← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

وروى البخاري أيضا عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: صلى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي -قال محمد بن سيرين: وأكثر ظني العصر- ركعتين ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها، وفيهم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وخرج سرعان الناس، فقالوا أقصرت الصلاة، ورجل يدعوه النبي ﷺ ذا اليدين، فقال للنبي ﷺ أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: "لم أنس

стр. 4867

ولم تقصر"، فقال: بلى قد نسيت، فصلى ركعتين ثم سلم ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر، ثم وضع رأسه فكبر وسجد، مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر. وعن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ صلى العصر فسلم من ثلاثة ركعات ثم دخل منزله فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله! فذكر له صنيعه وخرج غضبانا يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس، فقال: "أصدق هذا"؟. قالوا: نعم، فصلى ركعة ثم سلم ثم سجد سجدتين ثم سلم. رواه مسلم وهو من أفراده لم يروه البخاري. ورواه أحمد وأبو داود.

стр. 4868

"والخرباق" بكسر الخاء المعجمة، وسكون الراء بعدها موحدة، وآخره قاف، هو اسم ذي اليدين، كما ذهب إليه الأكثر، وطول يديه يمكن أن يحمل على الحقيقة، أو على أنه كناية عن طولهما بالعمل أو بالبذل. قال الحافظ: ابن حجر: الظاهر في نظري توحد حديث أبي هريرة، وإن كان قد جنح ابن خزيمة ومن تبعه إلى تعدد هذه القصة، والحمل لهم على ذلك الاختلاف الواقع في السياقين، ففي حديث أبي هريرة أن السلام وقع من ثنتين،

стр. 4869

وأنه ﷺ قام إلى خشبة في المسجد، وفي حديث عمران هذا: أنه سلم من ثلاث، وأنه دخل منزله لما فرغ من الصلاة، فأما الأول فقد حكى بن كليكلدي العلائي أن بعض شيوخه حمله على المراد به أنه سلم في ابتداء الثالثة، واستبعده، ولكن طريق الجمع يكتفي فيها بأدنى مناسبة، وليس بأبعد من دعوى تعدد القصة، فإنه يلزم منه كون ذي اليدين في كل مرة استفهم النبي ﷺ عن ذلك، واستفهم النبي ﷺ الصحابة عن صحة قوله. وأما الثاني: فلعل الراوي لما رآه تقدم من مكانه إلى جهة الخشبة ظن أنه دخل منزلة، لكون الخشبة كانت في جهة منزله،

стр. 4870

فإن كان كذلك وإلا فرواية أبي هريرة أرجح لموافقة ابن عمر له في سياقه، كما أخرجه الشافعي وأبو داود وابن خزيمة. انتهى. وعن معاوية بن حديج -بضم الحاء المهملة آخره جيم- أن رسول الله ﷺ صلى يوما فانصرف وقد بقي من الصلاة ركعة، فأدركه رجل فقال: نسيت من الصلاة ركعة؟ فرجع فدخل المسجد. فأمر بلالا فأقام الصلاة فصلى بالناس ركعة، فأخبرت بذلك الناس، فقالوا: أو تعرف الرجل؟ قلت: لا، إلا أن أراه، فمر بي

стр. 4871

فقلت: هو هذا، فقالوا: هذا طلحة بن عبيد الله. رواه أبو داود والبيهقي في سننهما، وابن خزيمة في صحيحه، وعين الصلاة المغرب. وقال ابن خزيمة: وهذه القصة غير قصة ذي اليدين، لأن المعلم للنبي ﷺ في هذه القصة طلحة بن عبيد الله، ومخبره في تلك القصة ذو اليدين، والسهو منه ﵊ في قصة ذي اليدين إنما كان في الظهر أو العصر، وفي هذه القصة إنما كان السهو في المغرب لا في الظهر ولا في العصر. وعن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "أصدق ذو اليدين"؟ فقال الناس: نعم، فقام ﷺ فصلى ركعتين أخريين ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع ثم كبر فسجد مثل سجوده للصلاة

