← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

في الفرض. وادعى بعض المالكية أنه منسوخ، وبعضهم أنه خاص به ﷺ ، وبعضهم أنه كان لضرورة، وكلها مردودة ولا دليل عليها ولا ضرورة إليها، بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك، وليس فيه ما يخالف الشرع، لأن الآدمي طاهر، وما في جوفه في النجاسة معفو عنها لكونها في معدته، وثياب الأطفال وأجسادهم محمولة على الطهارة، ودلائل الشرع متظاهرة على هذا، والأفعال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت أو تفرقت، وفعله ﵇ للجواز، وتنبيها على هذه

стр. 4832

القواعد التي ذكرتها. وهذا يرد على ما ادعاه أبو سليمان الخطابي: أن هذا الفعل يشبه أن يكون بغير تعمد لحملها في الصلاة، لكنها كانت تتعلق به ﵊ فلم يدفعها، فإذا قام بقيت معه من غير فعله، قال: ولا يتوهم أنه حملها ووضعها مرة بعد أخرى، لأنه عمل كثير، ويشغل القلب، وإذا كان علم الخميصة شغله فكيف لا يشغله هذا؟ هذا كلام الخطابي، وهو باطل، ودعوى مجردة، ومما يرده قوله في صحيح مسلم: "فإذا قام حملها، وإذا رفع من السجود أعادها" وقوله في رواية غير مسلم: "خرج حاملا أمامة وصلى" وذكر الحديث. وأما قضية الخميصة فإنها تشغل القلب بلا فائدة، وحمل أمامة لا نسلم أنه يشغل القلب، وإن شغله فيترتب عليه فوائد،

стр. 4833

وبيان قواعد مما ذكرناه وغيره، فاحتمل ذلك الشغل لهذه الفوائد بخلاف الخميصة. والصواب الذي لا يعدل عنه أن الحديث كان للبيان والتنبيه على هذه القواعد، فهو جائز لنا وشرع مستمر إلى يوم الدين، انتهى. وكان ﷺ يصلي فيجيء الحسن أو الحسين فيركب على ظهره، فيطيل السجدة كراهية أن يلقيه عن ظهره. وكان يرد السلام بالإشارة على من يسلم عليه وهو في الصلاة. قال جابر: بعثني رسول الله ﷺ لحاجة، فأدركته وهو يصلي فسلمت عليه، فأشار إلي، رواه مسلم. وقال عبد الله بن مسعود: لما قدمت من الحبشة أتيت النبي ﷺ وهو يصلي، فسلمت عليه، فأوما برأسه، رواه البيهقي. وكان ﷺ يصلي وعائشة معترضة بينه وبين القبلة، فإذا سجد غمزها بيده

стр. 4834

فقبضت رجليها، وإذا قام ببسطتهما. رواه البخاري. وكان ﵇ لا يلتفت في صلاته. في البخاري عن عائشة قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة قال: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد".

стр. 4835

وروى أبو داود من حديث سهل بن الحنظلية: أنه ﷺ قال يوم حنين: "من يحرسنا الليلة"؟ قال أنس بن أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول الله! قال: "اركب"، فركب فرسًا له، فقال: "استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه"، فلما أصبحنا ثُوِّب بالصلاة، فجعل ﷺ وهو يصلي يلتفت إلى الشعب، حتى إذا قضى الصلاة قال: أبشروا قد جاء فارسكم. فهذا الالتفات من الاشتغال بالجهاد في الصلاة، وهو يدخل في مداخل العبادات، كصلاة الخوف، وقريب منه قول عمر ﵁ إني لأجهز الجيش وأنا في الصلاة، فهذا جمع بين الصلاة والجهاد ونظير التفكر في معاني

стр. 4836

القرآن واستخراج كنوز العلم منه. وكان ﷺ يصلي فعرض له الشيطان ليقطع عليه صلاته، فأخذه ﷺ وخنقه حتى سال لعابه على يديه.

