Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.
стр. 4726
إلى ثلث الليل أو نصفه". صححه الترمذي.
فعلى هذا: من وجد به قوة على تأخيرها ولم يغلبه النوم، ولم يشق على أحد من المأمومين فالتأخير في حقه أفضل.
وقد قرر ذلك النووي في شرح مسلم، وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعية وغيرهم.
وقال الطحاوي: يستحب إلى الثلث، وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة والتابعين، وهو قول الشافعي في الجديد.
الحواشي
(١) الصلاة فيكثر أجرهم، لأنهم في صلاة ما داموا ينتظرون الصلاة، "رواه" أي: المذكور من الروايتين "البخاري ومسلم" الرواية الأولى عن عائشة، والثانية عن ابن عباس، وزاد مسلم عقب حديث عائشة، قال ابن شهاب: وذكر لي أن رسول الله ﷺ قال: "وما كان لكم أن تنزروا رسول الله ﷺ للصلاة". وذلك حين صاح عمر، وقوله: "تنزروا"، "بفتح الفوقية وسكون النون وضم الزاي بعدها راء" أي: تلحوا، وروي بضم أوله فموحدة فراء مكسورة فزاي، يعني: تخرجوا.
"وفي رواية أبي داود" والنسائي وأحمد وابن خزيمة وغيرهم "من حديث أبي سعيد" صلينا مع رسول الله ﷺ صلاة العتمة "فلم يخرج حتى مضى نحو من شطر الليل" أي: قريب من نصفه، "فقال": "خذوا مقاعدكم" أي اجلسوا، "فأخذنا مقاعدنا، فقال: "إن الناس قد صلوا وأخذوا مضاجعهم". أي ناموا، "وإنكم لن تزالوا في صلاة" أي: ثوابها "ما انتظرتم الصلاة، ولولا ضعف الضعيف" خلفه، "وسقم السقيم" مرض المريض أسقط من حديث أبي سعيد المذكور: "وحاجة ذي الحاجة". "لأخرت هذه الصلاة" أي: العشاء "إلى شطر الليل" أي: نصفه.
"وفي حديث أبي هريرة": "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه" يحتمل الشك وغيره "صححه الترمذي" وخوف المشقة إنما يرفع طلب الراجحية، لأن الحكم باق لمن تكلفها، ففيه فضل التأخير، لأنه نبه على تفضيله بتصريحه أن ترك الأمر به إنما هو للمشقة، "فعلى هذا من وجد به قوة على تأخيرها ولم يغلبه النوم، ولم يشق على أحد من المأمومين، فالتأخير في حقه أفضل، وقد قرر ذلك النووي في شرح مسلم، وهو اختيار كثير من أهل الحديث، من الشافعية وغيرهم" ونقل ابن المنذر عن الليث، وإسحاق أن المستحب تأخير العشاء إلى قبل الثلث.
"وقال الطحاوي: يستحب إلى الثلث، وبه قال مالك" في رواية "وأحمد وأكثر الصحابة والتابعين، وهو قول الشافعي في الجديد" أي: الذي قاله بمصر، "وقال في القديم" الذي قالهстр. 4727
وقال في القديم: التعجيل أفضل. وكذا قال في "الإملاء" وصححه النووي وجماعة، وقالوا: إنه مما يفتى به على القديم.
وتعقب: بأنه ذكره في "الإملاء" وهو من كتبه الجديدة.
والمختار من حيث الدليل أفضلية التأخير، قاله في فتح الباري.
الفصل الثالث: في ذكر كيفية صلاته ﷺ
وفيه فروع:
الفرع الأول: في صفة افتتاحه ﷺ
روى أبو داود أنه ﷺ سمع بلالا يقيم الصلاة، فلما قال: قد قامت الصلاة،
الحواشي
(١) بالعراق: "التعجيل" أو الوقت "أفضل".
"وكذا قال في الإملاء وصححه النووي وجماعة، وقالوا: إنه مما يفتي به على القديم، وتعقب بأنه ذكره في الإملاء، وهو من كتبه الجديدة" فليس على القديم فقط وحاصله أنه قال بالقولين في الجديد، فيترجح التعجيل بموافقة القديم، "والمختار من حيث الدليل أفضلية التأخير" ولا يعارضة فضيلة أول الوقت لما في الانتظار من الفضل "قاله في فتح الباري" وأسقط منه ومن حيث، أي: والمختار من حيث النظر التفصيل والله أعلم انتهى.
والمعتمد عند المالكية والشافعية تفضيل التقديم، وقد جاء ما يدل على نسخ التأخير، روى أحمد والطبراني بسند حسن عن أبي بكرة، قال: أخر النبي ﷺ صلاة العشاء تسع ليال، فقال له أبو بكر، أي: الصديق، يا رسول الله! لو أنك عجلت بنا لكان أمثل لقيامنا بالليل، فكان بعد ذلك يعجل.
وقال ابن بطال: لا يصلح التأخير الآن للأئمة، لأنه ﷺ أمر بالتخفيف، وقال: "إن فيهم الضعيف والسقيم وذا الحاجة". فترك التطويل عليهم بالانتظار أولى.
الفصل الثالث: في ذكر كيفية صلاته ﷺ
أي: الصفة المتعلقة بها أعم من كونها قائمة بالصلاة أو مقدمة عليها، فلا يرد عدة من جملة الصفة أقامها الله وأدامها، "وفيه فروع الأول في صفة افتتاحه ﷺ " أي: وما يفعله من التكبير والتعوذ ودعاء الافتتاح ورفع اليدين، ولعله تجوز بالافتتاح عن مطلق السنن التي تفعل في الصلاة.
"روى أبو داود" عن أبي أمامة، أو عن بعض أصحاب النبي ﷺ "أنه ﷺ سمع بلالاстр. 4728
قال: "أقامها الله وأدامها".
وكان ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير. رواه عبد الرزاق من حديث عائشة.
وروى البخاري عن ابن عمر قال: رأيت رسول الله ﷺ افتتح التكبير في الصلاة.
واستدل به على تعين لفظ "التكبير" دون غيره من ألفاظ التعظيم، وهو قول الجمهور، ووافقهم أبو يوسف.
وعن الحنفية: تنعقد بكل لفظ يقصد به التعظيم.
وقد روى البزار بإسناد صحيح، على شرط مسلم، عن علي أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة قال: "الله أكبر".
الحواشي
(١) يقيم الصلاة" لفظ أبي داود، أن بلالا أخذ في الإقامة، "فلما قال: قد قامت الصلاة، قال" النبي ﷺ : "أقامها الله وأدامها" دعاء أو خبر، والظاهر الأول، قال الشارح: وفيه دلالة على أن بلالا أقامها بمعرفته ﵊، لأنه لا يفعلها بدون إشارة منه، كذا قال. "وكان ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير" أي: قول: الله أكبر، فلا يجزي غيرها، ولو قال: الله الكبير. لفوت مدلول أفعل التفضيل بناء على أن معناه أكبر من أن يدرك كنه عظمته، وقيل: إنه بمعنى الكبير، فلا فرق بينهما إلا بأن المسموع المعروف في عرف الشرع واللغة: الله أكبر، والمحل محل اتباع؛ لحديث: "صلوا كما رأيتموني أصلي". كما قرره عياض وغيره، "رواه عبد الرزاق من حديث عائشة" ﵂.
"وروى البخاري عن ابن عمر قال: رأيت رسول الله ﷺ افتتح التكبير" نصب بنزع الخافض، أي: بالتكبير "في الصلاة، واستدل به على تعين لفظ التكبير دون غيره من ألفاظ التعظيم" كالعظيم والرحمن، "وهو قول الجمهور، وافقهم أبو يوسف" صاحب أبي حنيفة.
"وعن الحنفية تنعقد" الصلاة "بكل لفظ يقصد به التعظيم" ومن حجة الجمهور حديث رفاعة في قصة المسيء صلاته عند أبي داود، بلفظ: لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه، ثم يكبر، ورواه الطبراني، بلفظ: ثم يقول: الله أكبر، وحديث أبي حميد: كان ﷺ إذا قام إلى الصلاة، فاعتدل قائما ورفع يديه، ثم قال: "الله أكبر". رواه ابن ماجه وصححه ابن خزيمة وابن حبان.
"وقد روى البزار بإسناد صحيح على شرط مسلم عن علي" ﵁ "أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة قال": "الله أكبر". وهذا كخبر أبي حميد وابن عمر فيه بيانстр. 4729
ولأحمد والنسائي من طريق واسع بن حبان أنه سأل ابن عمر عن صلاة رسول الله ﷺ فقال: الله أكبر كلما وضع ورفع.
وليعلم أن تكبيرة الإحرام ركن عند الجمهور، وقيل: شرط، وهو مذهب الحنفية، ووجه عند الشافعية، وقيل: سنة، قال ابن المنذر: ولم يقل به أحد غير الزهري.
ولم يختلف أحد في إيجاب النية للصلاة. قال البخاري في أواخر الإيمان: باب ما جاء في قوله ﵊: "الأعمال بالنية" فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة.
وقال ابن القيم في الهدي النبوي: كان ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال: "الله أكبر". ولم يقل شيئا قبلها، ولا تلفظ بالنية، ولا قال: أصلي صلاة كذا مستقبل القبلة أربع ركعات إماما أو مأموما، ولا أداء ولا قضاء، ولا فرض الوقت. قال:
الحواشي
(١) أن التكبير قول: الله أكبر، فلو قال: أكبر الله أو غيره مما يخالف هذا اللفظ لم يعتد به، "ولأحمد والنسائي من طريق واسع بن حبان"، "بفتح المهملة والموحدة الثقيلة"، "أنه سأل ابن عمر عن صلاة رسول الله ﷺ فقال": كان يقول: "الله أكبر"، "كلما وضع ورفع، وليعلم أن تكبيرة الإحرام ركن عند الجمهور، وقيل: شرط وهو مذهب الحنفية، ووجه عند الشافعية، وقيل: سنة".
"قال ابن المنذر: ولم يقل به أحد غير الزهري" قال الحافظ، ونقله غيره عن سعيد بن المسيب الأوزاعي ومالك ولم يثبت عن أحد منهم صريحا، وإنما قالوا فيمن أدرك الإمام راكعا: تجزئه تكبيرة الركوع، نعم نقله الكرخي من الحنفية عن إبراهيم بن علية وأبي بكر بن الأصم، ومخالفتهما للجمهور كثيرة، "ولم يختلف أحد في إيجاب النية للصلاة،" أي وجوبها تجوز الآن الإيجاب خطاب الشارع والوجوب ما يتعلق بالمكلف، وهو المراد.
"قال البخاري في أواخر" كتاب "الإيمان باب ما جاء في قوله ﵊: "الأعمال بالنية"، فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة" إلى آخر كلامه، وقد سبق في أول هذا المقصد.
"قال ابن القيم في الهدي النبوي: كان ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال: "الله أكبر". ولم يقل شيئا قبلها، ولا تلفظ بالنية" هذه واحدة، والثانية قوله: "ولا قال: أصلي" والثالثة "صلاة" والرابعة "كذا" أي: الصبح مثلا، والخامسة "مستقبل القبلة" والسادسة "أربع ركعات" والسابعةстр. 4730
وهذه عشر بدع لم ينقل عنه ﷺ أحد قط بإسناد صحيح، ولا ضعيف ولا مسند ولا مرسل لفظة واحدة ألبتة بل ولا عن أحد من الصحابة، ولا استحبه أحد من التابعين، ولا الأئمة الأربعة. وقول الشافعي في الصلاة: "إنها ليست كالصيام فلا يدخل أحد فيها إلا بذكر" أي تكبيرة الإحرام ليس إلا، وكيف يستحب الشافعي أمرا لم يفعله ﷺ في صلاة واحدة، ولا أحد من الصحابة.
وعبارة الشافعي في كتاب المناسك: "ولو نوى الإحرام بقلبه، ولم يلب أجزأه، وليس كالصلاة، لأن في أولها نطقا واجبا" هذا نصه.
قال الشيخ أبو علي السنجي في شرح التلخيص، وابن الرفعة في المطلب، والزركشي في الديباج وغيرهم: إنما أراد الشافعي بذلك تكبيرة الإحرام قطعا، انتهى.
وبالجملة: فلم ينقل أحد أنه ﵇ تلفظ بالنية، ولا علم أحدًا من أصحابه التلفظ بها ولا أقره على ذلك، بل المنقول عنه في السنن أنه قال: "مفتاح
الحواشي
(١) "إماما أو مأموما" والثامنة "ولا أداء" والتاسعة "ولا قضاء" والعاشرة "ولا فرض الوقت، قال: وهذه عشر بدع" علم عدها، "لم ينقل عنه ﷺ أحد قط بإسناد صحيح، ولا ضعيف ولا مسند" أي: موصول، "ولا مرسل لفظة واحدة ألبتة"، "بقطع الهمزة", "بل ولا عن أحد من الصحابة، ولا استحبه أحد من التابعين، ولا الأئمة الأربعة".
"وقول الشافعي في الصلاة: إنها ليست كالصيام, فلا يدخل أحد فيها إلا بذكر. أي: تكبيرة الإحرام" لأنها ذكر "ليس إلا"، أي: ليس شيء غير ذلك وهذا جواب إيراد على قوله ولا الأئمة الأربعة، يخالف قول الشافعي: لا يدخل فيها إلا بذكر، فأجاب بما حاصله أن التنوين للنوعية، أي: نوع خاص منه، وهو تكبيرة الإحرام، "وكيف يستحب الشافعي أمرا لم يفعله ﷺ في صلاة واحة، ولا أحد من الصحابة" استبعاد لحمل كلام الشافعي على شيء من ذلك مع جلالته ومعرفته بالسنة وأقوال الصحابة وأفعالهم، "وعبارة الشافعي في كتاب المناسك: ولو نوى الإحرام بقلبه، ولم يلب أجزأه" يعني: انعقد "وليس كالصلاة، لأن في أولها نطقا واجبا. هذا نصه".
"قال الشيخ أبو علي السنجي في شرح التلخيص، وابن الرفعة في المطلب، والزركشي في الديباج" أي: شرحه الصغير على المنهاج "وغيرهم: إنما أراد الشافعي بذلك" أي: قوله في أولها نطقا "تكبيرة الإحرام قطعا" لقوله واجبا "انتهى".
"وبالجملة: فلم ينقل أحد أنه ﵇ تلفظ بالنية، ولا علم أحدًا من أصحابه التلفظ بها ولا أقره على ذلك، بل المنقول عنه في السنن" لأبي داود والترمذي وابن ماجهстр. 4731
الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم".
وفي الصحيحين أنه ﷺ لما علم المسيء صلاته قال له: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن". فلم يأمره بالتلفظ بشيء قبل التكبير.
