Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.
стр. 4866
وروى البخاري أيضا عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: صلى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي -قال محمد بن سيرين: وأكثر ظني العصر- ركعتين ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها، وفيهم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وخرج سرعان الناس، فقالوا أقصرت الصلاة، ورجل يدعوه النبي ﷺ ذا اليدين، فقال للنبي ﷺ أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: "لم أنس
الحواشي
(١) أصلى مع رسول الله ﷺ وقد اتفق معظم أهل الحديث من المصنفين وغيرهم على أن ذا الشمالين غير ذي اليدين، ونص على ذلك الشافعي في اختلاف الحديث.
"وروى البخاري أيضا" هنا وقبله في أبواب المساجد "عن ابن سيرين" محمد، "عن أبي هريرة قال: صلى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي" بفتح العين وكسر الشين وشد الياء الظهر أو العصر "قال محمد بن سيرين وأكثر" بالمثلثة "ظني العصر" بالنصب على المفعولية ولأبي ذر: العصر بالرفع قاله المصنف الحافظ وإنما رجح ذلك عنده، لأن في حديث عمران الجزم بأنها العصر. "ركعتين ثم سلم ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد" أي: في جهة القبلة "فوضع يده عليها" أي: على الخشبة، وفي رواية للبخاري فقام إلى خشبة معروضة، أي: موضوعة بالعرض، ولمسلم: ثم أتى جذعا في قبلة المسجد فاستند إليه مغضبا، قال الحافظ: ولا تنافي بين هذه الروايات لأنها تحمل على أن الجذع كان ممتدا بالعرض وكأنه الجذع الذي كان ﷺ يستند إليه قبل اتخاذ المنبر وبذلك جزم بعض الشراح، "وفيهم أبو بكر وعمر فهابا" وفي رواية للبخاري: فهاباه بهاء الضمير "أن يكلماه" أي: غلب عليهما احترامه وتعظيمه عن الاعتراض عليه، كذا المصنف تبعا للفتح وفيه قلاقة، إذ لا اعتراض هنا إنما هو استفهام، فإنما هاباه احتراما وتعظيما مع علمهما أنه يبين بعد ذلك، وأما ذو اليدين فغلب عليه الحرص على تعلم العلم، "وخرج سرعان الناس" بفتح المهملات ومنهم من سكن الراء.
وحكى عياض أن الأصيلي ضبطه بضم ثم إسكان كأنه جمع سريع مثل كثيب وكثبان، والمراد بهم أوائل الناس خروجا من المسجد وهم أصحاب الحاجات غالبا، "فقالوا: أقصرت الصلاة" بهمزة الاستفهام، وفي رواية للبخاري بحذفها، فتحمل تلك على هذه وفيه دليل على ورعهم إذ لم يجزموا بوقوع شيء بغير علم وهابوا النبي ﷺ أن يسألوه، وإنما استفهموا لأنه زمان النسخ وقصرت بضم القاف وكسر المهملة على البناء للمفعول، أي: أن الله قصرها، وبفتح ثم ضم على البناء للفاعل، أي: صارت قصيرة.
قال النووي: هذا أكثر وأرجح، "و" قال "رجل" هناك "يدعوه" أي: يسميه "النبي ﷺ ذا اليدين" وفي رواية للبخاري: وفي القوم رجل في يديه طول يقال له ذو اليدين، "فقالстр. 4867
ولم تقصر"، فقال: بلى قد نسيت، فصلى ركعتين ثم سلم ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر، ثم وضع رأسه فكبر وسجد، مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر.
وعن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ صلى العصر فسلم من ثلاثة ركعات ثم دخل منزله فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله! فذكر له صنيعه وخرج غضبانا يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس، فقال: "أصدق هذا"؟. قالوا: نعم، فصلى ركعة ثم سلم ثم سجد سجدتين ثم سلم. رواه مسلم وهو من أفراده لم يروه البخاري. ورواه أحمد وأبو داود.
الحواشي
(١) للنبي ﷺ أنسيت أم قصرت الصلاة"؟ بالبناء للفاعل أو المفعول، "فقال": "لم أنس" في اعتقادي لا في نفس الأمر، "ولم تقصر" بضم أوله وفتح ثالثه، وبفتح أوله وضم ثالثه روايتان وهو صريح في نفيهما معا، وفيه تفسير للمراد بقوله في رواية الموطأ ومسلم، كل ذلك لم يكن وتأييد لقول أصحاب المعاني لفظ كل إذا تقدم على النفي كان نفيا لكل فرد لا للمجموع، بخلاف ما إذا تأخر، كأن يقال: لم يكن كل ذلك، ولذا أجابه ذو اليدين عند مسلم والموطأ بقوله: قد كان بعض ذلك، وأجابه في هذه الرواية، "فقال: بلى قد نسيت" لأنه لما نفى الأمرين وكان مقررا عند الصحابي أن السهو لا يجوز عليه في الأمور البلاغية جزم بوقوع النسيان لا القصر، "فصلى ركعتين" بانيا على ما سبق بعد أن تذكر أنه لم يتمها كما رواه أبو داود في بعض طرقه، قال: ولم يسجد للسهو حتى يقنه الله ذلك فلم يقلدهم في ذلك، كذا قال المصنف: "ثم سلم ثم كبر فسجد" للسهو "مثل سجوده "للصلاة، أي قدره "أو أطول" منه، "ثم رفع رأسه وكبر، ثم وضع رأسه فكبر وسجد مثل سجوده أو أطول" منه، "ثم رفع رأسه من السجود وكبر" ظاهره الاكتفاء بتكبير السجود، ولا يشترط تكبير الإحرام، وعليه الجمهور قال القرطبي: لم يختلف قول مالك في وجوب السلام بعد سجدتي السهو، قال: وما يتحلل منه بسلام لا بد له من تكبيرة إحرام، ويؤيده ما في أبي داود في هذا الحديث، بلفظ: فكبر ثم كبر وسجد للسهو.
"وعن عمران بن حصين" بمهملتين مصغر "أن رسول الله ﷺ صلى العصر فسلم من ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخرباق وكان في يديه طول" ولذا لقب بذي اليدين "فقال: يا رسول الله فذكر له صنيعه" فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله كما في رواية لمسلم أيضا، "وخرج" من منزله "غضبانا يجر رداءه" من العجلة "حتى انتهى إلى الناس، فقال: "أصدق هذا"؟، قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين" للسهو "ثم سلم، رواه مسلم" من طريق إسماعيل بن إبراهيم عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلبстр. 4868
"والخرباق" بكسر الخاء المعجمة، وسكون الراء بعدها موحدة، وآخره قاف، هو اسم ذي اليدين، كما ذهب إليه الأكثر، وطول يديه يمكن أن يحمل على الحقيقة، أو على أنه كناية عن طولهما بالعمل أو بالبذل.
قال الحافظ: ابن حجر: الظاهر في نظري توحد حديث أبي هريرة، وإن كان قد جنح ابن خزيمة ومن تبعه إلى تعدد هذه القصة، والحمل لهم على ذلك الاختلاف الواقع في السياقين، ففي حديث أبي هريرة أن السلام وقع من ثنتين،
الحواشي
(١) عن عمران بهذا اللفظ، ثم رواه من طريق عبد الوهاب الثقفي عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران قال: سلم ﷺ في ثلاث ركعات من العصر، ثم قام فدخل الحجرة، فقام رجل بسيط اليدين، فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله، فخرج مغضبا فصلى الركعة التي كان ترك ثم سلم ثم سجد سجدتي السهو ثم سلم "وهو من أفراده" أي مسلم.
"لم يروه البخاري" فإن لم ينهض الجمع بين التعارض، ولم ينقل بالتعدد قدم ما اتفقا عليه على ما انفرد به مسلم، "ورواه أحمد وأبو داود" يعني حديث عمران المذكور. "والخرباق بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة وآخره قاف هو اسم ذي اليدين، كما ذهب إليه الأكثر" وقيل: اسمه عمير بن عبد عمرو وهو غلط، ذاك ذو الشمالين كما مر، قاله في الألقاب: "وطول يديه يمكن أن يحمل على الحقيقة، أو على أنه كناية عن طولهما بالعمل" أي: كونه يعمل بهما جميعا، "أو بالبذل" الإعطاء للشيء بلا عوض، ولفظ الحافظ وهو محمول على الحقيقة، ويحتمل أنه كناية عن طولهما بالعمل أو بالبذل، قاله القرطبي وجزم ابن قتيبة بأنه كان يعمل بيديه جميعا.
"قال الحافظ ابن حجر: الظاهر في نظري توحد حديث أبي هريرة" بحديث عمران، هكذا في الفتح، فكأنه سقط من قلم المؤلف، أي أن الصحابيين رويا قصة واحدة، فليس المعنى كون حديث أبي هريرة حديثا لقصة واحدة لم تتعدد كما زعم، إذ حديث أبي هريرة وإن تعددت طرقه لا نزاع في أنه قصة واحدة.
ولفظ فتح الباري، وذهب الأكثر إلى أن اسم ذي اليدين الخرباق اعتمادا على حديث عمران عند مسلم، وهذا صنيع من يوحد حديث أبي هريرة بحديث عمران، وهو الراجح في نظري "وإن كان قد جنح" أي: مال "ابن خزيمة ومن تبعه إلى تعدد هذه القصة" فواحدة رواها أبو هريرة وواحدة عمران، "والحامل لهم على ذلك الاختلاف الواقع في السياقين،стр. 4869
وأنه ﷺ قام إلى خشبة في المسجد، وفي حديث عمران هذا: أنه سلم من ثلاث، وأنه دخل منزله لما فرغ من الصلاة، فأما الأول فقد حكى بن كليكلدي العلائي أن بعض شيوخه حمله على المراد به أنه سلم في ابتداء الثالثة، واستبعده، ولكن طريق الجمع يكتفي فيها بأدنى مناسبة، وليس بأبعد من دعوى تعدد القصة، فإنه يلزم منه كون ذي اليدين في كل مرة استفهم النبي ﷺ عن ذلك، واستفهم النبي ﷺ الصحابة عن صحة قوله. وأما الثاني: فلعل الراوي لما رآه تقدم من مكانه إلى جهة الخشبة ظن أنه دخل منزلة، لكون الخشبة كانت في جهة منزله،
الحواشي
(١) ففي حديث أبي هريرة، أن السلام وقع من ثنتين، وأنه ﷺ قام إلى خشبة في المسجد، وفي حديث عمران هذا أنه سلم من ثلاث، وأنه دخل منزله لما فرغ من الصلاة" فهذان الاختلافان يقويان التعدد، لا سيما مع اختلاف المخرج وهو الصحابي، "فأما الأول فقد حكى" العلامة صلاح الدين خليل "بن كليكلدي العلائي" مر بعض ترجمته "أن بعض شيوخه حمله على أن المراد به أنه سلم في ابتداء الثالثة، واستبعده" العلائي لأنه خلاف المتبادر، إذ التسليم وقع وهو جالس، فأين ابتداء الثالثة "ولكن طريق الجمع يكتفي فيها بأدنى مناسبة" إذ يمكن تصحيحه بتقدير مضاف، أي في إرادة ابتداء الركعة الثالثة فسلم سهوا قبل القيام، "وليس" حمله على ذلك "بأبعد من دعوة تعدد القصة" بل هي أبعد على مفاد النفي عرفا أو مساو على مفاده لغة، وكأنه أريد الأول لقوله، "فإنه يلزم منه كون ذي اليدين في كل مرة استفهم النبي ﷺ عن ذلك، واستفهم النبي ﷺ الصحابة عن صحة قوله" لكن لا بعد في هذا ولو لزم ما ذكر، فاستفهام ذي اليدين أولا لا يمنع استفهامه ثانيا لأنه زمان نسخ، لا سيما وقد اقتصر في حديث عمران على قوله: أقصرت الصلاة يا رسول الله كما قدمته عن مسلم، وكذلك استفهام المصطفى الصحابة عن صحة قوله أولا لا يمنع ذلك ثانيا إذ لم تقصر الصلاة، وقد سلم معتقدا الكمال، والإمام لا يرجع عن يقينه لقول المأمومين إلا لكثرتهم جدا، بل عند الشافعي ولا لكثرتهم جدا، ولا شك في أن هذا أقرب من إخراج اللفظ عن ظاهره المحوج إلى تقدير مضاف بلا قرينة، وكونها حديث أبي هريرة غير ناهض لاختلاف المخرج، أي: الصحابي، ثم ماذا يصنع بقوله: فصلى ركعة، وقوله في الرواية الثانية: فصلى الركعة التي كان ترك، وتصحيحه بجنس الركعة ينبو عنه المقام نبوا ظاهرا، فدعوى التعدد أقرب من هذا بكثير، "وأما" الاختلاف "الثاني" وهو قوله في حديث أبي هريرة: قام إلى خشبة في المسجد فوضع يده عليها، وفي حديث عمران: دخل منزله، "فلعل الراوي لما رآه تقدم من مكانه إلى جهة الخشبة، ظن أنه دخل منزله، لكون الخشبة كانت في جهة منزله" وبعد هذا لا يخفى لماстр. 4870
فإن كان كذلك وإلا فرواية أبي هريرة أرجح لموافقة ابن عمر له في سياقه، كما أخرجه الشافعي وأبو داود وابن خزيمة. انتهى.
وعن معاوية بن حديج -بضم الحاء المهملة آخره جيم- أن رسول الله ﷺ صلى يوما فانصرف وقد بقي من الصلاة ركعة، فأدركه رجل فقال: نسيت من الصلاة ركعة؟ فرجع فدخل المسجد. فأمر بلالا فأقام الصلاة فصلى بالناس ركعة، فأخبرت بذلك الناس، فقالوا: أو تعرف الرجل؟ قلت: لا، إلا أن أراه، فمر بي
الحواشي
(١) يلزم عليه أن عمران أخبر بالظن ومخالفته لظاهر قوله، فخرج لا سيما مع قوله في الرواية الثانية، فدخل الحجرة ثم قال: فخرج فلا ريب أن دعوى التعدد أقرب من هذا بكثير، "فإن كان كذلك" فلا خلاف بين الحديثين "وإلا فرواية أبي هريرة أرجح لموافقة ابن عمر له على سياقه كما أخرجه الشافعي وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة".
زاد الحافظ: ولموافقة ذي اليدين نفسه على سياقه كما أخرجه أبو بكر الأثرم وعبد الله بن أحمد في زيادات المسند وأبو بكر بن أبي خيثمة وغيرهم. "انتهى" كلام الحافظ، وليس في موافقتهما لأبي هريرة ما يمنع الجمع بالتعدد الذي صار إليه ابن خزيمة وغيره قال: أعني الحافظ، وقد تقدم في باب تشبيك الأصابع ما يدل على أن ابن سيرين راوي الحديث عن أبي هريرة كان يرى التوحيد بينهما، وذلك أنه قال في آخر حديث أبي هريرة: نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم. انتهى.
وليست دلالته على ذلك قوية إذ المراد أن عمران قال في حديثه: ثم سلم ففيه إثبات السلام عقب سجدتي السهو الخالي منه حديث أبي هريرة، وبعد ذلك هل هو متحد مع حديث أبي هريرة أو حديث آخر مسكوت عنه.