стр. 4837

وروى مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل، يعني يبكي، وفي رواية: لصدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء. رواه أحمد. ولم يكن ﷺ يغمض عينيه في صلاته. وعن أنس قال: كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال ﷺ : "أميطي

стр. 4838

عنا قرامك هذا فإنه لا يزال تصاوير تعرض لي في صلاتي". البخاري. فلو كان يغمض عينيه لما عرضت له في صلاته، وقد اختلف الفقهاء في كراهته، والحق أن يقال: إن كان تفتيح العين لا يخل بالخشوع فهو أفضل، وإن كان يحول بينه وبين الخشوع كأن يكون في قبلته زخرفة أو غيرها مما يشغل قلبه فلا يكره التغميض قطعا بل ينبغي أن يكون مستحبا في هذه الحالة. وقد كانت صلاته ﷺ متوسطة، عارية عن الغلو كالوسوسة في عقد النية، ورفع الصوت بها، والجهر بالأذكار والدعوات التي شرعت سرا، وتطويل ما السنة تخفيفه، كالتشهد الأول، إلى غير ذلك مما يفعله كثير ممن ابتلي بداء الوسوسة، عافانا الله منها. وهي نوع من الجنون، وصاحبها بلا ريب مبتدع مستنبط في أفعاله وأقواله

стр. 4839

شيئا لم يفعله النبي ﷺ ، ولا أحد من الصحابة. وقد قال ﵇: "إن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها". وعنه أيضا: "وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كان محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار". ومما نسب إلى إمام الحرمين: الوسوسة نقص في العقل، جهل بأحكام الشرع. ومن غرائب ما يتفق هؤلاء الموسوسين، أن بعضهم يشتغل بتكرير الطهارة حتى تفوته الجماعة، وربما فاته الوقت، ومنهم من يشتغل في النية حتى تفوته التكبيرة، وربما تفوته ركعة أو أكثر، ومنهم من يحلف أن لا يزيد على هذه التكبيرة ثم يكذب. ومن العجب أن بعضهم يتوسوس في حال قيامه حتى يركع الإمام، فإذا خشي فوات الركوع كبر سريعا وأدركه، فمن لم تحصل له النية في القيام الطويل

стр. 4840

حال فراغ باله، فكيف حصل له في الوقت الضيق مع شغل باله بفوات الركعة. ومنهم من يكثر التلفظ بالتكبير، حتى يشوش على غيره من المأمومين، ولا ريب أن ذلك مكروه، ومنهم من يزعج أعضاءه، ويحني جبهته، ويقيم عروق عينيه، ويصرخ بالتكبير كأنه يكبر على العدو، ومنهم من يغسل عضوه غسل يشاهده ويبصره، ويكبر ويقرأ بلسانه، ويسمع بأذنه، ويعلمه بقلبه، ومع ذلك يصدق الشيطان في إنكاره يقين نفسه وجحده لما رآه ببصره، ولما سمعه بأذنه. وقد سأل رجل أبا الوفاء بن عقيل فقال: إني أكبر وأقول: ما كبرت، وأغسل العضو في الوضوء وأقول: ما غسلته، فقال ابن عقيل: دع الصلاة فإنها لا تجب عليك، فقال له: كيف ذلك؟ فقال لأن النبي ﷺ قال: "رفع القلم عن المجنون حتى يفيق". ومن يكبر ثم يقول: ما كبرت فليس بعاقل، والمجنون لا تجب عليه الصلاة.

стр. 4841

فمن أراد التخلص من هذه البلية فليتبع سنة نبيه ﷺ السوية، ويقتدي بملته الحنيفة، فإن غلب عليه الأمر وضاقت عليه المسالك فليتضرع إلى الله ويبتهل إليه في كشف ذلك. الفرع الخامس عشر: في ذكر قنوته ﷺ ليعلم أن القنوت يطلق على القيام، والسكوت، ودوام العبادة، والدعاء والتسبيح، والخضوع. كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦] . وقال تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩] الآية. وقال تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] .

стр. 4842

والمراد به هنا: الدعاء في محل مخصوص من القيام. وعن أنس قال: بعث النبي ﷺ سبعين رجلا يقال لهم القراء، فعرض لهم حيان من سليم: رعل وذكوان، عند بئر يقال لها: بئر معونة، فقتلوهم، فدعا عليهم النبي ﷺ شهرا في صلاة الغداة، وذلك بدء القنوت، وما كنا نقنت. قال عبد العزيز بن صهيب: فسأل رجل أنسا عن القنوت أبعد الركوع أو عند فراغ القراءة؟ قال: بل عند فراغ القراءة "وفي" رواية "أخرى قنت شهر بعد الركوع على أحياء من العرب". وفي أخرى قنت شهرا بعد الركوع في صلاة الصبح يدعو على رعل وذكوان،

