← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

إلى ثلث الليل أو نصفه". صححه الترمذي. فعلى هذا: من وجد به قوة على تأخيرها ولم يغلبه النوم، ولم يشق على أحد من المأمومين فالتأخير في حقه أفضل. وقد قرر ذلك النووي في شرح مسلم، وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعية وغيرهم. وقال الطحاوي: يستحب إلى الثلث، وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة والتابعين، وهو قول الشافعي في الجديد.

стр. 4727

وقال في القديم: التعجيل أفضل. وكذا قال في "الإملاء" وصححه النووي وجماعة، وقالوا: إنه مما يفتى به على القديم. وتعقب: بأنه ذكره في "الإملاء" وهو من كتبه الجديدة. والمختار من حيث الدليل أفضلية التأخير، قاله في فتح الباري. الفصل الثالث: في ذكر كيفية صلاته ﷺ وفيه فروع: الفرع الأول: في صفة افتتاحه ﷺ روى أبو داود أنه ﷺ سمع بلالا يقيم الصلاة، فلما قال: قد قامت الصلاة،

стр. 4728

قال: "أقامها الله وأدامها". وكان ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير. رواه عبد الرزاق من حديث عائشة. وروى البخاري عن ابن عمر قال: رأيت رسول الله ﷺ افتتح التكبير في الصلاة. واستدل به على تعين لفظ "التكبير" دون غيره من ألفاظ التعظيم، وهو قول الجمهور، ووافقهم أبو يوسف. وعن الحنفية: تنعقد بكل لفظ يقصد به التعظيم. وقد روى البزار بإسناد صحيح، على شرط مسلم، عن علي أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة قال: "الله أكبر".

стр. 4729

ولأحمد والنسائي من طريق واسع بن حبان أنه سأل ابن عمر عن صلاة رسول الله ﷺ فقال: الله أكبر كلما وضع ورفع. وليعلم أن تكبيرة الإحرام ركن عند الجمهور، وقيل: شرط، وهو مذهب الحنفية، ووجه عند الشافعية، وقيل: سنة، قال ابن المنذر: ولم يقل به أحد غير الزهري. ولم يختلف أحد في إيجاب النية للصلاة. قال البخاري في أواخر الإيمان: باب ما جاء في قوله ﵊: "الأعمال بالنية" فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة. وقال ابن القيم في الهدي النبوي: كان ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال: "الله أكبر". ولم يقل شيئا قبلها، ولا تلفظ بالنية، ولا قال: أصلي صلاة كذا مستقبل القبلة أربع ركعات إماما أو مأموما، ولا أداء ولا قضاء، ولا فرض الوقت. قال:

стр. 4730

وهذه عشر بدع لم ينقل عنه ﷺ أحد قط بإسناد صحيح، ولا ضعيف ولا مسند ولا مرسل لفظة واحدة ألبتة بل ولا عن أحد من الصحابة، ولا استحبه أحد من التابعين، ولا الأئمة الأربعة. وقول الشافعي في الصلاة: "إنها ليست كالصيام فلا يدخل أحد فيها إلا بذكر" أي تكبيرة الإحرام ليس إلا، وكيف يستحب الشافعي أمرا لم يفعله ﷺ في صلاة واحدة، ولا أحد من الصحابة. وعبارة الشافعي في كتاب المناسك: "ولو نوى الإحرام بقلبه، ولم يلب أجزأه، وليس كالصلاة، لأن في أولها نطقا واجبا" هذا نصه. قال الشيخ أبو علي السنجي في شرح التلخيص، وابن الرفعة في المطلب، والزركشي في الديباج وغيرهم: إنما أراد الشافعي بذلك تكبيرة الإحرام قطعا، انتهى. وبالجملة: فلم ينقل أحد أنه ﵇ تلفظ بالنية، ولا علم أحدًا من أصحابه التلفظ بها ولا أقره على ذلك، بل المنقول عنه في السنن أنه قال: "مفتاح

стр. 4731

الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم". وفي الصحيحين أنه ﷺ لما علم المسيء صلاته قال له: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن". فلم يأمره بالتلفظ بشيء قبل التكبير. نعم اختلف العلماء في التلفظ بها: فقال قائلون: هو بدعة؛ لأنه لم ينقل فعله. وقال آخرون: هو مستحب؛ لأنه عون على استحضار النية القلبية، وعبادة

