Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.
стр. 4761
النسائي.
وعن عمرو بن حريث: أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الفجر ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] .
وعن جابر بن سمرة قال كان ﷺ يقرأ في الفجر بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] ونحوها، وكانت قراءته بعد تخفيفا. رواه مسلم.
وعن عبد الله بن السائب قال: صلى ﷺ الصبح بمكة، فاستفتح سورة المؤمنين، حتى جاء ذكر موسى وهارون، أو ذكر عيسى -شك الراوي، أو اختلف عليه-
الحواشي
(١) متعدد، ويحتمل أن التقدير بين الستين وفوقها، فحذف لفظ فوقها لدلالة الكلام عليه، "رواه النسائي" فيه تقصير كبير، فقد رواه الشيخان معا عن أبي برزة بهذا اللفظ، ولعله أراد أن يكتب، رواه البخاري فطغى عليه القلم.
"وعن عمرو"، "بفتح العين"، "ابن حريث"، "بضم المهملة ومثلثة" ابن عمرو القرشي، المخزومي، صحابي صغير مات سنة خمس وثمانين "أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الفجر" أي: الصبح، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ " أقبل بظلامه أو أدبر، "رواه مسلم" والمراد يقرأ السورة التي منها هذه الآية، بدليل أن "رواية النسائي" عن عمرو بن حريث أنه سمعه "يقرأ في الفجر ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ لففت وذهب بنورها.
"وعن جابر بن سمرة" بن جنادة السوائي صحابي ابن صحابي، "قال: كان ﷺ يقرأ في الفجر" أي: الصبح "بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيد﴾ " ونحوها، كالنجم وتبارك، "وكانت قراءته بعد" بموحدة وضم الدال، أي: بعد ذلك "تخفيفا، رواه مسلم" قال الأبي: ليس معناه أنه صار بعد ذلك يخفف، بل ظاهره أن ﴿ق﴾ من التخفيف، فالمعنى: ثم استمر على نحو ذلك من التخفيف، ويشهد لذلك قوله في الرواية الأخرى: كان يخفف يقرأ في الفجر بـ ﴿ق﴾ . ا. هـ. وصحف من قرأه بفوقية من العد، وقال: أي: لا تطويلا وإن أطالها، لأنه ﷺ كان أحسن الناس صوتا وأصدقهم قلبا، فقراءته يوقع سماعها في قلوب الناس رغبة.
"وعن عبد الله بن السائب" القرشي، المخزومي المكي، له ولأبيه صحبة، وكان قارئ أهل مكة، مات سنة بضع وستين، "قال: صلى" بنا النبي " ﷺ الصبح بمكة" زاد في رواية النسائي في فتح مكة، "فاستفتح سورة المؤمنين" وفي نسحة: المؤمنون، وكلاهما صحيح "حتى جاء ذكر موسى وهارون" أي: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٥]стр. 4762
أخذت النبي ﷺ سعلة فركع. الحديث رواه مسلم.
قال النووي: فيه جواز قطع القراءة، وجواز القراءة ببعض السورة. وكرهه مالك.
وتعقب: بأن الذي كرهه مالك أن يقتصر على بعض السورة مختارا، والمستدل به ظاهر في أنه كان للضرورة فلا يرد عليه. وكذا يرد على من استدل به على أنه لا يكره قراءة بعض الآية أخذا من قوله: حتى جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى، لأن كل من الموضعين يقع في وسط آية، نعم الكراهة لا تثبت إلا بدليل.
الحواشي
(١) "أو ذكر عيسى" أي: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً﴾ "شك الراوي" محمد بن عباد بن جعفر راوي الحديث، عن رجال ثلاثة, عن عبد الله بن السائب كما في مسلم، "أو اختلف عليه" من رواته، فمنهم من قال: موسى وهارون، ومنهم من قال: عيسى "أخذت النبي ﷺ سعلة" بفتح السين وسكون العين المهملتين من السعال، ويجوز ضم السين، ولابن ماجه: فلما بلغ ذكر عيسى وأمه أخذته سعلة، أو قال: شهقة.
وفي رواية له: أخذته شرقة "بمعجمة وراء وقاف" "فركع، الحديث رواه مسلم" وغيره، وعلقه البخاري بلفظ يذكر لاختلاف في إسناده وإن لم يقدح.
"قال النووي: فيه جواز قطع القراءة،" بل قال في الفتح يؤخذ منه أن قطع القراءة لعارض السعال، ونحوه أولى من التمادي في القراءة مع السعال أو التنحنح، ولو استلزم تخفيف القراءة فيما يستحب فيه تطويلها قال: وقوله في رواية مسلم، فحذف، أي ترك القراءة، وفسره بعضهم برمي النخامة الناشئة عن السعلة، والأول أظهر لقوله: فركع ولو كان أزال ما عاقه عن القراءة لتمادى فيها، "وجواز القراءة ببعض السورة" ولو اختيارا، "وكرهه مالك. ا. هـ".
"وتعقب بأن الذي كرهه مالك" كراهة تنزيه "أن يقتصر على بعض السورة مختارا، والمستدل به ظاهر في أنه كان للضرورة فلا يرد عليه، وكذا يرد على من استدل به على أنه لا يكره قراءة بعض الآية أخذا من قوله: حتى جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى، لأن كلا من الموضعين يقع في وسط آية" يعني: فيرد عليه، بأنه ظاهر في الضرورة، كما أشار إليه الحافظ بقوله: وفيه ما تقدم "نعم الكراهة لا تثبت إلا بدليل" ذكر الحافظ بعد هذا بنحو صفحة دليله، فقال: سبب الكراهة فيما يظهر أن السورة يرتبط بعضها ببعض، فأي موضع قطع فيه لم يكن كانتهائه إلى آخر السورة، فإنه إن قطع في وقف غير تام كانت الكراهة ظاهرة، وإنстр. 4763
وأدلة الجواز كثيرة: وفي حديث زيد بن ثابت أنه ﷺ قرأ الأعراف في ركعتين، وأم أبو بكر بالصحابة في صلاة الصبح بسورة البقرة قرأها في الركعتين. وهذا إجماع منهم. وقرأ ﷺ في الصبح ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ في الركعتين كلتيهما، قال الراوي: فلا أدري أنسي أم قرأ ذلك عمدا. روه أبو داود.
وكان ﷺ يقرأ في صبح يوم الجمعة ﴿الم﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى
الحواشي
(١) قطع في وقف تام فلا يخفى أنه خلاف الأولى.
وقد تقدم في الطهارة قصة الأنصاري الذي رماه العدو بسهم فلم يقطع صلاته، وقال: كنت في سورة فكرهت أن أقطعها وأقره النبي ﷺ على ذلك. ا. هـ.
"وأدلة الجواز كثيرة، وفي حديث زيد بن ثابت أنه ﷺ قرأ الأعراف في ركعتين" أي: ركعتي المغرب.
روى ابن خزيمة عن عروة، قال: قال زيد بن ثابت لمروان: إنك لتخفف القراءة في الركعتين من المغرب، فوالله لقد كان ﷺ يقرأ فيها بسورة الأعراف في الركعتين جميعا، وأصله في الصحيح: "وأم أبو بكر" الصديق "بالصحابة في صلاة الصبح بسورة البقرة قرأها في الركعتين.
أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبي بكر، "وهذا إجماع منهم" أي: الصحابة، "وقرأ ﷺ في الصبح ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ في الركعتين كلتيهما، أي: أتمها في الأولى، وأعادها في الثانية كما جاء في رواية أخرى.
"قال الراوي" يعني الصحابي وهو رجل من جهينة، "فلا أدري أنسي؟ " لأنه مخالف لعادته في أنه لا يعيد السورة في الركعة الثانية "أم قرأ ذلك عمدا؟ " لإفادة أن ذلك لا يضر في الصلاة، "رواه أبو داود" عن معاذ بن عبد الله الجهني أن رجلا من جهينة أخبره أنه سمع رسول الله ﷺ يقرأ في الصبح ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ وحاصل اختلاف الأحاديث بتطويل القراءة، وبتخفيفها يدل على السعة، وأنه لا حد, والتخفيف هو المشروع للأئمة والتطويل إنما أخذ من فعله ﷺ وقد عارضه وقضى عليه أمره بالتخفيف، وعلله بما يوجب تأويل فعله، لأنه ﷺ شرعه في معرض البيان، فيحمل تطويله على أنه لبيان الجواز، أو لأنه علم أن من وراءه ومن يدخل بعده لا يشق ذلك عليهم، ولذلك إنما فعله في بعض الأحيان، أو لأنه مأمور بتبليغ القرآن وقراءته على الناس، فحاله في ذلك مخالف لحال غيره، نقل ذلك أبو عبد الله الأبي "وكان ﷺ يقرأ في صبح الجمعة ﴿الم﴾ السجدة "بالنصب عطف بيان في الركعة الأولى"، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ في الركعة الثانية كما في رواية لمسلم في نفسстр. 4764
الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١٥] رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة.
وإنما كان يقرأهما كاملتين، وقراءة بعضها خلاف السنة. وإنما كان يقرأ بهما لما اشتملتا عليه من ذكر المبدأ والمعاد، وخلق آدم، ودخول الجنة والنار، وأحوال يوم القيامة، لأن ذلك كان يقع يوم الجمعة. ذكره ابن دحية في "العلم المشهور" وقرره تقريرا حسنا، كما أفاده الحافظ ابن حجر.
وقال: قد ورد في حديث ابن مسعود التصريح بمداومته ﷺ على قراءتها في صبح الجمعة. أخرجه الطبراني، ولفظه "يديم ذلك" وأصله في ابن ماجه لكن بدون هذه الزيادة، ورجاله ثقات، لكن صوب أبو حاتم إرساله.
قال: وكأن ابن دقيق العيد لم يقف عليه فقال في الكلام على حديث الباب: "ليس فيه ما يقتضي فعل ذلك دائما اقتضاء قويا"، وهو كما قال بالنسبة
الحواشي
(١) هذا الحديث، ويأتي مثله من حديث علي.
"رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي" كلهم "من حديث" سفيان الثوري عن سعد بن إبراهيم عن أبيه، عن الأعرج، عن "أبي هريرة" ومسلم من حديث ابن عباس مثله، وكذا ابن ماجه من حديث ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص والطبراني من حديث علي، "وإنما كان يقرأهما كاملتين" كما هو ظاهر الأحاديث "وقراءة بعضه خلاف السنة" الكاملة المطلوبة وإن كان يحصل به أصل السنة كما هو مقرر عند الشافعية، "وإنماكان يقرأ بهما" أي: حكمة تخصيصهما "لما اشتملتا عليه من ذكر المبدأ والمعاد وخلق آدم ودخول الجنة والنار وأحوال يوم القيامة، لأن ذلك كان ويقع يوم الجمعة" كذا في نسخ وفي بعضها: كائن ويقع. وفي بعضها: لأن ذلك يقع بإسقاط كان أو كائن والواو، ومعنى الأولى على التوزيع، أي: لأن بعض ذلك وهو المبدأ وخلق آدم كن، أي: وجد والباقي يقع يوم الجمعة.
"ذكره ابن دحية في العلم المشهور" اسم كتاب "وقرره تقريرا حسنا كما أفاده الحافظ ابن حجر" في فتح الباري، "وقال قد ورد" لفظه وفيه دليل على استحباب قراءة هاتين السورتين في هذه الصلاة من هذا اليوم لما تشعر به الصيغة من مواظبته ﷺ على ذلك أو إكثاره منه، بل ورد "في حديث ابن مسعود التصريح بمداومته ﷺ على قراءتها في صبح يوم الجمعة، أخرجه الطبراني، ولفظه يديم ذلك وأصله في ابن ماجه، لكن بدون هذه الزيادة ورجاله ثقات، لكن صوب أبو حاتم" الرازي "إرساله قال" أي الحافظ: "وكأن ابن دقيق العيد لم يقف عليه، فقال في الكلام على حديث الباب ليس فيه ما يقتضي فعل ذلك دائماстр. 4765
لحديث الباب، فإن الصيعة ليست نصا في المداومة، لكن الزيادة المذكورة تنص في ذلك، ولهذه الزيادة شاهد من حديث ابن عباس بلفظ: "كل جمعة" أخرجه الطبراني في الكبير.
وأما تعيين السورة للركعة فورد من حديث علي -الطبراني- بلفظ: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الركعة الأولى من صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم، تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ٢] ، وفي الركعة الثانية ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ .
وقد اختلف تعليل المالكية لكراهة قراءة السورة السجدة في الصلاة.
فقيل: لكونها تشتمل على زيادة سجود في الفرض. قال القرطبي: وهو تعليل فاسد، بشهادة هذا الحديث.
وقيل: لخشية التخليط على المصلين، ومن ثم فرق بعضهم بين الجهرية
الحواشي
(١) اقتضاء قويا" لأن كان مع المضارع لا تقتضيه على الأصح، "وهو كما قال بالنسبة لحديث الباب، فإن الصيغة ليست نصا في المداومة لكن الزيادة المذكورة تنص في ذلك" منعه شيخنا بأن الدوام يحمل على الأكثر، لأن في رواية أنه قرأ في الثانية بـ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ فليست بنص، وفي نسخة: نصا بنصبه معمول لمحذوف مثل تكون نصا، "ولهذه الزيادة شاهد من حديث ابن عباس، بلفظ: كل جمعة أخرجه الطبراني في الكبير، وأما تعيين السورة للركعة، فورد من حديث علي" بن أبي طالب "عند الطبراني" في الأوسط، بلفظ: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الركعة الأولى من صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم, تَنْزِيلُ﴾ بضم اللام على الحكاية، "وفي الركعة الثانية ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ ، وعلى المؤلف مؤاخذة لاقتضائه أن التعيين لم يقع في حديث أبي هريرة مع أنه في مسلم من طريق إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يقرأ في صبح يوم الجمعة بـ ﴿الم, تَنْزِيلُ﴾ في الركعة الأولى، وفي الثانية: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ وباستحباب ذلك قال أكثر العلماء من الصحابة والتابعين والشافعي وأحمد، وكره مالك في المدونة أن يقرأ بسورة فيها سجدة.
"وقد اختلف تعليل المالكية لكراهة قراءة السورة السجدة في الصلاة" صبح يوم الجمعة أو غيرها من بقية الصلوات جهرية أو سرية، "فقيل: لكونها تشتمل على زيادة سجود في الفرض، قال القرطبي" أبو العباس في المفهم: "وهو تعليل فاسد بشهادة هذا الحديث، وقيل: لخشية التخليط على المصلين، ومن ثم فرق بعضهم بين الجهرية" فلا كراهة،стр. 4766
والسرية، لأن الجهرية يؤمن معها التخليط. لكن صح من حديث ابن عمر أنه ﷺ قرأ سورة فيها سجدة في صلاة الظهر فسجد بهم فيها. رواه أبو داود والحاكم، فبطلت التفرقة.
