Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.
стр. 4901
على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". أخرجه أبو داود والنسائي.
وحديث زيد بن أرقم: سمعته ﷺ يدعو في دبر الصلاة: "اللهم ربنا ورب كل شيء". أخرجه أبو داود والنسائي.
وحديث صهيب رفعه: كان ﷺ يقول إذا انصرف من الصلاة: "اللهم أصلح لي ديني". أخرجه النسائي وصححه ابن حبان. وغير ذلك.
فإن قيل: المراد بدبر الصلاة قرب آخرها وهو التشهد، قلت: قد ورد الأمر بالذكر دبر الصلاة، والمراد به بعد السلام إجماعا، فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه، وقد أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة: قيل يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبات، وقال: حسن، وأخرج
الحواشي
(١) ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" إذ لولا إعانته تعالى ما قدر العبد على شيء.
"أخرجه أبو داود والنسائي" وصححه ابن حبان والحاكم، "و" ثبت "حديث زيد بن أرقم: سمعته ﷺ يدعو في دبر" أي: عقب الصلاة": "اللهم ربنا ورب كل شيء"، أخرجه أبو داود والنسائي, ومر آنفا بتمامه، "وحديث صهيب رفعه: كان ﷺ يقول إذا انصرف من الصلاة" بالتسليم منها "اللهم أصلح" بهمزة قطع وكسر اللام "لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معاذي، اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من نقمتك، وأعوذ بك منك، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد". هذا تمام الحديث الذي "أخرجه النسائي" وأبو يعلى "وصححه ابن حبان:" ونحوه في مسلم من حديث أبي هريرة لكن ليس فيه أنه كان يقوله إذا انصرف من الصلاة، فلذا لم يعزه له "و" ثبت "غير ذلك".
"فإن قيل: لمراد بدبر الصلاة قرب آخرها وهو التشهد" فلا يرد ذلك على ابن القيم، "قلت: قد ورد الأمر بالذكر دبر الصلاة" بالتسبيح والتحميد والتكبير، "والمراد به بعد السلام إجماعا" لفظ الحافظ جزما، "فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه" ولم يثبت فتعين أنه بعده.
"وقد أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة" صدي بن عجلان، "قيل: يا رسول الله! أي: الدعاء أسمع"؟ أي: أوفق لاستماع الدعاء وأولى بالإجابة، قال: "جوف الليل الأخير" أي: دعاء جوف الليل، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فصار مرفوعا، وروي جوف بالنصب على الظرف، أي: الدعاء جوف الليل ويجوز الجر على مذهب من يرى حذف المضاف وترك المضاف إليه على إعرابه، وأما الأخير فعلى الأحوال الثلاثة يتبع جوف في إعرابه.стр. 4902
الطبراني من رواية جعفر بن محمد الصادق قال: الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة، كفضل المكتوبة على النافلة.
قال: وفهم كثير من الحنابلة أن مراد ابن القيم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقا، وليس كذلك، فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استمرار استقبال المصلي القبلة، وإيراده عقب السلام، وأما إذا انفتل بوجهه أو قدم الأذكار المشروعة فلا يمتنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ. انتهى.
وكان ﵇ حين تقام الصلاة في المسجد إذا رآهم قليلا جلس، وإذا
الحواشي
(١) قال التوربشتي: "وقال الطيبي إنما يستقيم جوابا إذا أضمر في السؤال اسم مكان كما فعل في النهاية.
حيث قال: أي الساعات أسمع؟ أي: أوفق لاستماع الدعاء فيه وأولى بالاستجابة، وهو من باب نهاره صائم وليله قائم أو تضمر في الجواب الدعاء كما فعله التوربشتي، "ودبر الصلوات المكتوبات" فصرح بخلاف ما نفاه ابن القيم.
"وقال" الترمذي: حديث "حسن، وأخرج الطبراني من رواية جعفر بن محمد الصادق" نعت لجعفر لصدقه في مقاله وأبوه يلقب بالباقر لبقره العلم.
"قال: الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة" فضلا "كفضل المكتوبة على النافلة" وهذا يدل على شهرة ذلك في التابعين وأتباعهم، ومثله إنما هو توقيف.
"قال" الحافظ: "وفهم كثير من الحنابلة أن مراد ابن القيم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقا" سواء بقي مستقبلا وقاله عقب السلام أم لا "وليس كذلك، فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استمرار استقبال المصلي القبلة، وإيراده عقب السلام" لقوله أول كلامه: وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة، لكن قوله بعد، وغاية الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها ظاهر في نفس الدعاء بعدها مطلقا كما فهمه الكثير، إلا أن قوله آخرا إنه بعد فعل الأذكار الواردة يصلي على النبي ويدعو، يؤيد ما فهمه الحافظ، كما أفاده بقوله: "وأما إذا انفتل" أي: انصرف "بوجهه أو قدم الأذكار المشروعة فلا يمتنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ" بدليل آخر كلامه وأوله، ولا ينافيه قوله: وغاية ... إلخ، لأن مراده حيث لم ينفتل أو يذكر الوارد. "انتهى" كلام الحافظ.
"وكان ﵇ حين تقام الصلاة في المسجد" لعل المراد إذا دخل وقت الإقامة عادة وإلا فالنظر في إقامتها للإمام، فلا يقيم المؤذن إلا بإذنه، "إذا رآهم قليلا جلس" حتىстр. 4903
رآهم جماعة صلى. رواه أبو داود.
وقال أبو مسعود البدري: كان ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم". رواه مسلم.
وقال ابن عباس: قام رسول الله ﷺ يصلي فقمت عن يساره، فأخذ بيدي من وراء ظهره يعدلني كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن. رواه البخاري
الحواشي
(١) يتكاملوا، "وإذا رآهم جماعة" كثيرة "صلى" بهم, "رواه أبو داود" في سننه، "وقال أبو مسعود" عقبه "بالقاف" ابن عمرو الأنصاري "البدري" لأنه شهد غزوة بدر في قول جماعة، وإليه أشار البخاري ورجحه الحافظ، وقيل: لم يشهدها وإنما نسب إليها لأنه نزلها: "كان ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة" أي: جنس المناكب بأن يمسح منكب من قرب منه "ويقول" للجميع: "استووا" أي: اعتدلوا ندبا في صفوف الصلاة، بأن تقوموا على سمت واحد، لأن تسوية الصفوف من شأن الملائكة، ولأن تقديم البعض ربما أو غر صدور الباقين وشوش خشوعهم، كما أشار إليه بقوله: "ولا تختلفوا" أي: لا يتقدم بعضكم على بعض في الصفوف "فتختلف قلوبكم".
وفي رواية: صدوركم، قال الطيبي: بنصب تختلف من قبيل لا تدن من الأسد فيأكلك، وفيه أن القلب تابع للأعضاء، فإن اختلفت اختلف، وإذا اختلف فسد ففسدت الأعضاء، لأنه رئيسها "ليليني" بكسر اللامين والأولى لام الأمر وبعد الثانية يا مفتوحة وشد النون، وبحذف الياء وخفة النون روايتان ذكرهما النووي وغيره، أفصحهما حذفها للجازم، والثانية لغة صحيحة قليلة فليست بغط كما زعم الطيبي، أي: ليقرب مني من الولي وهو القرب "منكم أولو الأحلام" جمع حلم بالكسر وهو التأني والتثبت في الأمور، "والنهى" جمع نهية، بالضم وهي العقل، سمي بذلك لأنه ينهى صاحبه عن القبيح قاله في المجموع وغيره.
وفي شرح مسلم: النهى العقول وأولو الأحلام العقلاء، وقيل: البالغون، فعلى الأول يكون اللفظان بمعنى ولاختلاف اللفظ عطف أحدهما على الآخر تأكيدا، وعلى الثاني معناه البالغون العقلاء. انتهى.
وفي الرياض: أهل الحلم هم أهل الفضل، فمعناه الفاضلون "ثم الذين يلونهم" في ذلك الوصف، قال ذلك ثلاثا كما "رواه مسلم" وأحمد والنسائي.
"وقال ابن عباس" بت عند خالتي ميمونة، فذكر الحديث بطوله إلى أن قال: ثم "قام رسول الله ﷺ يصلي" بالليل، "فقمت عن يساره، فأخذ بيدي من وراء ظهره" ﷺ "يعدلني" بضم الياء وإسكان العين وكسر الدال، "كذلك من وراء ظهره" الشريف "إلى الشقстр. 4904
ومسلم.
وقال أنس: سقط النبي ﷺ عن فرس، فجحش شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة فصلى بنا قاعدا، فصلينا وراءه قعودا، فلما قضى الصلاة
الحواشي
(١) الأيمن".
وفي رواية: فتناولني من خلف ظهره فجعلني على يمينه، وفي أخرى: فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه، وفي أخرى: فأدارني من خلفه حتى جعلني عن يمينه وأخذ بأذني اليمنى يفتلها.
زاد في رواية: محمد بن نصر، فعرفت أنه إنما صنع ذلك ليؤنسني بيده في ظلمة الليل، ولمسلم: فقمت إلى جنبه الأيسر، فأخذني بيده فجعلني من شقه الأيمن، فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني، وفيه رد على من زعم أن أخذ الأذن إنما كان حال إرادته من اليسار إلى اليمين تمسكا برواية للبخاري، فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه، لكن لا يلزم من إدارته على هذه الصفة أن لا يعود إلى مسك أذنه لما ذكر من تأنيسه وإيقاظه، لأن حاله يقتضي ذلك لصغره، "رواه البخاري" في مواضع مطولا ومختصرا "ومسلم" جامعا طرقه وألفاظه مطولا ومختصرا في صلاة الليل رحمهما الله.
"وقال أنس: سقط النبي ﷺ عن فرس" ركبه في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة، كما أفاد ابن حبان، ولأبي داود وغيره عن جابر: ركب ﷺ فرسا بالمدينة فصرعه على جذع نخلة، "فجحش" بضم الجيم وكسر الحاء المهملة وشين معجمة، أي: خدش، وقيل: الجحش فوق الخدش، وحسبك أنه لم يقدر أن يصلي قائما، قاله ابن عبد البر.
"شقه الأيمن" بأن قشر جلده، فالخدش قشر الجلد، وفي رواية: سلقه وهي مفسرة لمحله من الشق الأيمن، لأن الخدش لم يستوعبه، فليست تصحيفا كما زعم، "فدخلنا عليه نعوده" سمي من العائدين زيادة على أنس أبو بكر وجابر في مسلم وغيره وعمر في مصنف عبد الرزاق، "فحضرت الصلاة" المكتوبة كما في حديث جابر عند أبي داود وغيره.
قال الحافظ: لكن لم أقف على تعيينها إلا أن في حديث أنس: فصلى بنا يومئذ، كأنها نهارية الظهر أو العصر، "فصلى بنا قاعدا" لأن قدمه انفكت كما رواه الإسماعيلي في حديث أنس وأبو داود وابن خزيمة عن جابر، بلفظ: فصرعه على جذع نخلة فانفكت قدمه، ولا ينافي جحش شقه لاحتمال وقوع الأمرين "فصلينا وراءه قعودا" هذه رواية الزهري عن أنس وظاهرها يخالف حديث عائشة في الصحيحين وصلى وراءه قوم قياما، فأشار إليهم أن اجلسوا، ففي هذه الرواية اختصار، كأنه اقتصر على ما آل إليه الحال بعد أمره لهم بالجلوس.