стр. 4732

اللسان، كما أنه عبودية القلب، والأفعال المنوية عبودية الجوارح. وبنحو ذلك أجاب الشيخ تقي الدين السبكي والحافظ عماد الدين بن كثير. وأطنب ابن القيم -في غير الهدي- في رد الاستحباب، وأكثر في الاستدلال بما ذكره طول يخرجنا عن المقصود، لا سيما والذي استقر عليه أصحابنا استحباب النطق بها. وقاسه بعضهم على ما في الصحيحين، من حديث أنس: أنه سمع النبي ﷺ يلبي بالحج والعمرة جميعا، يقول: "لبيك عمرة وحجا". وفي البخاري من حديث عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول -وهو بوادي العقيق: "أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة". وهذا

стр. 4733

تصريح باللفظ، والحكم كما ثبت بالنص يثبت بالقياس. لكن تعقب هذا بأنه ﵇ قال ذلك في ابتداء إحرامه تعليما للصحابة ما يهلون به ويقصدونه من النسك، وامتثالا للأمر الذي جاءه من ربه تعالى في ذلك الوادي، ولقد صلى ﵇ أكثر من ثلاثين ألف صلاة فلم ينقل عنه أنه قال: نويت أصلي صلاة كذا وكذا، وتركه سنة، كما أن فعله سنة، فليس لنا أن نسوي بين ما فعله وتركه، فنأتي من القول في الموضع الذي تركه بنظير ما أتى به في الموضع الذي فعله، والفرق بين الحج والصلاة أظهر من أن يقاس أحدهما على الآخر. انتهى ما قاله هذا المتعقب فليتأمل.

стр. 4734

وكان ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، ثم يكبر، فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك، وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك. وفي رواية: وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضا، وقال: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد".

стр. 4735

وفي أخرى: نحوه، وقال: ولا يفعل ذلك حين يسجد ولا حين يرفع من السجود. رواه البخاري ومسلم. وعند أبي داود من حديث علقمة: كان إذا قام من سجدتين، كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما صنع حين افتتح وهو قطعة من حديث رواه الترمذي أيضا. وكان يكبر في كل خفض ورفع. رواه مالك.

стр. 4736

وقال النووي: أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، واختلفوا فيما سواها. فقال: الشافعي وأحمد وجمهور العلماء من الصحابة: يستحب أيضا رفعهما عند الركوع، وعند الرفع منه. وهو رواية عن مالك. وللشافعي قول: أنه لا يستحب رفعهما في موضع رابع وهو: إذا قام من التشهد الأول. وهذا القول هو الصواب، فقد صح فيه حديث ابن عمر عنه ﷺ

стр. 4737

أنه كان يفعله. رواه البخاري. وكان ﷺ يضع يده اليمنى على اليسرى، رواه أبو داود. ومذهب الشافعي والأكثرين: أن المصلي يضع يديه تحت صدره فوق سرته. وقال أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي تحت سرته.

стр. 4738

وكان ﵊ يسكت بين التكبير والقراءة إسكاتة، فقال له أبو هريرة: بأبي أنت وأمي، إسكاتتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: "أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج

стр. 4739

والبرد". رواه البخاري ومسلم. وعن علي: كان ﷺ إذا قام إلى الصلاة -وفي رواية: إذا افتتح الصلاة- كبر، ثم قال: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من

стр. 4740

المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا، لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك". الحديث

стр. 4741

رواه مسلم. وعن عائشة: كان ﷺ إذا افتتح الصلاة قال: "سبحانك الله وبحمدك،

стр. 4742

وتبارك اسم وتعالى جدك ولا إله غيرك" رواه الترمذي وأبو داود. وعن جبير بن مطعم أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي صلاة قال: "الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، أعوذ بالله من الشيطان، من نفخه ونفثه وهمزه" قال ابن عمر: نفخه الكبر، ونفثه الشعر، وهمزه الموتة. رواه أبو داود. قال: حدثنا عمرو بن مرزوق قال: أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عاصم العنزي عن جبير بن مطعم عن أبيه وأخرجه أيضا من وجه آخر عن عمرو بن مرة بإسناده عن جبير سمعت النبي ﷺ يقول في التطوع, وذكر نحوه. انتهى. وعن محمد بن مسلمة قال: إن رسول الله ﷺ كان إذا قام يصلي تطوعا