стр. 4872

أو أطول، ثم رفع. وفي رواية سلمة بن علقمة، قلت لمحمد -يعني ابن سيرين- في سجدتي السهو تشهد؟ فقال: ليس في حديث أبي هريرة. رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والترمذي والنسائي. قال الحافظ ابن حجر: لم يقع في غير هذه الرواية لفظ "القيام" وقد استشكل بأنه ﷺ كان قائما. وأجيب: بأن المراد بقوله: "فقام" أي اعتدل، لأنه كان مستندا إلى الخشبة كما مر. وقد يفهم من قول محمد بن سيرين عن التشهد: "ليس في حديث أبي

стр. 4873

هريرة" أنه ورد في حديث غيره. وهو كذلك: فقد رواه أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم من طريق أشعث بن عبد الملك عن محمد بن سيرين عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ صلى بهم، فسها فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم. قال الترمذي: حسن غريب، وقال الحاكم صحيح على شرطهما. وقال ابن حبان: ما روى ابن سيرين عن خالد غير هذا الحديث، وضعفه البيهقي وابن عبد البر وغيرهما. ووهموا رواية أشعث لمخالفته غيره من الحفاظ عن ابن سيرين، فزيادة أشعث شاذة.

стр. 4874

لكن قد ورد في التشهد في سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داود والنسائي، وعن المغيرة عند البيهقي، وفي إسنادهما ضعف. فقد يقال: إن الأحاديث الثلاثة في التشهد باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن، قال العلائي: وليس ذلك ببعيد، وقد صح ذلك عن ابن مسعود من قوله: أخرجه ابن أبي شيبة. انتهى ملخصا من فتح الباري. وفي رواية أبي سفيان عن أبي هريرة عند مسلم: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة العصر، فسلم من ركعتين، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت، فقال رسول الله ﷺ : كل ذلك لم يكن، فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله. وفي رواية أبي داود من طريق حماد بن زيد عن هشام بن حسان عن ابن

стр. 4875

سيرين عن أبي هريرة في هذا الحديث قال: فكبر ثم كبر وسجد للسهو. وهذا يؤيد من قال لا بد من تكبيرة الإحرام في سجود السهو بعد السلام، والجمهور على الاكتفاء بتكبيرة السجود، وهو ظاهر غالب الأحاديث. وقال أبو داود: لم يقل أحد: "كبر ثم كبر" إلا حماد بن زيد، فأشار إلى شذوذ هذه الرواية. ويحتمل أن تكون الخشبة المذكورة في هذا الحديث الجذع الذي كان ﵇ يستند إليه قبل اتخاذ المنبر. وإنما وقع الاستفهام "هل قصرت الصلاة؟ " لأن الزمان كان زمان النسخ. وقوله: "فقال": "لم أنس ولم تقصر". صريح في نفي النسيان ونفي القصر. وفيه تفسير للمراد بقوله في رواية أبي سفيان المتقدمة "كل ذلك لم يكن" وتأييد لما قاله أصحاب المعاني أن لفظ "كل" إذا تقدمت وعقبها النفي كان نفيا لكل فرد لا للمجموع، بخلاف ما إذا تأخرت، كأن يقول: لم يكن كل ذلك، ولهذا

стр. 4876

أجاب ذو اليدين في رواية أبي سفيان بقوله: قد كان بعض ذلك، وأجابه في هذه الرواية بقوله: "بلى قد نسيت" لأنه لما نفى الأمرين وكان مقررا عند الصحابة أن السهو غير جائز عليه في الأمور البلاغية جزم بوقوع النسيان لا القصر. وهو حجة لمن قال إن السهو جائز على الأنبياء فيما طريقه التشريع. قال ابن دقيق العيد: وهو قول عامة العلماء والنظار، وشذت طائفة فقالوا: لا يجوز على النبي ﷺ السهو، وهذا الحديث يرد عليهم -يعني حديث ابن مسعود- فإن فيه: "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون". وإن كان القاضي عياض نقل الإجماع على عدم جواز دخول السهو في الأقوال التبليغية، وخص الخلاف بالأفعال. لكنهم تعقبوه. نعم اتفق من جوز ذلك على أنه لا يقر عليه، بل يقع له بيان ذلك، إما متصلا بالفعل أو بعده، كما وقع في هذا الحديث من قوله: "لم أنس ولم تقصر"

