← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". أخرجه أبو داود والنسائي. وحديث زيد بن أرقم: سمعته ﷺ يدعو في دبر الصلاة: "اللهم ربنا ورب كل شيء". أخرجه أبو داود والنسائي. وحديث صهيب رفعه: كان ﷺ يقول إذا انصرف من الصلاة: "اللهم أصلح لي ديني". أخرجه النسائي وصححه ابن حبان. وغير ذلك. فإن قيل: المراد بدبر الصلاة قرب آخرها وهو التشهد، قلت: قد ورد الأمر بالذكر دبر الصلاة، والمراد به بعد السلام إجماعا، فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه، وقد أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة: قيل يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبات، وقال: حسن، وأخرج

стр. 4902

الطبراني من رواية جعفر بن محمد الصادق قال: الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة، كفضل المكتوبة على النافلة. قال: وفهم كثير من الحنابلة أن مراد ابن القيم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقا، وليس كذلك، فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استمرار استقبال المصلي القبلة، وإيراده عقب السلام، وأما إذا انفتل بوجهه أو قدم الأذكار المشروعة فلا يمتنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ. انتهى. وكان ﵇ حين تقام الصلاة في المسجد إذا رآهم قليلا جلس، وإذا

стр. 4903

رآهم جماعة صلى. رواه أبو داود. وقال أبو مسعود البدري: كان ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم". رواه مسلم. وقال ابن عباس: قام رسول الله ﷺ يصلي فقمت عن يساره، فأخذ بيدي من وراء ظهره يعدلني كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن. رواه البخاري

стр. 4904

ومسلم. وقال أنس: سقط النبي ﷺ عن فرس، فجحش شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة فصلى بنا قاعدا، فصلينا وراءه قعودا، فلما قضى الصلاة

стр. 4905

قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا". حتى قال: "وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون". زاد بعض الرواة: "وإذا صلى قائما فصلوا قياما". رواه البخاري ومسلم. قال الحميدي: ومعاني سائر الروايات متقاربة وزاد البخاري قوله: "إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا" هو في مرضه القديم. وقد صلى في مرضه الذي مات فيه جالسا والناس خلفه قياما لم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمره ﷺ . انتهى.

стр. 4906

قال الشافعي وأبو حنيفة وجمهور السلف: لا يجوز للقادر على القيام أن يصلي خلف القاعد إلا قائما، واحتجوا بأنه ﷺ صلى في مرض موته بعد هذا قاعدا، وأبو بكر والناس خلفه قياما, وإن كان بعض العلماء زعم أن أبا بكر ﵁ كان هو الإمام، والنبي ﷺ مقتد به، لكن الصواب أن ﷺ كان هو الإمام.

стр. 4907

الباب الثاني: في ذكر صلاته ﷺ الجمعة عن أنس بن مالك قال: أتى جبريل النبي ﷺ بمرآة بيضاء فيها نكتة سوداء.

стр. 4908

فقال النبي ﷺ : "ما هذه"؟. فقال: هذه الجمعة فضلت بها أنت وأمتك، والناس لكم فيها تبع -اليهود والنصارى- ولكم فيها خير، فيها ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا أستجيب له، وهو عندنا يوم المزيد، فقال النبي ﷺ : "يا جبريل! وما يوم المزيد"؟. فقال: إن ربك اتخذ في الفردوس واديا أفيح فيه كثيب من مسك، فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله ما شاء من ملائكته، وحوله منابر من نور

стр. 4909

عليها مقاعد النبيين، وحفت تلك المنابر بمنابر من ذهب مكللة بالياقوت والزمرذ عليها الشهداء والصديقون، فجلسوا من ورائهم على تلك الكثب، فيقول الله: أنا ربكم، قد صدقتكم وعدي، فسلوني أعطكم، فيقولون: ربنا نسألك رضوانك، فيقول: قد رضيت عنكم، ولكم ما تمنيتم ولدي مزيد، فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم ربهم فيه من الخير، وفيه استوى ربك على العرش". رواه الشافعي في مسنده. وروى مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة". فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج

стр. 4910

منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة". وروى البيهقي في الدعوات من حديث أنس: كان ﷺ إذا دخل رجب قال: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان". وكان يقول ليلة الجمعة: "ليل أغر ويوم الجمعة يوم أزهر".