стр. 4743

قال: "الله أكبر، وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين". وذكر الحديث مثل حديث جابر إلا أنه قال: "وأنا من المسلمين"، ثم قال: "اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك". ثم يقرأ. رواه النسائي. الفرع الثاني: في ذكر قراءته ﵊ للبسملة في أول الفاتحة روي عن ابن عباس قال: كان ﷺ يفتتح الصلاة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ رواه أبو داود. وقال الترمذي: ليس إسناده بذاك. ورواه الحاكم عن ابن عباس قال: كان ﷺ يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم قال: صحيح. وفي صحيح ابن خزيمة عن أم سلمة: أن رسول الله ﷺ قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة، وعدها آية، لكن روايه عمر بن هارون البلخي، وفيه ضعف عن

стр. 4744

ابن جريج عن ابن أبي مليكة عنها. وروى الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه في تفسيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الحمد لله رب العالمين سبع آيات، إحداهن، البسملة وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، وهي أم الكتاب". ورواه الدارقطني عن أبي هريرة مرفوعا بنحوه أو مثله وقال: رواته كلهم ثقات. وروى البيهقي عن علي وابن عباس وأبي هريرة أنهم فسروا قوله تعالى: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧] بالفاتحة، وأن البسملة هي الآية السابعة منها. وعن شعبة عن قتادة عن أنس أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون

стр. 4745

القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . رواه البخاري، أي كانوا يفتتحون بالفاتحة. وفي رواية مسلم: فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . كذا أخرجه مسلم وغيره. لكنه حديث معلول أعله الحفاظ. كما هو في كتب علوم الحديث. وفي شرح ألفية العراقي لشيخنا الحافظ أبي الخير السخاوي في باب العلل ما نصه: وعلة المتن القادحة فيه كحديث نفي قراءة البسملة في الصلاة المروي

стр. 4746

عن أنس، إذ ظن راو من رواته حين سمع قول أنس: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين، نفس البسملة، فنقله مصرحا بما ظنه وقال: ولا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها. وفي لفظ: فلم يكونوا يفتتحون القراءة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، فصار بمقتضى ذلك حديثا مرفوعا. والراوي لذلك مخطئ في ظنه. ولذا قال الشافعي ﵀ في الأم، ونقله عنه الترمذي في جامعه: المعنى أنهم يبدءون بقراءة أم القرآن قبل ما يقرءون بعدها، لا أنهم يتركون البسملة أصلا. ويتأكد بثبوت تسمية أم القرآن بجملة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ في صحيح البخاري، وكذا حديث قتادة قال: سئل أنس: كيف كانت قراءة

стр. 4747

النبي ﷺ ؟ قال: كانت مدا، ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، يمد "بسم الله" ويمد "الرحمن" ويمد "الرحيم". أخرجه البخاري في صحيحه، وكذا صححه الدارقطني والدارمي وقال: إنه لا علة له، لأن الظاهر -كما أشار إليه أبو شامة- أن قتادة لما سأل أنسا عن الاستفتاح في الصلاة بأي سورة وأجابه بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ، سأله عن كيفية قراءته فيها، وكأنه لم ير إبهام السائل مانعا من تعيينه بقتادة خصوصا وهو

стр. 4748

السائل أولا. وقد أخرج ابن خزيمة في صحيحه، وصحح الدارقطني أن أبا سلمة سعيد بن يزيد سأل أنسا: أكان رسول الله ﷺ يفتتح بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أو بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ ؟ فقال: لا أحفظ فيه شيئا. قال وهذا مما يتأيد به خطأ النافي.

стр. 4749

ولكن قد روى هذا الحديث عن أنس جماعة منهم حميد وقتادة، والتحقيق أن المعل رواية حميد خاصة، إذ رفعها وهم من الوليد بن مسلم عن مالك عنه، بل ومن بعض أصحاب حميد عنه، فإنها في سائر الموطآت عن مالك: صليت وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، لا ذكر للنبي ﷺ فيه، وكذا الذي عند سائر أصحاب حميد عنه، إنما هو في الوقف خاصة. وبه صرح ابن معين عن ابن أبي عدي حيث قال: إن حميدًا كان إذا رواه عن أنس لم يرفعه، وإذا قال فيه: عن قتادة عن أنس رفعه. وأما رواية قتادة، وهي من رواية الوليد بن مسلم وغيره عن الأوزاعي: أن قتادة كتب إليه أن أنسا حدثه قال: صليت، فذكره بلفظ: لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لا في أول قراءة ولا في آخرها، فلم يتفق أصحابه عنه على هذا