стр. 4877

ثم تبين أنه نسي. ومعنى قوله: "لم أنس" أي في اعتقادي، لا في نفس الأمر، ويستفاد منه: أن الاعتقاد عند فقد اليقين يقوم مقام اليقين، وفائدة السهو في مثل ذلك بيان الحكم الشرعي إذا وقع مثله لغيره. وأما من منع السهو مطلقا، فأجابوا عن هذا الحديث بأجوبة: فقيل: قوله "لم أنس" نفي للنسيان، ولا يلزم منه نفي السهو، وهذا قول من فرق بينهما، وقد تقدم تضعيفه، ويكفي فيه قوله في هذه الرواية: "بلى قد نسيت" وأقره على ذلك. وقيل: قوله: "لم أنس" على ظاهره وحقيقته، وكان يتعمد ما يقع منه من ذلك ليقع التشريع منه بالفعل، لكونه أبلغ من القول. وتعقب: بحديث ابن مسعود عند البخاري ومسلم بلفظ "صلى

стр. 4878

رسول الله ﷺ فزاد أو نقص، شك بعض الرواة، والصحيح أنه زاد، فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: "وما ذاك"؟ قالا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه واستقبل القبلة وسجد سجدتين ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه قال: "إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون, فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر

стр. 4879

الصواب، فيتم عليه ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين". ففيه: إثبات العلة قبل الحكم، بقوله: "إنما أنا بشر مثلكم" ولم يكتف بإثبات وصف النسيان له, حتى دفع قول من عساه يقول: ليس نسيانه كنسياننا فقال: "كما تنسون". وبهذا الحديث يرد أيضا قول من قال: معنى قوله "لم أنس". إنكار للفظ الذي نفاه عن نفسه حيث قال: "إني لا أَنسى ولكن أُنسى لأسن". وإنكار للفظ الذي أنكره على غيره حيث قال: "بئسما لأحدكم أن يقول نسيت آية كذا وكذا".

стр. 4880

وقد تعقبوا هذا أيضا بأن حديث إني "لا أنسى" لا أصل له، فإنه من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد، وهي أربعة، قاله ابن عبد البر. وأما الآخر فلا يلزم من ذم إضافة نسيان الآية ذم إضافة نسيان كل شيء، فإن

стр. 4881

الفرق بينهما واضح جدا. وقيل: إن قوله: "لم أنس" راجع إلى السلام، أي سلمت قصدا بانيا على ما في اعتقادي أنني صليت أربعا، وهذا جيد، وكان ذا اليدين فهم العموم فقال: "بلى قد نسيت" وكأن هذا القول أوقع شكا احتاج معه إلى استثبات الحاضرين. وهذا التقرير يندفع إيراد من استشكل كون ذي اليدين عدلا ولم يقبل خبره بمفرده، فسبب التوقف فيه كونه أخبر عن أمر يتعلق بفعل المسئول مغاير لما في اعتقاده. وبهذا يجاب من قال: إن من أخبر بأمر حسي بحضرة جمع لا يخفى عليهم ولا يجوز عليهم التواطؤ، ولا حامل لهم على السكوت، ثم لم يكذبوه أنه لا يقطع بصدقه، فإن سبب عدم القطع كون خبره معارض باعتقاد المسئول

стр. 4882

خلاف ما أخبر به. وفيه: أن الثقة إذا انفرد بزيادة خبر وكان المجلس متحدا، وامتنع في العادة غفلتهم عن ذلك أنه لا يقبل خبره. وفيه: جواز البناء على الصلاة لمن أتى بالمنافي سهوا. وقال سحنون: إنما يبني من سلم من ركعتين كما في قصة ذي اليدين، لأن ذلك وقع على غير القياس، فيقتصر فيه على مورد النص. وألزم بقصر ذلك على إحدى صلاتي العشي، فيمنعه مثلا في الصبح، والذين قالوا بجواز البناء مطلقا قيدوه بما إذا لم يطل الفصل. وفيه: أن الكلام سهوا لا يقطع الصلاة، خلافا للحنفية، واستدل به على أن

