وقوله: خرج إلينا ورأسه يقطر.
وقال القرطبي في المفهم: مذهب مالك أن التفريق إن كان لغير عذر ابتدأ الإقامة طال الفصل أم لا، وإن كان لعذر فإن طال استأنف الإقامة، وإلا بنى عليها. انتهى.
"وعنده" أي: البخاري "أيضا من حديث ميمونة، قالت: وضعت للنبي ﷺ غسلا"، "بضم الغين" أي ماء للاغتسال، كما سبق في الرواية التي ساقها المصنف أولا عن ميمونة، بلفظ: ماء للغسل "فسترته بثوب" أي: غطيت رأس الماء، أي: ظرفه، وفيه خدمة الزوجة لزوجها وتغطية الماء، كذا أعاد ضمير سترته للماء الكرماني، وتبعه البرماوي والعيني والمصنف وغيرهم.
وال المولى حسين الكفوي: الضمير للنبي ﷺ ؛ لأن في رواية للبخاري عن ميمونة: سترت النبي ﷺ وهو يغتسل من الجنابة، والحديث واحد، فترجيعهم الضمير للماء غير صحيح.стр. 4702
وصب على يديه فغسلهما، ثم صب بيمينه على شماله فغسل فرجه، فضرب بيده الأرض فمسحها، ثم غسلها، فتمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم صب الماء على رأسه، وأفاض على جسده، ثم تنحى فغسل قدميه، فناولته ثوبا فلم يأخذه، فانطلق وهو ينفض يديه.
وقد استدل بعضهم بقولها: "فناولته ثوبا فلم يأخذه" على كراهة التنشف بعد الغسل.
ولا حجة فيه، لأنها واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال، فيجوز أن يكون عدم الأخذ لأمر آخر لا يتعلق بكراهة التنشف، بل يتعلق بالخرقة أو غير ذلك. قال
الحواشي
(١) انتهى.
بل هو صحيح، ولا ينافيه الرواية المذكورة، لأنها سترت الماء أولا حين وضعته لئلا يصيبه غبر ونحوه، فلما اغتسل ﷺ سترته، فذكر بعض الرواة ما لم يذكر الآخر، فكشفه، فأخذ الماء "وصب".
وفي رواية: فصب "بالفاء" "على يديه" وفي رواية: يده بالإفراد على إرادة الجنس، "فغسلهما ثم صب بيمينه على شماله، فغسل فرجه" "الفاء" هنا للتعقيب.
وأما قوله في روية أخرى للبخاري إن النبي ﷺ اغتسل من الجنابة، فغسل فرجه بيده، فذكر الحديث، فقال الحافظ: هذه الفاء تفسيرية وليست تعقيبية، لأن غسل الفرج لم يكن بعد الفراغ من الاغتسال، "فضرب بيده الأرض فمسحها، ثم غسلها فتمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه" مع مرفقيه، "ثم صب الماء على رأسه وأفاض على جسده" الماء "ثم تنحى" عن مكانه "فغسل قدميه" قالت ميمونة: "فناولته ثوبا فلم يأخذه" وفي روية: فناولته خرقة، فقال: هكذا ولم يردها "بضم أوله وسكون ثالثه" من الإرادة "مجزوم بحذف الياء" والأصل يريدها، ومن فتح أوله وشد الدال فقد صحف وأفسد المعنى، وفي المطالع، أنها رواية ابن السكن، قال: وهي وهم، وقد رواه أحمد بلفظ، فقال: هكذا، وأشار بيده أن لا أريدها، "فانطلق" أي ذهب "وهو ينفض يديه" من الماء جملة اسمية وقعت حالا.
"وقد استدل بعضهم بقولها: فناولته ثوبا فلم يأخذه على كراهة التنشف بعد الغسل ولا حجة فيه، لأنها واقعة حال" فعلية "يتطرق إليها الاحتمال" وبينه بقوله: "فيجوز أن يكون عدم الأخذ لأمر آخر لا يتعلق بكراهة التنشف، بل يتعلق بالخرقة أو غير ذلك"، إذ لم يتعين في الكراهة.стр. 4703
المهلب: يحتمل تركه الثوب لإبقاء بركة الماء، أو للتواضع، أو لشيء رآه في الثوب من حرير أو وسخ.
وقد وقع عند أحمد في هذا الحديث عن الأعمش قال: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: لا بأس بالمنديل، وإنما رده مخافة أن يصير عادة.
وقال التيمي في شرحه: في هذا الحديث دليل على أنه كان يتنشف، ولولا ذلك لم تأته بالمنديل.
وقال ابن دقيق العيد: نفضه الماء بيده يدل على أن لا كراهة في التنشف لأن كلا منهما إزالة.
وقال النووي: اختلف أصحابنا في ذلك على خمسة أوجه، أشهرها: أن
الحواشي
(١) "قال المهلب" بن أحمد بن أسيد بن صفرة التميمي الأندلسي، من العلماء الراسخين، المتقنين في الفقه والعبادة والنظر، روى عن الأصيلي والقابسي وأبي ذر الهروي وغيرهم، وعنه ابن المرابط وابن الحذاء وغيرهما، وولي قضاء مالقة، وأحيا صحيح البخاري بالأندلس، فقرأه تفقها وشرحه، ومات سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، كما في الديباج وغيره، وليس هو المهلب ابن أبي صفرة التابعي، كما يوهمه نقل ترجمته هنا من التهذيب، إذ معلوم أن التابعي لم يشرح البخاري، فإنما هو شارح البخاري المهلب بن أحمد, إذ قال في شرحه: "يحتمل تركه الثوب لإبقاء بركة الماء، أو للتواضع" ولا يلزم منه كراهة التنشف، "أو لشيء رآه في الثوب من حرير أو وسخ" فتركه لذلك لا كراهة.
"وقد وقع عند أحمد" والإسماعيلي "في هذا الحديث" من رواية أبي عوانة "عن الأعمش" سليمان بن مهران: "قال: ذكرت ذلك" الحديث "لإبراهيم النخعي، فقال: لا بأس بالمنديل" أي: لا يكره، "وإنما رده مخافة أن يصير عادة" فيشق عند عدمه تركها.
"وقال التيمي" أبو القاسم أحمد بن محمد بن عمر بن ورد، بلفظ المشموم "في شرحه" للبخاري، وهو واسع جدا: "في هذا الحديث دليل على أنه" ﷺ "كان يتنشف، ولولا ذلك لم تأته بالمنديل", وهذا استدلال جيد.
"وقال ابن دقيق العيد: نفضه الماء بيده يدل على أن لا كراهة في التنشف، لأن كلا منهما إزالة", وهذا قياس ظاهر، وقد اعتل من قال بالكراهة أيضا بما جاء عن سعيد بن المسيب والزهري أنه يوزن، وتعقب بأن وزنه إنما هو في الآخرة، ولا بد من مفارقته الجسد.
"وقال النووي: اختلف أصحابنا في ذلك على خمسة أوجه: أشهرها أن المستحبстр. 4704
المستحب تركه، وقيل: مكروه، وقيل: مباح، وقيل: مستحب، وقيل: مكروه في الصيف مباح في الشتاء.
وفي هذا الحديث جواز نفض اليدين من ماء الغسل، وكذا ماء الوضوء، لكن فيه حديث ضعيف أورده الرافعي وغيره، ولفظه: "لا تنفضوا أيديكم في
الحواشي
(١) تركه" وأن فعله خلاف الأولى، "وقيل: مكروه"؛ لأنه عبادة يكره إزالة أثرها، كدم الشهيد وخلوف فم الصائم.
قال القرطبي: ولا يتم قياس ذلك على دم الشهيد، لأن إزالة دمه حرام، وإزالة الخلوف بالسواك جائزة.
وقال الزواوي: القياس على الشهيد غير بين، لأن الشهيد سقط عنه التكليف بالموت، ولو جرح أحد في سبيل الله وعاش لزمه غسل دمه، مع أنه أثر عبادة، "وقيل: مباح" بلا كراهة، وهو مذهب مالك.
قال النووي: في شرح مسلم وهو الذي نختاره ونعمل به لاحتياج المنع والاستحباب إلى دليل، "وقيل: مستحب" للسلامة من غبار نجس ونحوه، "وقيل: مكروه في الصيف" للترفه، "مباح في الشتاء" لضرورة البرد، وعن ابن عباس: يكره في الوضوء دون الغسل.
قال المازري: حجته ما روي أن أم سلمة ناولت النبي ﷺ الثوب ليتنشف به فلم يأخذه، وقال: "إني أحب أن يبقى عليّ أثر الوضوء". ولم يثبت عنده نص قاطع على الكراهة في الغسل. انتهى.
أو لأن الوضوء لا يكون إلا عبادة بخلاف الغسل، فيكون لتدفٍ وتبردٍ وتنظفٍ ونحو ذلك.
قال النووي: وهذا كله إذا لم تكن حاجة كبرد أو التقاء نجاسة فإن كان فلا كراهة قطعا. انتهى.
وفي الذخائر: وإذا تنشف فالأولى أن لا يكون بذيله وطرف ثوبه ونحوهما، يعني: لما يقال أنه يورث الفقر والنسيان، "وفي هذا الحديث" أيضا "جواز نفض اليدين من ماء الغسل، وكذا ماء الوضوء" بالقياس عليه، ورجحه في الروضة وشرح المهذب، إذ لم يثبت في النهي عنه شيء، لكن الأشهر تركه، لأن النفض كالتبري من العبادة، فهو خلاف الأولى، ورجحه في التحقيق، وبه جزم في المنهاج، قال المصنف.
"لكن فيه حديث ضعيف أورده الرافعي وغيره، ولفظه: "لا تنفضوا أيديكم في الوضوء فإنها مراوح الشيطان"، قال ابن الصلاح: لم أجده، وتبعه النووي" قال الحافظ: وقدстр. 4705
الوضوء فإنها مراوح الشيطان". قال ابن الصلاح: لم أجده، وتبعه النووي.
وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ للصلاة. رواه البخاري.
وفيه رد على من حمل الوضوء هنا على التنظيف.
وقوله: "وتوضأ للصلاة" أي توضؤا كما يتوضأ للصلاة، أي وضوءا شرعيا لا لغويا، وليس المراد أنه توضأ لأداء الصلاة.
والحكمة فيه أنه يخفف الحدث، ولا سيما على القول بجواز تفريق الغسل، فينويه فيرتفع الحدث عن تلك الأعضاء المخصوصة على الصحيح، ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة بسند رجاله ثقات عن شداد بن أوس الصحابي قال: إذا أجنب أحدكم من الليل ثم أراد أن ينام فليتوضأ، فإنه نصف غسل الجنابة.