وفي الصحيح عن حميد عن أنس: فصلى بهم جالسا وهم قيام، وفيها أيضا اختصار، لأنهстр. 4905
قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا". حتى قال: "وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون". زاد بعض الرواة: "وإذا صلى قائما فصلوا قياما". رواه البخاري ومسلم.
قال الحميدي: ومعاني سائر الروايات متقاربة وزاد البخاري قوله: "إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا" هو في مرضه القديم. وقد صلى في مرضه الذي مات فيه جالسا والناس خلفه قياما لم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمره ﷺ . انتهى.
الحواشي
(١) لم يذكر قوله لهم اجلسوا، والجمع بينهما أنهم ابتدءوا الصلاة قياما، فأومأ إليهم أن اجلسوا، فقعدوا، فنقل كل من الزهري وحميد أحد الأمرين، وجمعتهما عائشة، وكذا جابر في مسلم وجمع بوجهين آخرين زيفها الحافظ، "فلما قضى الصلاة" أي: أتمها بالسلام.
وفي رواية: فلما انصرف قال: "إنما جعل الإمام" إماما "ليؤتم" أي: يقتدى "به" ويتبع، ومن شأن التابع أن لا يسبق متبوعه ولا يساويه ولا يتقدم عليه في موقفه، بل يراقب أحواله، ويأتي على أثره بنحو فعله، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال، "فإذا ركع فاركعوا". "حتى قال", حذف منه: "وإذا رفع فارفعوا، فإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد".
"وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا" وفي رواية: "فإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا". "أجمعون" بالواو في جميع طرق حديث أنس تأكيد لضمير الفاعل في قوله: فصلوا، وأخطأ من ضعفه، فإن المعنى عليه، واختلف في حديث أبي هريرة، فرواه بعض رواته أجمعن بالياء نصب على الحال، أي: جلوسا مجتمعين، أو تأكيد لضمير مقدر منصوب، كأنه قيل: أعنيكم أجمعين أفاده الحافظ.
"زاد بعض الرواة: "وإذا صلى قائما فصلوا قياما". رواه البخاري ومسلم" بطرق عديدة وألفاظ متقاربة.
"قال الحميدي" بضم الحاء عبد الله بن الزبير المكسي: "ومعاني سائر الروايات متقاربة" وإن اختلفت ألفاظها، "وزاد البخاري" أي: عن شيخه الحميدي المذكور، ولفظه: قال أبو عبد الله، أي: البخاري، قال الحميدي: قوله: "إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا". هو في مرضه القديم" الحاصل له قبل مرض موته، "وقد صلى في مرضه الذي مات فيه" حال كونه "جالسا والناس خلفه قياما" بالنصب على الحال، وفي رواية: قيام بالرفع، أي وهم قيام "لم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمره" لفظ البخاري: من فعل النبي " ﷺ " أي: فما كان قبله منسوخ الحكم.стр. 4906
قال الشافعي وأبو حنيفة وجمهور السلف: لا يجوز للقادر على القيام أن يصلي خلف القاعد إلا قائما، واحتجوا بأنه ﷺ صلى في مرض موته بعد هذا قاعدا، وأبو بكر والناس خلفه قياما, وإن كان بعض العلماء زعم أن أبا بكر ﵁ كان هو الإمام، والنبي ﷺ مقتد به، لكن الصواب أن ﷺ كان هو الإمام.
الحواشي
(١) وفي رواية: قال الحميدي: هذا منسوخ لأن النبي ﷺ صلى في مرضه الذي مات فيه والناس خلفه قيام لم يأمرهم بالقعود، قاله المصنف. "انتهى" كلام البخاري.
"قال الشافعي وأبو حنيفة وجمهور السلف" ومنهم مالك في رواية عنه ضعيفة: "لا يجوز للقادر على القيام أن يصلي خلف القاعد" لعذر "إلا قائما" فيجوز وتصح الصلاة، "واحتجوا بأنه ﷺ صلى في مرض موته بعد هذا قاعدا وأبو بكر والناس خلفه قياما" فأقر الصحابة على القيام خلفه وهو قاعد، وأنكر أحمد وإسحاق وغيرهما دعوى النسخ، وقالوا: إن صلى الإمام جالسا صلى المأموم كذلك ولو قدر على القيام، قال أحمد: وفعله أربعة من الصحابة بعده ﷺ جابر وأبو هريرة وأسيد بن حضير وقيس بن فهد، بفتح القاف وسكون الهاء الأنصاري، "وإن كان بعض العلماء" المانعين صلاة القائم خلف القاعد.
"زعم أن أبا بكر ﵁ كان هو الإمام" وقد صلى قائما "والنبي ﷺ مقتد به" فلا يرد نقضا على قولهم بالبطلان "لكن الصواب أنه ﷺ كان هو الإمام" والرواية المشهورة عن مالك بطلان صلاة المأموم قائما بالقاعد، وقاله محمد بن الحسن، وقال: ذلك خاص بالنبي ﷺ لحديث جابر الجعفي عن الشعبي مرفوعا: "لا يؤمن أحد بعدي جالسا" وتعقب بأن جابر ضعيف مع إرساله، لكن قواه عياض، بأن الخلفاء الراشدين لم يفعله أحد منهم والنسخ لا يثبت بعده ﷺ لكن مواظبتهم على ترك ذلك تشهد لصحة الحديث، قال: والحجة للخصوصية أنه لا يصح التقدم بين يديه لنيه الله تعالى عن ذلك، ولأن الأئمة شفعاء، ولا يكون أحد شافعا له، ولذا قال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله ﷺ . انتهى.
ولا يشكل عليه صلاته خلف عبد الرحمن بن عوف وأبي بكر، لأن محل المنع إذا أمه هو ﵇، أما إذا أم غيره وجاء وأبقاه، فلا منع بدليل قصتي أبي بكر وعبد الرحمن، إذ كل منهما أم غيره لغيبته، فجاء وأبقاه والحق له، وإلى نحو هذا أشار ابن عبد البر، ونقل ابن العربي عن بعض الأشياخ: أن الحال أحد وجوه التخصيص، وحاله ﷺ والتبرك به وعدم العوض عنه تقتضي الصلاة معه على أي حال كان عليها، وليس ذلك لغيره ولا يرد عليه حديث: "صلوا كما رأيتموني أصلي" لأنه عام.стр. 4907
الباب الثاني: في ذكر صلاته ﷺ الجمعة
عن أنس بن مالك قال: أتى جبريل النبي ﷺ بمرآة بيضاء فيها نكتة سوداء.
الحواشي
(١) الباب الثاني: في ذكر صلاته ﷺ الجمعة
بضم الميم على المشهور وقد تسكن، وقرأ بها الأعمش، وحكى الواحدي عن الفراء فتحها، وحكى الزجاج كسرها كما في الفتح، وفي المصباح: هذه اللغات إذا أضيف إليها يوم، أما إن أريد بلفظ الجمعة الأسبوع فبسكون الميم لا غير.
قال الحافظ: اختلف في تسمية اليوم بذلك مع الاتفاق على أنه كان يسمى في الجاهلية العروبة، بفتح المهملة وضم الراء وبالموحدة، فقيل: لأن كمال الخلق جمع فيه، ذكره أبو حذيفة في المبتدأ وإسناده ضعيف، وقيل: لأن خلق آدم جمع فيه، ورد ذلك من حديث سليمان أخرجه أحمد وابن خزيمة وغيرهما في أثناء حديث وله شاهد عن أبي هريرة، ذكره ابن أبي حاتم موقوفا بإسناد قوي وأحمد مرفوعا بإسناد ضعيف، وهذا أصح الأقوال، ويليه ما أخرجه عبد بن حميد عن ابن سيرين بإسناد صحيح إليه في قصة تجميع الأنصار مع أسعد بن زرارة وكانوا يسمعون يوم الجمعة يوم العروبة، فصلى بهم وذكرهم، فسموه الجمعة حين اجتمعوا إليه، وقيل: لأن كعب بن لؤي كان يجمع قومه فيه، فيذكرهم ويأمرهم بتعظيم الحرم، ويخبرهم بأنه سيبعث منه نبي، رواه الزبير بن بكار عن أبي سلمة بن عبد الرحمن مقطوعا، وقيل: إن قصيا هو الذي كان يجمعهم، ذكره ثعلب في أماليه، وقيل: لاجتماع الناس للصلاة فيه، وبه جزم ابن حزم، فقال: إنه اسم إسلامي لم يكن في الجاهلية، وإنما كان يسمى العروبة وفيه نظر، فقد قال أهل اللغة: إن العروبة اسم قديم كان الجاهلية، وقالوا: في الجمعة يوم العروبة، فالظاهر أنهم غيروا أسماء الأيام السبعة بعد أن كانت تسمى: أول أهون جبار دبار مؤنس عروبة شيار. انتهى.
"عن أنس بن مالك قال: أتى جبريل النبي ﷺ بمرآة" بزنة مفتاح آلة النظر، وجمعها مراء وزن جوار وغواش "بيضاء فيها نكتة سوداء" كذا في النسخ "بالنون" والذي في مسند الشافعي وكتة، قال أبو السعادات بن الأثير في شرحه: بفتح الواو وسكون الكاف، كالنقطة في الشيء، يقال في عينه وكتة، ويقال للبسر إذا بدأ فيه الأرطاب قد وكت توكيتا، ومعنى تشبيهه الجمعة بالمرآة البيضاء مثل في نقائه وصفائها وحسنها من بين الأيام، ويجوز أنه عني بالوكتة الساعة المخصوصة في الجمعة بالمدح تشبيها بوكتة البسر، لأن تلك النقطة التي تبتدئ بالأرطاب أشرف ما في البسرة، كما أن الساعة التي في الجمعة أشرف ساعاتها، ويجوز أن يريد بها صلاة الجمعة التي تميز بها هذا اليوم على باقي الأيام، وأن يريد بالوكتة أنها تزين المرآةстр. 4908
فقال النبي ﷺ : "ما هذه"؟. فقال: هذه الجمعة فضلت بها أنت وأمتك، والناس لكم فيها تبع -اليهود والنصارى- ولكم فيها خير، فيها ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا أستجيب له، وهو عندنا يوم المزيد، فقال النبي ﷺ : "يا جبريل! وما يوم المزيد"؟. فقال: إن ربك اتخذ في الفردوس واديا أفيح فيه كثيب من مسك، فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله ما شاء من ملائكته، وحوله منابر من نور
الحواشي
(١) البيضاء كما يزين الخال الوجه الحسن، فشبه الوكتة بالخال. انتهى.
"فقال النبي ﷺ " لجبريل: "ما هذه"؟. "فقال: هذه الجمعة فضلت" بضم الفاء مبني للمفعول، أي: ميزت "بها أنت وأمتك" بكثرة الخصال الحميدة التي أعدت لكم فيها، "والناس لكن فيها تبع اليهود والنصارى" بدل من الناس، المعنى أن لهما يومين بعد يوم الجمعة كما في الحديث الآتي: "فالناس لنا تبع اليهود غدا، والنصارى بعد غد". "ولكم فيها خير" عظيم كما يفيده التنون، "وفيها ساعة" خفيفة كما في مسلم وللشيخين، وأشار ﷺ بيده يقللها، "لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجيب له" خرج بالخير غيره فلا يستجاب، ولأحمد من حديث سعد بن عبادة: ما لم يسأل إثما أو قطيعة رحم، وهو نحو بخير والقطعية من الإثم، فهو خاص على عام اهتماما به، وفي تلك الساعة اثنان وأربعون قولا، أرجحها قولان، أحدهما ما في مسلم وأبي داود عن أبي موسى مرفوعا: "هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تنقضي الصلاة". والثاني أنها آخر ساعة في يوم الجمعة.