стр. 4843

ويقول: "عصية عصت الله ورسوله". وفي أخرى: بعث ﷺ سرية يقال لهم: "القراء" فأصيبوا، فما رأيت رسول الله ﷺ وجد على شيء ما وجد عليهم، فقنت شهرا في صلاة الفجر. هذه رواية البخاري ومسلم. وللبخاري: كان القنوت في المغرب والفجر. وفي رواية أبي داود والنسائي: قنت في صلاة الصبح بعد الركوع، وفي أخرى: قنت شهرا ثم تركه. وفي أخرى للنسائي: قنت شهرا يلعن رعلا وذكوان ولحيان.

стр. 4844

وعن ابن عباس: قنت ﷺ شهرا متتابعا، في الظهر والعصر والمغرب والعشاء وصلاة الصبح، في دبر كل صلاة، إذا قال: "سمع الله لمن حمده" من الركعة الأخيرة، يدعو على أحياء من سليم، على رعل وذكوان وعصية، ويؤمن من خلفه. رواه أبو داود. وعن ابن عمر: أنه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول: "اللهم اللعن فلانا وفلانا وفلانا" بعدما يقول: "سمع الله

стр. 4845

لمن حمده، ربنا ولك الحمد". فأنزل الله عليه ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] ، رواه البخاري. وعن أبي هريرة: كان ﷺ إذا رفع رأسه من الركعة الثانية، قال: "اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين بمكة، اللهم

стр. 4846

اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف". وفي رواية: في صلاة الفجر. وفي رواية: ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل الله تعالى عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ . رواه البخاري ومسلم. وعن البراء: كان ﷺ يقنت في صلاة الصبح والمغرب. رواه مسلم والترمذي ولأبي داود: في صلاة الصبح ولم يذكر المغرب. وعن أبي مالك الأشجعي قال: قلت لأبي: يا أبت إنك قد صليت خلف

стр. 4847

رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب -ههنا بالكوفة خمس سنين- أكانوا يقنتون؟ قال: أي بني، محدث. رواه الترمذي. وعن سعيد بن جبير قال: أشهد أني سمعت ابن عباس يقول: إن القنوت في صلاة الفجر بدعة. رواه الدارقطني.

стр. 4848

قال بعض العلماء: الصواب أنه ﷺ قنت وترك، وكان تركه للقنوت أكثر من فعله، فإنه قنت عند النوازل للدعاء لقوم، والدعاء على آخرين، ثم تركه لما قدم من دعا لهم وخلصوا من الأسر وأسلم من دعا عليهم فجاءوا تائبين، وكان قنوته لعارض. فلما زال العارض ترك القنوت. ولم يكن مختصا بالفجر، بل كان يقنت في صلاة الفجر والمغرب، ذكره البخاري في صحيحه عن أنس، وذكره مسلم عن البراء، وصح عن أبي هريرة أنه قال: والله إني لأنا أقربكم صلاة بصلاة رسول الله ﷺ إنه كان يقنت في الركعة الأخيرة من الصبح بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده"، قال: ابن أبي فديك: ولا ريب أن رسول الله ﷺ فعل ذلك ثم تركه، فهذا رد على القائل بكراهة القنوت

стр. 4849

في الفجر مطلقا عند النوازل وغيرها ويقولون هو منسوخ وفعله بدعة. وأهل الحديث متوسطون بين هؤلاء وبين من استحبه، ويقولون فعله سنة، وتركه سنة، ولا ينكرون على من داوم عليه، ولا يكرهون فعله، ولا يرونه بدعة، ولا فاعله مخالف للسنة، من قنت فقد أحسن ومن ترك فقد أحسن. انتهى. ومذهب الشافعي ﵀ أن القنوت مشروع في صلاة الصبح دائما، في الاعتدال ثانية الصبح، لما رواه أنس: ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الفجر حتى فارق الحياة. رواه أحمد وغيره. قال ابن الصلاح: قد حكم بصحته غير واحد من الحفاظ، منهم الحاكم والبيهقي وأبو عبد الله محمد بن علي البلخي، وفي البيهقي العمل بمقتضاه عن الخلفاء الأربعة.