نعم اختلف العلماء في التلفظ بها: فقال قائلون: هو بدعة؛ لأنه لم ينقل فعله.
وقال آخرون: هو مستحب؛ لأنه عون على استحضار النية القلبية، وعبادة
الحواشي
(١) بإسناح حسن عن علي "أنه" ﷺ "قال": "مفتاح الصلاة" أي: مجوز الدخول فيها "الطهور"، "بضم الطاء وفتحها" روايتان، كما أفاد الولي العراقي، قال: والأظهر الفتح، لأن الماء مفتاح واستعماله فتح، وقال غيره: بضمها الفعل، وبفتحها آلته، لأن الفعل لا يمكن بدون آلته "وتحريمها التكبير" أي سبب كون الصلاة محرمة ما ليس منها التكبير، وأصل التحريم المنع، سمى الدخول فيها تحريما لأنه يحرم الكلام وغيره، وتمسك به الحنفية على أن التكبير ليس من الصلاة، إذ الشيء لا يضاف إلى نفسه.
وأجيب بأنه قد يضاف الجزء إلى الجملة، كدهليز الدار، "وتحليلها" وهو جعل المحرم حلالا "التسليم" لتحليله ما كان حراما على المصلي، أي أنها صارت بهما كذلك، فهما مصدران مضافان إلى الفاعل.
قال الخطابي فيه: إن التسليم ركن للصلاة كالتكبير، وإن التحلل إنما يكون به دون الحدث والكلام، لأنه عرف بأل، وعينه كما عين الطهور، وعرفه فانصرف إلى الطهارة المعروفة، والتعريف بأل مع الإضافة يوجب التخصيص، ففيه رد على الحنفية.
وقال الطيبي: شبه الشروع في الصلاة بالدخول في حريم الملك المحمي عن الأغيار، وجعل فتح باب الحريم بالتطهير عن الأدناس والأوضار، وجعل الالتفات إلى الغير والشغل به تنبيها على التكمل بعد الكمال.
"وفي الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁، "أنه ﷺ لما علم المسيء صلاته" هو خلاد بن رافع الزرقي، "قال له": "إذا قمت إلى الصلاة فكبر" تكبيرة الإحرام، "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" أي: الفاتحة، لأنها متيسرة لكل أحد، وعند أبي داود: "ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله"، ولأحمد وابن حبان: "ثم اقرأ بأم القرآن، ثم اقرأ بما شئت، ثم اركع". "فلم يأمره بالتلفظ بشيء قبل التكبير" وذلك دليل على أنه ليس بمطلوب.
"نعم اختلف العلماء في التلفظ بها، فقال قائلون: هو بدعة، لأنه لم ينقل فعله" كما سبق، "وقال آخرون: هو مستحب، لأنه عون على استحضار النية القلبية وعبادة اللسان،стр. 4732
اللسان، كما أنه عبودية القلب، والأفعال المنوية عبودية الجوارح. وبنحو ذلك أجاب الشيخ تقي الدين السبكي والحافظ عماد الدين بن كثير.
وأطنب ابن القيم -في غير الهدي- في رد الاستحباب، وأكثر في الاستدلال بما ذكره طول يخرجنا عن المقصود، لا سيما والذي استقر عليه أصحابنا استحباب النطق بها.
وقاسه بعضهم على ما في الصحيحين، من حديث أنس: أنه سمع النبي ﷺ يلبي بالحج والعمرة جميعا، يقول: "لبيك عمرة وحجا". وفي البخاري من حديث عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول -وهو بوادي العقيق: "أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة". وهذا
الحواشي
(١) كما أنه عبودية القلب، والأفعال المنوية عبودية الجوارح، وبنحو ذلك أجاب الشيخ تقي الدين" علي بن عبد الكافي "السبكي والحافظ عماد الدين بن كثير، وأطنب ابن القيم في غير الهدي في رد الاستحباب، وأكثر من الاستدلال بما في ذكره طول يخرجنا عن المقصود" من الاختصار، "لا سيما والذي استقر عليه أصحابنا استحباب النطق بها" بأن يقول: أصلي الظهر مثلا فرضا لله أربع ركعات: أداء أو قضاء مستقبل القبلة، هذا جملة ما يستحب النطق به عند الشافعية، "وقاسه بعضهم على ما في الصحيحين من حديث أنس أنه سمع النبي ﷺ يلبي بالحج والعمرة جميعا، يقول: "لبيك عمرة وحجا"، والجامع بينهما وبين الصلاة أن كلا عبادة لها نية، وقد نطق به في الإحرام، فيقاس عليه إحرام الصلاة.
"وفي البخاري" في الحج والمزارعة والاعتصام "من حديث عمر" بن الخطاب: "سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو بوادي العقيق" أي: فيه وهو بقرب البقيع بينه وبين المدينة أربعة أميال: "أتاني الليلة آت" هو جبريل "من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك" أي: وادي العقيق، وعند ابن عدي عن عائشة مرفوعا: "تخيموا العقيق، فإنه مبارك". "بخاء معجمة وتحتية" أمر بالتخييم، أي النزول به، لكن حكى ابن الجوزي عن حمزة الأصبهاني أنه تصحيف، والصواب بالفوقية وله اتجاه، لأن في معظم الطرق ما يدل على أنه من الخاتم، وقد وقع في حديث عمر: "تختموا بالعقيق، فإن جبريل أتاني به من الجنة". الحديث وأسانيده ضعيفة، "وقل عمرة في حجة" برفع عمرة للأكثر، وبنصبها لأبي ذر على حكاية اللفظ، أي: قل جعلتها عمرة، وأبعد من قال معناه عمرة مدرجة في حجة، أي: أن عمل العمرة يدخل في عمل الحج فيجزي لهما طواف واحد، ومن قال: معناه أنه معتمر في تلك السنة بعدстр. 4733
تصريح باللفظ، والحكم كما ثبت بالنص يثبت بالقياس.
لكن تعقب هذا بأنه ﵇ قال ذلك في ابتداء إحرامه تعليما للصحابة ما يهلون به ويقصدونه من النسك، وامتثالا للأمر الذي جاءه من ربه تعالى في ذلك الوادي، ولقد صلى ﵇ أكثر من ثلاثين ألف صلاة فلم ينقل عنه أنه قال: نويت أصلي صلاة كذا وكذا، وتركه سنة، كما أن فعله سنة، فليس لنا أن نسوي بين ما فعله وتركه، فنأتي من القول في الموضع الذي تركه بنظير ما أتى به في الموضع الذي فعله، والفرق بين الحج والصلاة أظهر من أن يقاس أحدهما على الآخر. انتهى ما قاله هذا المتعقب فليتأمل.
الحواشي
(١) فراغ حجه، وهذا أبعد مما قبله، لأنه ﷺ لم يفعل ذلك، نعم يحتمل أنه أمر أن يقول ذلك لأصحابه ليعلمهم مشروعية القرآن، وهو كقوله: دخلت العمرة في الحج، قاله الطبري واعترضه ابن المنير، بأنه ليس نظيره، لأنه تأسيس قاعدة، وقوله: عمرة في حجة بالتنكير يستدعي الوحدة، وهو إشارة إلى الفعل الواقع من القرآن إذ ذاك، ويؤيده رواية البخاري في الاعتصام، بلفظ: عمرة وحجة بواو العطف، قاله كله الحافظ، وعلى رواية رفع عمرة، فهي خبر مبتدأ محذوف، أي قل هذه عمرة في حجة كما في شرح المصنف، "وهذا تصريح باللفظ، والحكم كما يثبت بالنص يثبت بالقياس" إذ هو من الأدلة.
"ولكن تعقب هذا بأنه ﵇ قال ذلك في ابتداء إحرامه تعليما للصحابة ما يهلون به ويقصدونه من النسك" لأن الأصح أنه كان مفردا "وامتثالا للأمر الذي جاءه من ربه تعالى في ذلك الوادي، ولقد صلى ﵇ أكثر من ثلاثين ألف صلاة، فلم ينقل عنه أنه قال: "نويت أصلي صلاة كذا وكذا" أي: الصبح أو الظهر مثلا، "وتركه سنة" في حقنا، يعني: أن ما تركه يسن لنا تركه إن لم يقم دليل آخر على طلبه منا، "كما أن فعله سنة" يسن لنا اتباعه فيه إلا لدليل على أنه من خصائصه، "فليس لنا أن نسوي بين ما فعله وتركه، نأتي من القول في الموضع الذي تركه بنظير ما أتي به في الموضع الذي فعله" لأنه خلاف السنة، "والفرق بين الحج والصلاة أظهر من أن يقاس أحدهما على الآخر" لاختلاف أحكامهما، فلا يصح القياس.
"انتهى ما قاله هذا المتعقب فليتأمل" فإن في منعه القياس نظرا، فالجامع بينهما أن كلا عبادة، وعدم نقل ذلك عنه لا ينهض لاحتمال أنه كان يسير بالنية، إذ لا يطلب الجهر بها، هذا وجه أمره بالتأمل، وفيه أن كل عبادة أشار هو إلى منعه بالفرق، بينهما واحتمال إسراره يلزمстр. 4734
وكان ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، ثم يكبر، فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك، وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك. وفي رواية: وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضا، وقال: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد".
الحواشي
(١) منه الاحتجاج بالاحتمال مع أنه لا يحتج به عند أحد، "وكان ﷺ إذا قام إلى الصلاة" أي: شرع فيها "رفع يديه حتى يكونا" بتحتية، ولأبي ذر بفوقية "حذو" بحاء مهملة وذال معجمة ساكنة، أي مقابل، "منكبيه" تثنية منكب، وهو مجمع عظم العضد والكتف، وبهذا قال الجمهور ومالك والشافعي، وذهب الحنفية إلى حديث مالك بن حويرث أنه ﷺ كان إذا صلى كبر، ثم رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، رواه مسلم، وفي لفظ له: حتى يحاذي بهما فروع أذنيه، ورجح الأول بأنه أصح إسنادا، واتفق عليه الشيخان، "ثم يكبر" للإحرام، وهذا لفظ مسلم، وبه قال الحنفية، وقال غيرهم: ثم للترتيب في الذكر لرواية البخاري يرفع يديه حين يكبر، وهو حديث واحد، وقد رواه الشيخان: كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، فالرفع مقارن للتكبير، وانتهاؤه مع انتهائه، كما هو قضية المقارنة، وهذا هو الأصح عند المالكية والشافعية وبه صرح أيضا في رواية أبي داود عن وائل بن حجر أنه ﷺ رفع يديه مع التكبير، وقال صاحب الهداية من الحنفية: الأصح يرفع ثم يكبر، لأن الرفع صفة نفي الكبرياء عن غير الله، والتكبير إثبات ذلك له، والنفي سابق على الإثبات كما في كلمة الشهادة.
قال الحافظ: وهو مبني على أن ذلك حكمة الرفع، وقيل: حكمة اقترانهما أن يراه الأصم ويسمعه الأعمى وقيل: الإشارة إلى طرح الدنيا والإقبال بكليته على العبادة، وقيل: إلى الاستسلام والانقياد ليناسب فعله قوله: الله أكبر، وقيل: إلى استعظام ما دخل عليه، وقيل: إلى تمام القيام، وقيل: إلى رفع الحجاب بين العبد والمعبود، وقيل: ليستقبل بجميع بدنه.
قال القرطبي: هذا أشبهها، "فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك" أي: رفع يديه حذو منكبيه مع التكبير "وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك".
"وفي رواية: وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما" أي: يديه، "كذلك أيضا" حذو منكبيه "وقال": "سمع الله لمن حمده" معنى سمع هنا أجاب، والمعنى أن من حمده متعرضا لثوابه أجابه وأعطاه ما تعرض له "ربنا ولك الحمد" الرواية بثبوت الواو أرجح، وهي زائدة وعاطفة على محذوف، أي: حمدناك، أو هي واو الحال، ورجحه ابن الأثير، وفيه أن الإمام يجمع بينهما، لأن غالب أحواله ﷺ الإمامة وبه قال الشافعي وجماعة أن المصلي مطلقا يجمع بينهما.стр. 4735
وفي أخرى: نحوه، وقال: ولا يفعل ذلك حين يسجد ولا حين يرفع من السجود. رواه البخاري ومسلم.
وعند أبي داود من حديث علقمة: كان إذا قام من سجدتين، كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما صنع حين افتتح وهو قطعة من حديث رواه الترمذي أيضا.
وكان يكبر في كل خفض ورفع. رواه مالك.
الحواشي
(١) وقال مالك وأبو حنيفة: يقول الإمام: سمع الله لمن حمده فقط، والمأموم: ربنا لك الحمد فقط، لحديث إذا قال الإمام: "سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد". فقصر الإمام على قول ذلك، والمأموم على قول الآخر، وهذه قسمة منافية للشركة، كحديث "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" وأجابوا عن هذا الحديث بحمله على صلاته ﷺ منفردا، أو على صلاته النافلة جمعا بين الحديثين، والمنفرد يجمع بينهما على الأصح، "وفي أخرى نحوه" نحو ما ذكر، لأنه حديث متحد المخرج اختلف ألفاظ رواته.
"وقال" أي زاد، "ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع من السجود" فقوله في رواية: ولا يفعل ذلك في السجود، أي: لا في الهوي إليه ولا في الرفع منه بدليل هذه الرواية.
قال الحافظ: وهذا يشمل ما إذا نهض من السجود إلى الثالثة والرابعة والتشهدين، ويشمل ما إذا قام إلى الثالثة بلا تشهد، لأنه غير واجب، وإذا قلنا باستحباب جلسة الاستراحة، لم يدل هذا اللفظ على نفي ذلك عن القيام منها إلى الثالثة والرابعة.
لكن روى الدارقطني بإسناد حسن عن ابن عمر هذا الحديث، وفيه: "ولا يرفع بعد ذلك"، فظاهره يشمل النفي عما عدا المواطن الثلاثة، "رواه البخاري ومسلم" من طرق تدور على ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر.
"وعند أبي داود من حديث علمقة: كان إذا قام من سجدتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما صنع حين افتتح" أي: إذا قام من السجدتين في الركعة الثانية عند القيام من التشهد الأول، فيوافق حديث ابن عمر الآتي قريبا، ولا يخالف ظاهره ما قبله، "وهو قطعة من حديث رواه الترمذي أيضا، وكان يكبر في كل خفض" للركوع والسجود، "ورفع" لرأسه من السجود لا من الركوع، لأنه كان يقول: "سمع الله لمن حمده". كما مر في حديث ابن عمر، "رواه مالك" عن ابن شهاب، عن علي بن الحسين مرسلا، وزاد: فلم تزل تلك صلاته حتى لقي الله، وأخرجه أيضا عن ابن شهاب، عن أبي سلمة أن أبا هريرة كان يصلي لهم، فكبر كلماстр. 4736
وقال النووي: أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، واختلفوا فيما سواها.