رواه مالك وأحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه هو وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال: على شرط الشيخين عن عبد الله بن سلام، ورواه أبو داود والنسائي والحاكم بإسناد حسن عن جابر عن النبي ﷺ ، وابن جرير عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "إنها آخر ساعة بعد العصر يوم الجمعة". ورجح كلا جماعة، واختار صاحب الهدى أنها منحصرة في أحد الوقتين، وأن أحدهما لا يعارض الآخر، لاحتمال أنه ﷺ دل على أحدهما في وقت، وعلى أحدهما في وقت آخر، وكذا قال ابن عبد البر الذي ينبغي الدعاء في الوقتين المذكورين، وسبقهما إلى نحو ذلك الإمام أحمد وهو أولى في طريق الجمع؛ وما عدا هذين القولين إما موافق لهما أو لأحدهما، أو ضعيف الإسناد، أو موقوف استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف كما بسطه في الفتح.
"وهو عندنا" معشر الملائكة "يوم المزيد" الذي يقع فيه مزيد الإكرام لنا ولكم، كما بينه بقوله: "فقال النبي ﷺ : "يا جبريل وما يوم المزيد"؟. فقال: إن ربك اتخذ في الفردوس واديا أفيح"، أي: واسعا يقال: فاح الوادي فهو أفيح على غير قياس والقياس فائح "فيه كثيب" مفرد كثب بضم الكاف والمثلثة وهو التل، ونسخة الجمع تصحيف، فالذي في المسند بالإفراد "من مسك فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله ما شاء من ملائكته" تعظيما لليوم وزيادة في إكرام هؤلاءстр. 4909
عليها مقاعد النبيين، وحفت تلك المنابر بمنابر من ذهب مكللة بالياقوت والزمرذ عليها الشهداء والصديقون، فجلسوا من ورائهم على تلك الكثب، فيقول الله: أنا ربكم، قد صدقتكم وعدي، فسلوني أعطكم، فيقولون: ربنا نسألك رضوانك، فيقول: قد رضيت عنكم، ولكم ما تمنيتم ولدي مزيد، فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم ربهم فيه من الخير، وفيه استوى ربك على العرش". رواه الشافعي في مسنده.
وروى مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة". فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج
الحواشي
(١) الملائكة بما يعطيهم من الخير فيه "وحوله" أي: الكثيب، وعلى الجمع فالضمير للوادي، لكن علم أنها تصحيف "منابر من نور عليها مقاعد النبيين" جمع نبي "وحفت تلك المنابر بمنابر من ذهب مكللة بالياقوت" من الجواهر معرب، وأجوده الأحمر الرماني نافع للوسواس والخفقان، وضعف القلب شربا ولجمود الدم تعليقا قاله القاموس "والزمرذ" بزاي أوله وذال معجمة آخره.
قال المجد: بضمات وشد الراء الزبرجد معرب "عليها الشهداء والصديقون، فجلسوا من ورائهم على تلك الكثب" كذا في النسخ والذي في المسند على ذلك الكثيب بإشارة المذكر وإفراد الكثيب، "فيقول الله: أنا ربكم قد صدقتكم" بخفة الدال وشدها "وعدي" لكم بالثواب، "فسلوني أعطكم" سؤالكم، "فيقولون: ربنا نسألك رضوانك" بكسر الراء وضمها لغة قيس وتميم بمعنى الرضا وهو خلاف السخط، "فيقول: قد رضيت عنكم ولكم ما تمنيتم ولدي مزيد" على ما تتمنون، ولا يخطر ببالكم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين، "فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم ربهم فيه من الخير" ابالغ الغاية، "وفيه استوى ربك على العرش" استواء يليق بجلاله، "رواه الشافعي في مسنده" وهو الأحاديث التي أسندها الشافعي مرفوعها وموقوفها، ووقعت في مسموع أبي العباس الأصم عن الربيع بن سليمان من كتاب الأم والمبسوط إلا أربعة أحاديث، رواها الربيع عن البويطي عن الشافعي التقطها محمد بن جعفر بن مطر النيسابوري من الأبواب لأبي العباس الأصم، وقيل: بل جردها الأصم بنفسه ولم يرتبها، ولذا وقع فيها تكرار في غير ما موضع قاله بعضهم.
"وروى مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "خير يوم" قال القرطبي: خير وشر يستعملان للمفاضلة ولغيرها، فإذا كانتا للمفاضلة فأصلهما أخير وأشر بوزن أفعل، وهي هنا للمفاضلة غير أنها مضافة لنكرة، موصوفة بقوله: "طلعت عليه الشمس يومстр. 4910
منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة".
وروى البيهقي في الدعوات من حديث أنس: كان ﷺ إذا دخل رجب قال: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان". وكان يقول ليلة الجمعة: "ليل أغر ويوم الجمعة يوم أزهر".
الحواشي
(١) الجمعة" أي: إنه أفضل من كل يوم طلعت عليه شمسه لما فيه من الأمور العظام والأشياء الجسام، كما أخبر ﵇ ونص على بعضها بقوله: "فيه خلق آدم" الذي هو أصل البشر، ومن ولده الأنبياء والأولياء والصلحاء وهذه نعم عظيمة، "وفيه أدخل الجنة" وذلك أساس النعمة ورأس المنحة وهو المقام الموعود للمقبلين على الطاعة، "وفيه أخرج منها" لا للطرد، بل لقضاء أوطاره، ثم يعود إليها، قاله ابن العربي وقال الطيبي: فإن قيل دخوله الجنة فيه فضل اليوم، فما الفضل في خروجه؟ أجيب: بأنه لما كان سببا لتكثير النسل وبث عباد الله تعالى في الأرضين وإظهار عبادة الله التي خلق الخلق لأجلها، وما أقيمت السموات والأرض إلا لها وكان لا يتم ذلك إلا بخروجه منها كان أحرى بالفضل من استمراره فيها.
وعند مسلم في حديث آخر عن أبي هريرة مرفوعا: "وخلق آدم في آخر ساعة من يوم الجمعة".
قال ابن كثير: فإن كان يوم خلقه يوم إخراجه، وقلنا الأيام الستة كهذه الأيام، فقد أقام في الجنة بعض يوم من أيام الدنيا وفيه نظر، وإن كان إخراجه في غير اليوم الذي خلق فيه، وقلنا: كل يوم بألف سنة، كما قال ابن عباس ومجاهد والضحاك واختاره ابن جرير فقد لبث هناك مدة طويلة.
زاد في رواية مالك وأبي داود وغيرهما وفيه تيب عليه وفيه مات، فقبول توبته مظهر لطف الله تعالى به وكمال رحمته عليه، وفيه إرشاد لمن زل واقترف الإثم بالتوبة، وموته فيه رجوعه إلى الأوطان وهو عاقبة كل حي وفيه راحة المؤمن من تعب الدنيا، "ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة" وبه يعلم حال كل نفس وفيه الوصول إلى دار الثواب، فهو سبب لتعجيل جزاء الأنبياء والمؤمنين وإظهار كرامتهم وشرفهم فهو من الفضائل أيضا.
"وروى البيهقي في الدعوات" والبزار وابن عساكر وأبو نعيم، كلهم "من حديث أنس: كان ﷺ إذا دخل رجب قال": "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان".
قال ابن رجب: فيه ندب الدعاء بالبقاء إلى الأزمان الفاضلة لإدراك الأعمال الصالحة فيها، فإن المؤمن لا يزيده عمره إلا خيرا، "وكان يقول ليلة الجمعة" نصب على الظرفية: "ليل أغر" أي: صبيح "ويوم الجمعة يوم أزهر" أي: نير مشرق، ولفظ رواية البيهقي: وكان إذاстр. 4911
وليوم الجمعة من الخواص ما يبلغ العشرين، ذكرها ابن القيم في "الهدي النبوي" لا أطيل بذكرها سيما وليست من غرضي.
وهو أفضل أيام الأسبوع، كما أن يوم عرفة أفضل أيام العام، وكذلك ليلة القدر وليلة الجمعة، ولهذا كان لوقفة الجمعة يوم عرفة مزية على سائر الأيام.
وقال أبو أمامة بن النقاش: يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم النحر أفضل أيام العام، قال: وغير هذا لا يسلم قائله من اعتراض يعجز عن دفعه. انتهى.
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة،
الحواشي
(١) كانت ليلة الجمعة، قال: "هذه ليلة غراء ويوم الجمعة يوم أزهر" فيحتمل أنه يقول: هذا كله عند دخول الليلة وهو الظاهر، فيوم في يوم الجمعة مرفوع، ويحتمل نصبه إن كان يقوله عند دخول يومها أما ليلة الجمعة فمنصوب لا غير كما تبين من رواية البيهقي، ثم الحديث ضعفه البيهقي ثم النووي وغيرهما، فمن قال: لم يصح في فضل رجب غيره لم يصب.
"وليوم الجمعة من الخواص ما يبلغ العشرين، ذكرها ابن القيم في الهدي النبوي لا أطيل بذكرها، سيما وليست من غرضي" لعل مراده ما سلم لابن القيم وإلا ففي الفتح ذكر ابن القيم في الهدي ليوم الجمعة اثنتين وثلاثين خصوصية، فسرد -أعني في الفتح- ستا وعشرين، ثم قال: وذكر فيها أشياء أخر فيها نظر وترك أشياء يطول تتبعها "وهو أفضل أيام الأسبوع، كما أن يوم عرفة أفضل أيام العام، وكذلك ليلة القدر" أفضل ليالي السنة، "وليلة الجمعة" أفضل ليالي الأسبوع، "ولهذا كان لوقفة الجمعة يوم عرفة مزية" فضيلة تميز بها "على سائر الأيام" لجمعه فضل الأسبوع والعام.
"وقال أبو أمامة بن النقاش: يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم النحر أفضل أيام العام" فخالف من فضل يوم رفة عليه، "قال: وغير هذا لا يسلم قائله من اعتراض يعجز عن دفعه. انتهى".
وفي شرح مسلم للمصنف: صرح أئمتنا الشافعية بأن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم عرفة أفضل أيام السنة، وفي أفضل الأيام مطلقا وجهان، أصحهما يوم عرفة، ومقتضى حديث خير يوم طلعت فيه الشمس تفضيله مطلقا كما هو الوجه الثاني.
"وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال": "نحن الآخرون" زمانا في الدنيا، "السابقون" أهل الكتاب وخيرهم منزلة وكرامة "يوم القيامة" في الحشر والحساب والقضاء لنا قبل الخلائق وفي دخول الجنة، وفي حديث حذيفة عند مسلم: "نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يومстр. 4912
بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا تبع: اليهود غدا والنصارى بعد غد". رواه البخاري.
