Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.
стр. 4796
وعن عائشة قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش، فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في السجود، وهما منصوبتان، وهو يقول: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك". رواه مسلم.
الحواشي
(١) أولهما" أي: الدال والجيم، "أي قليله" تفسير لدقه، "وكثيره" تفسير لجله.
"وعن عائشة قالت فقدت" بفتح القاف، أي: عدمت "رسول الله ﷺ ليلة من الفراش" وفي رواية: وكان معي على فراش، ولأبي يعلى، عنها: كان ليلتي منه ﷺ ، فانسل، فظننت أنه انسل إلى بعض نسائه، فخرجت غيرى "فالتمسته".
زاد في رواية: في البيت وجعلت أطلبه بيدي، "فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في السجود" الذي في مسلم وهو في المسجد، ففيه أنها لما التمسته في البيت لم تجده، فخرجت إلى المسجد وهو صريح قوله في بعض طرق الحديث ما أخرجك، "وهما منصوبتان" وفيه أن اللمس بغير لذة لا ينقض الوضوء، واحتمال أنه كان فوق حائل خلاف الأصل، "وهو يقول" زاد أبو يعلى: "سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت"، "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك" أي: بما يرضيك مما يسخطك، فخرج عن حظ نفسه بإقامة حرمة محبوبه، فهذا لله تعالى، ثم الذي لنفسه قوله: "وبمعافاتك من عقوبتك" استعاذ بها بعد استعاذته برضاه، لاحتمال أن يرضى من جهة حقوقه، ويعاقب على حقوق غيره، "وأعوذ بك منك" قال عياض: ترق من الأفعال إلى منشئ الأفعال مشاهدة للحق وغيبة عن الخلق الذي هو محض المعرفة الذي لا يعبر عنه قول ولا يضبطه وصف، فهو محض التوحيد، وقطع الالتفات إلى غيره وإفراده بالاستعانة وغيرها "لا أحصي ثناء" بمثلثة فنون" والمد، أي: وصفا بمدح "عليك أنت" مبتدأ خبره "كما أثنيت على نفسك" أي: الثناء عليك هو المماثل لثنائك على نفسك ولا قدرة لأحد عليه، ويحتمل أن أنت تأكيد للكاف من عليك باستعارة الضمير المنفصل للمتصل، "رواه مسلم" وأحمد وأصحاب السنن الثلاثة وأبو يعلى بزيادة: "اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت، سجد لك سوادي وخيالي، وآمن بك فؤادي، رب هذه يدي وما جنيت على نفسي، يا عظيم يرجى لكل عظيم، فاغفر لي الذنب العظيم"، فقلت: بأبي أنت وأمي إني لفي شأن وإنك لفي شأن، فرفع رأسه فقال: "ما أخرجك"؟ , قالت: ظن ظننته. قال: "إن بعض الظن إثم، فاستغفري الله إن جبريل أتاني فأمرني أن أقول هذه الكلمات التي سمعتيها، فقوليها في سجودك، فإن من قالها لم يرفع رأسه حتى يغفر". أظنه قال له: وفي رواية فالتمسته بيدي فوقعت عليه وهو ساجد، يقول: "رب أعط نفسي تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها".стр. 4797
قال الخطابي: في هذا الحديث معنى لطيف، وذلك أنه ﵇ استعاذ بالله وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضى والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والمعاقبة، فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له وهو الله تعالى استعاذ به منه لا غيره، ومعناه: الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه.
وقوله: "لا أحصي ثناء عليك" أي لا أطيقه ولا آتي عليه، وقيل: لا أحيط به، وقال مالك: لا أحصي نعمتك وإحسانك والثناء بهما عليك وإن اجتهدت في الثناء بهما عليك.
الحواشي
(١) "قال الخطابي: في هذا الحديث معنى لطيف، وذلك أنه ﵇ استعاذ بالله وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضا والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والمعاقبة، فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له، وهو الله" سبحان و"تعالى"، "استعاذ به منه لا غيره" قال الأبي: الأولى أن لا يكون استعاذ به منه لحديث المرأة التي استعاذت من النبي ﷺ فأبعدها منه وقال لها ما قال، وإنما استعاذ من عقوبته، فالتقدير: أعوذ من عقوبتك بك. انتهى.
وفيه نظر، لأنه على ما قدره يتكرر في المعنى مع قوله: وبمعافاتك من عقوبتك، وليس هذا كقول المرأة: أعوذ بالله منك، لأن قصدها البعد وأن لا يقربها، والنبي ﷺ قصده بقوله: "وبك منك". مزيد القرب المعنوي واللجأ إلى الله تعالى وقطع الالتفات إلى غيره، كما مر عن عياض، وإليه الإشارة بقوله، "ومعناه الاستغفار من التقصير في بلغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه" ولذا عقبه بقوله: "لا أحصي ثناء عليك" وأخذ من الحديث صحة قول سبحان من تواضع كل شيء لعظمته، وقول الخطيب يوم الجمعة: واجتمعنا متضرعين لعظمتك، وحجة المانع أن التواضع والتضرع إنما يكوننا لذاته ﵎، قاله الأبي. "وقوله: "لا أحصي ثناء عليك" أي لا أطيقه ولا آتي" بالمد "عليه" جميعه، بل أنا عاجز عنه وإن أتيت ببعضه، أي: لا أطيق الثناء عليك بما تستحق أن يثنى به عليك.
"وقيل" معناه "لا أحيط به" لأنه إنما يحاط بالمتناهي والثناء عليه لا نهاية له.
"وقال مالك" الإمام: معناه: "لا أحصي نعمتك وإحسانك والثناء بهما عليك، وإن اجتهدت في الثناء بهما عليك" لأن الثناء فرع الإحاطة بالنعم، وهي لا تحصى، قاله الأبي، وقيل: معناه لا أعد، لأن أصل معنى الإحصاء العد بالحصى، كما قال:
ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثرстр. 4798
وقوله: "أنت كما أثنيت على نفسك": اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء، فإنه لا يقدر على بلوغ حقيقته، ورد الثناء إلى الجملة دون التفصيل والإحصاء والتعيين، فوكل ذلك إلى الله تعالى المحيط بكل شيء جملة وتفصيلا، وكما أن لا نهاية لصفاته لا نهاية للثناء عليه، لأن الثناء تابع للمثنى عليه، فكل شيء اثني عليه وإن كثر وطال وبولغ فيه, فقدر الله أعظم وسلطانه أعز، وصفاته أكثر وأكبر، وفضله وإحسانه أوسع وأسبغ. انتهى.
وههنا فائدة لطيفة ذكر بعض المحققين، في نهيه ﷺ عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، وهي أن القرآن أشرف الكلام، وحالتا الركوع والسجود حالتا ذل وانخفاض من العبد، فمن الأدب مع كلام الله تعالى أن لا يقرأ في هاتين
الحواشي
(١) فهو من نفي الملزوم المعبر عنه بالإحصاء المفسر بالعد وإرادة نفي اللازم، وهو استيعاب المعدود، فكأنه قيل: لا أستوعب، فالمراد نفي القدرة عن الإتيان بجميع الثناءات، أو فرد منها يفي بنعمة من نعم الله تعالى لا عدها، إذ يمكن عد أفراد كثيرة من الثناء.
"وقوله: أنت كما أثنيت على نفسك اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء، فإنه لا يقدر على بلوغ حقيقته، ورد"، "بالجر عطف على العجز بتقدير الجار" أي: وبرد "الثناء إلى الجملة دون التفصيل والإحصاء والتعيين، فوكل ذلك إلى الله تعالى المحيط بكل شيء جملة وتفصيلا، وكما أن لا نهاية لصفاته" سبحانه، كذلك "لا نهاية للثناء عليه، لأن الثناء تابع للمثنى عليه" بضم الميم وسكون المثلثة وفتح النون، "فكل شيء أثنى عليه وإن كثر وطال وبولغ فيه، فقدر الله أعم وسلطانه أعز وصفاته أكثر" بمثلثة "وأكبر" بموحدة، "وفضله وإحسانه واسع وأسبغ" فلا قدرة لأحد على وصفه بجميع ما يليق به. "انتهى" كلام الخطابي.
قال بعضهم: وذلك أن عظمته تعالى وصفاته لا نهاية لها، وعلوم البشر وقدرتهم متناهية، فلا يتعلق واحد منهما بما لا يتناهى، وإنما يتعلق بذلك علمه الذي لا يتناهى وتحصيه قدرته التي لا تتناهى، فهو بعلمه الشامل يعلم صفات جلاله ويقدر بقدرته التامة أن يحصي الثناء عليه. انتهى.
"وههنا فائدة لطيفة: ذكر بعض المحققين في" حكمه "نهيه ﷺ عن قراءة القرآن في الركوع والسجود" المروي في الموطأ ومسلم من حديث علي "وهي: أن القرآن أشرف الكلام وحالتا الركوع والسجود حالتا ذل وانخفاض من العبد. فمن الأدب مع كلام الله تعالى أن لا يقرأ في هاتين الحالتين، وتكون حالة القيام والانتصاب أولى به، والله تعالىстр. 4799
الحالتين، وتكون حالة القيام والانتصاب أولى به والله تعالى أعلم.
وروى أبو داود: أنه ﷺ سجد على الماء والطين.
وكان يرفع رأسه من السجود مكبرا غير رافع يديه ويرفع منه رأسه قبل يديه ثم يجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى.
وكان ﵇ يجلس للاستراحة جلسة لطيفة، بحيث تسكن جوارحه سكونا بينا، ثم يقوم إلى الركعة الثانية، كما في صحيح البخاري وغيره.
قال النووي: ومذهبنا استحبابها عقب السجدة الثانية في كل ركعة يقوم عنها، ولا تستحب في سجود التلاوة في الصلاة.
الحواشي
(١) أعلم" وهي زهرة لا تحتمل العرك.
"وروى أبو داود" في الصلاة عن أبي سعيد "أنه ﷺ سجد على الماء والطين" صبح ليلة القدر، وقصر العز، ولأبي داود تقصير شديد، فالحديث فيه وفي الصحيحين والنسائي وابن ماجه مطولا، وهو في البخاري في مواضع من الصلاة والصوم والاعتكاف، ولفظه: في بعضها عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ وأنها، أي: ليلة القدر في العشر الأواخر، وإني رأيت كأني أسجد في طين وماء، وكان سقف المسجد من جريد النخل، وما نرى في السماء شيئا، فجاءت قزعة، فأمطرنا، فصلى بنا ﷺ حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهته وأرنبته تصديق رؤياه، "وكان يرفع رأسه من السجود مكبرا غير رافع يديه، ويرفع منه رأسه قبل يديه، ثم يجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى" أي يقيمها، "وكان ﵇ يجلس للاستراحة جلسة لطيفة، بحيث تسكن جوارحه سكونا بينا، ثم يقوم إلى الركعة الثانية، كما" يفيد ذلك ما "في صحيح البخاري وغيره" كأبي داود والترمذي والنسائي من حديث مالك بن الحويرث أنه رأى النبي ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا، فليس ما ذكره المصنف لفظ الحديث لا في البخاري ولا في غيره.
"قال النووي: ومذهبنا استحبابها عقب السجدة الثانية في كل ركعة يقوم عنها" وبهذا قال طائة من أهل الحديث: وعن أحمد روايتان ولم يستحبها الأكثر ومالك وأبو حنيفة، واحتج له الطحاوي بخلو حديث أبي حميد، فإنه ساقه لفظ، فقام ولم يتورك، وكذا رواه أبو داود، قال: فلما تخالفا احتمل أن ما فعله في حديث مالك بن الحويرث لعلة كانت به، فقعد من أجلها، لا أن ذلك من سنة الصلاة، وبأنها لو كانت مقصودة لشرع لها ذكر مخصوص، وتعقب بأن الأصل عدم العلة، وحديث أبي حميد يدل على عدم وجوبها، فكأنه تركها لبيانстр. 4800
وكان ﷺ يقول بين السجدتين: "اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني". رواه أبو داود والدارمي من حديث ابن عباس.
الفرع الثاني عشر: في ذكر جلوسه للتشهد
كان ﷺ إذا جلس للتشهد يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى. رواه مسلم.
قال النووي: معناه يجلس مفترشا، وفيه حجة لأبي حنيفة ومن وافقه: أن الجلوس في الصلاة يكون مفترشا سواء فيه جميع الجلسات.
وعند مالك: يسن متوركا بأن يخرج رجله اليسرى من تحته ويقضي بوركه
الحواشي
(١) الجواز، وأما الذكر، فإنها جلسة خفيفة جدا استغنى عنه بالتكبير المشروع للقيام، فإنها من جملة للنهوض إلى القيام.
وأجيب بأن كون الأصل عدم العلة لا يمنع احتمالها، فيسقط الاستدلال، وقد تمسك من لم يقل باستحبابها بقوله ﷺ : لا تبادروني بالقيام والقعود، فإني قد بدنت، فدل على أنه كان يفعله لهذا السبب، فلا تشرع إلا في حق من اتفق عليه نحو ذلك "ولا تستحب في سجود التلاوة في الصلاة" اتفاقا "وكان ﷺ يقول بين السجدتين: "اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني". زاد في رواية: "وارفعني". "رواه أبو داود والدارمي من حديث ابن عباس" وجاء أنه كان يقول بين السجدتين: "اللهم اغفر لي" مرتين.
الفرع الثاني عشر: في ذكر جلوسه للتشهد
"كان ﷺ إذا جلس للتشهد" أي: جنسه الصادق بالأول وغيره "يفرش"، "بضم الراء وكسرها" يبسط "رجله اليسرى وينصب" رجله "اليمنى، رواه مسلم" عن عائشة أثناء حديث، بلفظ: وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، فليس فيه إذا جلس للتشهد، وإنما هو من المصنف أتى به استدلالا على الجلوس للتشهد.