"وعن معاوية بن حديج بضم الحاء المهملة" وفتح الدال المهملة وسكون التحتية "آخره جيم" الكندي، صحابي صغير، وذكره يعقوب بن سفيان في التابعين، وقال أحمد: لا صحبة له، ولعل مراده طويلة، لأنه وفد وأسلم قبل وفاة النبي ﷺ بشهرين، وإلا فقد روى أحمد والبغوي عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها". مات سنة اثنتين وخمسين: "إن رسول الله ﷺ صلى يوما فانصرف" أي: سلم وخرج من المسجد، "و" الحال إنه "قد بقي من الصلاة ركعة، فأدركه رجل، فقال: نسيت" بتقدير همزة الاستفهام، أي: أنسيت "من الصلاة ركعة، فرجع فدخل المسجد، فأمر بلالا، فأقام الصلاة فصلى بالناس ركعة" فوقع منه السهو ثم الكلام ثم البناء.
قال معاوية بن حديج: "فأخبرت بذلك الناس، فقالوا: أو تعرف الرجل" القائل نسيت،стр. 4871
فقلت: هو هذا، فقالوا: هذا طلحة بن عبيد الله. رواه أبو داود والبيهقي في سننهما، وابن خزيمة في صحيحه، وعين الصلاة المغرب.
وقال ابن خزيمة: وهذه القصة غير قصة ذي اليدين، لأن المعلم للنبي ﷺ في هذه القصة طلحة بن عبيد الله، ومخبره في تلك القصة ذو اليدين، والسهو منه ﵊ في قصة ذي اليدين إنما كان في الظهر أو العصر، وفي هذه القصة إنما كان السهو في المغرب لا في الظهر ولا في العصر.
وعن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "أصدق ذو اليدين"؟ فقال الناس: نعم، فقام ﷺ فصلى ركعتين أخريين ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع ثم كبر فسجد مثل سجوده للصلاة
الحواشي
(١) "قلت: لا" أعرفه "إلا أن أراه، فمر بي، فقلت: هو هذا، فقالوا: هذا طلحة بن عبيد الله" التيمي أحد العشرة، وفي هذا السياق دليل على أن معاوية بن حديج شاهد ذلك فهو صحابي، "رواه أبو داود والبيهقي في سننهما وابن خزيمة في صحيحه، وعين" في روايته "الصلاة المغرب" بالنصب بدل، أي: قال صلى المغرب.
"وقال ابن خزيمة: وهذه القصة غير قصة ذي اليدين، لأن المعلم" أي: المخبر "للنبي ﷺ في هذه القصة طلحة بن عبيد الله" بضم العين، "ومخبره في تلك القصة ذو اليدين" لأن "السهو منه ﵊ في قصة ذي اليدين إنما كان في الظهر أو العصر" على ما مر، "وفي هذه القصة إنما السهو في المغرب لا في الظهر ولا في العصر" فافترقا لهذين الوجهين.
"وعن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ انصرف" أي: سلم "من اثنتين" أي: ركعتين، "فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة"؟ بفتح القاف وضم الصاد، أي: أصارت قصيرة، وبضم القاف وكسر الصاد، أي: أقصرها الله روايتان.
قال النووي: الأول أكثر وأرجح "أم نسيت يا رسول الله" فيه دلالة على ورعه، لأنه لم يجزم بشيء بلا علم، بل استفهم لأنه زمان نسخ، "فقال رسول الله ﷺ : "أصدق ذو اليدين"؟ فيما قال، "فقال الناس" أي: الصحابة الذين صلوا معه: "نعم" صدق، وفي رواية لمسلم قالوا: صدق لم تصل إلا ركعتين، "فقام ﷺ " أي: اعتدل وهي كناية عن الدخول في الصلاة، "فصلى ركعتين أخريين" بتحتيتين بعد الراء، "ثم سلم، ثم كبر".
قال القرطبي: فيه دلالة على أن التكبير للإحرام لإتيانه بثم المقتضية للتراخي فلو كانстр. 4872
أو أطول، ثم رفع.
وفي رواية سلمة بن علقمة، قلت لمحمد -يعني ابن سيرين- في سجدتي السهو تشهد؟ فقال: ليس في حديث أبي هريرة. رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والترمذي والنسائي.
قال الحافظ ابن حجر: لم يقع في غير هذه الرواية لفظ "القيام" وقد استشكل بأنه ﷺ كان قائما.
وأجيب: بأن المراد بقوله: "فقام" أي اعتدل، لأنه كان مستندا إلى الخشبة كما مر.
وقد يفهم من قول محمد بن سيرين عن التشهد: "ليس في حديث أبي
الحواشي
(١) التكبير للسجود لكان معه، وتعقب بأن ذلك من تصرف الرواة ففي رواية للبخاري فصلى ما ترك ثم سلم ثم كبر وسجد فأتي بواو المصاحبة التي تقتضي المعية وهو مردود بأن الحديث واحد وليست رواية الواو بأولى من رواية الفاء في قوله: "فسجد" المقتضية لعدم المعية، فالواو من تصرف الرواة، ويؤيده أن من عبر بالفاء أثبت وأتقن "مثل سجوده" للصلاة "أو أطول" منه، "ثم رفع" من سجوده "ثم كبر فسجد" ثانية "مثل سجوده للصلاة أو أطول" منه، "ثم رفع" من السجدة الثانية.
"وفي رواية سلمة بن علقمة" التميمي أبي بشر البصري، المتوفى سنة تسع وثلاثين ومائة، "قلت لمحمد: يعني ابن سيرين" البصري "في" بتقدير همزة الاستفهام، أي: أفي "سجدتي السهو تشهد؟ فقال: ليس في حديث أبي هريرة رواه" أي: المذكور من الروايتين "البخاري، ورواه "مسلم ومالك" في الموطأ، أي: اللفظ الأول إذ لم يرويا قول سلمة بن علقمة المذكور "وأبو داود والترمذي والنسائي".
"قال الحافظ ابن حجر: لم يقع في غير هذه الرواية لفظ القيام" المذكور بقوله: فقام "وقد استشكل بأنه ﷺ كان قائما" كما في الحديث السابق، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد.
"وأجيب بأن المراد بقوله: فقام، أي: اعتدل لأنه كان مستندا إلى الخشبة كما مر" زاد الحافظ: أو هو كناية عن الدخول في الصلاة، وقال ابن المنير: فيه إيماء إلى أنه أحرم، ثم جلس، ثم قام، كذا قال وهو بعيد جدا. انتهى.
ولا بعد فيه فضلا عن قوته، إذ غاية ما قال فيه إيماء، "وقد يفهم من قول محمد بنстр. 4873
هريرة" أنه ورد في حديث غيره. وهو كذلك: فقد رواه أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم من طريق أشعث بن عبد الملك عن محمد بن سيرين عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ صلى بهم، فسها فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم. قال الترمذي: حسن غريب، وقال الحاكم صحيح على شرطهما. وقال ابن حبان: ما روى ابن سيرين عن خالد غير هذا الحديث، وضعفه البيهقي وابن عبد البر وغيرهما. ووهموا رواية أشعث لمخالفته غيره من الحفاظ عن ابن سيرين، فزيادة أشعث شاذة.
الحواشي
(١) سيرين عن التشهد ليس في حديث أبي هريرة أنه ورد في حديث غيره وهو كذلك فقد رواه أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم من طريق أشعث" بمعجمة فمهملة فمثلثة "ابن عبد الملك" الجمراني، بضم المهملة البصري، يكنى أبا هانئ ثقة فقيه، مات سنة ثنتين وأربعين، وقيل: سنة ست وأربعين ومائتين "عن محمد بن سيرين عن خالد" بن مهران "الحذاء، بفتح المهملة وشد الذال المعجمة، قيل له ذلك لأنه كان يجلس عندهم، وقيل: لأنه كان يقول احذ على هذا النحو. ثقة يرسل، أشار حماد بن زيد إلى أن حفظه تغير لما قدم من الشام وعاب عليه بعضهم دخوله في عمل السلطان، "عن أبي قلابة" بكسر القاف والتخفيف عبد الله بن زيد الجرمي البصري، ثقة، فاضل، كثير الإرسال.
قال العجلي: فيه نصب يسير، مات بالشام هاربا من القضاء سنة أربع ومائة، وقيل: بعدها "عن أبي المهلب" الجرمي البصري عم أبي قلابة، اسمه عمرو أو عبد الرحمن بن معاوية، أو ابن عمرو، وقيل: النضر، وقيل: معاوية. ثقة من كبار التابعين.
"عن عمران بن حصين: أن النبي ﷺ صلى بهم، فسها فسجد سجدتين" للسهو "ثم تشهد ثم سلم".
"قال الترمذي: حسن غريب" أي: تفرد به راويه، "وقال الحاكم: صحيح على شرطهما" أي: الصحيحين وفيه نظر، إذ لم يرويا لأشعث، نعم علق له البخاري، "وقال ابن حبان: ما روى ابن سيرين عن خالد" الحذاء "غير هذا الحديث" وهو من رواية الأكابر عن الأصاغر كا في الفتح، "وضعفه" أي: هذا الحديث "البيهقي وابن عبد البر وغيرهما، ووهموا راويه أشعث لمخالفته غيره من الحفاظ عن ابن سيرين" فإن المحفوظ عنه في حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد.
وروى السراج من طريق سلمة بن علقمة أيضا في هذه القصة: قلت لابن سيرين: فالتشهد، قال: لم أسمع في التشهد شيئا، وكذا المحفوظ عن خالد الحذاء بهذا الإسناد فيстр. 4874
لكن قد ورد في التشهد في سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داود والنسائي، وعن المغيرة عند البيهقي، وفي إسنادهما ضعف.
فقد يقال: إن الأحاديث الثلاثة في التشهد باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن، قال العلائي: وليس ذلك ببعيد، وقد صح ذلك عن ابن مسعود من قوله: أخرجه ابن أبي شيبة. انتهى ملخصا من فتح الباري.
وفي رواية أبي سفيان عن أبي هريرة عند مسلم: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة العصر، فسلم من ركعتين، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت، فقال رسول الله ﷺ : كل ذلك لم يكن، فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله.
وفي رواية أبي داود من طريق حماد بن زيد عن هشام بن حسان عن ابن
الحواشي
(١) حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد كما أخرجه مسلم، "فزيادة أشعث شاذة" وإن كان ثقة، لأن محل قبول زيادة الثقة ما لم يكن من لم يزدها أوثق منه كما قال ابن عبد البر وغيره، ولهذا قال ابن المنذر: لا أحسب التشهد في سجود السهو يثبت.
"لكن قد ورد في التشهد في سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داود والنسائي، وعن المغيرة" بن شعبة "عند البيهقي وفي إسنادهما ضعف، فقد يقال إن الأحاديث الثلاثة في التشهد باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن" وإن كانت مفرداتها ضعيفة.
"قال العلائي: وليس ذلك ببعيد" لما علم أن الاجتماع يكسب قوة، "وقد صح ذلك عن ابن مسعود من قوله: أخرجه ابن أبي شيبة. انتهى ملخصا من فتح الباري" بمعنى أنه حذف منه ما لم يتعلق غرضه به لا التلخيص العرفي.
"وفي رواية أبي سفيان" اسمه وهب أو قزمان، بضم القاف وسكون الزاي، قال ابن سعد: ثقة قليل الحديث، روى له الستة "عن أبي هريرة عند مسلم" من طريق مالك عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان، عن أبي هريرة: "صلى لنا رسول الله ﷺ " فيه تصريح بحضور أبي هريرة القصة "صلاة العصر، فسلم من ركعتين، فقام ذو اليدين، فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال رسول الله ﷺ ": "كل ذلك" أي القصر والنسيان "لم يكن" واحد منهما، "فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله" وهو النسيان كما قال في الرواية الأخرى: بلى قد نسيت.
"وفي رواية أبي داود من طريق حماد بن زيد" بن درهم البصري، ثقة، ثبت، فقيه "عنстр. 4875
سيرين عن أبي هريرة في هذا الحديث قال: فكبر ثم كبر وسجد للسهو.
وهذا يؤيد من قال لا بد من تكبيرة الإحرام في سجود السهو بعد السلام، والجمهور على الاكتفاء بتكبيرة السجود، وهو ظاهر غالب الأحاديث.
وقال أبو داود: لم يقل أحد: "كبر ثم كبر" إلا حماد بن زيد، فأشار إلى شذوذ هذه الرواية. ويحتمل أن تكون الخشبة المذكورة في هذا الحديث الجذع الذي كان ﵇ يستند إليه قبل اتخاذ المنبر.
وإنما وقع الاستفهام "هل قصرت الصلاة؟ " لأن الزمان كان زمان النسخ.
وقوله: "فقال": "لم أنس ولم تقصر". صريح في نفي النسيان ونفي القصر. وفيه تفسير للمراد بقوله في رواية أبي سفيان المتقدمة "كل ذلك لم يكن" وتأييد لما قاله أصحاب المعاني أن لفظ "كل" إذا تقدمت وعقبها النفي كان نفيا لكل فرد لا للمجموع، بخلاف ما إذا تأخرت، كأن يقول: لم يكن كل ذلك، ولهذا
الحواشي
(١) هشام بن حسان" الأزدي أبي عبد الله البصري، ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومائة، روى له الجماعة "عن ابن سيرين، عن أبي هريرة في هذا الحديث، قال: فكبر" للإحرام، "ثم كبر" للهوي "وسجد للسهو، وهذا يؤيد من قال: لا بد من تكبيرة الإحرام في سجود السهو بعد السلام" كمالك فإنه يقال: إنه واجب، لكن لا تبطل الصلاة بتركه، "والجمهور على الاكتفاء بتكبيرة السجود وهو ظاهر غالب الأحاديث، وقال أبو داود: لم يقل أحد كبر ثم كبر إلا حماد بن زيد، فأشار إلى شذوذ هذه الرواية" لكنها تتأيد بما فهمه القرطبي من الرواية السابقة، "ويحتمل أن تكون الخشبة المذكورة في هذا الحديث الجذع الذي كان ﵇ يستند إليه قبل اتخاذ المنبر".
زاد الحافظ: وبذلك جزم بعض الشراح، "وإنما وقع الاستفهام هل قصرت لأن الزمان كان زمان النسخ" فجوز السائل وقوعه في الصلاة كما وقع نسخ القبلة في الصلاة، "وقوله": فقال: "لم أنس ولم تقصر" وهو الذي في أكثر الطرق كما في الفتح "صريح في نفي النسيان ونفي القصر، وفيه تفسير للمراد بقوله في رواية أبي سفيان المتقدمة" قريبا: "كل ذلك لم يكن". فمعناه لم أنس ولم تقصر، "وتأييد لما قاله أصحاب المعاني: إن لفظ كل إذا تقدمت وعقبه النفي كان نفيا لكل فرد لا للمجموع بخلاف ما إذا تأخرت كأن يقول: لم يكن كل ذلك" وفي شرحه للبخاري، وهذا أشمل من أن لو قيل لم يكن كل ذلك، لأنه من باب تقوي الحكم، فيفيد التأكيد في المسند والمسند إليه بخلاف الثاني إذ ليس فيه تأكيدстр. 4876
أجاب ذو اليدين في رواية أبي سفيان بقوله: قد كان بعض ذلك، وأجابه في هذه الرواية بقوله: "بلى قد نسيت" لأنه لما نفى الأمرين وكان مقررا عند الصحابة أن السهو غير جائز عليه في الأمور البلاغية جزم بوقوع النسيان لا القصر.