стр. 4883

تعمد الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها. وتعقب: بأنه ﷺ لم يتكلم إلا ناسيا، وأما قول ذي اليدين له: "بلى قد نسيت" وقول الصحابة له: "صدق ذو اليدين" فإنهم تكلموا معتقدين للنسخ في وقت يمكن وقوعه فيه، فتكلموا ظنا أنهم ليسوا في صلاة. كذا قيل، وهو فاسد، لأنهم تكلموا بعد قوله ﵊: "لم تقصر". وأجيب: بأنهم لم ينطقوا، وإنما أومئوا، كما عند أبي داود في رواية ساق مسلم إسنادها، وهذا اعتمده الخطابي، وقال: حمل القول على الإشارة مجاز شائع، بخلاف عكسه، فينبغي رد الروايات التي فيها التصريح بالقول إلى هذه الرواية، وهذا قوي، أقوى من قول غيره: يحمل على أن بعضهم قال بالنطق

стр. 4884

وبعضهم بالإشارة. لكن يبقى قول ذي اليدين: "بلى قد نسيت". ويجاب عنه وعن البقية على تقدير ترجيح أنهم نطقوا: بأن كلامهم كان جوابا للنبي ﷺ وجوابه لا يقطع الصلاة. وتعقب: بأنه لا يلزم من وجوب الإجابة عدم قطع الصلاة. وأجيب: بأنه ثبتت مخاطبته في التشهد، وهو حي، بقولهم: السلام عليك أيها النبي، ولم تفسد الصلاة، والظاهر: أن ذلك من خصائصه. وعن عبد الله أن رسول الله ﷺ صلى الظهر خمسا، فقيل له: أزيد في

стр. 4885

الصلاة؟ قال: "وما ذاك"؟. قالوا: صليت خمسا، فسجد سجدتين بعدما سلم. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي بهذا اللفظ، إلا أن مسلما لم يقل فيه: "بعدما سلم" وعبد الله هذا هو ابن مسعود. ففي هذه الأحاديث السجود بعد السلام. وقد اختلف في ذلك: فقال مالك والمزني، وأبو ثور من الشافعية بالتفرقة بين ما إذا كان السهو بالنقصان أو بالزيادة، ففي الأول يسجد قبل السلام، وفي الزيادة يسجد بعده. وزعم ابن عبد البر أنه أولى من قول غيره، للجمع بين الخبرين، قال: وهو موافق للنظر، لأنه في النقص جبر، فينبغي أن يكون من أصل الصلاة، وفي الزيادة ترغيم للشيطان، فيكون خارجها. وقال ابن دقيق العيد: لا شك أن الجمع أولى من الترجيح وادعاء النسخ،

стр. 4886

ويترجح الجمع المذكور بالمناسبة المذكورة، وإذا كانت المناسبة ظاهرة وكان الحكم على وفقها كان علة فيعم الحكم جميعا محالها فلا يتخصص إلا بنص. وتعقب بأن كون السجود في الزيادة ترغيما للشيطان فقط ممنوع، بل هو جبر أيضا لما وقع من الخلل، فإنه وإن كان زيادة فهو نقص في المعنى. وقال الخطابي: لم يرجع من فرق بين الزيادة والنقصان إلى فرق صحيح. وأيضا فقصة ذي اليدين وقع فيها السجود بعد السلام وهي عن نقصان. وأما قول النووي: أقوى المذاهب قول مالك ثم أحمد، فقد قال غيره: بل طريقة أحمد أقوى، لأنه قال: يستعمل كل حديث فيما يرد فيه، وما لم يرد فيه

