← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

وعن عائشة قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش، فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في السجود، وهما منصوبتان، وهو يقول: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك". رواه مسلم.

стр. 4797

قال الخطابي: في هذا الحديث معنى لطيف، وذلك أنه ﵇ استعاذ بالله وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضى والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والمعاقبة، فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له وهو الله تعالى استعاذ به منه لا غيره، ومعناه: الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه. وقوله: "لا أحصي ثناء عليك" أي لا أطيقه ولا آتي عليه، وقيل: لا أحيط به، وقال مالك: لا أحصي نعمتك وإحسانك والثناء بهما عليك وإن اجتهدت في الثناء بهما عليك.

стр. 4798

وقوله: "أنت كما أثنيت على نفسك": اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء، فإنه لا يقدر على بلوغ حقيقته، ورد الثناء إلى الجملة دون التفصيل والإحصاء والتعيين، فوكل ذلك إلى الله تعالى المحيط بكل شيء جملة وتفصيلا، وكما أن لا نهاية لصفاته لا نهاية للثناء عليه، لأن الثناء تابع للمثنى عليه، فكل شيء اثني عليه وإن كثر وطال وبولغ فيه, فقدر الله أعظم وسلطانه أعز، وصفاته أكثر وأكبر، وفضله وإحسانه أوسع وأسبغ. انتهى. وههنا فائدة لطيفة ذكر بعض المحققين، في نهيه ﷺ عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، وهي أن القرآن أشرف الكلام، وحالتا الركوع والسجود حالتا ذل وانخفاض من العبد، فمن الأدب مع كلام الله تعالى أن لا يقرأ في هاتين

стр. 4799

الحالتين، وتكون حالة القيام والانتصاب أولى به والله تعالى أعلم. وروى أبو داود: أنه ﷺ سجد على الماء والطين. وكان يرفع رأسه من السجود مكبرا غير رافع يديه ويرفع منه رأسه قبل يديه ثم يجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى. وكان ﵇ يجلس للاستراحة جلسة لطيفة، بحيث تسكن جوارحه سكونا بينا، ثم يقوم إلى الركعة الثانية، كما في صحيح البخاري وغيره. قال النووي: ومذهبنا استحبابها عقب السجدة الثانية في كل ركعة يقوم عنها، ولا تستحب في سجود التلاوة في الصلاة.

стр. 4800

وكان ﷺ يقول بين السجدتين: "اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني". رواه أبو داود والدارمي من حديث ابن عباس. الفرع الثاني عشر: في ذكر جلوسه للتشهد كان ﷺ إذا جلس للتشهد يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى. رواه مسلم. قال النووي: معناه يجلس مفترشا، وفيه حجة لأبي حنيفة ومن وافقه: أن الجلوس في الصلاة يكون مفترشا سواء فيه جميع الجلسات. وعند مالك: يسن متوركا بأن يخرج رجله اليسرى من تحته ويقضي بوركه

стр. 4801

إلى الأرض. وقال الشافعي: السنة أن يجلس كل الجلسات مفترشا إلا الجلسة التي يعقبها السلام. والجلسات عند الشافعي أربع: الجلوس بين السجدتين، وجلسة الاستراحة في كل ركعة يعقبها قيام، والجلسة للتشهد الأولى، والجلسة للتشهد الأخير، والجميع يسن مفترشا إلا الأخيرة، ولو كان على المصلي سجود سهو فالأصح له أن يجلس مفترشا في تشهده فإذا سجد سجدتي السهو تورك ثم سلم. هذا تفصيل مذهبنا. واحتج أبو حنيفة: بإطلاق حديث عائشة. واحتج الشافعي: بحديث أبي حميد الساعدي في صحيح البخاري، وفيه التصريح بالافتراش في الجلوس الأول والتورك في آخر الصلاة، وحمل حديث

стр. 4802

عائشة هذا على الجلوس في غير التشهد الأخير ليجمع بين الأحديث. انتهى. فليتأمل قول ابن القيم في الهدي النبوي: إنه لم ينقل أحد عنه ﷺ أن هذا كان صفة جلوسه في التشهد الأول، ولا أعلم أحدا قال به. انتهى. وقال أبو حميد الساعدي في عشرة من أصحابه ﷺ : أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ، قالوا: فاعرض.. فذكر الحديث إلى أن قال: حتى إذا كانت

стр. 4803

السجدة التي فيها التسليم أخرج رجله اليسرى وقعد متوركا على شقه الأيسر ثم سلم، قالوا: صدقت هكذا كان يصلي، رواه أبو داود والدارمي. وفي رواية لأبي داود: فإذا قعد في الركعتين قعد على بطن قدمه اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا كان في الرابعة أفضى بوركه الأيسر إلى الأرض وأخرج قدميه من ناحية واحدة. الحديث. وكان ﵇ إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته وعقد ثلاثا وخمسين وأشار بالسبابة.