وهو حجة لمن قال إن السهو جائز على الأنبياء فيما طريقه التشريع. قال ابن دقيق العيد: وهو قول عامة العلماء والنظار، وشذت طائفة فقالوا: لا يجوز على النبي ﷺ السهو، وهذا الحديث يرد عليهم -يعني حديث ابن مسعود- فإن فيه: "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون". وإن كان القاضي عياض نقل الإجماع على عدم جواز دخول السهو في الأقوال التبليغية، وخص الخلاف بالأفعال. لكنهم تعقبوه.
نعم اتفق من جوز ذلك على أنه لا يقر عليه، بل يقع له بيان ذلك، إما متصلا بالفعل أو بعده، كما وقع في هذا الحديث من قوله: "لم أنس ولم تقصر"
الحواشي
(١) أصلا، فيصح أن يقال: لم يكن كل ذلك، بل بعضه كما تقرر في علم البيان، "ولهذا أجاب ذو اليدين في رواية أبي سفيان بقوله: قد كان بعض ذلك، وأجابه في هذه الرواية" أي رواية ابن سيرين، "بقوله: بلى قد نسيت، لأنه لما نفى الأمرين" بقوله: "كل ذلك لم يكن"، "وكان مقررا عند الصحابة أن السهو غير جائز عليه في الأمور البلاغية" أي: التي طلب منه إبلاغها للناس، "جزم بوقوع النسيان لا القصر وهو حجة لمن قال: إن السهو جائز على الأنبياء فيما طريقه التشريع" لما يترتب عليه من الفوائد.
"قال ابن دقيق: وهو قول عامة العلماء والنظار، وشذت طائفة فقالوا: لا يجوز على النبي ﷺ السهو" تنزيها لمقامه عنه، "وهذا الحديث يرد عليهم، يعني حديث ابن مسعود، فإن فيه إنما أنا بشر مثلكم أنسى" وزاد: "كما تنسون" دفعا لمن يقول ليس نسيانه كنسياننا، "إن كا القاضي عياض نقل الإجماع على عدم جواز السهو في الأقوال التبليغية" التي أمر بتبليغها للأمة، لأنه يوجب التشكيك وتشبث الطاعن بها، "وخص الخلاف بالأقوال" وفرق عياض بأن الدليل قام على صدق القول، فخلافه ولو سهوا يناقضه بخلاف الأفعال فلا يناقضه ولا يقدح في النبوة، لأن الغفلة من سمات البشر، "لكنهم" أي: العلماء "تعقبوه" بأن الخلاف مطلق "نعم" استدراك لدفع كون وقوعه سهوا يناقض المعجزة، "اتفق من جوز ذلك على أن لا يقر عليه، بل يقع له بيان ذلك إما متصلا بالفعل أو بعده كما وقع في هذا الحديث من قوله: "لم أنس ولم تقصر". ثم تبين أنه نسي ومعنى" الأولى فمعنى بالفاء "قوله:стр. 4877
ثم تبين أنه نسي.
ومعنى قوله: "لم أنس" أي في اعتقادي، لا في نفس الأمر، ويستفاد منه: أن الاعتقاد عند فقد اليقين يقوم مقام اليقين، وفائدة السهو في مثل ذلك بيان الحكم الشرعي إذا وقع مثله لغيره.
وأما من منع السهو مطلقا، فأجابوا عن هذا الحديث بأجوبة:
فقيل: قوله "لم أنس" نفي للنسيان، ولا يلزم منه نفي السهو، وهذا قول من فرق بينهما، وقد تقدم تضعيفه، ويكفي فيه قوله في هذه الرواية: "بلى قد نسيت" وأقره على ذلك.
وقيل: قوله: "لم أنس" على ظاهره وحقيقته، وكان يتعمد ما يقع منه من ذلك ليقع التشريع منه بالفعل، لكونه أبلغ من القول.
وتعقب: بحديث ابن مسعود عند البخاري ومسلم بلفظ "صلى
الحواشي
(١) "لم أنس". أي: في اعتقادي لا في نفس الأمر" إذ الواقع أنه نسي، "ويستفاد منه أن الاعتقاد عند فقد اليقين يقوم مقام اليقين" ينبغي أن يراد به ما يشمل الظن لا ما اصطلح عليه الأصوليون أنه حكم الذهن الجازم القابل للتغير، وأما الراجح الذي لا جزم معه فهو الظن، قاله شيخنا: "وفائدة السهو في مثل ذلك بيان الحكم الشرعي إذا وقع مثله لغيره" لأن البيان بالفعل أظهر منه بالقول لمشاهدة صفة الفعل في زمن قليل بخلاف القول فيحتاج للتفصيل، ولأنه أرفع للاحتمال، إذ لو قال من سها فليسجد سجدتين في آخر صلاته احتمل أنه أراد من سها في أمر من أموره، سواء كان في نفس الصلاة أو غيرها وإن كان بعيدا.
"وأما من منع السهو مطلقا" في الأقوال والأفعال وهم جماعة صوفية، "فأجابوا عن هذا الحديث بأجوبة، فقيل: قوله: "لم أنس". نفي للنسيان، ولا يلزم منه نفي السهو، وهذا قول من فرق بينهما، وقد تقدم" قريبا "تضعيفه" بأنه خلاف اللغة والحديث، "ويكفي فيه" أي: تضعيفه "قوله في هذه الرواية: بلى قد نسيت وأقره على ذلك" إذ لو كان بينهما فرق لبينه ولم يقره.
"وقيل: قوله: "لم أنس". على ظاهره وحقيقته، وكان يتعمد ما يقع منه من ذلك ليقع التشريع منه بالفعل لكونه أبلغ من القول".
"وتعقب بحديث ابن مسعود عند البخاري ومسلم" وأبي داود والنسائي وابن ماجه،стр. 4878
رسول الله ﷺ فزاد أو نقص، شك بعض الرواة، والصحيح أنه زاد، فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: "وما ذاك"؟ قالا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه واستقبل القبلة وسجد سجدتين ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه قال: "إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون, فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر
الحواشي
(١) "بلفظ: صلى رسول الله ﷺ " الظهر على الأصح أو العصر، "فزاد أو نقص شك بعض الرواة" هو إبراهيم النخعي رواية عن علقمة عن ابن مسعود، ففي البخاري قال إبراهيم لا أدري زاد أو نقص، وفي مسلم: "قال إبراهيم والوهم مني، أي: الشك، وفيه أيضا قال إبراهيم: وايم الله ما ذاك إلا من قبلي.
"والصحيح أنه زاد" ففي الصحيحين من طريق الحكم عن إبراهيم عن علقمة، عن عبد الله: صلى النبي ﷺ الظهر خمسا، قال الحافظ: فلعل إبراهيم شك لما حدث منصور أو تيقن لما حدث الحكم، وتابع الحكم على ذلك حماد بن أبي سليمان وطلحة بن مصرف وغيرهما، وعين في رواية الحكم وحماد أيضا، أنها الظهر، وللطبراني من رواية طلحة عن إبراهيم، أنها العصر، وما في الصحيح أصح.
"فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث"، "بفتحات والهمزة للاستفهام"، "أي: أوقع "في الصلاة شيء"؟ يوجب تغيير حكمها عما عهدوه، ودل استفاهمهم عن ذلك على جواز النسخ عندهم، وأنهم كانوا يتوقعونه، "قال: "وما ذاك"؟، أي: سبب سؤالكم، وفيه إشعار بأنه لم يكن عنده شعور بما وقع منه من الزيادة، "قالوا: صليت كذا وكذا" كناية عما وقع زائدا عن المعهود، "فثنى" بخفة النون، أي: عطف "رجليه" بالتثنية، وفي رواية: بالإفراد بأن جلس كهيئة قعود التشهد "واستقبل القبلة وسجد سجدتين" للسهو، "ثم سلم" واحتد به على رجوع الإمام لقول المأمومين: لكن يحتمل أنه تذكر عند ذلك، أو أن سؤالهم أحدث عنده شكا فسجد للشك الذي طرأ لا لمجرد قولهم: "فلما أقبل علينا بوجهه، قال": "إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم" أي: أخبرتكم "به" أي: بالحدث وفيه عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، "ولكن إنما أنا بشر مثلكم" أي: بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن المخاطبين لا بالنسبة إلى كل شيء "أنسى كما تنسون"، بهمزة مفتوحة وسين مخففة.
قال الزركشي: ومن قيده بضم أوله وتشديد ثالثه فهو يناسب التشبيه، "فإذا نسيت فذكروني" في الصلاة بالتسبيح ونحوه، "وإذا شك أحدكم" بأن استوى عنده طرفا العلم والجهل "في صلاته فليتحر" بحاء مهملة وراء مشددة، أي: فليقصد "الصواب" بالأخذ باليقين فيبني عليه عند مالك والشافعي.стр. 4879
الصواب، فيتم عليه ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين".
ففيه: إثبات العلة قبل الحكم، بقوله: "إنما أنا بشر مثلكم" ولم يكتف بإثبات وصف النسيان له, حتى دفع قول من عساه يقول: ليس نسيانه كنسياننا فقال: "كما تنسون".
وبهذا الحديث يرد أيضا قول من قال: معنى قوله "لم أنس". إنكار للفظ الذي نفاه عن نفسه حيث قال: "إني لا أَنسى ولكن أُنسى لأسن". وإنكار للفظ الذي أنكره على غيره حيث قال: "بئسما لأحدكم أن يقول نسيت آية كذا وكذا".
الحواشي
(١) وقال أبو حنيفة: معناه البناء على غالب الظن فلا يلزم بالاقتصار على الأقل، وفي رواية لمسلم: فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب، وله في أخرى: فليتحر الذي يرى أنه صواب "فليتم عليه ثم يسلم ثم يسجد سجدتين" للسهو، "ففيه إثبات العلة قبل الحكم" على نفسه بالنسيان، بقوله: "إنما أنا بشر مثلكم" أنسى، فكأنه قال: أنسى، لأني بشر مثلكم وهو من سمات البشر:
وما سمي الإنسان إلا لنسيه ... وأول ناس أول الناس
"ولم يكتف بإثبات وصف النسيان له حتى دفع قول من عساه يقول ليس نسيانه كنسياننا، فقال": "كما تنسون". فكيف يصح زعم أنه يتعمد فعل ذلك، وقد رده عياض أيضا بأنه مع ضعفه متناقض بلا طائل، لأنه كيف يكون متعمدا ساهيا في حالة واحدة؟ "وبهذا الحديث يرد أيضا قول من قال: معنى قوله: "لم أنس". إنكار للفظ الذي نفاه عن نفسه، حيث قال: "إني لا أنسى" بلا النافية في إحدى الروايتين، بدل لام التأكيد في الرواية الأخرى، وهي: "إني لأنسى أو أنسى لأسن". التي قدمها المصنف، ومر الخلاف في أن أو عليها للشك أو لغيره، والروايتان حكاهما عياض.
وحكى أيضا ثالثة: "لست أنسى". "ولكن أنسى" بضم الهمزة وفتح النون وشد السين، أي: ينسيني الله تعالى "لأسن" حكما شرعيا للناس، كتعليم سجود السهو، قال عياض: ولا حجة فيه، إذ ليس فيه نفي حكم النسيان جملة، أي: جميعه، وإنما فيه نفي لفظه وكراهة لقبه، أي: اسمه، كقوله: "بئسما لأحدكم أن يقول نسيت آية كذا ولكنه نسي". أو نفي الغفلة وقلة الاهتمام بأمر الصلاة عن قلبه، لكن شغل بها عنها ونسي بعضها ببعضها، "وإنكار للفظ الذي أنكره على غيره، حيث قال" كما في الصحيحين عن ابن مسعود قال النبي ﷺ : "بئسما لأحدكم" كذا في النسخ بالكاف، والذي في الصحيحين لأحدهم بالهاء، نعم في رواية لمسلم: "لا يقل أحدكم" وما نكرة موصوفة مفسرة لفاعل بئس، أي: بئس شيء، و"أن يقول" مخصوص بالذم، أي: بئس شيء كائن للرجل قوله: "نسيت" بفتح النون وكسر السين مخففة "آية كذا وكذا"стр. 4880
وقد تعقبوا هذا أيضا بأن حديث إني "لا أنسى" لا أصل له، فإنه من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد، وهي أربعة، قاله ابن عبد البر. وأما الآخر فلا يلزم من ذم إضافة نسيان الآية ذم إضافة نسيان كل شيء، فإن
الحواشي
(١) كذا في النسخ، والمروي في الصحيحين: "آية كيت وكيت بل هو نسي"، الحديث بتحتية ففوقية كلمتان يعبر بهما عن الجمل الكثيرة والحديث الطويل، وسبب الذم ما في ذلك من الإشعار بعدم الاعتناء بالقرآن، إذ لا يقع النسيان إلا بترك التعاهد وكثرة الغفلة، فلو تعاهده بتلاوته والقيام به في الصلاة لدام حفظه وتذكره، فإذا قال: نسيت، كأنه شهد على نفسه بالتفريط، فتعلق الذم ترك الاستذكار والتعاهد لأنه يورث النسيان.
وقوله: "بل هو نسي" بضم النون وشد السين المكسورة في جميع روايات البخاري، وأكثر الروايات في غيره وهو أضراب عن نسبة النسيان إلى النفس المسبب عن الترك، لأنه يوهم أنه انفرد بفعله، فالذي ينبغي أن يقول: أنسيت أو نسيت مبني للمفعول، أي: أن الله هو الذي أنساه، لأن نسبة الأفعال إلى خالقها إقرار بالعبودية والاستسلام للقدرة، وإن جازت نسبتها إلى مكتسبها، وقيل: معناه عوقب بالنسيان لتفريطه في تعاهده، وقيل: فاعل نسيت النبي ﷺ ، كأنه قال: لا يقل أحد عني أني نسيت، فإن اله هو الذي أنساني ما نسخه ورفع تلاوته، ولا صنع لي في ذلك.
ورواه بعض رواة مسلم: بل نسي بخفة السين، أي: تركه الله غير ملتفت إليه، كقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٩] ، أي: تركهم من الرحمة، أو تركهم في العذاب.
"وقد تعقبوا هذا أيضا بأن حديث: "إني لا أنسى" لا أصل له" يعتد به في إثبات الأحكام، وليس المراد أنه باطل لمنافاته قوله: "فإنه من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث" التفتيش "الشديد" عمن وصلها، والبلاغ من أقسام الضعيف لا الباطل معاذ الله، لا سيما من مالك "وهي أربعة، قاله ابن عبد البر" أي: قال وهي أربعة، ولم يقع في كلامه التعبير بلا أصل له كما عبر المصنف تبعا للحافظ، بل قال في شرح هذا الحديث: هو أحد الأحاديث الأربعة التي في الموطأ التي لا توجد في غيره مسندة ولا مرسلة، ومعناه صحيح في الأصول.