ومنهم من علل الكراهية بخشية اعتقاد العوام أنها فرض. قال ابن دقيق العيد: أما القول بالكراهة مطلق فيأباه الحديث، لكن إذا انتهى الحال إلى وقوع هذه المفسدة فينبغي أن يترك أحيانا لتندفع، فإن المستحب قد يترك لدفع المفسدة المتوقعة، وهو يحصل بالترك في بعض الأوقات. انتهى.
وقال صاحب "المحيط" من الحنفية: يستحب قراءتهما في صبح يوم الجمعة بشرط أن يقرأ غير ذلك أحيانا لئلا يظن الجاهل أنه لا يجزئ غيره.
قال الحافظ ابن حجر: ولم أر في شيء من الطرق التصريح بأنه ﷺ سجد
الحواشي
(١) "والسرية" فيكره، "لأن الجهرية يؤمن معها التخليط" وبه قال ابن وهب عملا بهذا الحديث "لكن صح من حديث ابن عمر أنه ﷺ قرأ سورة فيها سجدة في صلاة الظهر فسجد بهم فيها رواه أبو داود والحاكم فبطلت التفرقة" لا بطلان لأنه ﷺ يفعل المكروه لغيره لبيان الجواز، "ومنهم من علل الكراهية" بالتخفيف بزنة طواعية وفي نسخة الكراهة بلا ياء "بخشية اعتقاد العوام أنها فرض" وهذا مشاهد حتى أنهم يسألون عن صحة صلاة تاركها في صبح الجمعة.
"قال ابن دقيق العيد: أما القول بالكراهة مطلقا فيأباه الحديث لكن إذا انتهى الحال إلى وقوع هذه المفسدة" وهي اعتقاد المستحب فرضا، "فينبغي أن يترك أحيانا لتندفع، فإن المستحب قد يترك لدفع المفسدة المتوقعة وهو" أي: الدفع "يحصل بالترك في بعض الأوقات. انتهى".
وإلى ذلك أشار ابن العربي بقوله: ينبغي أن يفعل ذلك في الأغلب للقدوة ويقطع أحيانا لئلا يظنه العامة سنة.
"وقال صاحب المحيط من الحنفية: يستحب قراءتهما في صبح الجمعة بشرط أن يقرأ غير ذلك أحيانا لئلا يظن الجاهل أنه لا يجزئ غيره" زاد الحافظ: وأما صاحب الهداية منهم، فذكر أن علة الكراهة هجران الباقي وإيهام التفضيل، وقول الطحاوي يناسب قول صاحب المحيط، فإنه خص الكراهة بمن يراه لا يجزئ غيره أو يرى القراءة بغيره مكروهة.
"قال الحافظ ابن حجر: ولم أر في شيء من الطرق التصريح بأنه ﷺ لما قرأ سورةстр. 4767
لما قرأ سورة ﴿الم، تَنْزِيلُ﴾ في هذا المحل، إلا في كتاب "الشريعة" لابن أبي داود من طريق أخرى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: غدوت على النبي ﷺ يوم الجمعة في صلاة الفجر، فقرأ سورة فيها سجدة فسجد. الحديث، وفي إسناده من ينظر في حاله. انتهى.
وعن علي عند الطبراني في المعجم الأوسط: أن رسول الله ﷺ سجد في الصبح يوم الجمعة في ﴿الم، تَنْزِيلُ﴾ وهذه الزيادة حسنة تدفع احتمال أن يكون قرأ السورة ولم يسجد.
الفرع الخامس: في ذكر قراءته في صلاتي الظهر والعصر
عن أبي قتادة قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر في الركعتين الأوليين بأم
الحواشي
(١) ﴿الم، تَنْزِيلُ﴾ في هذا المحل إلا في كتاب الشريعة لابن أبي داود" عبد الله ابن الحافظ الكبير سليمان بن الأشعث السجستاني صاحب التصانيف، رحل وسمع وبرع وساد الأقران، وكان فقيها عالما، حافظا متقنا "من طريق أخرى عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: غدوت على النبي ﷺ " أي: ذهبت، فعلى بمعنى إلى أو ضمنه معنى نزلت أو نحوه "يوم الجمعة في صلاة الفجر، فقرأ سورة فيها سجدة فسجد. الحديث، وفي إسناده من ينظر في حاله. انتهى".
"وعن علي عند الطبراني في المعجم الأوسط" الذي في الفتح، وتبعه المصنف في الشرح في المعجم الصغير "أن رسول الله ﷺ سجد في الصبح يوم الجمعة في ﴿الم، تَنْزِيلُ﴾ وهذه الزيادة حسنة تدفع احتمال أن يكون قرأ السورة ولم يسجد" في قوله: حسنة نظر، فإن الحافظ قال: في إسناده ضعف، وتبعه المصنف في شرح البخاري، وقيل: حكمة اختصاص يوم الجمعة بقراءة سورة السجدة، فضل السجود الزائد حتى قيل: إنه يستحب لمن لم يقرأ هذه السورة بعينها أن يقرأ سورة غيرها فيها سجدة، لكن عاب ذلك على قائله غير واحد من العلماء، ونسبهم صاحب الهدى إلى قلة العلم ونقص المعرفة، لكن ثبت ذلك عن إبراهيم النخعي، الكوفي التابعي، وابن عون وابن سيرين من أهل البصرة، فلا ينبغي القطع بتزييفه، كما في الفتح والله أعلم.
الفرع الخامس: في ذكر قراءته في صلاتي الظهر والعصر": عن أبي قتادة" الحارث أو النعمان بن ربعي "بكسر الراء وسكون الموحدة"، "قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهرстр. 4768
الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب، ويسمعنا الآية أحيانا، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح. رواه البخاري ومسلم.
قال الشيخ تقي الدين السبكي: كان السبب في تطويله الأولى على الثانية أن النشاط في الأولى يكون أكثر، فناسب التخفيف في الثانية حذرا من الملل. انتهى.
الحواشي
(١) في الركعتين الأوليين"، "بضم الهمزة وتحتيتين تثنية الأولى "بأم الكتاب".
وفي رواية: بأم القرآن وأخرى بفاتحة الكتاب، "وسورتين" في كل ركعة منهما بسورة، ففي رواية: بأم الكتاب وسورة سورة "وفي الركعتين الأخريين"، "بضم الهمزة وتحتيتين" بأم الكتاب" فقط "ويسمعنا"، "بضم أوله من أسمع" الآية أحيانا" أي: في أحيان جمع حين، وهو يدل على تكرر ذلك منه، وفيه جواز قليل الجهر في السرية وليس فيه ما يفيد، أنه قرأ بعد الفاتحة شيئا في الأخريين، لأنه ينابذ ما قبله، أنه كان يقرأ بأم الكتاب، فإنما هو عائد للسورتين المقروءتين في الأوليين، ويقطع بذلك أن قوله: ويسمعنا الآية ثابت في جميع الطرق عند الشيخين، وأما قوله: وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب فثابت عندهما في طريق واحدة، "ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية" كذا لكريمة من التطويل وما نكرة موصوفة، أي: تطويلا لا يطيله في الثانية، أو مصدرية، أي: غير إطالته في الثانية، فتكون هي مع ما في حيزها صفة لمصدر محذوف، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر ما لا يطيل، ولأبي ذر عن المستملي والحموي بما لا بموحدة، كذا في الفرع وأصله، قاله المصنف، وقال الحافظ: قوله ما لا يطيل، كذا للأكثر، ولكريمة ما لا يطول، وما نكرة موصوفة أو مصدرية.
وفي رواية المستملي والحموي بما لا يطيل، "وهكذا" يقرأ في الأوليين بأم الكتاب وسورتين وفي الأخريين بها فقط ويطول في الأولى "في" صلاة "العصر وهكذا" يطيل في الركعة الأولى "في" صلاة "الصبح" فالتشبيه في تطويل المقروء بعد الفاتحة فقط بخلاف تشبيه العصر فأعم، "رواه البخاري ومسلم" من طريق همام عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه به، وعندهما من طريق شيبان عن يحيى بن أبي كثير بإسناده، بلفظ: وكان يقرأ في صلاة العصر بفاتحة الكتاب وسورتين وكان يطول في الأولى، أي: ويقصر في الثانية وكان يطول في الركعة الأولى من صلاة الصبح ويقصر في الثانية وتقاس المغرب والعشاء عليها.
"قال الشيخ تقي الدين السبكي", كذا هنا، والذي في الفتح تقي الدين فقط والظاهر أنه ابن دقيق العيد، لأنه علم بالاستقراء أنه إذا أطلقه فهو المراد "كان السبب في تطويله الأولى على الثانية أن النشاط في الأولى يكون أكثر، فناسب التخفيف في الثانية حذرا منстр. 4769
وروى عبد الرزاق عن معمر عن يحيى في آخر هذا الحديث: فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى.
وعن أبي سعيد الخدري قال: كنا نحزر -أي نقدر- قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ﴿الم, تَنْزِيلُ﴾ السجدة، وفي رواية: في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من العصر على النصف من ذلك. رواه مسلم.
وعن جابر بن سمرة: كان ﷺ يقرأ في الظهر بـ ﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] ،
الحواشي
(١) الملل" السآمة "انتهى".
"وروى عبد الرزاق" بن همام "عن معمر" ابن راشد "عن يحيى" بن أبي كثير "في آخر هذا الحديث فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى" ولأبي داود وابن خزيمة نحوه من رواية أبي خالد عن سفيان عن معمر وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء، قال: إني لأحب أن يطول الإمام الركعة الأولى من كل صلاة حتى يكثر الناس وفيه استحباب تطويل الأولى على الثانية، ولا يخالف حديث سعد بن أبي وقاص في الصحيح، حيث قال: أحمد، أي: طول في الأوليين، لأن المراد تطويلهما على الأخيرتين إلا التسوية بينهما في الطول.
"وعن أبي سعيد الخدري" سعد بن مالك بن سنان "قال: كنا نحزر" بكسر الزاي وضمها ضبطه النووي وغيره "أي نقدر قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ﴿الم, تَنْزِيلُ﴾ بضم اللام على الحكاية "السجدة" بالجر بدل والنصب بأعني والرفع خبر، أي: وهي السجدة.
"وفي رواية" عن أبي عدي كان ﷺ يقرأ في الظهر في الأوليين "في كل ركعة قدر ثلاثين آية وحزرنا قيامه في" الركعتين "الأخريين قدر النصف من ذلك"؛ لأنه كان يرتل الفاتحة كما في مسلم عن حفصة، أنه ﷺ كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها، فلا حجة فيه لمن استدل به على استحباب زائد عن الفاتحة في الأخريين، "وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من العصر على النصف من ذلك"؛ لأنه يرتل أم القرآن، وفي رواية لابن ماجه أن الذين حزروا ذلك كانوا ثلاثين من الصحابة، "رواه مسلم" أي: المذكور من الروايتين.
"وعن جابر بن سمرة كان ﷺ يقرأ في الظهر بـ ﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] أيстр. 4770
وفي رواية بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وفي العصر نحو ذلك. رواه مسلم.
وعنه: كان يقرأ في الظهر والعصر بـ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ و ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ ، رواه أبو داود والترمذي.
وعن البراء: كنا نصلي خلفه ﷺ الظهر فنسمع منه الآية بعد الآية من لقمان والذاريات. رواه النسائي.
قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على جواز الاكتفاء بظاهر الحال في الأخبار دون التوقف على اليقين، لأن الطريق إلى العلم بقراءة السورة في السرية لا يكون إلا بسماع كلها، وإنما يفيد يقين ذلك لو كان في الجهرية. وكأنه مأخوذ من سماع بعضها مع قيام القرينة على قراءة باقيها. ويحتمل أن يكون الرسول ﷺ كان يخبرهم عقب الصلاة دائما أو غالبا بقراءة السورتين، وهو بعيد جدا. انتهى.
وعن أنس: قرأ ﷺ في الظهر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ , و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] رواه النسائي.
الحواشي
(١) بهذه السورة "وفي رواية" عنه بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ويقرأ "في العصر نحو ذلك" أي أقل منه، "رواه" أي: المذكور من الروايتين "مسلم" أيضا، "وعنه" أي: جابر بن سمرة: "كان يقرأ في الظهر والعصر" أي في الركعتين الأوليين منهما بعد الفاتحة "بـ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ و ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ " أي: بهاتين السورتين.
"رواه أبو داود والترمذي، وعن البراء" بن عازب الصحابي ابن الصحابي، "كنا نصلي خلفه ﷺ الظهر فنسمع منه الآية بعد الآية من لقمان والذاريات رواه النسائي، قال ابن دقيق العيد فيه" أي: في قوله في حديث أبي قتادة: ويسمعنا الآية أحيانا "دليل على جواز الاكتفاء بظاهر الحال في الإخبار دون التوقف على اليقين، لأن الطريق إلى العلم بقراءة السورة في السرية لا يكون إلا بسماع كلها، وإنما يفيد يقين" أي تيقن "ذلك لو كان في الجهرية وكأنه", أي إخباره بأنه يقرأ سورتين في الأوليين من الظهر والعصر "مأخوذ من سماع بعضها" لا بمجرده، بل "مع قيام القرينة على قراءة باقيها" لأن سماع البعض لا يعطي ذلك بدون قرينة، "ويحتمل أن يكون الرسول ﷺ كان يخبرهم عقب الصلاة دائما أو غالبا بقراءة السورتين وهو بعيد جدا انتهى" لأنه ليس ثم ما شهد له.
"وعن أنس: قرأ ﷺ في الظهر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ , و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ أي: بالسورتين، "رواه النسائي" وابن خزيمة وصححه.стр. 4771
وعن أبي سعيد الخدري كانت صلاة الظهر تقام، فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله فيتوضأ ويدرك النبي ﷺ في الركعة الأولى. رواه مسلم.
الفرع السادس: في ذكر قراءته في صلاة المغرب
عن أم الفضل بنت الحارث قالت: سمعته ﷺ يقرأ في المغرب بـ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] . رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود
الحواشي
(١) "وعن أبي سعيد الخدري: كانت صلاة الظهر تقام" في المسجد النبوي: "فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله فيتوضأ، ويدرك النبي ﷺ في الركعة الأولى" لأنه كان يبادر أول الوقت، فيطيل الأولى لتتوافر الجماعة، لأنها تأتي والناس في قائلتهم وتصرفاتهم، ولهذا استحب تأخير الظهر إلى أن يفيء الفيء ذراعا، وقد ورد هذا المعنى نصا في أبي داود، قال: مظننا أنه يريد أن يدرك الناس الركعة الأولى، وعنده أيضا: كان يقوم حتى لا نسمع وقع قدم، أي: حتى يتكامل الناس، قاله أبو عبد الله الأبي, "رواه مسلم" في الصحيح والله أعلم.