стр. 4804

وفي رواية مسلم: وضع يده على ركبته، ورفع أصبعه اليمنى وقبض ثنتين وحلق حلقة، ثم رفع أصبعه فرأيناه يحركها ويدعو. وفي حديث ابن الزبير عنده أيضا: كان يشير بها ولا يحركها الحديث. وعند أبي داود من حديث وائل بن حجر: مد ﷺ مرفقه اليمنى وقبض ثنتين وحلق حلقة ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها ويدعو. وكان ﷺ يستقبل بأصابعه القبلة في رفع يديه وركوعه وفي سجوده وفي التشهد، ويستقبل بأصابع رجليه القبلة في سجوده. الفرع الثالث عشر: في ذكر تشهده ﷺ كان ﷺ يتشهد دائما في هذه الجلسة الأخيرة ويعلم أصحابه أن يقولوا: التحيات

стр. 4805

المباركات، الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته،

стр. 4806

السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. رواه مسلم من رواية ابن عباس.

стр. 4807

وهو الذي اختاره الشافعي لزيادة "المباركات" لا تشهد ابن مسعود، وإن قاله القاضي عياض. وعبارة الشافعي فيما أخرجه البيهقي بسنده إلى الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي جوابًا لمن سأله بعد ذكر حديث ابن عباس: "فإنا نرى الرواية اختلفت فيه عن النبي ﷺ ، فروى ابن مسعود خلاف هذا، فساق الكلام إلى أن قال: فلما رأيته واسعًا وسمعته -يعني حديث ابن عباس- صحيحًا، وروايته أكثر لفظًا من غيره -يعني من المرفوعات- أخذت به غير معنف لمن أخذ بغيره "هذا آخر كلامه، وليس فيه تصريح بالأفضلية، والعمل عند الله تعالى.

стр. 4808

وقال أبو حنيفة وأحمد وجمهور الفقهاء وأهل الحديث: تشهد ابن مسعود أفضل لأنه عند المحدثين أشد صحة. وقال مالك ﵀ تشهد عمر الموقوف عليه أفضل لأنه علمه للناس

стр. 4809

على المنبر ولم ينازعه أحد فدل على تفضيله. ومذهب الشافعي أن التشهد الأول سنة والثاني واجب. وجمهور المحدثين: أنهما واجبان. وقال أحمد: الأول وجب يجبر تركه بالسجود، والثاني ركن تبطل الصلاة بتركه. وقال أبو حنيفة ومالك وجمهور الفقهاء: هما سنتان. وعن مالك رواية بوجوب الأخير. وقد كان ﵇ يأتي بالتشهدين.

стр. 4810

وفي الغيلانيات عن القاسم بن محمد قال: علمتني عائشة قالت: هذا تشهد رسول الله ﷺ : "التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". وهو مثل تشهد ابن مسعود سواء. رواه البيهقي بإسناد جيد. قال النووي: وفي هذا فائدة حسنة وهي أن تشهده ﵇ بلفظ تشهدنا، انتهى. قال الحافظ ابن حجر: وكأنه يشير إلى رد ما وقع في الرافعي: أنه ﷺ كان يقول في التشهد: "وأشهد أني رسول الله". وتعقبوه بأنه لم يرو كذلك صريحًا. نعم وقع في البخاري من حديث سلمة بن الأكوع قال: خفت أزواد القوم فذكر الحديث وفيه: فقال رسول الله ﷺ : "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله".