стр. 4911

وليوم الجمعة من الخواص ما يبلغ العشرين، ذكرها ابن القيم في "الهدي النبوي" لا أطيل بذكرها سيما وليست من غرضي. وهو أفضل أيام الأسبوع، كما أن يوم عرفة أفضل أيام العام، وكذلك ليلة القدر وليلة الجمعة، ولهذا كان لوقفة الجمعة يوم عرفة مزية على سائر الأيام. وقال أبو أمامة بن النقاش: يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم النحر أفضل أيام العام، قال: وغير هذا لا يسلم قائله من اعتراض يعجز عن دفعه. انتهى. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة،

стр. 4912

بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا تبع: اليهود غدا والنصارى بعد غد". رواه البخاري. وفي رواية ابن عيينة عن أبي الزناد عند مسلم: "نحن الآخرون ونحن

стр. 4913

السابقون". أي الآخرون زمانا، والأولون منزلة. والمراد باليوم: يوم الجمعة. وقوله: "بيد" -بفتح الموحدة وإسكان المثناة من تحت وفتح الدال المهملة- أي: غير. وإذا عرف هذا، فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ١٢٤] أي على نبيهم موسى حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت،

стр. 4914

فاختلافهم في السبت كان اختلافا على نبيهم في ذلك اليوم لأجله. فإن قيل: هل في العقل وجه يدل على أن يوم الجمعة أفضل من السبت والأحد، وذلك لأن أهل الملل اتفقوا على أنه تعالى خلق العالم في ستة أيام، وبدأ الخلق والتكوين في يوم الأحد، وتم يوم الجمعة، فكان الفراغ في يوم السبت، فقالت اليهود: نحن نوافق ربنا في ترك الأعمال، فعينوا السبت لهذا المعنى، وقالت النصارى: مبدأ الخلق والتكوين يوم الأحد، فنجعل هذا عيدا لنا، فهذان اليومان معقولان، فما الوجه في جعل يوم الجمعة عيدا. فالجواب: إن يوم الجمعة هو يوم الكمال والتمام، وحصول الكمال والتمام يوجب الفرح الكامل والسرور العظيم، فجعل يوم الجمعة يوم أولى من هذا الوجه والله أعلم. قال ابن بطال: وليس المراد في الحديث أنه فرض عليهم يوم الجمعة بعينه

стр. 4915

فتركوه، لأنه لا يجوز لأحد أن يترك ما فرض الله تعالى عليه وهو مؤمن، وإنما يدل -والله أعلم- أنه فرض عليهم يوم من الجمعة، ووكل إلى اختيارهم ليقوموا فيه لشريعتهم فاختلفوا فيه ولم يهتدوا ليوم الجمعة. كذا قال، ولكن قد روى ابن أبي حاتم عن إسماعيل السدي التصريح بأنه فرض عليهم يوم الجمعة بعينه، فأبوا، ولفظه: "إن الله فرض على اليهود يوم الجمعة فأبوا، وقالوا: يا موسى اجعل لنا يوم السبت فجعل عليهم". وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم، كما وقع لهم في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] وهم القائلون: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣] .

стр. 4916

ويحتمل قوله "فهدانا الله له" بأن نص لنا عليه، وأن يراد الهداية إليه بالاجتهاد، ويشهد للثاني ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول الله ﷺ وقبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يوما يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فهلم فلنجعل لنا يوما نجتمع فيه نذكر الله تعالى ونصلي ونشكره، فجعلوه يوم العروبة. واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ، وأنزل الله بعد ذلك: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] وهذا وإن كان مرسلا فله شاهد بإسناد حسن أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه ابن خزيمة من حديث

стр. 4917

كعب بن مالك قال: كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم رسول الله ﷺ المدينة أسعد بن زرارة. فمرسل ابن سيرين يدل على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد، ولا يمنع ذلك أن النبي ﷺ علمه بالوحي وهو بمكة، فلم يتمكن من إقامتها ثم، ولذلك جمع بهم أول ما قدم المدنية. انتهى. وقال ابن إسحاق: لما قدم الصلاة والسلام المدينة أقام بقباء، في بني عمرو بن عوف، يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس، وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة، فأدركته الجمعة في بني سالم، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة وذلك قبل تأسس مسجده.