وفي رواية ابن عيينة عن أبي الزناد عند مسلم: "نحن الآخرون ونحن
الحواشي
(١) القيامة المقضي لهم قبل الخلائق". وقيل: المراد بالسبق هنا إحراز فضيلة اليوم السابق بالفضل وهو يوم الجمعة، وهو وإن كان مسبوقا بسبب قبله، لكنه لا يتصور اجتماع الأيام الثلاثة متوالية إلا ويكون يوم الجمعة سابقا، وقيل: المراد السبق إلى القبول والطاعة التي حرمها أهل الكتاب، فقالوا: سمعنا وعصينا والأولى أقوى، قاله الحافظ.
"بيد أنهم" أي: اليهود والنصارى "أوتوا الكتاب" أي: التوراة والإنجيل، فاللام للجنس "من قبلنا" وفي رواية مسلم: غير أن كل أمة أوتيت الكتاب من قبلنا، وهذا شامل لجميع الكتب السماوية بدليل كل أمة، ثم خص اليهود والنصارى بالذكر، لأنهم أقرب زمانا وكتابهم أقوى تبيانا واختلافهم أوضح بطلانا.
قال الحافظ: وسقط من الأصل، أي: البخاري قوله وأوتيناه من بعدهم وهي ثابتة في رواية أبي زرعة الدمشقي عن أبي اليمان شيخ البخاري، فيه: أخرجه الطبراني في مسند الشاميين، وكا لمسلم من طريق ابن عيينة عن أبي الزناد ورواه البخاري تاما بعد من وجه آخر عن أبي هريرة، فقول القرطبي المراد بالكتاب فيه نظر، لقوله: وأوتيناه من بعدهم، فلو أريد التوراة ما صح الإخبار لأنا إنما أوتينا القرآن.
"ثم هذا" أي: يوم الجمعة "يومهم الذي فرض الله عليهم" تعظيمه، وهذه رواية الحموي للبخاري، ورواه الأكثر الذي فرض عليهم بالبناء للمجهول، وأشير إليه بهذا، لأنه ذكر في أول الكلام عند مسلم، من طريق آخر عن أبي هريرة، ومن حديث حذيفة قالا: قال ﷺ : "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا". الحديث. كما أفاده الحافظ، "فاختلفوا فيه". هل يلزم تعينه أم يسوغ إبداله بغيره، فاجتهدوا فأخطئوا، "فهدانا الله له" بجهتي البيان والتوفيق، "فالناس لنا تبع" فيه "اليهود" أي: تبعية اليهود "غدا" يوم السبت، "و" تبعية "النصارى بعد غد" يوم الأحد، كذا قدره ابن مالك ليسلم من الأخبار بظرف الزمان عن الجثة وسبقه إلى نحو ذلك عياض قال الحافظ وهو أوجه من قول القرطبي نصب غدا ظرفا متعلقا بمحذوف تقديره اليهود يعظمون غدا، وكذا قوله بعد غد ولا بد من هذا التقدير، لأن ظرف الزمان لا يخبر به عن الجثة ولابن خزيمة عن سعيد المقبري عن أبي هريرة فهو لنا ولليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد، والمعنى، أنه لنا بهداية الله ولهم باختيارهم وخطئهم في اجتهادهم، "رواه البخاري" بهذا اللفظ أول الجمعة عن أبي اليمان عن شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.стр. 4913
السابقون". أي الآخرون زمانا، والأولون منزلة.
والمراد باليوم: يوم الجمعة.
وقوله: "بيد" -بفتح الموحدة وإسكان المثناة من تحت وفتح الدال المهملة- أي: غير.
وإذا عرف هذا، فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ١٢٤] أي على نبيهم موسى حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت،
الحواشي
(١) "وفي رواية" سفيان "بن عيينة عن أبي الزناد" عبد الله بن ذكوان عن الأعرج عن أبي هريرة "عند مسلم" قال: قال ﷺ "نحن الآخرون ونحن السابقون" بعطف إحدى الصفتين على الأخرى إيذانا بأن كل واحدة منهما مستقلة في بيان الفضيلة، وكرر نحن إيماء إلى أن لكل واحد من هذين الوصفين اختصاصا بهذه الأمة لا يوجد في غيرها، لا أن حصولهما جميعا مختص بهم فقط ويحصل لغيرهم واحد منهما، فهذه الأمة وإن كانت آخر الأمم صورة فهم أولهم حقيقة، قاله الولي العراقي.
"أي: الآخرون زمانا والأولون منزلة", وفي نسخة: والسابقون، لكن الذي في الفتح الأولون وهي أنسب، لأن المراد تفسير السابقون في الحديث بالأولون في كل شيء يوم القيامة، "والمراد باليوم" في قوله: ثم هذا يومهم "يوم الجمعة" لذكره أولا في بعض طرق الحديث، "وقوله: بيد، بفتح الموحدة وإسكان المثناة من تحت وفتح الدال المهملة، أي: غير" وزنا ومعنى، وبه جزم الخليل والكسائي ورجحه ابن سيده، وعن الشافعي: معنى بيد من أجل، واستبعده عياض ولا بعد فيه، بل معناه أنا سبقنا بالفضل إذ هدينا للجمعة مع تأخرنا في الزمان، بسبب أنهم ضلوا عنها مع تقدمهم، ويشهد له ما في فوائد ابن المقري عن أبي صالح عن أبي هريرة، بلفظ: نحن الآخرون في الدنيا ونحن أول من يدخل الجنة، لأنهم أوتوا اكتاب من قبلنا، وفي موطأ سعيد بن عفير عن مالك عن أبي الزناد، بلفظ: ذلك بأنهم أوتوا الكتاب.
وقال الداودي: هي بمعنى على أو مع، قال القرطبي: إن كانت بمعنى غير فنصب على الاستثناء، وإن كانت بمعنى مع فنصب على الظرف، وقال الطيبي هي للاستثناء وهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم، والمعنى: نحن السابقون للفضل، غير أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ووجه التأكيد ما أدمج فيه من معنى النسخ، لأن الناسخ هو السابق في الفضل وإن تأخر الوجود، وبهذا التقرير يظهر قوله نحن الآخرون مع كونه أمرا واضحا، قاله الحافظ، "وإذا عرف هذا فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ﴾ أي: تعظيمه والتخلي فيه للعبادة ﴿عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيه﴾ ,стр. 4914
فاختلافهم في السبت كان اختلافا على نبيهم في ذلك اليوم لأجله.
فإن قيل: هل في العقل وجه يدل على أن يوم الجمعة أفضل من السبت والأحد، وذلك لأن أهل الملل اتفقوا على أنه تعالى خلق العالم في ستة أيام، وبدأ الخلق والتكوين في يوم الأحد، وتم يوم الجمعة، فكان الفراغ في يوم السبت، فقالت اليهود: نحن نوافق ربنا في ترك الأعمال، فعينوا السبت لهذا المعنى، وقالت النصارى: مبدأ الخلق والتكوين يوم الأحد، فنجعل هذا عيدا لنا، فهذان اليومان معقولان، فما الوجه في جعل يوم الجمعة عيدا.
فالجواب: إن يوم الجمعة هو يوم الكمال والتمام، وحصول الكمال والتمام يوجب الفرح الكامل والسرور العظيم، فجعل يوم الجمعة يوم أولى من هذا الوجه والله أعلم.
قال ابن بطال: وليس المراد في الحديث أنه فرض عليهم يوم الجمعة بعينه
الحواشي
(١) أي: على نبيهم موسى حيث أمرهم بالجمعة" فناظروه وقالوا: السبت أفضل "فاختاروا السبت" فأوحى الله إليه دعهم وما اختاروا لأنفسهم "فاختلافهم في السبت كان اختلافا على نبيهم في ذلك اليوم لأجله" فإنما أمروا أولا بالجمعة صريحا، "فإن قيل: هل في العقل وجه يدل على أن يوم الجمعة أفضل من السبت والأحد، وذلك لأن أهل الملل اتفقوا على أنه تعالى خلق العالم في ستة أيام، وبدأ الخلق والتكوين في يوم الأحد" وختمه في يوم الجمعة، "فكان الفراغ في يوم السبت، فقالت اليهود: نحن نوافق ربنا في ترك الأعمال" ونتفرغ للعبادة، "فعينوا السبت لهذا المعنى" فألزموا به وشدد عليهم أمره.
"وقالت النصارى: مبدأ الخلق والتكوين يوم الأحد، فنجعل هذا عيدا لنا" لأن بدء الخلق موجب للشكر والعبادة، "فهذان اليومان معقولان" فعظمهما اليهود والنصارى لحكمة عقلية بزعمهم، "فما الوجه" من جهة العقل "في جعل يوم الجمعة عيدا، فالجواب أن يوم الجمعة هو يوم الكمال والتمام، وحصول الكمال والتمام يوجب الفرح الكامل والسرور العظيم،" ألفاظ متقاربة المعاني، "فجعل يوم الجمعة يوم عيد أولى" أحق "من هذا الوجه" العقلي "والله أعلم".
وقال البيضاوي: لأن الله تعالى خلق الإنسان للعبادة وكان خلقه يوم المعة، فالعبادة فيه أولى، ولأنه تعالى أوجد في سائر الأيام ما ينفع به الإنسان، وفي يوم الجمعة أوجد الإنسان نفسه والشكر على نعمة الوجود أهم وأحرى.стр. 4915
فتركوه، لأنه لا يجوز لأحد أن يترك ما فرض الله تعالى عليه وهو مؤمن، وإنما يدل -والله أعلم- أنه فرض عليهم يوم من الجمعة، ووكل إلى اختيارهم ليقوموا فيه لشريعتهم فاختلفوا فيه ولم يهتدوا ليوم الجمعة.
كذا قال، ولكن قد روى ابن أبي حاتم عن إسماعيل السدي التصريح بأنه فرض عليهم يوم الجمعة بعينه، فأبوا، ولفظه: "إن الله فرض على اليهود يوم الجمعة فأبوا، وقالوا: يا موسى اجعل لنا يوم السبت فجعل عليهم". وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم، كما وقع لهم في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] وهم القائلون: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣] .
الحواشي
(١) "قال ابن بطال: وليس المراد في الحديث أنه فرض عليهم يوم الجمعة بعينه" أي: بالنص عليه "فتركوه لأنه لا يجوز لأحد أن يترك ما فرض الله تعالى عليه وهو مؤمن، وإنما يدل" الحديث "والله أعلم أنه فرض عليهم يوم من الجمعة، ووكل" تعيينه "إلى اختيارهم ليقوموا فيه لشريعتهم، فاختلفوا فيه" أي الأيام هو "ولم يهتدوا ليوم الجمعة" الذي هو أفضل الأيام وذهلوا عن الفضائل الواقعة فيه كخلق آدم وغير ذلك، عن تلك الحكم العقلية الثلاثة، "كذا قال" ابن بطال.
قال الحافظ: ومال إليه عياض، ورشحه بأنه لو كان فرض عليهم بعينه لقيل: فخالفوا بدل فاختلفوا، وقال النووي: يمكن أنهم أمروا به صريحا، فاختلفوا هل يلزم بعينه ويسوغ إبداله بيوم آخر، فاجتهدوا في ذلك فاخطئوا انتهى.
ويشهد له ما رواه الطبري بإسناد صحيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ١٢٤] .