стр. 4811

ومن لطائف التشهد ما قاله البيضاوي: علمهم أن يفردوه ﷺ بالذكر لشرفه ومزيد حقه عليهم، فإن قيل: كيف يشرع هذا اللفظ، وهو خطاب بشر مع كونه منهيًا عنه في الصلاة؟ فالجواب: أن ذلك من خصائصه ﷺ . فإن قلت: فما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب في قوله: "عليك أيها النبي" مع أن لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق، كأن يقول: السلام على النبي، فينتقل من تحية الله إلى تحية النبي، ثم إلى تحية النفس، ثم إلى تحية الصالحين؟ أجاب الطيبي بما محصله: نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذي علمه

стр. 4812

الصحابة. ويحتمل أن يقال على طريق أهل المعرفة بالله تعالى: إن المصلين لما استفتحوا باب الملكوت بالتحيات، أذن لهم بالدخول في حريم الحي الذي لا يموت، فقرت أعينهم بالمناجاة، فنهبوا على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة وبركة متابتعه، فالتفوا فإذا الحبيب في حريم الحسيب الملك حاضر، فألقوا عليه قائلين: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، انتهى. وقال الترمذي الحكيم: في قوله: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين":

стр. 4813

من أراد أن يحظى بهذا السلام الذي يسلمه الخلق في صلاتهم فليكن عبدًا صالحًا، وإلا حرم هذا الفضل العظيم. وقال القفال في فتاويه: ترك الصلاة يضر جميع المسلمين، لأن المصلي يقول: اللهم اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات، ولا بد أن يقول في التشهد: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فيكون التارك للصلاة مقصرًا في خدمة الله وفي حق رسوله، وفي حق نفسه، وفي حق كافة المسلمين. ولذلك عظمت المعصية بتركها. واستنبط منه السبكي: أن في الصلاة حقًا للعباد مع حق الله، وأن من تركها أخل بجميع حق المؤمنين، من مضى ومن يجيء إلى يوم القيامة، لوجوب قوله فيها: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، انتهى.

стр. 4814

وتقدم الكلام على وجوب الصلاة عليه ﷺ بعد التشهد الأخير، وما في ذلك من المباحث في فضل الصلاة عليه. وعند الطبراني مرفوعًا، عن سهل بن سعد: "لا صلاة لمن لم يصل على نبيه". وكذا عند ابن ماجه والدارقطني. وعن أبي مسعود الأنصاري عند الدارقطني: "من صلى صلاة لم يصل فيها علي وعلى أهل بيتي لم تقبل منه". وعن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمدًا وآل محمد، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد". رواه الحاكم. واغتر قوم بتصحيحه فوهموا، فإنه من رواية يحيى بن السباق وهو مجهول

стр. 4815

عن رجل مبهم، وبالغ ابن العربي في إنكار ذلك فقال: حذار مما ذكره ابن أبي زيد من زيادته وترحم، فإنه قريب من البدعة، لأنه ﷺ علمهم كيفية الصلاة عليه بالوحي، ففي الزيادة على ذلك استدراك عليه. قال الحافظ ابن حجر: ابن أبي زيد ذكر ذلك في الرسالة في صفة التشهد، لما ذكر ما يستحب في التشهد، ومنه: اللهم صل على محمد وآل محمد، فزاد: وترحم على محمد وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد إلى آخره. فإن كان إنكاره ذلك لكونه لم يصح فمسلم، وإلا فدعوى من ادعى أنه لا يقال: وارحم محمدًا، مردودة لثبوت ذلك في عدة أحاديث أصحها في التشهد: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته". قال: ثم وجدت لابن أبي زيد مستندًا" فأخرج الطبري في تهذيبه، من طريق حنظلة بن علي عن أبي هريرة رفعه: "من قال اللهم صل على محمد وعلى آل

стр. 4816

محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، شهدت له يوم القيامة وشفعت له" ورجال سنده رجال الصحيح، إلا سعيد بن سليمان مولى سعيد بن العاصي، الراوي له عن حنظلة بن علي فإنه مجهول، وهذا كله فيما يقال مضمومًا إلى السلام أو الصلاة. وقد وافق ابن العربي الصيدلاني من الشافعية على المنع من ذلك ونقل القاضي عياض عن الجمهور الجواز مطلقًا، وقال القرطبي في "المفهم": إنه الصحيح لورود الأحاديث به، وخالفه غيره. ففي "الذخيرة" من كتب الحنفية عن محمد: يكره ذلك لإبهامه النقص، لأن الرحمة غالبًا إنما تكون لفعل ما يلام عليه.