وقال في أوائل شرحه: إن بلاغات مالك كلها تتبعت فوجدت موصولة إلا أربعة، أولها هذا، وثانيها في الاستسقاء: إذا نشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة، وثالثها في الصيام قول مالك سمعت ممن أثق به أنه ﷺ أرى الناس قبله وما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغه غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر، رابعها: في كتاب الجامع خبر معاذ آخر ما أوصاني به رسول الله صلى الله علي وسلم حين وضعت رجلي في الغرز أن قال: "حسن خلقك للناس". انتهى.стр. 4881
الفرق بينهما واضح جدا.
وقيل: إن قوله: "لم أنس" راجع إلى السلام، أي سلمت قصدا بانيا على ما في اعتقادي أنني صليت أربعا، وهذا جيد، وكان ذا اليدين فهم العموم فقال: "بلى قد نسيت" وكأن هذا القول أوقع شكا احتاج معه إلى استثبات الحاضرين.
وهذا التقرير يندفع إيراد من استشكل كون ذي اليدين عدلا ولم يقبل خبره بمفرده، فسبب التوقف فيه كونه أخبر عن أمر يتعلق بفعل المسئول مغاير لما في اعتقاده.
وبهذا يجاب من قال: إن من أخبر بأمر حسي بحضرة جمع لا يخفى عليهم ولا يجوز عليهم التواطؤ، ولا حامل لهم على السكوت، ثم لم يكذبوه أنه لا يقطع بصدقه، فإن سبب عدم القطع كون خبره معارض باعتقاد المسئول
الحواشي
(١) ومع كونها بلاغات فلها شواهد ترفعها عن درجة الضعف وقد بينت ذلك في شرح الموطأ في محالها ولله الحمد.
وقد قال سفيان بن عيينة: إذا قال مالك بلغني فهو إسناد صحيح انتهى. فلا يضره قصور المتأخرين عن وجود هذه الأربعة موصولة إذ لعلها موصولة، في الكتب التي لم تصل إليهم، وقد قال السيوطي في حديث: "اختلاف أمتي رحمة" لعله خرج في بعض الكتب التي لم تصل إلينا، لأنه عزاه لجمع من الأجلة، كإمام الحرمين في كتبهم بدون إسناد، ولا ريب أنهم دون مالك بمراحل "وأما الآخر" أي: بئسما لأحدهم، "فلا يلزم من ذم إضافة نسيان الآية ذم إضافة نسيان كل شيء، فإن الفرق بينهما واضح جدا" إذ لا يقاس غير القرآن به.
"وقيل: إن قوله "لم نس" راجع إلى السلام، أي: سلمت قصدا بانيا على ما في اعتقادي أنني صليت أربعا وهذا جيد، وكان ذا اليدين فهم العموم" نسيان إتمام الصلاة والسلام ناسيا، "فقال: بلى قد نسيت، وكان هذا القول أوقع شكا احتاج معه إلى استثبات" الواقع منه بقول "الحاضرين" حين سألهم أحق ما يقول؟ "وبهذا التقرير يندفع إيراد من استشكل كون ذي اليدين عدلا ولم يقبل خبره بمفرده، فسبب التوقف فيه" أي: في خبره "كونه أخبر عن أمر يتعلق بفعل المسئول مغاير لما في اعتقاده" من الكمال لفعله.
"وبهذا يجاب من قال" يستفاد من الحديث "أن من أخبر بأمر حسي بحضرة جمع لا يخف عليهم ولا يجوز عليهم التواطؤ" التوافق "ولا حامل لهم على السكوت عنه، ثم لم يكذبوه أنه لا يقطع بصدقة" أي: المخبر مع سكوت الجمع بلا مانع، ووجه الاستفادة أنه ﷺ سألهم مع سكوتهم على إخبار ذي اليدين له ﷺ بأنه نسي، والجواب هو قوله: "فإن سبب عدمстр. 4882
خلاف ما أخبر به.
وفيه: أن الثقة إذا انفرد بزيادة خبر وكان المجلس متحدا، وامتنع في العادة غفلتهم عن ذلك أنه لا يقبل خبره.
وفيه: جواز البناء على الصلاة لمن أتى بالمنافي سهوا. وقال سحنون: إنما يبني من سلم من ركعتين كما في قصة ذي اليدين، لأن ذلك وقع على غير القياس، فيقتصر فيه على مورد النص. وألزم بقصر ذلك على إحدى صلاتي العشي، فيمنعه مثلا في الصبح، والذين قالوا بجواز البناء مطلقا قيدوه بما إذا لم يطل الفصل.
وفيه: أن الكلام سهوا لا يقطع الصلاة، خلافا للحنفية، واستدل به على أن
الحواشي
(١) القطع كون خبره معارضا باعتقاد المسئول خلاف ما أخبر به" السائل، فلا دلالة فيه على عدم القطع بصدق من كان كذلك مطلقا، إذ عدم القطع هنا لسبب، "وفيه:" أي الحديث إفادة "أن الثقة إذا انفرد بزيادة خبر وكان المجلس متحدا وامتنع في العادة غفلتهم" أي: أهل المجلس المتحد "عن ذلك أنه لا يقبل خبره" حتى يوافقوه، لأنه ﷺ رجع لما أخبروه بموافقة خبر ذي اليدين ففيه حجة قوية أن الإمام لا يرجع عن يقينه إلى قول المأمومين إلا لكثرتهم جدا فيرجع كما في هذه القصة.
"وفيه جواز البناء على الصلاة لمن أتي بالمنافي سهوا" كالسلام، "وقال سحنون: إنما يبني من سلم من ركعتين كما في قصة ذي اليدين، لأن ذلك وقع على غير القياس فيقتصر" أي: يوقف "به على مورد النص" بحيث لا يتجاوزه، "وألزم بقصر ذلك على إحدى صلاتي العشي" الظهر أو العصر، لأنه مورد النص، "فيمنعه مثلا في الصبح" والعشاء والمغرب مع أن سحنونا يقول بالبناء لمن سلم من ركعتين فيهما، "والذين قالوا بجواز البناء مطلقا" يعني في جميع الصلوات "قيدوه بما إذا لم يطل الفصل" واختلفوا في أن قدره بالعرف أو الخروج من المسجد، أو بقدر ركعة أو قدر الصلاة التي وقع فيها السهو، "وفيه أن الكلام سهوا لا يقطع الصلاة خلافا للحنفية" وأما قول بعضهم أن قصة ذي اليدين كانت قبل نسخ الكلام في الصلاة فضعيف، لأنه اعتمد قول الزهري أنها كانت قبل بدر، وتقدم أنه وهم، أو تعددت القصة لذي الشمالين المقتول ببدر، ولذي اليدين الذي تأخرت وفاته بعد النبي ﷺ فقد ثبت شهود أبي هريرة للقصة، وشهدها عمران بن حصين وإسلامه متأخر أيضا.
وروى معاوية بن حديج قصة أخرى في السهو، وقع فيها الكلام ثم البناء، أخرجها أبو داودстр. 4883
تعمد الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها.
وتعقب: بأنه ﷺ لم يتكلم إلا ناسيا، وأما قول ذي اليدين له: "بلى قد نسيت" وقول الصحابة له: "صدق ذو اليدين" فإنهم تكلموا معتقدين للنسخ في وقت يمكن وقوعه فيه، فتكلموا ظنا أنهم ليسوا في صلاة.
كذا قيل، وهو فاسد، لأنهم تكلموا بعد قوله ﵊: "لم تقصر".
وأجيب: بأنهم لم ينطقوا، وإنما أومئوا، كما عند أبي داود في رواية ساق مسلم إسنادها، وهذا اعتمده الخطابي، وقال: حمل القول على الإشارة مجاز شائع، بخلاف عكسه، فينبغي رد الروايات التي فيها التصريح بالقول إلى هذه الرواية، وهذا قوي، أقوى من قول غيره: يحمل على أن بعضهم قال بالنطق
الحواشي
(١) وابن خزيمة وغيرهما وكان إسلامه قبل موت النبي ﷺ بشهرين.
وقال ابن بطال: يحتمل أن قول زيد بن أرقم ونهينا عن الكلام، أي: إلا إذا وقع عمدا لمصلحة الصلاة، فلا يعارض قصة ذي اليدين، قاله الحافظ "واستدل به على أن تعمد الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها" لتكلمه ﷺ وتكلم الصحابة "وتعقب بأنه ﷺ لم يتكلم إلا ناسيا" كيف يصح هذا الحضر مع قوله: "أحق ما يقول ذو اليدين"؟، أو أصدق ذو اليدين أفيتوهم أن هذا نسيان.
"وأما قول ذي اليدين له: بلى قد نسيت، وقول الصحابة له: صدق ذو اليدين، فإنهم تكلموا معتقدين للنسخ في وقت يمكن وقوعه فيه" لأنه زمان تشريع، "فتكلموا ظنا أنهم ليسوا في صلاة، كذا قيل: وهو فاسد لأنهم تكلموا بعد قوله ﵊": "لم تقصر".
"وأجيب بأنهم لم ينطقوا وإنما أومئوا" أشاروا "كما عند أبي داود في رواية ساق مسلم إسنادها" ولم يسق لفظها، "وهذا اعتمده الخطابي وقال: حمل القول على الإشارة مجاز شائع" أي: مستعمل "بخلاف عكسه" الإشارة على القول ليس بشائع "فينبغي رد الروايات التي فيها التصريح بالقول إلى هذه الرواية" ولكن في هذا من انظر ما لا يخفى، إذ رد الروايات الكثيرة المتظاهرة على التصريح بالقول مع اتفاق الشيخين وغيرهما على تخريجها بأسانيد عديدة إلى رواية واحدة، خصوصا ومسلم لم يسق لفظها مما لا يليق، فالأولى الجمع الثاني وإن قال المصنف تبعا للحافظ، "وهذا قوي أقوى من قول غيره: يحمل على أن بعضهم قال بالنطق، وبعضهم بالإشارة" فإن الظاهر أن هذا الجمع هو القوي، لأن فيه إبقاء الرواياتстр. 4884
وبعضهم بالإشارة. لكن يبقى قول ذي اليدين: "بلى قد نسيت".
ويجاب عنه وعن البقية على تقدير ترجيح أنهم نطقوا: بأن كلامهم كان جوابا للنبي ﷺ وجوابه لا يقطع الصلاة.
وتعقب: بأنه لا يلزم من وجوب الإجابة عدم قطع الصلاة.
وأجيب: بأنه ثبتت مخاطبته في التشهد، وهو حي، بقولهم: السلام عليك أيها النبي، ولم تفسد الصلاة، والظاهر: أن ذلك من خصائصه.
وعن عبد الله أن رسول الله ﷺ صلى الظهر خمسا، فقيل له: أزيد في
الحواشي
(١) على حقيقتها الذي هو الأصل دون دعوى المجاز.
"لكن يبقى قول ذي اليدين، بلى قد نسيت" غير مجاب عنه، إذ لا يمكن فيه دعوى أنه قال ذلك بالإشارة، "ويجاب عنه وعن البقية على تقدير ترجيح أنهم نطقوا" لأنه الحقيقة، وقد قالوا: لا يعدل إلى المجاز ما وجد إلى الحقيقة سبيل "بأن كلامهم كان جوابا للنبي ﷺ وجوابه لا يقطع الصلاة" لوجوب إجابته.
"وتعقب بأنه لا يلزم من وجوب الإجابة عدم قطع الصلاة" فقد يجب الكلام وتبطل كإنقاذ أعمى.
"وأجيب بأنه ثبتت مخاطبته في التشهد وهو حي بقولهم: السلام عليك أيها النبي" ورحمة الله وبركاته "ولم تفسد الصلاة، والظاهر أن ذلك من خصائصه" زاد الحافظ: ويحتمل أن يقال ما دام النبي ﷺ يراجع المصلي، فجائز له جوابه حتى تنقضي المراجعة، فلا يختص الجواز بالجواب لقول ذي اليدين، بلى قد نسيت ولم تبطل صلاته.
قال المصنف: واستدل بالحديث أيضا من قال من أصحاب مالك والشافعي: إن الأفعال الكثيرة في الصلاة التي ليست من جنسها إذا وقعت على وجه السهو لا تبطلها، لأنه خرج سرعان الناس.
وفي بعض طرق الصحيح أنه ﵇ خرج إلى منزله ثم رجع، وفي بعضها أنه أتى جذعا في قبلة المسجد، واستند إليه وشبك بين أصابعه، ثم رجع الناس وبنى بهم، وهذه أفعال كثيرة، لكن للقائل بأن الكثير يبطل أن يقول هذه غير كثيرة كما قاله ابن الصلاح، وحكاه القرطبي عن أصحاب مالك والرجوع في الكثرة والقلة إلى العرف على الصحيح.
"وعن عبد الله أن رسول الله ﷺ صلى الظهر خمسا، فقيل له" لما سلم: "أزيد في الصلاة" بهمزة الاستفهام الاستخباري ولمسلم وأبي دود: فلما انفتل توشوش القوم بينهم، فقال:стр. 4885
الصلاة؟ قال: "وما ذاك"؟. قالوا: صليت خمسا، فسجد سجدتين بعدما سلم. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي بهذا اللفظ، إلا أن مسلما لم يقل فيه: "بعدما سلم" وعبد الله هذا هو ابن مسعود.
ففي هذه الأحاديث السجود بعد السلام. وقد اختلف في ذلك:
فقال مالك والمزني، وأبو ثور من الشافعية بالتفرقة بين ما إذا كان السهو بالنقصان أو بالزيادة، ففي الأول يسجد قبل السلام، وفي الزيادة يسجد بعده. وزعم ابن عبد البر أنه أولى من قول غيره، للجمع بين الخبرين، قال: وهو موافق للنظر، لأنه في النقص جبر، فينبغي أن يكون من أصل الصلاة، وفي الزيادة ترغيم للشيطان، فيكون خارجها.
وقال ابن دقيق العيد: لا شك أن الجمع أولى من الترجيح وادعاء النسخ،
الحواشي
(١) "ما شأنكم"؟ قالوا: يا رسول الله هل زيد في الصلاة؟ قال: لا، فتبين أن سؤالهم لذلك كان بعد استفساره لهم عن مسارتهم وهو دال على عظيم أدبهم معه ﷺ ، قال: "وما ذاك"؟ أي: ما سبب سؤالكم عن الزيادة، "قالوا: صليت خمسا، فسجد" بعد أن تكلم "سجدتين" للسهو "بعدما سلم" من الصلاة، "رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي بهذا اللفظ إلا أن مسلما لم يقل فيه بعد ما سلم وعبد الله هذا هو ابن مسعود" لأنه من رواية أهل الكوفة، وإذا أطلقوا عبد الله إنما يريدون ابن مسعود، "ففي هذه الأحاديث السجود بعد السلام".
"وقد اختلف في ذلك، فقال مالك والمزني" إسماعيل "وأبو ثور من الشافعية بالتفرقة بين ما إذا كان السهو بالنقصان أو بالزيادة، ففي الأول يسجد قبل السلام، وفي الزيادة يسجد بعده".