стр. 4750

اللفظ، بل أكثرهم لا ذكر عندهم للنفي فيه، وجماعة منهم بلفظ: فلم يكونوا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . وممن اختلف عليه فيه أصحابه شعبة، فجماعة منهم "غندر" لا ذكر عندهم للنفي عنه، وأبو داود الطيالسي فقط حسبما وقع من طريق غير واحد عنه بلفظ: فلم يكونوا يفتتحون القراءة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وهي موافقة للأوزاعي. وأبو عمر الدوري وكذا الطيالسي وغندر بلفظ: فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . بل كذا اختلف غير قتادة من أصحاب أنس، كإسحاق بن أبي طلحة وثابت البناني باختلاف عليهما، ومالك بن دينار ثلاثتهم عن أنس بدون نفي، وإسحاق وثابت أيضا ومنصور بن زاذان وأبو قلابة وأبو نعامة كلهم عنه باللفظ النافي للجهر خاصة. ولفظ إسحاق منهم: يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .

стр. 4751

وحينئذ فطريق الجمع بين هذه الروايات -كما قال شيخنا، يعني شيخ الإسلام ابن حجر- ممكن بحمل نفي القراءة على نفي السماع، على نفي الجهر. ويؤيده: أن لفظ رواية منصور بن زاذان: فلم يسمعنا قراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ . وأصرح من ذلك رواية الحسن عن أنس -عند ابن خزيمة- بلفظ كانوا يسرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ . وبهذا الجمع زالت دعوى الاضطراب. كما أنه ظهر أن الأوزاعي -الذي رواه عن قتادة مكاتبة مع كون قتادة ولد أكمه، وكاتبه مجهول لعدم تسميته- لم ينفرد به، وحينئذ فيجاب عن قول أنس: "لا أحفظه" بأن المثبت مقدم على النافي، خصوصا وقد تضمن النفي عدم استحضار أنس لأهم شيء يستحضر. وبإمكان نسيانه حين سؤال أبي مسلمة له وتذكره له بعد، فإنه ثبت أن قتادة أيضا سأله: أيقرأ الرجل في الصلاة ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ ؟ فقال: صليت وراء رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر فلم أسمع أحدا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ . ويحتاج إذا استقر محصل حديث أنس على نفي الجهر إلى دليل له، وإن

стр. 4752

لم يكن من مباحثنا. وقد ذكر له الشارح دليلا، وأرشد شيخنا -يعني الحافظ ابن حجر- لما يؤخذ منه ذلك. بل قال: إن قول نعيم المجمر ثم "صليت وراء أبي هريرة فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ ، وقال الناس: آمين، وكان كلما سجد وإذا قام من الجلوس في الاثنتين يقول: الله أكبر، ويقول

стр. 4753

إذا سلم: "والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ " أصح حديث ورد فيه، ولا علة له. وممن صححه ابن خزيمة وابن حبان، ورواه النسائي والحاكم، وقد بوب عليه النسائي: الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . ولكن تعقب الاستدلال به، لاحتمال أن يكون أبو هريرة أراد بقوله: "أشبهكم" في معظم الصلاة لا في جميع أجزائها، لا سيما وقد رواه عنه جماعة غير نعيم بدون ذكر البسملة. وأجيب: بأن نعيما ثقة، فزيادته مقبولة، والخبر ظاهر في جميع الأجزاء فيحمل على عمومه حتى يثبت دليل يخصه. ومع ذلك فيطرقه احتمال أن يكون سماع نعيم لها من أبي هريرة حال مخافتته لقربه منه. وقد قال الإمام فخر الدين الرازي في تصنيف له في الفاتحة روى الشافعي بإسناده أن معاوية قدم المدينة

стр. 4754

فصلى بهم ولم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، ولم يكبر عنده الخفض إلى الركوع والسجود، فلما سلم ناداه المهاجرون والأنصار: يا معاوية سرقت الصلاة، أين ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، أين التكبير عند الركوع والسجود، فأعاد الصلاة مع التسمية والتكبير. ثم قال الشافعي: وكان معاوية سلطانا عظيم القوة شديد الشوكة، فلولا أن الجهر بالتسمية والتكبير كان الأمر المتقرر عند كل الصحابة من المهاجرين والأنصار لما قدروا على إظهار الإنكار عليه بسبب قوته. انتهى. وهو حديث حسن أخرجه الحاكم في صحيحه والدارقطني وقال: إن رجاله ثقات. ثم قال الإمام بعد: وقد بينا أن هذا -يعني الإنكار المتقدم- يدل على أن الجهر بهذه الكلمة كالأمر المتواتر فيما بينهم.