وقيل: الحكمة فيه أنه إحدى الطهارتين، فعلى هذا يقوم التيمم مقامه، وقد
الحواشي
(١) أخرجه ابن حبان في الضعفاء، وابن أبي حاتم في العلل من حديث أبي هريرة، ولو لم يعارضه هذا الحديث الصحيح لم يكن صالحا لأن يحتج به، "وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب" جملة حالية "غسل فرجه" مما أصابه من الأذى، "وتوضأ للصلاة".
"رواه البخاري" ومسلم وغيرهما، "وفيه رد على من حمل الوضوء هنا على التنظيف" هو الطحاوي محتجا بأن ابن عمر راوي حديث: "إذا توضأ أحدكم فليرقد". كان يتوضأ وهو جنب، ولا يغسل رجليه كما في الموطأ عن نافع عنه.
وأجيب بأنه ثبت تعقيب الوضوء بالصلاة من روايته، ومن رواية عائشة: فيحمل تركه على أنه كان لعذر.
"وقوله: وتوضأ للصلاة، أي: توضؤا كما يتوضأ للصلاة، أي: وضوءا شرعيا لا لغويا" كان الأنسب أن يؤخر قوله: فيه رد. إلى هنا، "وليس المراد أنه توضأ لأداء الصلاة" إذ لا يصح مع الجنابة، "والحكمة فيه أن يخفف الحدث، ولا سيما على القول بجواز تفريق الغسل، فينويه، فيرتفع الحدث عن تلك الأعضاء المخصوصة على الصحيح".
"ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة" عبد الله بن محمد بن إبراهيم وهو أبو شيبة "بسند رجاله ثقات عن شداد" "بفتح المعجمة والدال الثقيلة" "ابن أوس الصحابي، قال: إذا أجنب أحدكم من الليل، ثم أراد أن ينام فليتوضأ، فإنه نصف غسل الجنابة".
"وقيل: الحكمة فيه أنه إحدى الطهارتين، فعلى هذا يقوم التيمم مقامه".стр. 4706
روى البيهقي بإسناد حسن عن عائشة أنه ﷺ كان إذا أجنب فأراد أن ينام توضأ أو تيمم.
ويحتمل أن يكون التيمم هنا عند عسر وجود الماء، وقيل: غير ذلك. انتهى ملخصا من فتح الباري.
الحواشي
(١) "وقد روى البيهقي بإسناد حسن عن عائشة أنه ﷺ كان إذا أجنب" أي: صار جنبا، "فأراد أن ينام توضأ أو تيمم" فهذا يؤيد قيام التيمم مقامه، "ويحتمل أن يكون التيمم هنا عند عسر وجود الماء" لا مطلقا، "وقيل: غير ذلك" في حكمة الوضوء، فقيل: لأنه أنشط إلى العود أو إلى الغسل. "انتهى ملخصا من فتح الباري" أي: جميع ما ذكره في هذا الفصل من التكلم على الأحاديث التي ذكرها بمعنى أنه أتى بما أراده منه لا التلخيص المتعارف.стр. 4707
النوع الثاني: في ذكر صلاته ﷺ
اعلم أن الصلاة تحصل تحقيق العبودية، وأداء حق الربوبية، وسائر العبادات وسائل إلى تحقيق سر الصلاة.
وقد جمع الله تعالى للمصلين في ركعة ما فرق على أهل السموات، فلله ملائكة في الركوع منذ خلقهم الله تعالى لا يرفعون من الركوع إلى يوم القيامة، وهكذا السجود، والقيام, والقعود.
الحواشي
(١) النوع الثاني: في ذكر صلاته ﷺ
أي: ذكر ما يتعلق بها من بيان مواقيتها وفرضها وغير ذلك. "اعلم أن الصلاة تحصل تحقيق العبودية،" أي: كون المصلي عبدا بانقياده لله تعالى في أوامره، كالسجود الذي حقيقته وضع أشرف الأعضاء بالأرض ولو ترابية بلا حائل، "وأداء حق الربوبية"، "بضم الراء" أي الحق الذي وجب للرب تعالى مما أمر به أو نهى عنه، أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، "وسائر" أي باقي "العبادات وسائل إلى تحقيق سر الصلاة" وهو كمال الانقياد إلى الله، "وقد جمع الله تعالى للمصلين في ركعة ما فرق على أهل السموات" من أنواع العبادات، "فلله ملائكة في الركوع منذ خلقهم الله تعالى لا يرفعون من الركوع إلى يوم القيامة، وهكذا السجود والقيام والقعود" كما جاءت به الأخبار، "واجتمع فيها أيضا من العبادات" كذا في نسخ وهي ظاهرة، وفي أخرى من العبوديات، وكأنه سماها بذلك باعتبار القيام بها وانقياد الشخص لها، وإلا فالمذكور من قوله من الطهارة ... إلخ، كله عبادات، وقد صرح به في قوله:стр. 4708
واجتمع فيها أيضا من العبادات ما لم يجتمع في غيرها، من الطهارة والصمت واستقبال القبلة، والاستفتاح بالتكبير، والقراءة والقيام والركوع والسجود، والتسبيح في الركوع، والدعاء في السجود إلى غير ذلك.
فهي مجموع عبادات عديدة، لأن الذكر بمجرده عبادة، والقراءة بمجردها عبادة، وكذا كل فرد فرد.
وقد أمر نبيه بالصلاة في قوله سبحانه: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] .
وفي ذلك -كما نبه عليه صاحب كتاب التنوير أمدنا الله بمدده- إشارة إلى
الحواشي
(١) فهي مجموع عبادات، "ما لم يجتمع في غيرها من الطهارة والصمت" عن الكلام الأجنبي "واستقبال القبلة والاستفتاح بالتكبير والقراءة والقيام والركوع والسجود والتسبيح في الركوع والدعاء في السجود إلى غير ذلك، فهي مجموع عبادات عديدة، لأن الذكر بمجرده عبادة" فاضلة على غيرها، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ "والقراءة بمجردها عبادة، وكذا كل فرد فرد" مما عده كله عبادة، "وقد أمر نبيه بالصلاة في قوله سبحانه: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ " القرآن تقربا إلى الله بقراءته وتحفظا لألفاظه واستكشافا لمعانيه، فإن القارئ المتأمل قد ينكشف له بالكرار ما لا ينشكف له أول ما قرع سمعه، ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ؛ بأن تكون سببا للانتهاء عن المعاصي حال الاشتغال بها وغيرها من حيث أنها تذكر الله وتورث النفس خشية منه.
وقد روى أحمد وغيره عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن فلانا يصلي بالليل، فإذا أصبح سرق، قال: "إنه سينهاه ما تقول". ووقع في الكشاف والبيضاوي: روي أن فتى من الأنصار كان يصلي مع رسول الله ﷺ الصلوات، ولا يدع شيئا من الفواحش إلا ارتكبه، فوصف له ﵇، فقال: "إن صلاته ستنهاه". فلم يلبث أن تاب، لكن قال الحافظ ولي الدين العراقي: لم أقف عليه وتبعه السيوطي.
"وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ﴾ اصبر ﴿عَلَيْهَا﴾ وداوم، روى ابن مردويه عن أبي هريرة، قال: حين نزلت هذه الآية كان ﷺ يأتي باب علي، فيقول: "الصلاة رحمكم الله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا". "وفي ذلك -كما نبه عليه صاحب كتاب التنوير" في إسقاط التدبير التاج ابن عطاء الله, مر بعض ترجمتهстр. 4709
أن في الصلاة تكليفا للنفوس شاقا عليها، لأنها تأتي في أوقات ملاذ العباد وأشغالهم، فتطالبهم بالخروج عن ذلك كله إلى القيام بين يديه، والفراغ عما سوى الله، فلذلك قال: ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ .
قال: ومما يدل على أن في القيام بالصلاة تكاليف العبودية وأن القيام بها على خلاف ما تقتضيه البشرية، قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] فجعل الصبر والصلاة مقترنين إشارة إلى أنه يحتاج في الصلاة إلى الصبر، صبر على ملازمة أوقاتها، وصبر على القيام بمسنوناتها وواجباتها، وصبر يمنع القلوب فيها عن غفلاتها، ولذلك قال تعالى بعد ذلك: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ فأفرد الصلاة بالذكر ولم يفرد الصبر به، إذ لو كان كذلك لقال: وإنه لكبير. فقد يدل على ما قلناه، أو لأن الصبر والصلاة مقترنان متلازمان، فكان أحدهما هو عين الآخر، كما قال تعالى في الآية الآخرى:
﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] . انتهى ملخصا.
ثم إن الكلام فيها ينقسم إلى خمسة أقسام:
الحواشي
(١) "أمدنا الله بمدده- إشارة إلى أن في الصلاة تكليفا للنفوس شاقا عليها، لأنها تأتي في أوقات ملاذّ العباد وأشغالهم، فتطالبهم بالخروج عن ذلك كله" أي تكون سببا لخروجهم عن ملاذهم وأشغالهم "إلى القيام بين يديه والفراغ عما سوى الله" بفعل الصلاة قبل خروج وقتها، "فلذلك قال ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ ، قال: ومما يدل على أن في القيام بالصلاة تكاليف العبودية وأن القيام بها على خلاف ما تقتضيه البشرية قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾ " اطلبوا المعونة على أموركم ﴿بِالصَّبْرِ﴾ : الحبس للنفس على ما يكره ﴿وَالصَّلَاةِ﴾ أفردها بالذكر تعظيما لشأنها، وفي الحديث: كان ﷺ إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة، وقيل: الخطاب لليهود لما عاقهم عن الإيمان الشره وحب الرياسة أمروا بالصبر وهو الصوم، لأنه يكسر الشهوة، والصلاة لأنها تورث الخشوع وتنفي الكبر، ﴿وَإِنَّهَا﴾ أي: الصلاة ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ ثقيلة ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ الساكنين إلى الطاعة، "فجعل الصبر والصلاة مقترنين إشارة إلى أنه يحتاج في الصلاة إلى الصبر" الكامل، وهو أنواع أشار إليها بقوله: "صبر" بالجر بدل نكرة من معرفة، لكون النكرة موصوفة لفظا بقوله: كائن "على ملازمة أوقاتها", أو موصوفة في المعنى، "وصبر على القيام بمسنوناتها وواجباتها" ومستحباتها، "وصبر يمنع القلوب فيها عن غفلاتها" لاشتغالها بالصلاة وإعراضها عن الدنيا، "ولذلك قال تعالى بعد ذلك: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ فأفرد الصلاة بالذكر" بقوله: ﴿وَإِنَّهَا﴾ تعظيما لشأنها، "ولم يفرد الصبر به إذ لو كان كذلك لقال: وإنه لكبير"؛ لأن الصبر مذكر، "فقد يدل على ما قلناه" قد للتحقيق، "أو لأن الصبر والصلاة مقترنان متلازمان، فكان أحدهما هو عين الآخر" فوصف الصلاة بالكبر بمنزلة وصف الصبر به لتلازمهما، "كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ بالطاعة، فتوحيد الضمير لتلازم الرضاءين، وقيل: خبر الله أو رسوله محذوف. "انتهى ملخصا".стр. 4710
القسم الأول: في الفرائض وما يتعلق بها, وفيه أبواب:
الباب الأول: في الصلوات الخمس
وفيه فصول:
الفصل الأول: في فرضها
عن أنس قال: فرضت على النبي ﷺ ليلة أسري به خمسون صلاة، ثم نقصت حتى جعلت خمسا، ثم نادى: يا محمد إنه لا يبدل القول لديّ، وإن لك بهذه الخمس خمسين. رواه الترمذي هكذا مختصرا، ورواه البخاري ومسلم من حديث طويل تقدم في مقصد الإسراء مع ما فيه من المباحث.