"وزعم ابن عبد البر أنه أولى" أحق بالاتباع "من قول غيره" أنه كله قبل السلام، أو كله بعده "للجمع بين" جنس "الخبرين" الدال أحدهما على القبل، والآخر على البعد مع صحتهما فوجب العمل بهما لإمكان الجمع بذلك، "قال: وهو موافق للنظر" أي: الفكر في حال المنظور فيه لإثبات حكمه، "لأنه في النقص جبر" للخلل، "فينبغي أن يكون من أصل الصلاة" قبل الخروج منها بالسلام "وفي الزيادة ترغيم" إغاظة وإذلال "للشيطان فيكون خارجها" ولذا لم يقل بالعكس في الجمع بين الخبرين، "وقال ابن دقيق العيد: لا شك أن الجمع أولى من الترجيح" لأحد الخبرين "و" من "ادعاء النسخ" لأحدهما لاحتياجه إلى دليل والاحتمالстр. 4886
ويترجح الجمع المذكور بالمناسبة المذكورة، وإذا كانت المناسبة ظاهرة وكان الحكم على وفقها كان علة فيعم الحكم جميعا محالها فلا يتخصص إلا بنص.
وتعقب بأن كون السجود في الزيادة ترغيما للشيطان فقط ممنوع، بل هو جبر أيضا لما وقع من الخلل، فإنه وإن كان زيادة فهو نقص في المعنى.
وقال الخطابي: لم يرجع من فرق بين الزيادة والنقصان إلى فرق صحيح. وأيضا فقصة ذي اليدين وقع فيها السجود بعد السلام وهي عن نقصان.
وأما قول النووي: أقوى المذاهب قول مالك ثم أحمد، فقد قال غيره: بل طريقة أحمد أقوى، لأنه قال: يستعمل كل حديث فيما يرد فيه، وما لم يرد فيه
الحواشي
(١) لا يكفي مع إمكان الجمع بدونه، "ويترجح الجمع المذكور بالمناسبة المذكورة" عن ابن عبد البر، "وإذا كانت المناسبة ظاهرة وكان الحكم على وفقها" من زيادة أو نقص وإن لم يكن فيما وقع منه ﷺ "كان علة" للحكم "فيعم الحكم جميع محالها" يعني خلافا لأحمد في قصره على ما ورد، "فلا يتخصص إلا بنص" ولم يوجد، إذ فعل شيء لا يقتضي تخصيصه به وقصره عليه مع ظهور العلة فيعم الحكم.
"وتعقب بأن كون السجود في الزيادة ترغيما للشيطان فقط ممنوع، بل هو جبر أيضا لما وقع من الخلل، فإنه وإن كان زيادة" في الحسر" فهو نقص في المعنى" وهذا ممنوع، فإنه لم يدع أنه للترغيم فقط كما زعم، غايته أنه لم ينظر إلى كونه نقص في المعنى، وإنما نظر إلى الحسي حتى لا يحصل التعارض، فيضطر إلى دعوى النسخ بلا دليل، أو الترجيح بلا مرجح.
"وقال الخطابي: لم يرجع" أي: لم يصر "من فرق بين الزيادة والنقصان إلى فرق صحيح" فيه أن الفرق المذكور ظاهر جدا، فضلا عن كونه لا يصح كما زعمه، "وأيضا: فقصة ذي اليدين وقع فيها السجود بعد السلام وهي عن نقصان" فيه نظر، بل هو عن زيادة، إذ فيه زيادة السلام والكلام والمشي.
"وأما قول النووي: أقوى المذاهب قول مالك" لأنه استعمل النص فيما ورد فيه، وجمع بين الأحاديث المتعارضة، وقاس على كل ما وافقه بجامع العلة، "ثم أحمد" لقوله: يسجد بعده فيما جاء فيه، فهو أقوى ممن منعه أصل وكان دون الأول، لأه قصر عن العلة التي تعمم الحكم، "فقد قال غيره" معارضا له: "بل طريقة أحمد أقوى، لأنه قال: يستعمل كل حديث فيما يرد فيه" لفظ المنقول عن أحمد: يسجد كما سجد ﷺ ففي سلامه من اثنتين بعدстр. 4887
شيء يسجد قبل السلام، قال: ولولا ما روي عن النبي ﷺ في ذلك لرأيت كله قبل السلام، لأنه من شأن الصلاة فيفعل قبل التسليم.
وعند إمامنا الشافعي: سجود السهو كله قبل السلام.
وعند الحنفية: كله بعد السلام، واعتمد الحنفية على حديث ابن مسعود هذا.
وتعقب: بأنه لم يعلم بزيادة الركعة إلا بعد السلام حين سألوه: هل زيد في الصلاة، وقد اتفق العلماء في هذه الصورة على أن سجود السهو بعد السلام لتعذره قبله، لعدم علمه بالسهو.
وأجاب بعضهم: بما وقع في حديث ابن مسعود من الزيادة. وهي: "إذا شك
الحواشي
(١) السلام لحديث ذي اليدين، وكذا إذا سلم من ثلاث بعد السلام لحديث عمران، وفي التحري بعد السلام لحديث ابن مسعود، وفي القيام من اثنتين قبل السلام لحديث ابن بحينة، وفي الشك يبني على اليقين ويسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد وابن عوف، "وما لم يرد فيه شيء يسجد قبل السلام" لأنه يتم ما نقص من صلاته.
"قال" أحمد"، "ولولا ما روي عن النبي ﷺ في ذلك لرأيت كله قبل السلام، لأنه من شأن الصلاة فيفعل قبل التسليم" فكان السجود عنده فيما ورد بعده تعبديا، وكيف يزعم هذا الزاعم أنه أقوى ردا على النووي مع ظهور العلة المقتضية لعمومها في جميع محالها.
وقال إسحاق بن راهويه مثله إلا أنه قال: ما لم يرد فيه شيء يفرق بين الزيادة والنقصان، فحرز مذهبه من قول مالك وأحمد، وزعم الحافظ أنه أعدل المذاهب فيما يظهر، وأما داود: فحري على ظاهريته، فقال: لا يشرع إلا في المواضع الخمس التي سجد فيها ﷺ .
"وعند إمامنا الشافعي: سجود السهو كله قبل السلام" وتعسفوا له الجواب عما ورد قبله بدعوى النسخ والترجيح ونحو ذلك.
"وعند الحنفية: كله بعد السلام، واعتمد الحنفية على حديث ابن مسعود" السابق آنفا، "وتعقب بأنه لم يعلم بزيادة الركعة إلا بعد السلام حين سألوه: هل زيد في الصلاة؟ وقد اتفق العلماء في هذه الصورة على أن سجود السهو بعد السلام لتعذره قبله لعدم علمه بالسهو" فلا يصح الاستدلال به على أن كله بعد السلام.
"وأجاب بعضهم" أي: الحنفية "بما وقع في حديث ابن مسعود" عند الشيخين "منстр. 4888
أحدكم فليتحر الصواب، فليتم عليه ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين".
وأجيب: بأنه معارض بحديث أبي سعيد عند مسلم، ولفظه: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم". وبه تمسك الشافعية.
وجمع بعضهم بينهما بحمل الصورتين على حالتين، ورجح البيهقي طريقة التخيير في سجود السهو قبل السلام أو بعده. ونقل الماوردي الإجماع على الجواز، وإنما الخلاف في الأفضل، وكذا أطلق النووي.
وتعقب: بأن إمام الحرمين نقل في "النهاية" الخلاف في الإجزاء عن المذهب, واستبعد القول بالجواز.
الحواشي
(١) الزيادة، وهي: "إذا شك أحدكم" بأن استوى عنده الطرفان "فليتحر" أي: يقصد "الصواب، فليتم عليه ثم يسلم ثم يسجد سجدتين" فقد صرح بأن السجود بعد السلام.
"وأجيب بأنه معارض بحديث أبي سعيد عند مسلم، ولفظه" مرفوعا: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى فليطرح الشك" بأن لا يعمل عليه، "وليبن على ما استيقن" أي: تيقن، "ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم". "وبه تمسك الشافعية" لقولهم: كله قبل السلام، فطرح كل من المذهبين أحد الحديثين، "وجمع بعضهم بينهما بحمل الصورتين على حالتين" كأحمد، حيث قال: الشك على وجهين اليقين والتحري، فمن رجع إلى اليقين ألغى الشك وسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد، وإذا رجع إلى التحري وهو أكثر الوهم سجد بعد السلام على حديث ابن مسعود.
"ورجع البيهقي طريقة التخيير في سجود السهو قبل السلام أو بعده" سواء كان عن نقص أو زيادة، حملا للأخبار على أنها من الاختلاف الجائز، "ونقل الماوردي" وابن عبد البر "الإجماع على الجواز، وإنما الخلاف في الأفضل، وكذا أطلق النووي" الإجماع، "وتعقب بأن إمام الحرمين نقل في النهاية الخلاف في الإجزاء عن المذهب" أي: مذهب الشافعي، "واستبعد القول بالجواز" وكذا نقل القرطبي الخلاف في مذهب مالك وهو خلاف قول ابن عبد البر: لا خلاف عن مالك أنه لو سجد للسهو قبل السلام أو بعده لا شيء عليه، فجمع بأن الخلاف بين أصحابه والخلاف عند الحنفية أيضا.
قال القدوري: لو سجد قبل السلام، روي عن بعض أصحابنا: لا يجوز لأنه قبل وقته، وقال صاحب الهداية: الخلاف في الأولوية.стр. 4889
ويمكن أن يقال: الإجماع الذي نقله الماوردي والنووي قبل هذه الآراء في المذاهب المذكورة والله أعلم. قاله الحافظ ابن حجر ﵀.
ولو سها سهوين فأكثر، كفاه عند الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد والجمهور سجدتان للجميع. والجمهور: أنه يسجد للسهو في التطوع كالفرض.
الحواشي
(١) وقال ابن قدامة الحنبلي: من ترك السجود الذي قبل السلام بطلت صلاته إن تعمد، وإلا تداركه ما لم يطل الفصل، هكذا في فتح الباري قبل قوله: "ويمكن أن يقال الإجماع الذي نقله الماوردي والنووي قبل هذه الآراء في المذاهب" الأربعة "المذكورة" لمتأخريهم والله أعلم.
"قاله الحافظ ابن حجر ﵀" وبما حذفه من كلامه الذي ذكرته يتضح جمع المذاهب ووصفها بالمذكورة "ولو سها سهوين فأكثر، كفاه عند الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد والجمهور سجدتان للجميع" لحديث ذي اليدين، فقد تكرر فيه سهو في أمور كل واحد منه لو انفرد طلب له السجود، ومع ذلك سجد سجدتين، ففيه أنه لا يتكرر بتكرر السهو ولو اختلف جنسه خلافا للأوزاعي.
وعند ابن أبي شيبة عن النخعي والشعبي: "لكل سهو سجدتان" ورواه أحمد عن ثوبان مرفوعا وإسناده منقطع، وحمل على أن معناه: من سها، وكان شرع له السجود، أي: لا يختص بما سجد فيه الشارع.
وروى البيهقي عن عائشة: "سجدتا السهو يجزيان من كل زيادة ونقصان"، "والجمهور إنه يسجد للسهو في التطوع، كالفرض" لشمول قوله في حديثي أبي سعيد وابن مسعود: إذا شك أحدكم في صلاته للفرض والتطوع وخالف عطاء وابن سيرين وقتادة، فقالوا: لا سجود سهو في النافلة.
وقد اختلف في إطلاق الصلاة عليهما هل هو من الاشتراك اللفظي أو المعنوي؟ وإليه ذهب جمهور الأصوليين لجامع ما بينهما من التوافق في بعض الشروط، التي لا تنفك، ومال الرازي إلى الأول لما بينهما من التباين في بعض الشروط لكن طريقة من أعمل المشترك في معانيه عند التجرد تقتضي دخول النافلة أيضا في هذه العبارة.стр. 4890
الفصل الخامس: فيما كان ﷺ يقوله بعد انصرافه من الصلاة وجلوسه بعدها وسرعة انفتاله بعدها
عن ثوبان: كان النبي ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا وقال: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام". رواه مسلم.
ولم يمكث مستقبل القبلة إلا بمقدار ما يقول ذلك.
وقد ثبت أنه كان إذا صلى أقبل على أصحابه.
الحواشي
(١) الفصل الخامس: فيما كان ﷺ يقوله بعد انصرافه من الصلاة
أي: خروجه منها بالسلام "وجلوسه" أي: مقداره "بعدها وسرعة انفتاله" بنون ففاء ففوقية، أي: انصرافه "بعدها عن ثوبان: كان النبي ﷺ إذا انصرف من صلاته" أي: خرج منها بالتسليم "استغفر" أي: طلب المغفرة من الله "ثلاثا" من المرات.
زاد في رواية البزار: ومسح جبهته بيده اليمنى، قيل للأوزاعي أحد رواته، كيف الاستغفار؟ قال: يقول استغفر الله كما في مسلم، قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي: استغفاره عقب الفراغ من الصلاة استغفار من رؤية الصلاة، "وقال" بعد الاستغفار: ولفظ مسلم ثم قال: والظاهر أن التراخي ليس بمراد هنا، "اللهم أنت السلام" أي: المختص بالتنزه عن النقائص والعيوب لا غيرك، "ومنك السلام" لا من غيرك، فقدم الخير للتخصيص، أي: وإليك يعود السلام، لأن غيرك في معرض النقصان، والخوف مفتقر إليك، لا ملجأ ولا ملاذ له سواك، فإذا شوهد ظاهرا أن أحدًا سلم من غيره، فهو بالحقيقة راجع إليك وإلى توفيقك إياه، قاله بعضهم، وقال التوربشتي: أرى قوله: "ومنك السلام" واردا مورد البيان لقوله: "أنت السلام"، وذلك أن الموصوف بالسلامة فيا يتعارفه الناس لما كان قد يعرضه آفة تصيبه بضرر، وهذا لا يتصور في صفاته تعالى بين أن وصفه سبحانه بالسلام لا يشبه أوصاف الخلق، فإنهم بصدد الافتقار وهو المتعالي عن ذلك، فهو السلام الذي يعطي السلامة ويمنعها ويبسطها ويقبضها، "تباركت" تعظمت وتمجدت، أو جئت بالبركة، وأصل الكلمة للدوام والثبات ومنه البركة، ولا تستعمل هذه اللفظة إلا لله تعالى عما تتوهمه الأوهام "يا ذا الجلال" العظمة "والإكرام" الإحسان، "رواه مسلم" وأحمد وأصحاب السنن الأربعة، "ولم يمكث مستقبل القبلة إلا بمقدار ما يقول ذلك، وقد ثبت أنه كان إذا صلى" صلاة، أي: فرع منها "أقبل على أصحابه".
ففي البخاري وغيره عن سمرة: كان النبي ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه، قالстр. 4891
فيحمل ما ورد من الدعاء بعد الصلاة على أنه كان يقوله بعد أن يقبل على أصحابه بوجهه الشريف، فقد كان ﵇ يسرع الانفتال إلى المأمومين، وكان ينفتل عن يمينه وعن شماله.
وقال ابن مسعود: رأيته ﷺ كثيرا ينصرف عن يساره، رواه الشيخان. وقال أنس أكثر ما رأيته ﷺ ينصرف عن يمينه رواه مسلم.