стр. 4755

وكذا قال الترمذي عقب إيراده، بعد أن ترجم بالجهر بالبسملة حديث معتمر بن سليمان عن إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان عن أبي خالد الوالبي الكوفي عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يفتتح صلاته بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . ووافقه على تخريجه الدارقطني، وأبو داود وضعفه، بل وقال الترمذي: ليس إسناده بذاك. والبيهقي في المعرفة، واستشهد له بحديث سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يمد بها صوته. الحديث، وهو عند الحاكم في مستدركه أيضا، ما نصه: وقد قال بهذا عدة من أهل العلم من أصحاب رسول الله منهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن الزبير، ومن بعدهم من التابعين رأوا الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، وبه يقول الشافعي. انتهى. وقال الشيخ أبو أمامة بن النقاش: والذي يروم تحقيق هذه المسألة ينبغي أن

стр. 4756

يعرف أن هذه المسألة بعلم القراءات أمس، وذلك أن من القراء الذين صحت قراءتهم وتواترت عن النبي ﷺ من كان يقرأ بها آية من الفاتحة منهم عاصم وحمزة والكسائي وابن كثير وغيرهم من الصحابة والتابعين، ومنهم من لا يعدها آية من الفاتحة كابن عامر، وأبي عمرو، ونافع في رواية عنه. وحكم قراءتها في الصلاة حكم قراءتها خارجها، فمن قرأ على قراءة من جعلها من أم القرآن، لزمه فرضا أن يقرأ بها. ومن قرأ على قراءة من لم يرها من أم

стр. 4757

القرآن فهو مخير بين القراءة والترك. فحينئذ الخلاف فيها كالخلاف في حرف من حروف القرآن، وكلا القولين صحيح ثابت لا مطعن على مثبته ولا على منفيه. ولا ريب أن النبي ﷺ تارة قرأها، وتارة لم يقرأها، هذا هو الإنصاف. ثم قال: والمتيقن الذي يجب المصير إليه، أن كلا من القولين ثابت، لأنه لا يختلف اثنان من أهل الإسلام أن هذه القراءات السبع كلها حق مقطوع بها من عند الله، وليست هذه أول كلمة ولا أول حرف اختلف في إثباته وحذفه، وقل سورة في القرآن ليس فيها ذلك، كلفظ "هو" في سورة الحديد ﴿هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ولفظ، "من" في سورة التوبة، في قوله: "جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ"، وألفات عديدة وواوات، وهاءات كذلك، وكل هذا من نتيجة كون القرآن أنزل على سبعة أحرف، وهذا هو الذي يدل على بطلان قول من لم يجعلها من الفاتحة لموضع اختلاف الناس، وقوله: "إن الاختلاف لا يثبت معه قرآن، فما

стр. 4758

أدري ما هذا الظن. وهذا الذي ذكرناه هو الذي يريحك من تلك الضرورات من الحالتين. ثم قال: ولا ريب أن الواقع من النبي ﷺ كلا الأمرين، الجهر والإسرار، فجهر وأسر، غير أن إسراره كان أكثر من جهره، وقد صح في الجهر أحاديث، لا مطعن فيها لمنصف نحو ثلاثة أحاديث، كما أنه قد صح في الإسرار بها أحاديث لا مطعن فيها لعار من العصبية، ولا يلتفت لمن يقول: إن الواقع من النبي ﷺ كان الجهر فقط. انتهى. وقيل لبعض العارفين: بماذا ترى ظهر الإمام الشافعي وغلب ذكره؟ فقال: أرى ذلك لإظهار البسملة لكل صلاة.

стр. 4759

الفرع الثالث: في قراءته الفاتحة وقوله آمين بعدها كان ﷺ إذا قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال: "آمين". ومد بها صوته، وفي رواية: وخفض بها صوته، رواه الترمذي. وفي رواية أبي داود: ورفع بها صوته، وفي رواية له: جهر بآمين. وقال ابن شهاب: وكان ﷺ إذ قال: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ جهر بآمين، أخرجه السراج. وهو ضعيف ولابن حبان من رواية الزبيدي عن ابن شهاب: كان إذا فرغ من قراءة أم القرآن، رفع صوته وقال: آمين.