الحواشي
(١) "ثم إن الكلام فيها ينقسم إلى خمسة أقسام: القسم الأول في الفرائض وما يتعلق بها، وفيه أبواب: الباب الأول في الصلوات الخمس وفيه فصول":
"الأول: في فرضها" أي: إيجابها أصلا وقدرا "عن أنس قال: فرضت على النبي ﷺ ليلة أسري به خمسون صلاة، ثم نقصت" بأن حط منها بمراجعته ﷺ بإشارة موسى ﵊ خمسا خمسا، "حتى جعلت خمسا ثم نادى" الله تعالى "يا محمد إنه لا يبدل" لا يغير "القول لديّ" في ذلك، "وإن لك بهذه الخمس خمسين".
قال الحافظ: هذا من أقوى ما استدل به على أنه تعالى كلم نبيه محمدا ﷺ ليلة الإسراء بلا واسطة، "رواه الترمذي هكذا مختصرا، ورواه البخاري ومسلم من" جملة "حديث طويل" عن أنس، عن مالك بن صعصعة عن النبي ﷺ ، "تقدم في مقصد الإسراء مع ما فيه من المباحث" المنيفة.стр. 4711
وعن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. رواه مسلم وأبو داود والنسائي.
وقوله: "وفي الخوف ركعة" محمول على أن المراد ركعة مع الإمام وينفرد بالأخرى.
وعن عائشة: فرض الله الصلاة -حين فرضها- ركعتين ركعتين، ثم أتمها في الحضر, وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى. رواه البخاري.
وعنده -في كتاب الهجرة- من طريق معمر عن الزهري، عن عروة عن عائشة: فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر ﷺ ففرضت أربعا.
فعين في هذه الرواية أن الزيادة في قوله في الحديث الذي قبله "وزيد في صلاة الحضر" وقعت بالمدينة.
وقد أخذ بظاهر هذا الحديث الحنفية، وبنوا عليه: أن القصر في السفر
الحواشي
(١) "وعن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم" بأن أنزله عليه وأمره أن يتكلم به "في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين" في الرباعية "وفي الخوف ركعة".
"رواه مسلم وأبو داود والنسائي، وقوله: وفي الخوف ركعة محمول على أن المراد ركعة مع الإمام" يقتدى به فيها، "وينفرد بالأخرى" بعدما يفارقه فيصليها وحده، فليس المراد ظاهره وإن ذهب إليه قوم.
"وعن عائشة قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين" بالتكرار لإفادة عموم التثنية لكل صلاة في الحضر والسفر، هكذا في رواية كريمة للبخاري بالتكرار، فلا إشكال فيها بخلاف ما وقع في رواية غيرها ركعتين بدون تكرار، ويوافق روايتها سائر الروايات في الصحيحين، وغيرهما، زاد في رواية لأحمد إلا المغرب، فإنها كانت ثلاثا "ثم أتمها" أربعا "في الحضر وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى"، "بضم الهمزة".
"رواه البخاري" ومسلم وغيرهما، "وعنده في كتاب الهجرة من طريق معمر عن الزهري، عن عروة عن عائشة: فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر ﷺ ففرضت أربعا، فعين في هذه الرواية أن الزيادة في قوله في الحديث الذي قبله، وزيد في صلاة الحضر وقعت بالمدينة" لم يتقدم له بهذا اللفظ، نعم هو لفظ البخاري في أول كتاب الصلاة، فقال الحافظ في شرحه هذا الكلام "وقد أخذ بظاهر هذا الحديث الحنفية وبنوا عليه أن القصر في السفر عزيمة"؛ لأنهстр. 4712
عزيمة لا رخصة.
واحتج مخالفوهم بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] لأن نفي الجناح لا يدل على العزيمة، والقصر إنما يكون من شيء أطول منه، ويدل على أنه رخصة أيضا قوله ﵊: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته". رواه مسلم. وأما خبر: "فرضت الصلاة
الحواشي
(١) أمر بها في السفر كذلك ولم تغير "لا رخصة" لأنها الحكم المتغير إلى سهولة لعذر مع قيام السبب للحكم الأول، قال المصنف: وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا أتم المسافر يكون الشفع الثاني عندنا فرضا وعندهم نفلا لنا أن الوقت سبب للأربع، والسفر سبب للقصر، فيختار أيهما شاء، ولهم قول ابن عباس المتقدم.
"واحتج مخالفوهم بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ ، لأن نفي الجناح لا يدل على العزيمة، بل على الإباحة لكن بفعل النبي ﷺ ترقت إلى السنة، "والقصر إنما يكون في شيء أطول منه،" وأجاب الحنفية بأنه ليس المراد بالآية قصر الذات، بل قصر الصفة كترك الاستقبال عند الخوف بدليل بقية الآية، ورده ابن جرير بأن الآية من المتصل لفظا المنفصل معنى، فقد ورد أن قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ نزل بعد قوله: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ بسنة، فهو متعلق بما بعده، أي: بقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ .
"ويدل على أنه رخصة أيضا قوله ﵊" كما في مسلم عن يعلى بن أمية، قلت لعمر: إنما قال الله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] وقد أمن الناس، فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم" والصدقة لا يجب قبولها، فالقصر ليس بواجب، وأجاب الحنفية، بأن ذلك في غير صدقة الله تعالى، كيف وقد أمر بقبولها؟ بقوله: "فاقبلوا صدقته" والأصل في الأمر الوجوب.
"رواه مسلم" عن عمر كما رأيت، فأفاد ﷺ ، أن الشرط في الآية لبيان الواقع وقت النزول، فلا مفهوم له، وهذا جاء به المصنف من فتح الباري، وفيه أيضا بعده الذي يظهر لي، وبه تجتمع الأدلة، أن الصلوات فرضت ليلة الإسراء ركعتين إلا المغرب، ثم زيدت بعد الهجرة إلا الصبح، كما روى ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي عن عائشة: فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين ركعتين، فلما قدم ﷺ المدينة واطمأن، زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان وتركت صلاة الفجر لطول القراءة وصلاة المغرب لأنها وتر النهار. انتهى. ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف عنا في السفر عند نزول قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ ويؤيده ما ذكرهстр. 4713
ركعتين، أي في السفر، فمعناه: لمن أراد الاقتصار عليهما جمعا بين الأخبار. قاله في الجموع.
الفصل الثاني: في ذكر تعيين الأوقات التي صلى فيها ﷺ الصلوات الخمس
عن جابر: أن جبريل أتى النبي ﷺ يعلمه مواقيت الصلاة، فتقدم جبريل، ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى الظهر حين زالت الشمس، وأتاه حين كان الظل مثل شخصه، فصنع كما صنع، فتقدم جبريل ورسول الله ﷺ
الحواشي
(١) ابن الأثير في شرح المسند أن قصر الصلاة كان في السنة الرابعة من الهجرة وهو مأخوذ من قول غيره: إن نزول آية الخوف كان فيها.
وقيل: كان قصر الصلاة في ربيع الآخر من السنة الثانية، ذكره الدولابي وأورده السهيلي، بلفظ: بعد الهجرة بعام أو نحوه، وقيل: بعد الهجرة بأربعين يوما، فعلى هذا المراد بقول عائشة: فأقرت صلاة السفر، أي: باعتبار ما آل إليه الأمر من التخفيف لا أنها استمرت منذ فرضت، فلا يلزم من ذلك أن القصر عزيمة.
فائدة: ذهب جماعة إلى أنه لم يكن قبل الإسراء صلاة مفروضة إلا ما وقع الأمر به من صلاة الليل بلا تحديد، وذهب الحربي إلى أن الصلاة كانت مفروضة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، ورده جماعة من أهل العلم. انتهى.
"وأما خبر: "فرضت الصلاة ركعتين، أي: في السفر، فمعناه لمن أراد الاقتصار عليهما جمعا بين الأخبار" فليس فيه أنه عزيمة، "قاله في المجموع" هو شرح المهذب للنووي وأوله، وأما خبر وما قبله من الفتح كما علم.
الفصل الثاني: في ذكر تعيين الأوقات التي صلى فيها ﷺ الصلوات الخمس
مرتين "عن جابر" بن عبد الله "أن جبريل أتى النبي ﷺ يعلمه مواقيت الصلاة" صبيحة ليلة فرضها في الإسراء كما يأتي، وجابر لم يدرك ذلك، فهو مرسل صحابي، فإما أنه تلقاه عنه ﷺ أو عن صحابي أدرك ذلك، "فتقدم جبريل ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى الظهر حين زالت الشمس" أي: مالت من جانب الشمال إلى اليمي إذا استقبلت القبلة، "وأتاه حين كان الظل مثل ظل شخصه" أي: الشيء المشخص وهو جسم مشخص له شخوص وارتفاع "فصنع كما صنع" في الظهر، وبينه بقوله: "فتقدم جبريلстр. 4714
خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى العصر، ثم أتاه حين وجبت الشمس، فتقدم جبريل، ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى المغرب، ثم أتاه حين غاب الشفق، فتقدم جبريل ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى العشاء، ثم أتاه حين انشق الفجر، فتقدم جبريل ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ ، فصلى الصبح.