فقال: الشافعي وأحمد وجمهور العلماء من الصحابة: يستحب أيضا رفعهما عند الركوع، وعند الرفع منه. وهو رواية عن مالك.
وللشافعي قول: أنه لا يستحب رفعهما في موضع رابع وهو: إذا قام من التشهد الأول. وهذا القول هو الصواب، فقد صح فيه حديث ابن عمر عنه ﷺ
الحواشي
(١) خفض ورفع، فلما انصرف قال: والله إني لأشبهكم بصلاة رسول الله ﷺ ، ورواه من طريقه الشيخان، والحكمة فيه تجديد العهد في أثناء الصلاة بالتكبير الذي هو شعار النية المأمور بها في أول الصلاة المقرونة بالتكبير، التي كان من حقها أن تستصحب إلى آخر الصلاة، قاله الناصر بن المنير.
"قال النووي: أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام" واعترض عليه، بأن اللخمي حكى في التبصرة رواية عن مالك أنه لا يستحب، وحكاه الباجي عن كثير من متقدمي المالكية، وبأن الأوزاعي والحميدي شيخ البخاري، وابن خزيمة وداود وبعض الشافعية والمالكية قالوا بوجوبه، فأين الإجماع؟ ولذا كان أسلم العبارات قول ابن عبد البر: أجمع العلماء على جواز رفع اليدين عند افتتاح الصلاة، وقول ابن المنذر: ولم يختلفوا أنه ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة.
قال ابن عبد البر: وكل من نقل عنه الوجوب لا يبطل الصلاة بتركه إلا في رواية عن الأوزاعي والحميدي، وهذا شذوذ وخطأ، "واختلفوا فيما سواها، فقال الشافعي وأحمد وجمهور العلماء: يستحب أيضا رفعهما عند الركوع وعند الرفع عنه" عملا بحديث ابن عمر، "وهو رواية عن مالك" رواها عنه ابن وهب وأشهب وأبو مصعب وغيرهم بل قال محمد بن عبد الحكم: لم يرو أحد عن مالك تلك الرفع فيهما إلا ابن القاسم، والذي نأخذ به الرفع لحديث ابن عمر، وأجاب الأصيلي بأن مالكا لم يأخذ به، لأن نافعا وقفه على ابن عمر، وهو أحد الأحاديث الأربعة، التي وقفها نافع ورفعها سالم، يعني: فلما اختلفا وهما ثقتان جليلان ترك مالك في المشهور عنه القول باستحباب ذلك في المحلين، لأن الأصل صيانة الصلاة عن الأفعال، وبهذا تعلم تحامل الحافظ في قوله: لم أر للمالكية دليلا ولا متمسكا إلا قول ابن القاسم، "وللشافعي قول أنه لا يستحب رفعهما في موضع رابع، وهو: إذا قام من التشهد الأول، وهذا القول هو الصواب" أي: المشهور، لكن الحافظ نازع النووي في أن الشافعي نص عليه، بأنه قال في الأم لا نأمره برفع يديه في شيء من الذكر في الصلاة التي لها ركوع وسجود إلا فيстр. 4737
أنه كان يفعله. رواه البخاري.
وكان ﷺ يضع يده اليمنى على اليسرى، رواه أبو داود.
ومذهب الشافعي والأكثرين: أن المصلي يضع يديه تحت صدره فوق سرته.
وقال أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي تحت سرته.
الحواشي
(١) هذه المواضع الثلاثة، وقال الخطابي: لم يقل به الشافعي وهو لازم على أصله في قبول الزيادة، "فقد صح فيه حديث ابن عمر عنه ﷺ أنه كان يفعله رواه البخاري" من رواية عبد الأعلى، عن عبيد الله، عن نافع, وأبو داود من رواية محارب بن دثار، كلاهما عن ابن عمر.
لكن قال أبو داود: رواه الثقفي، يعني: عبد الوهاب والليث وابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر موقوفا وهو الصحيح، وحكى الإسماعيلي أن بعض شيوخه أومأ إلى أن عبد الأعلى أخطأ في رفعه، لكن له شواهد منها حديث علي وحديث أبي حميد، رواهما أبو داود وصححهما ابن خزيمة وابن حبان، وقال البخاري في جزء اليدين ما زاده ابن عمر وعلي وأبو حميد في عشرة من الصحابة صحيح لم يحكموا صلاة واحدة، فاختلفوا فيها، وإنما زاد بعضهم على بعض، والزيادة مقبولة من أهل العلم.
"وكان ﷺ يضع يده اليمنى على اليسرى" في الصلاة، "رواه أبو داود" عن وائل بن حجر، بلفظ: ثم وضع يديه اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ من الساعد، وصححه ابن خزيمة وغيره، والرسغ: "بضم الراء وسكون المهملة، فمعجمة" المفصل بين الساعد والكف.
"ومذهب الشافعي والأكثرين أن المصلي يضع يديه تحت صدره فوق سرته" لرواية ابن خزيمة عن وائل أنه وضعهما على صدره، وللبزار عند صدره.
"وقال أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي: تحت سرته" لما في زيادات المسند من حديث علي أنه وضعهما تحت السرة وإسناده ضعيف.
قال العلماء: الحكمة في هذه الهيئة أنه صفة السائل الذليل، وهو أمنع من العبث وأقرب إلى الخشوع، ومن اللطائف، قول بعضهم: القلب موضع النية، والعادة أن من احترز على حفظ شيء جعل عليه يديه.
قال ابن عبد البر: لم يأت عن النبي ﷺ فيه خلاف، وقاله جمهور الصحابة والتابعين، وهو الذي ذكره مالك في الموطأ، ولم يحك ابن المنذر وغيره عن مالك وغيره، وروى ابن القاسم عنه الرسال، وصار إليه أكثر أصحابه، وعنه: التفرقة بين الفريضة، فيكره القبض والنافلة فيجوز،стр. 4738
وكان ﵊ يسكت بين التكبير والقراءة إسكاتة، فقال له أبو هريرة: بأبي أنت وأمي، إسكاتتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: "أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج
الحواشي
(١) "وكان ﵊ يسكت بين التكبير والقراءة".
قال الحافظ: ضبطناه "بفتح أوله" من السكوت، وحكى الكرماني عن بعض الروايات "بضم أوله من الإسكان" قال الجوهري: يقال تكلم الرجل ثم سكت بغير ألف، فإذا انقطع كلامه فلم يتكلم، قيل: أسكت "إسكاتة"، "بكسر أوله وزن إفعالة" من السكوت، وهو من المصادر الشاذة نحو أتيته إتيانه.
قال الخطابي: معنا سكوت يقتضي بعده كلاما مع قصر المدة فيه، وسياق الحديث يدل على أنه أراد السكوت عن الجهر لا عن مطلق القول، أو السكوت عن القراءة لا عن الذكر، "فقال له أبو هريرة: بأبي أنت وأمي"، "الباء متعلقة بمحذوف اسم أو فعل" أي: أنت مفدي، أو أفديك فيه جواز قول ذلك، وزعم بعضهم، أنه من خصائصه ﷺ "إسكاتتك"، "بكسر أوله والرفع على الابتداء".
وقال المظهري "بالنصب مفعول بفعل مقدر" أي: أسألك إسكاتتك، أو على نزع الخافض، والذي في روايتنا بالرفع للأكثر وللمستملي والسرخسي "بفتح الهمزة وضم السين" على الاستفهام.
وفي رواية الحميدي: ما تقول في سكتك "بين التكبير والقراءة"؟ ولمسلم: أرأيت سكوتك، وكله مشعر بأن هناك قولا، لأنه قال: "ما تقول" أي: فيه، ولم يقل: هل تقول، ولعله استدل على أصل القول بحركة الفم، كما استدل غيره على القراءة بحركة اللحية، قاله ابن دقيق العيد، "قال": "أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب" المراد بالمباعدة محو ما حصل منها والعصمة عما سيأتي منها، وهو مجاز، لأن حقيقة المباعدة إنما هي في الزمان والمكان، وموقع التشبيه أن التقاء المشرق والمغرب مستحيل، فكأنه أراد أن لا يبقى لها منه اقتراب بالكلية.
وقال الكرماني: كرر لفظ بين، لأن العطف على الضمير المجرور يعاد فيه الخافض، "اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس" نقني مجاز عن زوالها ومحو أثرها، ولما كان الدنس في الأبيض أظهر من غيره من الألوان وقع التشبيه به، قاله ابن دقيق العيد: "اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد".стр. 4739
والبرد". رواه البخاري ومسلم.
وعن علي: كان ﷺ إذا قام إلى الصلاة -وفي رواية: إذا افتتح الصلاة- كبر، ثم قال: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من
الحواشي
(١) قال الخطابي: ذكرهما تأكيدا، ولأنهما ماءان لم تمسهما الأيدي ولم يمتهنهما الاستعمال، وقال ابن دقيق العيد: عبر بذلك عن غاية المحو، فإن الثوب الذي يتكرر عليه ثلاثة أشياء منقية يكون في غاية النقاء، قال: ويحتمل أن المراد أن كل واحد من هذه الأشياء مجاز عن صفة يقع بها المحو، وكأنه كقوله تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، وأشار الطيبي إلى هذا بحثا، فقال: يمكن أن المطلوب من ذكر الثلج والبرد بعد الماء شمول أنواع الرحمة والمغفرة بعد العفو لإطفاء حرارة عذاب النار التي هي في غاية الحرارة، ومنه قولهم: برد الله مضجعه، أي رحمه ووقاه عذاب النار. انتهى.
ويؤيده ورود وصف الماء بالبرودة في حديث عبد الله بن أوفى عند مسلم، وكأنه جعل الخطايا بمنزلة جهنم لكونها مسببة عنها، فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل، وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيا عن الماء إلى أبرد منه.
وقال التوربشتي: خص هذه الثلاثة بالذكر، لأنها منزلة من السماء، وقال الكرماني: يحتمل أن يكون في الدعوات الثلاث إشارة إلى الأزمنة الثلاثة، فالمباعدة للمستقبل، والتنقية للحال، والغسل للماضي. انتهى.
وكان تقديم المستقبل للاهتمام بدفع ما سيأتي قبل رفع ما حصل، وهذا الدعاء صدر منه ﷺ على سبيل المبالغة في إظهار العبودية، وقيل: قاله على سبيل التعليم لأمته، واعترض بأنه لو أراد ذلك بالجهر به، وأجيب بورود الأمر بذلك في حديث سمرة عند البزار، وفيه ما كان الصحابة عليه من المحافظة على تتبع أحواله ﷺ في حركاته وسكناته وإسراره وإعلانه حتى حفظ الله بهم الدين، وفيه مشروعية الدعاء بين التكبير والقراءة خلافا للمشهور عن مالك انتهى من فتح الباري.
"رواه البخاري ومسلم" من حديث أبي هريرة "وعن علي: كان ﷺ إذا قام إلى الصلاة" المكتوبة "وفي رواية" لمسلم أيضا عن علي: كان "إذا افتتح الصلاة كبر" تكبيرة الإحرام، "ثم قال" قبل الشروع في الفاتحة، وللترمذي: وقال حسن صحيح عن علي: كان ﷺ إذا قام إلى الصلاة المكتوبة رفع يديه، ويقول حين يفتتح الصلاة بعد التكبير: "وجهت وجهي" أي: صرفت جملتي وأخلصت نيتي في العبادة "للذي فطر السموات والأرض حنيفا" حال كوني مائلا عن جميع الأديان غير الإسلام بريئا عن كل المعبودات.стр. 4740
المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا، لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك". الحديث
الحواشي
(١) زاد الدارقطني في روايته مسلما، وكأنه تفسير حنيفا "وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي" الذبح في الحج والعمرة، أو الحج نفسه أو عبادتي كلها، "ومحايي ومماتي" حياتي وموتي، يعني: جميع طاعتي في حياتي وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح خالصا "لله رب العالمين لا شريك له وبذلك" القول والإخلاص، "أمرت وأنا من المسلمين" المتمكنين في الإسلام، وفوضوا أمروهم لله تعالى، وفي الطريق الثانية عند مسلم، وأنا أول المسلمين كما في التنزيل لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته، وكذا في رواية جابر عند النسائي والدارقطني، "اللهم أنت الملك".
زاد في بعض طرق الحديث: الحق "لا إله إلا أنت" إثبات الإلهية المطلقة لله تعالى على سبيل الحصر بعد إثبات الملك له، كذلك في قوله: أنت الملك لما دل عليه تعريف الخبر باللام ترقيا من الأدنى إلى الأعلى زاد أبو رافع عند الطبراني: سبحانك وبحمدك، وإنما أخر الربوبية في قوله: "أنت ربي" لتخصيص الصفة وتقييدها بالإضافة إلى نفسه، "وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي" حال مؤكدة مقررة لمضمون الجملة السابقة اعترافا بالتقصير، "فاغفر لي ذنوبي جميعا لا يغفر الذنوب إلا أنت" قدم قوله: ظلمت نفسي على سؤال المغفرة أدبا، كقول آدم وحواء: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣] وقال ذلك تعليما وإرشادا لأمته، أو تواضعا، أو بحسب المقام، فإنه يرى مقامه بالأمس دون ما ارتقى إليه اليوم، فيستغفر من مقامه بالأمس, "واهدني لأحسن الأخلاق" أي: أرشدني لأفضلها وأكملها، "لا يهدي لأحسنها إلا أنت" وقد أجاب الله تعالى دعاءه، فجمع له ما تفرق في العالمين، حتى قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] , "واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت" وقد أجابه فلم يكن له خلق سيئ قط، "لبيك" إجابة لك بعد إجابة "وسعديك" مساعدة بعد مساعدة، وهما من المصادر التي لا تستعمل إلا مضافة مثناة، "والخير كله في يديك، والشر ليس إليك" أي: لا يضاف إليك مخاطبة ونسبة تأدبا، لأنه وإن كان بقضائه وقدره وخلقه واختراعه، لكن ليس بمحبته ورضاه بخلاف الخير، فإنه بتقديره وإرادته ورضاهстр. 4741
رواه مسلم.