стр. 4817

وجزم ابن عبد البر بمنعه، فقال: لا يجوز لأحد إذا ذكر النبي ﷺ أن يقول: ﵀، لأنه ﵇ قال: "من صلى علي" ولم يقل: من ترحم علي، ولا من دعا لي، وإن كان معنى الصلاة الرحمة، ولكنه خص بهذا اللفظ تعظيمًا له. فلا يعدل عنه إلى غيره. وأخرج أبو العباس السراج عن أبي هريرة: أنهم قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم، وآل إبراهيم إنك حميد مجيد". وفي حديث بريدة رفعه: "اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد، كما جعلتها على إبراهيم وعلى آل إبراهيم".

стр. 4818

ووقع في حديث ابن مسعود عند أبي داود والنسائي: "على محمد النبي الأمي". وفي حديث أبي سعيد: "على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم". ولم يذكر آل محمد ولا آل إبراهيم. وعند أبي داود من حديث أبي هريرة: "اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته". ووقع في آخر حديث ابن مسعود: "في العالمين إنك حميد مجيد". قال النووي في شرح المهذب: ينبغي أن يجمع ما في الأحاديث الصحيحة فيقول: اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك ... مثله، ويزيد في آخره: في العالمين. وقال في "الأذكار" مثله، وزاد: عبدك ورسولك بعد قوله: محمد في "صل" ولم يزدها في "وبارك".

стр. 4819

وقال في "التحقيق والفتاوى" مثله، إلا أنه أسقط النبي الأمي. وقد تعقبه الأسنوي فقال: لم يستوعب ما ثبت في الأحاديث مع اختلاف كلامه. وقال الأذرعي: لم يُسبَق إلى ما قاله، والذي يظهر أن الأفضل لمن تشهد أن يأتي بأكمل الروايات، ويقول -كما ثبت- هذا مرة وهذا مرة، وأما التلفيق فإنه يستلزم إحداث صفة في التشهد لم ترد مجموعة، في حديث واحد وسبقه إلى معنى ذلك ابن القيم. وقد كان ﷺ يدعو في الصلاة: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات،

стр. 4820

اللهم وأعوذ بك من المأثم والمغرم". فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم، فقال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف. رواه البخاري ومسلم من رواية عائشة.

стр. 4821

قال ابن دقيق العيد: "فتنة المحيا": ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات وأعظمها والعياذ بالله تعالى أمر الخاتمة عند الموت، و"فتنة الممات": يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت، أضيفت إليه لقربها منه، ويجوز أن يكون أراد بها: فتنة القبر، ولا يكون مع هذا الوجه متكررًا مع قوله: "عذاب القبر"، لأن العذاب مترتب على الفتنة، والسبب غير المسبب. وأخرج الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" عن سفيان الثوري: أن الميت إذا سئل من ربك تراءى له الشيطان فيشير إلى نفسه، إني أنا ربك، فلهذا ورد سؤال التثبيت له حين يسأل. وقد استشكل دعاؤه ﷺ بما ذكر مع أنه مغفور له ما تقدم وما تأخر. وأجيب بأجوبة، منها أنه قصد التعليم لأمته، ومنها: أن المراد منه السؤال

стр. 4822

لأمته، فيكون المعنى هنا: أعوذ بك لأمتي، ومنها: سلوك طريق التواضع وإظهار العبودية والتزام خوف الله تعالى، وإعظامه والافتقار إليه، وامتثال أمره في الرغبة إليه، ولا يمتنع تكرير الطلب مع تحقق الإجابة، لأن في ذلك تحصيل الحسنات، ورفع الدرجات، وفيه تحريض لأمته على ملازمة ذلك، لأنه إذا كان مع تحقق المغفرة لا يترك التضرع، فمن لم يتحقق ذلك أحرى بالملازمة. وأما الاستعاذة من فتنة الدجال، مع تحققه أنه لا يدركه فلا إشكال فيه على الوجهين الأولين، وقيل على الثالث: يحتمل أن يكون ذلك قبل أن يتحقق عدم إدراكه، ويدل عليه قوله في الحديث الآخر عند مسلم: "إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه". والله أعلم. وعن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان يقول بعد التشهد: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة الدجال

стр. 4823

الأعور، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات". رواه أبو داود. وعن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول ما بين التشهد والتسليم: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت". رواه مسلم وغيره. وفي رواية له: وإذا سلم قال: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت". ويجمع بينهما: بحمل الرواية الثانية على إرادة السلام، لأن مخرج الطريقين واحد. وأورده ابن حبان بلفظ: كان إذا فرغ من الصلاة وسلم، وهذا ظاهر في أنه بعد السلام، ويحتمل أنه كان يقول ذلك قبل السلام وبعده، وسيأتي الجواب عما استشكل في دعائه ﵇ بهذا الدعاء في أدعيته ﷺ .