الفرع السادس: في ذكر قراءته في صلاة المغرب
نحو قول البخاري باب القراءة في المغرب، أي: تقديرها لا إثباتها، لأنها جهرية، بخلاف ما تقدم في باب القراءة بالظهر، فالمراد إثباتها، قاله الحافظ، أي: أن الجهرية يعلم بها جميع من صلى خلفه ﷺ ، بل ومن صلى خلف غيره، فلا حاجة للتنبيه على أصلها، وإنما المحتاج إليه مقدارها بخلاف السرية يحتاج إلى إثباتها لخفائها على المقتدي به ﷺ .
"عن أم الفضل" لبابة بضم اللام وموحدتين خفيفتين "بنت الحارث" الهلالية، يقال: إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة، والصحيح فاطمة بنت الخطاب أخت عمر زوج سعيد بن زيد، "قالت: سمعته ﷺ يقرأ في المغرب بـ"المرسلات عرفا" أي: بهذه السورة "روه البخاري ومسلم" في الصلاة، كلاهما من طريق مالك "ومالك" في الموطأ "وأبو داود والترمذي والنسائي" في الصلاة من رواية ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس أن أم الفضل، يعني لبابة أمه سمعته، وهو يقرأ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ فقالت: يا بني والله لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة أنها لآخر ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب، فاقتصر المصنف على حاجته من الحديث، لكن يوهم قوله.стр. 4772
والترمذي والنسائي. وفي رواية أنها لآخر ما سمعت من رسول الله ﷺ .
وصرح عقيل في روايته عن ابن شهاب: أنها آخر صلاته ﷺ ولفظه: ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله. أورده البخاري في باب الوفاة.
وعنده في باب: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" من حديث عائشة: أن الصلاة التي صلاها النبي ﷺ بأصحابه في مرض موته كان الظهر.
وجمع بينهما: بأن الصلاة التي حكتها عائشة كانت في المسجد، والتي حكتها أم الفضل كانت في بيته، كما رواه النسائي.
لكن يعكر عليه رواية ابن إسحاق عن ابن شهاب في هذا الحديث بلفظ: خرج إلينا رسول الله ﷺ وهو عاصب رأسه في مرضه فصلى المغرب، الحديث رواه الترمذي.
الحواشي
(١) "وفي رواية، إنها لآخر ما سمعت من رسول الله ﷺ " إنها رواية ثانية ولا كذلك كما ترى، فكان الصواب إسقاط في رواية، ويقول: وإنها لآخر، "وصرح عقيل" بضم العين ابن خالد بن عقيل بالفتح الأيلي، ثقة، من رجال الجميع "في روايته عن ابن شهاب" الزهري لهذا الحديث بسنده المذكور "إنها آخر صلاته ﷺ ، ولفظه" عن ابن عباس، عن أم الفضل، قالت: سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بـ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ "ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله أورده" أي: رواه "البخاري" مختصرا فلو ذكره المصنف بلفظه، وعقبه بقوله وفي رواية لاتجه "في باب الوفاة" النبوية آخر كتاب المغازي، وقيدت بقوله: ما صلى لنا، لإفادة أنها ليست آخر صلاته مطلقا، فلا يخالف ما صححه الترمذي عن جابر، والنسائي عن أنس أن آخر صلاة صلاها النبي ﷺ خلف أبي بكر، وأفاد البيهقي أنها صلاة صبح يوم الاثنين وهي آخر صلاة صلاها, "وعنده" أي البخاري "في باب إنما جعل الإمام ليؤتم به" من كتاب الصلاة "من حديث عائش أن الصلاة التي صلاه النبي ﷺ بأصحابه في مرض موته كانت الظهر، وجمع بينهما بأن الصلاة التي حكتها عائشة كانت في المسجد" وأبو بكر خلفه يسمع الناس، "والتي حكتها أم الفضل كانت في بيته كما رواه النسائي" في حديث أم الفضل هذه "لكن يعكر عليه" أي: الجمع المذكور "رواية" محمد "بن إسحاق" بن يسار، "عن ابن شهاب" بسنده "في هذا الحديث،" أي: حديث ابن عباس عن أمه، "بلفظ: خرج إلينا رسول الله ﷺ وهو عاصب رأسه في مرضه، فصلى المغرب، الحديث رواه الترمذي" فإنстр. 4773
ويمكن حمل قوله: "خرج إلينا" أي من مكانه الذي كان راقدا فيه إلى من في البيت فصلى بهم فتلتئم الروايات.
وعن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور. رواه البخاري ومسلم. زاد البخاري في "الجهاد": وكان جبير بن مطعم جاء في أسرى بدر. وزاد الإسماعيلي: وهو يومئذ مشرك. وللبخاري في "المغازي": وذلك
الحواشي
(١) ظاهر قوله خرج من البيت إلى المسجد هذا وجه العكر، "ويمكن حمل قوله: خرج إلينا، أي من مكانه الذي كان راقدا فيه إلى من في البيت، فصلى بهم" في مكان آخر من البيت، فالذي خرج منه والذي خرج إليه كلاهما من البيت، "فتلتئم الروايات" عن عائشة وأم الفضل، فأريد بالجمع ما فوق الواحد، ولا يشكل على حديث أم الفضل حديث عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب، قال: آخر صلاة صلاها النبي ﷺ المغرب، فقرأ في الركعة الأولى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وفي الثانية ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ لأنه ﷺ مرض أياما، فسمعه عبد الله يقرأ بالسورتين، ثم لم يسمعه بعدها، فأطلق عليها آخر بالنظر لما سمعه، أو مراده آخر صلاة صلاها بالمسجد قبل مرضه، فانساغ هذا، وإلا فما في الصحيحين والموطأ أصح.
"وعن جبير" بضم الجيم وفتح الموحدة، "ابن مطعم" بن عدي بن نوفل بن عبد مناف أسلم يوم فتح مكة، وقيل: قبله وكان أحد الأشراف، ومن حلماء قريش وساداتهم عارفا بالأنساب، مات سنة ثمان أو تسع وخمسين، "قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور, أي: بسورة الطور كلها، وقال ابن الجوزي: يحتمل أن الباء بمعنى من، كقوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ ، واستدل الطحاوي لذلك بما رواه، بلفظ: فسمعته يقول: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٍ﴾ قال: فأخبر أن الذي سمعه هو هذه الآية خاصة، فلا دليل فيه على تطويل القراءة في المغرب، قال الحافظ: وليس في السياق ما يقتضي قوله خاصة مع أن هذه الرواية بخصوصها مضعفة، وقد جاء في روايات أخر ما يدل على أنه قرأ السورة كلها، فعند البخاري في التفسير، فلما بلغ هذه الآية ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ إلى قوله ﴿الْمُسَيْطِرُونَ﴾ ، كاد قلبي يطير، ونحوه لقاسم بن أصبغ، وللطبراني وابن حبان: سمعته يقرأ ﴿وَالطُّورِ، وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور:١, ٢] مثله لابن سعد، وزاد: فاستمعت قراءته حتى خرجت من المسجد. انتهى.
"رواه البخاري" في الصلاة والجهاد والمغازي والتفسير "ومسلم" في الصلاة، وكذا الموطأ وأبو داود والنسائي فيها وفي التفسير وابن ماجه فيه "زاد البخاري في الجهاد وكان، أي: "جبير بن مطعم جاء في أسرى بدر" ولابن حبان في فداء أهل بدر، "وزاد الإسماعيلي، وهو يومئذ مشرك وللبخاري في المغازي" في آخر الحديث، "وذلك أول ما وقر" أي: دخلстр. 4774
أول ما وقر الإيمان في قلبي. وللطبراني: فأخذني من قراءته الكرب، ولسعيد بن منصور: فكأنما صدع قلبي.
وفي قوله: "سمعته ﷺ " دليل على الجهر بها،
وعن مروان بن الحكم: قال لي زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل؟ وقد سمعت النبي ﷺ يقرأ بطولى الطوليين. رواه البخاري.
زاد أبو داود: قلت وما طولى الطوليين؟ قال: الأعراف.
الحواشي
(١) "الإيمان في قلبي" أي: مقدماته من لين القلب وظن حقيقته، "وللطبراني: فأخذني من قراءته الكرب" المشقة والصعوبة لما في السورة من النداء على الكفار وتوبيخهم "ولسعيد بن منصور، فكأنما صدع" بالتخفيف "قلبي" أي: شقه وفيه صحة أداء ما تحمله الراوي في حال الكفر بعدما أسلم، وكذا الفسق إذا أداه حال العدالة.
"وفي قوله: سمعته ﷺ دليل على الجهر بها" وهو مما لا خلاف فيه، "وطعن عروة بن الزبير، "عن مروان بن الحكم" بفتحتين الأموي أمير المدينة من جهة معاوية قال: "قال لي زيد بن ثابت" الأنصاري "ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل" كذا للكشميهني، وكذا في جميع الروايات عند أبي داود والنسائي وغيرهما، وفي رواية للنسائي بقصار السور، ورواه الأكثر في البخاري بقصار بالتنوين عوض عن المضاف إليه، وعند النسائي من رواية أي الأسود عن عروة، عن زيد بن ثابت أنه قال لمروان يا أبا عبد الملك: القراءة في المغرب بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ وصرح الطحاوي من هذا الوجه بالإخبار بين عروة وزيد، فكان عروة سمعه من مروان عن زيد، ثم لقي زيد فأخبره، قاله الحافظ والاستفهام للإنكار، "وقد سمعت" بضم التاء وفي بعضها بفتحها كذا للمصنف وفتحها لا يصح إذ مروان لم يسمع من النبي ﷺ اتفاقا إنما اختلف هل له رؤية فيعد بها في الصحابة، والصحيح أنه لا صحبة له، "النبي ﷺ ".
وفي رواية البيهقي والإسماعيلي: لقد كان رسول الله ﷺ "يقرأ بطولى الطوليين" بتحتانيتين تثنية طولى تأنيث أطول، وهذه رواية الأكثر، ولكريمة بطول بضم الطاء وسكون الواو وجهه الكرماني، بأنه أطلق المصدر وأراد الوصف، أي: كان يقر بمقدار طول الطولين وفيه نظر، لأنه يلزم منه أنه قرأ بقدر السورتين وليس هو المراد، "رواه البخاري" وأبو داود والنسائي.
"زاد أبو داود" قال: قلت "وما طولى الطوليين، قال الأعراف" وبين النسائي في رواية له، أن التفسير من قول عروة، ولفظه قال: قلت: يا أبا عبد الله وهي كنية عروة، وللبيهقي قال: فقلت لعروة وللإسماعيلي، قال ابن أبي مليكة، أي: لعروة، ولأبي داود عن ابن أبي مليكة المائدةстр. 4775
وفي رواية النسائي من حديث عائشة أنه ﷺ صلى المغرب بسورة الأعراف فرقها في ركعتين.
وعن عبد الله بن عتبة: قرأ ﷺ في صلاة المغرب بـ"حم" الدخان. رواه النسائي.
وهذه الأحاديث في القراءة مختلفة المقادير، لأن "الأعراف" من السبع الطوال، "والطور" من طوال المفصل، و"المرسلات" من أوساطه. قال الحافظ ابن حجر: ولم أر حديثا مرفوعا فيه التنصيص على القراءة فيها بشيء من قصار
الحواشي
(١) والأعراف وللجوزقي عنه الأنعام والأعراف، ولأبي مسلم الكجي عن أبي عاصم النبيل يونس والأعراف، فاتفقوا على تفسير الطولى بالأعراف، وفي الأخرى ثلاثة والمحفوظ الأنعام.
قال ابن بطال: البقرة أطول السبع، فلو أرادها لقال: طولى الطول، فلما لم يردها دل على أنه أراد الأعراف، لأنها أطول السور بعد البقرة، وتعقب بأن النساء أطول من الأعراف اعتبارا بعدد الكلمات، لأن كلمات النساء تزيد على الأعراف بمائتي كلمة، وأجيب بأنه اعتبر عدد الآيات وعدد آيات الأعراف أكثر من عدد النساء وغيرها من السبع بعد البقرة، وقال ابن المنير تسمية الأعراف والأنعام بالطوليين إنما هو لعرف فيهما لا أنهما أطول من غيرهما، قاله الحافظ.
"وفي رواية النسائي من حديث عائشة: أنه ﷺ صلى المغرب بسورة الأعراف فرقها في ركعتين" واستدل به الخطابي وغيره على امتداد وقت المغرب إلى الشفق وفيه نظر، لأن القائلين بأن لها وقتا واحدا لم يحددوه بقراءة، بل قالوا له أن يطول إلى الشفق، ومنهم من قال: ولو غاب الشفق وحمله الخطابي على أنه يوقع ركعة في أول الوقت ويديم الباقي ولو غاب الشفق، ولا خفى ما فيه، لأن تعمد إخراج الصلاة عن الوقت ممنوع ولو أجزأت، فلا يحمل فعله ﷺ على ذلك.
"وعن عبد الله بن عتبة" "بالفوقية" ابن مسعود الهذلي ابن أخي عبد الله بن مسعود كان صغيرا في عهد النبي ﷺ ولم يثبت له عنه رواية، وذكره العقيلي في الصحابة اتفقوا على ثقته وكان رفيع القدر كثير الحديث والفتيا فقيها مات سنة أربع، وقيل: ثلاث وسبعين كما في الإصابة، قال: "قرأ ﷺ في صلاة المغرب بـ"حم" الدخان، رواه النسائي" مرسلا كما علم وفي ابن حبان من حديث ابن عمر أنه قرأ بهم في المغرب بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١] "وهذه الأحاديث في القراءة مختلفة المقادير، لأن الأعراف من السبع الطوال" أي: سادستها وفي السابعة خلاف مر في الخصائص، "والطور من طوال المفصل والمرسلات من أوساطه" على قول، "قال الحافظ ابن حجر: ولم أر حديثا مرفوعا فيهстр. 4776
المفصل، إلا حديثا في ابن ماجه عن ابن عمر نص فيه على الكافرون والإخلاص. ومثله لابن حبان عن جابر بن سمرة. فأما حديث ابن عمر فظاهر إسناده الصحة إلا أنه معلول، قال الدارقطني: أخطأ بعض رواته فيه، وأما حديث جابر بن سمرة ففيه سعد بن سماك وهو متروك، والمحفوظ أنه قرأ بهما في الركعتين بعد المغرب.