وعن عائشة: كان ﷺ إذا افتتح الصلاة قال: "سبحانك الله وبحمدك،
الحواشي
(١) ومحبته جميعا، فبالنظر إلى جانب المحبة والرضا يضاف إليه الخير، كما قال بيدك الخير وبالنظر إلى جانب القدرة والخلق والإرادة، يضاف إليه كلاهما، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّه﴾ [النساء: ٧٨] ، والمقام يقتضي ذلك، فإنه طلب للهداية لأحسن الأخلاق والصرف عن سيئها، فناسب أن يقول: الخير كله في قبضة قدرتك ليس شيء منها في يد غيرك، فأنت الهادي إليها لا يهدي إليه إلا أنت، وبهدايتك يحصل الاهتداء الذي هو العمدة في الأمور وهو الوسيلة للتقرب إليك، والشر ليس يتقرب به إليك.
وقد زاد الشافعي في روايته حديث علي والمهدي من هديته، وفيه تلميح إلى ما ذكر: "أنا بك وإليك" أي: أنا أستعين بك في أداء ما وجب علي، وأتقرب بعد القيام به إليك، وقول النووي معناه التجائي وانتمائي وتوفيقي بك، تعقب بأن تقديره هذا يومئ إلى أن في الكلام تقديما وتأخيرا، والأصل وأنا إليك وبك، وهذا لا يحتاج إليه فالوجه ما سبق وأيضا سياق الكلام يدل على أنه طلب الهداية إلى أحسن الأخلاق والصرف عن مساويها، وذكر أن الخير من عنده وكله في يده، والشر ليس مضافا إليه محبة ورضا، ث ذكر أن استعانته في الأخذ بمحاسن الأخلاق والاجتناب عن الرذائل به تعالى وتقربه بتحصيل ذلك إليه، فهذا بمنزلة النتيجة لما تقدمه من الكلام، ولهذا ترك العاطف وأخرجه مخرج الاستثناء، فكأنه قيل له: إذا أعطيناك ما طلبته ما تعمل به، فقال: أستعين بك في التحصيل وأتقرب به إليك، بعد الحصول، زاد الشافعي: "لا ملجأ منك إلا إليك". وكذا في رواية أبي رافع عند الطبراني. "تباركت" تعاظمت "وتعاليت" عما تتوهمه الأوهام وتتصوره العقول "أستغفرك وأتوب إليك". الحديث. ذكر في بقيته دعاءه في الركوع والرفع منه، وفي السجود وما بين التشهد والسلام، "رواه مسلم" باللفظ الذي ساقه المصنف بالحرف من حديث علي، ورواه الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن علي أيضا، والنسائي والدارقطني عن جابر، والنسائي عن محمد بن مسلمة، والطبراني عن أبي رافع، وفي روايتهم بعض زيادة ونقص وعجب قول القائل، ما ذكره المصنف بيان لمجموع رواياتهم من غير بيان ما لكل واحد على انفراده مع أن المصنف إنما عزا لصحابي واحد وراو واحد، فإنما يتأتى ما زعمه لو عزا لمتعدد وأجمل، قال النووي: فيه استحباب الاستفتاح بما في هذا الحديث إلا أن يكون إماما لقوم لا يؤثرون التطويل.
"وعن عائشة: كان ﷺ إذا افتتح الصلاة قال" بعد تكبيرة الإحرام: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك" تنزه جلاله وعظمته عما نسب إليه، "ولا إله غيرك".стр. 4742
وتبارك اسم وتعالى جدك ولا إله غيرك" رواه الترمذي وأبو داود.
وعن جبير بن مطعم أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي صلاة قال: "الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، أعوذ بالله من الشيطان، من نفخه ونفثه وهمزه" قال ابن عمر: نفخه الكبر، ونفثه الشعر، وهمزه الموتة. رواه أبو داود.
قال: حدثنا عمرو بن مرزوق قال: أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عاصم العنزي عن جبير بن مطعم عن أبيه وأخرجه أيضا من وجه آخر عن عمرو بن مرة بإسناده عن جبير سمعت النبي ﷺ يقول في التطوع, وذكر نحوه. انتهى.
وعن محمد بن مسلمة قال: إن رسول الله ﷺ كان إذا قام يصلي تطوعا
الحواشي
(١) رواه الترمذي وأبو داود" ونقل الساجي عن الشافعي استحباب الجمع بينه وبين التوجه، واختاره ابن خزيمة وجماعة من الشافعية، وحديث أبي هريرة أصح ما ورد في ذلك, قاله الحافظ.
"وعن جبير بن مطعم أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي صلاة" قال عمرو: ولا أدري أي صلاة هي, كذا في أبي داود، وهو محتمل أنه شيخه عمرو بن مرزوق، أو شيخ شيخه عمرو بن مرة، وكل بفتح العين، "قال" في افتتاحها: "الله أكبر كبيرا والحمد لله كثير، وسبحان الله بكرة" بالضم أول النهار "وأصيلا" ثلاثا كما في أبي داود، وذكرها ثلاثا باللفظ في الجملتين قبلها "أعوذ" أعتصم "بالله من الشيطان من نفخه"، "بفاء وخاء معجمة"، "ونفثه وهمزه".
"قال ابن عمر" مفسرا كذا في النسخ وصوابه عمرو كما في أبي داود، أي شيخه أو شيخ شيخه، ما ابن عمر فلا ذكر له في هذا الحديث: "نفخه الكبر" أي حمله عليه "ونفثه الشعر" سمي نفثا كالشيء ينفثه الإنسان من فيه، كالرقية، قاله الهروي "وهمزه الموتة" "بضم الميم وإسكان الواو" بلا همز ضرب من الجنون كما صرح به السهيلي وغيره.
قال الهروي: سمي الجنون همزا لأنه جعله من النخس والهمز، وكل شيء دفعته فقد همزته، "رواه أبو داود قال: حدثنا عمرو بن مرزوق، قال: أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عاصم العنزي، عن جبير بن مطعم، عن أبيه، وأخرجه أيضا من وجه آخر عن عمرو بن مرة بإسناده عن جبير: سمعت النبي ﷺ يقول في التطوع، وذكر نحوه. انتهى".
"وعن محمد بن مسلمة" الأنصاري: أكبر من اسمه محمد من الصحابة "قال: إن رسول الله ﷺ كان إذا قام يصلي تطوعا" لا ينافي ذلك رواية الترمذي عن علي: كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة؛ لإمكان الجمع بأنه كان يقوله في المكتوبة والتطوع عملا بالحديثين،стр. 4743
قال: "الله أكبر، وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين". وذكر الحديث مثل حديث جابر إلا أنه قال: "وأنا من المسلمين"، ثم قال: "اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك". ثم يقرأ. رواه النسائي.
الفرع الثاني: في ذكر قراءته ﵊ للبسملة في أول الفاتحة
روي عن ابن عباس قال: كان ﷺ يفتتح الصلاة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ رواه أبو داود. وقال الترمذي: ليس إسناده بذاك.
ورواه الحاكم عن ابن عباس قال: كان ﷺ يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم قال: صحيح.
وفي صحيح ابن خزيمة عن أم سلمة: أن رسول الله ﷺ قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة، وعدها آية، لكن روايه عمر بن هارون البلخي، وفيه ضعف عن
الحواشي
(١) "قال": "الله أكبر وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين". "وذكر" محمد بن مسلمة "الحديث مثل حديث جابر" عند النسائي والدارقطني بنحو حديث علي المتقدم لفظه، فأحال عليه وإن لم يتقدم نقله عن جابر "إلا أنه قال": "وأنا من المسلمين" بدل قوله: "وأنا أول المسلمين". وهما روايتان عن علي في مسلم كما مر، "ثم قال: "اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك". ثم يقرأ. رواه النسائي" في سننه.
"الفرع الثاني: في ذكر قراءته ﵊ للبسملة أو الفاتحة" أي: هل كان يقرأ بها أم لا، أو هل يجهر بها أو يسر "روي عن ابن عباس، قال: كان ﷺ يفتتح الصلاة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، رواه أبو داود" وضعفه كما يأتي، "وقال الترمذي: ليس إسناده بذاك" أي: لا يحتج به لضعفه، "ورواه الحاكم عن ابن عباس، قال: كان ﷺ يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ " بدل قوله يفتتح الصلاة، "ثم قال" الحاكم "صحيح" على عادته في التساهل، إذ كيف يصح مع ضعف إسناده، ولذا ضعفه أبو داود والترمذي.
"وفي صحيح ابن خزيمة عن أم سلمة هند بنت أبي أمية، "أن رسول الله ﷺ قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وعدها آية، لكن روايه عمر"، "بضم العين" ابن هارون بن يزيد الثقفي مولاهم "البلخي" المتوفى سنة أربع وتسعين ومائتين "وفيه ضعف" بل قال في التقريب متروك وكان حافظا، "عن ابن جريج" عبد الملك بن عبد العزيز، "عن ابن أبي مليكة" بالتصغير هو عبد الله، بفتح العين ابن عبيد الله، بضمها ابن أبي مليكة، يقال: اسمه زهير، "عنها"،стр. 4744
ابن جريج عن ابن أبي مليكة عنها.
وروى الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه في تفسيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الحمد لله رب العالمين سبع آيات، إحداهن، البسملة وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، وهي أم الكتاب".
ورواه الدارقطني عن أبي هريرة مرفوعا بنحوه أو مثله وقال: رواته كلهم ثقات.
وروى البيهقي عن علي وابن عباس وأبي هريرة أنهم فسروا قوله تعالى: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧] بالفاتحة، وأن البسملة هي الآية السابعة منها.
وعن شعبة عن قتادة عن أنس أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون
الحواشي
(١) أي: أم سلمة: فهذا تساهل مفرط من ابن خزيمة، إذ كيف يدخل في الصحيح من في إسناده ضعيف متروك.
"وروى الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه" بفتح الميم وتكسر "في تفسيره، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "الحمد لله رب العالمين سبع آيات، إحداهن البسملة وهي السبع المثاني" في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ عطف عام على خاص، أو مبتدأ حذف خبره، أي: الذي أوتيته ورجحه الحافظ المجيء رواية بذلك، ومر في الخصائص بسطه "وهي أم الكتاب، ورواه الدارقطني أيضا عن أبي هريرة مرفوعا بنحوه" أي: بما يقرب منه "أو مثله" أي: بما يماثله، "وقال: رواته كلهم ثقات.
"وروى البيهقي عن علي وابن عباس وأبي هريرة، أنهم فسروا قوله تعالى: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ بالفاتحة، وأن البسملة هي الآية السابعة منها" وخالفهم غيرهم في العد من الصحابة وغيرهم فلم يعدوها منها، وإنما يكون قوله الصحابي حجة إذا لم يخالفه غيره من الصحابة خصوصا، وقد تأيد بنص النبي ﷺ عن الله تعالى: "قسمت الصلاة بين وبين عبدي نصفي، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين". الحديث. وعدها سبعا، ولم يذكر البسملة، والحديث في مسلم وغيره: ولا عطر بعد عروس، "وعن شعبة" ابن الحجاج "عن قتادة" بن دعامة، "عن أنس أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون القراءة" الذي في البخاري الصلاة، قال الحافظ: أي القراءة في الصلاة، وقد رواه ابن المنذر والجوزقي بلفظ: كانوا يفتتحون القراءة، وكذا رواهстр. 4745
القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . رواه البخاري، أي كانوا يفتتحون بالفاتحة.
وفي رواية مسلم: فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . كذا أخرجه مسلم وغيره. لكنه حديث معلول أعله الحفاظ. كما هو في كتب علوم الحديث.
وفي شرح ألفية العراقي لشيخنا الحافظ أبي الخير السخاوي في باب العلل ما نصه: وعلة المتن القادحة فيه كحديث نفي قراءة البسملة في الصلاة المروي
الحواشي
(١) البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، وقال: إنها أبين من رواية القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "بضم الدال" على الحكاية، "رواه البخاري" حدثنا حفص بن عمر عن شعبة به، "أي: كانوا يفتتحون بالفاتحة" هذا قول من أثبت البسملة في أولها، ورد بأنها إنما تسمى الحمد فقط.
وأجيب: بمنع الحصر وسنده حديث: "الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني" رواه البخاري، وقيل: المعنى كانوا يفتتحون بهذا اللفظ تمسكا بظاهر الحديث، وهذا قول من نفى قراءة البسملة وتجويز أنهم يقرءون البسملة سرا ممنوع، أنه محل النزاع.
وقد اختلف الرواة عن شبعة في لفظ الحديث. فرواه جماعة من أصحابه بلفظ البخاري.
"وفي رواية مسلم" من طريق أبي داود الطيالسي ومحمد بن جعفر، كلاهما عن شعبة، عن قتادة عن أنس قال: صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، "فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ".
وفي مسلم من رواية الطيالسي عن شعبة: فقلت لقتادة: أنت سمعته من أنس؟ قال: نعم نحن سألناه "كذا أخرجه مسلم وغيره" كالخطيب من رواية حفص بن عمر شيخ البخاري فيه عن شعبة، وأخرجه ابن خزيمة من رواية محمد بن جعفر باللفظين، وهؤلاء من أثبت أصحاب شعبة، ولا يقال هذا اضطراب من شعبة، لأنا نقول قد رواه جماعة من أصحاب قتادة باللفظين، ولا يرد أنه اضطراب من قتادة، لأن جماعة من أصحاب أنس رووه، كذلك قاله الحافظ ملخصا، "لكنه حديث معلول أعله الحفاظ كما هو" مذكور "في كتب علوم الحديث، وفي شرح ألفية العراقي" الحافظ عبد الرحيم زين الدين "لشيخنا الحافظ أبي الخير" محمد بن عبد الرحمن "السخاوي في باب العلل ما نصه" شرحا لقول النظم:
وعلة المتن كنفي البسملة ... إذ ظن رواو نفيها فنقله
وصح أن أنسا يقول لا ... احفظ شيئا فيه حين سئلا
"وعلة المتن" أي: لفظ الحديث "القادحة فيه، كحديث نفي قراءة البسملة فيстр. 4746
عن أنس، إذ ظن راو من رواته حين سمع قول أنس: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين، نفس البسملة، فنقله مصرحا بما ظنه وقال: ولا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها. وفي لفظ: فلم يكونوا يفتتحون القراءة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، فصار بمقتضى ذلك حديثا مرفوعا. والراوي لذلك مخطئ في ظنه.
ولذا قال الشافعي ﵀ في الأم، ونقله عنه الترمذي في جامعه: المعنى أنهم يبدءون بقراءة أم القرآن قبل ما يقرءون بعدها، لا أنهم يتركون البسملة أصلا.