стр. 4850

وقال بعضهم: أجمعوا على أنه ﷺ قنت في الصبح، ثم اختلفوا: هل ترك؟ فنتمسك بما أجمعوا عليه حتى يثبت ما اختلفوا فيه. انتهى. وأما حديث ابن أبي فديك عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية من صلاة الصبح يرفع يديه ويدعو بهذه الدعاء: "اللهم اهدني فيمن هديت ... " إلخ. فقال ابن القيم -في زاد المعاد: ما أبين الاحتجاج به لو كان صحيحا أو حسنا، ولكنه لا يحتج بعبد الله هذا، وإن كان الحاكم صحح حديثه في القنوت، انتهى. وهذا الحديث رواه الحاكم وصححه، ورد عليه، كما قاله ابن القيم، وقد اتفقوا على ضعف عبد الله بن سعيد.

стр. 4851

وعن ابن عباس: كان ﷺ يقنت في صلاة الصبح وفي وتر الليل بهؤلاء الكلمات: "اللهم اهدني فيمن هديت". أخرجه محمد بن نصر في كتاب قيام الليل. والصحيح: أنه لا يتعين فيه مخصوص، بل يحصل بكل دعاء. وفيه وجه أنه لا يحصل إلا بالدعاء المشهور وهو: "اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت". رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث الحسن بن علي قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر فذكره. وإسنادهم صحيح، قال

стр. 4852

البيهقي: قد صح أن تعليم هذا الدعاء وقع لقنوت صلاة الصبح لقنوت الوتر، انتهى. وقوله: "فإنك تقضي" بالفاء. والواو في قوله: "وإن لا يذل". "وربنا" قبل "وتعاليت" إلا أن الفاء لم تقع في رواية أبي داود. وزاد البيهقي بعد قوله: "إنه لا يذل من واليت". "ولا يعز من عاديت". وزاد ابن أبي عاصم في كتاب التوبة: "نستغفرك اللهم ونتوب إليك". ويسن الصلاة على رسول الله ﷺ بعد الفراغ، لأن النسائي قد رواه من حديث الحسن بسند صحيح أو حسن، كما قاله في شرح "المهذب" ولفظه -أي النسائي: وصلى الله على النبي. وجزم في "الأذكار" باستحباب الصلاة على الآل والسلام. وخالفه صاحب "الإقليد" فقال: أما ما وقع في كتب أصحابنا من زيادة "وسلم" وما يعتاده الأئمة الآن من ذكر الآل والأزواج والأصحاب فكل ذلك لا أصل له.

стр. 4853

قلت: وعبارة النووي في "الأذكار": يستحب أن يقول عقب هذا الدعاء: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وسلم. فقد جاء في رواية النسائي بإسناد حسن: "وصلى الله على النبي" انتهى. وتعقب: بأن لفظ الدعوى خلاف الدليل، وتزيد عليه ذكر الآل والتسليم. نعم وقعت الزيادة عند "الرافعي" و"الروياني" معزوة لحديث الحسن بن علي، عند النسائي لكنها ليست عنده في رواية أحد من الرواة عنه، على أن لفظ "وصلى الله على النبي" زائد على رواية الترمذي، وهي زيادة غريبة غير ثابتة لأجل عبد الله بن علي، أحد رواته، لأنه غير معروف، وعلى تقدير أن يكون هو عبد الله بن علي بن الحسن بن علي، فهو منقطع، لأنه لم يسمع من جده الحسن بن علي، فقد تبين أنه ليس من شرط "الحسن" لانقطاعه أو جهالة روايه، ولم تنجبر الزيادة بمجيئها من وجه آخر، وحينئذ فقد تبين شذوذها على ما لا يخفى، نعم: أصل الحديث إلى آخر "وتعاليت" حسن لاعتضاده برواية الترمذي

стр. 4854

وغيره، بخلاف الزيادة، إذ لم تجئ في غيره، وحيث سننا الصلاة على الآل على ما جزم به النووي فينبغي عدها في القنوت بعضا. قال في "المجموع" عن البغوي: ويكره إطالة القنوت كالتشهد الأول، وهو ظاهر على ما صححه فيه، وفي تحقيقه في باب "سجود السهو" من أن الاعتدال ركن طويل، أما على ما صححه فيهم في "صلاة الجماعة" من أنه ركن قصير، وهو ما في "المنهاج" و"الروضة" فقد يقال القياس البطلان، لأن تطويل الركن القصير عمدا مبطل. ويجاب: يحمل ذلك على غير محل القنوت، إذ البغوي نفسه القائل بكراهة الإطالة قائل بأن تطويل الركن القصير مبطل عمده. ويسن للمنفرد والإمام برضا المحصورين، الجمع في الوتر بين القنوت السابق وبين قنوت عمر، وهو: "اللهم إنا نستعينك" إلخ، والأولى تأخيره عن القنوت السابق.