واعتمد بعض أصحابنا وغيرهم حديث سليمان بن يسار عن أبي هريرة قال: ما رأيت أحدا أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من فلان، قال سليمان: فكان يقرأ في الصبح بطوال المفصل، وفي المغرب بقصار المفصل. رواه النسائي، وصححه ابن خزيمة وغيره.
وهذا يشعر بالمواظبة على ذلك، لكن في الاستدلال به نظر، نعم حديث رافع أنهم كانوا ينتظرون بعد صلاة المغرب يدل على تخفيف القراءة فيها.
الحواشي
(١) التنصيص على القراءة فيها" أي: المغرب "بشيء من قصار المفصل إلا حديثا في ابن ماجه عن ابن عمر نص فيه على الكافرون" بالرفع حكاية "والإخلاص، ومثله لابن حبان عن جابر بن سمرة، فأما حديث ابن عمر فظاهر إسناده الصحة إلا أنه معلول".
"قال الدارقطني: أخطأ بعض رواته فيه", أي: في قوله قرأ بهما في المغرب إنما قرأ بهما في الركعتين بعده على المحفوظ "وأما حديث جابر بن سمرة ففيه سعيد بن سماك وهو متروك، والمحفوظ أنه قرأ بهما" أي: بالسورتين "في الركعتين بعد المغرب" لا في المغرب، "واعتمد بعض أصحابنا وغيرهم" كالمالكية ممن قال باستحباب القراءة فيها بقصار المفصل "حديث سليمان بن يسار" أحد الفقهاء "عن أبي هريرة قال: ما رأيت أحدا أشبه" صلاة "بصلاة رسول الله ﷺ من فلان، قال سليمان: فكان" فلان "يقرأ في الصبح بطوال المفصل، وفي المغرب بقصار المفصل، رواه النسائي وصححه ابن خزيمة وغيره، وهذا يشعر بالموظبة على ذلك" بناء على أن كان مع المضارع تفيد الدوام، "لكن في الاستدلال به نظر" إذ غاية ما قال أشبه ولم يقل مثلها، فقراءته ذلك لا تستلزم أنه ﷺ كان يقرأ بهما نصا إنما هو احتمال "نعم حديث رافع" بن خديج الأنصاري "إنهم كانوا ينتظرون" بفتح التحتية فنون ساكنة ففوقية مفتوحة فضاد معجمة مكسورة، أي يلعبون بالنضال، أي السهام "بعد صلاة المغرب" مع النبي ﷺ وهم راجعون إلى ديارهم، فما يخفى عليهم مواضع سهامهم كما مر في الأوقات، "يدل على تخفيف القراءة فيها" بحيث يقع الفراغ منها والوضوء باق، إذ لو طول فيها لما أبصروا مواضع سهامهم في عودهم، ومن فسر التناضل بالتسابق في المجيء للاقتداء به ﷺ ، لأنه لو كان يطول فيها لما تسابقوا في المجيء إليه لعلمهم بأنهم وإن تأخرواстр. 4777
وطريق الجمع بين الأحاديث: أنه ﷺ كان أحيانا يطيل القراءة في المغرب، إما لبيان الجواز، وإما لعلمه بعدم المشقة على المأمومين، وليس في حديث جبير دليل على أن ذلك تكرر منه، وأما حديث زيد بن ثابت ففيه إشعار بذلك لكونه أنكر على مروان المواظبة على القراءة بقصار المفصل، ولو كان مروان يعلم أنه ﷺ واظب على ذلك لاحتج به على زيد، لكن لم يرد زيد منه -فيما يظهر- المواظبة على القراءة بالطوال، وإنما أراد منه أن يتعاهد ذلك كما رآه من النبي ﷺ .
وفي حديث أم الفضل إشعار بأنه ﷺ كان يقرأ في الصحة بأطول من المرسلات، لكونه كان في حال شدة مرضه، وهو مظنة التخفيف.
وهو يرد على أبي داود ادعاء نسخ الطويل في المغرب، لأنه روى عقب
الحواشي
(١) قليلا يدركونه في الركعة الأولى فقد سها، لأنه خلاف نص الحديث أن التناضل بعد صلاة المغرب معه وهم راجعون إلى ديارهم، وتعلقه بقول المختار انتضل القوم وتناضلوا وهو السبق زيادة سهو، لأن معناه اللعب بالسهام لا السرعة في المشي إلى الصلاة المنهي عنها، ثم بهذا علم أن نسخة ينتفلون من التنفل تحريف، "وطريق الجمع بين هذه الأحاديث أنه ﷺ كان أحيانا يطيل القراءة في المغرب، إما لبيان الجواز،" إذ لو واظب على التقصير لتوهم عدمه، "وإما لعلمه بعدم المشقة على المأمومين" فيفيد جواز ذلك أيضا، "وليس في حديث جبير" ابن مطعم السابق "دليل على أن ذلك تكرر منه" لأنه إنما قال سمعته يقرأ في المغرب بالطور.
"وأما حديث زيد بن ثابت، ففيه إشعار بذلك، لكونه أنكر على مراون المواظبة على القراءة بقصار المفصل ولو كان مروان يعلم" من غيره "أنه ﷺ واظب على ذلك لاحتج به على زيد" وهو لم يحتج "لكن لم يرد زيد منه فيما يظهر المواظبة على القراءة بالطوال وإنما أراد منه" أي: مروان "أن يتعاهد ذلك" بقراءته أحيانا "كما رآه" زيد "من النبي ﷺ " لئلا ينسى فعله "وفي حديث أم الفضل" السابق "إشعار بأنه ﷺ كان يقرأ" في المغرب "في الصحة" خلاف المرض "بأطول من المرسلات" فيوافق حديث زيد بطولى الطوليين "لكونه كان في حال شدة مرضه وهو مظنة التخفيف" وقد قرأ بالمرسلات وهي طويلة هكذا رأيته في الفتح بلفظ في الصحة خلاف المرض وهو الذي يدل عليه السياق كما هو واضح، ويقع في كثير من نسخ المصنف في الصبح فإن صحت فلعل وجه الإشعار أنه لما قر فيها مع شدة مرضه وضيق وقتها بالمرسلات أشعر بأنه يقرأ بأطول منها في غيرها لسعة وقته وخص الصبح للنشاط فيها أكثر من غيره "وهو يرد على أبي داود ادعاء نسخ الطويل في المغرب لأنهстр. 4778
حديث زيد بن ثابت من طريق عروة أنه كان يقرأ في المغرب بالقصار قال: وهذا يدل على نسخ حديث زيد ولم يبين وجه الدلالة.
وكيف يصح دعوى النسخ وأم الفضل تقول: إن آخر صلاة صلاها بهم قرأ بالمرسلات.
قال ابن خزيمة في صحيحه: هذا من الاختلاف المباح، فجائز للمصلي أن يقرأ في المغرب وفي الصلوات كلها بما أحب، إلا أنه إذا كان إماما استحب له أن يخفف القراءة. انتهى.
والراجح عند النووي: أن المفصل من "الحجرات" إلى آخر القرآن.
الحواشي
(١) روى عقب حديث زيد بن ثابت من طريق عروة" بن الزبير "أنه" أي: عروة "كان يقرأ في المغرب بالقصار".
"قال" أبو داود: "وهذا يدل على نسخ حديث زيد، ولم يبين وجه الدلالة" قال الحافظ: وكأنه لما رأى عروة راوي الخبر عمل بخلافه حمله على أنه اطلع على ناسخه، ولا يخفى بعد هذا الحمل، "وكيف يصح دعوى النسخ" بمجرد فعل عروة "وأم الفضل تقول إن آخر صلاة صلاها بهم قرأ" فيها "بالمرسلات" فليس ضمير إنه للنبي ﷺ كما توهمه من قال ليس فيه تصريح بأنها من قصار المفصل، فلا ينافي ما مر عن الحافظ بل الضمير لعروة، لأنه أقرب مذكور به أفصح الحافظ في توجيه الدلالة.
ما رأيت "قال ابن خزيمة في صحيحه وهذا من الاختلاف المباح فجائز للمصلي أن يقرأ في المغرب وفي الصلوات كلها بما أحب إلا أنه إذا كان إماما استحب له أن يخفف القراءة. انتهى" كلام الحافظ، وزاد بعده، وهذا أي: كلام ابن خزيمة أولى من قول القرطبي ما ورد من تطويل القراءة فيما استقر عليه التطويل أو عكسه فهو متروك. انتهى.
ونقل الترمذي عن مالك كراهة القراءة في المغرب بالطور والمرسلات ونحوهما، وعن الشافعي استحباب ذلك غريب، فالمعروف في مذهبهما أنه لا كراهة ولا استحباب، بل هو جائز كما قاله ابن عبد البر وغيره.
نعم المستحب تقصيرها للعمل بالمدينة، بل وبغيرها، "والراجح عند النووي" وكذا عند المالكية "أن المفصل" أوله "من الحجرات إلى آخر القرآن" يعني من الخلاف في المراد به مع الاتفاق على أن منتهاه آخر القرآن هل هو من أول الصافات أو الشورى أو الجاثية أو الفتح أو الحجرات أو ق أو الرحمن أو النجم أو الصف أو تبارك أو سبح أو الضحى إلى آخر القرآن.
أقول: قال الحافظ أكثرها مستغرب، والراجح الحجرات، ونقل المحب قولا شاذا أنстр. 4779
الفرع السابع: في ذكر ما كان يقرؤه في صلاة العشاء
عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في العشاء ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ فما سمعت أحدًا أحسن صوتا أو قراءة منه ﷺ . رواه البخاري ومسلم.
وكان ﷺ إذا أتى على آية عذاب وقف وتعوذ، رواه الترمذي من حديث حذيفة.
وكان إذا قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: "سبحان ربي الأعلى". رواه
الحواشي
(١) المفصل جميع القرآن، وأما ما رواه الطحاوي عن أبي موسى أن عمر كتب إليه اقرأ في المغرب آخر المفصل وآخر المفصل من لم يكن، فليس تفسيرا للمفصل، بل لا آخره، فدل على أن أوله قبل ذلك.
الفرع السابع: في ذكر ما كان يقرؤه في صلاة العشاء
"عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في" صلاة "العشاء والتين" بالواو" على الحكاية، وفي رواية: بالتين "والزيتون" أي: بهذه السورة في الركعة الأولى، ففي رواية للشيخين أيضا عن البراء أنه ﷺ كان في سفر، فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ ، وللنسائي فقرأ في الركعة الأولى، وفي كتاب الصحابة لابن السكن في ترجمة ورقة بن خليفة رجل من أهل اليمامة، قال: سمعنا بالنبي ﷺ فأتيناه، فعض علينا الإسلام، فأسلمنا، وأسهم لنا وقرأ في الصلاة بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ و ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر﴾ .
قال الحافظ: يمكن أن كانت، أي: القراءة في الصلاة التي عين البراء أنها العشاء أنه قرأ في الأولى بالتين، وفي الثانية بالقدر، وإنما قرأ فيها بقصار المفصل، لكونه مسافر والسفر يطلب فيه التخفيف، وحديث أبي هريرة في الصحيحين: أنه ﷺ قرأ في العشاء ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ محمول على الحضر، فلذا قرأ فيها من أوساط المفصل.
قال البراء:"فما سمعت أحدًا أحسن صوتا أو قراءة" شك الراوي "منه ﷺ " بل هو الأحسن على مدلول اللفظ عرفا وإن صدق بالمساواة لغة، "رواه البخاري ومسلم" وأصحاب السنن كلهم في الصلاة، "وكان ﷺ إذا أتى" في قراءته "على آية عذاب وقف" عن القراءة "وتعوذ" من العذاب، ثم يعود للقراءة، "رواه الترمذي من حديث حذيفة" بن اليمان وهو في مسلم والسنن الأربع ومسند أحمد، عن حذيفة قال: كان ﷺ إذا مر بآية خوف تعوذ، وإذا مر بآية رحمة سأل الله، وإذا مر بآية فيها تنزيه سبح الله، "وكان" ﷺ "إذا قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَстр. 4780
أحمد وأبو داود من رواية ابن عباس.
وقال ﷺ : "من قرأ منكم ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ فانتهى إلى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين, ومن قرأ ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فانتهى إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ فليقل: بلى، ومن قرأ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ فبلغ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فليقل: آمنا بالله". رواه أبو داود، والترمذي إلى قوله: "وأنا على ذلك من الشاهدين".
وكان ﷺ يسكت بين التكبير والقراءة إسكاتة وعنها سأله أبو هريرة، ويسكت بعد الفاتحة، ويسكت ثالثة بعد قراءة السورة، وهي سكتة لطيفة جدا
الحواشي
(١) الْأَعْلَى﴾ قال: "سبحان ربي الأعلى" مبادرا لامتثال الأمر، "رواه أحمد وأبو داود من رواية ابن عباس" عبد الله، قال الحاكم: صحيح على شرطهما، وأقره الذهبي "وقال ﷺ : "من قرأ منكم ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ " أي: هذه السورة، "فانتهى إلى" آخرها بأن قرأ: " ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ فليقل" عقبها: "بلى وأنا على ذلك من الشاهدين"، لأنه قول بمنزلة السؤال، فيحتاج إلى الجواب، ومن حق الخطاب أن لا يترك المخاطب جوابه، فيكون السامع كالغافل، أو كمن لا يسمع إلا دعاء ونداء، "ومن قرأ ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فانتهى إلى قوله" آخرها، بأن قرأ " ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ فليقل: بلى"، أي: هو قادر، "ومن قرأ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ ، فبلغ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فليقل: آمنا بالله". بالجمع في آمنا وإن كان القائل واحدًا للإشارة إلى أن الإيمان حال في جميع أجزائه، فكل جزء مؤمن كما قال عبد الله بن الزبعرى الصحابي أسلم:
آمن اللحم والعظام لربي ... ثم قلبي الشهيد أنت النذير
والأمر في الجميع للاستحباب، قال شيخنا: وينبغي الإسرار بذلك، لأنه من الدعاء والثناء، "رواه أبو داود" بتمامه من حديث أبي هريرة "و" رواه "الترمذي" من حديثه "إلى قوله": "وأنا على ذلك من الشاهدين" فاقتصر على سورة التين.
وقد روى البيهقي والحاكم، وصححه وحسنه غيره عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ كان إذا قرأ ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ قال: بلى، وإذا قرأ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ قال بلى، "وكان ﷺ يسكت" بفتح أوله من السكوت، وروي بضمه من الإسكات "بين التكبير والقراءة إسكاتة" بكسر أوله من السكوت من المصادر الشاذة، "وعنها" أي: عما يقوله فيها، "سأله أبو هريرة" لا عن ذاتها، ومر الحديث بتمامه قريبا في الفرع الأول "ويسكت بعد الفاتحة" ثم يقرأ السورة "ويسكت ثالثة بعد قراءة السورة، وهيстр. 4781
حتى يتراد إليه النفس، ولم يكن يصل القراءة بالركوع.