стр. 4760

وللحميدي من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة نحوه بلفظ: إذا قال: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ . ولأبي داود، وصححه ابن حبان من حديث وائل بن حجر نحو رواية الزبيدي. وفيه رد على من أومأ إلى النسخ فقال: إنما كان ﷺ يجهل بالتأمين في ابتداء الإسلام ليعلمهم، فإن وائل بن حجر إنما أسلم في أواخر الأمر. الفرع الرابع: في ذكر قراءته بعد الفاتحة في صلاة الغداة عن أبي برزة: كان ﷺ يقرأ في صلاة الغداة ما بين الستين إلى المائة. رواه

стр. 4761

النسائي. وعن عمرو بن حريث: أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الفجر ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] . وعن جابر بن سمرة قال كان ﷺ يقرأ في الفجر بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] ونحوها، وكانت قراءته بعد تخفيفا. رواه مسلم. وعن عبد الله بن السائب قال: صلى ﷺ الصبح بمكة، فاستفتح سورة المؤمنين، حتى جاء ذكر موسى وهارون، أو ذكر عيسى -شك الراوي، أو اختلف عليه-

стр. 4762

أخذت النبي ﷺ سعلة فركع. الحديث رواه مسلم. قال النووي: فيه جواز قطع القراءة، وجواز القراءة ببعض السورة. وكرهه مالك. وتعقب: بأن الذي كرهه مالك أن يقتصر على بعض السورة مختارا، والمستدل به ظاهر في أنه كان للضرورة فلا يرد عليه. وكذا يرد على من استدل به على أنه لا يكره قراءة بعض الآية أخذا من قوله: حتى جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى، لأن كل من الموضعين يقع في وسط آية، نعم الكراهة لا تثبت إلا بدليل.

стр. 4763

وأدلة الجواز كثيرة: وفي حديث زيد بن ثابت أنه ﷺ قرأ الأعراف في ركعتين، وأم أبو بكر بالصحابة في صلاة الصبح بسورة البقرة قرأها في الركعتين. وهذا إجماع منهم. وقرأ ﷺ في الصبح ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ في الركعتين كلتيهما، قال الراوي: فلا أدري أنسي أم قرأ ذلك عمدا. روه أبو داود. وكان ﷺ يقرأ في صبح يوم الجمعة ﴿الم﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى

стр. 4764

الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١٥] رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة. وإنما كان يقرأهما كاملتين، وقراءة بعضها خلاف السنة. وإنما كان يقرأ بهما لما اشتملتا عليه من ذكر المبدأ والمعاد، وخلق آدم، ودخول الجنة والنار، وأحوال يوم القيامة، لأن ذلك كان يقع يوم الجمعة. ذكره ابن دحية في "العلم المشهور" وقرره تقريرا حسنا، كما أفاده الحافظ ابن حجر. وقال: قد ورد في حديث ابن مسعود التصريح بمداومته ﷺ على قراءتها في صبح الجمعة. أخرجه الطبراني، ولفظه "يديم ذلك" وأصله في ابن ماجه لكن بدون هذه الزيادة، ورجاله ثقات، لكن صوب أبو حاتم إرساله. قال: وكأن ابن دقيق العيد لم يقف عليه فقال في الكلام على حديث الباب: "ليس فيه ما يقتضي فعل ذلك دائما اقتضاء قويا"، وهو كما قال بالنسبة

стр. 4765

لحديث الباب، فإن الصيعة ليست نصا في المداومة، لكن الزيادة المذكورة تنص في ذلك، ولهذه الزيادة شاهد من حديث ابن عباس بلفظ: "كل جمعة" أخرجه الطبراني في الكبير. وأما تعيين السورة للركعة فورد من حديث علي -الطبراني- بلفظ: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الركعة الأولى من صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم، تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ٢] ، وفي الركعة الثانية ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ . وقد اختلف تعليل المالكية لكراهة قراءة السورة السجدة في الصلاة. فقيل: لكونها تشتمل على زيادة سجود في الفرض. قال القرطبي: وهو تعليل فاسد، بشهادة هذا الحديث. وقيل: لخشية التخليط على المصلين، ومن ثم فرق بعضهم بين الجهرية
следующие страницы →