"قال النووي: معناه يجلس مفترشا" أخذا من إطلاق الحديث, "وفيه حجة لأبي حنيفة ومن وافقه أن الجلوس في الصلاة يكون مفترشا" الجلوس بمعنى الجالس إطلاقا للمصدر على اسم الفاعل، أو باق على حاله بتقدير يكون فاعله مفترشا، بكسر الراء، فإن فتحت على أنه مصدر ميمي بمعنى الافتراش لم يحتج لتأويل، "سواء" أي: مستو "فيه جميع الجلسات".
"وعند مالك يسن" أي: يستحب الجلوس كله "متوركا بأن يخرج رجله اليسرى منстр. 4801
إلى الأرض.
وقال الشافعي: السنة أن يجلس كل الجلسات مفترشا إلا الجلسة التي يعقبها السلام. والجلسات عند الشافعي أربع: الجلوس بين السجدتين، وجلسة الاستراحة في كل ركعة يعقبها قيام، والجلسة للتشهد الأولى، والجلسة للتشهد الأخير، والجميع يسن مفترشا إلا الأخيرة، ولو كان على المصلي سجود سهو فالأصح له أن يجلس مفترشا في تشهده فإذا سجد سجدتي السهو تورك ثم سلم. هذا تفصيل مذهبنا.
واحتج أبو حنيفة: بإطلاق حديث عائشة.
واحتج الشافعي: بحديث أبي حميد الساعدي في صحيح البخاري، وفيه التصريح بالافتراش في الجلوس الأول والتورك في آخر الصلاة، وحمل حديث
الحواشي
(١) تحته ويقضي بوركه إلى الأرض".
"وقال الشافعي: السنة" أي: الأفضل "أن يجلس كل الجلسات مفترشا إلا الجلسة التي يعقبها السلام" فيجلس متوركا، لأنه أقرب إلى عدم اشتباه عدد الركعات، ولأن الأول يعقبه حركة بخلاف الثاني، ولأن المسبوق إذا رآه علم ما سبق به، "والجلسات" المطلوبة في الصلاة "عند الشافعي أربع" فلا يرد أن العاجز عن قيام الفرض يصلي جالسا، وجواز النافلة من جلوس ولو قادرا وأنه يفترش في جميع ذلك عنده، "الجلوس بين السجدتين، وجلسة الاستراحة في كل ركعة يعقبها قيام، والجلسة للتشهد الأول، والجلسة للتشهد الأخير والجميع يسن" أن يأتي به المصلي حال كونه "مفترشا" أو الافتراش فيه "إلا الأخيرة ولو كان على المصلي سجود سهو، فالأصح له أن يجلس مفترشا في تشهده" سواء كان محسوبا له لكونه آخر صلاته أو أتى به تبعا لإمامه، بأن كان مسبوقا اقتدى به في الركعة الثانية أو الرابعة "فإذا سجد" أي: أراد أن يسجد "سجدتي السهو تورك" وسجد، "ثم سلم هذا تفصيل مذهبنا" أي: الشافعية.
"واحتج أبو حنيفة بإطلاق حديث عائشة" فإن ظاهره شموله لجميع الجلسات.
"واحتج الشافعي بحديث أبي حميد الساعدي" عبد الرحمن أو المنذر "في صحيح البخاري، وفيه التصريح بالافتراش في الجلوس الأول والتورك في آخر الصلاة" ولفظه: أنا كنت أحفظكم لصلاته ﷺ ، رأيته إذا كبر فذكر الحديث، إلى أن قال: فإذا جلس في الركعتين جلس على رجليه اليسرى ونصب الينى، فإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته ولأبي داود حتى إذا كانت السجدة التي يكون فيها التسليمстр. 4802
عائشة هذا على الجلوس في غير التشهد الأخير ليجمع بين الأحديث. انتهى.
فليتأمل قول ابن القيم في الهدي النبوي: إنه لم ينقل أحد عنه ﷺ أن هذا كان صفة جلوسه في التشهد الأول، ولا أعلم أحدا قال به. انتهى.
وقال أبو حميد الساعدي في عشرة من أصحابه ﷺ : أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ، قالوا: فاعرض.. فذكر الحديث إلى أن قال: حتى إذا كانت
الحواشي
(١) ولابن حبان التي تكون خاتمة الصلاة أخر رجله اليسرى وقعد متوركا على شقه الأيسر، فقد بين ذلك أبو حميد بالقول عن رؤيته فعل النبي ﷺ لا أن أبا حميد صلى إذ لم يقع ذلك في رواية البخاري كما زعم الشارح وإنما وقع ذلك في رواية الطحاوي وابن حبان.
قالوا: فأرنا فقام يصلي وهم ينظرون وجمع الحافظ بأن وصفها مرة بالقول ومرة بالفعل، "وحمل" الشافعي "حديث عائشة هذا" المقتضي للافتراش حتى في التشهد الأخير "على الجلوس في غير التشهد الأخير ليجمع بين الأحاديث. انتهى" كلام النووي.
واحتج مالك بما رواه في الموطأ ومن طريقه البخاري عن ابن عمر: إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى، فلم يفصل بين أول وآخر، وقول الصحابي: السنة، كذا مرفوع، وحمل حديث عائشة وحديث أبي حميد على بيان الجواز، والمشهور عن أحمد اختصاص التورك بالصلاة التي فيها تشهدان وقوفا مع ظاهر حديث أبي حميد.
"فليتأمل قول ابن القيم في الهدى النبوي، إنه لم ينقل أحد عنه ﷺ أن هذا" أي: الافتراش "كان صفة جلوسه في التشهد، ولا أعلم أحدًا قال به. انتهى".
ووجه التأمل أن أبا حميد صرح بأنه رأى النبي ﷺ يفعل ذلك في صحيح البخاري كما لمت، وكذا رواه كثيرون فكيف يصح نفي نقله عنه، وكيف ينفي علمه قول أحد به مع أن الشافعي استحبه وابن القيم شافعي.
"وقال أبو حميد الساعدي" الأنصاري "في عشرة" هكذا لأبي داود وغيره ولسعيد بن منصور مع عشرة وفي البخاري في نفر، ولبعض رواته مع نفر، ولفظ مع يرجح أحد الاحتمالين في لفظ في، لأنها محتملة، لكون أبي حميد من العشرة أو زائدا عليهم "من أصحابه ﷺ " وسمي منهم سهل بن سعد وأبو أسيد الساعدي ومحمد بن مسلمة، رواه أحمد وغيره وأبو هريرة وأبو قتادة عند ابن خزيمة وأبي داود والترمذي، ولم أقف على تسمية الباقين، قاله الحافظ "أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ".
زاد في رواية أبي داود: قالوا فلم، فوالله ما كنت بأكثرنا له اتباعا.
وفي الترمذي: إتيانا، ولا أقدمنا له صحبة، ولابن حبان والطحاوي قالوا: فكيف قال تتبعتстр. 4803
السجدة التي فيها التسليم أخرج رجله اليسرى وقعد متوركا على شقه الأيسر ثم سلم، قالوا: صدقت هكذا كان يصلي، رواه أبو داود والدارمي.
وفي رواية لأبي داود: فإذا قعد في الركعتين قعد على بطن قدمه اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا كان في الرابعة أفضى بوركه الأيسر إلى الأرض وأخرج قدميه من ناحية واحدة. الحديث.
وكان ﵇ إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته وعقد ثلاثا وخمسين وأشار بالسبابة.
الحواشي
(١) ذلك منه حتى حفظته.
"قالوا: فاعرض" صلاتك علينا التي تحكي بها الصلاة النبوية، "فذكر الحديث إلى أن قال: حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم", ولابن حبان التي تكون خاتمة الصلاة: "أخرج رجله اليسرى وقعد متوركا على شقه الأيسر ثم سلم".
وعند الطحاوي: عن يمينه سلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك، "قالوا" أي الصحابة المذكورون: "صدقت هكذا كان يصلي" فحكى الصلاة بالفعل، "رواه أبو داود والدارمي" من رواية عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبيه قال: سمعت أبا حميد في عشرة، وفي البخاري من طريق الليث بإسناده عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه كان جالسا في نفر من الصحابة، فذكرنا صلاة النبي ﷺ فقال أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ ، رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه إلى أن قال: وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته كما مر، فحكى الصلاة النبوية بالقول، ومر الجمع بينهما بأنه وصفها مرة بالقول ومرة بالفعل.
"وفي رواية لأبي داود" في حكايته قول: "فإذا قعد" ﷺ "في الركعتين" الأوليين للتشهد "قعد على بطن قدمه اليسرى ونصب اليمنى، وإذا كان في الرابعة أفضى بوركه الأيسر إلى الأرض، وأخرج قدميه من ناحية واحدة" حيث أخرج قدمه اليسرى من تحت رجله الينى "الحديث" وفيه جواز وصف الرجل نفسه بأنه أعلم من غيره إذا أمن العجب وأراد تأكيد ذلك عند من سمعه لما في التعليم والأخذ عن الأعلم من الفضل، وأنه كان يخفى على كثير من الصحابة بعض الأحكام، وربما ذكره بعضهم إذا ذكر.
"وكان ﵇" كما في مسلم من حديث ابن عمر "إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى" مبسوطة "على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى وعقد ثلاثا وخمسين" بأن قبض الوسطى والبنصر والخنصر على وسط الكف مع وضع الإبهام على أنملةстр. 4804
وفي رواية مسلم: وضع يده على ركبته، ورفع أصبعه اليمنى وقبض ثنتين وحلق حلقة، ثم رفع أصبعه فرأيناه يحركها ويدعو.
وفي حديث ابن الزبير عنده أيضا: كان يشير بها ولا يحركها الحديث.
وعند أبي داود من حديث وائل بن حجر: مد ﷺ مرفقه اليمنى وقبض ثنتين وحلق حلقة ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها ويدعو.
وكان ﷺ يستقبل بأصابعه القبلة في رفع يديه وركوعه وفي سجوده وفي التشهد، ويستقبل بأصابع رجليه القبلة في سجوده.
الفرع الثالث عشر: في ذكر تشهده ﷺ
كان ﷺ يتشهد دائما في هذه الجلسة الأخيرة ويعلم أصحابه أن يقولوا: التحيات
الحواشي
(١) الوسطى، كما قال الباجي، "وأشار بالسبابة" توحيدا لله، روى أحمد والطبراني برجال ثقات عن خفاف، قال: كان ﷺ ينصب أصبعه السبابة، وكان المشركون يقولون: إنما يصنع محمد هذا بإصبعه ليسحر بها وكذبوا إنما كان يصنع ذلك يوحد بها ربه.
"وفي رواية مسلم: وضع يده على ركبته ورفع أصبعه اليمنى، وقبض ثنتين وحلق حلقة" أخذ بهذا بعضهم، وأنكره بعضهم، وأخذ بحديث ابن عرم الذي قبله، وفسر بعضهم التحليق بأن يضع طرف الوسطى في عقدتي الإبهام، وفسره الخطابي برءوس أنامل الوسطى والإبهام حتى يكون كالحلقة لا يفضل من جوانبها شيء ذكره الأبي، "ثم رفع أصبعه فرأيناه يحركها" فيستحب تحريكها، لأنها مقمعة للشيطان، ويذكر بها الصلاة وأحوالها، فلا يوقع الشيطان المصلي في سهو "ويدعو" الله تعالى وفيه تحريكها دائما إذ الدعاء بعد التشهد.
"وفي حديث ابن الزبير عنده" أي مسلم: "أيضا: كان يشير بها ولا يحركها الحديث" ولا يخالف ما قبله، لأنه ترك لبيان أنه ليس بواجب.
"وعند أبي داود من حديث وائل بن حجر"، "بحاء مهملة مضمومة وجيم ساكنة: "مد" ﷺ مرفقه اليمنى وقبض ثنتين وحلق حلقة، ثم رفع أصبعه، فرأيته يحركها ويدعو" الله تعالى، "وكان ﷺ يستقبل بأصابعه القبلة في رفع يديه وركوعه وفي سجوده وفي التشهد" أي: جنسه، "ويستقبل بأصابع رجليه القبلة في سجوده.
الفرع الثلث عشر: في ذكره تشهده ﷺ
تفعل من تشهد، سمي بذلك لاشتماله على النطق بشهادة الحق تغليبا لها على بقيةстр. 4805
المباركات، الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته،
الحواشي
(١) أذكاره لشرفها "كان ﷺ يتشهد دائما في هذه الجلسة" المذكورة في الفرع قبله، وقد ترجم البخاري باب التشهد في الآخرة، وروى في حديث ابن مسعود في التشهد، قال الحافظ: أي الجلسة الآخرة.
قال ابن رشيد: ليس في حديث الباب تعيين محل القول، لكن يؤخذ ذلك من قوله: فإذا صلى أحدكم فليقل، فإن ظاهره، أي: أتم صلاته، لكن تعذر الحمل على الحقيقة، لأن التشهد لا يكون بعد السلام، فلما تعين المجاز كان حمله على آخر جزء من الصلاة أولى، لأنه هو الأقرب إلى الحقيقة، قلت: هذا التقدير على مذهب الجمهور أن السلام جزء من الصلاة لا أنه للتحلل منها فقط، والأشبه بتصرف البخاري أنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه من تعيين محل القول، "ويعلم أصحابه أن يقولوا التحيات" جمع تحية، ومعناها السلام أو البقاء أو العظمة أو السلامة من الآفات والنقص أو الملك أقوال.
وقيل: ليست التحتية الملك نفسه، بل الكلام الذي يحيى به الملك وجمعت، لأنه لم يكن يحيى إلا الملك خاصة، وكان لكل ملك تحية، فالمعنى التحيات التي كانوا يسلمون بها على الملوك كلها مستحقة لله.
وقال الخطابي: ليس في تحياتهم شيء يصلح للثناء على الله، فأبهمت ألفاظها واستعمل منها معنى التعظيم، أي: أنواع التعظيم له.