стр. 4824

وحاصل ما ثبت عنه ﷺ من المواضع التي كان يدعو بها في داخل صلاته ستة مواطن: الأول عقب نكبيرة الإحرام، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي". الحديث ونحوه. الثاني في الركوع، كما في حديث عائشة عند الشيخين: كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي". الثالث في الاعتدال من الركوع، كما في حديث ابن أبي أوفى عند مسلم أنه كان يقول بعد قوله: "من شيء بعد": "اللهم طهرني بالثلج والبرد وماء البارد". الرابع في السجود، وهو أكثر ما كان يدعو فيه، وأمر به، إلخ. الخامس: بين السجدتين: "اللهم اغفر لي ... " إلخ. السادس: في التشهد.

стр. 4825

وكان أيضًا يدعو في القنوت، وفي حال القراءة إذا مر بآية رحمة سأل، وإذا مر بآية عذاب استعاذ، وتقدم كل ذلك، والله الموفق. الفرع الرابع عشر: في ذكر تسليمه من الصلاة كان ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده. رواه مسلم والنسائي من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه. وفي حديث ابن مسعود: كان ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره: "السلام عليكم ورحمة الله". رواه الترمذي، وزاد أبو داود: حتى يرى بياض خده، وفي رواية النسائي: حتى يرى بياض خده من ههنا، وبياض خده من ههنا. الحديث.

стр. 4826

وهذا كان فعله الراتب. رواه عنه خمسة عشر صحابيًا، وهم: عبد الله بن مسعود، وابن أبي وقاص، وسهل بن سعد، ووائل بن حجر، وأبو موسى الأشعري، وحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن عمر، وجابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وأبو مالك الأشعري، وطلق بن علي، وأوس بن أوس، وأبو ثور، وعدي بن عمرو. هذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد والجمهور.

стр. 4827

ومذهب مالك في طائفة: المشروع تسليمه. ودليل مذهبنا ما تقدم. وأما ما روي أنه ﷺ كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه، فلم يثبت من وجه صحيح، وأجود ما في ذلك حديث عائشة أنه ﷺ كان يسلم تسليمة واحدة، السلام عليكم، يرفع بها صوته حتى يوقظنا، وهو حديث معلول، وهو في السنن، لكنه في قيام الليل، والذين رووا عنه تسليمتين رووا ما شاهدوا في الفرض والنفل، وحديث عائشة ليس هو صريحًا في الاقتصار على تسليمة واحدة، بل أخبرت أنه كان يسلم تسليمة واحدة يوقظهم بها، ولم تنف

стр. 4828

الأخرى بل سكتت عنها، وليس سكوتها عنها مقدمًا على رواية من حفظها وشطبها، وهم أكثر عددًا وأحاديثهم أصح، والله أعلم. واختلف في التسليم: فقال: مالك والشافعي وأحمد، وجمهور العلماء: إنه فرض لا تصح الصلاة إلا به. وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: سنة، لو ترك صحت. قال: وقال أبو حنيفة: لو فعل منافيًا للصلاة من حدث أو غيره في آخرها صحت صلاته، واحتج بأنه ﵊ لم يعلمه للأعرابي حين علمه واجبات الصلاة.

стр. 4829

واحتج الجمهور بحديث أبي داود: "مفتاح الصلاة الطهور وتحليلها التسليم". وكان ﷺ إذا قام في الصلاة طأطأ رأسه. رواه أحمد. وكان لا يجاوز بصره إشارته، وكان قد جعل الله قرة عينه في الصلاة كما قال: "وجعلت قرة عيني في الصلاة". رواه النسائي. ولم يكن يشغله ﵇ ما هو فيه عن مراعاة أحوال المأمومين، مع كمال إقباله وقربه من ربه وحضور قلبه بين يديه. وكان يدخل في الصلاة فيريد إطالتها فيسمع بكاء الصبي فيتجوز في صلاته مخافة أن يشق على أمه. رواه البخاري وأبو داود والنسائي.