стр. 4918

وكان ﷺ يصلي الجمعة حين تميل الشمس. رواه البخاري من حديث أنس، وفي رواية: إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة -يعني الجمعة- وفي رواية سهل بن سعد عند البخاري ومسلم: كنا نصلي معه ﷺ الجمعة ونقيل بعد الجمعة.

стр. 4919

ثم اعلم أن الخطبة شرط في انعقاد الجمعة، لا تصح إلا بها، وقال سعيد بن جبير: هي بمنزلة الركعتين من صلاة الظهر، فإذا تركها وصلى الجمعة فقد ترك ركعتين من صلاة الظهر. ولم يكن يؤذن في زمانه ﷺ على المنار، وبين يديه، وإنما كان يؤذن بلال وحده بين يديه ﷺ إذا جلس على المنبر، كما صرح به أئمة الحنفية والمالكية والشافعية وغيرهم. وعبارة البرهان المرغيناني من الحنفية في هدايته: وإذا صعد الإمام على المنبر جلس، وأذن المؤذن بين يدي المنبر، جرى التوارث، ولم يكن على عهد رسول الله ﷺ إلا هذا الأذان. وعبارة ابن الحاجب من المالكية: ويحرم السعي عند أذان جلوس الخطبة،

стр. 4920

وهو المعهود، فلما كان عثمان وكثروا أمر بالأذان قبله على الزوراء، ثم نقله هشام إلى المسجد، وجعل الآخر بين يديه. انتهى. ونحوه قال عبد الحق في "تهذيب الطالب". وأما قول ابن أبي زيد في رسالته: وهذا الأذان الثاني أحدثه بنو أمية. فقال شارحوه -الفاكهاني وغيره: يعني الثاني في الأحداث وهو الأول في الفعل، قال: وكان بعض شيوخنا يقول: الأول هو الثاني، والثاني هو الأول ومنشؤه ما تقدم.

стр. 4921

انتهى. وعبارة الزركشي -كغيره من الشافعية: ويجلس الإمام على المستراح ليستريح من تعب الصعود، ثم يؤذن المؤذن بعد جلوسه، فإن التأذين كان حين يجلس رسول الله ﷺ ولم يكن قبله أذان، فلما كان زمن عثمان وكثر الناس، أمرهم بالتأذين ثانيا، ثم يديم الجلوس إلى فراغ المؤذن، انتهى. وعن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان وكثر الناس، زاد النداء الثالث على الزوراء، رواه البخاري وقال: الزوراء موضع بالسوق بالمدينة.

стр. 4922

وفي رواية له أيضا: أن التأذين الثاني يوم الجمعة أمر به عثمان حين كثر أهل المسجد، وهو يفسر بما فسر به قول ابن أبي زيد السابق. وعند ابن خزيمة: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر أذانين يوم الجمعة. قال ابن خزيمة: قوله "أذانين" يريد: الأذان والإقامة تغليبا أو لاشتراكهما في الإعلام. وللنسائي: كان بلال يؤذن إذا جلس النبي ﷺ على المنبر، فإذا نزل أقام. وفي رواية وكيع عن ابن أبي ذئب: فأمر عثمان بالأذان الأول، ونحوه للشافعي من هذا الوجه.

стр. 4923

قال في فتح الباري: ولا منافاة بينهما، لأنه باعتبار كونه مزيدا يسمى ثالثا، وباعتبار كونه مقدما على الأذان والإقامة يسمى أولا. وأما قوله في رواية البخاري: "إن التأذين الثاني"، فمتوجه بالنظر إلى الأذان الحقيقي لا الإقامة. وقال الشيخ خليل في "التوضيح" واختلف النقل: هل كان يؤذن بين يديه ﵊، أم على المنار؟ الذي نقله أصحابنا أنه كان على المنار، نقله ابن القاسم عن مالك في "المجموعة". ونقل ابن عبد البر في كافية عن مالك أن الأذان بين يدي الإمام ليس من الأمر القديم. وقال غيره: هو أصل الأذان في الجمعة، وكذا نقل صاحب "تهذيب الطالب" والمازري. وفي "الاستذكار": إن هذا اشتبه على بعض أصحابنا، فأنكر أن يكون الأذان