وأما السكتة الأولى، فإنه كان يجعلها بقدر الاستفتاح، وأما الثانية فلأجل قراءة المأموم الفاتحة، فينبغي تطويلها بقدرها. ذكره صاحب الهدى.
وعن سمرة بن جندب إلى: سكتتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ : إذا دخل في صلاته، وإذا فرغ من القراءة، ثم قال بعد ذلك، وإذا قرأ ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال: وكان يعجبه إذا فرغ من القراءة أن يسكت حتى يتراد إليه نفسه. رواه الترمذي.
الفرع الثامن: في صفة ركوعه ﷺ
عن أبي حميد الساعدي: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، فذكر الحديث، إلى أن قال: ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل فلا يضرب رأسه ولا يقنع. رواه أبو داود والدارمي.
الحواشي
(١) سكتة لطيفة" أي: صغيرة "جدا حتى يتراد إليه النفس، ولم يكن يصل القراءة بالركوع، وأما السكتة الأولى فإنه كان يجعلها بقدر الاستفتاح" للصلاة، "وأما الثانية فلأجل قراءة المأموم الفاتحة" لأنه يكره سبقه بقراءتها، وقراءتها مع قراءة الإمام عند من قال يقرأها المأموم في الجهرية, "فينبغي" للإمام "تطويلها بقدرها" أي الفاتحة، "ذكره صاحب الهدى" ابن القيم.
"وعن سمرة بن جندب قال: سكتتان حفظتهما عن" أي: من رسول الله ﷺ إذا دخل في صلاته" بعد التكبير وقبل القراءة، "وإذا فرغ من القراءة، ثم قال بعد ذلك: وإذا قرأ ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال: وكان يعجبه" من أعجب "إذا فرغ من القراءة أن يسكت حتى يتراد" يتراجع "إليه نفسه" بفتحتين مفرد أنفاس "رواه الترمذي".
الفرع الثامن: في صفة ركوعه ﷺ
"عن أبي حميد الساعدي" الصحابي المشهور، اسمه المنذر بن سعد المنذر، أو ابن مالك، وقيل: اسمه عبد الرحمن، وقيل: عمر، وشهد أحدًا وما بعدها وعاش إلى سنة ستين، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رف يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، فذكر الحديث" في صفة صلاته "إلى أن قال: ثم يركع ويضع راحتيه" أي: كفيه "على ركبتيه" في ركوعه "ثم يعتدل" فيه "فلا يصوب" أي: يخفض "رأسه ولا يقنع" بضم فسكون فكسر، أي لا يرفع رأسه حتى يكون أعلى من ظهره كما في النهاية، "رواه أبو داود" سليمان بن الأشعثстр. 4782
الفرع التاسع: في مقدار ركوعه ﷺ
عن ابن جبير قال سمعت أنس بن مالك يقول: ما صليت وراء أحد من التابعين بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاة بصلاة رسول الله ﷺ من هذا الفتى -يعني عمر بن عبد العزيز- قال: فحزرنا ركوعه عشر تسبيحات، وسجوده عشر تسبيحات. رواه أبو داود.
وعن البراء: كان ركوع النبي ﷺ وسجوده، وبين السجدتين، وإذا رفع من الركوع، ما خلا القيام والقعود، قريبا من السواء. رواه البخاري ومسلم.
قال النووي: هذا الحديث محمول على بعض الأحوال، وإلا فقد ثبت في
الحواشي
(١) "والدارمي" عبد الله بن عبد الرحمن.
الفرع التاسع: في مقدار ركوعه ﷺ
"عن ابن جبير قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ما صليت وراء أحد من التابعين بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاة بصلاة رسول الله ﷺ من هذا الفتى، يعني عمر بن عبد العزيز" وبقولنا من التابعين لا يرد أنه صلى خلف العمرين وعثمان ونحوهم، ولا شك أن صلاتهم أشبه بالصلاة النبوية من صلاة عمر بن عبد العزيز.
"قال" ابن جبير: "فحزرنا ركوعه" أي: "عمر تسبيحات وسجوده عشر تسبيحات رواه أبو داود" في السنن وفيه فضيلة ظاهرة لعمر بن عبد العزيز.
"وعن البراء" بن عازب قال: "كان ركوع النبي ﷺ " اسم كان "وسجوده" عطف عليه "وبين السجدتين" عطف على ركوع بتقدير مضاف، أي: زمان ركوعه وسجوده بين السجدتين، أي: الجلوس بينهما، "وإذا رفع" أي: اعتدل "من الركوع"، ولأبي ذر: وإذا رفع رأسه من الركوع، أي: وقت رفع رأسه منه، وإذا هنا لمجرد الزمان منسلخا عن الاستقبال "ما خلا" يعني: إلا "القيام" الذي هو القراءة "والقعود" بنصبهما الذي للتشهد "قريبا" خبر كان "من السواء" بفتح السين والمد، أي: المساواة والاستثناء هنا من المعنى، كأنه قال: كان أفعال صلاته قريبة من السواء ما خلا القيام والقعود فكان يطولهما، "رواه البخاري ومسلم" وأبو داود والترمذي والنسائي، كلهم في الصلاة، وعزوه لمسلم فيه نوع تسمح إذ لم يقع عنده ما خلا القيام والقعود.
"قال النووي: هذا الحديث محمول على بعض الأحوال وإلا فقد ثبت في الحديثстр. 4783
الحديث تطويل القيام، فإنه كان يقرأ في الصبح بالستين إلى المائة، وفي الظهر بـ ﴿الم﴾ السجدة، وأنه كانت تقام الصلاة فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يرجع إلى أهله فيتوضأ ثم يأتي المسجد فيدرك الركعة الأولى، وأنه قرأ سورة المؤمنين حتى بلغ ذكر موسى وهارون، وأنه قرأ في المغرب بالطور والمرسلات، وفي البخاري: بالأعراف، فكل هذا يدل أنه كانت له في إطالة القيام أحوال بحسب الأوقات. وهذا الحديث الذي نحن فيه جرى في بعض الأوقات. انتهى.
الحواشي
(١) تطويل القيام، فإنه كان يقرأ في الصبح بالستين" من الآيات "إلى المائة، وفي الظهر بـ ﴿الم﴾ السجدة"، بالجر بدل، "وأنه كانت تقام الصلاة فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يرجع إلى أهله فيتوضأ، ثم يأتي المسجد فيدرك الركعة الأولى، وأنه" ﷺ "قرأ سورة المؤمنين حتى بلغ ذكر موسى وهارون" أو ذكر عيسى كما مر، "وإنه قرأ في المغرب بالطور والمرسلات".
"وفي البخاري" أنه قرأ فيها "بالأعراف فكل هذا يدل على أنه كانت له في إطالة القيام أحوال بحسب الأوقات، وهذا الحديث الذي نحن فيه في بعض الأوقات. انتهى" قول النووي وهو مبني على أن المراد بالقيام في قوله ما خلا القيام ما يشمل الاعتدال وقيام القراءة، وفي فتح الباري قيل: المراد بالقيام الاعتدال وبالقعود الجلوس بين السجدتين، وجزم به بعضهم وتمسك به في أن الاعتدال والجلوس بين السجدتين لا يطولان.
ورده ابن القيم في حاشية السنن، فقال: هذا سوء فهم من قائله، لأنه قد ذكرهما بعينهما، فكيف يستثنيهما، وهل يحسن قول القائل: جاء زيد وعمرو وبكر وخالد إلا زيدا وعمرا، فإنه متى أراد نفي المجيء عنهما كان متناقضا. انتهى.
وتعقب بأن المراد بذكرهما إدخالهما في الطمأنينة وباستثناء بعضها إخراج المستثنى من المساواة، وقال بعض شيوخنا: معنى قوله قريبا من السواء أن كل ركن قريب من مثله، فالقيام الأول قريب من الثاني والركوع في الأولى قريب من الثانية، والمراد بالقيام والقعود اللذين استثنيا الاعتدال والجلوس بين السجدتين، ولا يخفى تكلفه، واستدل بظاهره على أن الاعتدال ركن طويل، ولا سيما قوله في حديث أنس: حتى يقول القائل قد نسي، وفي الجواب عنه تعسف.
وقد روى البخاري أيضا الحديث بغير استثناء وكذا أخرجه مسلم وغيره من طرق، وقيل: المراد بالقيام والقعود للقراءة والجلوس للتشهد، لأن قيام القراءة أطول من جميع الأركان غالبا. انتهى.стр. 4784
وقال ابن القيم: مراد البراء أن صلاته ﷺ كانت معتدلة، فكان إذا أطال القراءة أطال القيام والركوع والسجود، وإذا خفف خفف الركوع والسجود، وتارة يجعل الركوع والسجود بقدر القيام، وهديه ﵊ الغالب تعديل الصلاة وتناسبها. انتهى.
الفرع العاشر: فيما يقوله في الركوع والرفع منه
عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي"، يتأول القرآن. رواه البخاري ومسلم.
الحواشي
(١) "وقال ابن القيم: مراد البراء أن صلاته ﷺ كانت معتدلة، فكان إذا أطال القراءة أطال القيام والركوع والسجود، وإذا خفف" القراءة "خفف الركوع والسجود، وتارة يجعل الركوع والسجود بقدر القيام وهديه" أي: سيرته وطريقته وهيئته التي كان عليها "﵊ الغالب تعديل الصلاة وتناسبها. انتهى".
وهو جواب عن الاستدلال بالحديث على تطويل الاعتدال في الرفع من الركوع وبين السجدتين، وأوضح منه قول الحافظ: أجاب بعضهم عن حديث البراء، بأنه ليس المراد بقوله: قريبا من السواء أنه كان يركع بقدر قيامه، وكذا السجود والاعتدال، بل المراد أن صلاته كانت معتدلة، فكان إذا أطال القراءة أطال بقية الأركان وإذا خففها خفف بقية الأركان، فقد ثبت أنه قرأ في الصبح بالصافات، وثبت في السنن عن أنس، أنهم خرروا في السجود قدر عشر تسبيحات، فيحمل على أنه إذا قرأ بدون الصافات اقتصر على دون العشر، وأقله كما ورد في السنن أيضا ثلاث تسبيحات. انتهى.
الفرع العاشر:
"فيما يقوله في الركوع و" ما يقوله في "الرفع منه" فليس المراد أنه شيء واحد يقول فيهما خص الترجمة بالركوع وإن قال في الحديث الأول في ركوعه وسجوده، وفي الثاني ما يقوله في كل منهما، كما خص السجود بالثالثة ليجمع في كل منهما ما فعل فيه وإن شاركه الآخر في بعضها.
"عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك" نصب بفعل محذوف لزوما، أي: أسبح سبحانك "اللهم، و" سبحت "بحمدك" فمتعلق الباء محذوف، أي: بتوفيقك وهدايتك لا بحولي وقوتي، ففيه شكر الله تعالى على هذهстр. 4785
ومعنى "يتأول القرآن": يعمل بما أمر به فيه في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ فكان ﵇ يقول هذا الكلام البديع في الجزالة المستوفى ما أمر به في الآية.
وعنها: كان ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: "سبوح قدوس رب الملائكة
الحواشي
(١) النعمة والاعتراف بها، والواو فيه للحال أو لعطف الجملة على الجملة، سواء قلنا إضافة الحمد إلى الفاعل، والمراد منه لازمه مجازا، وهو ما يوجبه من التوفيق والهداية، أو إلى المفعول، ومعناه: وسبحت ملتبسا بحمدي لك "اللهم اغفر لي" يتأول القرآن، رواه البخاري" في الصلاة والمغازي والتفسير "ومسلم" وأبو داود والنسائي وابن ماجه في الصلاة، "ومعنى يتأول القرآن يعمل بما أمر به فيه" لا ما اصطلح عليه أهل الأصول من حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، فإن كان لدليل فصحيح، أو لشبهة ففاسد، أو لا لشيء فلعب لا تأويل "في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ ، فالمراد بالقرآن بعضه، وهو السورة المذكورة كما بين في رواية البخاري في اتفسير مع بيان ابتداء هذا الفعل، وإنه واظب عليه ولفظه: ما صلى النبي ﷺ صلاة بعد إذ أنزل عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ إلا يقول فيها الحديث، وزعم أنه اختار الصلاة لهذا القول لأن حالها أفضل من غيرها مردود، فليس في الحديث أنه لم يقل ذلك خارج الصلاة، بل في بعض طرقه عند مسلم ما يشعر بأنه كان يواظب على ذلك داخل الصلاة وخارجها.
"فكان ﵇ يقول هذا الكلام البديع في الجزالة المستوفى ما أمر به في الآية" ففيه تعيين أحد احتماليها، إذ تحتمل أن التسبيح بنفس الحمد لما تضمنه الحمد من معنى التسبيح الذي هو التنزيه لاقتضاء الحمد نسبة الأفعال المحمود عليها إلى الله تعالى، فيكفي في الامتثال الاقتصار على الحمد، يحتمل أن المراد فسبح ملتبسا بالحمد، فلا يتمثل حتى يجمعهما وهو الظاهر، قاله الحافظ.
"وعنها" أي عائشة: "كان ﷺ يقول في ركوعه" في بعض الأوقات "وسجوده" هكذا في نسخة صحيحة، وهو كذلك في مسلم، وسقط في بعض نسخ المصنف: "سبوح قدوس" بضم السين والقاف وفتحهما، قال ثعلب، كل اسم على فعول مفتوح الأول إلا سبوحا وقدوسا، فالضم فيهما أكثر، ورويا بالنصب قياسا بإضمار فعل، أي أصبح سبوحا، وبالرفع وهو أكثر استعماله على الخبر، أي: ذكر لمن هو سبوح وبناؤهما للمبالغة من التسبيح والتقديس، والمعنى أنه ﵎ مطهر منزه عن صفات المخلوقين، والأظهر أنهما اسمان بمعنى مسبح ومقدس، فأما قدوس فمذكور في الأسماء الحسنى، وأما سبوح فنص على أنه من الأسماء ابن فارس والزبيدي، ذكره الأبي "رب الملائكة والروح" عطف خاص على عام، قيل: هو جيريل، وقيل: ملكстр. 4786
والروح". رواه مسلم.
وعن حذيفة أنه ﷺ كان يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم"، وفي سجوده "سبحان ربي الأعلى" رواه، وكان إذا رفع ظهره من الركوع قال: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ملء السموات الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد". رواه مسلم.
قال النووي: يبدأ -يعني المصلي- بقوله: "سمع الله لمن حمده" حين
الحواشي
(١) عظيم، وقيل: خلق لا تراهم الملائكة، "رواه مسلم" من أفراده.