وقال المحب الطبري: يحتمل أن لفظ التحية مشترك بين المعاني المذكورة، وكونها بمعنى السلام أنسب هنا "المباركات" تلميح لقوله تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ ، وفي الموطأ في تشهد عمر بدله الزاكيات، قيل: وكأنها بالمعنى "الصلوات" الخمس، أو ما هو أعم من الفرائض والنوافل في كل شريعة، وقيل: المراد العبادات كلها، وقيل: الدعوات، وقيل: الرحمة وقيل: التحيات العبادات القولية، والصلوات العبادات الفعلية، والطيبات الصدقات المالية "الطيبات لله" أي: ما طاب من الكلام وحسن أن يثنى به على الله دون ما لا يليق بصفاته ما كان الملوك يحيون به، وقيل: ذكر الله، وقيل: الأقوال الصالحة كالدعاء والثناء، وقيل: الأعمال الصالحة وهو أعم "السلام" قال النووي: يجوز فيه وفيما بعد حذف اللام وإثباتها، وهو أفضل، وهو الموجود في روايات الصحيحين.
قال الحافظ: لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود حذف اللام، وإنما اختلف في ذلك في حديث ابن عباس وهو من أفراد مسلم.
قال الطيبي: والتعريف للعهد التقرير، أي: ذلك السلام الذي وجه إلى الأنبياء والرسل "عليك أيها النبي ورحمة الله" أي إحسانه "وبركاته" أي زيادته من كل خير، وأما للجنسстр. 4806
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. رواه مسلم من رواية ابن عباس.
الحواشي
(١) بمعنى أن حقيقة السلام الذي يعرفه كل أحد وعمن يصدر وعلى من ينزل عليك، وإما للعهد الخارجي إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ قال: ولا شك أن هذه التقريرات أولى من تقرير النكرة، لأن أصل سلام عليك سلمت سلامًا ما عليك، ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبوت المعنى واستقراره، انتهى.
وذكر صاحب الإقليد عن أبي حامد أن التنكير فيه للتعظيم، وهو من وجوه الترجيح لا يقف عن الوجوه المتقدمة.
وقال التوربشتي: السلام بمعنى السلامة، كالمقام والمقامة، والسلام اسم من أسماء الله تعالى وضع المصدر موضع الاسم مبالغة، والمعنى؛ أنه سالم من كل عيب وآفة ونقص وفساد، ومعنى السلام عليك الدعاء، أي: سلمت من المكاره.
وقيل: معناه اسم السلام عليك، كأنه يبرك عليه باسم الله "السلام" الذي وجه إلى الأمم السالفة من الصلحاء "علينا" يريد به المصلى نفسه والحاضرين من الإمام والمأمومين والملائكة، وفيه استحباب البداءة بالنفس في الدعاء.
وفي الترمذي مصححًا عن أبي كعب؛ أنه ﷺ كان إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه، وأصله في مسلم، ومنه قول نوح وإبراهيم كما في التنزيل. "وعلى عباد الله الصالحين" جمع صالح، والأشهر أنه القائم بما يجب عليه من حقوق الله وحقوق عباده وتتفاوت درجاته "أشهد أن لا إله إلا الله".
زاد ابن أبي شيبة من رواية أبي عبيدة عن أبيه وحده لا شريك له وسنده ضعيف، لكن ثبتت هذه الزيادة في حديث أبي موسى عند مسلم، وفي حديث عائشة الموقوف في الموطأ، وفي حديث ابن عمر عند الدارقطني إلا أن سنده ضعيف.
وقد روى أبو داود من وجه آخر صحيح، عن ابن عمر في التشهد: أشهد أن لا إله إلا الله.
قال ابن عمر: زدت فيها وحده لا شريك له وهذا ظاهره الوقف، قاله الحافظ، يعني: ويحتمل الرفع على معنى زدت على رواية غيري، لكنه بعيد "وأشهد أن محمدا عبده ورسوله".
وفي رواية لمسلم أيضًا: وأشهد أن محمدا رسول الله ومن رواته من حذف لفظ أشهد، ولم تختلف طرق حديث ابن مسعود في أنه وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وكذا هو في حديث أبي موسى وابن عمر وعائشة المذكور، وجابر وابن الزبير عند الطحاوي وغيره.
وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء، قال: بينا النبي ﷺ يعلم التشهد إذ قال رجل:стр. 4807
وهو الذي اختاره الشافعي لزيادة "المباركات" لا تشهد ابن مسعود، وإن قاله القاضي عياض. وعبارة الشافعي فيما أخرجه البيهقي بسنده إلى الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي جوابًا لمن سأله بعد ذكر حديث ابن عباس: "فإنا نرى الرواية اختلفت فيه عن النبي ﷺ ، فروى ابن مسعود خلاف هذا، فساق الكلام إلى أن قال: فلما رأيته واسعًا وسمعته -يعني حديث ابن عباس- صحيحًا، وروايته أكثر لفظًا من غيره -يعني من المرفوعات- أخذت به غير معنف لمن أخذ بغيره "هذا آخر كلامه، وليس فيه تصريح بالأفضلية، والعمل عند الله تعالى.
الحواشي
(١) وأشهد أن محمدًا رسوله وعبده، فقال ﵊: "لقد كنت عبدًا قبل أن أكون رسولا، قل: عبده ورسوله". رجاله ثقات إلا أنه مرسل كما في الفتح. "رواه مسلم" وأصحاب السنن "من رواية ابن عباس"، قال: كان النبي ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، وكان يقول: فذكره، "وهو الذي اختاره الشافعي لزيادة المباركات لا تشهد ابن مسعود، وإن قاله" أي: نقله "القاضي عياض" في الشفاء عن الشافعي، فإنه سبق قلم.
"وعبارة الشافعي فيما أخرجه البيهقي بسنده إلى الربيع بن سليمان" بن عبد الجبار المرادي أبي محمد المصري، الثقة المؤذن، صاحب الشافعي، وراوي الأم وغيرها من كتبه، وقال فيه: إنه أحفظ أصحابي، روى له أصحاب السنن، مات سنة سبعين ومائتين وله ست وتسعون سنة، قال: "أخبرنا الشافعي جوابًا لمن سأله بعد ذكر حديث ابن عباس" المذكور في التشهد عن اختياره له، فأجابه بقوله: "فإنا نرى الرواية اختلفت فيه عن النبي ﷺ " اختلافا قليلا متقارب المعنى، إنما فيه كلمة زائدة أو ناقصة، "فروى ابن مسعود خلاف هذا، فساق الكلام إلى أن قال: فلما رأيته واسعًا وسمعته، يعني: حديث ابن عباس صحيحًا، وروايته أكثر لفظًا من غيره، يعني: من المرفوعات"، لأن في الموقوفات ما هو أكثر منه لفظًا، "أخذت به"، أي: اخترته "غير معنف" أي: لا تم "لمن أخذ بغيره" مما صح، "هذا آخر كلامه وليس فيه تصريح بالأفضلية" له على غيره "والعلم عند الله تعالى" لكن قوله: أخذت به قريب من التصريح، وقال بعد أن أخرج حديث ابن عباس في الأم: رويت أحاديث في التشهد مختلفة، وكان هذا أحب إلي لأنه أكملها، ورجحه بعضهم لأنه مناسب للفظ القرآن في قوله: تحية من عند الله مباركة طيبة، وأما من رجحه بأن ابن عباس من أحدث الصحابة، فيكون أضبط لما روى، أو بأنه أفقه من رواه، أو بأن إسناده حجازي وإسناد حديث ابن مسعود كوفي، وهو مما يرجح به، فلا طائل فيه لمن أنصف، نعم يمكن أن يقال: الزيادة التي في حديث ابن عباس، وهي المباركات لا تنافي حديث ابن مسعود، ويرجح الأخذ بها، لأن أخذ ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلمстр. 4808
وقال أبو حنيفة وأحمد وجمهور الفقهاء وأهل الحديث: تشهد ابن مسعود أفضل لأنه عند المحدثين أشد صحة.
وقال مالك ﵀ تشهد عمر الموقوف عليه أفضل لأنه علمه للناس
الحواشي
(١) كان في الأخير، قاله الحافظ.
"وقال أبو حنيفة وأحمد وجمهور الفقهاء وأهل الحديث: تشهد ابن مسعود"، وهو ما رواه أحمد والأئمة الستة، عنه قال: إذا صلينا خلف النبي ﷺ ، قلنا: السلام على الله، السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان، فالتفت إلينا النبي ﷺ ، فقال: "إن الله هو السلام، فإذا صلى أحدكم، فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". "أفضل، لأنه عند المحدثين أشد صحة".
قال الترمذي: هذا أصح حديث في التشهد، وسئل البزار عن أصح حديث في التشهد، فقال: حديث ابن مسعود جاء من نيف وعشرين طريقًا، ثم سرد أكثرها وقال: لا أعلم أثبت منه ولا أصح أسانيد ولا أشهر رجالا، قال الحافظ: ولا خلاف بين أهل الحديث في ذلك، وممن جزم به البغوي، ومن مرجحاته أنه متفق عليه دون غيره، وأن رواته الثقات لم يختلفوا في ألفاظه دون غيره، وأنه تلقاه عن النبي ﷺ تلقينا، فروى الطحاوي عنه أخذت التشهد من في رسول الله صلى الله عليه ولقنيه كلمة كلمة.
وفي البخاري عنه: علمني ﷺ التشهد، وكفي بين كفيه كما يعلمني السورة ن القرآن، ووافقه على لفظه أبو سعيد الخدري عند الطحاوي، وبثبوت الواو في "والصلوات والطيبات"، وهو يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فتكون كل جملة ثناء مستقلا بخلاف حذفها، فتكون صفة لما قبلها، وتعدد الثناء في الأول صريح، فيكون أولى، ولو قيل: إن الواو مقدرة في الثاني، وبأنه ورد بصيغة الأمر بخلاف غيره، فمجرد حكاية ولأحمد عن ابن مسعود أنه ﷺ علمه التشهد وأمره أن يعلمه الناس، ولم ينقل ذلك لغيره، ففيه دليل على مزيته.
"وقال مالك ﵀" وأصحابه "تشهد عمر الموقوف عليه"، وهو ما رواه في الموطأ عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه سمع عمر بن الخطاب وهو على المنبر يعلم الناس التشهد، يقول: قولوا: التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله. "أفضل، لأنه علمه للناسстр. 4809
على المنبر ولم ينازعه أحد فدل على تفضيله.
ومذهب الشافعي أن التشهد الأول سنة والثاني واجب.
وجمهور المحدثين: أنهما واجبان.
وقال أحمد: الأول وجب يجبر تركه بالسجود، والثاني ركن تبطل الصلاة بتركه.
وقال أبو حنيفة ومالك وجمهور الفقهاء: هما سنتان.
وعن مالك رواية بوجوب الأخير.
وقد كان ﵇ يأتي بالتشهدين.
الحواشي
(١) على المنبر" النبوي والصحابة متوافرون، "ولم ينازعه أحد" منهم، "فدل على تفضيله" على غيره، وقد أورده بصيغة الأمر كما رأيت، فدل على زيادة مزينة مع عدم الإنكار، وتعقب بأنه موقوف، فلا يلحق بالمرفوع.
وأجيب بأن مردويه رواه في كتاب التشهد له، مرفوعًا عن عمر، عن النبي ﷺ ، وشاهده حديث ابن عباس فإنه قريب منه إلا أنه قال: "الزاكيات" بدل المباركات، وكأنها بالمعنى، فكل ما رجح به حديث ابن عباس يرجح به حديث عمر.
"ومذهب الشافعي أن التشهد الأول سنة"، لأنه ﷺ قام من الركعتين ولم يرجع لما سبحوا له كما في الصحيح، فلو كان واجبًا لرجع إليه ولما جبره بالسجود قبل السلام إلا يجبر به الواجب كالركوع وغيره.
"والثاني واجب" لظاهر الأمر"، "وجمهور المحدثين أنهما واجبان" لظاهر الأمر، بقوله: فليقل: "وقال أحمد: الأول وجب يجبر تركه بالسجود، والثاني ركن تبطل الصلاة بتركه"، هكذا في بعض نسخ، ومثله له في شرحه للبخاري عن أحمد، وفي فتح الباري المشهور عن أحمد وجوبهما.
"وقال أبو حنيفة ومالك وجمهور الفقهاء: هما سنتان"، لأنه لم يبينهما للمسيء صلاته، وهو الصارف للأمر عن الوجوب.
"وعن مالك رواية" ضعيفة "بوجوب الأخير"، رواها عنه أبو مصعب، وقال: من تركه بطلت صلاته.
"وقد كان ﵇ يأتي بالتشهدين" موظبًا عليهما فهما سنتان، "وفي الغيلانيات" أحد عشر جزءًا تخريج الدارقطني من حديث أبي محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي،стр. 4810
وفي الغيلانيات عن القاسم بن محمد قال: علمتني عائشة قالت: هذا تشهد رسول الله ﷺ : "التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله".
وهو مثل تشهد ابن مسعود سواء. رواه البيهقي بإسناد جيد.
قال النووي: وفي هذا فائدة حسنة وهي أن تشهده ﵇ بلفظ تشهدنا، انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: وكأنه يشير إلى رد ما وقع في الرافعي: أنه ﷺ كان يقول في التشهد: "وأشهد أني رسول الله". وتعقبوه بأنه لم يرو كذلك صريحًا.
نعم وقع في البخاري من حديث سلمة بن الأكوع قال: خفت أزواد القوم فذكر الحديث وفيه: فقال رسول الله ﷺ : "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله".