قال: أرادوا الجمعة فأخطئوا وأخذوا السبت مكانه، ويحتمل أن يراد بالاختلاف اختلاف اليهود والنصارى في ذلك، "ولكن قد روى ابن أبي حاتم" بإسناد صحيح "عن إسماعيل السدي" بضم المهملة "التصريح بأنه فرض عليهم يوم الجمعة بعينه فأبوا، ولفظه: "إن الله فرض على اليهود يوم الجمعة، فأبوا وقالوا: يا موسى اجعل لنا يوم السبت" لفظ السدي كما في الفتح، إن الله لم يخلق يوم السبت شيئا فاجعله لنا، "فجعل عليهم" وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم" فقد عهدت لهم صريحا "كما وقع لهم في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ﴾ أي: باب القرية وهي بيت المقدس أو أريحاء ﴿سُجَّدًا﴾ منحنين، ﴿وَقُولُوا﴾ مسألتنا ﴿حِطَّةٌ﴾ أي: أن تحط عنا خطايانا، فقالوا: حبة في شعرة ودخلوا يزحفون علىстр. 4916
ويحتمل قوله "فهدانا الله له" بأن نص لنا عليه، وأن يراد الهداية إليه بالاجتهاد، ويشهد للثاني ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول الله ﷺ وقبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يوما يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فهلم فلنجعل لنا يوما نجتمع فيه نذكر الله تعالى ونصلي ونشكره، فجعلوه يوم العروبة. واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ، وأنزل الله بعد ذلك: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] وهذا وإن كان مرسلا فله شاهد بإسناد حسن أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه ابن خزيمة من حديث
الحواشي
(١) أستاههم "وهم القائلون: ﴿سَمِعْنَا﴾ قولك ﴿وَعَصَيْنَا﴾ " أمرك، "ويحتمل قوله: "فهدانا الله له" بأن نص لنا عليه، وأن يراد الهداية إليه بالاجتهاد" الذي طابق الصواب، "ويشهد للثاني ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين، قال: جمع" بالتشديد، أي: شهد الجمعة "أهل المدينة" كما يقال عيدوا إذا شهدوا العدين "قبل أن يقدمها رسول الله ﷺ وقبل أن تنزل الجمعة" أي: فرضها بقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
"فقالت الأنصار" بين به سبب تجميعهم، فالفاء للسببية، "إن لليهود يوما يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فهلم فلنجعل لنا يوما نجتمع فيه نذكر الله تعالى ونصلي ونشكره" على نعمه، "فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة، فصلى بهم يومئذ" ركعتين، فإن قيل المشروع حينئذ الظهر، والاكتفاء عنها بركعتين إنما يكون بتوقيف لا بالاجتهاد، فالجواب أن الصلاة فرضت أولا ركعتين كما في الصحيحين عن عائشة، وإنما زيد في صلاة الحضر بعد الهجرة إما بقليل أو بنحو عام كما مر، فالذي اجتهدوا فيه إنما هو الخطبة قبل الصلاة لا الركعتان اللتان هما الظهر، فلا ضير في تقديم حمد ووعظ قبل صلاتهما، أما على أنها فرضت أربعا كما في مسلم عن ابن عباس، فالسؤال وارد اللهم إلا أن يقال يحتمل أن أسعد علم بأنها فرضت بمكة، ولم يتمكن ﷺ من إقامتها فيها على نحو ما يأتي قريبا للمصنف.
"وأنزل الله بعد ذلك" أي: بعد الهجرة النبوية للمدينة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] الآية، ففيها أن الجمعة فرض، لأن الأذان من خواص الفرائض، ولأنه لا ينهى عن المباح نهي تحريم إلا إذا أفضى إلى ترك واجب، ويضاف إلى ذلك التوبيخ على قطعها والآية مدنية، فيدل على أنها إنما فرضت بالمدينة وعليه الأكثر، وقال الشيخ أبو حامد: فرضت بمكة، قال الحافظ: وهو غريب.стр. 4917
كعب بن مالك قال: كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم رسول الله ﷺ المدينة أسعد بن زرارة.
فمرسل ابن سيرين يدل على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد، ولا يمنع ذلك أن النبي ﷺ علمه بالوحي وهو بمكة، فلم يتمكن من إقامتها ثم، ولذلك جمع بهم أول ما قدم المدنية. انتهى.
وقال ابن إسحاق: لما قدم الصلاة والسلام المدينة أقام بقباء، في بني عمرو بن عوف، يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس، وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة، فأدركته الجمعة في بني سالم، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة وذلك قبل تأسس مسجده.
الحواشي
(١) "وهذا وإن كان مرسلا" لأن ابن سيرين من التابعين "فله شاهد بإسناد حسن أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة" وغير واحد، كما في الفتح "من حديث كعب بن مالك" الأنصاري أحد الثلاثة الذين خلفوا، "قال: كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم رسول الله ﷺ المدينة أسعد بن زرارة" بضم الزاي النجاري، شهد العقبات الثلاثة ومات في شوال سنة إحدى من الهجرة بالمدينة، وصلى عليه النبي ﷺ "فمرسل ابن سيرين يدل على أن أولئك الصحابة" أسعد ومن معه، "اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد ولا يمنع ذلك أن النبي ﷺ علمه بالوحي وهو بمكة فلم يتمكن من إقامتها ثم" أي: هناك، أي: بمكة لغلبة المشركين حينئذ.
زاد الحافظ: وقد ورد فيه حديث ابن عباس عند الدارقطني "ولذلك جمع بهم أول ما قدم المدينة" كما حكاه ابن إسحاق وغيره، فقد حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوفيق. "انتهى" كلام فتح الباري بما زدته عنه من أول قوله، يحتمل قوله: فهدانا الله بلفظه وما قبله عن ابن بطال ... إلخ منه أيضا ببعض تصرف.
"وقال" محمد "بن إسحاق" أمام المغازي "لما قدم ﵊ المدينة أقام بقباء" بضم القاف "في بني عمرو بن عوف" من الأنصار "يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس وأسس مسجدهم" الذي أس على التقوى، "ثم خرج يوم الجمعة فأدركته الجمعة في بني سالم، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة، وذلك قبل تأسيس مسجده" ﷺ "وكان ﷺ يصلي الجمعة حينстр. 4918
وكان ﷺ يصلي الجمعة حين تميل الشمس. رواه البخاري من حديث أنس، وفي رواية: إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة -يعني الجمعة- وفي رواية سهل بن سعد عند البخاري ومسلم: كنا نصلي معه ﷺ الجمعة ونقيل بعد الجمعة.
الحواشي
(١) تميل الشمس" عن كبد السماء وفيه إشعار بمواظبته على ذلك.
وأما رواية حميد التي بعدها في البخاري عن أنس: كنا نبكر بالجمعة ونقيل بعد الجمعة، فظاهره أنهم كانوا يصلونها باكر النهار، لكن طريق الجمع أولى من دعوى التعارض، والتبكير يطلق على فعل الشيء في أول وقته أو تقديمه على غيره وهو المراد هنا، والمعنى أنهم كانوا يبدءون بالصلاة قبل القيلولة، بخلاف ما جرت به عادتهم في صلاة الظهر في الحر، فكانوا يقيلون ثم يصلون لمشروعية الإبراد، ولهذه النكتة أورد البخاري طريق حميد عن أنس عقب طريق عثمان بن عبد الرحمن عنه قال ابن المنير: فسر البخاري حديث أنس الثاني بحديثه الأول إشارة منه إلى أنه لا تعارض بينهما.
قال الحافظ: ولم يصرح البخاري برفع حديث أنس الثاني، وقد أخرجه الطبراني وابن حبان، فزادا فيه مع النبي ﷺ ، "رواه البخاري من حديث أنس" وهو من أفراده عن مسلم كحديث: كنا نبكر بالجمعة.
"وفي رواية" للبخاري أيضا من أفراده: كان النبي ﷺ "إذا اشتد البرد بكر بالصلاة" صلاها في أول وقتها على الأصل، "وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة" قال الراوي: "يعني الجمعة" قياسا على الظهر لا بالنص، لأن أكثر الأحاديث تدل على التفرقة في الظهر، وعلى التبكير في الجمعة مطلقا من غير تفصيل، ونحا البخاري إلى مشروعية الإبراد بالجمعة، ولم يثبت الحكم بذلك، وإنما قال: باب إذا اشتد الحر يوم الجمعة، لأن قوله يعني يحتمل أنه قول التابعي مما فهمه، وأن يكون من نقله فرجح عنده إلحاقها بالظهر، لأنه إما ظهر وزيادة أو بدل عن الظهر، قاله ابن المنير.
"وفي رواية سهل بن سعد عند البخاري" في مواضع مطولا ومختصرا، بلفظه: "ومسلم" بمعناه قال: "كنا نصلي معه ﷺ الجمعة ونقيل" بفتح النون، أي: نستريح "بعد" صلاة "الجمعة" ولفظ مسلم عن سهل: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد صلاة الجمعة في عهد رسول الله ﷺ وإنما فعلوا ذلك عرضا عوضا لما فاتهم من ذلك في وقته المعتاد لاشتغالهم بالتأهب للجمعة، ثم لحضورها، فلا حجة فيه لمن أخذ منه جواز صلاة الجمعة قبل الزوال، بل أخذ منهстр. 4919
ثم اعلم أن الخطبة شرط في انعقاد الجمعة، لا تصح إلا بها، وقال سعيد بن جبير: هي بمنزلة الركعتين من صلاة الظهر، فإذا تركها وصلى الجمعة فقد ترك ركعتين من صلاة الظهر.
ولم يكن يؤذن في زمانه ﷺ على المنار، وبين يديه، وإنما كان يؤذن بلال وحده بين يديه ﷺ إذا جلس على المنبر، كما صرح به أئمة الحنفية والمالكية والشافعية وغيرهم.
وعبارة البرهان المرغيناني من الحنفية في هدايته: وإذا صعد الإمام على المنبر جلس، وأذن المؤذن بين يدي المنبر، جرى التوارث، ولم يكن على عهد رسول الله ﷺ إلا هذا الأذان.
وعبارة ابن الحاجب من المالكية: ويحرم السعي عند أذان جلوس الخطبة،
الحواشي
(١) ابن المنير أن الجمعة بعده، لأن العادة في القائلة أن تكون قبله، فأخبر الصحابي أنهم كانوا يشتغلون بالتهيؤ للجمعة عوض القائلة، ويؤخرون القائلة حتى تكون بعد صلاة الجمعة، "ثم اعلم أن الخطبة" أي: جنسها، فشمل الخطبتين "شرط في انعقاد الجمعة لا تصح إلا بها" ويأتي ما يدل على شرط تقديمها على الصلاة.
"وقال سعيد بن جبير" التابعي: "هي بمنزلة الركعتين من صلاة الظهر، فإذ تركها وصلى الجمعة فقد ترك ركعتين من صلاة الظهر" أي: حكمه حكم من ترك ذلك، ومعلوم أنه لا تصح صلاته، وهذا يتأتى على القول بأنها بدل عن الظهر فهي ظهر مقصورة، وقيل: هي فرض يومها، وهو المرجح عند الشافعية، والقول: لأن مرجحان عند المالكية، وعليه: فإذا ترك الخطبة وصلى الجمعة لا تصح أيضا، لكن لفقد شرطا الذي هو الخطبتان لا لنقص ركعتين كما يقول الأول.