стр. 4855

ويسن رفع يديه، رواه البيهقي بإسناد جيد. قل في "المجموع": وفي سن مسح وجهه بهما وجهان: أشهرهما: نعم، وأصحهما: لا قال البيهقي: ولا أحفظ في مسحه هنا عن أحد من السلف شيئا. وإن روي عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة. ومسح غير الصدر كالصدر مكروه. وقال النووي في "الأذكار": اختلف أصحابنا في رفع اليدين في القنوت، ومسح الوجه بهما على ثلاثة أوجه: أصحها: يستحب رفعهما ولا يمسح الوجه، والثاني: يمسح ويرفع، والثالث: لا يمسح ولا يرفع، واتفقوا على أنه لا يمسح غير الوجه من الصدر ونحوه، بل قالوا ذلك مكروه. انتهى. ويجهر الإمام دون المنفرد بالقنوت وإن كانت الصلاة سرية للاتباع. رواه البخاري.

стр. 4856

قال الماوردي: وليكن جهره به دون جهره بالقراءة، فإن سمعه المأموم أمن كما كانت الصحابة يؤمنون خلفه ﷺ في ذلك. رواه أبو داود بإسناد حسن. ويوافقه في الثناء سرا أو يسكت، لأنه ثناء ذكر لا يليق به التأمين, والدعاء يشمل الصلاة على النبي ﷺ فيأمن فيها: صرح به الطبري. وإن لم يسمع قنوت الإمام قنت معه سرا كبقية الأذكار والدعوات، ولا قنوت لغير وتر وصبح، إلا لنازلة من خوف أو قحط أو وباء أو جراد أو نحوها، فيستحب أن يقنت في مكتوبة غير الصبح، لا منذورة، وصلاة جنازة ونافلة. وفي البخاري من حديث أبي هريرة أنه ﷺ جهر بالقنوت في النازلة. انتهى ملخصا من شرح البهجة لشيخ الإسلام أبي يحيى زكريا الأنصاري، مع زيادة من غيره، والله أعلم.

стр. 4857

الفصل الرابع: في ذكر سجوده ﷺ للسهو في الصلاة اعلم أن السهو لغة هو الغفلة عن الشيء، وذهاب القلب إلى غيره، قاله الأزهري. وفرق بعضهم -فيما حكاه القاضي عياض- بين السهو والنسيان من حيث المعنى، وزعم أن السهو جائز في الصلاة على الأنبياء ﵈، بخلاف النسيان، قال: لأن النسيان غفلة وآفة، والسهو إنما هو شغل، فكان النبي ﷺ يسهو في الصلاة ولا يغفل عنها، وكان شغله عن حركات الصلاة ما في الصلاة شغلا بها لا غفلة عنها، انتهى. قال ابن كيكلدى: وهو ضعيف من جهة الحديث ومن حيث اللغة، أما من

стр. 4858

جهة الحديث فلما ثبت في الصحيحين من قوله ﷺ : "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون" وأما من حيث اللغة فقول الأزهري الماضي، ونحوه قول الجوهري وغيره. وقال في النهاية: السهو في الشيء: تركه من غير علم، والسهو عنه: تركه مع العلم، وهو فرق حسن دقيق، وبه يظهر الفرق بين السهو الذي وقع من النبي ﷺ غير مرة، والسهو عن الصلاة الذي ذم الله فاعله. وقد كان سهوه ﷺ من إتمام نعم الله تعالى على أمته، وإكمال دينهم ليقتدوا به فيما شرعه لهم عند السهو، وهذا معنى الحديث المنقطع الذي في الموطأ -الآتي التنبيه عليه إن شاء الله تعالى- "إنما أَنسى أو أُنسى لأسن" فكان ينسى فيترتب على سهوه أحكام شرعية تجري على سهو أمته إلى يوم القيامة.