ثم أتاه جبريل في اليوم الثاني حين كان ظل الرجل مثل شخصه، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى الظهر، ثم أتاه حين كان الظل مثلي شخصه فصنع كما
الحواشي
(١) ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى العصر" في أول وقته، "ثم أتاه حين وجبت الشمس" أي: غابت، وأصل الوجوب السقوط، والمراد سقوط قرص الشمس، وفاعل وجبت هنا مذكور، وهو الشمس، وسقط في رواية البخاري عن جابر: "كان ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة والعصر والشمس نقية والمغرب إذا وجبت" الحديث، فقال الحافظ: فاعل وجبت مستتر وهو الشمس، ولأبي داود: والمغرب إذا غربت الشمس، ولأبي عوانة: والمغرب حين تجب الشمس، أي تسقط، وفيه أن سقوط قرصها يدخل به المغرب، ومحله ما إذا لم يحل بين رؤيتها عارية وبين الرائي حائل، "فتقدم جبريل ورسول الله ﷺ خلفه والناس خلف رسول الله ﷺ ، فصلى المغرب" لأول وقتها، "ثم أتاه حين غاب الشفق" أي الحمرة التي ترى في أفق المغرب، كما في الموطأ، وعليه أكثر العلماء، وقال أبو حنيفة إنه البياض الذي يليها، وتعقب بأنه مختص في اللغة والاستعمال بالحمرة، لقول أعرابي: وقد رأى ثوبا أحمر كأنه شفق.
وقال المفسرون في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ [الانشقاق: ١٦] إنه الحمرة، وقال الخليل بن أحمد: رقبت البياض فوجدته يبقى إلى ثلث الليل، وقال غيره: إلى نصفه، فلو رتب الحكم عليه لزم أن لا يدخل وقت العشاء حتى يمضي ثلث الليل أو نصفه ولا قائل به، والأحاديث ناطقة بخلافه "فتقدم جبريل ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ ، فصلى العشاء" أول وقتها، "ثم أتاه حين انشق الفجر", أي: ظهر والشق بالفتح انفراج في الشيء، فوصف الفجر به مجاز من إطلاق اسم المحل على الحال، "فتقدم جبريل ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى الصبح" أول وقته، "ثم أتاه جبريل في اليوم الثاني حين كان ظل الرجل مثل شخصه" لم يقل مثله، لأن الرجل مسماه الماهية، وهي إنما توجد في ضمن الإفراد وليست مرئية ولا ظل لها، والظل إنما هو للصورة الخارجية المعبر عنها بالشخص وهو سواد الإنسان يرى من بعد، ثم استعمل في ذاته، قال الخطابي: ولا يسمى شخصا إلا جسم مؤلف له شخوص وارتفاع، "فصنع كما صنع بالأمس"стр. 4715
صنع بالأمس فصلى العصر، ثم أتاه حين وجبت الشمس فصنع كما صنع بالأمس فصلى المغرب، ثم أتاه حين غاب الشفق فصنع كما صنع بالأمس فصلى العشاء، ثم أتاه حين امتد الفجر وأصبح والنجوم بادية مشتبكة وصنع كما صنع بالأمس فصلى الغداة. ثم قال: "ما بين هاتين الصلاتين للصلاة وقت". رواه النسائي.
وفي رواية قال: خرج رسول الله ﷺ فصلى الظهر حين زالت الشمس، وكان الفيء قدر الشراك، ثم صلى العصر حين كان الفيء قدر الشراك، وكان ظل الرجل مثله، ثم صلى المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى العشاء حين غاب
الحواشي
(١) من تقدمه والنبي خلفه والناس خلف النبي ﷺ "فصلى الظهر" في الوقت الذي صلى فيه العصر بالأمس، "ثم أتاه حين كان الظل مثلي"، "بالتثنية"، "شخصه، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى العصر" في آخر مختارها، "ثم أتاه حين وجبت الشمس، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى المغرب" في أول وقتها كما صلاها أمس، ففيه دلالة قوية على أن وقتها مضيق، لأن جبريل صلاها بالنبي ﷺ في اليومين في وقت واحد، "ثم أتاه حين غاب الشفق، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى العشاء" صرح في هذه الرواية بأنه صلاها في اليومين بوقت واحد، وفي التالية لها، ثم صلى العشاء إلى ثلث الليل أو نصف الليل، فيجمع بينهما بأنه أتاه حين غاب الشفق في اليومين، لكن بقي عنده في الثاني بدون صلاة العشاء إلى ثلث الليل، وهذا الجمع متعين، لأن المخرج واحد وهو جابر، ويشهد له حديث ابن عباس بعده: ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، "ثم أتاه حين امتد الفجر" في أفق السماء، "وأصبح" أي: دخل في الصباح "والنجوم بادية" أي: ظاهرة "مشتبكة" مختلط بعضها ببعض لكثرة ما ظهر منها.
وروى أحمد: "لا تزال أمتي بخير ما لم يؤخروا المغرب انتظارا للظلام مضاهاة لليهود، وما لم يؤخروا الفجر لمحاق النجوم مضاهاة للنصارى". "وصنع كما صنع بالأمس فصلى الغداة"، أي: الصبح, ثم قال: "ما بين هاتين الصلاتين" في اليومين "للصلاة وقت"، ويأتي في حديث ابن عباس والوقت فيما بين هاتين الوقتين، "رواه النسائي" والترمذي وغيرهما.
"وفي رواية" له أيضا، عن جابر "قال: خرج رسول الله ﷺ فصلى الظهر حين زالت الشمس" أي: مالت إلى جهة الغروب "وكان الفيء قدر الشراك"، "بكسر المعجمة" أحد سيور النعل التي على وجهها، وقدره هنا ليس على معنى التحديد، "ثم صلى العصر حين كان الفيء قدر الشراك، وكان ظل الرجل مثله" بالإفراد، "ثم صلى المغرب حين غابت الشمس ثم صلى العشاء حين غاب الشفق" الحمرة، "ثم صلى الفجر" أي: الصبح "حين طلع الفجر، ثمстр. 4716
الشفق، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر، ثم صلى الغداة -أي الظهر- حين كان الظل طول الرجل، ثم صلى العصر حين كان ظل الرجل مثليه، ثم صلى المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى العشاء إلى ثلث الليل أو نصف الليل -شك أحد رواته- ثم صلى الفجر فأسفر.
وعن ابن عباس: قال ﷺ : "أمَّني جبريل عند البيت مرتين، فصلى الظهر بي في الأولى حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين
الحواشي
(١) صلى الغداة، أي الظهر" تفسيرها بهذا يخالف قوله في الحديث السابق: فصلى الغداة، أي: الصبح، وفي المصباح الغداة: الضحوة مؤنثة، وجوز ابن الأنباري تذكيرها على معنى أول النهار، وعلى هذا فإطلاق الغداة على كل من صلاتي الصبح والظهر مجاز علاقته المجاورة لقرب كل من الصلاتين لوقت الضحوة، كذا مشاه شيخنا، والذي يظهر لي أن الغداة اسم لليوم، فإنها تطلق كالغد على اليوم بتمامه تسمية للكل باسم البعض، ونصبها على الظرفية، أو بنزع الخافض، أي: في الغداة، أي: اليوم الثاني بعد اليوم الذي صلى فيه أولا، وقول المصنف، أي: الظهر بيان لمفعول صلى لا تفسير للغداة "حين كان الظل طول الرجل" وقت صلاته العصر في اليوم الأول، "ثم صلى العصر حين كان ظل الرجل مثليه" بالتثنية "ثم صلى المغرب حين غابت الشمس, ثم صلى العشاء إلى ثلث الليل، أو نصف الليل شك أحد رواته ثم صلى الفجر", أي: الصبح "فأسفر" وفي أبي داود وغيره، وصححه ابن خزيمة وغيره عن أبي مسعود الأنصاري: وصلى النبي ﷺ الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات لم يعد إلى أن يسفر.
"وعن ابن عباس" قال: "قال ﷺ ": "أمَّني" بفتح الهمزة والميم الثقيلة صلى بي إماما "جبريل عند البيت" كذا رواه الأكثر، ورواه الشافعي والطحاوي والبيهقي عند باب البيت، وهي مبينة للمراد من الأولى "مرتين، فصلى الظهر في الأولى حين كان الفيء مثل الشراك" وقت الزوال في ذلك اليوم لا أنه أخره عن الزوال إلى أن صار كذلك كما يأتي، وقد جاء في رواية أبي داود وغيره بيان المراد، ولفظه عن ابن عباس: "فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك". فقوله: "وكانت ... " إلخ, إخبار عن صفتها وقت الزوال يومئذ، "ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثله" بالإفرد وفي رواية: "حين كان ظله مثله". "ثم صلى المغرب حين وجبت" أي: غابت "الشمس وأفطر الصائم" أي: جاز له الفطر، "ثم صلىстр. 4717
غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم. وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شيء مثله كوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم صلى المغرب لوقت الأولى، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفر، ثم التفت إليّ جبريل فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين". رواه الترمذي وغيره.
الحواشي
(١) العشاء حين غاب الشفق" الحمرة، "ثم صلى الفجر حين برق الفجر" بموحدة وراء بلا نقط مفتوحتين، أي: لمع، وأما برق بكسر الراء، فمعناه تحير حتى صار لا يطرف، أو دهش حتى لا يبصر كما في القاموس وغيره، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] وقرأ نافع بالفتح، أي: لمع من شدة شخوصه. "وحرم الطعام على الصائم، وصلى المرة الثانية الظهر حين كان" أي: صار "ظل كل شيء مثله" بالإفراد، "كوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه"، "بالثتينة"، "ثم صلى المغرب لوقت الأولى" أي: في الوقت الذي صلاها فيه في المرة الأولى، "ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفر، ثم التفت إليّ"، "بشد ياء المتكلم"، "جبريل" فاعل التفت، "فقال: يا محمد هذا" زاد في رواية: "وقتك و". "وقت الأنبياء من قبلك" أي: مثل وقت من فرض عليه منهم صلاة مخصوصة بوقت، لا أنه وقت لكل الأنبياء، فلا ينافي أن الخمس من خصائص هذه الأمة، ولم تجتمع لأحد غيرهم كما مر في الخصائص، "والوقت فيما بين هذين الوقتين" موسع، ففي أي جزء أوقعها فيه لا يأثم.