"ولم يكن يؤذن في زمانه ﷺ على المنار" أي: المئذنة "وبين يديه، وإنما كان يؤذن بلال وحده بين يديه ﷺ إذا جلس على المنبر كما صرح به أئمة الحنفية والمالكية والشافعية وغيرهم" من المجتهدين، فهو بالرفع عطف على أئمة، "وعبارة البرها" أبي الحسن علي بن بي بكر، "المرغيناني" بفتح الميم وسكون الراء وكسر الغين المعجمة وتحتية ساكنة ونونين بينهما ألف نسبة إلى مرغينان مدينة بفرغانة بلد وراء نسا من خراسان، "من الحنفية في هدايته: وإذا صعد الإمام على المنبر جلس وأذن المؤذن بين يدي المنبر، بذلك جرى التوارث ولم يكن على عهد رسول الله ﷺ إلا هذا الأذان" دون الذي يفعل الآن قبله على المنابر، "وعبارة ابن الحاجب من المالكية: ويحرم السعي" كذا في النسخ، والذي في ابنстр. 4920
وهو المعهود، فلما كان عثمان وكثروا أمر بالأذان قبله على الزوراء، ثم نقله هشام إلى المسجد، وجعل الآخر بين يديه. انتهى.
ونحوه قال عبد الحق في "تهذيب الطالب".
وأما قول ابن أبي زيد في رسالته: وهذا الأذان الثاني أحدثه بنو أمية. فقال شارحوه -الفاكهاني وغيره: يعني الثاني في الأحداث وهو الأول في الفعل، قال: وكان بعض شيوخنا يقول: الأول هو الثاني، والثاني هو الأول ومنشؤه ما تقدم.
الحواشي
(١) الحاجب: ويحرم الاشتغال عن السعي، قال في التوضيح، الاشتغال بالبيع وغيره "عند أذان جلوس الخطبة" أي: جلوس الاستراحة قبلها "وهو المعهود" أي: في زمانه ﷺ ولم يكن في زمانه يؤذن على المنار وبين يديه كما يفعل اليوم، قاله في التوضيح، ولما قرأ شيخنا هذا المحل سألني عن عبارة ابن الحاجب التي تحرفت على المصنف، وعن شرح لها فلم يكن عندي شيء، فقلت له: لعله أراد السعي في البيع والشراء والإجارة، وبين الصفوف ونحو ذلك من الأمور الممنوعة بالأذان الثاني في الفعل كما هو مذهب مالك فأمر بكتب ذلك، هذا وحذف المصنف من ابن الحاجب بعد قوله وهو المعهود قيل: مرة وقيل: مرتين وقيل: ثلاثا.
قال في التوضيح: القول بأنه مرة نقله ابن القاسم عن مالك في المجموعة، ونقل في النوادر عن ابن حبيب، أنه كان المؤذنون ثلاثة واحد بعد واحد، "فلما كان" أي: صار "عثمان" خليفة فحذف الخبر، "وكثروا" أي: الناس الذين يحضرون الجمعة بالمدينة "أمر بالأذان قبله" أي قبل الأذان الذي بين يدي الخطيب "على الزوراء" بفتح الزاي وسكون الواو فراء ممدودة، "ثم نقله هشام" بن عبد الملك وكان بعد عثمان بثمانين سنة "إلى المسجد" أي: أمر بفعله فيه "وجعل الآخر" الذي يفعل بعد جلوس الخطيب على المنبر" بين يديه" مرة واحدة بمعنى أنه أبقاه بالمكان الذي يفعل فيه فلم يغيره بخلاف ما كان يفعل بالزوراء فحوله إلى المسجد على المنا، "انتهى" كلام ابن الحاجب "ونحوه" نصب مفعول فعله، "قال:" وفاعله "عبد الحق في" كتاب "تهذيب الطالب".
"وأما قول ابن أبي زيد في رسالته: وهذا الأذان الثاني أحدثه بنو أمية" يعني عثمان ولو عبر به كان أولى، لأنه وإن كان أمويا لكنه ثالث الخلفاء الراشدين وبنو أمية صار علما بالغلبة على من بعد علي وابنه الحسن، "فقال شارحوه" أي: كتاب الرسالة "الفاكهاني وغيره، يعني الثاني في الأحداث وهو الأول في الفعل" الذي يفعل على المنابر.
"قال" الفاكهاني: "وكان بعض شيوخنا يقول الأول" في الفعل "هو الثاني" فيстр. 4921
انتهى.
وعبارة الزركشي -كغيره من الشافعية: ويجلس الإمام على المستراح ليستريح من تعب الصعود، ثم يؤذن المؤذن بعد جلوسه، فإن التأذين كان حين يجلس رسول الله ﷺ ولم يكن قبله أذان، فلما كان زمن عثمان وكثر الناس، أمرهم بالتأذين ثانيا، ثم يديم الجلوس إلى فراغ المؤذن، انتهى.
وعن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان وكثر الناس، زاد النداء الثالث على الزوراء، رواه البخاري وقال: الزوراء موضع بالسوق بالمدينة.
الحواشي
(١) الأحداث "والثاني" في الفعل "هو الأول" في المشروعية، "ومنشؤه" أي: مبناه، وفي نسخ: ومفسره "ما تقدم" هو قوله، يعني الثاني ... إلخ، "انتهى" كلام الفاكهاني.
"وعبارة الزركشي -كغيره من الشافعية، ويجلس الإمام على المستراح" محل الراحة وهو أعلى المنبر "ليستريح من تعب الصعود" هذا أحد القولين في تعليله والثاني للأذان، فعليه لا يسن في العيد، إذ لا أذان لها، "ثم يؤذن المؤذن بعد جلوسه" للاستراحة، "فإن التأذين كان حين يجلس رسول الله ﷺ ولم يكن قبله" أي: قبل الأذان بين يديه "أذان، فلما كان زمن" خلافة "عثمان" أي: في أثنائها "وكثر الناس" المسلمون الذين يحضرون الجمعة بالمدينة "أمرهم بالتأذين ثانيا" أي: بإحداث أذان ثان على الزوراء وإن كان الأول فعلا، "ثم يديم الجلوس إلى فراغ المؤذن. ا. هـ".
"وعن السائب بن يزيد" بن سعيد الكندي، صحابي صغير، له أحاديث قليلة وحج به في حجة الوداع وهو ابن سبع سنين، ووله عمر سوق المدينة، مات سنة إحدى وتسعين، وقيل: قبلها وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، "قال: كان النداء" الذي ذكره الله في القرآن "يوم الجمعة أوله" بالرفع بدل من اسم كان، وخبرها قوله: "إذا جلس الإمام على المنبر".
وعند ابن خزيمة عن السائب: كان ابتداء الأذان الذي ذكره في القرآن يوم الجمعة إذا خرج الإمام وإذا أقيمت الصلاة "على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر" أي: مدة خلافتهما، "فلما كان عثمان" أي: خليفة "وكثر الناس" زاد في رواية الإسماعيلي بالمدينة، وظاهره أن عثمان أمر بذلك في ابتداء خلافته، لكن في مستخرج أبي نعيم أن ذلك كان بعد مضي مدة من خلافته.
"زاد النداء الثالث" بعد دخول الوقت "على الزوراء، رواه البخاري" من أفراده عن مسلمстр. 4922
وفي رواية له أيضا: أن التأذين الثاني يوم الجمعة أمر به عثمان حين كثر أهل المسجد، وهو يفسر بما فسر به قول ابن أبي زيد السابق.
وعند ابن خزيمة: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر أذانين يوم الجمعة. قال ابن خزيمة: قوله "أذانين" يريد: الأذان والإقامة تغليبا أو لاشتراكهما في الإعلام.
وللنسائي: كان بلال يؤذن إذا جلس النبي ﷺ على المنبر، فإذا نزل أقام.
وفي رواية وكيع عن ابن أبي ذئب: فأمر عثمان بالأذان الأول، ونحوه للشافعي من هذا الوجه.
الحواشي
(١) من طريق ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب عن السائب وله عنده طرق تدور على الزهري عن السائب.
"وقال" البخاري عقب روايته في رواية أبي ذر له وحده، "الزوراء موضع بالسوق بالمدينة" على المعتمد، وجزم ابن بطال، بأنه حجر كبير عند باب المسجد وفيه نظر لما في رواية ابن خزيمة وابن ماجه، بلفظ: زاد النداء الثالث على دار في السوق يقال لها الزوراء وكان يؤذن له عليها، فإذا جلس على المنبر أذن مؤذنه الأول، فإذا نزل أقام الصلاة، وفي رواية: فأذنه مؤذن بالزوراء قبل خروجه ليعلم الناس أن الجمعة قد حضرت، وفي مسلم عن أنس أن نبي الله وأصحابه كانوا بالزوراء والزوراء بالمدينة عند السوق، قاله الحافظ.
"وفي رواية له" للبخاري "أيضا" من طريق عقيل عن ابن شهاب عن السائب "إن التأذين الثاني يوم الجمعة أمر به عثمان حين كثر أهل المسجد" النبوي في أثناء خلافته "وهو يفسر بما فسر به قول ابن أبي زيد السابق" إنه الثاني في الأحداث أول في الفعل.
"وعند ابن خزيمة" عن الزهري عن السائب: "كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر أذانين يوم الجمعة، قال ابن خزيمة قوله: أذانين يريد الأذان والإقامة تغليبا" لأنه شرعا غير الإقامة، فغلب عليها فسماها باسمه "أو لاشتراكهما في الإعلام" فلا تغليب، لأن الأذان لغة الإعلام، وفي الإقامة إعلام بدخول وقت الصلاة كالأذان، فهو حقيقة لغوية في كل منهما، "وللنسائي" عن الزهري عن السائب: "كان بلال يؤذن إذا جلس لنبي ﷺ على المنبر، فإذا نزل" عنه "أقام" الصلاة.
"وفي رواية وكيع" بن الجراح، "عن ابن أبي ذئب" محمد بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن السائب عند ابن خزيمة: "فأمر عثمان بالأذان الأول" فعلا، "ونحوه للشافعي منстр. 4923
قال في فتح الباري: ولا منافاة بينهما، لأنه باعتبار كونه مزيدا يسمى ثالثا، وباعتبار كونه مقدما على الأذان والإقامة يسمى أولا. وأما قوله في رواية البخاري: "إن التأذين الثاني"، فمتوجه بالنظر إلى الأذان الحقيقي لا الإقامة.
وقال الشيخ خليل في "التوضيح" واختلف النقل: هل كان يؤذن بين يديه ﵊، أم على المنار؟
الذي نقله أصحابنا أنه كان على المنار، نقله ابن القاسم عن مالك في "المجموعة".
ونقل ابن عبد البر في كافية عن مالك أن الأذان بين يدي الإمام ليس من الأمر القديم.
وقال غيره: هو أصل الأذان في الجمعة، وكذا نقل صاحب "تهذيب الطالب" والمازري.
وفي "الاستذكار": إن هذا اشتبه على بعض أصحابنا، فأنكر أن يكون الأذان
الحواشي
(١) هذا الوجه" أي: عن وكيع ... إلخ.
"قال في فتح الباري: ولا منافاة بينهما لأنه باعتبار كونه مزيدا يسمى ثالثا" قبله الأذان بين يديه ثم الإقامة فهو ثالث، "وباعتبار كونه مقدما على الأذان" بين يدي الخطيب "والإقامة يسمى أولا.