стр. 4924

يوم الجمعة بين يدي الإمام كان في زمنه ﵊ وأبي بكر وعمر، وأن ذلك حدث في زمن هشام. قال: وهذا قول من قل علمه، ثم استشهد بحديث السائب بن يزيد المروي في البخاري السابق، ثم قال: وقد رفع الإشكال فيه ابن إسحاق عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: كان يؤذن بين يدي النبي ﷺ إذا جلس على المنبر يوم الجمعة وأبي بكر وعمر. انتهى. والحكمة في جعل الأذان في هذا المحل ليعرف الناس بجلوس الإمام على المنبر فينصتون له إذا خطب. قاله المهلب. قال في فتح الباري: وفيه نظر، فإن في سياق محمد بن إسحاق عند

стр. 4925

الطبراني وغيره في هذا الحديث: أن بلالا كان يؤذن على باب المسجد، فالظاهر أنه كان لمطلق الإعلام لا لخصوص الإنصات. والذي يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمان في جمع البلاد إذ ذاك، لكونه كان حينئذ خليفة مطاع الأمر، لكن ذكر الفاكهي أن أول من أحدث الأذان الأول بمكة الحجاج وبالبصرة زياد. وفي تفسير جويبر عن الضحاك عن معاذ: أن عمر أمر مؤذنين أن يؤذنا للناس الجمعة خارجا عن المسجد حتى يسمع الناس، وأمر أن يؤذن بين يديه كما كان في عهد النبي ﷺ وأبي بكر، ثم قال عمر: نحن ابتدعناه لكثرة المسلمين. وهذا منقطع بين مكحول ومعاذ، ولا يثبت، وقد تواردت الأخبار أن عثمان

стр. 4926

هو الذي زاده فهو المعتمد. وقد روى عبد الرزاق ما يقوي هذا الأثر عن ابن جريج قال: قال سليمان بن موسى: أول من زاد الأذان بالمدينة عثمان، فقال عطاء: كلا، إنما كان يدعو الناس ولا يؤذن غير أذان واحد. انتهى. لكن عطاء لم يدرك عثمان بن عفان، فرواية من أثبت ذلك عنه مقدمة على إنكاره. ويمكن الجمع بأن الذي كان في زمن عمر بن الخطاب استمر على عهد عثمان، ثم رأى أن يجعله أذانا وأن يكون على مكان عال، ففعل ذلك، فنسب إليه لكونه بألفاظ الأذان، وترك ما كان يفعله عمر لكونه مجرد إعلام. وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة. فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار، وأن يكون أراد به: إنه لم يكن في زمنه ﵊، لأن كل ما لم يكن في زمنه ﵊ يسمى بدعة، لكن منها ما يكون حسنا، ومنها ما يكون غير ذلك. ثم إن

стр. 4927

فعل عثمان ﵁ كان إجماعا سكوتيا لأنهم لم ينكروه عليه. انتهى. وأول جمعة جمعها النبي ﷺ بأصحابه -كما قدمناه في حديث الهجرة- في بني سالم بن عوف، في بطن واد لهم، فخطبهم وهي أول خطبة خطبها بالمدينة وقال فيها. "الحمد لله أحمده، وأستعينه وأستغفره، وأستهديه وأومن به ولا أكفره،

стр. 4928

وأعادي من يكفر به، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق والنور والموعظة والحكمة، على فترة في الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنو من الساعة، وقرب من الأجل, من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا، أوصيكم بتقوى الله، فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، واحذروا ما حذركم الله بنفسه، فإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون وصدق على ما يبتغون من الآخرة، ومن يصل الذي بينه وبين الله من أمره في السر

стр. 4929

والعلانية لا ينوي به إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره، وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان مما سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا، ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد، هو الذي صدق قوله وأنجز وعده لا خلف لذلك فإنه يقول: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩] . فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السر والعلانية، فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاه ويعظم له أجرا، ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما، وإن تقوى الله توقي مقته وتوقي عقوبته وسخطه، وإن تقوى الله تبيض الوجه وترضي الرب، وترفع الدرجة، فخذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله، فقد علمكم بكتابه ونهج لكم سبيله، ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين. فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وسماكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من

стр. 4930

حيي عن بينة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فأكثروا ذكر الله، واعملوا لما بعد الموت، فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس، ولا يملكون منه، الله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". ذكر هذه الخطبة القرطبي في تفسيره، وغيره. وقد كان ﷺ يخطب متوكئا على قوس أو عصا, وفي سنن ابن ماجه: أنه ﷺ كان إذا خطب في الحرب خطب على قوس، وإذا خطب في الجمعة