ويتأكد بثبوت تسمية أم القرآن بجملة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ في صحيح البخاري، وكذا حديث قتادة قال: سئل أنس: كيف كانت قراءة
الحواشي
(١) الصلاة، المروي عن أنس" في صحيح مسلم وغيره، "إذ ظن راو من رواته حين سمع قول أنس: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان. فكانوا يفتتحون" القراءة أو الصلاة كما مر "بالحمد لله رب العالمين"، "بضم الدال" على الحكاية "نفي البسملة، فنقله مصرحا بما ظنه، وقال: ولا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها" مبالغة في نفيها، إذ لا قائل بأنها إذ لم تقرأ في أول الفاتحة تقرأ في آخرها، أو أراد لا تقرأ أول السورة التي بعد الفاتحة.
"وفي لفظ: فلم يكونوا يفتتحون القراءة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، فصار بمقتضى ذلك حديثا مرفوعا" لأن فيه النبي ﷺ "والراوي لذلك مخطئ في ظنه ولذا" أي: خطئه في ظنه.
"قال الشافعي ﵀ في الأم، ونقله عند الترمذي في جامعه: المعنى أنهم يبدءون بقراءة أم القرآن قبل ما يقرءون بدها، لا أنهم يتركون البسملة أصلا" وهو تأويل مخالف لظاهر الحديث، وبعد ذلك يحتاج لإثبات أنهم كانوا يبسملون، إذ غاية ما في هذا التأويل أنه لا دليل فيه على تركها، فكذا لا دليل فيه على فعلها، "ويتأكد" يتقوى "بثبوت تسمية أم القرآن بجملة الحمد لله رب العالمين في صحيح البخاري" جواب عن سؤال بسطه في فتح الباري، فقال وتعقب، يعني هذا التأويل، بأنها إنما تسمى الحمد فقط.
وأجيب: بمنع الحصر، وسنده ثبوت تسميتها بجملة الحمد لله رب العالمين في البخاري، عن أبي سعيد بن المعلى أن النبي ﷺ قال له: "ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن". الحديث،стр. 4747
النبي ﷺ ؟ قال: كانت مدا، ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، يمد "بسم الله" ويمد "الرحمن" ويمد "الرحيم". أخرجه البخاري في صحيحه، وكذا صححه الدارقطني والدارمي وقال: إنه لا علة له، لأن الظاهر -كما أشار إليه أبو شامة- أن قتادة لما سأل أنسا عن الاستفتاح في الصلاة بأي سورة وأجابه بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ، سأله عن كيفية قراءته فيها، وكأنه لم ير إبهام السائل مانعا من تعيينه بقتادة خصوصا وهو
الحواشي
(١) وفيه: "الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني". انتهى.
لكن ولو سلم أنها تسمى بذلك أيضا، فليس فيه أن البسملة منها الذي هو المدعي، وقد روى مالك في الموطأ أنه ﷺ قال لأبي بن كعب: "إني لأرجو أن تعلم سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها". الحديث، وفيه أنه قال لأبي: "كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة" قال: فقرأت عليه ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حتى أتيت على آخرها، فقال ﷺ : "هي هذه السورة وهي السبع المثاني". الحديث، وقد قرأها أبي بلا بسملة بحضرته، فتأكد قول من قال: المراد يفتتحون بهذا اللفظ، "وكذا حديث قتادة قال: سئل أنس" "بضم السين" والسائل قتادة كما في رواية قبل هذه في البخاري عن قتادة، قال: سألت أنس بن مالك "كيف كانت قراءة النبي ﷺ ، قال: كانت مدا" بغير همز، أي: ذات مد، أي: بمد الحرف الذي يستحق المد، "ثم قرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يمد بسم الله" أي: اللام التي قبل هاء الجلالة، "ويمد الرحمن" أي: الميم التي قبل النون، "ويمد الرحيم" أي الحاء المد الطبيعي الذي لا يمكن النطق بالحرف إلا به من غير زيادة عليه لا كما يظن بعضهم من الزيادة عليه. نعم إذا كان حرف المد يتصل بكلمة أو سكون لازم، كأولئك والحاقة وجب زيادة المد، أو ينفصل عنها، أو سكون عارض كيا أيها والوقف على الرحيم جاز.
وقد أخرج ابن أبي داود عن قطبة بن مالك: سمعت رسول الله ﷺ قرأ في الفجر: ﴿ق﴾ ، فمد هذا الحرف ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ فمد ﴿نَضِيدٌ﴾ ، قاله المصنف.
"أخرجه البخاري في صحيحه" في أواخر كتاب التفسير، "وكذا صححه الدارقطني والدارمي" في نسخه بدله والحازمي "وقال: إنه لا علة له" إطناب لعله جاء به دفعا لتوهم أن البخاري انفرد بتصحيحه، وأن مسلما لم يخرجه لعلة، وإلا فتصحيح البخاري كاف ولما كان الحديث ليس نصا في قراءة البسملة أول الفاتحة في الصلاة، إذ لا تصريح فيه بذلك، وقد قام الإجماع على استحباب ابتداء القراءة بها في غير الصلاة، فلا معنى لذكره هنا، أشار لبيان وجهه بقوله: "لأن الظاهر كما أشار إليه أبو شامة أن قتادة لما سأل أنسا عن الاستفتاح في الصلاة بأي سورة وأجابه: بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ، سأله عن كيفية قراءته فيها" ولا نسلم أن هذا الظاهر، إذстр. 4748
السائل أولا.
وقد أخرج ابن خزيمة في صحيحه، وصحح الدارقطني أن أبا سلمة سعيد بن يزيد سأل أنسا: أكان رسول الله ﷺ يفتتح بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أو بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ ؟ فقال: لا أحفظ فيه شيئا. قال وهذا مما يتأيد به خطأ النافي.
الحواشي
(١) لا دليل في اللفظ عليه، بل الظاهر أنه سأله عن كيفية قراءته للقرآن من حيث هي، لا بقيد افتتاح الصلاة، وسأله أيضا عما كان يفتتح به الصلاة كما هو مدلول الحديثين، وإن أحدهما ليس مرتبا على الأول، ولو سلمنا ذلك فغايته التشبث بالاحتمال، فلا يفيد الدعوى أنها آية من الفاتحة تجب في الصلاة، "وكأنه" أي: أبا شامة "لم ير إبهام السائل مانعا من تعيينه بقتادة، خصوصا وهو السائل أولا" عن حديث الافتتاح، وهذا مما يتعجب منه من مثل السخاوي، ثم من المصنف في إقراره، فإنه يعطي أن السائل المبهم لم يبين مع أنه مبين في رواية قبل هذه بلصقها في البخاري، بأنه قتادة كما مر، وليس هذا مراد أبي شامة، إنما مراده ترتب السؤال الثاني على الأول توصلا إلى مراده من إثبات الابتداء بالبسملة.
"وقد أخرج ابن زيمة" محمد بن إسحاق "في صحيحه، وصحح الدارقطني" أيضا "أن أبا مسلمة"، "بفتح الميم" سعيد "بكسر العين"، "بن يزيد"، "بتحتية قبل الزاي" ابن مسلمة الأزدي، البصري القصير، ثقة، من رجال الجميع، سأل أنسا: أكان رسول الله ﷺ يفتتح بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أو بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ ؟ فقال: لا أحفظ فيه شيئا، قال: وهذا مما يتأيد به خطأ النافي", لكن في فتح الباري، وأما من قدح في صحته، بأن أبا مسلمة سعيد بن يزيد سأل أنسا عن هذه المسألة، فقال: إنك لتسألني عن شيء لا أحفظه ولا سألني عنه أحد قبلك، ودعوى أبي شامة أن أنسا سأل عن ذلك سؤالين، فسؤال أبي مسلمة: هل كان الافتتاح بالبسملة أو الحمد؟ وسؤال قتادة: هل كان يبدأ بالفاتحة أو غيرها؟ قال: ويدل عليه قول قتادة في مسلم: نحن سألناه. فليس بجيد، لأن أحمد روى بإسناد الصحيحين أن سؤال قتادة نظير سؤال أبي مسلمة، والذي في مسلم، إنما قاله عقب رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة ولم يبين صورة المسألة، وقد بينها أبو يعلى والسراج وعبد الله بن أحمد في روايتهم عن الطيالسي، عن شعبة، أن السؤال كان عن افتتاح القراءة بالبسملة، وأصرح من ذلك رواية ابن المنذر، عن أبي جابر، عن شعبة، عن قتادة: سألت أنسا: أيقرأ الرجل في الصلاة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ؟ فقال: صليت وراء رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلم أسمع أحدا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، فظهر اتحاد سؤال أبي مسلمة وقتادة، وغايته أن أنسا أجاب قتادة بالحكم دون أبي مسلمة، فلعله تذكره لما سأله قتادة بدليل قوله في رواية أبي مسلمة: ما سألني عنه أحد قبلك، أو قاله لهما معا، فحفظه قتادةстр. 4749
ولكن قد روى هذا الحديث عن أنس جماعة منهم حميد وقتادة، والتحقيق أن المعل رواية حميد خاصة، إذ رفعها وهم من الوليد بن مسلم عن مالك عنه، بل ومن بعض أصحاب حميد عنه، فإنها في سائر الموطآت عن مالك: صليت وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، لا ذكر للنبي ﷺ فيه، وكذا الذي عند سائر أصحاب حميد عنه، إنما هو في الوقف خاصة. وبه صرح ابن معين عن ابن أبي عدي حيث قال: إن حميدًا كان إذا رواه عن أنس لم يرفعه، وإذا قال فيه: عن قتادة عن أنس رفعه.
وأما رواية قتادة، وهي من رواية الوليد بن مسلم وغيره عن الأوزاعي: أن قتادة كتب إليه أن أنسا حدثه قال: صليت، فذكره بلفظ: لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لا في أول قراءة ولا في آخرها، فلم يتفق أصحابه عنه على هذا
الحواشي
(١) دونه، فإن قتادة أحفظ منه بلا نزاع. انتهى.
"ولكن قد روى هذا الحديث عن أنس جماعة، منهم: حميد" الطويل البصري "وقتادة" ابن دعامة، "والتحقيق أن المعل رواية حميد خاصة" لا رواية قتادة كما قاله الجماعة، "إذ رفعها وهم من الوليد بن مسلم" الدمشقي ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية، "عن مالك" الإمام "عنه" أي: حميد، "بل ومن بعض أصحاب حميد" كابن عيينة وعبيد الله بن عمر، "عنه" أي: حميد، "فإنها في سائر الموطآت" المروية "عن" الإمام "مالك" عن حميد، عن أن: "صليت" لفظ الموطأ، قال: قمت "وراء أبي بكر وعمر وعثمان".
قال الباجي: أي وقفت مستقبل القبلة القيام المعتاد في الصلاة على رجليه جميعا، فيقرنهما ولا يحركهما، "فكلهم كان لا يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ " إذا افتتح الصلاة.
قال ابن عبد البر: هكذا في الموطأ عند جماعة رواته فيما علمت موقوفا، "لا ذكر للنبي ﷺ فيه، وكذا الذي عند سائر" أي باقي "أصحاب حميد عنه إنما هو في الوقف خاصة، وبه صرح" يحيى "بن معين عن ابن أبي عدي" محمد بن إبراهيم البصري، ثقة، من رجال الجميع، "حيث قال: إن حميدًا كان إذا رواه عن أنس" بلا واسطة "لم يرفعه، وإذا قال فيه: عن قتادة عن أنس رفعه, وأما رواية قتادة، وهي من رواية الوليد بن مسلم وغيره عن الأوزاعي" عبد الرحمن بن عمرو "أن قتادة كتب إليه" أي: إلى الأوزاعي "أن أنسا حدثه" أي: قتادة "قال: صليت" خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، فكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "فذكره" عقب هذا "بلفظ: لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، لا في أول قراءة ولا في آخرها" أخرجه مسلم، "فلم يتفق أصحابه عنه على هذا اللفظ، بل أكثرهم لا ذكرстр. 4750
اللفظ، بل أكثرهم لا ذكر عندهم للنفي فيه، وجماعة منهم بلفظ: فلم يكونوا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ .
وممن اختلف عليه فيه أصحابه شعبة، فجماعة منهم "غندر" لا ذكر عندهم للنفي عنه، وأبو داود الطيالسي فقط حسبما وقع من طريق غير واحد عنه بلفظ: فلم يكونوا يفتتحون القراءة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وهي موافقة للأوزاعي.
وأبو عمر الدوري وكذا الطيالسي وغندر بلفظ: فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ .
بل كذا اختلف غير قتادة من أصحاب أنس، كإسحاق بن أبي طلحة وثابت البناني باختلاف عليهما، ومالك بن دينار ثلاثتهم عن أنس بدون نفي، وإسحاق وثابت أيضا ومنصور بن زاذان وأبو قلابة وأبو نعامة كلهم عنه باللفظ النافي للجهر خاصة. ولفظ إسحاق منهم: يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
الحواشي
(١) عندهم للنفي فيه", ويقتصرون على: فكانوا يفتتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، "وجماعة منهم" يروونه، "بلفظ: فلم يكونوا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فيأتي احتمال أنهم كانوا يسرون بها، "وممن اختلف عليه فيه أصحابه شعبة" بن الحجاج راوي الحديث عن قتادة عن أنس، "فجماعة منهم غندر" لقب لمحمد بن جعفر في إحدى الروايتين، عنه: "لا ذكر عندهم للنفي عنه وأبو داود" سليمان بن داود بن الجارود "الطيالسي فقط حسبما وقع من طريق غير واحد، عنه، بلفظ: فلم يكونوا يفتتحون القراءة بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، وهي موافقة للأوزاعي، و" رواه "أبو عمر" حفص بن عمر بن عبد العزيز "الدوري" شيخ البخاري، "وكذا الطيالسي" أبو داود "وغندر" محمد بن جعفر في الرواية الثانية، عنه "بلفظ: فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، بل كذا اختلف" فيه "غير قتادة من أصحاب أنس، كإسحاق" بن عبد الله "بن أبي طلحة" الأنصاري نسبة إلى جده "وثابت البناني"، "بضم الموحدة ونونين بينهما ألف"، "باختلاف عليهما ومالك بن دينار، ثلاثتهم عن أنس بدون نفي، وإسحاق وثابت أيضا" في الرواية الثانية عنهما، "ومنصور بن زاذان"، "بزاي فألف فذال معجمة" الواسطي، الثقفي، ثقة، ثبت، عابد، "وأبو قلابة"، "بكسر القاف والتخفيف" عبد الله بن زيد الجرمي "وأبو نعامة"، "بنون ومهملة" قيس بن عباية "بفتح المهملة وخفة الموحدة فألف فتحتية"، "كلهم عنه" أي: أنس "باللفظ النافي للجهر خاص، ولفظ: إسحاق منهم يفتتحون القراءةстр. 4751
وحينئذ فطريق الجمع بين هذه الروايات -كما قال شيخنا، يعني شيخ الإسلام ابن حجر- ممكن بحمل نفي القراءة على نفي السماع، على نفي الجهر. ويؤيده: أن لفظ رواية منصور بن زاذان: فلم يسمعنا قراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ . وأصرح من ذلك رواية الحسن عن أنس -عند ابن خزيمة- بلفظ كانوا يسرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ .
وبهذا الجمع زالت دعوى الاضطراب.
كما أنه ظهر أن الأوزاعي -الذي رواه عن قتادة مكاتبة مع كون قتادة ولد أكمه، وكاتبه مجهول لعدم تسميته- لم ينفرد به، وحينئذ فيجاب عن قول أنس: "لا أحفظه" بأن المثبت مقدم على النافي، خصوصا وقد تضمن النفي عدم استحضار أنس لأهم شيء يستحضر. وبإمكان نسيانه حين سؤال أبي مسلمة له وتذكره له بعد، فإنه ثبت أن قتادة أيضا سأله: أيقرأ الرجل في الصلاة ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ ؟ فقال: صليت وراء رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر فلم أسمع أحدا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ .
ويحتاج إذا استقر محصل حديث أنس على نفي الجهر إلى دليل له، وإن
الحواشي
(١) بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ " يعني: في إحدى الروايتين عن إسحاق كما قدمه، "وحينئذ فطريق الجمع بين هذه الرويات، كما قال شيخنا، يعني" السخاوي "شيخ الإسلام ابن حجر" في فتح الباري: "ممكن بحمل نفي القراءة على نفي السماع على نفي الجهر، ويؤيده أن لفظ رواية منصور بن زاذان: فلم يسمعنا قراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ .
"وأصرح من ذلك رواية الحسن عن أنس عند ابن خزيمة، بلفظ: كانوا يسرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، "وبهذا الجمع زالت دعوى الاضطراب" لفظ الفتح فاندفع بهذا تعليل من أعله بالاضطراب كابن عبد البر، لأن الجمع إذا أمكن تعين المصير إليه، "كما أنه ظهر أن الأوزاعي الذي رواه عن قتادة مكاتبة مع كون قتادة ولد أكمه وكاتبه مجهول لعدم تسميته، لكن لم ينفرد به" الأوزاعي، بل تابعه جماعة عن قتادة، "وحينئذ فيجاب عن قول أنس: لا أحفظه، بأن المثبت مقدم على النافي خصوصا، وقد تضمن النفي عدم استحضار أنس لأهم شيء يستحضره، وبإمكان نسيانه حين سؤال أبي مسلمة له وتذكره له بعد، فإنه ثبت أن قتادة أيضا سأله" أي أنسا: "أيقرأ الرجل في الصلاة ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ ؟ فقال: صليت وراء رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر" وعثمان "فلم أسمع أحدا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ " فظهر أن سؤال أبي مسلمة وقتادة سواء خلافا لدعوى أبي شامة كما قدمته، "ويحتاج إذ استقر محصلстр. 4752
لم يكن من مباحثنا.
وقد ذكر له الشارح دليلا، وأرشد شيخنا -يعني الحافظ ابن حجر- لما يؤخذ منه ذلك.
بل قال: إن قول نعيم المجمر ثم "صليت وراء أبي هريرة فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ ، وقال الناس: آمين، وكان كلما سجد وإذا قام من الجلوس في الاثنتين يقول: الله أكبر، ويقول
الحواشي
(١) حديث أنس على نفي الجهر إلى دليل له وإن لم يكن من مباحثنا" يعني: في مصطلح الحديث إذ بحثهم هنا إنما هو في التعليل، وفي فتح الباري بعد رده دعوى أبي شامة، وجمعه بين جواب أنس لأبي مسلمة وقتادة بأنه أجاب قتادة بالحكم دون أبي مسلمة، أو قاله لهما معا، فحفظه قتادة دونه، فإنه أحفظ منه بلا نزاع، وإذا انتهى البحث بنا إلى أن محصل نفي الجهر بالبسملة رواية أنس على ما ظهر من طريق الجمع بين مختلف الروايات عنه، فمتى وجدت رواية فيها إثبات الجهر قدمت على نفيه لا لمجرد تقديم رواية المثبت على النافي، لأن أنسا يبعد جدا أن يصحب النبي ﷺ مدة عشر سنين، ثم يصحب أبا بكر وعمر وعثمان خمسا وعشرين سنة، فلا يسمع منهم الجهر بها في صلاة واحدة، بل لكون أنس اعترف أنه لا يحفظ هذا الحكم كأنه لبعد عهده به، ثم تذكر منه الجزم بالافتتاح بالحمد جهرا، ولم يستحضر الجهر بالبسملة، فيتعين الأخذ بحديث من أثبت الجهر. ا. هـ. فسبحان الله تؤدي حمية العصبية إلى دعوى مثل هذا في أنس بمجرد انفراد أبي مسلمة بقوله عنه: لا أحفظ ما سألتني عنه، ويقدم على روايات غيره، وينسى قوله قبله بأسطر قليلة، أو قاله لهما معا، فحفظه قتادة دون أبي مسلمة، فإنه أحفظ من أبي مسلمة بلا نزاع، ثم بعد هذا التعسف الرائد غاية ما فيه نفي دلالة الحديث على نفي البسملة لا على ثبوتها، إذ الاحتمال قائم مع ما لزم على ذلك التعسف من جره إلى إثبات القرآن بخبر الآحاد وهو لا يثبت به.
"وقد ذكر له الشارح" للألفية مصنفها العراقي "دليلا" فقال: "وأرشد شيخنا، يعني الحافظ ابن حجر لما يؤخذ منه ذلك، بل قال: إن قول نعيم"، "بضم النون" ابن عبد الله المدني مولى آل عمر "المجمر"، "بسكون الجيم وضم الميم الأولى وكسر الثانية" صفة لنعيم، ولأبيه, لأن كلا منهما كان يجمر، أي: يبخر المسجد، "ثم صليت وراء أبي هريرة، فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم قرأ بأم القرآن" فيه دليل ظاهر على أن البسملة ليست من أم القرآن "حتى بلغ ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ سقط من المصنف أو نساخه، فقال: آمين: "وقال الناس: آمين، وكان كلما سجد وإذا قام من الجلوس في الاثنتين" أي: الركعتين الأوليين بعد التشهد الأولстр. 4753
إذا سلم: "والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ " أصح حديث ورد فيه، ولا علة له.
وممن صححه ابن خزيمة وابن حبان، ورواه النسائي والحاكم، وقد بوب عليه النسائي: الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ .
ولكن تعقب الاستدلال به، لاحتمال أن يكون أبو هريرة أراد بقوله: "أشبهكم" في معظم الصلاة لا في جميع أجزائها، لا سيما وقد رواه عنه جماعة غير نعيم بدون ذكر البسملة.
وأجيب: بأن نعيما ثقة، فزيادته مقبولة، والخبر ظاهر في جميع الأجزاء فيحمل على عمومه حتى يثبت دليل يخصه. ومع ذلك فيطرقه احتمال أن يكون سماع نعيم لها من أبي هريرة حال مخافتته لقربه منه. وقد قال الإمام فخر الدين الرازي في تصنيف له في الفاتحة روى الشافعي بإسناده أن معاوية قدم المدينة
الحواشي
(١) "يقول: الله أكبر، ويقول إذا سلم: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ ". وخبر قوله أن قول نعيم هو "أصح حديث ورد فيه ولا علة له، وممن صححه ابن خزيمة وابن حبان، ورواه النسائي والحاكم" والسراج وغيرهم، "وقد بوب عليه النسائي الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ".
ولكن تعقب الاستدلال به لاحتمال أن يكون أبو هريرة أراد بقوله: أشبهكم في معظم الصلاة لا في جميع أجزائها، لا سيما وقد رواه عنه" أي: أبي هريرة "جماعة غير نعيم بدون ذكر البسملة" في الصحيحين وغيرهما، فيقدم على رواية الواحد.
"وأجيب" عن الثاني: "بأن نعيما ثقة، فزيادته مقبولة"، ورد بأن محل قبول زيادة الثقة ما لم يكن من لم يزد أوثق وأكثر عدا، كما قيده به ابن عبد البر وغيره وهو هنا، كذلك وأجيب عن الأول بقوله: "والخبر ظاهر في جميع الأجزاء، فيحمل على عمومه حتى يثبت دليل يخصه" وجوابه أن مادة الجواب يكفي فيها الاحتمال، وهو قائم بخلاف مادة النقض، فلا بد من التحقق، تم إلى هنا كلام الحافظ في الفتح وما بعده زيادة من السخاوي وهو: "ومع ذلك"، أي: كون زيادة الثقة مقبولة، "فيطرقه احتمال أن يكون سماع نعيم لها" أي: البسملة "من أبي هريرة" حصل "حال مخافتته،" أي: إسراره "لقربه منه" يعني: فلا يخالف رواية الجماعة عنه بدون البسملة، لكن يدفع هذا الاحتمال ما يأتي أن أبا هريرة كان يرى الجهر بها.
"وقد قال الإمام فخر الدين الرازي في تصنيف له في الفاتحة: روى الشافعي بإسنادهстр. 4754
فصلى بهم ولم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، ولم يكبر عنده الخفض إلى الركوع والسجود، فلما سلم ناداه المهاجرون والأنصار: يا معاوية سرقت الصلاة، أين ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، أين التكبير عند الركوع والسجود، فأعاد الصلاة مع التسمية والتكبير. ثم قال الشافعي: وكان معاوية سلطانا عظيم القوة شديد الشوكة، فلولا أن الجهر بالتسمية والتكبير كان الأمر المتقرر عند كل الصحابة من المهاجرين والأنصار لما قدروا على إظهار الإنكار عليه بسبب قوته. انتهى.
وهو حديث حسن أخرجه الحاكم في صحيحه والدارقطني وقال: إن رجاله ثقات.
ثم قال الإمام بعد: وقد بينا أن هذا -يعني الإنكار المتقدم- يدل على أن الجهر بهذه الكلمة كالأمر المتواتر فيما بينهم.
الحواشي
(١) أن معاوية" بن أبي سفيان "قدم المدينة" في خلافته، "فصلى بهم ولم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، ولم يكبر عند الخفض إلى الركوع والسجود، فلما سلم ناداه المهاجرون والأنصار" أي: الحاضرون منهم ساعتئذ: "يا معاوية سرقت الصلاة" أي: نقصت منها شيئا، وفي نسخة أسرقت بالاستفهام وعدمه أظهر هنا، لأنه توبيخ له فيما فعله، "أين ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ؟ أين التكبير عند الركوع والسجود؟، فأعاد الصلاة مع التسمية والتكبير"؛ لأنه مجتهد، فأداه اجتهاده إلى موافقتهم حينئذ، "ثم قال الشافعي" بعد روايته هذه القصة: "وكان معاوية سلطانا عظيم القوة شديد الشوكة، فلولا أن الجهر بالتسمية والتكبير كان الأمر المتقرر عند كل الصحابة من المهاجرين والأنصار لما قدروا على إظهار الإنكار عليه بسبب قوته. انتهى" كلام الرازي.
ولا دليل في القصة لما ذكر، إذ المسألة ذات خلاف، فأنكروا عليه بمذهبهم، فأداه اجتهاده إلى موافقتهم، وأعاد الصلاة دفعا لما قد يحصل مما يؤدي إلى التقاطع، خصوصا وهو يريد أن يزيل ما في نفوسهم له، إذ كان بعد الحروب الواقعة له معهم في صفين، "وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم في صحيحه" يعني: المستدرك "والدارقطني، وقال: إن رجاله ثقات" لكنه ليس بمرفوع كما ترى، "ثم قال الإمام" الرازي "بعد"، "بضم الدال"، "وقد بينا أن هذا يعني الإنكار المتقدم" على معاوية "يدل على أن الجهر بهذه الكلمة" أي: البسملة "كالأمر المتواتر فيما بينهم" لكن تركه، أي الجهر لا يلزم منه بطلان الصلاة، إذ هو سنة، فإعادة معاوية والجماعة الصلاة لا يقول بها المستدلون بهذه القصة.стр. 4755
وكذا قال الترمذي عقب إيراده، بعد أن ترجم بالجهر بالبسملة حديث معتمر بن سليمان عن إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان عن أبي خالد الوالبي الكوفي عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يفتتح صلاته بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ .
ووافقه على تخريجه الدارقطني، وأبو داود وضعفه، بل وقال الترمذي: ليس إسناده بذاك. والبيهقي في المعرفة، واستشهد له بحديث سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يمد بها صوته. الحديث، وهو عند الحاكم في مستدركه أيضا، ما نصه:
وقد قال بهذا عدة من أهل العلم من أصحاب رسول الله منهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن الزبير، ومن بعدهم من التابعين رأوا الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، وبه يقول الشافعي. انتهى.
وقال الشيخ أبو أمامة بن النقاش: والذي يروم تحقيق هذه المسألة ينبغي أن
الحواشي
(١) "وكذا قال الترمذي عقب إيراده بعد أن ترجم بالجهر بالبسملة حديث" مفعول إيراده "معتمر بن سليمان" التيمي البصري "عن إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان" الأشعري، مولاهم الكوفي، صدوق، "عن أبي خالد الوالبي"، "بلام مكسورة فموحدة"، "الكوفي" اسمه هرمز، ويقال: هرم.
"عن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ يفتتح صلاته بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ووافقه" أي: الترمذي "على تخريجه الدارقطني وأبو داود وضعفه، بل وقال الترمذي" نفسه الذي ترجم عليه بذلك "ليس إسناده بذاك" أي: لا يحتج به لضعفه، "و" رواه "البيهقي في المعرفة، واستشهد له بحديث سالم" بن عبد الله "الأفطس" الأموي، مولاهم الحراني، ثقة، رمي بالإرجاء.
"عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يمد بها صوته. الحديث، وهو عند الحاكم في مستدركه أيضا ما نصه" مقول قوله وكذا قال الترمذي: وما بين ذلك اعتراض، "وقد قال بهذا عدة" أي: جماعة "من أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم: أبو هريرة وابن عمر وابن الزبير ومن بعدهم من التابعين رأوا الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، وبه يقول الشافعي" أي: باستحباب الجهر بها. "انتهى" كلام شارح الألفية.
"وقال الشيخ أبو أمامة بن النقاش: والذي يروم تحقيق هذه المسألة" بحثه عنها،стр. 4756
يعرف أن هذه المسألة بعلم القراءات أمس، وذلك أن من القراء الذين صحت قراءتهم وتواترت عن النبي ﷺ من كان يقرأ بها آية من الفاتحة منهم عاصم وحمزة والكسائي وابن كثير وغيرهم من الصحابة والتابعين، ومنهم من لا يعدها آية من الفاتحة كابن عامر، وأبي عمرو، ونافع في رواية عنه.