стр. 4887

شيء يسجد قبل السلام، قال: ولولا ما روي عن النبي ﷺ في ذلك لرأيت كله قبل السلام، لأنه من شأن الصلاة فيفعل قبل التسليم. وعند إمامنا الشافعي: سجود السهو كله قبل السلام. وعند الحنفية: كله بعد السلام، واعتمد الحنفية على حديث ابن مسعود هذا. وتعقب: بأنه لم يعلم بزيادة الركعة إلا بعد السلام حين سألوه: هل زيد في الصلاة، وقد اتفق العلماء في هذه الصورة على أن سجود السهو بعد السلام لتعذره قبله، لعدم علمه بالسهو. وأجاب بعضهم: بما وقع في حديث ابن مسعود من الزيادة. وهي: "إذا شك

стр. 4888

أحدكم فليتحر الصواب، فليتم عليه ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين". وأجيب: بأنه معارض بحديث أبي سعيد عند مسلم، ولفظه: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم". وبه تمسك الشافعية. وجمع بعضهم بينهما بحمل الصورتين على حالتين، ورجح البيهقي طريقة التخيير في سجود السهو قبل السلام أو بعده. ونقل الماوردي الإجماع على الجواز، وإنما الخلاف في الأفضل، وكذا أطلق النووي. وتعقب: بأن إمام الحرمين نقل في "النهاية" الخلاف في الإجزاء عن المذهب, واستبعد القول بالجواز.

стр. 4889

ويمكن أن يقال: الإجماع الذي نقله الماوردي والنووي قبل هذه الآراء في المذاهب المذكورة والله أعلم. قاله الحافظ ابن حجر ﵀. ولو سها سهوين فأكثر، كفاه عند الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد والجمهور سجدتان للجميع. والجمهور: أنه يسجد للسهو في التطوع كالفرض.

стр. 4890

الفصل الخامس: فيما كان ﷺ يقوله بعد انصرافه من الصلاة وجلوسه بعدها وسرعة انفتاله بعدها عن ثوبان: كان النبي ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا وقال: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام". رواه مسلم. ولم يمكث مستقبل القبلة إلا بمقدار ما يقول ذلك. وقد ثبت أنه كان إذا صلى أقبل على أصحابه.

стр. 4891

فيحمل ما ورد من الدعاء بعد الصلاة على أنه كان يقوله بعد أن يقبل على أصحابه بوجهه الشريف، فقد كان ﵇ يسرع الانفتال إلى المأمومين، وكان ينفتل عن يمينه وعن شماله. وقال ابن مسعود: رأيته ﷺ كثيرا ينصرف عن يساره، رواه الشيخان. وقال أنس أكثر ما رأيته ﷺ ينصرف عن يمينه رواه مسلم.

стр. 4892

وقالت أم سلمة: كان ﷺ إذا سلم مكث في مكانه يسيرا، قال الزهري: فنرى -والله أعلم- لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال رواه البخاري.

стр. 4893

وقالت عائشة: كان إذا أسلم لا يقعد إلا مقدار ما يقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام". رواه مسلم. وهذا الحديث يتمسك به من قال إن الدعاء بعد الصلاة لا يشرع. والجواب: أن المراد بالنفي المذكور نفي استمراره ﵇ جالسا على هيئته قبل السلام إلا بقدر أن يقول ما ذكر.

стр. 4894

وكان يقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا

стр. 4895

الجد منك الجد". رواه الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة. وكان يقول بأعلى صوته: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله

стр. 4896

الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن الجميل، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون". رواه مسلم من حديث عبد الله بن الزبير. وعن سعد بن أبي وقاص أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات ويقول: إن رسول الله ﷺ كان يتعوذ بهن دبر الصلاة: "اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ

стр. 4897

بك من البخل، أو أعوذ بك من أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر". رواه البخاري. وعن زيد بن أرقم كان رسول الله ﷺ يقول في دبر كل صلاة: "اللهم ربنا ورب كل