الحواشي
(١) وهو القدر المسموع لأبي طالب بن غيلان من أبي بكر الشافعي، "عن القاسم بن محمد" بن الصديق، "قال: علمتني عائشة" عمته، "قالت: هذا تشهد رسول الله ﷺ : التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي" عدل عن الوصف بالرسالة مع أنها أعم في حق البشر ليجمع له الوصفين، لأنه وصف بالرسالة في آخر التشهد وإن كان الرسول البشري يستلزم النبوة، لكن التصريح بهما أبلغ، وقدم وصف النبوة لوجودها في الخارج، كذلك لنزول قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] ، قبل قوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] ، "ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وهو مثل تشهد ابن مسعود سواء، ورواه البيهقي بإسناد جيد"، أي: مقبول.
"قال النووي: وفي هذا فائدة حسنة، وهي أن تشهده ﵇ بلفظ: تشهدنا"، فكان يقول: أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، انتهى.
"قال الحافظ ابن حجر: وكأنه" أي: النووي "يشير إلى رد ما وقع في الرافعي" من قوله المنقول؛ "أنه ﷺ كان يقول في التشهد: "وأشهد أني رسول الله". وتعقبوه بأنه لم يرو كذلك صريحًا"، وفي تخريج أحاديثه للحافظ، ولا أصل لذلك كذلك، بل ألفاظ التشهد متواترة عنه ﷺ أنه كان يقول: "أشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، وللأربعة عن ابن مسعود في خطبة الحاجة: "وأشهد أن محمدًا رسول الله".
"نعم وقع في البخاري من حديث سلمة بن الأكوع، قال: خفت أزواد القوم، فذكرстр. 4811
ومن لطائف التشهد ما قاله البيضاوي: علمهم أن يفردوه ﷺ بالذكر لشرفه ومزيد حقه عليهم، فإن قيل: كيف يشرع هذا اللفظ، وهو خطاب بشر مع كونه منهيًا عنه في الصلاة؟ فالجواب: أن ذلك من خصائصه ﷺ .
فإن قلت: فما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب في قوله: "عليك أيها النبي" مع أن لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق، كأن يقول: السلام على النبي، فينتقل من تحية الله إلى تحية النبي، ثم إلى تحية النفس، ثم إلى تحية الصالحين؟
أجاب الطيبي بما محصله: نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذي علمه
الحواشي
(١) الحديث" في دعاء النبي ﷺ ، "وفيه: فقال رسول الله ﷺ ": "أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله" ورواه مسلم بنحوه عن أبي هريرة، وقد مر في المعجزات.
زاد في التخريج وفي مغازي موسى بن عقبة معضلا أن وفد ثقيف قالوا: يأمرنا أن نشهد أنه رسول الله ولا يشهد به في خطبته، فلما بلغه قولهم قال: فإني أول من شهد أني رسول الله.
وفي البخاري في الأطعمة في قصة جد نخل جابر واستيفاء غرمائه وفضل له من التمر وقوله ﷺ حين بشره جابر بذلك: "أشهد أني رسول الله". انتهى.
فالحاصل أنه قالها في مواطن ليس منها التشهد، "ومن لطائف التشهد ما قاله البيضاوي" في شرح المصابيح "علمهم أن يفردوه ﷺ بالذكر" بقولهم: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، "لشرفه ومزيد حقه عليهم"، ثم علمهم أن يخصوا أنفسهم أولا، لأن الاهتمام بها أهم، ثم أمرهم بتعميم السلام على الصالحين إعلامًا منه بأن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملا لهم.
هذا بقية كلام البيضاوي كما في الفتح، ثم فصله بكلام التوربشتي في معنى السلام وقدمته، ثم قال: "فإن قيل: كيف شرع هذا اللفظ وهو خطاب بشر مع كونه منهيًا عنه في الصلاة، فالجواب أن ذلك من خصائصه صلى الله علي وسلم" أن يقصد خطابه بذلك ونحوه، وصلاته صحيحة بخلاف ما إذا قصد خطاب غيره فتبطل "فإن قلت: فما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب في قوله: عليك أيها النبي، مع أن لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق، كأن يقول: السلام على النبي، فينتقل من تحية الله إلى تحية النبي، ثم إلى تحية النفس، ثم إلى تحية الصالحين".
"أجاب الطيبي بما محصله: نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذي علمه الصحابة" وإن كنا لا نعلم سر ذلك.стр. 4812
الصحابة. ويحتمل أن يقال على طريق أهل المعرفة بالله تعالى: إن المصلين لما استفتحوا باب الملكوت بالتحيات، أذن لهم بالدخول في حريم الحي الذي لا يموت، فقرت أعينهم بالمناجاة، فنهبوا على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة وبركة متابتعه، فالتفوا فإذا الحبيب في حريم الحسيب الملك حاضر، فألقوا عليه قائلين: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، انتهى.
وقال الترمذي الحكيم: في قوله: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين":
الحواشي
(١) "ويحتمل أن يقال على طريق أهل المعرفة بالله تعالى أن المصلين لما استفتحوا باب الملكوت بالتحيات أذن لهم بالدخول في حريم الحي الذي لا يموت، فقرت أعينهم بالمناجاة"، لأن المصلي يناجي ربه، "فنبهوا على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة وبركة متابعته، فالتفتوا" التفاتًا معنويًّا.
"فإذا الحبيب" ﷺ "في حريم الملك الحسيب" جل وعلا، وفي نسخة: في حريم الحبيب، وهي التي في الفتح "حاضر، فأقبلوا عليه قائلين: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، انتهى.
زاد الحافظ: وقد ورد في بعض طرق حديث ابن مسعود ما يقتضي المغايرة بين زمانه ﷺ ، فيقال: بلفظ الخطاب وما بعده، فيقال: بلفظ الغيبة وهو مما يخدش في وجه الاحتمال المذكور، ففي الاستئذان من البخاري بعد أن ساق حديث التشهد عن ابن مسعود، قال: وهو بين أظهرنا، فلما قبض قلنا: السلام يعني على النبي ﷺ ، وأخرجه أبو عوانة والسراج والجوزقي وأبو نعيم والبيهقي من طرق متعددة، بلفظ: قلنا السلام على النبي ﷺ بحذف لفظ يعني.
قال السبكي: إن صح هذا دل على أن الخطاب في السلام بعده لا يجب، فيقال: السلام على النبي، انتهى.
وقد صح بلا ريب ووجدت له متابعًا قويًا، قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج عن عطاء أن الصحابة كانوا يقولون والنبي ﷺ حي: السلام عليك أيها النبي، فلما مات قالوا: السلام على النبي، وهذا إسناده صحيح، وما روى سعيد بن منصور عن ابن مسعود، أن النبي ﷺ علمهم التشهد فذكره، قال: فقال ابن عباس إنما كنا نقول: السلام عليك أيها النبي إذ كان حيًّا فقال ابن مسعود هكذا علمنا وهكذا نعلم فظاهره أن ابن عباس قاله بحثًا وأن ابن مسعود لم يرجع إليه لكن سنده ضعيف ومنقطع، انتهى باختصار.
"قال الترمذي الحكيم" محمد بن علي "في قوله: السلام علينا وعلى عباد اللهстр. 4813
من أراد أن يحظى بهذا السلام الذي يسلمه الخلق في صلاتهم فليكن عبدًا صالحًا، وإلا حرم هذا الفضل العظيم.
وقال القفال في فتاويه: ترك الصلاة يضر جميع المسلمين، لأن المصلي يقول: اللهم اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات، ولا بد أن يقول في التشهد: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فيكون التارك للصلاة مقصرًا في خدمة الله وفي حق رسوله، وفي حق نفسه، وفي حق كافة المسلمين. ولذلك عظمت المعصية بتركها.
واستنبط منه السبكي: أن في الصلاة حقًا للعباد مع حق الله، وأن من تركها أخل بجميع حق المؤمنين، من مضى ومن يجيء إلى يوم القيامة، لوجوب قوله فيها: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، انتهى.
الحواشي
(١) الصالحين، من أراد أن يحظى بهذا السلام الذي يسلمه الخلق في صلاتهم، فليكن عبدًا صالحًا، وإلا حرم هذا الفضل العظيم".
زاد الحافظ وقال الفاكهاني: ينبغي للمصلي أن يستحضر في هذا المحل جميع الأنبياء والملائكة والمؤمنين، يعني ليتوافق لفظه مع قصده، "وقال القفال في فتاويه: ترك الصلاة يضر جميع المسلمين" بعدم نفعهم بالثواب، "لأن المصلي يقول: اللهم اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات، ولا بد أن يقول في التشهد: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فيكون التارك للصلاة مقصرًا في خدمة الله وفي حق رسوله وفي حق نفسه وفي حق كافة المسلمين" وغيرهم من الملائكة والجن كما مر في الحديث، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله تعالى صالح في السماء والأرض، قال الحافظ: هو كلام معترض بين قوله: الصالحين وبين أشهد ... إلخ، قدم عليه اهتمامًا لأنه أنكر عليهم عند الملائكة واحدًا واحدًا ولا يمكن استيعابهم، فعلمهم لفظًا يشمل الجميع من غير الملائكة مع النبيين والمرسلين والصديقين وغيرهم بلا مشقة، وهذا من جوامع كلمه ﷺ ، وجاء في بعض طرقه سياق التشهد متواليًا، وتأخير الكلم المذكور بعد وهو من تصرف الرواة، "ولذلك عظمت المعصية"، وفي نسخة: المصيبة، وكلاهما صحيحة "بتركها" بحيث يقتل حدًا تاركها كسلا وكفرًا عند كثيرين، "واستنبط منه السبكي أن في الصلاة حقًا للعباد مع حق الله" وهو السلام عليهم والدعاء لهم، "وأن من تركها أخل بجميع حق المؤمنين من مضى ومن يجيء إلى يوم القيامة لوجوب قوله فيها: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" لأن التشهد الأخير واجب عند الشافعي، ومن جملته ذلك، ويحتمل أن يكون مراده بالوجوب الثبوت، سواء قلنا بالوجوب أو بالسنية، وهذاстр. 4814
وتقدم الكلام على وجوب الصلاة عليه ﷺ بعد التشهد الأخير، وما في ذلك من المباحث في فضل الصلاة عليه.
وعند الطبراني مرفوعًا، عن سهل بن سعد: "لا صلاة لمن لم يصل على نبيه". وكذا عند ابن ماجه والدارقطني.
وعن أبي مسعود الأنصاري عند الدارقطني: "من صلى صلاة لم يصل فيها علي وعلى أهل بيتي لم تقبل منه".
وعن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمدًا وآل محمد، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد". رواه الحاكم.
واغتر قوم بتصحيحه فوهموا، فإنه من رواية يحيى بن السباق وهو مجهول
الحواشي
(١) أظهر ليكون الاستنباط على جميع المذاهب، انتهى.
"وتقدم الكلام على وجوب الصلاة عليه ﷺ بعد التشهد الأخير" عند الشافعي وطائفة وسنيته عند الأكثرين "وما في ذلك من المباحث في فضل الصلاة عليه ﷺ " من المقصد السابع.
"وعند الطبراني مرفوعًا عن سهل بن سعد": "لا صلاة" كاملة أو مجزئة "لمن لم يصل على نبيه". "وكذا عند ابن ماجه والدارقطني" والحاكم عن سهل بن سعد، مرفوعًا: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا صلاة لمن لم يصل على النبي، ولا صلاة لمن لم يحب الأنصار".
"وعن أبي مسعود" عقبه بن عمرو "الأنصاري عند الدارقطني" مرفوعًا: "من صلى صلاة لم يصل فيها علي وعلى أهل بيتي لم تقبل منه" وهذا بفرض أن المراد الصلاة الشرعية لا دلالة فيه على وجوبها في الصلاة، إذ لا تجب على أهل بيته عند من قال بوجوبها عليه في الصلاة.
"وعن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "إذا تشهد أحدكم في الصلاة"، أي: فرغ من التشهد "فليقل": "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وارحم محمدًا وآل محمد، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، رواه الحاكم" في المستدرك "واغتر قوم بتصحيحه فوهموا فإنه من رواية يحيى بن السباق"، "بفتح المهملةстр. 4815
عن رجل مبهم، وبالغ ابن العربي في إنكار ذلك فقال: حذار مما ذكره ابن أبي زيد من زيادته وترحم، فإنه قريب من البدعة، لأنه ﷺ علمهم كيفية الصلاة عليه بالوحي، ففي الزيادة على ذلك استدراك عليه.
قال الحافظ ابن حجر: ابن أبي زيد ذكر ذلك في الرسالة في صفة التشهد، لما ذكر ما يستحب في التشهد، ومنه: اللهم صل على محمد وآل محمد، فزاد: وترحم على محمد وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد إلى آخره.
فإن كان إنكاره ذلك لكونه لم يصح فمسلم، وإلا فدعوى من ادعى أنه لا يقال: وارحم محمدًا، مردودة لثبوت ذلك في عدة أحاديث أصحها في التشهد: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته".
قال: ثم وجدت لابن أبي زيد مستندًا" فأخرج الطبري في تهذيبه، من طريق حنظلة بن علي عن أبي هريرة رفعه: "من قال اللهم صل على محمد وعلى آل
الحواشي
(١) والموحدة الثقيلة"، "وهو مجهول عن رجل مبهم"، فمن أين تأتيه الصحة.
"وبالغ ابن العربي" أبو بكر الحافظ "في إنكار ذلك، فقال: حذار مما ذكره ابن أبي زيد" أبو محمد عبد الله القيرواني "من زيادته وترحم، فإنه قريب من البدعة، لأنه ﷺ علمهم"، أي: الصحابة "كيفية الصلاة عليه بالوحي"، لأنه ما ينطق عن الهوى، "ففي الزيادة على ذلك استدراك عليه" وهو لا يجوز.
"قال الحافظ ابن حجر ابن أبي زيد ذكر في الرسالة" الشهيرة في الفقه "في صفة التشهد لما ذكر ما يستحب في التشهد، ومنه: "اللهم صل على محمد وآل محمد"، فزاد: "وترحم على محمد وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد" إلى آخره، ومنه: كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم؛ "فإن كان إنكاره" أي: ابن العربي على ابن أبي زيد، "ذلك لكونه لم يصح، فمسلم" في الجملة، "وإلا فدعوى من ادعى أنه لا يقال: وارحم محمدًا مردودة لثبوت ذلك في عدة أحاديث، أصحها في التشهد: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته".