"وعن حذيفة" بن اليمان "أنه ﷺ يقول في ركوعه": "سبحان ربي العظيم" أي: ثلاثا كما في ابن ماجه والدارقطني عن حذيفة نفسه، وزاد الثاني: "وبحمده"، وفي أبي داود عن عقبة بن عامر كان ﷺ إذا ركع قال: "سبحان ربي العظيم وبحمده" ثلاثا، "وفي سجوده": "سبحان ربي الأعلى". رواه ... " كذا في نسخ وبيض بعده، وفي نسخة، بإسقاط رواه، وقد أخرجه الشيخان وغيرهما عن حذيفة في حديث طويل، "وكان إذا رفع ظهره" مفرد ظهور كما في نسخة صحيحة، وهو الذي في مسلم في حديث ابن أبي أوفى هذا، ويقع في النسخ رأسه، وإنما هي في مسلم في حديث أبي سعيد الآتي "من الركوع، قال": "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ملء السموات والأرض".
زاد في رواية لمسلم: "وما بينهما". قال المصنف عليه بكسر ميم ملء الاسم، وبفتحها المصدر وفتح الهمزة أرجح من ضمها، وفي الأبي: الأشهر في ملء النصب على التمييز، ورجحه ابن خالويه، وحكى عن الزجاج تعين رفعه، وبالغ في إنكار النصب.
قال الخطابي: هذا تمثيل وتقريب، والكلام ايقدر بالمكاييل ولا تسعه الأوعية، وإنما المراد منه تكثير العدد حتى لو قدر أن تكون تلك الكلمات أجساما تملأ الأماكن لبلغت من كثرتها ما يملأ السموات والأرضين.
وقال التوربشتي: هذا يشير إلى الاعتراف بالعجز عن أداء حق الحمد بعد استفراغ المجهود، فإنه حمده ملء السموات والأرض، وهذه نهاية حمد القائمين به، ثم ارتفع فأحل الأمر فيه على المشيئة، فقال: "وملء ما شئت من شيء بعد" وليس وراء ذلك الحمد منتهى، فإن حمد الله تعالى أعز من أن يعتوره الحسبان، أو يكتنفه الزمان والمكان، ولم ينته أحد من خلق الله في الحمد مبلغه ومنتهاه، وبهذه الرتبة استحق ﷺ أن يسمى بأحمد.
"رواه مسلم" عن عبد الله بن أبي أوفى، وظاهر قوله: إذا رفع ظهره أنه يقول التسميع بعد تمام الرفع من الركوع وليس بمراد، ولذا "قال النووي: يبدأ، يعني المصلي بقوله: سمع اللهстр. 4787
يشرع في الرفع من الركوع، ويمده حتى ينتصب قائما، ثم يشرع في ذكر الاعتدال وهو: ربنا ولك الحمد ... إلخ.
قال: وفي هذا الحديث دلالة الشافعي وطائفة: أنه يستحب لكل مصل من إمام ومأموم ومنفرد أن يجمع بين "سمع الله لمن حمده" و"ربنا ولك الحمد" في حال استوائه وانتصابه. لأنه ثبت أنه ﷺ فعلهما جميعا. وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي". رواه البخاري. انتهى.
وقال ابن القيم: كان ﵇ إذا استوى قائما قال: "ربنا ولك الحمد"، وربما قال: "ربنا لك الحمد"، وربما قال: "اللهم ربنا لك الحمد". صح عنه ذلك كله، وأما الجمع بين "اللهم" و"الواو" فلم يصح. انتهى.
قلت: وقع في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة -في رواية الأصيلي-
الحواشي
(١) لمن حمده حين يشرع في الرفع من الركوع، ويمده حتى ينتصب قائما، ثم يشرع في ذكر الاعتدال وهو: ربنا ولك الحمد ... إلخ", فيؤول قوله: إذا رفع ظهره على معنى شرع في رفعه ابتدأ التسميع ومده إلى تمام قيامه؛ وبهذا حصل الجمع بين ظاهر هذا الحديث أن التسميع من ذكر الاعتدال وبين ما دل عليه حديث أبي هريرة وغيره أنه من ذكر الانتفال وهو المعروف.
قال: وفي هذا الحديث دلالة للشافعي وطائفة أنه يستحب لكل مصل من إمام ومأموم ومنفرد أن يجمع بين "سمع الله لمن حمده" و"ربنا ولك الحمد" في حال استوائه وانتصابه", عطف تفسير, "لأنه ثبت أنه ﷺ فعلهما جميعا" والغالب كونه إماما, "وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي". رواه البخاري. انتهى".
وقال أبو حنيفة ومالك يقول الإمام سمع الله لمن حمده فقط، والمأموم ربنا لك الحمد فقط لحديث: "إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد"، فقصر الإمم على قول ذلك، والمأموم على الآخر، وهذه قسمة منافية للشركة، كحديث: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر".
وأجابوا عن هذا الحديث بحمله على صلاته ﷺ منفردا، والمنفرد يجمع بينهما على الأصح، أو على صلاة النافلة توفيقا بين الحديثين.
"وقال ابن القيم: كان ﵇ إذا استوى قائما قال: "ربنا ولك الحمد"، وربما قال: "ربنا لك الحمد" بدون واو، "وربما قال: "اللهم ربنا لك الحمد" بلا واو "صح عنه ذلك كله، وأما الجمع بين "اللهم" و"الواو" فلم يصح. انتهى".
"قلت: وقع في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة في رواية الأصيلي مرفوعا:стр. 4788
مرفوعا: "إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقلوا: اللهم ربنا ولك الحمد". فجمع بين "اللهم" و"الواو" وهو يرد على ابن القيم كما ترى.
وقال الشيخ تقي الدين في شرح العمدة: كان إثبات "الواو" دال على معنى زائد، لأنه يكون التقدير: ربنا استجب، أو ما قارب ذلك، ولك الحمد، فيكون الكلام مشتملا على معنى الدعاء، ومعنى الخبر، وإذا قيل بإسقاط "الواو" دل على أحد هذين. انتهى.
وقال ابن العراقي: إسقاط "الواو" حكاه عن الشافعي ابن قدامة وقال: لأن
الحواشي
(١) "إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد". فجمع بين اللهم والواو، وهو يرد على ابن القيم" قوله: لم يصح "كما ترى" ولا رد فيه، لأنه إنما قال لم يصح من فعله ﷺ ، وهذا أمر لهم بما يقولون، ولا يرد أن من السنة أمره، لأن كلامه فيما كان يقوله هو في صلاته على أنه لو سلم أنه يرد عليه لأمكنه أن يدعي شذوذ رواية الأصيلي هذه لمخالفته لجميع رواة البخاري الذي منهم المستملي وهو أحفظهم فإنهم رووه بدون الواو، وهو إنما نفي الصحة لا الورود، ولكن العجب منه ثم من المصنف إلى الغاية، فإنه صح الجمع بينهما من فعله ﷺ ففي البخاري قبل هذا الباب بلصقه باب ما يقول الإمام ومن خلفه، وروى فيه عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ إذا قال: "سمع الله لمن حمده". قال: "اللهم ربنا ولك الحمد". قال المصنف بإثبات الواو، ونص أحمد فيما رواه عنه الأثرم على ثبوتها في عدة أحاديث، وفي بعض الروايات ربنا لك الحمد بحذفها. انتهى.
وفي الفتح كذا ثبت بزيادة الواو في طرق كثيرة وفي بعضها بحذفها. انتهى.
فكان اللائق ذكر هذا في الرد، لأنه ثبت من فعله ﷺ في أكثر الروايات الجمع بينهما، فسبحان من لا يسهو، "وقال الشيخ تقي الدين" بن دقيق العيد "في شرح العمدة: كان إثبات الواو دال على معنى زائد، لأنه يكون التقدير ربنا استجب، أو ما يقارب ذلك" من التقدير المناسب للمقام، "ولك الحمد" فهي عاطفة على مقدر "فيكون الكلام مشتملا على معنى الدعاء" بطلب الإجابة "ومعنى الخبر" بأنه مستحق لجميع المحامد، "وإذا قيل بإسقاط الواو دل على أحد هذين انتهى".
قال الحافظ: وهذا بناء منه على أن الواو عاطفة، وقد قيل إنها واو الحال قاله ابن الأثير، وضعف ما عداه، وقيل: زائدة، قال الأصمعي: سألت أبا عمرو عنها، فقال: زائدة تقول العرب، يعني هذا، فيقول: نعم وهو لك بدرهم، قالوا: وزائدة.
"وقال ابن العراقي" أحمد بن عبد الرحيم إسقاط الواو حكاه عن الشافعي ابن قدامة،стр. 4789
"الواو" للعطف، وليس هنا شيء تعطف عليه. وعن مالك وأحمد في ذلك خلاف.
وقال النووي: كلاهما جاءت به روايات كثيرة، والمختار أنه على وجه الجواز وأن الأمرين جائزان، ولأمر مرجح لأحدهما على الآخر. انتهى.
وعن أبي سعيد الخدري: كان ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: "اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد". رواه مسلم.
الحواشي
(١) وقال: لأن الواو للعطف وليس هنا شيء تعطف عليه" وقد رأيت أنها للعطف على مقدر أو زائدة، أو للحال فلم تتعين للعطف حتى يجعل علة في إسقاطها.
"وعن مالك وأحمد في ذلك خلاف" فروى ابن القاسم عن مالك إثباتها مع اللهم، وروى عنه أشهب إسقاط الواو مع إثبات اللهم، وروى الأثرم عن أحمد إثبات الواو، وقال: إنه ثبت فيه عدة أحاديث، وروى غيره عنه حذفها.
"وقال النووي: كلاهما جاءت به روايات كثيرة، والمختار أنه على وجه الجواز وأن الأمرين جائزان ولا مرجع لأحدهما على الآخر. انتهى" أي: من حيث الثبوت والرد وإن كانت رواية الواو على توجيه ابن دقيق العيد أرجح، من حيث النظر، لأن ما فيه زيادة أعظم من غيره، ثم لا يرد عليه قول المصنف في شرح البخاري، قال العلماء: رواية الواو أرجح. انتهى؛ لأن رجحانها من حيث كثرة رواتها لا يرد رواية حذفها لعدم التنافي بينهما.
"وعن أبي سعيد الخدري: كان ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: "اللهم ربنا لك الحمد" بدون واو كما في مسلم، فما يوجد في بعض نسخ المصنف بالواو خطأ من الكتاب "ملء السموات وملء الأرض"، بالنصب تمييزا أو حال أشهر من رفعه على الصفة وإن قال الزجاج أنه المتعين، "وملء ما شئت من شيء" كالعرش والكرسي وغيرهما مما لا يعلمه غيره "بعد" أي: بعدهما "أهل الثناء والمجد".
قال عياض: هو لهم الجيم، أي: نهاية الشرف، ولابن ماهان والحمد بالحاء والأول أليق، لأن الحمد ذكر، أو لا وهو أعم من الثناء المجرد، وهو الذكر الجميل "أحق ما قال العبد" يحتمل الجنس، والعهد وأنه النبي ﷺ كما في الأبي "وكلنا لك عبد" أي: كل واحد منا أو جملتنا على إرادة الجنس بالعبد. "لا مانع".
وفي نسخة: "اللهم لا مانع" وهما روايتان في مسلم "لما أعطيت" أي: لما أردت إعطاءه وإلا فبعد الإعطاء من كل أحد لا مانع له إذ الواقع لا يرتفع، "ولا معطي لما منعت ولاстр. 4790
قوله: "ملء السموات وملء الأرض": أي حمدًا لو كان أجساما لملأ السموات والأرض.
ومعنى "سمع الله لمن حمده": أي أجاب، يعني: أن من حمد الله متعرضا لثوابه استجاب الله له، فأعطاه ما تعرض له، فأنا أقول ربنا لك الحمد ليحصل ذلك.
وقوله: "أهل": منصوب على النداء.
الحواشي
(١) ينفع ذا الجد منك الجد" قال عياض أكثر روايتنا في الجيم الفتح وفسر بالبخت والحظ، أي الحظ منك في الدنيا في المال والولد لا ينفع في الآخرة، وإنما ينفع فيها العمل، وقيل: الجد الغنى، وقيل: العظمة والسلطان، ومنه قوله تعالى: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ ، وحكى الشيباني كسر الجيم، وضعفه الطبري، أي: ابن جرير وقال: لا أعرفه لغيره، أي: لورود الحث على العمل في الكتاب والسنة كثير المفيد أنه نافع، ولكن يمكن توجيهه بأن المعنى لا ينفع ذا الاجتهاد اجتهاده إلا أن يكون له سابقة خير، فإن العمل لا ينجي بنفسه وإنما ينجي فضل الله لحديث: "لا يدخل الجنة أحد بعمله" وقد يكون المراد في كسب الدنيا والتحفظ من المكاره، أي لا يكسب أحد إلا ما قضى الله له، ولا يلم إلا بما أراده، وهذا أشبه بظاهر الحديث، وهو أصل التسليم وإثبات القدر، ولذا ترجم عليه البخاري وأدخله في باب القدر، أي: أدخل حديث المغيرة فيما كان يقوله ﷺ بعد الصلاة، وهو بنحو هذا الحديث لا حديث أبي سعيد المذكور، لأن البخاري لم يروه، وقال الأبي: فمنك على الفتح بمعنى بدل، أي: لا ينفع ذا الحظ حظه بدل طاعتك، كقوله تعالى: ﴿لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠] .
أي: بدلكم، وقيل: هو بمعنى عند، أي: لا ينفع ذا الحظ حظه عندك، وقيل: المراد جد النسب، أي: لا ينفع أدًا نسبه كما قال تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] "رواه مسلم" من أفراده "قوله: "ملء السموات وملء الأرض" أي: حمدا لو كان أجساما لملأ السموات والأرض" فهو تمثيل لكثرة عدد الحمد كما قال الخطابي، وقيل: المراد ثوابه، وقد يراد بذلك عظم الكلمة كما يقال هذه الكمة تملأ طباق الأرض، قاله الأبي. "ومعنى سمع الله لمن حمده، أي: أجاب، يعني: أن من حمد الله متعرضا لثوابه استجاب الله له فأعطاه ما تعرض له، فأنا أقول ربنا لك الحمد ليحصل ذلك" وإنما كان ذلك معناه، لأن سمع كل شيء من حمده وغيره.
"وقوله: "أهل" منصوب على النداء" أي: يا أهل على الأظهر أو على المدح، ويجوزстр. 4791
وقوله: "وكلنا لك عبد" بالواو، يعني: أحق قول العبد: لا مانع لما أعطيت ... إلخ. واعترض بينهما قوله: "وكلنا لك عبد"، ومثل هذا الاعتراض قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] على قراءة من قرأ فتح العين وإسكان التاء.