وحكم قراءتها في الصلاة حكم قراءتها خارجها، فمن قرأ على قراءة من جعلها من أم القرآن، لزمه فرضا أن يقرأ بها. ومن قرأ على قراءة من لم يرها من أم
الحواشي
(١) "ينبغي أن يعرف أن هذه المسألة بعلم القراءات أمس" من بحثه عنها في الأحاديث، لأنها آحاد فلا يتمسك بها هنا، إذ القرآن لا يثبت إلا بالقطع، حتى قيل: إن كان الحق الثبوت، فالنافي أسقط آية، وإن كان النفي، فالمثبت زاد آية، والزيادة والنقص في القرآن كفر، لكن قال ابن الحاجب: قوة الشبهة من الجانبين منعت من التكفير، "وذلك أن من القراء الذين صحت قراءتهم وتواترت عن النبي ﷺ ، منهم من كان يقرأ بها آية من الفاتحة، منهم عاصم" بن بهدلة وهو ابن أبي النجود "بنون وجيم" الأسدي، مولاهم الكوفي، أبو بكر المقرئ، صدوق في الحديث، له أوهام وهو حجة في القراءة، روى له الستة، لكن حديثه في الصحيحين مقرون، مات سنة ثمان وعشرين ومائة، "وحمزة" بن حبيب الزيات القارئ أبو عمارة الكوفي، التميمي، مولاهم صدوق، زاهد، ولد سنة ثمانين ومات سنة ست أو ثمان وخمسين ومائة، روى له مسلم والأربعة، "والكسائي" علي أبو الحسن المشهور "وابن كثير" عبد الله الداري المكي أبو سعيد القارئ، أحد الأئمة، صدوق، مات سنة عشرين ومائة، "وغيرهم من الصحابة والتابعين، ومنهم من لا يعدها آية من الفاتحة، كابن عمر" عبد الله بن عامر بن يزيد الدمشقي، المقرئ تابعي، ثقة، روى له مسلم والترمذي، مات سنة ثماني عشرة ومائة وله سبع وتسعون سنة على الصحيح، "وأبي عمرو" بن العلاء بن عمار بن العريان المازني، النحوي، اسمه زيان على الأشهر، أو العريان، وهو الأصح عند الصولي، مات سنة أربع وخمسين ومائة، "ونافع" بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني، وقد ينسب لجده، صدوق في الحديث، ثبت في القراءة، مات سنة تسع وستين ومائة "في رواية عنه" وهي رواية ورش، وروى عنه قالون إثباتها قال السيوطي: فدل على أن القراءتين تواترتا عنده فقرأ بهما معا كل بأسانيد متواترة وقد قرأ نصف القراء السبعة بإثباتها، ونصفهم بحذفها، فمن قرأ بها فهي متواترة في حرفه إليه، ثم منه إلينا، ومن قرأ بحذفها، فحذفها في حرفه متواتر إليه، ثم منه إلينا، "وحكم قراءتها في الصلاة حكم قراءتها خارجها، فمن قرأ على قراءة من جعلها من أم القرآن، لزمه فرضا أن يقرأ بها" في الصلاة "ومن قرأ على قراءة من لم يرها من أم القرآن، فهو مخير بين القراءة والترك" بمعنى: أن قراءتها لا تبطل الصلاة،стр. 4757
القرآن فهو مخير بين القراءة والترك.
فحينئذ الخلاف فيها كالخلاف في حرف من حروف القرآن، وكلا القولين صحيح ثابت لا مطعن على مثبته ولا على منفيه.
ولا ريب أن النبي ﷺ تارة قرأها، وتارة لم يقرأها، هذا هو الإنصاف.
ثم قال: والمتيقن الذي يجب المصير إليه، أن كلا من القولين ثابت، لأنه لا يختلف اثنان من أهل الإسلام أن هذه القراءات السبع كلها حق مقطوع بها من عند الله، وليست هذه أول كلمة ولا أول حرف اختلف في إثباته وحذفه، وقل سورة في القرآن ليس فيها ذلك، كلفظ "هو" في سورة الحديد ﴿هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ولفظ، "من" في سورة التوبة، في قوله: "جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ"، وألفات عديدة وواوات، وهاءات كذلك، وكل هذا من نتيجة كون القرآن أنزل على سبعة أحرف، وهذا هو الذي يدل على بطلان قول من لم يجعلها من الفاتحة لموضع اختلاف الناس، وقوله: "إن الاختلاف لا يثبت معه قرآن، فما
الحواشي
(١) فلا ينافي أن مشهور مذهب مالك كراهتها في صلاة الفرض، "فيحنئذ الخلاف فيها كالخلاف في حرف من حروف القرآن وكلا القولين صحيح ثابت لا مطعن على مثبته، ولا على منفيه" عبر به للمشاكلة، وإلا فالظاهر نافيه، قال القاموس: نفاه ينفيه، وينفوه، عن أبي حيان: نحاه فنفي هو وانتفى تنحى، "ولا ريب أن النبي ﷺ تارة قرأها، وتارة لم يقرأها، هذا هو الإنصاف" ويؤيده ما جاء عن ابن عباس، قال: نزلت الفاتحة مرة بمكة ومرة بالمدينة ببسملة في واحدة وبدونها في الأخرى، "ثم قال" أبو أمامة: "والمتيقن" وفي نسخة: والمستيقن بسين التأكيد لا الطلب، وحذفها ظاهر "الذي يجب المصير إليه أن كلا من القولين ثابت، لأنه لا يختلف اثنان من أهل الإسلام أن هذه القراءات السبع كلها حق مقطوع بها من عند الله" نزلت على النبي ﷺ "وليست هذه" أي: البسملة "أول كلمة ولا أول حرف اختلف في إثباته وحذفه، وقل سورة في القرآن ليس فيه ذلك، كلفظ: هو في سورة الحديد ﴿هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ بيان لما في السورة، فإن بعضهم قرأ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ، ومنهم من قرأ بحذف هو، "ولفظ "من" في سورة التوبة" براءة، "في قوله: "جَنَّاتٍ تَجْرِي من تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ", فإنها قراءة ابن كثير وقراءة غيره بدون من، "وألفات عديدة وواوات وهاءات كذلك" قرئ بإثباتها ونفيها في السبع، "وكل هذا من نتيجة كون القرآن أنزل على سبعة أحرف، وهذا هو الذي يدل على بطلان قول من لم يجعلها من الفاتحة لموضع اختلافстр. 4758
أدري ما هذا الظن.
وهذا الذي ذكرناه هو الذي يريحك من تلك الضرورات من الحالتين.
ثم قال: ولا ريب أن الواقع من النبي ﷺ كلا الأمرين، الجهر والإسرار، فجهر وأسر، غير أن إسراره كان أكثر من جهره، وقد صح في الجهر أحاديث، لا مطعن فيها لمنصف نحو ثلاثة أحاديث، كما أنه قد صح في الإسرار بها أحاديث لا مطعن فيها لعار من العصبية، ولا يلتفت لمن يقول: إن الواقع من النبي ﷺ كان الجهر فقط. انتهى.
وقيل لبعض العارفين: بماذا ترى ظهر الإمام الشافعي وغلب ذكره؟ فقال: أرى ذلك لإظهار البسملة لكل صلاة.
الحواشي
(١) الناس، وقوله" بالجر عطف على بطلان، "إن الاختلاف لا يثبت معه قرآن" لأن شرطه الاتفاق، وهذا إشارة إلى قول أبي بكر بن العربي: يكفيك أنها ليست من الفاتحة اختلاف الناس فيها، والقرآن لا يختلف فيه.
"فما أدري ما هذا الظن" لثبوت القراءة المتواترة بالوجهين، "وهذا الذي ذكرناه هو الذي يريحك من تلك الضرورات من الحالتين" من أن القرآن لا يثبت بالظن ولا ينفى بالظن، "ثم قال: ولا ريب أن الواقع من النبي ﷺ كلا الأمرين: الجهر والإسرار" وترك القراءة بها أصلا، كما صرح به أولا بقوله: وتارة لم يقرأها "فجهر وأسر، غير أن إسراره كان أكثر من جهره" وكذا خلفاؤه، "وقد صح في الجهر أحاديث لا مطعن فيها لمنصف، نحو: ثلاثة أحاديث، كما أنه قد صح في الإسرار بها أحاديث لا مطعن فيها لعار" أي: خال "من المعصية، ولا يلتفت لمن يقول: إن الواقع من النبي ﷺ كان الجهر فقط،" لأنه خلاف الواقع. "انتهى" كلام أبي أمامة.
وذكره بنحوه الحافظ ابن حجر، كما نقله عنه تلميذه البقاعي في معجمه وأشار إليه باختصار أستاذ القراء المتأخرين الشمس ابن الجزري.
"وقيل لبعض العارفين: بماذا ترى ظهر الإمام الشافعي وغلب ذكره، فقال: أرى ذلك لإظهار البسملة لكل صلاة" وعلوم الشافعي وعباداته وورعه وتقواه أجل من أن يقصر سبب ظهوره على إظهار مسألة مختلف فيها قديما وحديثا، بل قصره عليها كالتنقيص له، والله أعلم.стр. 4759
الفرع الثالث: في قراءته الفاتحة وقوله آمين بعدها
كان ﷺ إذا قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال: "آمين". ومد بها صوته، وفي رواية: وخفض بها صوته، رواه الترمذي.
وفي رواية أبي داود: ورفع بها صوته، وفي رواية له: جهر بآمين.
وقال ابن شهاب: وكان ﷺ إذ قال: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ جهر بآمين، أخرجه السراج.
وهو ضعيف ولابن حبان من رواية الزبيدي عن ابن شهاب: كان إذا فرغ من قراءة أم القرآن، رفع صوته وقال: آمين.
الحواشي
(١) "الفرع الثالث: في قراءته الفاتحة، وقوله: آمين بعدها" معناه: اللهم استجب عند الجمهور، وقيل: غير ذلك مما يرجع جميعه إلى هذا المعنى، كما بسطه في الفتح "كان ﷺ إذا قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال: "آمين". ومد" أي: رفع "بها صوته".
"وفي رواية: وخفض بها صوته" ولو صحت لأمكن الجمع بينهما بأنه كان يجهر في الجهرية ويخفض في السرية، كما هو المندوب عند الشافعية، لكن خطأ البخاري رواية خفض بها صوته "رواه الترمذي" أي: ما ذكر من الروايتين.
"وفي رواية أبي داود: ورفع بها صوته" وهي مبينة لرواية مد بها، "وفي رواية له جهر بآمين، وقال ابن شهاب" محمد بن مسلم: "وكان ﷺ إذا قال: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ جهر بآمين، أخرجه السراج" بشد الراء نسبة إلى عمل السروج أبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم الثقفي، مولاهم النيسابوري الحافظ الإمام الثقة، روى عن إسحاق بن راهويه وغيره، وعنه الشيخان وغيرهما، مات في ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة عن بعض وستين سنة، وهذا أخرجه السراج من رواية روح بن عبادة عن مالك عن ابن شهاب بهذا اللفظ وهو في الموطأ والصحيحين، بلفظ: قال ابن شهاب: وكان ﷺ يقول: "آمين". لم يقل: يجهر، فرواية روح شاذة، ثم هو مرسل وقد وصله حفص بن عمر العدني، عن مالك عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أخرجه الدارقطني وقال: تفرد به حفص "وهو ضعيف، ولابن حبان من رواية الزبيدي"، "بضم الزاي بعدها موحدة" محمد بن الوليد الحمصي، ثقة، ثبت، من كبار أصحاب الزهري، مات سنة بضع وأربعين ومائة.
"عن ابن شهاب: كان إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته وقال": "آمين" مرة واحدة،стр. 4760
وللحميدي من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة نحوه بلفظ: إذا قال: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ .
ولأبي داود، وصححه ابن حبان من حديث وائل بن حجر نحو رواية الزبيدي.
وفيه رد على من أومأ إلى النسخ فقال: إنما كان ﷺ يجهل بالتأمين في ابتداء الإسلام ليعلمهم، فإن وائل بن حجر إنما أسلم في أواخر الأمر.
الفرع الرابع: في ذكر قراءته بعد الفاتحة في صلاة الغداة
عن أبي برزة: كان ﷺ يقرأ في صلاة الغداة ما بين الستين إلى المائة. رواه
الحواشي
(١) وفي رواية: ثلاث مرات.
قال الحافظ: الظاهر أنه يعني أنه رآه في ثلاث صلوات، فعل ذلك لا أنه ثلث التأمين، "وللحميدي من طريق سعيد" بن أبي سعيد كيسان "المقبري"، "بفتح الموحدة وضمها"، "عن أبي هريرة نحوه، بلفظ: إذا قال ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ ولأبي داود من طريق أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة، عن أبي هريرة مثله، وزاد: حتى يسمع من يليه من الصف الأول، "ولأبي داود: وصححه ابن حبان من حديث وائل بن حجر"، "بضم المهملة وسكون الجيم" ابن سعد الحضرمي، صحابي جليل، وكان من ملوك اليمن، ثم سكن الكوفة ومات زمن معاوية "نحو رواية الزبيدي", فاعتضد مرسل الزهري بمسند أبي هريرة ووائل، "وفيه رد على من أومأ إلى النسخ، فقال: إنما كان ﷺ يجهر بالتأمين في ابتداء الإسلام ليعلمهم، فإن وائل بن حجر إنما أسلم في أواخر الأمر" وأجيب: بأنه كان يجهر أحيانا لبيان الجواز.
"الفرع الرابع: في ذكر قراءته بعد الفاتحة في صلاة الغداة" أي الصبح "عن أبي برزة" بفتح الموحدة فراء ساكنة فزاي مفتوحة فهاء، الأسلمي نضله، بنون مفتوحة فضاد معجمة ساكنة، فلام ابن عبيد، بضم العين: صحابي مشهور بكنيته، أسلم قبل الفتح وغزا سبع غزوات، ثم نزل البصرة وغزا خراسان، ومات بها سنة خمس وستين على الصحيح، قال: "كان صلى الله عليه سلم يقرأ في صلاة الغداة ما بين الستين إلى المائة" من الآيات، وقدرها في رواية الطبراني بالحاقة ونحوها، ولمسلم، أنه ﷺ قرأ فيها بالصافات، وللحاكم بالواقعة، وللسراج بسند صحيح بأقصر سورتين في القرآن، وهذا الاختلاف وغيره يرجع إلى اختلاف الأحوال.
قال الكرماني: القياس أن يقول ما بين الستين والمائة، لأن لفظ بين يقتضي الدخول علىстр. 4761
النسائي.