стр. 4859

واختلف في حكمه: فقال الشافعية والمالكية: مسنون كله، وعن المالكية قول آخر: السجود للنقص واجب دون الزيادة. وعن الحنابلة التفصيل بين الواجبات، فيجب السجود لتركها سهوا، وبين السنن القولية فلا يجب، وكذا يجب إذا سها بزيادة فعل أو قول يبطل عمده. وعند الحنفية: واجب كله، وحجتهم قوله ﵇ في حديث ابن مسعود عند البخاري "لسيجد سجدتين" والأمر للوجوب، وقد ثبت من فعله ﵇، وأفعاله في الصلاة محمولة على البيان، وبيان الواجب واجب، ولا سيما مع قوله ﵇: "صلوا كما رأيتموني أصلي". انتهى.

стр. 4860

وقد ورد عنه ﷺ السجود على قسمين: الأول: السجود قبل التسليم: فعن الأعرج عن عبد الله بن مالك ابن بحينة أنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ركعتين من بعض الصلوات، ثم قام فلم يجلس، فقام الناس معه فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر قبل التسليم فسجد سجدتين وهو جالس ثم سلم. رواه البخاري. وفي رواية له عن يحيى بن سعيد عن الأعرج عن عبد الله بن بحينة أيضا أنه

стр. 4861

قال: إن رسول الله ﷺ قام من اثنتين من الظهر، لم يجلس بينهما، فلما قضى صلاته سجد سجدتين ثم سلم بعد ذلك. وفي روايته أيضا عن الأعرج عنه، أن رسول الله ﷺ قام في صلاة الظهر وعليه جلوس، فلما أتم صلاته سجد سجدتين يكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم، وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس. ورواه مسلم أيضا. وزاد الضحاك بن عثمان عن الأعرج -عند ابن خزيمة- بعد قوله: "ثم قام فلم يجلس" فسبحوا به، فمضى حتى فرغ من صلاته. وفي روية الترمذي: قام في الظهر وعليه جلوس، فلما أتم صلاته سجد سجدتين، يكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم.

стр. 4862

وفي هذا: مشروعية سجود السهو، وأنه سجدتان، فلو اقتصر على سجدة واحدة ساهيا لم يلزمه شيء، أو عامدًا بطلت صلاته لأنه تعمد الإتيان بسجدة زائدة ليست مشروعة. وأنه يكبر لهما كما يكبر في غيرهما من السجود. واستدل به على أن سجود السهو قبل السلام، ولا حجة فيه، لكون جميعه كذلك، نعم يرد على من زعم أن جميعه بعد السلام كالحنفية. واستدل به أيضا على أن المأموم يسجد مع الإمام إذا سها الإمام، وإن لم يسلم المأموم. وأن سجود السهو لا تشهد بعده، وأن محله آخر الصلاة، فلو سجد للسهو

стр. 4863

قبل أن يتشهد ساهيا أعاد عند من يوجب التشهد وهم الجمهور. وفيه أن من سها عن التشهد الأول حتى قام إلى الركعة، ثم ذكر لا يرجع، فقد سبحوا به ﷺ -كما في رواية بن خزيمة- فلم يرجع، فلو تعمد المصلي الرجوع بعد تلبسه بالركن بطلت صلاته عند الشافعي. القسم الثاني: السجود بعد التسليم عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر أو العصر، فسلم من ركعتين، فقال له ذو اليدين: الصلاة يا رسول الله أنقصت؟ فقال

стр. 4864

النبي ﷺ لأصحابه: "أحق ما يقول ذو اليدين" قالوا: نعم. فصلى ركعتين أخراوين ثم سجد سجدتين. قال سعد: ورأيت عروة بن الزبير صلى من المغرب ركعتين فسلم وتكلم ثم صلى ما بقي منها، وسجد سجدتين وقال: هكذا فعل النبي ﷺ رواه البخاري. وقوله: "صلى بنا رسول الله ﷺ " ظاهر في أن أبا هريرة حضر القصة. وحمله الطحاوي على المجاز، فقال إن المراد: صلى بالمسلمين, وسبب ذلك قول الزهري: إن صاحب القصة استشهد ببدر، فإن مقتضاه أن تكون القصة وقعت قبل بدر وقبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين.