стр. 4830

وكان يؤم الناس وهو حامل أمامة بنت أبي العاصي بن الربيع على عاتقة. رواه مسلم وغيره. قال النووي: وهذا يدل لمذهب الشافعي ومن وافقه أنه يجوز حمل الصبي والصبية وغيرهما من الحيوان في صلاة الفرض والنفل للإمام والمأموم والمنفرد. وحمله أصحاب مالك على النافلة، منعوا جواز ذلك في الفريضة. وهذا التأويل فاسد، لأن قوله: "يؤم الناس" صريح أو كالصريح في أنه كان

стр. 4831

في الفرض. وادعى بعض المالكية أنه منسوخ، وبعضهم أنه خاص به ﷺ ، وبعضهم أنه كان لضرورة، وكلها مردودة ولا دليل عليها ولا ضرورة إليها، بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك، وليس فيه ما يخالف الشرع، لأن الآدمي طاهر، وما في جوفه في النجاسة معفو عنها لكونها في معدته، وثياب الأطفال وأجسادهم محمولة على الطهارة، ودلائل الشرع متظاهرة على هذا، والأفعال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت أو تفرقت، وفعله ﵇ للجواز، وتنبيها على هذه

стр. 4832

القواعد التي ذكرتها. وهذا يرد على ما ادعاه أبو سليمان الخطابي: أن هذا الفعل يشبه أن يكون بغير تعمد لحملها في الصلاة، لكنها كانت تتعلق به ﵊ فلم يدفعها، فإذا قام بقيت معه من غير فعله، قال: ولا يتوهم أنه حملها ووضعها مرة بعد أخرى، لأنه عمل كثير، ويشغل القلب، وإذا كان علم الخميصة شغله فكيف لا يشغله هذا؟ هذا كلام الخطابي، وهو باطل، ودعوى مجردة، ومما يرده قوله في صحيح مسلم: "فإذا قام حملها، وإذا رفع من السجود أعادها" وقوله في رواية غير مسلم: "خرج حاملا أمامة وصلى" وذكر الحديث. وأما قضية الخميصة فإنها تشغل القلب بلا فائدة، وحمل أمامة لا نسلم أنه يشغل القلب، وإن شغله فيترتب عليه فوائد،

стр. 4833

وبيان قواعد مما ذكرناه وغيره، فاحتمل ذلك الشغل لهذه الفوائد بخلاف الخميصة. والصواب الذي لا يعدل عنه أن الحديث كان للبيان والتنبيه على هذه القواعد، فهو جائز لنا وشرع مستمر إلى يوم الدين، انتهى. وكان ﷺ يصلي فيجيء الحسن أو الحسين فيركب على ظهره، فيطيل السجدة كراهية أن يلقيه عن ظهره. وكان يرد السلام بالإشارة على من يسلم عليه وهو في الصلاة. قال جابر: بعثني رسول الله ﷺ لحاجة، فأدركته وهو يصلي فسلمت عليه، فأشار إلي، رواه مسلم. وقال عبد الله بن مسعود: لما قدمت من الحبشة أتيت النبي ﷺ وهو يصلي، فسلمت عليه، فأوما برأسه، رواه البيهقي. وكان ﷺ يصلي وعائشة معترضة بينه وبين القبلة، فإذا سجد غمزها بيده

стр. 4834

فقبضت رجليها، وإذا قام ببسطتهما. رواه البخاري. وكان ﵇ لا يلتفت في صلاته. في البخاري عن عائشة قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة قال: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد".

стр. 4835

وروى أبو داود من حديث سهل بن الحنظلية: أنه ﷺ قال يوم حنين: "من يحرسنا الليلة"؟ قال أنس بن أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول الله! قال: "اركب"، فركب فرسًا له، فقال: "استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه"، فلما أصبحنا ثُوِّب بالصلاة، فجعل ﷺ وهو يصلي يلتفت إلى الشعب، حتى إذا قضى الصلاة قال: أبشروا قد جاء فارسكم. فهذا الالتفات من الاشتغال بالجهاد في الصلاة، وهو يدخل في مداخل العبادات، كصلاة الخوف، وقريب منه قول عمر ﵁ إني لأجهز الجيش وأنا في الصلاة، فهذا جمع بين الصلاة والجهاد ونظير التفكر في معاني
следующие страницы →