قال ابن عبد البر: لم أجد قوله: "هذا وقتك ووقت الأنبياء من قبلك" إلا في هذا الحديث، يعني حديث ابن عباس، وقال ابن العربي: ظاهره يوهم أن هذه الصلوات في هذه الأوقات مشروعة للأنبياء قبله وليس كذلك، وإنما معناه هذا وقتك المشروع لك يعني الوقت الموسع المحدود بطرفين الأول والآخر، ووقت الأنبياء قبلك أي صلاتهم كانت واسعة الوقت وذات طرفين، مثل هذا، وإلا فلم تكن هذه الصلوات على هذا الميقات إلا لهذه الأمة، خاصة وإن كان غيرهم قد شاركهم في بعضها.
وقد روى أبو داود في حديث العشاء: "أعتموا بهذه الصلاة، فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم، ولم تصلها أمة قبلكم". ولا يرد عليه ما ورد أن العشاء ليونس، لأنه أجيب بأنها كانت له نافلة ولم تكتب على أمته، كالتهجد وجب على نبينا دوننا، وبغير ذلك كما مر في الخصائص. "رواه الترمذي وغيره" كأبي داود وأحمد والشافعي، وصححه الحاكم وضعفه ابن بطال، بحديثстр. 4718
وقوله: "صلى بي الظهر حين كان ظله مثله" أي فرغ منها حينئذ، كما شرع في العصر في اليوم الأول، وحينئذ فلا اشتراك بينهما في وقت، ويدل له حديث مسلم: "وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم تحضر العصر".
وقوله في حديث جابر: "فصلى الظهر حين زالت الشمس". يقتضي جواز فعل الظهر إذا زالت الشمس، ولا ينتظر بها وجوبا ولا ندبا مصير الفيء مثل الشراك، كما اتفق عليه أئمتنا ودلت عليه الأخبار الصحيحة، وأما حديث ابن عباس فالمراد
الحواشي
(١) الصحيحين أن عمر بن عبد العزيز أخر العصر، فأنكر عليه عروة بن الزبير، وروى له حديث صلاة جبريل بالمصطفى مرة واحدة، قال: فلو كان هذا الحديث صحيحا لم ينكر عروة على عمر صلاته آخر الوقت محتجا بصلاة جبريل مع أنه قد صلى في اليوم الثاني في آخر الوقت، وقال: "الوقت ما بين هذين". وأجبت باحتمال أن صلاة عمر خرجت عن وقت الاختيار وهو مصير ظل كل شيء مثليه، لا عن وقت الجواز وهو مغيب الشمس، فصحة إنكار عروة لا يلزم منها ضعف الحديث، وبأن عروة أنكر مخالفة ما واظب عليه النبي ﷺ ، وهو الصلاة في أول الوقت، ورأى أن الصلاة بعد ذلك إنما هي لبيان الجواز، فلا يلزم منه ضعف الحديث أيضا.
وقد روى سعيد بن منصور عن طلق بن حبيب مرسلا، أن الرجل ليصلي الصلاة وما فاتته، ولما فاته من وقتها خبر له من أهله وماله، "وقوله": "صلى بي الظهر حين كان ظله مثله". "أي: فرغ منها حينئذ" أي: حين فراغه منها، "وقوله: كما شرع في العصر في اليوم الأول", وهذا تأويل "وحينئذ فلا اشتراك بينهما في وقت" بقدر إحداهما كما تقول المالكية، ثم اختلفوا هل في آخر وقت الظهر، أو في أول وقت العصر، مبناه: هل معنى صلى فرغ أو شرع؟ وهو ظاهر الحديث.
وقال ابن العربي: بالله ما بينهما اشتراك، ولقد زلت فيه أقدام العلماء، "ويدل له حديث مسلم" عن عبد الله بن عمرو، مرفوعا: "وقت الظهر إذا زالت الشمس" زاد في رواية لمسلم: "عن بطن السماء". "ما لم تحضر العصر". "وقوله في حديث جابر: فصلى الظهر حين زالت الشمس يقتضي جواز فعل الظهر" أي: صلاتها "إذا زالت الشمس، ولا ينتظر بها وجوبا ولا ندبا مصير الفيء مثل الشراك"، "بالكسر سير النعل"، "كما اتفق عليه أئمتنا ودلت عليه الأخبار الصحيحة" وكذا اتفق عليه أئمة غيرهم إلا الكوفيين، فقالوا: لا تجب بأول الوقت.
ونقل ابن بطال أن الفقهاء بأسرهم على خلاف ما نقل الكرخي عن أبي حنيفة، أن الصلاة في أول الوقت تقع نفلا.
قال الحافظ: والمعروف عند الحنفية تضعيف هذا القول، قال: والحديث يقتضي أيضا أنстр. 4719
به أنه حين زالت الشمس كان الفيء حينئذ مثل الشراك، لأنه أخر إلى أن صار مثل الشراك. ذكره في المجموع.
وقد بين ابن إسحاق في المغازي أن صلاة جبريل به ﷺ كانت صبيحة الليلة التي فرضت فيها الصلاة، وهي ليلة الإسراء. ولفظه:
قال نافع بن جبير وغيره: لما أصبح رسول الله ﷺ من الليلة التي أسري به لم يرعه إلا جبريل نزل حين زاغت الشمس، ولذلك سميت "الأولى" -أي صلاة الظهر- فأمر فصيح بأصحابه: "الصلاة جامعة" فاجتمعوا فصلى به جبريل وصلى النبي ﷺ بأصحابه. فذكر الحديث وفيه رد على من زعم أن بيان الأوقات إنما
الحواشي
(١) الزوال أول وقت الظهر إذ لم ينقل أنه صلى قبله، وهذا هو الذي استقر عليه الإجماع وكان فيه خلاف قديم عن بعض الصحابة أنه جوز صلاة الظهر قبل الزوال، ومثله عن أحمد وإسحاق في الجمعة. انتهى.
"وأما حديث ابن عباس، فالمراد به أنه حين زالت الشمس كان الفيء حينئذ مثل الشراك، لأنه أخر إلى أن صار مثل الشراك" وإن كان ذلك ظاهره لمخالفة غيره من الأحاديث، وهي يفسر بعضها بعضا، "ذكره في المجموع" شرح المهذب للنووي، "وقد بين" محمد "بن إسحاق" بن يسار "في المغازي أن صلاة جبريل به ﷺ كانت صبيحة الليلة التي فرضت فيها الصلاة، وهي ليلة الإسراء، ولفظه" كما في الفتح: حدثني عتبة بن مسلم عن نافع بن جبير.
وقال عبد الرزاق: عن ابن جريج، قال: "قال نافع بن جبير"، "بضم الجيم" ابن مطعم بن عدي النوفلي "وغيره" فسقط من قلم المصنف أو نساخه بعض الكلام: "لما أصبح رسول الله ﷺ من الليلة التي أسري به" فيها "لم يرعه"، "بفتح الياء وضم الراء وإسكان العين" لم يفزعه "إلا جبريل نزل حين زاغت" بغين معجمة" أي: مالت "الشمس ولذلك سميت الأولى، أي صلاة الظهر" لأنها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي ﷺ صبيحة الإسراء على المشهور في الأحاديث، ولابن أبي خيثمة والدارقطني وابن حبان في الضعفاء بإسناد ضعيف عن ابن عباس: لما فرضت الصلاة على رسول الله ﷺ أتاه جبريل، فصلى به الصبح حين طلع الفجر.
وفي حديث أبي هريرة عند النسائي، قال ﷺ : "هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم". فصلى الصبح حين طلع الفجر "فأمر" ﷺ ، "فصيح بأصحابه: الصلاة جامعة" برفعهما ونصبهما، ورفع الأول ونصب الثاني وعكسه، "فاجتمعوا وصلى به جبريل، وصلى النبي ﷺ بأصحابه، فذكرстр. 4720
وقع بعد الهجرة، والحق أن ذلك وقع قبلها ببيان جبريل، وبعدها ببيان النبي ﷺ .
وإنما دعاهم بقوله: "الصلاة جامعة" لأن الأذان لم يكن شرع حينئذ.
واستدل بهذا الحديث على جواز الائتمام بمن يأتم بغيره.
ويجاب عنه بما يجاب عن قصة أبي بكر في صلاته خلف النبي ﷺ وصلاة الناس خلفه، فإنه محمول على أنه كان مبلغا فقط، كما يأتي تقريره إن شاء الله تعالى.
وقد صلى النبي ﷺ العصر والشمس في حجرة عائشة لم يظهر الفيء من
الحواشي
(١) الحديث، وفيه رد على من زعم أن بيان الأوقات إنما وقع بعد الهجرة، والحق أن ذلك وقع قبلها ببيان جبريل" صبيحة المعراج "وبعدها بيان النبي ﷺ " كما دلت عليه الأحاديث، "وإنما دعاهم بقوله: "الصلاة جامعة"؛ لأن الأذان لم يكن شرع حينئذ" وإنما شرع بالمدينة.
"واستدل بهذا الحديث على جواز الائتمام بمن يأتم بغيره، ويجاب عنه بما يجاب عن قصة أبي بكر في صلاته خلف النبي ﷺ وصلاة الناس خلفه", أي: أبي بكر، "فإنه محمول على أنه" أي: أبا بكر "كان مبلغا فقط" والإمام النبي ﷺ "كما يأتي تقريره إن شاء الله تعالى" في الإمامة هكذا قال الحافظ وتعقبه السيوطي بأنه واضح في قصة أبي بكر، وأما هنا ففيه نظر، لأنه يقتضي أن الناس اقتدوا بجبريل لا بالنبي ﷺ ، وهو خلاف الظاهر والمعهود مع ما في رواية نافع بن جبير من التصريح بخلافه، أي بقوله وصلى به جبريل وصلى النبي ﷺ بأصحابه، قال: والأولى أن يجاب بأن ذلك كان خاصا بهذه الواقعة؛ لأنها كانت للبيان المعلق عليه الوجوب، زاد الحافظ: واستدل به أيضا على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل من جهة أن الملائكة ليسوا مكلفين بمثل ما كلف به الإنس، قاله ابن العربي وغيره، وأجاب عياض باحتمال أن لا تكون تلك الصلاة واجبة على النبي ﷺ حينئذ، وتعقبه بما تقدم من أنها كانت صبيحة ليلة فرض الصلاة وأجاب باحتمال أن الوجوب كان معلقا بالبيان، فلم يتحقق الوجوب إلا بعد تلك الصلاة، قال: وأيضا لا نسلم أن جبريل كان متنفلا، بل كانت تلك الصلاة واجبة عليه، لأنه مكلف بتبليغها، فهي صلاة مفترض خلف مفترض، وقال ابن المنير: قد يتعلق به من يجوز صلاة مفترض بمفترض آخر، كذا قال: وهو مسلم له في صورة المؤداة مثلا. خلف المؤداة لا في صورة الظهر خلف العصر مثلا. انتهى ﵀.