و"الجد" بفتح الجيم، الغنى أي: لا ينفع ذا الغنى منك غناه، وإنما ينفعه الإيمان والطاعة، وقيل غير ذلك والله أعلم.
وفي رواية ابن أبي أوفى عند مسلم: كان ﷺ يقول بعد قوله: "من شيء" بعد: "اللهم طهرني بالثلج والبرد وماء البارد".
الحواشي
(١) الرفع على الخبر، أي: أنت أهل، قاله الأبي.
"وقوله: "وكلنا لك عبد" بالواو، يعني: أحق قول العبد" فأحق مبتدأ وما مصدرية "لا مانع لما أعطيت ... إلخ " ويجوز أن تكون ما موصولة أو نكرة موصوفة، أي: أحق شيء قاله العبد، ويجوز أن أحق خبر لما قبله، أي: الحمد المذكور أحق كما في الأبي، "واعترض بينهما قوله: "وكلنا لك عبد" للتأكيد، وشهادة من لا ينطق عن الهوى تؤكد أن يديم الإنسان هذا الذكر، ويقع في كتب الفقهاء حق ما قال العبد كلنا لك عب، بإسقاط الهمزة والواو، وهو صحيح لغة لا رواية كما في الأبي، "ومثل هذا الاعتراض" في أن الجملة معترضة بين كلامين من متكلم واحد "قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ على قراءة من قرأ بفتح العين وإسكان التاء" لأن الاعتراض فيها بين جملتين كل منهما مستقلة بنفسها، لكنهما مقولتان لمريم، وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ إخبار بأن الله لا يخفى عليه شيء "والجد "بفتح الجيم" في الموضعين على المشهور، بمعنى "الغنى، أي: لا ينفع ذا الغنى" ضد الفقر "منك غناه، وإنما ينفعه الإيمان والطاعة وقيل": في معناه "غير ذلك" كما مر "والله أعلم".
"وفي رواية" عبد الله "بن أبي أوفى"، "بفتح الهمزة والفاء بينهما واو ساكنة"، "عند مسلم كان ﷺ يقول بعد قوله "من شيء" بعد"، "بضم الدال"، "اللهم طهرني بالثلج والبرد""، "بفتحتين" المطر "وماء البارد" استعارة للمبالغة في تعظيم التطهير من الذنوب، فإن الأنواع الثلاثة هي المنزلة للتطهير، وهو تمثيل لأنواع المغفرة، والمعنى: اللهم طهرني بأنواع مغفرتك التي تمحو الذنوب تطهيرا لأنواع الثلاثة للحدث والخبث، وأخر الماء إشارة الشمول الرحمة بعد المغفرة لأن الماء أعم وأشمل في التطهير وخص البارد وإن كان السخن أنقى منه ليجانس ما قبله، ولأن البرودة هي المناسبة لإطفاء حرارة عذاب النار. قال عياض: والإضافة في ماء البارد من إضافةстр. 4792
الفرع الحادي عشر: في ذكر صفة سجوده ﷺ وما يقول فيه
كان ﷺ إذا انتهى من ذكر قيامه عن الركوع يكبر، ويخر ساجدا، ولا يرفع يديه.
وقد روي أنه ﵇ كان يرفع يديه أيضا, وصححه بعض الحفاظ كابن حزم، والذي غره أن الراوي غلط من قوله: "كان يكبر في كل خفض ورفع" إلى قوله: "كان يرفع يديه في كل خفض ورفع" وهو ثقة، ولم يفطن لسبب غلطه، ووهم فصححه. نبه عليه في زاد المعاد.
وكان ﵇ يضع يديه قبل ركبتيه. رواه أبو داود.
الحواشي
(١) الشيء إلى نفسه كمسجد الجامع والكوفيون يجيزونها والبصريون يمنعونها، ويؤولون ما جاء منها على حذف الموصوف، أي: مسجد الموضع الجامع. انتهى.
وإضافة الشيء إلى نفسه يمنعها الفريقان، وتجوز القاضي في أنها من ذلك، وإنما هي من إضافة الموصوف إلى صفته بدليل ما مثل به، ذكره كله أبو عبد الله الأبي.
الفرع الحادي عشر: في ذكر صفة سجوده ﷺ وما يقول فيه
"كان ﷺ إذا انتهى" أي فرغ "من ذكر قيامه" الصادر "عن الركوع" أي: الواقع بعد الرفع منه "يكبر ويخر ساجدا ولا يرفع يديه" إذ أخر للسجود كما دل عليه حديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما.
"وقد روي أنه ﵇ كان يرفع يديه أيضا" إذا خر للسجود، "وصححه بعض الحفاظ كابن حزم" اغترارا بثقة رجاله كما قال، "والذي غره أن الراوي غلط من قوله: كان يكبر في كل خفض ورفع، إلى قوله: كان يرفع يديه في كل خفض ورفع" أي: أنه أبدل ذلك بهذا غلطا "وهو ثقة ولم يفطن" بضم الحاء وفتحها، أي: لم يتنبه من صححه "لسبب غلطه" الذي قلناه "ووهم" حيث لم يفطن لذلك، "فصححه" اعتمادا على كونه ثقة "نبه عليه في زاد المعاد" في هدى خير العباد لابن القيم، "وكان ﵇ يضع يديه قبل ركبته" في السجود، وأبدى له الزين بن المنير مناسبة، وهي أن يعتصم بتقديمها عن إيلام ركبتيه إذا جثا عليهما، واستحب ذلك الأوزاعي ومالك، قائلا: لأنه أحسن في خشوع الصلاة ووقارها "رواه أبو داود" وكما ورد من فعله ورد من أمره كما في السنن بإسناد جيد عن أبي هريرة مرفوعا: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه" وعورض بحديث عنه آخرстр. 4793
وقال: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة واليدين والركبتين وأطراف القدمين". رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس.
الحواشي
(١) عند الطحاوي، لكن إسناده ضعيف، وقال الحنفية والشافعية: الأفضل أن يضع ركبتيه ثم يديه، وفي حديث في السنن أيضا عن وائل بن حجر، قال: رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، ومن ثم قال النووي: لا يظهر ترجيح أحد المذهبين على الآخر من حيث السنة، لكن قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام من أحاديث الأحكام: حديث أبي هريرة من حديث وائل، لأن لحديث أبي هريرة شاهدا من حديث ابن عمر، صححه ابن خزيمة عن نافع، قال: كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه، ويقول: كان النبي ﷺ يفعل ذلك وذكره البخاري معلقا موقوفا.
وفي الفتح: ادعى ابن خزيمة أن حديث أبي هريرة منسوخ بحديث سعد: كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بالركبتين قبل اليدين، وهذا لو صح لكان قاطعا للنزاع، لكنه من أفراد إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه وهما ضعيفان. انتهى.
"وقال" ﷺ : "أمرت"، "بضم الهمزة" في جميع الروايات على البناء لما لم يسم فاعله، والمراد به الله ﷻ ، قال البيضاوي: عرف ذلك بالعرف، وذلك يقتضي الوجوب، قيل: وفيه نظر، لأنه ليس فيه صيغة أفعل، وفي رواية أمر النبي، ولما كان هذا السياق يقتضي الخصوصية عقبه البخاري، بلفظ دال على أنه لعموم الأمة، ولفظه عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، قال: أمرنا أن نسجد على سبعة أعظم، ورواه مسلم عن أبيه العباس، مرفوعا: "إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب"، وهذا يرجح أن النون في أمرنا نون الجمع، والآراب بالمد جمع إرب، بكسر أوله وإسكان ثانيه، وهو العضو "أن أسجد على سبعة أعظم" وفي رواية: أعضاء.
قال ابن دقيق العيد: سمى كل واحد عظما باعتبار الجملة وإن اشتمل كل واحد على عظام، ويجوز أنه من تسمية الجملة باسم بعضها، قاله الحافظ "الجبهة" بالخفض عطف بيان لسبعة أعظم وما عطف عليه وهو "واليدين" قال ابن دقيق العيد: المراد بهما الكفان لئلا يدخل تحت النهي عن افتراش السبع والكلب. انتهى.
وفي رواية لمسلم بلفظ والكفين "والركبتين وأطراف" أصابع "القدمين" وهذه مبينة لرواية: والرجلين "رواه البخاري ومسلم" بطرق متعددة "من حديث ابن عباس" عن النبي ﷺ ، وبه يعلم أن قول ابن عباس في رواية للشيخين أيضا أمر النبي ﷺ أن نسجد ... إلخ تلقاه عنه ﷺ إما سماعا منه وإما بلاغا عنه، ويحتمل أنه تلقاه عن أبيه عنه ﷺ ، لأن مسلما روى عن العباس حديث إذا سجد العبد ... إلخ كذا في الفتح، والأصل عدم إرسال الصحابي، وكون العباس روى هذا الحديث بهذا اللفظ لا يقتضي أن ابنه تلقى عنه اللفظ المروي عنه عنстр. 4794
قال النووي: فينبغي للساجد أن يسجد على هذه الأعضاء كلها، وأن يسجد على الجبهة والأنف جميعا، فأما الجبهة فيجب وضعها مكشوفة على الأرض، ويكفي بعضها، والأنف مستحب، فلو تركه جاز، ولو اقتصر عليه وترك الجبهة لم يجز، هذا مذهب الشافعي ومالك والأكثرين، وقال أبو حنيفة عليهما معا لظاهر الحديث، وقال الأكثرون: بل ظاهر الحديث أنهما في حكم عضو واحد، لأنه قال فيه "سبعة" فلو جعلا عضوين صارت ثمانية.
وكان ﵇ إذا سجد فرج بين يديه، حتى يبدو بياض إبطيه. رواه الشيخان.
الحواشي
(١) النبي ﷺ في الصحيحين وغيرهما الظاهر في أنه بلا واسطة.
"قال النووي: فينبغي للساجد أن يسجد على هذه الأعضاء كلها، وأن يسجد على الجبهة والأنف جميعا، فأما الجبهة فيجب وضعها مكشوفة على الأرض" أو ما في حكم المكشوفة، كحائل خفيف عند المالكية، "ويكفي بعضها" أي: الجبهة في السجود عليه، "والأنف مستحب فلو تركه جاز، ولو اقتصر عليه وترك الجبهة لم يجز" بضم فسكون من الأجزاء، "هذا مذهب الشافعي ومالك والأكثرين، وقال أبو حنيفة: عليهما معا لظاهر الحديث، وقال الأكثرون: بل ظاهر الحديث أنهما في حكم عضو واحد، لأنه قال فيه سبعة فلو جعلا عضوين صارت ثمانية".
قال ابن دقيق: فيه نظر، لأنه يلزم منه أن يكتفي بالسجود على الأنف كما يكتفي بالسجود على بعض الجبهة، وقد احتج بهذا لأبي حنيفة في الاكتفاء بالسجود على الأنف، قال: والحق أن مثل هذا لا يعارض التصريح بذكر الجبهة وإن أمكن أن يعتقد أنهما كعضو واحد، فذاك في التسمية والعبارة لا في حكم الذي دل عليه الأمر.
قال الحافظ: وجواز الاقتصار على بعض الجبهة، قاله كثير من الشافعية أخذا من قول الأم يكره الاقتصار على بعض الجبهة، وألزمهم بعض الحنفية بما مر.
ونقل ابن المنذر إجماع الصحابة على أنه لا يجزئ على الأنف وحده، وذهب الجمهور إلى أنه يجزئ على الجبهة وحدها، وعن الأوزاعي وأحمد وإسحاق وابن حبيب وغيرهم: يجب أن يجمعهما وهو قول للشافعي أيضا، "وكان ﵇ إذا سجد فرج"، "بشد الراء"، "بين يديه" أي: نحى كل يد عن الجنب الذي يليها "حتى يبدو بياض إبطيه" لأنه أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض مع مغايرته لهيئة الكسلان.стр. 4795
وقالت ميمونة: جافى بين يديه، حتى لو شاءت بهيمة أن تمر بين يديه لمرت. رواه مسلم.
ولم يذكر عنه ﷺ أنه سجد على كور عمامته، ولم يثبت عنه ذلك في حديث صحيح ولا حسن، ولكن روى عبد الرزاق في المصنف عن أبي هريرة قال كان رسول الله ﷺ يسجد على كور عمامته، وهو من رواية عبد الله بن محرر، وهو متروك. وذكر أبو داود في المراسيل أنه ﷺ رأى رجلا يصلي فسجد بجبينه وقد اعتم على جبهته فحسر ﷺ عن جبهته.
وكان ﷺ يقول في سجوده: "اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله, أوله وآخره، علانيته وسره". رواه مسلم من حديث أبي هريرة.
وقوله: "دقه وجله" بكسر أولهما، أي قليله وكثيره.
الحواشي
(١) وقال القرطبي: ليخف بذلك اعتماده عن وجهه، ولا يتأثر أنفه ولا جبهته ولا يتأذى بملاقاة الأرض.
وقال الناصر بن المنير: ليظهر كل عضو بنفسه، ويتميز حتى يكون الإنسان الواحد في سجوده كأنه عدد، قيل فيه إنه لم يكن عليه قميص لانكشاف أبطيه، ورد باحتمال أن القميص واسع الأكمام، أو أراد الراوي أن موضع بياضهما لو لم يكن عليه ثوب لرئي، قاله القرطبي "رواه الشيخان" عن عبد الله بن مالك ابن بحينة، "وقالت ميمونة" أم المؤمنين: "جافى بين يديه"، لفظها: كان النبي ﷺ يجافي يديه "حتى لو شاءت بهيمة أن تمر بين يديه لمرت"، فيستحب للرجل ذلك التفريج، "رواه مسلم" وأبو داود والنسائي وابن ماجه بنحوه، "ولم يذكر عنه ﷺ ، أنه سجد على كور عمامته" بفتح الكاف، "ولم يثبت عنه ذلك في حديث صحيح ولا حسن، ولكن" في حديث ضعيف.
"روى عبد الرزاق في المصنف عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يسجد على كور عمامته وهو من رواية عبد الله بن محرر" بمهملات الجزري القاضي "وهو متروك" روى له ابن ماجه ومات في خلافة المنصور، "وذكر أبو داود في المراسيل، أنه ﷺ رأى رجلا يصلي فسجد بجبينه" أي: عليه، فالباء بمعنى على والجبين ناحية الجبهة من محاذاة النزعة إلى الصدغ، وهما جبينان عن يمين الجبهة وشمالها، قاله الأزهري وابن فارس وغيرهما، "وقد اعتم" الرجل "على جبهته، فحسر" كشف " ﷺ عن جبهته" أي: الرجل "وكان ﷺ يقول في سجوده: "اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه" قليله "وجله" كثيره، "أوله وآخره، علانيته" جهره "وسره"، رواه مسلم من حديث أبي هريرة وقوله: "دقه وجله" بكسرстр. 4796
وعن عائشة قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش، فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في السجود، وهما منصوبتان، وهو يقول: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك". رواه مسلم.