стр. 4865

لكن اتفق أئمة الحديث -كما نقله ابن عبد البر وغيره- على أن الزهري وهم في ذلك، وسببه أنه جعل القصة لذي الشمالين، وذو الشمالين، هو الذي قتل ببدر، وهو خزاعي واسمه عمير، وأما ذو اليدين فتأخر بعد النبي ﷺ مدة لأنه حدث بهذا الحديث بعد النبي ﷺ كما أخرجه الطبراني وغيره، وهو سلمي، واسمه الخرباق، كما سيأتي، فلما وقع عند الزهري بلفظ "فقام ذو الشمالين" وهو يعرف أنه قتل ببدر، قال لأجل ذلك: إن القصة وقعت قبل بدر. وقد جوز بعض الأئمة أن تكون القصة وقعت لكل من ذي الشمالين وذي اليدين، وأن أبا هريرة روى الحديثين فأرسل أحدهما، وهو قصة ذي الشمالين، وشاهد الأخرى وهي قصة ذي اليدين، وهذا محتمل في طريق الجمع.

стр. 4866

وروى البخاري أيضا عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: صلى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي -قال محمد بن سيرين: وأكثر ظني العصر- ركعتين ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها، وفيهم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وخرج سرعان الناس، فقالوا أقصرت الصلاة، ورجل يدعوه النبي ﷺ ذا اليدين، فقال للنبي ﷺ أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: "لم أنس

стр. 4867

ولم تقصر"، فقال: بلى قد نسيت، فصلى ركعتين ثم سلم ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر، ثم وضع رأسه فكبر وسجد، مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر. وعن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ صلى العصر فسلم من ثلاثة ركعات ثم دخل منزله فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله! فذكر له صنيعه وخرج غضبانا يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس، فقال: "أصدق هذا"؟. قالوا: نعم، فصلى ركعة ثم سلم ثم سجد سجدتين ثم سلم. رواه مسلم وهو من أفراده لم يروه البخاري. ورواه أحمد وأبو داود.

стр. 4868

"والخرباق" بكسر الخاء المعجمة، وسكون الراء بعدها موحدة، وآخره قاف، هو اسم ذي اليدين، كما ذهب إليه الأكثر، وطول يديه يمكن أن يحمل على الحقيقة، أو على أنه كناية عن طولهما بالعمل أو بالبذل. قال الحافظ: ابن حجر: الظاهر في نظري توحد حديث أبي هريرة، وإن كان قد جنح ابن خزيمة ومن تبعه إلى تعدد هذه القصة، والحمل لهم على ذلك الاختلاف الواقع في السياقين، ففي حديث أبي هريرة أن السلام وقع من ثنتين،

стр. 4869

وأنه ﷺ قام إلى خشبة في المسجد، وفي حديث عمران هذا: أنه سلم من ثلاث، وأنه دخل منزله لما فرغ من الصلاة، فأما الأول فقد حكى بن كليكلدي العلائي أن بعض شيوخه حمله على المراد به أنه سلم في ابتداء الثالثة، واستبعده، ولكن طريق الجمع يكتفي فيها بأدنى مناسبة، وليس بأبعد من دعوى تعدد القصة، فإنه يلزم منه كون ذي اليدين في كل مرة استفهم النبي ﷺ عن ذلك، واستفهم النبي ﷺ الصحابة عن صحة قوله. وأما الثاني: فلعل الراوي لما رآه تقدم من مكانه إلى جهة الخشبة ظن أنه دخل منزلة، لكون الخشبة كانت في جهة منزله،

стр. 4870

فإن كان كذلك وإلا فرواية أبي هريرة أرجح لموافقة ابن عمر له في سياقه، كما أخرجه الشافعي وأبو داود وابن خزيمة. انتهى. وعن معاوية بن حديج -بضم الحاء المهملة آخره جيم- أن رسول الله ﷺ صلى يوما فانصرف وقد بقي من الصلاة ركعة، فأدركه رجل فقال: نسيت من الصلاة ركعة؟ فرجع فدخل المسجد. فأمر بلالا فأقام الصلاة فصلى بالناس ركعة، فأخبرت بذلك الناس، فقالوا: أو تعرف الرجل؟ قلت: لا، إلا أن أراه، فمر بي
следующие страницы →