الحواشي
(١) الزين بن المنير استدبار الإمام المأمومين إنما هو لحق الإمامة، فإذا انقضت الصلاة زال السبب، فاستقبالهم حينئذ يرفع الخيلاء والترفع على المأمومين، وقال غيره: حكمة ذلك تعريف الداخل بانقضاء الصلاة، إذ لو بقي الإمام على حاله لوهم أنه في التشهد مثلا، وما اقتضاه من جعل ظهره للقبلة ليس بمراد، فقد روى أبو داود عن يزيد بن الأسود: كان ﷺ إذا انصرف انحرف، أي: إلى جهة شقه الأيمن أو الأيسر، والأفضل جعل يمينه إلى المحراب ويساره إلى الناس عند الحنفي، وعكسه عند الشافعي، ورجح بعضهم الصفة الأولى في محراب المدينة، لأنه إن فعل الثانية استدبر النبي ﷺ وهو قبله آدم، فمن بعده من الأنبياء، "فيحمل ما ورد من الدعاء بعد الصلاة على أنه كان يقوله بعد أن يقبل على أصحابه بوجهه الشريف" وإقباله إنما كان بعد الاستغفار" فقد كان ﵇ يسرع الانفتال" بنون ففاء ففوقية، أي: الانصراف "إلى المأمومين، وكان ينفتل" ينصرف "عن يمينه" كثيرا "وعن شماله" قليلا لبيان الجواز، فلا ينافي أن الأفضل التيامن.
"وقال ابن مسعود" لا يجعل أحدكم للشيطان شيئا، ولمسلم: جزءا من صلاته يرى أن حقا عليه أن ل ينصرف إلا عن يمينه، لقد "رأيته ﷺ كثيرا ينصرف عن يساره" استنبط منه ابن المنير أن المندوب قد ينقلب مكروها إذا خيف على الناس أن يرفعوه عن رتبته، لأن التيامن مستحب في كل شيء أي من أمور العبادة، لكن لما خشي ابن مسعود أن يعتقد وجوبه أشار إلى كراهته.
وقال أبو عبيدة لمن انصرف عن يساره: هذا أصاب السنة يريد والله أعلم حيث لم يلزم التيامن على أنه سنة مؤكدة أو واجب، وإلا فمن يظن أن التياسر سنة حتى يكون التيامن بدعة، إنما البدعة في رفع التيامن عن رتبته، "رواه الشيخان" عن ابن مسعود، لكن لفظ مسلم عنه: أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن شماله، "وقال أنس: أكثر ما رأيته ﷺ ينصرف عن يمينه، رواه مسلم" من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، قال: سألت أنسا كيف أنصرف إذا صليت عن يميني أو عن يساري، قال: أما أنا فأكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن يمينه.
قال الحافظ: رواية البخاري يعني لحديث ابن مسعود لا تعارض حديث أنس، يعني: لأنстр. 4892
وقالت أم سلمة: كان ﷺ إذا سلم مكث في مكانه يسيرا، قال الزهري: فنرى -والله أعلم- لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال رواه البخاري.
الحواشي
(١) رواية البخاري دلت على كثرة انصرافه عن يساره وهو لا يستلزم أنه الأكثر بل يشعر بأن الأكثر، انصرافه عن يمينه وهو ما ذكره أنس، قال -أعني الحافظ: أما رواية مسلم، أي: لحديث مسعود فظاهرها التعارض، لأنه عبر في كل منهما بصيغة أفعل، وجمع النووي بينهما، بأنه ﷺ كان يفعل تارة هذا وتارة هذا، فأخبر كل بما اعتقد أنه الأكثر، وإنما كره ابن مسعود أن يعتقد وجوب الانصراف عن اليمين، وجمع الحافظ بحمل حديث ابن مسعود على حالة الصلاة في المسجد، لأن حجره ﷺ كانت من جهة يساره، وحمل حديث أنس على ما سوى ذلك كحال السفر، ثم إذا تعارض اعتقاد ابن مسعود وأنس رجح ابن مسعود، لأنه أعلم وأسن وأجل وأكثر ملازمة للنبي ﷺ وأقرب إلى ترقبه في الصلاة من أنس، وبأن في حديث أنس من تكلم فيه وهو السدي، وبأنه متفق عليه بخلاف حديث أنس في الأمرين، وبأن رواية ابن مسعود توافق ظاهر الحال، لأن حجر النبي ﷺ كانت على جهة يساره كما مر، ثم ظهر لي أنه يمكن الجمع بوجه آخر، وهو أن من قال: كان أكثر انصرافه عن يساره نظر إلى هيئته في حال الصلاة، ومن قال: كان أكثر انصرافه عن يمينه نظر إلى هيئته في حال استقباله القوم بعد سلامه من الصلاة، فعلى هذا لا يختص الانصراف بجهة معينة، ومن ثم قال العلماء: يستحب الانصراف إلى جهة حاجته، لكن إذا استوت الجهتان في حقه فاليمين أفضل لعموم الأحاديث المصرحة بفل التيامن كحديث عائشة: كان يحب التيامن ... إلخ. انتهى.
"وقالت أم سلمة" أم المؤمنين: "كان ﷺ إذا سلم" من الصلاة "مكث في مكانه" الذي صلى فيه "يسيرا".
"قال الزهري" محمد بن مسلم راوي الحديث عن هند بنت الحارث عن أم سلمة "فنرى"، "بضم النون" أي: نظن "والله أعلم" أن مكثه ﷺ في مكانه "لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال" وفي لفظ: لكي ينفذ من ينصرف من النساء، وفي أخرى: لكي ينفذ النساء قبل أن يدركهن من انصرف من القوم، "رواه البخاري" في مواضع ثلاثة متقاربة، وفي كل موضع ذكر تعليل الزهري كما ذكرت واختلاف ألفاظه من الرواة والمعنى واحد.
قال الحافظ: وفي الحديث مراعاة الإمام أحوال المأمومين واحتياط في اجتناب ما قد يفضي إلى المحذور، واجتناب مواقع التهم وكراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات فضلا عن البيوت، ومقتضى التعليل المذكور أن المأمومين إذا كانوا رجالا فقط لا يستحب هذا المكث،стр. 4893
وقالت عائشة: كان إذا أسلم لا يقعد إلا مقدار ما يقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام". رواه مسلم.
وهذا الحديث يتمسك به من قال إن الدعاء بعد الصلاة لا يشرع.
والجواب: أن المراد بالنفي المذكور نفي استمراره ﵇ جالسا على هيئته قبل السلام إلا بقدر أن يقول ما ذكر.
الحواشي
(١) وعليه حمل ابن قدامة حديث عائشة، فذكر الحديث المسوق بقوله، "وقالت عائشة: كان" ﷺ "إذا سلم" من الصلاة "لا يقعد" في مصلاه "إلا مقدار ما يقول": "اللهم أنت السلام" أي السلام من كل ما لا يليق بجلال الربوبية وكمال الألوهية، "ومنك" لا من غيرك، لأنك أنت "السلام" الذي تعطي السلامة لا غيرك وإليك يعود السلام، وكل ما يشاهد من سلامة، فإنه لم تظهر إلا منك ولا تضاف إلا إليك، "تباركت يا ذا الجلال" العظمة "والإكرام" الإحسان، أي: تعاظمت وارتفعت شرفا وعزة وجلالا.
قال البيضاوي: إنما ذلك في صلاة بعدها راتبة، أما التي لا راتبة بعدها كالصبح فلا. قال غيره لما صح أنه ﷺ كان يقعد بعد الصبح في مصلاه حتى تطلع الشمس، "رواه مسلم" وأصحاب السنن الأربعة، "وهذا الحديث يتمسك به من قال: إن الدعاء بعد الصلاة لا يشرع" للحصر بأنه إنما كان يقعد بقدر ما يقول ذلك.
"والجواب أن المراد بالنفي المذكور" بقوله لا يقعد "نفي استمراره ﵇ جالسا على هيئته قبل السلام إلا بقدر أن يقول ما ذكر" فليس نفيا مطلقا حتى يكون حجة لعدم مشروعية الدعاء، قال الحافظ: يؤخذ من مجموع الأدلة أن للإمام أحوالا، لأن الصلاة إما أن تكون مما يتطوع بعدها أو لا، الأول اختلف هل يتشاغل قبل التطوع بالذكر المأثور عليه الأكثر أو يبدأ بالتطوع وعليه الحنفية، وحجة الجمهور حديث معاوية: إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاتك حتى تتكلم أو تخرج، فإن النبي ﷺ أمرنا بذلك، ويؤيده تقييده في الأخبار الصحيحة بدبر الصلاة، وزعم بعض الحنابلة أن المراد بدبر الصلاة ما قبل السلام، تعقب بحديث ذهب أهل الدثور، ففيه يسبحون دبر كل صلاة وهو بعد السلام جزما، فكذا ما شابهه، وأما الصلاة التي لا يتطوع بعدها، فيتشاغل الإمام ومن معه بالذكر المأثور ولا يتعين له مكان، بل إن شاءوا انصرفوا وذكروا، وإن شاءوا مكثوا وذكروا، وعلى الثاني إن كان الإمام عادة أن يعلمهم أو يعظهم، فيستحب أن يقبل عليهم جميعا، وإن كان لا يزيد على الذكر المأثور فهل يقبل عليهم جميعا، أو ينفتل فيجعل يمينه من قبل المأمومين ويساره من قبل القبلة ويدعو الثاني، هو الذيстр. 4894
وكان يقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا
الحواشي
(١) جزم به أكثر الشافعية، ويحتمل أن قصر زمن ذلك أن يستمر مستقبلا للقبلة، لأنها أليق بالدعاء ويحمل الأول على ما لو طال الذكر والدعاء. انتهى.
"وكان" ﷺ "يقول" في دبر كل صلاة مكتوبة كما في البخاري ولمسلم: كان إذا فرغ من الصلاة وسلم، وله أيضا: إذا قضى الصلاة "لا إله إلا الله" بالرفع خبر لا، أو على البدل من الضمير المستتر في الخبر المقدر، أو من اسم لا باعتبار محله قبل دخولها عليه "وحده" نصب حال، أي منفردا "لا شريك له" تأكيد لوحدانيته، فالمتصف بالوحدانية لا شريك له "له الملك" بضم الميم، أي: أصناف المخلوقات "وله الحمد".
زاد الطبراني من طريق آخر رواته ثقات عن المغيرة: يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير "وهو على كل شيء قدير" ولأحمد والنسائي وابن خزيمة أنه ﷺ كان يقول ذلك ثلاث مرات. "اللهم لا مانع لما أعطيت" أي: الذي أعطيته، أي: أردت إعطاءه، وإلا فبعد الإعطاء من كل أحد لا مانع، إذ الواقع لا يرتفع "ولا معطي لما منعت" أي: الذي منعته.
زاد عبد بن حميد في مسنده: ولا إرادة لما قضيت، لكن حذف قوله: ولا معطي لما منعت، ورواه الطبراني تاما من وجه آخر، وقد أجاز البغداديون ترك تنوين الاسم المطول فأجاز، وإلا طالع جبل أجروه في ذلك مجرى المضاف، كما أجرى مجراه في الإعراب.
قال الجمال بن هشام: وعلى ذلك يتخرج الحديث، قال البدر الدماميني: بل يتخرج على قول البصريين أيضا بجعل مانع اسم لا مفردا مبنيا معها، إما لتركبه معها تركيب خمسة عشر، وإما لتضمنه معنى من الاستغراقية على الخلاف المعروف في المسألة والخبر محذوف، أي: لا مانع لما أعطيت واللام للتقوية، فلك أن تقول: تتعلق، وأن تقول: لا تتعلق، وكذا القول في: ولا معطي لما منعت، وجوز الحذف ذكر مثل المحذوف، فحسنه دفع التكرار، فظهر بذلك أن التنوين على رأي البصريين ممتنع، ولعل السر في العدول، عن تنوينه إرادة التنصيص على الاستغراق، ومع التنوين يكون الاستغراق ظاهرا لا نصا. انتهى.
"ولا ينفع ذا الجد، منك الجد" بفتح الجيم فيهما في جميع الروايات ومعناه الغنى كما نقله البخاري عن الحسن أو الحظ، وقيل: أبو الأب: أي: لا ينفع أحدًا نسبه، وعن أبي عمرو الشيباني، أنه رواه بالكسر، وقال: معناه ذا الاجتهاد اجتهاده، وأنكره الطبري ووجهه القزاز، بأن الاجتهاد في العمل نافع، لأن الله قد دعا الخلق إليه، فكيف لا ينفع عنده، قال: فيحتمل أن المراد الاجتهاد في طلب الدنيا وتضييع أمر الآخرة، وقال غيره: لعل المراد لا ينفع بمجرده ما لم يقارنه القبول، وذلك لا يكون إلا بفضل الله ورحمته، وقيل: المراد السعي التام في الحرصстр. 4895
الجد منك الجد". رواه الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة.
وكان يقول بأعلى صوته: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله
الحواشي
(١) أو الإسراع في الهرب.
قال النووي: الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور، أنه بالفتح، وهو الحظ في الدنيا بالمال أو الولد، أو العظمة أو السلطان، والمعنى: لا ينجيه حظه منك وإنما ينجيه فضلك ورحمتك، ومن قوله: منك بمعنى البدل، كقوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] أي بدل الآخرة، جزم به الخطابي واختاره في المغني، وفي الصحاح: معنى من هنا عندك، أي: لا ينفع ذا الغنى عندك غناه، وإنما ينفعه العمل الصالح.
وقال بعضهم: ليست للبدل ولا بمعنى عند، بل المعنى من قضائك أو سطوتك أو عذابك، وقال ابن دقيق العيد: يجب تعلق قوله منك ينتفع مضمنا معنى يمنع وما قاربه، ولا يجوز تعلقه بالجد، كما يقال: حظي منك كبير، لأن ذلك نافع وفيه استحباب هذا الذكر عقب الصلوات لما اشتمل عليه من ألفاظ التوحيد ونسبة الأفعال إلى الله تعالى، والمنع والإعطاء وتمام القدرة، "رواه الشيخان" البخاري في الصلاة والاعتصام والرقاق والقدر والدعوات ومسلم في الصلاة، وكذا أبو داود والنسائي، كلهم "من حديث المغيرة بن شعبة" أن معاوية كتب إلى المغيرة اكتب إلي ما سمعت النبي ﷺ يقول خلف الصلاة، فأملى المغيرة على كاتبه وراد أن النبي ﷺ كان، فذكره, وفيه العمل بالمكاتبة وإجراؤها مجرى السماع في الرواية ولو لم تقترن بالإجازة والاعتماد على خبر الواحد.