"قال" الحافظ: "ثم وجدت لابن أبي زيد مستندًا، فأخرج الطبري" محمد بن جرير "في تهذيبه"، أي: كتابه المسمى تهذيب الآثار "من طريق حنظلة بن علي" بن الأسقع الأسلمي المدني، تابعي، ثقة، من رجال مسلم والسنن "عن أبي هريرة، رفعه: من قال اللهم صل علىстр. 4816
محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، شهدت له يوم القيامة وشفعت له" ورجال سنده رجال الصحيح، إلا سعيد بن سليمان مولى سعيد بن العاصي، الراوي له عن حنظلة بن علي فإنه مجهول، وهذا كله فيما يقال مضمومًا إلى السلام أو الصلاة.
وقد وافق ابن العربي الصيدلاني من الشافعية على المنع من ذلك ونقل القاضي عياض عن الجمهور الجواز مطلقًا، وقال القرطبي في "المفهم": إنه الصحيح لورود الأحاديث به، وخالفه غيره.
ففي "الذخيرة" من كتب الحنفية عن محمد: يكره ذلك لإبهامه النقص، لأن الرحمة غالبًا إنما تكون لفعل ما يلام عليه.
الحواشي
(١) محمد" قال الحازمي: أي عظمة في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته وتشفيعه في أمته، وأيد فضيلته بالمقام المحمود، ولما عجز البشر عن بلوغ قدر الواجب له من ذلك، شرع لنا أن نحيل ذلك لله تعالى، فنقول: "اللهم صل على محمد" وعلى آل محمد" أتباعه أو ذريته "كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وترحم على محمد" ترحمًا يليق به "وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم شهدت له يوم القيامة وشفعت" بفتح الفاء "له" شفاعة خاصة زائدة على عموم شفاعته، "ورجال سنده رجال الصحيح إلا سعيد بن سليمان مولى سعيد بن العاصي، الراوي له عن حنظلة بن علي، فإنه مجهول"، فالحديث ضعيف، "وهذا كله فيما يقال مضمومًا إلى السلام أو الصلاة".
"وقد وافق ابن العربي الصيدلاني من الشافعية على المنع من ذلك" مطلقًا، "ونقل القاضي عياض عن الجمهور الجواز مطلقًا"، سواء انضم ذلك إلى الصلاة أو السلام أو لا، وسواء كان في الصلاة أو خارجها.
"وقال القرطبي في المفهم" شرح مسلم "أنه الصحيح لورود الأحاديث به، وخالفه غيره" في تصحيح ذلك، "ففي الذخيرة من كتب الحنفية عن محمد" بن الحسن صاحب أبي حنيفة: "يكره ذلك لإيهامه النقص، لأن الرحمة غالبًا إنما تكون لفعل ما يلام عليه" ولا يقعстр. 4817
وجزم ابن عبد البر بمنعه، فقال: لا يجوز لأحد إذا ذكر النبي ﷺ أن يقول: ﵀، لأنه ﵇ قال: "من صلى علي" ولم يقل: من ترحم علي، ولا من دعا لي، وإن كان معنى الصلاة الرحمة، ولكنه خص بهذا اللفظ تعظيمًا له. فلا يعدل عنه إلى غيره.
وأخرج أبو العباس السراج عن أبي هريرة: أنهم قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم، وآل إبراهيم إنك حميد مجيد".
وفي حديث بريدة رفعه: "اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد، كما جعلتها على إبراهيم وعلى آل إبراهيم".
الحواشي
(١) ذلك منه ﷺ : "وجزم ابن عبد البر بمنعه، فقال: لا يجوز لأحد إذا ذكر النبي ﷺ أن يقول ﵀، لأنه ﵇ قال: "من صلى علي" ولم يقل من ترحم علي ولا من دعا لي" ولأن الله تعالى قال: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ . "وإن كان معنى الصلاة الرحمة، ولكنه خص بهذا اللفظ تعظيمًا له، فلا يعدل عنه إلى غيره" وإن صح المعنى، كما خص سبحانه بقول: ، فلا يقال لمحمد ﷺ وإن كان عزيزًا جليلا.
"وأخرج أبو العباس" محمد بن إسحاق "السراج عن أبي هريرة أنهم"، أي: جماعة من الصحابة "قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ " أي كيف اللفظ الذي يليق أن نصلي به عليك، لأنا لا نعلمه، ولذا عبر بكيف التي يسأل بها عن الصفة.
وفي الترمذي وغيره، عن كعب بن عجرة: لما نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٦] ، قلنا: يا رسول الله قد علمنا السلام، فكيف الصلاة، "فقال: قولوا: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم". البركة هنا الزيادة من الخير والكرامة، وقيل: هي بمعنى التطهير والتزكية، وقيل: تكثير الثواب، وقيل: ثبات ذلك ودوامه "إنك حميد" فعيل من الحمد، بمعنى: مفعول، وهو من تحمد ذاته وصفاته، أو المستحق لذلك، أو بمعنى حامد، أي: يحمد أفعال عباده حول للمبالغة، وذلك مناسب لزيادة الأفضل وإعطاء المراد من الأمور العظام "مجيد" بمعنى: ماجد من المجد وهو الشرف.
"وفي حديث بريدة" بموحدة مصغر الأسلمي، "رفعه": "اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد كما جعلتها على إبراهيم وعلى آل إبراهيم". فصرحстр. 4818
ووقع في حديث ابن مسعود عند أبي داود والنسائي: "على محمد النبي الأمي".
وفي حديث أبي سعيد: "على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم". ولم يذكر آل محمد ولا آل إبراهيم.
وعند أبي داود من حديث أبي هريرة: "اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته".
ووقع في آخر حديث ابن مسعود: "في العالمين إنك حميد مجيد".
قال النووي في شرح المهذب: ينبغي أن يجمع ما في الأحاديث الصحيحة فيقول: اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك ... مثله، ويزيد في آخره: في العالمين.
وقال في "الأذكار" مثله، وزاد: عبدك ورسولك بعد قوله: محمد في "صل" ولم يزدها في "وبارك".
الحواشي
(١) بقوله: ورحمتك.
"ووقع في حديث ابن مسعود عند أبي داود والنسائي": "على محمد النبي الأمي".
"وفي حديث أبي سعيد: "على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم". ولم يذكر آل محمد ولا آل إبراهيم" تقصيرًا من بعض رواته.
"وعند أبي داود من حديث أبي هريرة": "اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته" عطف خاص على عام.
"ووقع في آخر حديث ابن مسعود: "في العالمين إنك حميد مجيد"، قال النووي في شرح المهذب: ينبغي أن يجمع" المصلي في دعائه "ما في الأحاديث الصحيحة، فيقول: اللهم صل على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم"، ويقول: "وبارك مثله، ويزيد في آخره: في العالمين، وقال في الأذكار مثله، وزاد عبدك ورسولك بعد قوله: محمد في "صل" لورودها في حديث أبي سعيد، "ولم يزدها في "وبارك".стр. 4819
وقال في "التحقيق والفتاوى" مثله، إلا أنه أسقط النبي الأمي.
وقد تعقبه الأسنوي فقال: لم يستوعب ما ثبت في الأحاديث مع اختلاف كلامه.
وقال الأذرعي: لم يُسبَق إلى ما قاله، والذي يظهر أن الأفضل لمن تشهد أن يأتي بأكمل الروايات، ويقول -كما ثبت- هذا مرة وهذا مرة، وأما التلفيق فإنه يستلزم إحداث صفة في التشهد لم ترد مجموعة، في حديث واحد وسبقه إلى معنى ذلك ابن القيم.
وقد كان ﷺ يدعو في الصلاة: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات،
الحواشي
(١) "وقال" النووي "في التحقيق والفتاوى مثله، إلا أنه أسقط النبي الأمي" مع وقوعهما في حديث ابن مسعود.
"وقد تعقبه الأسنوي، فقال: لم يستوعب ما ثبت في الأحاديث مع اختلاف كلامه" بل يأتي بكل حديث على ما جاء لا أنه يجمع.
"وقال الأذرعي، لم يسبق" النووي "إلى ما قاله" من الجمع: "والذي يظهر أن الأفضل لمن تشهد أن يأتي بأكمل الروايات ويقول كل ما ثبت هذا مرة وهذا مرة، وأما التلفيق، فإنه يستلزم إحداث صفة في التشهد لم ترد مجموعة في حديث واحد، وسبقه إلى معنى ذلك" التعقب "ابن القيم"، وهو تعقب جيد، وقال النووي في حديث: الذكر دبر الصلاة يكبر ثلاثًا وثلاثين ويختتم المائة بلا إله إلا الله ... إلخ.
وفي رواية: يكبر أربعًا وثلاثين، ينبغي أن يجمع بين الروايتين بأن يكبر أربعًا وثلاثين، ويقول معها: لا إله الله ... إلخ، وتعقبوه أيضًا بأن الأظهر أن يختم مرة بزيادة تكبيرة ومرة بزيادة لا إله إلا الله على وفق ما وردت به الأحاديث لا أنه يلفق، لأنه صفة لم ترد، "وقد كان ﷺ يدعو في" آخر "الصلاة" بعد التشهد، ففي مسلم عن أبي هريرة، مرفوعًا: "إذا تشهد أحدكم، فليقل" ذكر نحوه، وفي رواية عنده: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير" فذكره.
قال الحافظ فتكون هذه الاستعاذة سابقة على غيرها من الأدعية، وما ورد أن المصلي يتخير من الدعاء ما شاء يكون بعد هذه الاستعاذة وقبل السلام "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر". فيه رد على من أنكره، "وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال". بفتح الميم وخفة المهملة مكسورة فتحتية فحاء مهملة، وصحف من أعجمها يطلق على عيسى وعلى الدجال،стр. 4820
اللهم وأعوذ بك من المأثم والمغرم". فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم، فقال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف. رواه البخاري ومسلم من رواية عائشة.
الحواشي
(١) لكن إذا أريد قيد به هذا هو المشهور.
وقال أبو داود: عيسي مخفف والدجال مثقل، وقيل: بالتشديد والتخفيف فيهما جميعًا لقب الدجال بذلك، لأنه ممسوح العين، أو لأن أحد شقي وجهه خلق ممسوحًا لا عين فيه ولا حاجب، أو لأنه يمسح الأرض إذا خرج أقوال، وسمي عيسي مسيحًا، لأنه خرج من بطن أمه ممسوحًا بالدهن، أو لأن زكريا مسحه، أو لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ، أو لمسحه الأرض بسياحته، أو لأن رجله لا أخمص لها، أو للبسه المسوح، أو هو بالعبرانية ماسحًا، فعرب المسيح أو المسيح الصديق أقوال.
وذكر شيخنا مجد الدين الشيرازي في شرح المشارق في سبب تسميته مسيحًا خمسين قولا، انتهى ملخصًا.
"وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات"، قال اللغويون الفتنة: الامتحان والاختبار، قال عياض: واستعمالها في العرف لكشف ما يكره.
قال الحافظ وتطلق على القتل والإحراق والنميمة وغير ذلك "اللهم وأعوذ بك من المأثم" أي: ما يأثم به الإنسان، أو هو الإثم نفسه وضعًا للمصدر موضع الاسم، "والمغرم" أي: الدين يقال غرم بكسر الراء، أي: أدان، قيل: والمراد به ما يستدان فيما لا يجوز، أو فيما يجوز ثم يعجز عن أدائه، فأما دين احتاجه وهو قادر على أدائه فلا استعاذة منه.
قال الحافظ: ويحتمل أن يراد به ما هو أعم من ذلك، وقد استعاذ ﷺ من غلبة الدين، وقال القرطبي: المغرم الغرم، وقد نبه في الحديث على الضرر اللاحق من المغرم، انتهى.
وهو حق العباد والمأثم حق الله تعالى، "فقال له قائل" هو عائشة، ففي رواية النسائي عنها، فقلت: يا رسول الله "ما أكثر"، "بفتح الراء" على التعجب "ما تستعيد من المغرم، فقال: إن الرجل إذا غرم"، "بكسر الراء"، "حدث فكذب"، بأن يحتج بشيء في وفاء ما عليه ولم يقم به فيصير كاذبًا، "ووعد فأخلف" كذا لأكثر.
وفي رواية الحموي والمستملي: وإذا وعد أخلف، والمراد أن ذلك شأن من يستدين غالبًا كأن يقول لصاحب الدين: أوفيك يوم كذا ولم يوفه، والكذب وخلف الوعد من صفات المنافقين، "رواه البخاري ومسلم" وأبو داود والنسائي، كلهم في الصلاة "من رواية عائشة" من طريق الزهري، عن عروة، عنها.стр. 4821
قال ابن دقيق العيد: "فتنة المحيا": ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات وأعظمها والعياذ بالله تعالى أمر الخاتمة عند الموت، و"فتنة الممات": يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت، أضيفت إليه لقربها منه، ويجوز أن يكون أراد بها: فتنة القبر، ولا يكون مع هذا الوجه متكررًا مع قوله: "عذاب القبر"، لأن العذاب مترتب على الفتنة، والسبب غير المسبب.
وأخرج الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" عن سفيان الثوري: أن الميت إذا سئل من ربك تراءى له الشيطان فيشير إلى نفسه، إني أنا ربك، فلهذا ورد سؤال التثبيت له حين يسأل.
وقد استشكل دعاؤه ﷺ بما ذكر مع أنه مغفور له ما تقدم وما تأخر.