"وقد صلى النبي ﷺ العصر والشمس" أي ضوءها "في حجرة"، "بضم المهملة وسكون الجيم"، "بيت" عائشة لم يظهر الفيء" أي: الظل في الموضع الذي كانت الشمس فيهстр. 4721
حجرتها. رواه البخاري ومسلم.
وقال أنس: كان ﷺ يصلي العصر والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة، وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال. رواه البخاري ومسلم.
الحواشي
(١) "من حجرتها" ولا يعارضه رواية الصحيحين أيضا: والشمس في حجرتها قبل أن تظهر، أي: ترتفع، لأن المراد بظهور الشمس خروجها من الحجرة، وبظهور الفيء انبساطه في الحجرة، وذلك لا يكون إلا بعد خروج الشمس، فلا خلف بين الروايتين، "رواه البخاري ومسلم" بطرق عديدة عن عائشة، "وقال أنس: كان ﷺ يصلي العصر والشمس مرتفعة حية" هو من باب الاستعارة، والمراد بقاء حرها وعدم تغير لونها، والواو للحال، "فيذهب الذاهب إلى العوالي" جمع عالية ما حول المدينة من القرى جهة نجدها، أما من جهة تهامتها فيقال: السافلة. "فيأتيهم والشمس مرتفعة" دون ذلك الارتفاع لكن لم تصل إلى الحد الذي توصف فيه بأنها منخفضة، وكأن أنسا أراد بالذاهب نفسه كما يشعر بذلك رواية النسائي والطحاوي، واللفظ له عن أبي الأبيض، عن أنس، قال: كان ﷺ يصلي بنا العصر والشمس بيضاء محلفة، ثم أرجع إلى قومي في ناحية المدينة، فأقول لهم: قوموا فصلوا، فإن رسول الله ﷺ قد صلى.
قال الطحاوي: نحن نعلم أن قوم أنس لم يكونوا يصلونها إلا قبل اصفرار الشمس، فدل ذلك على أنه صلى اله عليه وسلم كان يعجلها، وقال السيوطي: بل أراد أعم من ذلك، رواه الدارقطني والطبراني عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: كان أبعد رجلين من الأنصار من رسول الله ﷺ دار أبو لبانة وأهله بقباء، وأبو عيسى ومسكنه في بني حارثة، فكانا يصليان معه ﷺ ثم يأتيان قومهما وما صلوا لتعجيله ﷺ بها، "وبعض العوالي" هذا مدرج من الزهري، كما بينه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في هذا الحديث، فقال: قال الزهري وبعض العوالي "من المدينة على أربعة أميال" كذا وقع هنا، أي: بين بعض العوالي والمدينة هذه المسافة، وللبيهقي موصولا، والبخاري تعليقا، وبعد العوالي، "بضم الموحدة ودال مهملة"، وللبيهقي أيضا أربعة أميال أو ثلاثة، ولأبي عوانة وأبي العباس السراج عن الزهري العوالي من المدينة على ثلاثة أميال، ووقع عند المحاملي على ستة أميال، ولعبد الرزاق عن معمر عن الزهري على ميلين أو ثلاثة، فتحصل أن أقرب العوالي مسافة ميلين، وأبعدها ستة إن كانت رواية المحاملي محفوظة، وفي المدونة عن مالك أبعد العوالي مسافة ثلاثة أميال، كأنه أراد معظم عمارتها، وإلا فأبعدها ثمانية أميال، قاله عياض، وبه جزم ابن عبد البر وخلق آخرهم صاحب النهاية، ويحتمل أنه أراد أنه أبعد الأمكنة التي كان يذهب إليها الذاهب في هذه الواقعة، قاله الحافظ ملخصا، "رواه البخاري ومسلم" منстр. 4722
وفي ذلك دليل على تعجيله ﷺ بصلاة العصر، لوصف الشمس بالارتفاع بعد أن تمضي مسافة أميال، والمراد بالشمس ضوءها.
وعن سلمة بن الأكوع أنه ﷺ كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب. رواه البخاري ومسلم والترمذي.
وعن رافع بن خديج: كنا نصلي المغرب معه ﷺ فينصرف أحدنا، وإنه ليبصر مواقع نبله. رواه البخاري ومسلم. والنبل -بفتح النون: السهام العربية.
الحواشي
(١) طرق مدارها على ابن شهاب عن أنس، "وفي ذلك دليل على تعجيله ﷺ بصلاة العصر لوصف الشمس بالارتفاع" العلو "بعد أن تمضي مسافة أربعة أميال" إذ لا يمكن أن يذهب الذاهب أربعة أميال، والشمس لم تتغير إلا إذا صلى حين صار ظل كل شيء مثله، "والمراد بالشمس ضوءها" لا عينها، إذ لا يتصور دخولها في الحجرة حتى يخرج، فهو من باب المجاز، وكذا المراد في حديث أنس، إذ الذي يوصف بالارتفاع والحياة إنما هو الضوء، أما عينها فلا تزال بيضاء نقية إلى أن تغرب.
"وعن سلمة بن الأكوع" الصحابي الشهير "أنه ﷺ كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت" أي: استترت "بالحجاب" شبه غروبها بتواري المخبأة بحجابها "رواه البخاري" من ثلاثياته، فقال: حدثنا المكي بن إبراهيم، قال: حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة "ومسلم" واللفظ له، فأما لفظ البخاري، فقال: كنا نصلي مع النبي ﷺ المغرب إذا توارت بالحجاب.
قال الحافظ: المراد الشمس، ولم يذكرها اعتمادا على إفهام السامعين، كقوله في القرآن حتى توارت بالحجاب، قاله الخطابي، وقد رواه مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بلفظ: إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب، فدل على أن الاختصار في المتن من شيخ البخاري، وبه صرح الإسماعيلي، ورواه عبد بن حميد عن صفوان بن عيسى، وأبو عوانة والإسماعيلي من طريق صفوان أيضا، عن يزيد، عن سلمة بلفظ: كان يصلي المغرب ساعة تغرب الشمس حين يغيب حاجبها، والمراد حاجبها الذي يبقى بعد أن يغيب أكثرها، ورواية توارت أصرح في المراد، "والترمذي" وأبو داود وابن ماجه، "وعن رافع"، "بالراء"، "ابن خديج"، "بفتح المعجمة وكسر المهملة وإسكان التحتية وجيم"، قال: "كنا نصلي المغرب معه" اختصارا لقوله مع النبي " ﷺ فينصرف أحدنا" من المسجد، "وإنه ليبصر" بضم التحتية واللام" للتأكيد "مواقع" محل وقع "نبله" لبقاء الضوء، أي: المواضع التي تصل إليها سهامه إذا رمى بها، وروى أحمد بإسناد حسن عن ناس من الأنصار، قالوا: كنا نصلي معстр. 4723
أي يبصر مواقع سهامه إذا رمى بها، ومقتضاه المبادرة بالمغرب في أول وقتها، بحيث إن الفراغ منها يقع والضوء باق.
وكان ﷺ إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عجل، رواه النسائي من حديث أنس.
ويؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية. رواه أبو داود من حديث علي بن شيبان.
وقال ﵇: "إذا قدم العشاء فابدءوا به قبل صلاة المغرب ولا تعجلوا
الحواشي
(١) النبي ﷺ المغرب، ثم نرجع فنترامى حتى نأتي ديارنا، فما يخفى علينا مواقع سهامنا.
"رواه البخاري ومسلم" وابن ماجه "والنبل بفتح النون" وسكون الموحدة "السهام العربية" وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها، قاله ابن سيده، وقيل: واحدها نبلة مثل تمر وتمرة، "أي: يبصر مواقع سهامه إذا رمى بها" لأنهم كانوا يترامون بها في رجوعهم كما علم، "ومقتضاه المبادرة بالمغرب في أول وقتها، بحيث أن الفراغ منها يقع، والضوء باق" من قوله: ليبصر مواقع نبله، وفيه أيضا دلالة على عدم تطويلها، وأما الأحاديث الدالة على التأخير لقرب الشفق، فلبيان الجواز.
"وكان ﷺ إذا كان الحر أبرد بالصلاة" الباء للتعدية أو زائدة، أي: أخرها حتى تنكسر شدة الحر، والمراد بها الظهر، لأنها التي يشتد الحر غالبا في أول وقتها، وقد صح أبردوا بالظهر، فيحمل المطلق على المقيد، وحمل بعضهم الصلاة على عمومه بناء على أن المفرد المعرف يعم، فقال به أشهب: في العصر، وأحمد في رواية عنه في العشاء، حيث قال: تؤخر في الصيف دون الشتاء، ولم يقل به أحد في المغرب وا في الصبح لضيق وقتهما، "وإذا كان البرد عجل" الصلاة في أول وقتها" رواه النسائي من حديث أنس" بن مالك "و" كان "يؤخر العصر" أحيانا "ما دامت الشمس بيضاء نقية" بنون فقاف، أي خالصة صافية لم يتغير لونها، "رواه أبو داود من حديث علي بن شيبان" بن محرز بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن عبد العزى بن سحيم الحنفي السحيمي اليمامي أبو يحيى أحد وفد بني حنيفة له أحاديث عند البخاري في الأدب المفرد, وأبو داود "وابن حبان وابن خزيمة، منها من طريق عبد الله بن بدر، عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان" عن أبيه وكان أحد الوفد، قال: خرجنا حتى قدمنا على رسول الله ﷺ ، فبايعناه كما في الإصابة، وفي التقريب صحابي تفرد عنه ابنه عبد الرحمن.
"وقال ﵇": "إذا قدم" بضم القاف وكسر الدال المشددة، وفي رواية: إذا وضع، وأخرى إذا حضر "العشاء" بفتح العين والمد الطعام المأكول عشية وهو ضد الغداء، زاد في رواية لابن حبان والطبراني: "وأحدكم صائم". "فابدءوا به قبل صلاة المغرب" ثمстр. 4724
عن عشائكم". رواه البخاري ومسلم.
وعند أبي داود: "ولا تؤخروا الصلاة لطعام ولا غيره".