وعند البخاري في القدر قال: وراد، ثم قدمت بعده على معاوية، فسمعته يأمر الناس بذلك، ففيه المبادرة إلى امتثال السنن واتباعها، وزعم بعضهم أن معاوية كان سمع الحديث المذكور، وإنما أراد الاستثبات من المغيرة وكان حينئذ نائبه على الكوفة، واحتج بما في الموطأ من وجه آخر عن معاوية أنه قال على المنبر: أيها الناس إنه لا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع الله، ولا ينفع ذا الجد منه الجد، من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، ثم قال: سمعت هؤلاء الكلمات من رسول الله ﷺ على هذه الأعواد، "وكان يقول بأعلى صوته" لفظ مسلم: كان ابن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم، فذكر الحديث، وفي آخره: كان رسول الله ﷺ يهلل بهن في دبر كل صلاة، وفي رواية له: كان ابن الزبير يخطب على المنبر ويقول: كان رسول الله ﷺ إذا سلم يقول في دبر الصلوات أو الصلاة، فذكره ولم يقع فيه لفظ بأعلى صوته، فكأن المصنف أخذه من قوله: يهلل بهن، لأن الإهلال رفع الصوت "لا إله إل الله وحده لا شريك له" عقلا ونقلا، ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ، و ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِстр. 4896
الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن الجميل، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون". رواه مسلم من حديث عبد الله بن الزبير.
وعن سعد بن أبي وقاص أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات ويقول: إن رسول الله ﷺ كان يتعوذ بهن دبر الصلاة: "اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ
الحواشي
(١) إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ , ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في آيات أخر، "له الملك وله الحمد" في الأولى والآخرة "وهو على كل شيء قدير لا حول" لا تحول عن المعصية "ولا قوة" على الطاعة "إلا بالل" هكذا فسره النبي ﷺ وقال: هكذا أخبرني جبريل "لا إله إلا الله" أعاده تلذذا بذكره، "ولا نعبد إلا إياه" أي: نخصه بالعبادة "له النعمة" مفرد بمعنى الجمع، أي: النعم السوابغ التي لا تحصى بالعد، "وله الفضل وله الثناء" بمثلثة فنون والمد الوصف بالمدح "الحسن الجميل لا إله إلا الله مخلصين" حال مع أنه جمع، والله واحد على تقدير محذوف هو نعبده مخلصين، ومن حذف الفعل وما اتصل به من مفعول أو فاعل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] قالوا: تقديره واعتقدوا الإيمان، أي: جعلوه ملجأ لهم في عبادتهم، "له الدين" بأن لا نعبد معه غيره ولا نذكر غيره معه من أهل أو مال أو غيرهما، بل نعبده ونذكره دون كل مخلوق "ولو كره الكافرون" إفرادنا إياه بالعبادة وعادونا لذلك وأظهروا العداوة. "رواه مسلم" في الصلاة "من حديث عبد الله بن الزبير" بن العوام أمير المؤمنين.
"وعن سعد بن أبي وقاص" مالك الزهري أحد العشرة، "أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات" الخمس، وفي رواية قال: تعوذوا بكلمات كان النبي ﷺ يتعوذ بهن، وفي أخرى، عن سعد كان يأمر بهؤلاء الخمس ويحدثهن عن النبي ﷺ وفي أخرى: كان سعد يأمر بخمس ويذكرهن عن النبي ﷺ أنه كان يأمر بهن والكل في البخاري، "ويقول: إن رسول الله ﷺ كان يتعوذ بهن" عبودية وإرشادا لأمته "دبر" بضم الدال والموحدة وقد تسكن، أي: عقب "الصلاة": "اللهم إني أعوذ" أستجير وأعتصم، ولفظه لفظ الخبر ومعناه الدعاء، ففيه تحقيق الطلب كما قيل في غفر الله لك بلفظ الماضي.
"بك" بياء الإلصاق المعنوي، إذ لا يلتصق شيء بالله ولا صفاته، لكنه التصاق تخصيص، كأنه خص الله بالاستعاذة، قال الفخر: ولم يقل بالله أعوذ مع أن تقديم المعمول يفيد الحصر عند طائفة، لأن الإتيان بلفظ الاستعاذة امتثال للأمر، وقال غيره: لأن تقديم المعمول تفنن وانبساط والاستعاذة هرب إلى الله تعالى وتذلل "من الجبن" بضم فسكون ضد الشجاعة، "وأعوذ بك من البخل" بضم فسكون، وبفتحتين بمعنى واحد، وبالثاني: قرأ الكسائي وحمزة ضد الكرم، أي: بشيء منстр. 4897
بك من البخل، أو أعوذ بك من أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر". رواه البخاري.
وعن زيد بن أرقم كان رسول الله ﷺ يقول في دبر كل صلاة: "اللهم ربنا ورب كل
الحواشي
(١) الخير سواء كان مالا أو علما أو جاها أو نحو ذلك، والجواد إما بالنفس ويسمى شجاعة ويقابلها الجبن، وإما بالمال ويسمى سخاوة ويقابلها البخل، ولا تجتمع السخاوة والشجاعة إلا في نفس كاملة، ولا ينعدمان إلا في نفس تناهت في النقص، فاستعاذ منهما كما لا يخفى، "وأعوذ بك من أرذل العمر" بذال معجمة الهرم الشديد المضعف للقوة والعقل والفهم الذي فيه تناقص الأحوال من الخوف وضعف الفكر حتى لا يعلم ما كان يعلم قبل، وهو أسوأ العمر.
قال الطيبي: المطلوب عند المحققين من العمر التفكر في آلاء الله ونعمائه تعالى من خلق الموجودات فيقوموا بواجب شكره بالقلب والجوارح، والخوف المنافي لهما كالشيء الرديء، فينبغي أن يستعاذ منه، وفي روايات للبخاري: "وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر". "وأعوذ بك من فتنة الدنيا" يعني: فتنة الدجال كما عند البخاري في بعض المواضع، وقائل ذلك كما عند الإسماعيلي عبد الملك بن عمير وهو راوي الحديث عن مصعب بن سعد عن أبيه، وفي إطلاق فتنة الدنيا على الدجال إشارة إلى أن فتنته أعظم الفتن الكائنة في الدنيا "وعذاب القبر" من إضافة المظروف إلى ظرفه وهو ما فيه من الأهوال والشدائد. في رواية و "أعذ بك من عذاب القبر". "رواه البخاري" في كتاب الدعوات في ثلاثة مواضع متقاربة وفي غيره وفي بعضها اختلاف بالتقديم والتأخير ولا يضر ذلك.
"وعن زيد بن أرقم قال: كان رسول الله ﷺ يقول في دبر" بضمتين، قال الأزهري: دبر الأمر، يعني بضمتين ودبره، يعني: بضم فسكون آخره وادعى أبو عمرو الزاهد أنه لا يقال بالضم إلا للجارحة، ورد بمثل قولهم أعتق غلامه عن دبر، أي: عقب "كل صلاة" ظاهره يشمل الفرض والنفل، لكن حمل أكثر العلماء حديث: "تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين". على الفرض لقوله في رواية لمسلم مكتوبة حملا للمطلقات عليها، والظاهر أن يقال مثله في هذا الحديث، وهل يكون التشاغل بعد المكتوبة بالراتبة بعدها فاصلا بينها وبين الذكر المذكور أو لا.
قال الحافظ: محل نظر، قال: ومقتضى الحديث أن الذكر المذكور يقال عند فراغ الصلاة، فإن تأخر وقل بحيث لا يعد معرضا، أو نسي، أو تشاغل بما ورد أيضا بعد الصلاة كآية الكرسي فلا يضر، "اللهم" يا "ربنا" ويا "رب كل شيء" في النداء بلفظ: "رب" بعد "اللهم"стр. 4898
شيء، أنا شهيد أنك الرب وحدك لا شريك لك، اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أن محمدًا عبدك ورسولك، اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة، اللهم ربنا ورب كل شيء، اجعلني مخلصا لك وأهلي في كل ساعة من الدنيا والآخرة، يا ذا الجلال والإكرام اسمع واستجب، الله أكبر الله أكبر، الله نور السموات والأرض، الله أكبر حسبي الله ونعم الوكيل، الله أكبر الله أكبر". رواه
الحواشي
(١) الجامع لمعاني الأسماء مزيد الاستعطاف والتذلل، لأنه مقام دعاء "أنا شهيد" فعيل بمعنى فاعل "إنك الرب وحدك لا شريك لك" في شيء، "اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن محمدا عبدك ورسولك" قدم العبودية، لأن له مزيد شرف بها، ولأنه كان عبدا قبل أن يكون رسولا كما ورد، "اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة" في الوجود والعبودية ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٢] ، وقال ابن رسلان: لأن أباهم آدم وحواء، وأنهم كلهم إخوة في الدين لا شرف لبعضهم على بعض إلا بالتقوى وزيادتها. انتهى.
فحمل العباد على بني آدم ثم على المؤمنين، مع أن قوله العباد عام، لا سيما وقد أكده بكلهم، "الله ربنا ورب كل شيء اجعلني مخلصا" أي: وفقني للإخلاص "لك وأهلي" أقاربه وأزواجه "في كل ساعة م الدنيا والآخرة" بإعطائنا فيها ثواب المخلصين "يا ذا الجلال" العظمة "والإكرام" الإحسان "اسمع واستجب" عطف تفسير، إذ المراد بطلب السماع استجابة الدعاء كما قالوا في سمع الله لمن حمده.
وقال ابن رسلان: اسمع دعائي والله تعالى يسمع كل مسموع لا يغرب عن إدراكه مسموع وإن خفي، لكن المراد سماع مخصوص بالإقبال على الداعي والإحسان إليه واستجب، أي: أجب دعائي "الله أكبر، الله أكبر" مرتين كما في أبي داود، فلا عبرة بما في نسخ ثلاثا وفيه التكبير عقب الصلاة.
وفي الصحيحين عن ابن عباس: كنت أعرف انقضاء صلاة النبي ﷺ بالتكبير، ولمسلم: ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير.
قال عياض: الظاهر أنه لم يكن يحضر الجماعة، لأنه كان صغيرا ممن لا يواظب على ذلك ولا يلزم به، فكان يعرف انقضاءها بالتكبير.
وقال غيره: يحتمل أنه حاضر في أواخر الصفوف، فكان لا يعرف انقضاءها بالتسليم، وإنما يعرفه بالتكبير.
قال ابن دقيق العيد: ويؤخذ منه أنه لم يكن هناك مبلغ جهير الصوت يسمع من بعد "الله نور السموات والأرض" أي: منورهما أو هادي أهلهما أو منور قلوب المؤمنين أو ذو بهجةстр. 4899
أبو داود وأحمد.
ورأيت في كتاب "الهدي" لابن القيم: وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة، سواء للمنفرد والإمام والمأموم، فلم يكن ذلك من هدي النبي ﷺ أصلا، ولا روي عنه بإسناد صحيح، ولا حسن، وخص بعضهم ذلك بصلاتي الفجر والعصر، ولم يفعله النبي ﷺ ولا الخلفاء بعده، ولا أرشد إليه أمته، وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضا عن السنة بعدهما.
قال: وغاية الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها، وأمر بها فيها، قال: وهذا هو الأليق، بحال المصطفى، فإنه مقبل على ربه مناجيه، فإذا سلم منها انقطعت المناجاة، وانتهى موقفه وقربه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب
الحواشي
(١) وجمال أو خالق النور، إذ النور عرض تعالى الله عنه "الله أكبر حسبي الله" كافي "ونعم الوكيل" هو "الله أكبر، الله أكبر" مرتين،"رواه أبو داود وأحمد" وكذا النسائي، كلهم من طريق أبي مسلم البجلي عن زيد والبزار والطبراني برجال ثقات.
عن أنس: كان ﷺ إذا صلى وفرغ من صلاته مسح بيمينه على رأسه، وفي لفظ على جبهته، وقال: "بسم الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، اللهم أذهب عني الهم والحزن" وفي لفظ: الغم والحزن، وللبزار وأبي يعلى بسند ضعيف عن أنس: ما صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة مكتوبة قط إلا قال حين أقبل علينا بوجهه: "اللهم إني أعوذ بك من كل عمل يخزيني، وأعوذ بك من كل صاح يرديني، وأعوذ بك من كل أمل يلهيني، وأعوذ بك من كل فقر ينسيني، وأعوذ بك من كل غنى يطغيني". ولأبي يعلى عن أبي سعيد: كان ﷺ يقول بعدما يسلم: "سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين"، وللطبراني عن ابن عباس: كنا نعرف انصراف رسول الله ﷺ بقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ إلى آخرة السورة.
"ورأيت في كتاب الهدي لابن القيم، وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة سواء للمنفرد والإمام والمأموم فلم يكن ذلك من هدي النبي ﷺ ، ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن، وخص بعضهم ذلك بصلاتي الفجر"، أي: الصبح "والعصر ولم يفعله النبي ﷺ ولا الخلفاء بعده، ولا أرشد إليه أمته، وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضا من السنة بعدهما" لأنه لا يتنفل بعدهما، فالمعنى بدلا من السنة التي تفعل بعد غيرهما.
"قال" ابن القيم: "وغاية الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر به فيها" يأتي رده، "قال: وهذا هو الأليق بحال المصطفى فإنه مقبل على ربه مناجيه" في الصلاة، "فإذا سلم منها انقطعت المناجاة وانتهى موقفه وقربه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقربстр. 4900
منه وهو مقبل عليه، ثم يسأله إذا انصرف عنه.
ثم قال: لكن الأذكار الواردة بعد المكتوبة يستحب لمن أتى بها أن يصلي على النبي ﷺ بعد أن يفرغ منها، ويدعو بما شاء ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة الثانية، وهي الذكر الوارد بعد المكتوبة، لا لكونه دبر المكتوبة، انتهى.
وقد كان في خاطري من دعواه "النفي مطلقا" شيء لما يأتي، ثم رأيت شيخ مشايخنا إمام الحفاظ أبا الفضل بن حجر تعقبه فقال:
وما ادعاه من النفي مطلقا مردود، فقد ثبت عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: "يا معاذ والله إني لأحبك، فلا تدع دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني
الحواشي
(١) منه" قربا معنويا "وهو مقبل عليه، ثم يسأله إذا انصرف عنه" وهذا ليس بشيء، فإنه ﷺ لا ينصرف عن الله قط وعلى التنزل، وإن حال الصلاة أقوى فالآثار باقية فأحب أن لا يخليه من الدعاء.
"ثم قال: لكن الأذكار الواردة بعد المكتوبة" كآية الكرسي والتسبيح والتحميد والتكبير، واللهم أنت السلام إلى آخره، ولا إله إلا الله إلى آخره "يستحب لمن أتى بها أن يصلي على النبي ﷺ بعد أن يفرغ منها ويدعو بما شاء ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة الثانية وهي الذكر الوارد" بيان للعبادة الثانية، أي: المأتي بها "بعد المكتوبة لا لكونه دبر المكتوبة" فابن القيم إنما أنكر الدعاء بعد الصلاة وهو غير الذكر، إذ لا يستطيع إنكاره مع أنه في الصحيحين والسنن وغيرهما، فلو أنكره نسب إلى الجهل مع كونه من سراة المحدثين، فلا يتخيل تناف بين كلاميه كما ظنه من قال قوله، لكن الأذكار ... إلخ، أي: عند من يستعملها اعتمادا على ما رآه فلا ينافي قوله قبل، فلم يكن ذلك من هدي النبي ... إلخ، فإنه عجب إذ اسم الإشارة عائد على قوله، وأما الأدعية وما هنا أذكار، فأي تناف يظن حتى يدفع بما يؤدي إلى تجهيل مثل ابن القيم، مع أنه أثبته بقوله: الأذكار الواردة، وبقوله وهي الذكر الوارد. "انتهى".