وأجيب بأجوبة، منها أنه قصد التعليم لأمته، ومنها: أن المراد منه السؤال
الحواشي
(١) "قال ابن دقيق العيد: فتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان"، أي: الابتلاء "بالدنيا والشهوات والجهالات، وأعظمها والعياذ بالله تعالى أمر الخاتمة عند الموت وفتنة الممات، يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت، أضيفت إليه لقربها منه، ويجوز أن يكون أراد بها فتنة القبر" وقد صح، يعني في حديث أسماء الآتي في الجنائز أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريبًا من فتنة الدجال.
هذا أسقطه من كلام ابن دقيق العيد وهو في الفتح عنه قبل قوله: "ولا يكون مع هذا الوجه متكررًا مع قوله عذاب القبر، لأن العذاب مترتب على الفتنة والسبب غير المسبب".
زاد في الفتح، وقيل: أراد بفتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصبر، وبفتنة الممات السؤال في القبر مع الحيرة، وهو من العام بعد الخاص، لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات وفتنة الدجال داخلة تحت فتنة المحيا.
"وأخرج الحكيم" محمد بن علي الترمذي "في نوادر الأصول عن سفيان الثوري أن الميت إذا سئل من ربك تراءى له الشيطان، فيشير إلى نفسه إني أنا ربك، فلهذا ورد سؤال التثبيت له" للميت "حين يسأل"، ثم أخرج بسند جيد إلى عمرو بن مرة: كانوا يستحبون إذا وضع الميت في القبر أن يقولوا: اللهم أعذه من الشيطن.
"وقد استشكل دعاؤه ﷺ بما ذكر مع أنه" معصوم من ذلك "مغفور له ما تقدم وما تأخر" أي: ممنوع من مواقعة ذنب، فإن الغفر الستر.
"وأجيب بأجوبة منها أنه قصد التعليم لأمته" أن تدعو بذلك، "ومنها: أن المراد منهстр. 4822
لأمته، فيكون المعنى هنا: أعوذ بك لأمتي، ومنها: سلوك طريق التواضع وإظهار العبودية والتزام خوف الله تعالى، وإعظامه والافتقار إليه، وامتثال أمره في الرغبة إليه، ولا يمتنع تكرير الطلب مع تحقق الإجابة، لأن في ذلك تحصيل الحسنات، ورفع الدرجات، وفيه تحريض لأمته على ملازمة ذلك، لأنه إذا كان مع تحقق المغفرة لا يترك التضرع، فمن لم يتحقق ذلك أحرى بالملازمة.
وأما الاستعاذة من فتنة الدجال، مع تحققه أنه لا يدركه فلا إشكال فيه على الوجهين الأولين، وقيل على الثالث: يحتمل أن يكون ذلك قبل أن يتحقق عدم إدراكه، ويدل عليه قوله في الحديث الآخر عند مسلم: "إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه". والله أعلم.
وعن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان يقول بعد التشهد: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة الدجال
الحواشي
(١) السؤال لأمته، فيكون المعنى هنا أعوذ بك لأمتى"، فهو من مزيد رأفته بهم، "ومنها سلوك طريق التواضع وإظهار العبودية والتزام خوف الله تعالى وإعظامه والافتقار إليه وامتثال أمره في الرغبة إليه"، بقوله: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٨] ، "ولا يمتنع تكرير الطلب مع تحقق الإجابة، لأن في ذلك تحصيل الحسنات ورفع الدرجات، وفيه تحريض لأمته ملازمة ذلك، لأنه" ﷺ "إذا كان مع تحقق المغفرة لا يترك التضرع" إلى الله تعالى، "فمن لم يتحقق ذلك أحرى بالملازمة" على ذلك "وأما الاستعاذة من فتنة الدجال مع تحققه أنه لا يدركه، فلا إشكال فيه على الوجهين الأولين" قصد التعليم أو السؤال لأمته.
"وقيل على الثالث: يحتمل أن يكون ذلك قبل أن يتحقق عدم إدراكه، ويدل عليه قوله في الحديث الآخر عند مسلم: "إن يخرج"، "بكسر الهمزة"، "وأنا فيكم فأنا حجيجه". أي الذي أحجه وأبين دجله وكذبه دونكم "الحديث والله أعلم"، وهذا مما جاء به المصنف من فتح الباري بلا عزو.
"وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يقول بعد التشهد" وقبل السلام: "اللهم إني أعوذ" أعتصم "بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر"، العذاب اسم للعقوبة والمصدر التعذيب، فهو مضاف إلى الفاعل مجازًا، أو الإضافة من إضافة المظروف إلى ظرفه على تقدير في أي من عذاب في القبر، "وأعوذ بك من فتنة الدجال الأعور" العين اليمنى، وقيل: اليسرى ولا خلف، فإحداهما مطموسة والأخرى معيبة، والعور: العيب، "وأعوذ بك من فتنةстр. 4823
الأعور، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات". رواه أبو داود.
وعن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول ما بين التشهد والتسليم: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت". رواه مسلم وغيره.
وفي رواية له: وإذا سلم قال: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت".
ويجمع بينهما: بحمل الرواية الثانية على إرادة السلام، لأن مخرج الطريقين واحد.
وأورده ابن حبان بلفظ: كان إذا فرغ من الصلاة وسلم، وهذا ظاهر في أنه بعد السلام، ويحتمل أنه كان يقول ذلك قبل السلام وبعده، وسيأتي الجواب عما استشكل في دعائه ﵇ بهذا الدعاء في أدعيته ﷺ .
الحواشي
(١) المحيا والممات"، رواه أبو داود" وهو قريب من حديث عائشة قبله، أتي به المصنف بعده لبيان محل قوله في الصلاة، أنه بعد التشهد.
"وعن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول ما بين التشهد والتسليم": "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت" أخفيت "وما أعلنت" أظهرت، "وما أسرفت" به على نفسي "وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم" من تشاء بطاعتك فتجعلهم أنبياء وأولياء وعلماء، "وأنت المؤخر" من تشاء عن ذلك فلا يدركه التوفيق، فيصيروا فراعنة كفرة شياطين كما اقتضته حكمتك، "لا إله إلا أنت". "رواه مسلم وغيره" في حديث قدم المصنف أوله في دعاء الاستفتاح.
"وفي رواية له" لمسلم "وإذا سلم قال: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت" ولم يقل بين التشهد والتسليم، "ويجمع بينهما بحمل الرواية الثانية على إرادة السلام، لأن مخرج لطريقين واحد" وهو علي ﵁ "وأورده" أي: رواه "ابن حبان" من حديث علي، "بلفظ: كان إذا فرغ من الصلاة وسلم، وهذا ظاهر في أنه بعد السلام"، ويحتمل أنه كان يقول ذلك قبل السلام وبعده، فحفظ كل راو ما لم يحفظ الآخر وإن اتحد المخرج، "وسيأتي الجواب عما استشكل في دعائه ﵇ بهذا الدعاء" ونحوه "في أدعيته ﷺ " وهو النوع السابع ختام ذا المقصد ولفظه، وقد استشكل صدور هذه الأدعية ونحوها منه ﷺ مع قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] ، ووجوب عصمته.стр. 4824
وحاصل ما ثبت عنه ﷺ من المواضع التي كان يدعو بها في داخل صلاته ستة مواطن:
الأول عقب نكبيرة الإحرام، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي". الحديث ونحوه.
الثاني في الركوع، كما في حديث عائشة عند الشيخين: كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي".
الثالث في الاعتدال من الركوع، كما في حديث ابن أبي أوفى عند مسلم أنه كان يقول بعد قوله: "من شيء بعد": "اللهم طهرني بالثلج والبرد وماء البارد".
الرابع في السجود، وهو أكثر ما كان يدعو فيه، وأمر به، إلخ.
الخامس: بين السجدتين: "اللهم اغفر لي ... " إلخ.
السادس: في التشهد.
الحواشي
(١) وأجيب بأنه امتثل ما أمره الله به من تسبيحه وسؤاله المغفرة في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] ، ويحتمل أن يكون سؤال ذلك لأمته وللتشريع، انتهى.
وهذا بعض الأجوبة الثلاثة السابقة آنفًا، وإنما نقلته لئلا يتوهم أنه شيء زائد على ما هنا؛ "وحاصل ما ثبت عنه ﷺ من المواضع التي كان يدعو بها في داخل صلاته ستة مواطن" تفنن فيه أولا بمواضع، وثانيًا بمواطن:
"الأول: عقب تكبيرة الإحرام كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي" الحديث ونحوه" مما مر.
"الثاني: في الركوع كما في حديث عائشة عند الشيخين: كان" ﷺ "يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده": "سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي".
"الثالث: في الاعتدال من الركوع كما في حديث ابن أبي أوفى" عبد الله بن علقمة "عند مسلم أنه كان يقول بعد قوله": "من شيء بعد". "اللهم طهرني بالثلج والبرد وماء البارد".
"الرابع: في السجود وهو أكثر ما كان يدعو فيه وأمر به" في قوله: "وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء، فقمن أن يستجاب لكم".
"الخامس: بين السجدتين: "اللهم اغفر لي ... " إلخ".
"السادس: في التشهد" الأخير، "وكان أيضًا يدعو في القنوت، وفي حال القراءة، إذاстр. 4825
وكان أيضًا يدعو في القنوت، وفي حال القراءة إذا مر بآية رحمة سأل، وإذا مر بآية عذاب استعاذ، وتقدم كل ذلك، والله الموفق.
الفرع الرابع عشر: في ذكر تسليمه من الصلاة
كان ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده. رواه مسلم والنسائي من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه.
وفي حديث ابن مسعود: كان ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره: "السلام عليكم ورحمة الله". رواه الترمذي، وزاد أبو داود: حتى يرى بياض خده، وفي رواية النسائي: حتى يرى بياض خده من ههنا، وبياض خده من ههنا. الحديث.
الحواشي
(١) مر بآية رحمة سأل، وإذا مر بآية عذاب استعاذ"، فتكون المواطن ثمانية، "وتقدم كل ذلك والله الموفق" لا غيره.
الفرع الرابع عشر: في ذكر تسليمه من الصلاة
"كان ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده" من الجهتين كما يأتي، "رواه مسلم والنسائي من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة" العنزي حليف بني عدي أبي محمد المدني، ولد على عهد النبي ﷺ مات سنة بضع وثمانين، "عن أبيه" عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك العنزي، بسكون النون حليف الخطاب، أسلم قديمًا وهاجر، مات ليالي قتل عثمان.
"وفي حديث ابن مسعود: كان النبي ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره"، فيقول: "السلام عليكم ورحمة الله". "رواه الترمذي، وزاد أبو داود: حتى يرى بياض خده".
"وفي رواية النسائي: حتى يرى بياض خده من ههنا" إذا سلم من جهة يمينه، "وبياض خده من ههنا" إذا سلم من جهة يساره "الحديث".
لكن دلالته على أنه كان يسلم تسليمتين لا ينهض، إذ لا صراحة فيما ساقه من هذه الأحاديث بذلك، فيحتمل أن المعنى كان يسلم عن يمينه تارة وعن يساره أخرى، لإفادة أن التيامن بالسلام ليس بواجب، ويقويه أن في الصحيحين عن ابن مسعود: لا يجعل أحدكم للشيطان جزءًا من صلاته، يرى أن حقًا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيت النبي ﷺ كثيرًا ينصرف عن يساره.
لفظ البخاري ولفظ مسلم: أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن شماله، ولا يعارضهстр. 4826
وهذا كان فعله الراتب. رواه عنه خمسة عشر صحابيًا، وهم: عبد الله بن مسعود، وابن أبي وقاص، وسهل بن سعد، ووائل بن حجر، وأبو موسى الأشعري، وحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن عمر، وجابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وأبو مالك الأشعري، وطلق بن علي، وأوس بن أوس، وأبو ثور، وعدي بن عمرو.
هذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد والجمهور.
الحواشي
(١) رواية مسلم عن أنس: أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن يمينه، لأنه جمع بينهما: بأنه كان يفعل تارة هذا وتارة هذا، فأخبر كل من ابن مسعود وأنس بما اعتقد أنه الأكثر.
قال ابن المنير: فيه أن المندوب قد ينقلب مكروهًا إذا رفع عن رتبته، لأن التيامن مستحب في كل شيء، أي من أمور العبادة، لكن لما خشي ابن مسعود أن يعتقد وجوبه أشار إلى كراهته، "وهذا كان فعله الراتب، رواه عنه خمسة عشر صحابيًا" في شرحه للبخاري.
ذكره الطحاوي من حديث ثلاثة عشر صحابيًا، وزاد غيره: سبعة، "وهم عبد الله بن مسعود وابن أبي وقاص" سعد بن مالك "وسهل بن سعد ووائل بن حجر"، "بحاء مهملة مضمومة فجيم ساكنة"، "وأبو موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر وعبد الله بن عمر وجابر بن سمرة والبراء بن عازب"، وكل من حذيفة حتى البراء صحابي ابن صحابي، "وأبو مالك الأشعري" قيل اسمه عبيد، وقيل: عبد الله، وقيل: عمرو، وقيل: كعب بن كعب، وقيل: عمرو بن الحارث، صحابي، مات في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة.
وفي الصحابة أيضًا أبو مالك الأشعري كعب بن عاصم، وأبو مالك الأشعري الحارث بن الحارث كما في التقريب، فكان ينبغي تمييزه، "وطلق"، "بفتح الطاء وسكون اللام"، "ابن علي" الحنفي أبو علي اليمامي له وفادة، "وأوس بن أوس" الثقفي، صحابي سكن دمشق، "وأبو ثور"، "بمثلثة" الفهمي، صحابي سكن مصر.