وأعتم ﷺ بالعشاء ليلة، حتى ناداه عمر: الصلاة، نام النساء والصبيان،
الحواشي
(١) صلوها ليكون القلب فارغا لمناجاة الرب، "ولا تعجلوا".
قال الحافظ: بضم الفوقية وفتحها والجيم مفتوحة فيهما، ويروى بضم أوله وكسر الجيم "عن عشائكم" لئلا يشتغل قلبكم به، "رواه البخاري ومسلم" من حديث أنس.
"وعند أبي داود" عن جابر، مرفوعا: "لا تؤخروا الصلاة لطعام ولا غيره". ولا معارضة بينهما إذ هو محمول على من لم يشتغل قلبه بالطعام جمعا بين الأحاديث، وروته عائشة بلفظ: "إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء". وفي رواية عنها بلفظ: "إذا حضر"، وابن عمر بلفظ: "إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء، ولا يعجل حتى يفرغ منه". وكلها في الصحيحين، لكن الذي رووه في حديث عائشة، بلفظ: "وضع" أكبر كما قاله الإسماعيلي.
قال الحافظ: والفرق بينهما أن الحضور أعم من الوضع، فيحمل قوله حضر، أي بين يديه لتأتلف الروايتان لاتحاد المخرج، ويؤيده حديث أنس ﵁، بلفظ: إذا قدم، ولمسلم: إذا قرب، وعلى هذا فلا يماط الحكم بما إذا حضر العشاء، لكن لم يقرب، كما لو لم يعرف، وظن قوم أن هذا من تقديم حق العبد على حق الله.
قال ابن الجوزي: وليس كذلك، وإنما هو صيانة لحق الله ليدخل الخلق عبادته بقلوب مقبلة، ثم إن طعام القوم كان قليلا لا يقطع عن لحاق الجماعة غالبا، هذا وما يقع في بعض كتب الفقه: "إذا حضر العشاء والعشاء فابدءوا بالعشاء" فلا أصل له في كتب الحديث بهذا اللفظ، كما في شرح الترمذي لشيخنا أبي الفضل، لكن رأيت بخط الحافظ قطب الدين، يعني: الحلبي أخرج ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن علية، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة، مرفوعا: "إذا حضر العشاء وحضرت العشاء فابدءوا بالعشاء". قال: كان ضبطه فذاك، وإلا فقد رواه أحمد في مسنده عن إسماعيل، بلفظ: "وحضرت الصلاة" ثم راجعت مصنف ابن أبي شيبة، فرأيت الحديث فيه كما أخرجه أحمد. انتهى.
"وأعتم"، "بفتح الهمزة والفوقية وإسكان المهملة بينهما"، " ﷺ بالعشاء" أي: أخر صلاتها "ليلة" من الليالي، وكانت عادته تقديمها "حتى ناداه عمر" بن الخطاب "الصلاة" بالنصب على الإغراء، قاله المصنف، وقال الحافظ: بالنصب بفعل مضمر تقديره مثلا صل الصلاة، وساغ هذا الحذف لدلالة السياق عليه "نام النساء والصبيان" أي: الحاضرون في المسجد، وإنما خصهم بذلك لأنهم مظنة قلة الصبر عن النوم، ومحل الشفقة والرحمة بخلاف الرجال.стр. 4725
فخرج ﷺ فقال: "ما ينتظرها من أهل الأرض أحد غيركم". قال: ولا تصلي يومئذ بالمدينة، وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول.
زاد في رواية: وذلك قبل أن يفشو الإسلام.
وفي رواية: فخرج ورأسه يقطر ماء يقول: "لولا أن أشق على أمتي -أو: على الناس- لأمرتهم بالصلاة هذه الساعة". رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية أبي داود من حديث أبي سعيد: فلم يخرج حتى مضى نحو من شطر الليل، فقال: "خذوا مقاعدكم" فأخذنا مقاعدنا، فقال: "إن الناس قد صلوا وأخذوا مضاجعهم، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة، ولولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل".
وفي حديث أبي هريرة: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء
الحواشي
(١) وفي حديث ابن عمر في هذه القصة: حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا، ونحوه في حديث ابن عباس، وهو محمول على أن الذي رقد بعضهم لا كلهم، ونسبة الرقاد إلى الجميع مجاز، "فخرج ﷺ فقال" لأهل المسجد: "ما ينتظرها" أي: الصلاة في هذه الساعة "من أهل الأرض أحد غيركم"، "بالرفع" صفة أحد "والنصب" على الاستثناء, قاله المصنف، "قال" أي: الراوي وهو عائشة: "ولا تصلى"، "بضم الفوقية وفتح اللام المشددة" أي: العشاء في جماعة "يومئذ إلا بالمدينة" لأن من كان بمكة من المستضعفين لم يكونوا يصلون إلا سرا، وأما غير مكة والمدينة من البلاد فلم يكن الإسلام دخلها، "وكانوا" أي: النبي ﷺ وأصحابه "يصلون فيما بين أن يغيب الشفق" الأحمر المنصرف إليه الاسم "إلى ثلث الليل الأول"، "بالجر صفة لثلث"، وفي هذا بيان الوقت المختار لصلاة العشاء لما يشعر به السياق من المواظبة على ذلك، وقد ورد بصيغة الأمر في هذا الحديث عند النسائي، بلفظ: ثم قال: "صلوها فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل". وليس بين هذا وبين قوله في حديث أنس أنه أخرها إلى نصف الليل معارضة، لأن حديث عائشة محمول على الأغلب من عادته ﷺ كما في الفتح.
"زاد في رواية" عن عائشة أعتم ﷺ ليلة بالعشاء، "وذلك قبل أن يفشو الإسلام" أي في غير المدينة، وإنما فشا الإسلام في غيرها بعد فتح مكة.
"وفي رواية" عن ابن عباس: أعتم ﷺ ليلة بالعشاء حتى رقد الناس واستيقظوا، ورقدوا واسيتقظوا، فقام عمر، فقال: الصلاة، "فخرج" نبي الله "ورأسه يقطر ماء" تمييز محول عن الفاعل، أي ماء رأسه، قال الحافظ: وكأنه اغتسل قبل أن يخرج، "يقول": "لولا أن أشق على أمتي -أو: على الناس " شك الراوي "لأمرتهم بالصلاة هذه الساعة" ليقل حظ النوم وتطول مدةстр. 4726
إلى ثلث الليل أو نصفه". صححه الترمذي.
فعلى هذا: من وجد به قوة على تأخيرها ولم يغلبه النوم، ولم يشق على أحد من المأمومين فالتأخير في حقه أفضل.
وقد قرر ذلك النووي في شرح مسلم، وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعية وغيرهم.
وقال الطحاوي: يستحب إلى الثلث، وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة والتابعين، وهو قول الشافعي في الجديد.
الحواشي
(١) الصلاة فيكثر أجرهم، لأنهم في صلاة ما داموا ينتظرون الصلاة، "رواه" أي: المذكور من الروايتين "البخاري ومسلم" الرواية الأولى عن عائشة، والثانية عن ابن عباس، وزاد مسلم عقب حديث عائشة، قال ابن شهاب: وذكر لي أن رسول الله ﷺ قال: "وما كان لكم أن تنزروا رسول الله ﷺ للصلاة". وذلك حين صاح عمر، وقوله: "تنزروا"، "بفتح الفوقية وسكون النون وضم الزاي بعدها راء" أي: تلحوا، وروي بضم أوله فموحدة فراء مكسورة فزاي، يعني: تخرجوا.
"وفي رواية أبي داود" والنسائي وأحمد وابن خزيمة وغيرهم "من حديث أبي سعيد" صلينا مع رسول الله ﷺ صلاة العتمة "فلم يخرج حتى مضى نحو من شطر الليل" أي: قريب من نصفه، "فقال": "خذوا مقاعدكم" أي اجلسوا، "فأخذنا مقاعدنا، فقال: "إن الناس قد صلوا وأخذوا مضاجعهم". أي ناموا، "وإنكم لن تزالوا في صلاة" أي: ثوابها "ما انتظرتم الصلاة، ولولا ضعف الضعيف" خلفه، "وسقم السقيم" مرض المريض أسقط من حديث أبي سعيد المذكور: "وحاجة ذي الحاجة". "لأخرت هذه الصلاة" أي: العشاء "إلى شطر الليل" أي: نصفه.
"وفي حديث أبي هريرة": "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه" يحتمل الشك وغيره "صححه الترمذي" وخوف المشقة إنما يرفع طلب الراجحية، لأن الحكم باق لمن تكلفها، ففيه فضل التأخير، لأنه نبه على تفضيله بتصريحه أن ترك الأمر به إنما هو للمشقة، "فعلى هذا من وجد به قوة على تأخيرها ولم يغلبه النوم، ولم يشق على أحد من المأمومين، فالتأخير في حقه أفضل، وقد قرر ذلك النووي في شرح مسلم، وهو اختيار كثير من أهل الحديث، من الشافعية وغيرهم" ونقل ابن المنذر عن الليث، وإسحاق أن المستحب تأخير العشاء إلى قبل الثلث.
"وقال الطحاوي: يستحب إلى الثلث، وبه قال مالك" في رواية "وأحمد وأكثر الصحابة والتابعين، وهو قول الشافعي في الجديد" أي: الذي قاله بمصر، "وقال في القديم" الذي قالهстр. 4727
وقال في القديم: التعجيل أفضل. وكذا قال في "الإملاء" وصححه النووي وجماعة، وقالوا: إنه مما يفتى به على القديم.
وتعقب: بأنه ذكره في "الإملاء" وهو من كتبه الجديدة.
والمختار من حيث الدليل أفضلية التأخير، قاله في فتح الباري.
الفصل الثالث: في ذكر كيفية صلاته ﷺ
وفيه فروع:
الفرع الأول: في صفة افتتاحه ﷺ
روى أبو داود أنه ﷺ سمع بلالا يقيم الصلاة، فلما قال: قد قامت الصلاة،
الحواشي
(١) بالعراق: "التعجيل" أو الوقت "أفضل".
"وكذا قال في الإملاء وصححه النووي وجماعة، وقالوا: إنه مما يفتي به على القديم، وتعقب بأنه ذكره في الإملاء، وهو من كتبه الجديدة" فليس على القديم فقط وحاصله أنه قال بالقولين في الجديد، فيترجح التعجيل بموافقة القديم، "والمختار من حيث الدليل أفضلية التأخير" ولا يعارضة فضيلة أول الوقت لما في الانتظار من الفضل "قاله في فتح الباري" وأسقط منه ومن حيث، أي: والمختار من حيث النظر التفصيل والله أعلم انتهى.