"وأما قوله في رواية البخاري" المذكورة ثانيا "إن التأذي الثاني" ليوم الجمعة أمر به عثمان حين كثر أهل المسجد "فمتوجه" أي: منصرف أو منساق "بالنظر إلى الأذان الحقيقي لا الإقامة" فلا.
"وقال الشيخ خليل" بن إسحاق "في التوضيح اسم شرحه على ابن الحاجب.
"واختلف النقل هل كان بين يديه ﵊ أو على المنار الذي نقله أصحابنا أنه كان على المنار، نقله ابن القاسم" عبد الرحمن "عن مالك في المجموعة" اسم كتاب.
"ونقل ابن عبد البر في كافيه" اسم كتاب له في الفقه، "عن مالك أن الأذان بين يدي الإمام ليس من الأمر القديم، وقال غيره" أي: غير مالك "هو أصل الأذان في الجمعة" الذي كان في العهد النبوي.
"وكذا نقل صاحب تهذيب الطالب" لعبد الحق "والمازري، وفي الاستذكار" اسمстр. 4924
يوم الجمعة بين يدي الإمام كان في زمنه ﵊ وأبي بكر وعمر، وأن ذلك حدث في زمن هشام.
قال: وهذا قول من قل علمه، ثم استشهد بحديث السائب بن يزيد المروي في البخاري السابق، ثم قال: وقد رفع الإشكال فيه ابن إسحاق عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: كان يؤذن بين يدي النبي ﷺ إذا جلس على المنبر يوم الجمعة وأبي بكر وعمر. انتهى.
والحكمة في جعل الأذان في هذا المحل ليعرف الناس بجلوس الإمام على المنبر فينصتون له إذا خطب. قاله المهلب.
قال في فتح الباري: وفيه نظر، فإن في سياق محمد بن إسحاق عند
الحواشي
(١) الشرح الصغير على الموطأ لابن عبد البر "إن هذا اشتبه على بعض أصحابنا، فأنكر أن يكون الأذان يوم الجمعة بين يدي الإمام، كان في زمنه ﵊ وأبي بكر وعمر وأن ذلك حدث في زمن هشام" بن عبد الملك "قال" وفي الاستذكار، "وهذا قول من قل علمه" بالأحاديث، وكأنه يعني الداودي، وفي فتح الباري تواردت الشراح على أن معنى قول الأذان الثالث أن الأولين الأذان والإقامة، لكن نقل الداودي أن الأذان أولا كان في سفل المسجد، فلما كان عثمان جعل من يؤذن على الزوراء، فلما كان هشام، يعني ابن عبد الملك جعل من يؤذن بين يديه فصاروا ثلاثة، فسمي فعل عثمان ثالثا لذلك. ا. هـ.
وهذا الذي ذكره يغني ذكره عن تكلف رده، فليس له فيما قاله سلف، ثم هو خلاف الظاهر، فتسمية ما أمر به عثمان ثالثا يستدعي سبق اثنين قبله، وهشام إنما كان بعد عثمان بثمانين سنة. ا. هـ.
"ثم استشهد" في الاستذكار "بحديث السائب بن يزيد" بياء قبل الزاي، "المروي في البخاري السابق" قريبا، "ثم قال" بعد ذكره.
"وقد رفع الإشكال فيه ابن إسحاق عن الزهري عن السائب بن يزيد، قال: كان يؤذن" بالبناء للمفعول والمؤذن بلال "بين يدي النبي ﷺ إذ جلس على المنبر يوم الجمعة وأبي بكر وعمر. ا. هـ" كلام التوضيح "والحكمة في جعل الأذان في هذا المحل" أي: بين يدي الخطيب "ليعرف الناس بجلوس الإمام على المنبر، فينصتون" بضم الياء من أنصت أكثر من فتحها من نصت كضرب، أي: فهم يستمعون "له إذا خطب، قاله المهلب" وفي نسخة: فينصتوا بحذف النون عطفا على يعرف.стр. 4925
الطبراني وغيره في هذا الحديث: أن بلالا كان يؤذن على باب المسجد، فالظاهر أنه كان لمطلق الإعلام لا لخصوص الإنصات.
والذي يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمان في جمع البلاد إذ ذاك، لكونه كان حينئذ خليفة مطاع الأمر، لكن ذكر الفاكهي أن أول من أحدث الأذان الأول بمكة الحجاج وبالبصرة زياد.
وفي تفسير جويبر عن الضحاك عن معاذ: أن عمر أمر مؤذنين أن يؤذنا للناس الجمعة خارجا عن المسجد حتى يسمع الناس، وأمر أن يؤذن بين يديه كما كان في عهد النبي ﷺ وأبي بكر، ثم قال عمر: نحن ابتدعناه لكثرة المسلمين.
وهذا منقطع بين مكحول ومعاذ، ولا يثبت، وقد تواردت الأخبار أن عثمان
الحواشي
(١) "قال في فتح الباري: وفيه نظر: فإن في سياق محمد بن إسحاق عند الطبراني وغيره" عن الزهري "في هذا الحديث" عن السائب "أن بلالا كان يؤذن على باب المسجد، فالظاهر أنه كان لمطلق الإعلام لا لخصوص الإنصات" نعم لما زيد الأذان الأول كان للإعلام، وكان الذي بين يدي الخطيب للإنصات، هذا حذفه من كلام الفتح، ثم قال فيه بعد قليل: "والذي يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمان في جميع البلاد، إذ ذاك لكونه كان حينئذ خليفة مطاع الأمر".
وفي رواية للبخاري عن السائب: فأذن به على الزوراء، فثبت الأمر على ذلك، ولابن خزيمة: فثبت ذلك حتى الساعة، "لكن ذكر الفاكهي" في تاريخ مكة "أن أول من أحدث الأذان الأول بمكة الحجاج" بن يوسف "وبالبصرة زياد" ابن أبيه، وهذا استدراك على قوله: في جميع البلاد.
زاد الحافظ: وبلغني أن أهل المغرب الأدنى الآن لا تأذين للجمعة عندهم سوى مرة.
"وفي تفسير جويبر" تصغير جابر "عن الضحاك" بن زياد الراوي عن برد بن سنان عن مكحول كما في الفتح قبل قوله: "عن معاذ" بن جبل "أن عمر أمر مؤذنين" بالتثنية بدليل قوله: "أن يؤذنا للناس الجمعة خارجا عن المسجد حتى يسمع الناس، وأمر أن يؤذن بين يديه كما كان في عهد النبي ﷺ وأبي بكر، ثم قال عمر: نحن ابتدعناه" أي: تعدد الأذان "لكثرة المسلمين" فهذا يخالف حديث السائب، وبما أسقطه من قول الفتح عن برد بن سنان عن مكحول يتضح قوله، "وهذا منقطع بين مكحول ومعاذ ولا يثبت".
قال الحافظ: أن معاذا كان خرج من المدينة إلى الشام في أول ما غزوا الشام، واستمرстр. 4926
هو الذي زاده فهو المعتمد.
وقد روى عبد الرزاق ما يقوي هذا الأثر عن ابن جريج قال: قال سليمان بن موسى: أول من زاد الأذان بالمدينة عثمان، فقال عطاء: كلا، إنما كان يدعو الناس ولا يؤذن غير أذان واحد. انتهى.
لكن عطاء لم يدرك عثمان بن عفان، فرواية من أثبت ذلك عنه مقدمة على إنكاره. ويمكن الجمع بأن الذي كان في زمن عمر بن الخطاب استمر على عهد عثمان، ثم رأى أن يجعله أذانا وأن يكون على مكان عال، ففعل ذلك، فنسب إليه لكونه بألفاظ الأذان، وترك ما كان يفعله عمر لكونه مجرد إعلام.
وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة.
فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار، وأن يكون أراد به: إنه لم يكن في زمنه ﵊، لأن كل ما لم يكن في زمنه ﵊ يسمى بدعة، لكن منها ما يكون حسنا، ومنها ما يكون غير ذلك. ثم إن
الحواشي
(١) إلى أن مات بالشام في طاعون عمواس.
"وقد تواردت الأخبار أن عثمان هو الذي زاد فهو المعتمد" دون هذا الأثر، "و" لكن "قد روى عبد الرزاق ما يقوي هذا الأثر عن ابن جريج" عبد الملك، "قال: قال سليمان بن موسى" الأموي، مولاهم الدمشقي، صدوق، فقيه في حديثه بعض لين: "أول من زاد الأذان بالمدينة عثمان، فقال عطاء: "كلا" ردع عن ذلك القول: "إنما كان عثمان يدعو الناس" للصلاة "ولا يؤذن غير أذان واحد. ا. هـ. لكن عطاء لم يدرك عثمان بن عفان فرواية من أثبت ذلك عنه مقدمة على إنكاره" ولا سيما وممن أثبت السائب وهو صحابي.
وفي صحيح البخاري متصلا: "ويمكن الجمع بأن الذي كان في زمن عمر بن الخطاب" ليس أذانا، بل ذكرا مجردا يدعو به الناس إلى الصلاة، "استمر على عهد عثمان ثم رأى أن يجعله أذانا، وأن يكون على مكان عال، ففعل ذلك، فنسب إليه لكونه بألفاظ رأى أن يجعله أذانا، وأن يكون على مكان عال, ففعل ذلك، فنسب إليه لكون بألفاظ الأذان، وترك ما كان يفعل عمر لكونه مجرد إعلام"، وهذا وإن كان بعيدا يحتمل لأجل الجمع على تقدير الصحة "وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر" عبد الله، "قال: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة، فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار، وأن يكون أراد به أنه لم يكن في زمنه علي الصلاة والسلام لأن ما لم يكن في زمنه عليه الصلاة والسلامстр. 4927
فعل عثمان ﵁ كان إجماعا سكوتيا لأنهم لم ينكروه عليه. انتهى.
وأول جمعة جمعها النبي ﷺ بأصحابه -كما قدمناه في حديث الهجرة- في بني سالم بن عوف، في بطن واد لهم، فخطبهم وهي أول خطبة خطبها بالمدينة وقال فيها.
"الحمد لله أحمده، وأستعينه وأستغفره، وأستهديه وأومن به ولا أكفره،
الحواشي
(١) يسمى بدعة، لكن منها ما يكون حسنا" كزيادة الأذان المذكور، "ومنها ما يكون غير ذلك، ثم إن فعل عثمان ﵁ كان إجماعا سكوتيا، لأنهم لم ينكروه عليه. ا. هـ" ما التقطه من فتح الباري بتقديم وتأخير، وفيه أيضا: وتبين ما مضى أن عثمان أحدثه لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة قياسا على بقية الصلوات، فألحق الجمعة بها وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب، وفيه استنباط معنى من الأصل لا يبطله، وأما ما أحدث الناس قبل وقت الجمعة من الدعاء إليها بالذكر والصلاة على النبي ﷺ فهو في بعض البلاد دون بعض واتباع السلف الصالح أولى.
واستدل البخاري بحديث السائب على الجلوس على المنبر قبل الخطبة خلافا لبعض الحنفية، واختلف من أثبته هل هو للأذان أو لراحة الخطيب، فعلى الأول لا يسن في العيد، إذ لا أذان هناك، واستدل به أيضا على التأذين قبل الخطبة وعلى ترك تأذين اثنين معا، وعلى أن خطبة الجمعة سابقة على الصلاة، ووجهه أن الأذان لا يكون إلا قبل الصلاة، وإذا كان يقع حين يجلس الإمام على المنبر دل على سبق الخطبة على الصلاة.