وعن عمرو بن حريث: أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الفجر ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] .
وعن جابر بن سمرة قال كان ﷺ يقرأ في الفجر بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] ونحوها، وكانت قراءته بعد تخفيفا. رواه مسلم.
وعن عبد الله بن السائب قال: صلى ﷺ الصبح بمكة، فاستفتح سورة المؤمنين، حتى جاء ذكر موسى وهارون، أو ذكر عيسى -شك الراوي، أو اختلف عليه-
الحواشي
(١) متعدد، ويحتمل أن التقدير بين الستين وفوقها، فحذف لفظ فوقها لدلالة الكلام عليه، "رواه النسائي" فيه تقصير كبير، فقد رواه الشيخان معا عن أبي برزة بهذا اللفظ، ولعله أراد أن يكتب، رواه البخاري فطغى عليه القلم.
"وعن عمرو"، "بفتح العين"، "ابن حريث"، "بضم المهملة ومثلثة" ابن عمرو القرشي، المخزومي، صحابي صغير مات سنة خمس وثمانين "أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الفجر" أي: الصبح، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ " أقبل بظلامه أو أدبر، "رواه مسلم" والمراد يقرأ السورة التي منها هذه الآية، بدليل أن "رواية النسائي" عن عمرو بن حريث أنه سمعه "يقرأ في الفجر ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ لففت وذهب بنورها.
"وعن جابر بن سمرة" بن جنادة السوائي صحابي ابن صحابي، "قال: كان ﷺ يقرأ في الفجر" أي: الصبح "بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيد﴾ " ونحوها، كالنجم وتبارك، "وكانت قراءته بعد" بموحدة وضم الدال، أي: بعد ذلك "تخفيفا، رواه مسلم" قال الأبي: ليس معناه أنه صار بعد ذلك يخفف، بل ظاهره أن ﴿ق﴾ من التخفيف، فالمعنى: ثم استمر على نحو ذلك من التخفيف، ويشهد لذلك قوله في الرواية الأخرى: كان يخفف يقرأ في الفجر بـ ﴿ق﴾ . ا. هـ. وصحف من قرأه بفوقية من العد، وقال: أي: لا تطويلا وإن أطالها، لأنه ﷺ كان أحسن الناس صوتا وأصدقهم قلبا، فقراءته يوقع سماعها في قلوب الناس رغبة.
"وعن عبد الله بن السائب" القرشي، المخزومي المكي، له ولأبيه صحبة، وكان قارئ أهل مكة، مات سنة بضع وستين، "قال: صلى" بنا النبي " ﷺ الصبح بمكة" زاد في رواية النسائي في فتح مكة، "فاستفتح سورة المؤمنين" وفي نسحة: المؤمنون، وكلاهما صحيح "حتى جاء ذكر موسى وهارون" أي: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٥]стр. 4762
أخذت النبي ﷺ سعلة فركع. الحديث رواه مسلم.
قال النووي: فيه جواز قطع القراءة، وجواز القراءة ببعض السورة. وكرهه مالك.
وتعقب: بأن الذي كرهه مالك أن يقتصر على بعض السورة مختارا، والمستدل به ظاهر في أنه كان للضرورة فلا يرد عليه. وكذا يرد على من استدل به على أنه لا يكره قراءة بعض الآية أخذا من قوله: حتى جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى، لأن كل من الموضعين يقع في وسط آية، نعم الكراهة لا تثبت إلا بدليل.
الحواشي
(١) "أو ذكر عيسى" أي: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً﴾ "شك الراوي" محمد بن عباد بن جعفر راوي الحديث، عن رجال ثلاثة, عن عبد الله بن السائب كما في مسلم، "أو اختلف عليه" من رواته، فمنهم من قال: موسى وهارون، ومنهم من قال: عيسى "أخذت النبي ﷺ سعلة" بفتح السين وسكون العين المهملتين من السعال، ويجوز ضم السين، ولابن ماجه: فلما بلغ ذكر عيسى وأمه أخذته سعلة، أو قال: شهقة.
وفي رواية له: أخذته شرقة "بمعجمة وراء وقاف" "فركع، الحديث رواه مسلم" وغيره، وعلقه البخاري بلفظ يذكر لاختلاف في إسناده وإن لم يقدح.
"قال النووي: فيه جواز قطع القراءة،" بل قال في الفتح يؤخذ منه أن قطع القراءة لعارض السعال، ونحوه أولى من التمادي في القراءة مع السعال أو التنحنح، ولو استلزم تخفيف القراءة فيما يستحب فيه تطويلها قال: وقوله في رواية مسلم، فحذف، أي ترك القراءة، وفسره بعضهم برمي النخامة الناشئة عن السعلة، والأول أظهر لقوله: فركع ولو كان أزال ما عاقه عن القراءة لتمادى فيها، "وجواز القراءة ببعض السورة" ولو اختيارا، "وكرهه مالك. ا. هـ".
"وتعقب بأن الذي كرهه مالك" كراهة تنزيه "أن يقتصر على بعض السورة مختارا، والمستدل به ظاهر في أنه كان للضرورة فلا يرد عليه، وكذا يرد على من استدل به على أنه لا يكره قراءة بعض الآية أخذا من قوله: حتى جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى، لأن كلا من الموضعين يقع في وسط آية" يعني: فيرد عليه، بأنه ظاهر في الضرورة، كما أشار إليه الحافظ بقوله: وفيه ما تقدم "نعم الكراهة لا تثبت إلا بدليل" ذكر الحافظ بعد هذا بنحو صفحة دليله، فقال: سبب الكراهة فيما يظهر أن السورة يرتبط بعضها ببعض، فأي موضع قطع فيه لم يكن كانتهائه إلى آخر السورة، فإنه إن قطع في وقف غير تام كانت الكراهة ظاهرة، وإنстр. 4763
وأدلة الجواز كثيرة: وفي حديث زيد بن ثابت أنه ﷺ قرأ الأعراف في ركعتين، وأم أبو بكر بالصحابة في صلاة الصبح بسورة البقرة قرأها في الركعتين. وهذا إجماع منهم. وقرأ ﷺ في الصبح ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ في الركعتين كلتيهما، قال الراوي: فلا أدري أنسي أم قرأ ذلك عمدا. روه أبو داود.
وكان ﷺ يقرأ في صبح يوم الجمعة ﴿الم﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى
الحواشي
(١) قطع في وقف تام فلا يخفى أنه خلاف الأولى.
وقد تقدم في الطهارة قصة الأنصاري الذي رماه العدو بسهم فلم يقطع صلاته، وقال: كنت في سورة فكرهت أن أقطعها وأقره النبي ﷺ على ذلك. ا. هـ.
"وأدلة الجواز كثيرة، وفي حديث زيد بن ثابت أنه ﷺ قرأ الأعراف في ركعتين" أي: ركعتي المغرب.
روى ابن خزيمة عن عروة، قال: قال زيد بن ثابت لمروان: إنك لتخفف القراءة في الركعتين من المغرب، فوالله لقد كان ﷺ يقرأ فيها بسورة الأعراف في الركعتين جميعا، وأصله في الصحيح: "وأم أبو بكر" الصديق "بالصحابة في صلاة الصبح بسورة البقرة قرأها في الركعتين.
أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبي بكر، "وهذا إجماع منهم" أي: الصحابة، "وقرأ ﷺ في الصبح ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ في الركعتين كلتيهما، أي: أتمها في الأولى، وأعادها في الثانية كما جاء في رواية أخرى.
"قال الراوي" يعني الصحابي وهو رجل من جهينة، "فلا أدري أنسي؟ " لأنه مخالف لعادته في أنه لا يعيد السورة في الركعة الثانية "أم قرأ ذلك عمدا؟ " لإفادة أن ذلك لا يضر في الصلاة، "رواه أبو داود" عن معاذ بن عبد الله الجهني أن رجلا من جهينة أخبره أنه سمع رسول الله ﷺ يقرأ في الصبح ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ وحاصل اختلاف الأحاديث بتطويل القراءة، وبتخفيفها يدل على السعة، وأنه لا حد, والتخفيف هو المشروع للأئمة والتطويل إنما أخذ من فعله ﷺ وقد عارضه وقضى عليه أمره بالتخفيف، وعلله بما يوجب تأويل فعله، لأنه ﷺ شرعه في معرض البيان، فيحمل تطويله على أنه لبيان الجواز، أو لأنه علم أن من وراءه ومن يدخل بعده لا يشق ذلك عليهم، ولذلك إنما فعله في بعض الأحيان، أو لأنه مأمور بتبليغ القرآن وقراءته على الناس، فحاله في ذلك مخالف لحال غيره، نقل ذلك أبو عبد الله الأبي "وكان ﷺ يقرأ في صبح الجمعة ﴿الم﴾ السجدة "بالنصب عطف بيان في الركعة الأولى"، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ في الركعة الثانية كما في رواية لمسلم في نفسстр. 4764
الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١٥] رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة.
وإنما كان يقرأهما كاملتين، وقراءة بعضها خلاف السنة. وإنما كان يقرأ بهما لما اشتملتا عليه من ذكر المبدأ والمعاد، وخلق آدم، ودخول الجنة والنار، وأحوال يوم القيامة، لأن ذلك كان يقع يوم الجمعة. ذكره ابن دحية في "العلم المشهور" وقرره تقريرا حسنا، كما أفاده الحافظ ابن حجر.
وقال: قد ورد في حديث ابن مسعود التصريح بمداومته ﷺ على قراءتها في صبح الجمعة. أخرجه الطبراني، ولفظه "يديم ذلك" وأصله في ابن ماجه لكن بدون هذه الزيادة، ورجاله ثقات، لكن صوب أبو حاتم إرساله.
قال: وكأن ابن دقيق العيد لم يقف عليه فقال في الكلام على حديث الباب: "ليس فيه ما يقتضي فعل ذلك دائما اقتضاء قويا"، وهو كما قال بالنسبة
الحواشي
(١) هذا الحديث، ويأتي مثله من حديث علي.
"رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي" كلهم "من حديث" سفيان الثوري عن سعد بن إبراهيم عن أبيه، عن الأعرج، عن "أبي هريرة" ومسلم من حديث ابن عباس مثله، وكذا ابن ماجه من حديث ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص والطبراني من حديث علي، "وإنما كان يقرأهما كاملتين" كما هو ظاهر الأحاديث "وقراءة بعضه خلاف السنة" الكاملة المطلوبة وإن كان يحصل به أصل السنة كما هو مقرر عند الشافعية، "وإنماكان يقرأ بهما" أي: حكمة تخصيصهما "لما اشتملتا عليه من ذكر المبدأ والمعاد وخلق آدم ودخول الجنة والنار وأحوال يوم القيامة، لأن ذلك كان ويقع يوم الجمعة" كذا في نسخ وفي بعضها: كائن ويقع. وفي بعضها: لأن ذلك يقع بإسقاط كان أو كائن والواو، ومعنى الأولى على التوزيع، أي: لأن بعض ذلك وهو المبدأ وخلق آدم كن، أي: وجد والباقي يقع يوم الجمعة.
"ذكره ابن دحية في العلم المشهور" اسم كتاب "وقرره تقريرا حسنا كما أفاده الحافظ ابن حجر" في فتح الباري، "وقال قد ورد" لفظه وفيه دليل على استحباب قراءة هاتين السورتين في هذه الصلاة من هذا اليوم لما تشعر به الصيغة من مواظبته ﷺ على ذلك أو إكثاره منه، بل ورد "في حديث ابن مسعود التصريح بمداومته ﷺ على قراءتها في صبح يوم الجمعة، أخرجه الطبراني، ولفظه يديم ذلك وأصله في ابن ماجه، لكن بدون هذه الزيادة ورجاله ثقات، لكن صوب أبو حاتم" الرازي "إرساله قال" أي الحافظ: "وكأن ابن دقيق العيد لم يقف عليه، فقال في الكلام على حديث الباب ليس فيه ما يقتضي فعل ذلك دائماстр. 4765
لحديث الباب، فإن الصيعة ليست نصا في المداومة، لكن الزيادة المذكورة تنص في ذلك، ولهذه الزيادة شاهد من حديث ابن عباس بلفظ: "كل جمعة" أخرجه الطبراني في الكبير.
وأما تعيين السورة للركعة فورد من حديث علي -الطبراني- بلفظ: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الركعة الأولى من صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم، تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ٢] ، وفي الركعة الثانية ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ .
وقد اختلف تعليل المالكية لكراهة قراءة السورة السجدة في الصلاة.
فقيل: لكونها تشتمل على زيادة سجود في الفرض. قال القرطبي: وهو تعليل فاسد، بشهادة هذا الحديث.
وقيل: لخشية التخليط على المصلين، ومن ثم فرق بعضهم بين الجهرية
الحواشي
(١) اقتضاء قويا" لأن كان مع المضارع لا تقتضيه على الأصح، "وهو كما قال بالنسبة لحديث الباب، فإن الصيغة ليست نصا في المداومة لكن الزيادة المذكورة تنص في ذلك" منعه شيخنا بأن الدوام يحمل على الأكثر، لأن في رواية أنه قرأ في الثانية بـ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ فليست بنص، وفي نسخة: نصا بنصبه معمول لمحذوف مثل تكون نصا، "ولهذه الزيادة شاهد من حديث ابن عباس، بلفظ: كل جمعة أخرجه الطبراني في الكبير، وأما تعيين السورة للركعة، فورد من حديث علي" بن أبي طالب "عند الطبراني" في الأوسط، بلفظ: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الركعة الأولى من صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم, تَنْزِيلُ﴾ بضم اللام على الحكاية، "وفي الركعة الثانية ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ ، وعلى المؤلف مؤاخذة لاقتضائه أن التعيين لم يقع في حديث أبي هريرة مع أنه في مسلم من طريق إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يقرأ في صبح يوم الجمعة بـ ﴿الم, تَنْزِيلُ﴾ في الركعة الأولى، وفي الثانية: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ وباستحباب ذلك قال أكثر العلماء من الصحابة والتابعين والشافعي وأحمد، وكره مالك في المدونة أن يقرأ بسورة فيها سجدة.
"وقد اختلف تعليل المالكية لكراهة قراءة السورة السجدة في الصلاة" صبح يوم الجمعة أو غيرها من بقية الصلوات جهرية أو سرية، "فقيل: لكونها تشتمل على زيادة سجود في الفرض، قال القرطبي" أبو العباس في المفهم: "وهو تعليل فاسد بشهادة هذا الحديث، وقيل: لخشية التخليط على المصلين، ومن ثم فرق بعضهم بين الجهرية" فلا كراهة،следующие страницы →