قال أبو أحمد الحاكم: لا أعرف اسمه ولا سياق نسبه. في الصحابة أيضًا أبو ثور محمد بن معدي كرب الزبيدي كما في الإصابة، فهو إحداهما، وغلط من ظنه أبا ثور الأزدي غافلا عن نقله عن التقريب أنه من الثانية، يعني كبار التابعين كما قال في خطبته، والمصنف في تعداد الصحابة، "وعدي بن عمرو" صوابه ابن عميرة "بفتح العين المهملة وكسر الميم" ابن زرارة "بضم الزاي" الكندي، صحابي، له أحاديث في مسلم وغيره، كما في الإصابة وغيرها، "هذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد والجمهور، ومذهب مالك في طائفة" كثيرة من السلف، وحكاه ابن عبد البر عن الخلفاء الأربعة وابن عمر وأنس وابن أبي أوفى وجمع منстр. 4827
ومذهب مالك في طائفة: المشروع تسليمه.
ودليل مذهبنا ما تقدم. وأما ما روي أنه ﷺ كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه، فلم يثبت من وجه صحيح، وأجود ما في ذلك حديث عائشة أنه ﷺ كان يسلم تسليمة واحدة، السلام عليكم، يرفع بها صوته حتى يوقظنا، وهو حديث معلول، وهو في السنن، لكنه في قيام الليل، والذين رووا عنه تسليمتين رووا ما شاهدوا في الفرض والنفل، وحديث عائشة ليس هو صريحًا في الاقتصار على تسليمة واحدة، بل أخبرت أنه كان يسلم تسليمة واحدة يوقظهم بها، ولم تنف
الحواشي
(١) التابعين "المشروع"، أي: الواجب فيما يخرج به من الصلاة "تسليمة" واحدة لكل مصل إلا أن المأموم يسن له الرد على إمامه، ثم على من على يساره إن كان به معه أحد في تلك الصلاة، لأن رد السلام مشروع في الجملة وعملا بما رواه في الموطأ عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يسلم ثلاثًا إذا كان مأمومًا، فسقط قول من قال: يحتاج من زاد تسليمة ثالثة إلى دليل، فهذا دليله مع عدم الإنكار عليه.
"ودليل مذهبنا ما تقدم" أنه كان يسلم عن يمينه وعن يساره، فإن ظاهره تسليمتين، وتقدم أنه لا دليل فيه لظروف الاحتمال.
"وأما ما روي" عند ابن ماجه عن سهل بن سعد "أنه ﷺ كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه، فلم يثبت من وجه صحيح" لأن في سنده عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد وهو ضعيف: لكن له شاهد عن سلمة بن الأكوع: رأيت رسول الله ﷺ يسلم تسليمة واحدة، أخرجه ابن ماجه، وللنسائي: وضعفه بأن فيه يحيى بن راشد البصري ضعيف، "وأجود ما في ذلك حديث عائشة أنه ﷺ كان يسلم تسليمة واحدة"، يقول: "السلام عليكم". يرفع بها صوته حتى يوقظنا من النوم، "وهو حديث معلول" وإن كان إسناده جيدا لمخالفته لأحاديث غيرها التي ظاهرها تسليمتين، "وهو في السنن" للترمذي والنسائي وابن ماجه.
"لكنه في قيام الليل" أخذا من قولها: حتى يوقظنا، "والذين رووا عنه تسليمتين، رووا ما شاهدوا في الفرض والنفل" الذي كان يفعله بحضورهم، بحيث يشاهدونه فلا يرد عليهم تسليمة واحدة في قيام الليل، لأنهم لم يكونوا عنده، ثمة، لكنه يتوقف على أنهم رووا ذلك عنه في صلاة واحدة، وإلا فهو محتمل.
"وحديث عائشة: ليس هو صريحًا في الاقتصار على تسليمة واحدة، بل أخبرت أنه كان يسلم تسليمة واحدة يوقظهم بها"، فيجوز أنه كان يأتي بالأخرى سرًا، لكن هذا إنما يصح لو جعلت عائشة الإيقاظ غاية للوحدة، وهي إنما جعلته غاية لرفع الصوت، فهو صريح فيстр. 4828
الأخرى بل سكتت عنها، وليس سكوتها عنها مقدمًا على رواية من حفظها وشطبها، وهم أكثر عددًا وأحاديثهم أصح، والله أعلم.
واختلف في التسليم:
فقال: مالك والشافعي وأحمد، وجمهور العلماء: إنه فرض لا تصح الصلاة إلا به.
وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: سنة، لو ترك صحت. قال: وقال أبو حنيفة: لو فعل منافيًا للصلاة من حدث أو غيره في آخرها صحت صلاته، واحتج بأنه ﵊ لم يعلمه للأعرابي حين علمه واجبات الصلاة.
الحواشي
(١) الاقتصار على واحدة، لأنها جعلتها صفة لتسليمة، فرفعت احتمال المجاز، فهو نص في الوحدة، ثم وصفتها ثانيًا، بأنه يرفع صوته بها رفعًا بينا حتى يوقظهم برفع صوته، فلا يصح أيضًا قوله: "ولم تنف الأخرى بل سكتت عنها"، لأن كلامها صريح في النفي وعدم السكوت عنها، "وليس سكوتها عنها مقدمًا على رواية من حفظها وضبطها وهم أكثر عددًا، وأحاديثهم أصح" إسنادًا، لكن إنما ينفعهم ذلك إذا كان في أحاديثهم أنه كان يسلم في الصلاة الواحدة تسليمتين، أحدهما عن يمينه والأخرى عن يساره، أما هذه فظواهر يطرقها الاحتمال، فيسقط بها الاستدلال مع معارضة ذلك لأحاديث سعد وسلمة وعائشة الناصة على الواحدة، وهي وإن كانت مفرداتها ضعيفة، فباجتماعها تتقوى، لا سيما وحديث عائشة إسناده جيد خصوصًا، وقد اعتضدت كما قال ابن عبد البر بالحديث الحسن مفتاح الصلاة الطهور، وتحليلها التسليم، والواحدة يقع عليها اسم التسليم، والعمل المشهور المتواتر بالمدينة التسليمة الواحدة، ومثله يحتج به لوقوعه في كل يوم مرارًا وبفعل الخلفاء الأربع، وبهم القدوة، انتهى ملخصًا.
"والله أعلم" بالصواب من ذلك في نفس الأمر.
"واختلف في التسليم، فقال مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء أنه فرض لا تصح الصلاة إلا به"، فلو خرج من الصلاة بدون السلام بطلت.
"وقال أبو حنيفة والثوري" سفيان "والأوزاعي سنة لو ترك صحت صلاته" أي: تاركه.
"وقال أبو حنيفة: لو فعل منافيًا للصلاة من حدث أو غيره" كالكلام "في آخرها صحت صلاته" لتمام فرائضها عنده.
"واحتج بأنه ﵊ لم يعلمه للأعرابي حين علمه واجبات الصلاة" إذ لو كان فرضًا لعلمه له.стр. 4829
واحتج الجمهور بحديث أبي داود: "مفتاح الصلاة الطهور وتحليلها التسليم".
وكان ﷺ إذا قام في الصلاة طأطأ رأسه. رواه أحمد.
وكان لا يجاوز بصره إشارته، وكان قد جعل الله قرة عينه في الصلاة كما قال: "وجعلت قرة عيني في الصلاة". رواه النسائي.
ولم يكن يشغله ﵇ ما هو فيه عن مراعاة أحوال المأمومين، مع كمال إقباله وقربه من ربه وحضور قلبه بين يديه.
وكان يدخل في الصلاة فيريد إطالتها فيسمع بكاء الصبي فيتجوز في صلاته مخافة أن يشق على أمه. رواه البخاري وأبو داود والنسائي.
الحواشي
(١) "واحتج الجمهور بحديث أبي داود" والترمذي وابن ماجه، بإسناد حسن عن علي بن أبي طالب أنه ﷺ ، قال: "مفتاح الصلاة الطهور" بضم الطاء وفتحها روايتان كما مر وتحريمها التكبير هذا أسقطه هنا، "وتحليلها التسليم" لتحليله ما كان حرامًا على المصلي، ففيه أن التسليم ركن الصلاة كالتكبير، وأنه إنما يكون به دون الحدث والكلام، لأنه عرف بأل، وعينه كما عين الطهور، وعرفه، والتعريف بأل مع الإضافة يوجب التخصيص، ففيه رد على الحنفية، قاله الخطابي.
قال الحافظ: وأما حديث إذا أحدث وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته، فقد ضعفه الحفاظ.
"وكان ﷺ إذا قام في الصلاة طأطأ رأسه" بالهمز، أي: طامنه وخفضه ليكون أبعد من النظر إلى ما يشغله، "رواه" وبه أخذ الشافعية، "وكان لا يجاوز بصره إشارته"، أي: أصبعه التي يشار بها وهي السبابة، "وكان قد جعل الله قرة عينه في الصلاة"، أي: راحتها وسرورها، "كما قال": "وجعلت قرة عيني في الصلاة". لأنها محل المناجاة ومعدن المصافاة، "رواه النسائي" في حديث مر الكلام عليه مبسوطًا، "ولم يكن يشغله"، "بفتح أوله وثالثه" المعجم يمنعه "﵇ ما هو فيه من مراعاة أحوال المأمومين" فإذا حصل لهم خلل ربما نبههم عليه بعد، كما قال: "إنه لا يخفى علي ركوعكم ولا خشوعكم، وإني لأراكم من وراء ظهري". "مع كمال إقباله وقربه من ربه" القرب المعنوي "وحضور قبله بين يديه" نريد عناية وتكميل من الله تعالى له.
"وكان يدخل في الصلاة فيريد إطالتها" أي: التطويل فيها "فيسمع بكاء الصبي" بالمد، أي صوته الذي يكون معه "فيتجوز" بجيم وزاي، يعني يخفف "في صلاته" بتقصيرهاстр. 4830
وكان يؤم الناس وهو حامل أمامة بنت أبي العاصي بن الربيع على عاتقة. رواه مسلم وغيره.
قال النووي: وهذا يدل لمذهب الشافعي ومن وافقه أنه يجوز حمل الصبي والصبية وغيرهما من الحيوان في صلاة الفرض والنفل للإمام والمأموم والمنفرد.
وحمله أصحاب مالك على النافلة، منعوا جواز ذلك في الفريضة.
وهذا التأويل فاسد، لأن قوله: "يؤم الناس" صريح أو كالصريح في أنه كان
الحواشي
(١) "مخافة أن يشق على أمه"، أي: المشقة عليها.
وفي رواية: أن تفتن أمه، أي: تلتهي عن صلاتها لاشتغال قلبها ببكائه، زاد عبد الرزاق من مرسل عطاء: أو تتركه فيضيع "رواه البخاري وأبو داود والنسائي" في الصلاة عن أبي قتادة، ورواه الشيخان وغيرهما من حديث أنس من طرق بين في بعضها عند مسلم محل التخفيف، فقال: فيقرأ بالسورة القصيرة، ولابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن سابط مرسلا أنه ﷺ قرأ في الركعة الأولى بسورة طويلة نحو ستين آية، فسمع بكاء صبي، فقرأ في الثانية بثلاث آيات، وفيه شفقته ﷺ على أصحابه ومراعاة أحوال الكبير منهم والصغير، "وكان يؤم الناس وهو حامل أمامة" بضم الهمزة وتخفيف الميم، والمشهور في الروايات تنوين حامل ونصب أمامة، وروي بالإضافة كقراءة: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ بالوجهين "بنت أبي العاصي" لقيط أو مقسم أو مهشم أو هشيم أو ياسر "بن الربيع" بن عبد العزى بن عبد شمس، أسلم قبل الفتح وهاجر وأثنى عليه ﷺ في مصاهرته، ومات في خلافة الصديق.
وفي رواية بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ، فنسبها إلى أمها أكبر بناته ﷺ ، وتزوجها علي بعد فاطمة بوصية منها، ولم تعقب "على عاتقه".
وفي رواية لأحمد: على رقبته، "رواه مسلم وغيره" عن أبي قتادة، قا: "رأيت النبي ﷺ يؤم الناس وأمامة على عاتقه"، وهو في الموطأ والصحيحين، عنه بلفظ: كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها.
"قال النووي: وهذا يدل لمذهب الشافعي ومن وافقه أنه يجوز حمل الصبي والصبية وغيرهما من الحيوان في صلاة الفرض والنفل للإمام والمأموم والمفرد" عملا بظاهر هذه الرواية، وكأنهم قاسوا المأموم والفذ على الإمام بطريق المساواة أو الأولى، "وحمله أصحاب مالك على النافلة، ومنعوا جواز ذلك في الفريضة" جوازًا مستوي الطرفين، بمعنى أنهم كرهوا ذلك "وهذا التأويل فاسد، لأن قوله يؤم الناس صريح، أو كالصريح" إضراب "في أنه كان فيстр. 4831
في الفرض. وادعى بعض المالكية أنه منسوخ، وبعضهم أنه خاص به ﷺ ، وبعضهم أنه كان لضرورة، وكلها مردودة ولا دليل عليها ولا ضرورة إليها، بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك، وليس فيه ما يخالف الشرع، لأن الآدمي طاهر، وما في جوفه في النجاسة معفو عنها لكونها في معدته، وثياب الأطفال وأجسادهم محمولة على الطهارة، ودلائل الشرع متظاهرة على هذا، والأفعال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت أو تفرقت، وفعله ﵇ للجواز، وتنبيها على هذه
الحواشي
(١) الفرض" لأن المازري وعياضًا والقرطبي استبعدوا ذلك بأن إمامته في النافلة ليست بمعهودة، والاستبعاد لا يمنع الوقوع، وقد أم في النفل في قصتي مليكة وعتبان وغيرهما.
وأما رواية أبي داود: بينا نحن ننتظر رسول الله ﷺ في الظهر أو العصر وقد دعاه بلال إلى الصلاة، إذ خرج إلينا وأمامة على عاتقة، فقام في مصلاه، فقمنا خلفه، فكبر وكبرنا وهي في مكانها فقد أعله ابن عبد البر؛ بأن أبا داود رواه من طريق ابن إسحاق عن المقبري، وقد رواه الليث عن المقبري، أي: عند البخاري، فلم يقل في الظهر أو العصر، فلا دلالة فيه على أنه في فريضة، انتهى.