الحواشي
(١) أولهما" أي: الدال والجيم، "أي قليله" تفسير لدقه، "وكثيره" تفسير لجله.
"وعن عائشة قالت فقدت" بفتح القاف، أي: عدمت "رسول الله ﷺ ليلة من الفراش" وفي رواية: وكان معي على فراش، ولأبي يعلى، عنها: كان ليلتي منه ﷺ ، فانسل، فظننت أنه انسل إلى بعض نسائه، فخرجت غيرى "فالتمسته".
زاد في رواية: في البيت وجعلت أطلبه بيدي، "فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في السجود" الذي في مسلم وهو في المسجد، ففيه أنها لما التمسته في البيت لم تجده، فخرجت إلى المسجد وهو صريح قوله في بعض طرق الحديث ما أخرجك، "وهما منصوبتان" وفيه أن اللمس بغير لذة لا ينقض الوضوء، واحتمال أنه كان فوق حائل خلاف الأصل، "وهو يقول" زاد أبو يعلى: "سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت"، "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك" أي: بما يرضيك مما يسخطك، فخرج عن حظ نفسه بإقامة حرمة محبوبه، فهذا لله تعالى، ثم الذي لنفسه قوله: "وبمعافاتك من عقوبتك" استعاذ بها بعد استعاذته برضاه، لاحتمال أن يرضى من جهة حقوقه، ويعاقب على حقوق غيره، "وأعوذ بك منك" قال عياض: ترق من الأفعال إلى منشئ الأفعال مشاهدة للحق وغيبة عن الخلق الذي هو محض المعرفة الذي لا يعبر عنه قول ولا يضبطه وصف، فهو محض التوحيد، وقطع الالتفات إلى غيره وإفراده بالاستعانة وغيرها "لا أحصي ثناء" بمثلثة فنون" والمد، أي: وصفا بمدح "عليك أنت" مبتدأ خبره "كما أثنيت على نفسك" أي: الثناء عليك هو المماثل لثنائك على نفسك ولا قدرة لأحد عليه، ويحتمل أن أنت تأكيد للكاف من عليك باستعارة الضمير المنفصل للمتصل، "رواه مسلم" وأحمد وأصحاب السنن الثلاثة وأبو يعلى بزيادة: "اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت، سجد لك سوادي وخيالي، وآمن بك فؤادي، رب هذه يدي وما جنيت على نفسي، يا عظيم يرجى لكل عظيم، فاغفر لي الذنب العظيم"، فقلت: بأبي أنت وأمي إني لفي شأن وإنك لفي شأن، فرفع رأسه فقال: "ما أخرجك"؟ , قالت: ظن ظننته. قال: "إن بعض الظن إثم، فاستغفري الله إن جبريل أتاني فأمرني أن أقول هذه الكلمات التي سمعتيها، فقوليها في سجودك، فإن من قالها لم يرفع رأسه حتى يغفر". أظنه قال له: وفي رواية فالتمسته بيدي فوقعت عليه وهو ساجد، يقول: "رب أعط نفسي تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها".стр. 4797
قال الخطابي: في هذا الحديث معنى لطيف، وذلك أنه ﵇ استعاذ بالله وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضى والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والمعاقبة، فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له وهو الله تعالى استعاذ به منه لا غيره، ومعناه: الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه.
وقوله: "لا أحصي ثناء عليك" أي لا أطيقه ولا آتي عليه، وقيل: لا أحيط به، وقال مالك: لا أحصي نعمتك وإحسانك والثناء بهما عليك وإن اجتهدت في الثناء بهما عليك.
الحواشي
(١) "قال الخطابي: في هذا الحديث معنى لطيف، وذلك أنه ﵇ استعاذ بالله وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضا والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والمعاقبة، فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له، وهو الله" سبحان و"تعالى"، "استعاذ به منه لا غيره" قال الأبي: الأولى أن لا يكون استعاذ به منه لحديث المرأة التي استعاذت من النبي ﷺ فأبعدها منه وقال لها ما قال، وإنما استعاذ من عقوبته، فالتقدير: أعوذ من عقوبتك بك. انتهى.
وفيه نظر، لأنه على ما قدره يتكرر في المعنى مع قوله: وبمعافاتك من عقوبتك، وليس هذا كقول المرأة: أعوذ بالله منك، لأن قصدها البعد وأن لا يقربها، والنبي ﷺ قصده بقوله: "وبك منك". مزيد القرب المعنوي واللجأ إلى الله تعالى وقطع الالتفات إلى غيره، كما مر عن عياض، وإليه الإشارة بقوله، "ومعناه الاستغفار من التقصير في بلغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه" ولذا عقبه بقوله: "لا أحصي ثناء عليك" وأخذ من الحديث صحة قول سبحان من تواضع كل شيء لعظمته، وقول الخطيب يوم الجمعة: واجتمعنا متضرعين لعظمتك، وحجة المانع أن التواضع والتضرع إنما يكوننا لذاته ﵎، قاله الأبي. "وقوله: "لا أحصي ثناء عليك" أي لا أطيقه ولا آتي" بالمد "عليه" جميعه، بل أنا عاجز عنه وإن أتيت ببعضه، أي: لا أطيق الثناء عليك بما تستحق أن يثنى به عليك.
"وقيل" معناه "لا أحيط به" لأنه إنما يحاط بالمتناهي والثناء عليه لا نهاية له.
"وقال مالك" الإمام: معناه: "لا أحصي نعمتك وإحسانك والثناء بهما عليك، وإن اجتهدت في الثناء بهما عليك" لأن الثناء فرع الإحاطة بالنعم، وهي لا تحصى، قاله الأبي، وقيل: معناه لا أعد، لأن أصل معنى الإحصاء العد بالحصى، كما قال:
ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثرстр. 4798
وقوله: "أنت كما أثنيت على نفسك": اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء، فإنه لا يقدر على بلوغ حقيقته، ورد الثناء إلى الجملة دون التفصيل والإحصاء والتعيين، فوكل ذلك إلى الله تعالى المحيط بكل شيء جملة وتفصيلا، وكما أن لا نهاية لصفاته لا نهاية للثناء عليه، لأن الثناء تابع للمثنى عليه، فكل شيء اثني عليه وإن كثر وطال وبولغ فيه, فقدر الله أعظم وسلطانه أعز، وصفاته أكثر وأكبر، وفضله وإحسانه أوسع وأسبغ. انتهى.
وههنا فائدة لطيفة ذكر بعض المحققين، في نهيه ﷺ عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، وهي أن القرآن أشرف الكلام، وحالتا الركوع والسجود حالتا ذل وانخفاض من العبد، فمن الأدب مع كلام الله تعالى أن لا يقرأ في هاتين
الحواشي
(١) فهو من نفي الملزوم المعبر عنه بالإحصاء المفسر بالعد وإرادة نفي اللازم، وهو استيعاب المعدود، فكأنه قيل: لا أستوعب، فالمراد نفي القدرة عن الإتيان بجميع الثناءات، أو فرد منها يفي بنعمة من نعم الله تعالى لا عدها، إذ يمكن عد أفراد كثيرة من الثناء.
"وقوله: أنت كما أثنيت على نفسك اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء، فإنه لا يقدر على بلوغ حقيقته، ورد"، "بالجر عطف على العجز بتقدير الجار" أي: وبرد "الثناء إلى الجملة دون التفصيل والإحصاء والتعيين، فوكل ذلك إلى الله تعالى المحيط بكل شيء جملة وتفصيلا، وكما أن لا نهاية لصفاته" سبحانه، كذلك "لا نهاية للثناء عليه، لأن الثناء تابع للمثنى عليه" بضم الميم وسكون المثلثة وفتح النون، "فكل شيء أثنى عليه وإن كثر وطال وبولغ فيه، فقدر الله أعم وسلطانه أعز وصفاته أكثر" بمثلثة "وأكبر" بموحدة، "وفضله وإحسانه واسع وأسبغ" فلا قدرة لأحد على وصفه بجميع ما يليق به. "انتهى" كلام الخطابي.
قال بعضهم: وذلك أن عظمته تعالى وصفاته لا نهاية لها، وعلوم البشر وقدرتهم متناهية، فلا يتعلق واحد منهما بما لا يتناهى، وإنما يتعلق بذلك علمه الذي لا يتناهى وتحصيه قدرته التي لا تتناهى، فهو بعلمه الشامل يعلم صفات جلاله ويقدر بقدرته التامة أن يحصي الثناء عليه. انتهى.
"وههنا فائدة لطيفة: ذكر بعض المحققين في" حكمه "نهيه ﷺ عن قراءة القرآن في الركوع والسجود" المروي في الموطأ ومسلم من حديث علي "وهي: أن القرآن أشرف الكلام وحالتا الركوع والسجود حالتا ذل وانخفاض من العبد. فمن الأدب مع كلام الله تعالى أن لا يقرأ في هاتين الحالتين، وتكون حالة القيام والانتصاب أولى به، والله تعالىстр. 4799
الحالتين، وتكون حالة القيام والانتصاب أولى به والله تعالى أعلم.
وروى أبو داود: أنه ﷺ سجد على الماء والطين.
وكان يرفع رأسه من السجود مكبرا غير رافع يديه ويرفع منه رأسه قبل يديه ثم يجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى.
وكان ﵇ يجلس للاستراحة جلسة لطيفة، بحيث تسكن جوارحه سكونا بينا، ثم يقوم إلى الركعة الثانية، كما في صحيح البخاري وغيره.
قال النووي: ومذهبنا استحبابها عقب السجدة الثانية في كل ركعة يقوم عنها، ولا تستحب في سجود التلاوة في الصلاة.
الحواشي
(١) أعلم" وهي زهرة لا تحتمل العرك.
"وروى أبو داود" في الصلاة عن أبي سعيد "أنه ﷺ سجد على الماء والطين" صبح ليلة القدر، وقصر العز، ولأبي داود تقصير شديد، فالحديث فيه وفي الصحيحين والنسائي وابن ماجه مطولا، وهو في البخاري في مواضع من الصلاة والصوم والاعتكاف، ولفظه: في بعضها عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ وأنها، أي: ليلة القدر في العشر الأواخر، وإني رأيت كأني أسجد في طين وماء، وكان سقف المسجد من جريد النخل، وما نرى في السماء شيئا، فجاءت قزعة، فأمطرنا، فصلى بنا ﷺ حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهته وأرنبته تصديق رؤياه، "وكان يرفع رأسه من السجود مكبرا غير رافع يديه، ويرفع منه رأسه قبل يديه، ثم يجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى" أي يقيمها، "وكان ﵇ يجلس للاستراحة جلسة لطيفة، بحيث تسكن جوارحه سكونا بينا، ثم يقوم إلى الركعة الثانية، كما" يفيد ذلك ما "في صحيح البخاري وغيره" كأبي داود والترمذي والنسائي من حديث مالك بن الحويرث أنه رأى النبي ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا، فليس ما ذكره المصنف لفظ الحديث لا في البخاري ولا في غيره.
"قال النووي: ومذهبنا استحبابها عقب السجدة الثانية في كل ركعة يقوم عنها" وبهذا قال طائة من أهل الحديث: وعن أحمد روايتان ولم يستحبها الأكثر ومالك وأبو حنيفة، واحتج له الطحاوي بخلو حديث أبي حميد، فإنه ساقه لفظ، فقام ولم يتورك، وكذا رواه أبو داود، قال: فلما تخالفا احتمل أن ما فعله في حديث مالك بن الحويرث لعلة كانت به، فقعد من أجلها، لا أن ذلك من سنة الصلاة، وبأنها لو كانت مقصودة لشرع لها ذكر مخصوص، وتعقب بأن الأصل عدم العلة، وحديث أبي حميد يدل على عدم وجوبها، فكأنه تركها لبيانстр. 4800
وكان ﷺ يقول بين السجدتين: "اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني". رواه أبو داود والدارمي من حديث ابن عباس.
الفرع الثاني عشر: في ذكر جلوسه للتشهد
كان ﷺ إذا جلس للتشهد يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى. رواه مسلم.
قال النووي: معناه يجلس مفترشا، وفيه حجة لأبي حنيفة ومن وافقه: أن الجلوس في الصلاة يكون مفترشا سواء فيه جميع الجلسات.
وعند مالك: يسن متوركا بأن يخرج رجله اليسرى من تحته ويقضي بوركه
الحواشي
(١) الجواز، وأما الذكر، فإنها جلسة خفيفة جدا استغنى عنه بالتكبير المشروع للقيام، فإنها من جملة للنهوض إلى القيام.
وأجيب بأن كون الأصل عدم العلة لا يمنع احتمالها، فيسقط الاستدلال، وقد تمسك من لم يقل باستحبابها بقوله ﷺ : لا تبادروني بالقيام والقعود، فإني قد بدنت، فدل على أنه كان يفعله لهذا السبب، فلا تشرع إلا في حق من اتفق عليه نحو ذلك "ولا تستحب في سجود التلاوة في الصلاة" اتفاقا "وكان ﷺ يقول بين السجدتين: "اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني". زاد في رواية: "وارفعني". "رواه أبو داود والدارمي من حديث ابن عباس" وجاء أنه كان يقول بين السجدتين: "اللهم اغفر لي" مرتين.
الفرع الثاني عشر: في ذكر جلوسه للتشهد
"كان ﷺ إذا جلس للتشهد" أي: جنسه الصادق بالأول وغيره "يفرش"، "بضم الراء وكسرها" يبسط "رجله اليسرى وينصب" رجله "اليمنى، رواه مسلم" عن عائشة أثناء حديث، بلفظ: وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، فليس فيه إذا جلس للتشهد، وإنما هو من المصنف أتى به استدلالا على الجلوس للتشهد.
"قال النووي: معناه يجلس مفترشا" أخذا من إطلاق الحديث, "وفيه حجة لأبي حنيفة ومن وافقه أن الجلوس في الصلاة يكون مفترشا" الجلوس بمعنى الجالس إطلاقا للمصدر على اسم الفاعل، أو باق على حاله بتقدير يكون فاعله مفترشا، بكسر الراء، فإن فتحت على أنه مصدر ميمي بمعنى الافتراش لم يحتج لتأويل، "سواء" أي: مستو "فيه جميع الجلسات".
"وعند مالك يسن" أي: يستحب الجلوس كله "متوركا بأن يخرج رجله اليسرى منследующие страницы →