стр. 4931

خطب على عصا، وعند أبي داود بإسناد حسن: أنه ﷺ قام متوكئا على قوس أو عصا. قالوا: والحكمة في التوكؤ على نحو السيف، الإشارة إلى أن هذا الدين قام بالسلاح، ولهذا قبضه باليسرى كعادة من يريد الجهاد به. ونازع فيه العلامة ابن القيم في "الهدي النبوي" إذ قال: إن الدين لم يقم إلا بالقرآن والوحي. كذا قال فالله أعلم. وكان ﷺ إذا صعد المنبر سلم. رواه ابن ماجه. وكان ﷺ يخطب قائما ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائما، رواه مسلم من

стр. 4932

رواية جابر بن سمرة. وفي رواة له: كانت له ﷺ خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس. وفي حديث ابن عمر عند أبي داود: كان ﵊ يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب.

стр. 4933

قال ابن المنذر: الذي عليه أهل العلم من علماء الأمصار: الخطبة قائما. ونقل غيره عن أبي حنيفة: أن القيام في الخطبة سنة وليس بواجب. وعن مالك رواية أنه واجب فإن تركه أساء وصحت الخطبة. وعند الباقين: أن القيام شرط، يشترط للقادر كالصلاة، واستدلوا بحديث جابر بن سمرة، وبمواظبته ﷺ على القيام، وبمشروعية الجلوس بين الخطبتين، فلو كان القعود مشروعا في الخطبتين، ما احتيج إلى الفصل بالجلوس، ولأن الذي نقل عنه الجلوس، وهو معاوية، كان معذورا، فعند ابن أبي شيبة من طريق الشعبي: أن معاوية إنما خطب قاعدا لما كثر شحم بطنه.

стр. 4934

واستدل الشافعي لوجوب الجلوس بين الخطبتين بما تقدم، وبمواظبة النبي ﷺ على ذلك، مع قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وكان ﷺ يقول بعد الثناء: "أما بعد" كما قال البخاري.

стр. 4935

وكان ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: "صبحكم مساكم". ويقول: "بعثت أنا والساعة كهاتين" ويقرن

стр. 4936

بين أصبعيه السبابة، والوسطى، ويقول: "أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في

стр. 4937

النار"، ثم يقول: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا فإليّ وعليّ". رواه مسلم والنسائي من حديث جابر. وفي رواية لمسلم: كانت خطبته ﷺ يوم الجمعة: "نحمد الله ونثني عليه"، ثم يقول على أثر ذلك، وقد علا صوته، وذكر نحوه.

стр. 4938

وفي أخرى: كان يخطب الناس يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: "من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله"، ثم ذكر نحو ما تقدم. وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: ما أخذت: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس. رواه مسلم. وعن الحكم بن حزن الكلفي قال: قدمت إلى النبي ﷺ سابع سبعة، أو تاسع تسعة، فلبثنا عنده أياما، شهدنا فيها الجمعة، فقام ﷺ متوكئا على قوس، أو قال على عصا، فحمد الله وأثنى عليه، كلمات خفيفات طيبات مباركات، ثم

стр. 4939

قال: "يا أيها الناس، إنكم لن تفعلوا أو لن تطيقوا كل ما أمرتكم به، ولكن سددوا وأبشروا". رواه أحمد وأبو داود. وعن يعلى بن أمية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا﴾ [الزخرف: ٧٧] . رواه البخاري ومسلم. وعن أبي الدرداء: قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم الجمعة فقال: "توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشتغلوا، وصلوا الذي بينكم

стр. 4940

وبين ربكم تسعدوا، وأكثروا الصدقة ترزقوا، وأمروا بالمعروف تخصبوا، وانهوا عن المنكر تنصروا، يا أيها الناس إن أكيسكم أكثركم ذكرا للموت، وأكرمكم أحسنكم استعدادا له، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والتزود لسكنى القبور، والتأهب ليوم النشور". رواه ... ورواه ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله مختصرا بنحوه. وفي مراسيل أبي داود عن الزهري قال: كان صدر خطبة النبي ﷺ : "الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله
следующие страницы →