"وادعى بعض المالكية أنه منسوخ" إشارة لقول أبي عمر لعله نسخ بتحريم العمل في الصلاة، ورد بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وبأن هذه القصة كانت بعد قوله ﷺ : "إن في الصلاة لشغلا"، لأنه كان قبل الهجرة بمدة، "وبعضهم" فيما نقله عياض؛ "أنه خاص به ﷺ " لعصمته من أن تبول وهو حاملها، ورد بأن الأصل عدم الاختصاص، وبأنه لا يلزم من ثبوته في أمر ثبوته في غيره بلا دليل، ولا دخل للقياس في مثله، "وبعضهم" ورواه أشهب وابن نافع عن مالك "أنه كان لضرورة" حيث لم يجحد من يكفيه أمرها، وقال بعض أصحابه، لأنه لو تركها لبكت وشغلت سره أكثر من شغله بحملها.
وقال الباجي: إن وجد من يكفيه أمرها جاز في النافلة دون الفريضة، وإن لم يجد جاز فيهما، "وكلها مردودة ولا دليل عليها ولا ضرورة إليها، بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك" لكنه صادق بالكراهة، لا سيما وهو يفعل المكروه لغيره لبيان الجواز، أي: عدم منعه، "وليس فيه ما يخالف الشرع، لأن الآدمي طاهر وما في جوفه من النجاسه معفو عنها" راعى معنى مالا لفظها: فأتت، لأن من البيان والبيان عين المبين، فكأنه قال: والنجاسة التي في جوفه معفو عنها، "لكونها في معدته، وثياب الأطفال وأجسادهم محمولة على الطهارة"، وفي نسخة مبنية على الطهارة، وكأنه أريد بالبناء الحمل، "ودلائل الشرع متظاهرة على هذا، والأفعال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت" بأن نقصت عن ثلاث "أو" كثرت و"تفرقت" فإنстр. 4832
القواعد التي ذكرتها.
وهذا يرد على ما ادعاه أبو سليمان الخطابي: أن هذا الفعل يشبه أن يكون بغير تعمد لحملها في الصلاة، لكنها كانت تتعلق به ﵊ فلم يدفعها، فإذا قام بقيت معه من غير فعله، قال: ولا يتوهم أنه حملها ووضعها مرة بعد أخرى، لأنه عمل كثير، ويشغل القلب، وإذا كان علم الخميصة شغله فكيف لا يشغله هذا؟
هذا كلام الخطابي، وهو باطل، ودعوى مجردة، ومما يرده قوله في صحيح مسلم: "فإذا قام حملها، وإذا رفع من السجود أعادها" وقوله في رواية غير مسلم: "خرج حاملا أمامة وصلى" وذكر الحديث. وأما قضية الخميصة فإنها تشغل القلب بلا فائدة، وحمل أمامة لا نسلم أنه يشغل القلب، وإن شغله فيترتب عليه فوائد،
الحواشي
(١) توالت بطلت بثلاث ما لم يكن خفيفًا، كتحريك أصابعه في سبحة أو حك مع قرار الكف، كما هو مذهب الشافعية، "وفعله ﵇ للجواز"، وهو صادق بالكراهة، "وتنبيهًا على هذه القواعد التي ذكرتها" من أول قوله، لأن الآدمي إلى هنا، لكن هذا إنما يرد على من علل بالنجاسة أو الفعل الكثير.
أما من علل الكراهة بالشغل في الصلاة، فلا يرد عليه شيء من ذلك، "وهذا يرد على ما ادعاه أبو سليمان الخطابي أن هذا الفعل يشبه أن يكون بغير تعمد لحملها في الصلاة، لكنها"، أي: الصبية "كانت تتعلق به ﵊"، إذا سجد، لأنها ألفته، "فلم يدفعها، فإذا قام بقيت معه من غير فعله" فيقل العمل.
"قال" الخطابي: "ولا يتوهم أنه حملها ووضعها مرة بعد أخرى، لأنه عمل كثير ويشغل القلب" وكلاهما لا يجوز في الصلاة، "وإذا كان علم الخميصة شغله، فكيف لا يشغله هذا؟ " الفعل، "هذا كلام الخطابي، وهو باطل ودعوى مجردة" عن دليل.
"ومما يرده قوله في صحيح مسلم: فإذا قام حملها، وإذا رفع من السجود أعادها" فهذا صريح في أن فعل الحمل والوضع منه. ولأحمد: وإذا قام حملها فوضعها على رقبته.
"وقوله في رواية غير مسلم: خرج حاملا أمامة، وصلى وذكر الحديث" ولأبي داود: حتى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها، ثم ركع وسجد، حتى إذا فرغ من سجوده وقام أخذها فردها في مكانها.
"وأما قضية الخميصة، فإنها تشغل القلب بلا فائدة، وحمل أمامة لا نسلم أنه يشغلстр. 4833
وبيان قواعد مما ذكرناه وغيره، فاحتمل ذلك الشغل لهذه الفوائد بخلاف الخميصة.
والصواب الذي لا يعدل عنه أن الحديث كان للبيان والتنبيه على هذه القواعد، فهو جائز لنا وشرع مستمر إلى يوم الدين، انتهى.
وكان ﷺ يصلي فيجيء الحسن أو الحسين فيركب على ظهره، فيطيل السجدة كراهية أن يلقيه عن ظهره.
وكان يرد السلام بالإشارة على من يسلم عليه وهو في الصلاة.
قال جابر: بعثني رسول الله ﷺ لحاجة، فأدركته وهو يصلي فسلمت عليه، فأشار إلي، رواه مسلم.
وقال عبد الله بن مسعود: لما قدمت من الحبشة أتيت النبي ﷺ وهو يصلي، فسلمت عليه، فأوما برأسه، رواه البيهقي.
وكان ﷺ يصلي وعائشة معترضة بينه وبين القبلة، فإذا سجد غمزها بيده
الحواشي
(١) القلب، وإن شغله فيترتب عليه فوائد وبيان قواعد مما ذكرناه وغيره، فاحتمل ذلك الشغل لهذه الفوائد بخلاف الخميصة" فلا فائدة فيها أصلا فافترقا.
"والصواب الذي لا يعدل عنه أن الحديث كان للبيان والتنبيه على هذه القواعد، فهو جائز لنا" أن نفعل مثله "وشرع مستمر إلى يوم الدين، انتهى" كلام النووي.
"وكان ﷺ يصلي فيجيء الحسن أو الحسين" أو للتنويع، "فيركب على ظهره فيطيل السجدة كراهية أن يلقيه عن ظهره" سريعًا فيتأذى، "وكان يرد السلام بالإشارة على من يسلم عليه وهو في الصلاة"، ففيه أنه يجب على المصلي رد السلام بالإشارة.
"قال جابر: بعثني رسول الله ﷺ لحاجة" وكان ذلك في غزوة بني المصطلق كما في مسلم "فأدركته" لما رجعت من الحاجة "وهو يصلي، فسلمت عليه، فأشار إلي" ردًّا لسلامي، وقوله في رواية البخاري: فلم يرد علي معناه باللفظ، "رواه مسلم" والبخاري بنحوه.
"وقال عبد الله بن مسعود: لما قدمت من الحبشة أتيت النبي ﷺ وهو يصلي فسلمت عليه فأومأ" أشار "برأسه" لرد السلام، "رواه البيهقي"، وفيهما جواز السلام على المصلي بلا كراهة، وهو قول مالك في المدونة وأحمد والجمهور، وقال في رواية ابن وهب: يكره، وكذا قال عطاء والشعبي وجابر.
"وكان ﷺ يصلي وعائشة معترضة بينه وبين القبلة" اعتراض الجناز، كما في نفسстр. 4834
فقبضت رجليها، وإذا قام ببسطتهما. رواه البخاري.
وكان ﵇ لا يلتفت في صلاته. في البخاري عن عائشة قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة قال: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد".
الحواشي
(١) الحديث، أي: اعتراضًا كاعتراض الجنازة بأن تكون نائمة بين يديه من جهة يمينه إلى جهة يساره، كما تكون الجنازة بين يدي المصلي عليها، "فإذا سجد غمزها"، أشار أو طعن "بيده"، أي بأصبعه كما قاله البرهان الحلبي، قائلا: إن ذلك جاء في رواية، "فقبضت رجليها، وإذا قام بسطتها"، قالت عائشة في رواية للشيخين: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح، يعني: إذ لو كانت لقبضت رجلي عند إرادة السجود ولما أحوجته للغمز فهو اعتذار، وفيه دلالة لمذهب مالك أن لمس المرأة بلا لذة لا ينقض الوضوء، لأن شأن المصلي عدم اللذة، لا سيما النبي ﷺ ، واحتمال الحائل الأصل عدمه أو الخصوصية، فهي لا تثبت بالاحتمال، وعلى أن المرأة لا تبطل صلاة من صلى إليها، وعليه الشافعي وأبو حنيفة ومالك مع كراهته لذلك لئلا يتذكر منها ما يشغله عن الصلاة أو يبطلها، والنبي ﷺ معصوم، "رواه البخاري" ومسلم وأبو داود وابن ماجه من حديث عائشة بطرق عديدة وألفاظ متقاربة.
"وكان ﵇ لا يلتفت في صلاته" لأنه ينقص الخشوع، أو لترك استقبال القبلة ببعض البدن والإجماع على كراهته، والجمهور أنها للتنزيه، وقالت الظاهرية: يحرم إلا لضرورة، وقد قال ﷺ : "لا يزال الله مقبلا على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف جهه عنه انصرف". رواه أبو داود والنسائي وابن خزيمة، وزاد: "فإذا صليتم فلا تلتفتوا".
"في البخاري: عن عائشة قالت: سألت رسول ﷺ عن الالتفات في الصلاة، قال": "هو اختلاس" أي: اختطاف بسرعة، وفي النهاية: افتعال من الخلسة، وهي ما يؤخذ سلبًا مكابرة وفيه نظر، وقال غيره: المختلس الذي يختطف من غير غلبة ويهرب ولو مع معاينة المالك، والناهب يأخذ بقوة، والسارف من يأخذ خفية، فلما كان الشيطان قد يشغل المصلي عن صلاته بالالتفات إلى شيء ما بغير حجة يقيمها أشبه المختلس "يختلسه"، "بالضمير" للكشميهني، وللأكثر: يختلس بلا ضمير "الشيطان من صلاة العبد".
قال ابن بريزة: أضيف إلى الشيطان، لأن فيه انقطاعًا من ملاحظة التوجه إلى الحق سبحانه، وقال الطيبي: سمي اختلاسًا تصويرًا لقبح تلك الفعلة من المختلس، لأن المصلي يقبل عليه الرب تعالى والشيطان مترصد له ينتظر فوات ذلك عليه، فإذا التفت اغتنم الشيطان الفرصة فسلبه تلك الحالة.стр. 4835
وروى أبو داود من حديث سهل بن الحنظلية: أنه ﷺ قال يوم حنين: "من يحرسنا الليلة"؟ قال أنس بن أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول الله! قال: "اركب"، فركب فرسًا له، فقال: "استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه"، فلما أصبحنا ثُوِّب بالصلاة، فجعل ﷺ وهو يصلي يلتفت إلى الشعب، حتى إذا قضى الصلاة قال: أبشروا قد جاء فارسكم.
فهذا الالتفات من الاشتغال بالجهاد في الصلاة، وهو يدخل في مداخل العبادات، كصلاة الخوف، وقريب منه قول عمر ﵁ إني لأجهز الجيش وأنا في الصلاة، فهذا جمع بين الصلاة والجهاد ونظير التفكر في معاني
الحواشي
(١) وقال غيره: الحكمة في جعل سجود السهو حابرًا للمشكوك فيه دون الالتفات، وغيره مما ينقص الخشوع أن السهو لا يؤاخذ به المكلف، فشرع له الجبر دون العمد ليتيقظ العبد له فيجتنبه.
"وروى أبو داود" والنسائي وغيرهما من حديث سهل بن الحنظلية، صحابي، أنصاري، أوسي، والحنظلية أمه، أو من أمهاته، واختلف في اسم أبيه؛ "أنه ﷺ قال يوم حنين: "من يحرسنا الليلة"؟. قال أنس بن أبي مرثد"، بفتح الميم وسكون الراء وفتح المثلثة، واسمه كناز، بفتح الكاف وشد النون وزاي، ابن الحصين "الغنوي" بمعجمة ونون مفتوحتين نسبة إلى غني بن يعصر، صحابي ابن صحابي.
قال ابن منده: كان بينه وبين ابنه في السن عشرون سنة، ويكنى أبا يزيد، ومات سنة عشرين "أنا يا رسول الله، قال: "اركب"، فركب فرسا له، فقال: "استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه".
قال سهل بن الحنظلية: "فلما أصبحنا ثوب" بضم المثلثة وكسر الواو ثقيلة، نودي "بالصلاة، فجعل ﷺ وهو يصلي يلتفت إلى الشعب، حتى إذا قضى الصلاة" أتمها، "قال": "أبشروا قد جاءكم فارسكم".
وفي بقية الحديث، فقال له ﷺ : "هل نزلت الليلة"، قال: لا إلا مصليًا أو قاضي حاجة، فقال: "قد أوجبت، فلا عليك أن لا تعمل بعدها".
قال في الإصابة: إسناده على شرط الصحيح، "فهذا الالتفات من الاشتغال بالجهاد في الصلاة، وهو يدخل في مداخل العبادات كصلاة الخوف"، فلا كراهة فيه ولا يمنع الإقبال، "وقريب منه قول عمر ﵁: إني لأجهز الجيش"، أي أدبر تجهيزه "وأنا في الصلاة، فهذا جمع بين الصلاة والجهاد" ولا ضير في ذلك، "ونظيره التفكر في معاني القرآنследующие страницы →