"وقد كان في خاطري من دعواه النفي" لا لكونه "مطلقا" كما فهم كثير، لأنه قيده بقوله بعد السلام مستقبل القبلة "شيء لما يأتي" من الأحاديث المصرحة بخلافه، لكن لم أقدم على رده حتى رأيت كلام الحفاظ، كما قال: "ثم رأيت شيخ مشياخنا إمام الحفاظ أبا الفضل بن حجر تعقبه، فقال: وما ادعاه من النفي مطلقا" للإمام والمأموم والمنفرد "مردود، فقد ثبت عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: "يا معاذ والله" أقسم تأكيدا وتقوية للخبر زيادة في تبشيره، "إني لأحبك" بلام التأكيد، "فلا تدع" تترك "دبر كل صلاة" أي: عقبها "أن تقول: اللهم أعني علىстр. 4901
على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". أخرجه أبو داود والنسائي.
وحديث زيد بن أرقم: سمعته ﷺ يدعو في دبر الصلاة: "اللهم ربنا ورب كل شيء". أخرجه أبو داود والنسائي.
وحديث صهيب رفعه: كان ﷺ يقول إذا انصرف من الصلاة: "اللهم أصلح لي ديني". أخرجه النسائي وصححه ابن حبان. وغير ذلك.
فإن قيل: المراد بدبر الصلاة قرب آخرها وهو التشهد، قلت: قد ورد الأمر بالذكر دبر الصلاة، والمراد به بعد السلام إجماعا، فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه، وقد أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة: قيل يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبات، وقال: حسن، وأخرج
الحواشي
(١) ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" إذ لولا إعانته تعالى ما قدر العبد على شيء.
"أخرجه أبو داود والنسائي" وصححه ابن حبان والحاكم، "و" ثبت "حديث زيد بن أرقم: سمعته ﷺ يدعو في دبر" أي: عقب الصلاة": "اللهم ربنا ورب كل شيء"، أخرجه أبو داود والنسائي, ومر آنفا بتمامه، "وحديث صهيب رفعه: كان ﷺ يقول إذا انصرف من الصلاة" بالتسليم منها "اللهم أصلح" بهمزة قطع وكسر اللام "لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معاذي، اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من نقمتك، وأعوذ بك منك، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد". هذا تمام الحديث الذي "أخرجه النسائي" وأبو يعلى "وصححه ابن حبان:" ونحوه في مسلم من حديث أبي هريرة لكن ليس فيه أنه كان يقوله إذا انصرف من الصلاة، فلذا لم يعزه له "و" ثبت "غير ذلك".
"فإن قيل: لمراد بدبر الصلاة قرب آخرها وهو التشهد" فلا يرد ذلك على ابن القيم، "قلت: قد ورد الأمر بالذكر دبر الصلاة" بالتسبيح والتحميد والتكبير، "والمراد به بعد السلام إجماعا" لفظ الحافظ جزما، "فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه" ولم يثبت فتعين أنه بعده.
"وقد أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة" صدي بن عجلان، "قيل: يا رسول الله! أي: الدعاء أسمع"؟ أي: أوفق لاستماع الدعاء وأولى بالإجابة، قال: "جوف الليل الأخير" أي: دعاء جوف الليل، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فصار مرفوعا، وروي جوف بالنصب على الظرف، أي: الدعاء جوف الليل ويجوز الجر على مذهب من يرى حذف المضاف وترك المضاف إليه على إعرابه، وأما الأخير فعلى الأحوال الثلاثة يتبع جوف في إعرابه.стр. 4902
الطبراني من رواية جعفر بن محمد الصادق قال: الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة، كفضل المكتوبة على النافلة.
قال: وفهم كثير من الحنابلة أن مراد ابن القيم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقا، وليس كذلك، فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استمرار استقبال المصلي القبلة، وإيراده عقب السلام، وأما إذا انفتل بوجهه أو قدم الأذكار المشروعة فلا يمتنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ. انتهى.
وكان ﵇ حين تقام الصلاة في المسجد إذا رآهم قليلا جلس، وإذا
الحواشي
(١) قال التوربشتي: "وقال الطيبي إنما يستقيم جوابا إذا أضمر في السؤال اسم مكان كما فعل في النهاية.
حيث قال: أي الساعات أسمع؟ أي: أوفق لاستماع الدعاء فيه وأولى بالاستجابة، وهو من باب نهاره صائم وليله قائم أو تضمر في الجواب الدعاء كما فعله التوربشتي، "ودبر الصلوات المكتوبات" فصرح بخلاف ما نفاه ابن القيم.
"وقال" الترمذي: حديث "حسن، وأخرج الطبراني من رواية جعفر بن محمد الصادق" نعت لجعفر لصدقه في مقاله وأبوه يلقب بالباقر لبقره العلم.
"قال: الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة" فضلا "كفضل المكتوبة على النافلة" وهذا يدل على شهرة ذلك في التابعين وأتباعهم، ومثله إنما هو توقيف.
"قال" الحافظ: "وفهم كثير من الحنابلة أن مراد ابن القيم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقا" سواء بقي مستقبلا وقاله عقب السلام أم لا "وليس كذلك، فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استمرار استقبال المصلي القبلة، وإيراده عقب السلام" لقوله أول كلامه: وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة، لكن قوله بعد، وغاية الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها ظاهر في نفس الدعاء بعدها مطلقا كما فهمه الكثير، إلا أن قوله آخرا إنه بعد فعل الأذكار الواردة يصلي على النبي ويدعو، يؤيد ما فهمه الحافظ، كما أفاده بقوله: "وأما إذا انفتل" أي: انصرف "بوجهه أو قدم الأذكار المشروعة فلا يمتنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ" بدليل آخر كلامه وأوله، ولا ينافيه قوله: وغاية ... إلخ، لأن مراده حيث لم ينفتل أو يذكر الوارد. "انتهى" كلام الحافظ.
"وكان ﵇ حين تقام الصلاة في المسجد" لعل المراد إذا دخل وقت الإقامة عادة وإلا فالنظر في إقامتها للإمام، فلا يقيم المؤذن إلا بإذنه، "إذا رآهم قليلا جلس" حتىстр. 4903
رآهم جماعة صلى. رواه أبو داود.
وقال أبو مسعود البدري: كان ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم". رواه مسلم.
وقال ابن عباس: قام رسول الله ﷺ يصلي فقمت عن يساره، فأخذ بيدي من وراء ظهره يعدلني كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن. رواه البخاري
الحواشي
(١) يتكاملوا، "وإذا رآهم جماعة" كثيرة "صلى" بهم, "رواه أبو داود" في سننه، "وقال أبو مسعود" عقبه "بالقاف" ابن عمرو الأنصاري "البدري" لأنه شهد غزوة بدر في قول جماعة، وإليه أشار البخاري ورجحه الحافظ، وقيل: لم يشهدها وإنما نسب إليها لأنه نزلها: "كان ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة" أي: جنس المناكب بأن يمسح منكب من قرب منه "ويقول" للجميع: "استووا" أي: اعتدلوا ندبا في صفوف الصلاة، بأن تقوموا على سمت واحد، لأن تسوية الصفوف من شأن الملائكة، ولأن تقديم البعض ربما أو غر صدور الباقين وشوش خشوعهم، كما أشار إليه بقوله: "ولا تختلفوا" أي: لا يتقدم بعضكم على بعض في الصفوف "فتختلف قلوبكم".
وفي رواية: صدوركم، قال الطيبي: بنصب تختلف من قبيل لا تدن من الأسد فيأكلك، وفيه أن القلب تابع للأعضاء، فإن اختلفت اختلف، وإذا اختلف فسد ففسدت الأعضاء، لأنه رئيسها "ليليني" بكسر اللامين والأولى لام الأمر وبعد الثانية يا مفتوحة وشد النون، وبحذف الياء وخفة النون روايتان ذكرهما النووي وغيره، أفصحهما حذفها للجازم، والثانية لغة صحيحة قليلة فليست بغط كما زعم الطيبي، أي: ليقرب مني من الولي وهو القرب "منكم أولو الأحلام" جمع حلم بالكسر وهو التأني والتثبت في الأمور، "والنهى" جمع نهية، بالضم وهي العقل، سمي بذلك لأنه ينهى صاحبه عن القبيح قاله في المجموع وغيره.
وفي شرح مسلم: النهى العقول وأولو الأحلام العقلاء، وقيل: البالغون، فعلى الأول يكون اللفظان بمعنى ولاختلاف اللفظ عطف أحدهما على الآخر تأكيدا، وعلى الثاني معناه البالغون العقلاء. انتهى.
وفي الرياض: أهل الحلم هم أهل الفضل، فمعناه الفاضلون "ثم الذين يلونهم" في ذلك الوصف، قال ذلك ثلاثا كما "رواه مسلم" وأحمد والنسائي.
"وقال ابن عباس" بت عند خالتي ميمونة، فذكر الحديث بطوله إلى أن قال: ثم "قام رسول الله ﷺ يصلي" بالليل، "فقمت عن يساره، فأخذ بيدي من وراء ظهره" ﷺ "يعدلني" بضم الياء وإسكان العين وكسر الدال، "كذلك من وراء ظهره" الشريف "إلى الشقстр. 4904
ومسلم.
وقال أنس: سقط النبي ﷺ عن فرس، فجحش شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة فصلى بنا قاعدا، فصلينا وراءه قعودا، فلما قضى الصلاة
الحواشي
(١) الأيمن".
وفي رواية: فتناولني من خلف ظهره فجعلني على يمينه، وفي أخرى: فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه، وفي أخرى: فأدارني من خلفه حتى جعلني عن يمينه وأخذ بأذني اليمنى يفتلها.
زاد في رواية: محمد بن نصر، فعرفت أنه إنما صنع ذلك ليؤنسني بيده في ظلمة الليل، ولمسلم: فقمت إلى جنبه الأيسر، فأخذني بيده فجعلني من شقه الأيمن، فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني، وفيه رد على من زعم أن أخذ الأذن إنما كان حال إرادته من اليسار إلى اليمين تمسكا برواية للبخاري، فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه، لكن لا يلزم من إدارته على هذه الصفة أن لا يعود إلى مسك أذنه لما ذكر من تأنيسه وإيقاظه، لأن حاله يقتضي ذلك لصغره، "رواه البخاري" في مواضع مطولا ومختصرا "ومسلم" جامعا طرقه وألفاظه مطولا ومختصرا في صلاة الليل رحمهما الله.
"وقال أنس: سقط النبي ﷺ عن فرس" ركبه في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة، كما أفاد ابن حبان، ولأبي داود وغيره عن جابر: ركب ﷺ فرسا بالمدينة فصرعه على جذع نخلة، "فجحش" بضم الجيم وكسر الحاء المهملة وشين معجمة، أي: خدش، وقيل: الجحش فوق الخدش، وحسبك أنه لم يقدر أن يصلي قائما، قاله ابن عبد البر.
"شقه الأيمن" بأن قشر جلده، فالخدش قشر الجلد، وفي رواية: سلقه وهي مفسرة لمحله من الشق الأيمن، لأن الخدش لم يستوعبه، فليست تصحيفا كما زعم، "فدخلنا عليه نعوده" سمي من العائدين زيادة على أنس أبو بكر وجابر في مسلم وغيره وعمر في مصنف عبد الرزاق، "فحضرت الصلاة" المكتوبة كما في حديث جابر عند أبي داود وغيره.
قال الحافظ: لكن لم أقف على تعيينها إلا أن في حديث أنس: فصلى بنا يومئذ، كأنها نهارية الظهر أو العصر، "فصلى بنا قاعدا" لأن قدمه انفكت كما رواه الإسماعيلي في حديث أنس وأبو داود وابن خزيمة عن جابر، بلفظ: فصرعه على جذع نخلة فانفكت قدمه، ولا ينافي جحش شقه لاحتمال وقوع الأمرين "فصلينا وراءه قعودا" هذه رواية الزهري عن أنس وظاهرها يخالف حديث عائشة في الصحيحين وصلى وراءه قوم قياما، فأشار إليهم أن اجلسوا، ففي هذه الرواية اختصار، كأنه اقتصر على ما آل إليه الحال بعد أمره لهم بالجلوس.
وفي الصحيح عن حميد عن أنس: فصلى بهم جالسا وهم قيام، وفيها أيضا اختصار، لأنهстр. 4905
قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا". حتى قال: "وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون". زاد بعض الرواة: "وإذا صلى قائما فصلوا قياما". رواه البخاري ومسلم.
قال الحميدي: ومعاني سائر الروايات متقاربة وزاد البخاري قوله: "إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا" هو في مرضه القديم. وقد صلى في مرضه الذي مات فيه جالسا والناس خلفه قياما لم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمره ﷺ . انتهى.
الحواشي
(١) لم يذكر قوله لهم اجلسوا، والجمع بينهما أنهم ابتدءوا الصلاة قياما، فأومأ إليهم أن اجلسوا، فقعدوا، فنقل كل من الزهري وحميد أحد الأمرين، وجمعتهما عائشة، وكذا جابر في مسلم وجمع بوجهين آخرين زيفها الحافظ، "فلما قضى الصلاة" أي: أتمها بالسلام.
وفي رواية: فلما انصرف قال: "إنما جعل الإمام" إماما "ليؤتم" أي: يقتدى "به" ويتبع، ومن شأن التابع أن لا يسبق متبوعه ولا يساويه ولا يتقدم عليه في موقفه، بل يراقب أحواله، ويأتي على أثره بنحو فعله، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال، "فإذا ركع فاركعوا". "حتى قال", حذف منه: "وإذا رفع فارفعوا، فإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد".
"وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا" وفي رواية: "فإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا". "أجمعون" بالواو في جميع طرق حديث أنس تأكيد لضمير الفاعل في قوله: فصلوا، وأخطأ من ضعفه، فإن المعنى عليه، واختلف في حديث أبي هريرة، فرواه بعض رواته أجمعن بالياء نصب على الحال، أي: جلوسا مجتمعين، أو تأكيد لضمير مقدر منصوب، كأنه قيل: أعنيكم أجمعين أفاده الحافظ.
"زاد بعض الرواة: "وإذا صلى قائما فصلوا قياما". رواه البخاري ومسلم" بطرق عديدة وألفاظ متقاربة.
"قال الحميدي" بضم الحاء عبد الله بن الزبير المكسي: "ومعاني سائر الروايات متقاربة" وإن اختلفت ألفاظها، "وزاد البخاري" أي: عن شيخه الحميدي المذكور، ولفظه: قال أبو عبد الله، أي: البخاري، قال الحميدي: قوله: "إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا". هو في مرضه القديم" الحاصل له قبل مرض موته، "وقد صلى في مرضه الذي مات فيه" حال كونه "جالسا والناس خلفه قياما" بالنصب على الحال، وفي رواية: قيام بالرفع، أي وهم قيام "لم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمره" لفظ البخاري: من فعل النبي " ﷺ " أي: فما كان قبله منسوخ الحكم.следующие страницы →