والمعتمد عند المالكية والشافعية تفضيل التقديم، وقد جاء ما يدل على نسخ التأخير، روى أحمد والطبراني بسند حسن عن أبي بكرة، قال: أخر النبي ﷺ صلاة العشاء تسع ليال، فقال له أبو بكر، أي: الصديق، يا رسول الله! لو أنك عجلت بنا لكان أمثل لقيامنا بالليل، فكان بعد ذلك يعجل.
وقال ابن بطال: لا يصلح التأخير الآن للأئمة، لأنه ﷺ أمر بالتخفيف، وقال: "إن فيهم الضعيف والسقيم وذا الحاجة". فترك التطويل عليهم بالانتظار أولى.
الفصل الثالث: في ذكر كيفية صلاته ﷺ
أي: الصفة المتعلقة بها أعم من كونها قائمة بالصلاة أو مقدمة عليها، فلا يرد عدة من جملة الصفة أقامها الله وأدامها، "وفيه فروع الأول في صفة افتتاحه ﷺ " أي: وما يفعله من التكبير والتعوذ ودعاء الافتتاح ورفع اليدين، ولعله تجوز بالافتتاح عن مطلق السنن التي تفعل في الصلاة.
"روى أبو داود" عن أبي أمامة، أو عن بعض أصحاب النبي ﷺ "أنه ﷺ سمع بلالاстр. 4728
قال: "أقامها الله وأدامها".
وكان ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير. رواه عبد الرزاق من حديث عائشة.
وروى البخاري عن ابن عمر قال: رأيت رسول الله ﷺ افتتح التكبير في الصلاة.
واستدل به على تعين لفظ "التكبير" دون غيره من ألفاظ التعظيم، وهو قول الجمهور، ووافقهم أبو يوسف.
وعن الحنفية: تنعقد بكل لفظ يقصد به التعظيم.
وقد روى البزار بإسناد صحيح، على شرط مسلم، عن علي أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة قال: "الله أكبر".
الحواشي
(١) يقيم الصلاة" لفظ أبي داود، أن بلالا أخذ في الإقامة، "فلما قال: قد قامت الصلاة، قال" النبي ﷺ : "أقامها الله وأدامها" دعاء أو خبر، والظاهر الأول، قال الشارح: وفيه دلالة على أن بلالا أقامها بمعرفته ﵊، لأنه لا يفعلها بدون إشارة منه، كذا قال. "وكان ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير" أي: قول: الله أكبر، فلا يجزي غيرها، ولو قال: الله الكبير. لفوت مدلول أفعل التفضيل بناء على أن معناه أكبر من أن يدرك كنه عظمته، وقيل: إنه بمعنى الكبير، فلا فرق بينهما إلا بأن المسموع المعروف في عرف الشرع واللغة: الله أكبر، والمحل محل اتباع؛ لحديث: "صلوا كما رأيتموني أصلي". كما قرره عياض وغيره، "رواه عبد الرزاق من حديث عائشة" ﵂.
"وروى البخاري عن ابن عمر قال: رأيت رسول الله ﷺ افتتح التكبير" نصب بنزع الخافض، أي: بالتكبير "في الصلاة، واستدل به على تعين لفظ التكبير دون غيره من ألفاظ التعظيم" كالعظيم والرحمن، "وهو قول الجمهور، وافقهم أبو يوسف" صاحب أبي حنيفة.
"وعن الحنفية تنعقد" الصلاة "بكل لفظ يقصد به التعظيم" ومن حجة الجمهور حديث رفاعة في قصة المسيء صلاته عند أبي داود، بلفظ: لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه، ثم يكبر، ورواه الطبراني، بلفظ: ثم يقول: الله أكبر، وحديث أبي حميد: كان ﷺ إذا قام إلى الصلاة، فاعتدل قائما ورفع يديه، ثم قال: "الله أكبر". رواه ابن ماجه وصححه ابن خزيمة وابن حبان.
"وقد روى البزار بإسناد صحيح على شرط مسلم عن علي" ﵁ "أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة قال": "الله أكبر". وهذا كخبر أبي حميد وابن عمر فيه بيانстр. 4729
ولأحمد والنسائي من طريق واسع بن حبان أنه سأل ابن عمر عن صلاة رسول الله ﷺ فقال: الله أكبر كلما وضع ورفع.
وليعلم أن تكبيرة الإحرام ركن عند الجمهور، وقيل: شرط، وهو مذهب الحنفية، ووجه عند الشافعية، وقيل: سنة، قال ابن المنذر: ولم يقل به أحد غير الزهري.
ولم يختلف أحد في إيجاب النية للصلاة. قال البخاري في أواخر الإيمان: باب ما جاء في قوله ﵊: "الأعمال بالنية" فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة.
وقال ابن القيم في الهدي النبوي: كان ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال: "الله أكبر". ولم يقل شيئا قبلها، ولا تلفظ بالنية، ولا قال: أصلي صلاة كذا مستقبل القبلة أربع ركعات إماما أو مأموما، ولا أداء ولا قضاء، ولا فرض الوقت. قال:
الحواشي
(١) أن التكبير قول: الله أكبر، فلو قال: أكبر الله أو غيره مما يخالف هذا اللفظ لم يعتد به، "ولأحمد والنسائي من طريق واسع بن حبان"، "بفتح المهملة والموحدة الثقيلة"، "أنه سأل ابن عمر عن صلاة رسول الله ﷺ فقال": كان يقول: "الله أكبر"، "كلما وضع ورفع، وليعلم أن تكبيرة الإحرام ركن عند الجمهور، وقيل: شرط وهو مذهب الحنفية، ووجه عند الشافعية، وقيل: سنة".
"قال ابن المنذر: ولم يقل به أحد غير الزهري" قال الحافظ، ونقله غيره عن سعيد بن المسيب الأوزاعي ومالك ولم يثبت عن أحد منهم صريحا، وإنما قالوا فيمن أدرك الإمام راكعا: تجزئه تكبيرة الركوع، نعم نقله الكرخي من الحنفية عن إبراهيم بن علية وأبي بكر بن الأصم، ومخالفتهما للجمهور كثيرة، "ولم يختلف أحد في إيجاب النية للصلاة،" أي وجوبها تجوز الآن الإيجاب خطاب الشارع والوجوب ما يتعلق بالمكلف، وهو المراد.
"قال البخاري في أواخر" كتاب "الإيمان باب ما جاء في قوله ﵊: "الأعمال بالنية"، فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة" إلى آخر كلامه، وقد سبق في أول هذا المقصد.
"قال ابن القيم في الهدي النبوي: كان ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال: "الله أكبر". ولم يقل شيئا قبلها، ولا تلفظ بالنية" هذه واحدة، والثانية قوله: "ولا قال: أصلي" والثالثة "صلاة" والرابعة "كذا" أي: الصبح مثلا، والخامسة "مستقبل القبلة" والسادسة "أربع ركعات" والسابعةстр. 4730
وهذه عشر بدع لم ينقل عنه ﷺ أحد قط بإسناد صحيح، ولا ضعيف ولا مسند ولا مرسل لفظة واحدة ألبتة بل ولا عن أحد من الصحابة، ولا استحبه أحد من التابعين، ولا الأئمة الأربعة. وقول الشافعي في الصلاة: "إنها ليست كالصيام فلا يدخل أحد فيها إلا بذكر" أي تكبيرة الإحرام ليس إلا، وكيف يستحب الشافعي أمرا لم يفعله ﷺ في صلاة واحدة، ولا أحد من الصحابة.
وعبارة الشافعي في كتاب المناسك: "ولو نوى الإحرام بقلبه، ولم يلب أجزأه، وليس كالصلاة، لأن في أولها نطقا واجبا" هذا نصه.
قال الشيخ أبو علي السنجي في شرح التلخيص، وابن الرفعة في المطلب، والزركشي في الديباج وغيرهم: إنما أراد الشافعي بذلك تكبيرة الإحرام قطعا، انتهى.
وبالجملة: فلم ينقل أحد أنه ﵇ تلفظ بالنية، ولا علم أحدًا من أصحابه التلفظ بها ولا أقره على ذلك، بل المنقول عنه في السنن أنه قال: "مفتاح
الحواشي
(١) "إماما أو مأموما" والثامنة "ولا أداء" والتاسعة "ولا قضاء" والعاشرة "ولا فرض الوقت، قال: وهذه عشر بدع" علم عدها، "لم ينقل عنه ﷺ أحد قط بإسناد صحيح، ولا ضعيف ولا مسند" أي: موصول، "ولا مرسل لفظة واحدة ألبتة"، "بقطع الهمزة", "بل ولا عن أحد من الصحابة، ولا استحبه أحد من التابعين، ولا الأئمة الأربعة".
"وقول الشافعي في الصلاة: إنها ليست كالصيام, فلا يدخل أحد فيها إلا بذكر. أي: تكبيرة الإحرام" لأنها ذكر "ليس إلا"، أي: ليس شيء غير ذلك وهذا جواب إيراد على قوله ولا الأئمة الأربعة، يخالف قول الشافعي: لا يدخل فيها إلا بذكر، فأجاب بما حاصله أن التنوين للنوعية، أي: نوع خاص منه، وهو تكبيرة الإحرام، "وكيف يستحب الشافعي أمرا لم يفعله ﷺ في صلاة واحة، ولا أحد من الصحابة" استبعاد لحمل كلام الشافعي على شيء من ذلك مع جلالته ومعرفته بالسنة وأقوال الصحابة وأفعالهم، "وعبارة الشافعي في كتاب المناسك: ولو نوى الإحرام بقلبه، ولم يلب أجزأه" يعني: انعقد "وليس كالصلاة، لأن في أولها نطقا واجبا. هذا نصه".
"قال الشيخ أبو علي السنجي في شرح التلخيص، وابن الرفعة في المطلب، والزركشي في الديباج" أي: شرحه الصغير على المنهاج "وغيرهم: إنما أراد الشافعي بذلك" أي: قوله في أولها نطقا "تكبيرة الإحرام قطعا" لقوله واجبا "انتهى".
"وبالجملة: فلم ينقل أحد أنه ﵇ تلفظ بالنية، ولا علم أحدًا من أصحابه التلفظ بها ولا أقره على ذلك، بل المنقول عنه في السنن" لأبي داود والترمذي وابن ماجهследующие страницы →