стр. 4898

شيء، أنا شهيد أنك الرب وحدك لا شريك لك، اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أن محمدًا عبدك ورسولك، اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة، اللهم ربنا ورب كل شيء، اجعلني مخلصا لك وأهلي في كل ساعة من الدنيا والآخرة، يا ذا الجلال والإكرام اسمع واستجب، الله أكبر الله أكبر، الله نور السموات والأرض، الله أكبر حسبي الله ونعم الوكيل، الله أكبر الله أكبر". رواه

стр. 4899

أبو داود وأحمد. ورأيت في كتاب "الهدي" لابن القيم: وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة، سواء للمنفرد والإمام والمأموم، فلم يكن ذلك من هدي النبي ﷺ أصلا، ولا روي عنه بإسناد صحيح، ولا حسن، وخص بعضهم ذلك بصلاتي الفجر والعصر، ولم يفعله النبي ﷺ ولا الخلفاء بعده، ولا أرشد إليه أمته، وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضا عن السنة بعدهما. قال: وغاية الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها، وأمر بها فيها، قال: وهذا هو الأليق، بحال المصطفى، فإنه مقبل على ربه مناجيه، فإذا سلم منها انقطعت المناجاة، وانتهى موقفه وقربه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب

стр. 4900

منه وهو مقبل عليه، ثم يسأله إذا انصرف عنه. ثم قال: لكن الأذكار الواردة بعد المكتوبة يستحب لمن أتى بها أن يصلي على النبي ﷺ بعد أن يفرغ منها، ويدعو بما شاء ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة الثانية، وهي الذكر الوارد بعد المكتوبة، لا لكونه دبر المكتوبة، انتهى. وقد كان في خاطري من دعواه "النفي مطلقا" شيء لما يأتي، ثم رأيت شيخ مشايخنا إمام الحفاظ أبا الفضل بن حجر تعقبه فقال: وما ادعاه من النفي مطلقا مردود، فقد ثبت عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: "يا معاذ والله إني لأحبك، فلا تدع دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني

стр. 4901

على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". أخرجه أبو داود والنسائي. وحديث زيد بن أرقم: سمعته ﷺ يدعو في دبر الصلاة: "اللهم ربنا ورب كل شيء". أخرجه أبو داود والنسائي. وحديث صهيب رفعه: كان ﷺ يقول إذا انصرف من الصلاة: "اللهم أصلح لي ديني". أخرجه النسائي وصححه ابن حبان. وغير ذلك. فإن قيل: المراد بدبر الصلاة قرب آخرها وهو التشهد، قلت: قد ورد الأمر بالذكر دبر الصلاة، والمراد به بعد السلام إجماعا، فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه، وقد أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة: قيل يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبات، وقال: حسن، وأخرج

стр. 4902

الطبراني من رواية جعفر بن محمد الصادق قال: الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة، كفضل المكتوبة على النافلة. قال: وفهم كثير من الحنابلة أن مراد ابن القيم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقا، وليس كذلك، فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استمرار استقبال المصلي القبلة، وإيراده عقب السلام، وأما إذا انفتل بوجهه أو قدم الأذكار المشروعة فلا يمتنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ. انتهى. وكان ﵇ حين تقام الصلاة في المسجد إذا رآهم قليلا جلس، وإذا

стр. 4903

رآهم جماعة صلى. رواه أبو داود. وقال أبو مسعود البدري: كان ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم". رواه مسلم. وقال ابن عباس: قام رسول الله ﷺ يصلي فقمت عن يساره، فأخذ بيدي من وراء ظهره يعدلني كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن. رواه البخاري

стр. 4904

ومسلم. وقال أنس: سقط النبي ﷺ عن فرس، فجحش شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة فصلى بنا قاعدا، فصلينا وراءه قعودا، فلما قضى الصلاة

стр. 4905

قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا". حتى قال: "وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون". زاد بعض الرواة: "وإذا صلى قائما فصلوا قياما". رواه البخاري ومسلم. قال الحميدي: ومعاني سائر الروايات متقاربة وزاد البخاري قوله: "إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا" هو في مرضه القديم. وقد صلى في مرضه الذي مات فيه جالسا والناس خلفه قياما لم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمره ﷺ . انتهى.
следующие страницы →