وزاد البخاري وأبو داود والنسائي في بعض طرق حديث السائب: ولم يكن للنبي ﷺ مؤذن غير واحد وهو ظاهر في إرادة نفي تأذين اثنين معا، أو المراد أن الذي كان يؤذن هو الذي كان يقيم، أو المراد في الجمعة فلا يرد الصبح، وعرف بهذا الرد على قول ابن حبيب أنه ﷺ كان إذا رقي المنبر وجلس أذن المؤذنون، وكانوا ثلاثة واحد بعد واحد، فإذا فرغ الثالث قام وخطب، فإنه دعوى تحتاج إلى دليل، ولم يرد ذلك من طريق متصلة يثبت مثلها. ا. هـ.
"وأول جمعة جمعها النبي ﷺ بأصحابه كما قدمناه في حديث الهجرة في بني سالم بن عوف" من الأنصار "في بطن واد لهم" في مسجد لهم، وقدم المصنف في الهجرة اسم الوادي واسم المسجد وأنه لذلك سمي مسجد الجمعة، "فخطبهم" وصلى بهم وكانوا مائة، وقيل: أربعون كما مر.
"وهي أول خطبة خطبها بالمدينة، وقال فيها": "الحمد لله أحمده" جمع بين الجملتين الاسمية والفعلية إيماء لاستحقاقه الحمدين، وقدم الاسمية لأنها أكمل واتباعا للقرآن، "وأستعينه"стр. 4928
وأعادي من يكفر به، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق والنور والموعظة والحكمة، على فترة في الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنو من الساعة، وقرب من الأجل, من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا، أوصيكم بتقوى الله، فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، واحذروا ما حذركم الله بنفسه، فإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون وصدق على ما يبتغون من الآخرة، ومن يصل الذي بينه وبين الله من أمره في السر
الحواشي
(١) أطب إعانته في جميع الأمور، "وأستغفره" أطلب منه الغفران وهو الستر على الذنب، بأن يحول بينه وبينه كما هو اللائق بمقامه، "وأستهديه" أطلب منه الهداية، أي: الدوام عليها، أو المراد طلب ذلك لأمته، "وأومن به ولا أكفره" أي لا أجحد شيئا مما يجب له، ولا أجوز ما يستحيل عليه، أتى به للرد على من يزعم أنه مؤمن به ويجعل له ولدا كاليهود، أو يشرك بعبادته أحدًا كأهل الأوثان. "وأعادي من يكفر به" لأنهما أعداؤه، والمحب يعادي عدو محبوبه، "وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له" تأكيد لوحده، "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" لجميع العالمين، "أرسله بالهدى ودين الحق، والنور" القرآن "والموعظة" مواعظ القرآن، أو القول الرقيق "والحكمة" القرآن أو غيره "على فترة" انقطاع "من الرسل" إذ لم يكن بينه وبين عيسى رسول، ومدة ذلك ستمائة سنة كما في البخاري عن سلمان، وهو أصح ما قيل فيها "وقلة من العلم" بحيث لم يكن منه حين البعثة إلا بقايا من أهل الكتاب متفرقين في الأراضي، "وضلالة من الناس" بالكفر والمعاصي "وانقطاع من الزمان" أي: زمان الأنبياء "ودنو" قرب "من الساعة" القيامة "وقرب من الأجل" انتهاء مدة الدنيا. "من يطع الله ورسوله فقد رشد" بفتح الشين المعجمة وكسرها، "ومن يعص الله ورسوله فقد غوى" بفتح المعجمة والواو، أي انهمك في الشر "وفرط" قصر وضيع "وضل ضلالا بعيدا" صاحبه عن الحق. "أوصيكم بتقوى الله فإنه" أي: الشأن، وفي نسخة: فإنها أي: التقوى، وفي أخرى: فإن "خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه" بضم الحاء، أي: يحمله "على الآخرة" أي: على الأعمال النافعة له فيها، "وأن يأمره بتقوى الله" فإنها أقوى ما ينفعه وينجيه من العذاب "واحذورا" خافوا "ما حذركم الله بنفسه" وفي نسخة: من نفسه "فإن تقوى الله لمن عمل به" أي: بما حذر الله منه، بأن امتثل أوامره واجتنب نواهيه "على وجل"، "بفتحتين" "ومخافة من ربه عون" خبران، "وصدق على ما يبتغون" يطلبون "من الآخرة" من ثوابها والنجاة من عقابها، "ومن يصل الذي بينه وبين الله منстр. 4929
والعلانية لا ينوي به إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره، وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان مما سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا، ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد، هو الذي صدق قوله وأنجز وعده لا خلف لذلك فإنه يقول: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩] .
فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السر والعلانية، فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاه ويعظم له أجرا، ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما، وإن تقوى الله توقي مقته وتوقي عقوبته وسخطه، وإن تقوى الله تبيض الوجه وترضي الرب، وترفع الدرجة، فخذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله، فقد علمكم بكتابه ونهج لكم سبيله، ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين.
فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وسماكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من
الحواشي
(١) أمره في السر والعلانية" الجهر، "لا ينوي به إلا وجه الله" بأن يخلص لله فيه سرا وجهرا "يكن له ذكرا في عاجل أمره، وذخرا فيما بعد الموت" في القبر ويوم القيامة "حين يفتقر" يحتاج "المرء إلى ما قدم" في الدنيا من الأعمال الصالحة، "وما كان مما سوى ذلك" وهو السوء "يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا" غاية في نهاية البعد فلا يصل إليها "ويحذركم الله نفسه" إن غضب عليكم أو يحذركم عقابه "والله رءوف بالعباد" ومنه تحذيرهم "هو الذي صدق قوله وأنجز وعده لا خلف لذلك، فإنه يقول: ﴿مَا يُبَدَّلُ﴾ ". ما يغير " ﴿الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ﴾ " أي: بذي ظلم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ " ﴿لِلْعَبِيدِ﴾ " فأعذبهم بغير جرم، "فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله" بالمد خلاف العاجل "في السر والعلانية، فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا، ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما" نال غاية مطلوبه، "وإن تقوى الله توقي" بضم الفوقية وفتح الواو وكسر القاف المشددة، أي: تدفع "مقته" وغضبه "وتوقي عقوبته وسخطه" أي: تحفظ المتقي من مخالفة أمره، "وإن تقوى الله تبيض الوجه" كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧] , "وترضي الرب وترفع الدرجة" عند الله تعالى وعند خلقه "فخذوا بحظكم" نصيبكم "ولا تفرطوا في جنب الله" أي: طاعته "فقد علمكم بكتابه ونهج لكم سبيله" أي: بين لكم طريقه الموصلة إليه، وهي الأحكام الشرعية. "ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين" أي: يظهره للخلق، "فأحسنوا" بالصدقة "كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه" الكفار "وجاهدوا في الله" لإقامة دينه "حق جهاده" باستفراغ الطاقة فيه، ونصب حق على المصدرстр. 4930
حيي عن بينة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فأكثروا ذكر الله، واعملوا لما بعد الموت، فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس، ولا يملكون منه، الله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
ذكر هذه الخطبة القرطبي في تفسيره، وغيره.
وقد كان ﷺ يخطب متوكئا على قوس أو عصا, وفي سنن ابن ماجه: أنه ﷺ كان إذا خطب في الحرب خطب على قوس، وإذا خطب في الجمعة
الحواشي
(١) "هو اجتباكم" اختاركم لدينه، "وسماكم المسلمين ليهلك" أي: يكفر "من هلك عن بينة" أي: بعد حجة ظاهرة قامت عليه، "ويحيا" يؤمن "من حيي عن بينة ولا حول ولا قوة إلا بالله، فأكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد الموت، فإنه" أي: الشأن "من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي" يحكم "على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس" ما أراد "ولا يملكون منه، الله أكبر" أعظم وأجل من أن يملك منه، "ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". "ذكر هذه الخطبة القرطبي في تفسيره وغيره" وفيها من البلاغة والفصاحة وعذوبة الألفاظ وسهولتها وقرب فهمها وقلة ألفاظها وكثرة معانيها والنطق بالقرآن قبل نزوله بلفة تارة نحو ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ﴾ فإنها في غزوة بدر، وهي بعد هذه الخطبة، وكذلك ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا﴾ الآية، فإن السورة مدنية كلها وهذه الخطبة قبلها، وبمعناه أخرى، كقوله: والنور والموعظة والحكمة على فترة من الرسل، فإنها بمعانيها في سورة المائدة وهي من أواخر ما نزل، وكقوله: "فإن تقوى الله تبيض الوجه" ... إلخ، فإنها في آل عمران بمعناها، وغير ذلك مما لو أراد ذو البصيرة أن يجمع جزءا حافلا في شرحها لأمكنه ولأبدع ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] .
"وقد كان ﷺ يخطب متوكئا على قوس" تارة، "أو عصا" تارة أخرى، فأو للتنويع لا للشك، وفي أبي داود: كان إذا قام يخطب، أخذ عصا فتوكأ عليها وهو على المنبر.
"وفي سنن ابن ماجه" ومستدرك الحاكم وسنن البيهقي عن سعد القرظ، "أنه ﷺ كان إذا خطب في الحرب خطب على قوس" مناسب، لأنه من آلات الحرب، ويقع في بعض نسخ سقيمة أو سيف، ولا وجود له في ابن ماجه ولا غيره، فهي خطأ، "وإذا خطب في الجمعة خطب على عصا" يرسم بالألف، لأنها منقلبة عن واو.стр. 4931
خطب على عصا، وعند أبي داود بإسناد حسن: أنه ﷺ قام متوكئا على قوس أو عصا.
قالوا: والحكمة في التوكؤ على نحو السيف، الإشارة إلى أن هذا الدين قام بالسلاح، ولهذا قبضه باليسرى كعادة من يريد الجهاد به.
ونازع فيه العلامة ابن القيم في "الهدي النبوي" إذ قال: إن الدين لم يقم إلا بالقرآن والوحي. كذا قال فالله أعلم.
وكان ﷺ إذا صعد المنبر سلم. رواه ابن ماجه.
وكان ﷺ يخطب قائما ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائما، رواه مسلم من
الحواشي
(١) "وعند أبي داود بإسناد حسن أنه ﷺ قام متوكئا على قوس أو عصا" في خطبة الجمعة، "قالوا" تبرأ منه لرد ابن القيم له كما يأتي، "والحكمة في التوكؤ على نحو السيف" أي: السيف ونحوه من آلة الحرب، كالقوس، وتأويله بأن النحو هنا المماثل، أي: على ما يشبه السيف وليس بسيف، لأن النحو لغة المثل حتى لا يخالف ابن القيم، إنما يتم مع بعده لو كان قائل هذه الحكمة يقول بالنفي، وإنما قالوا بالإثبات بلا مستند، فأنكره ابن القيم عليهم "الإشارة إلى أن هذا الدين قام بالسلاح" والسيف من أعظمه، "ولهذا قبضه باليسرى كعادة من يريد الجهاد به، ونازع فيه العلامة ابن القيم في الهدي النبوي", يعني: كتابه المسمى بزاد المعاد في هدي خير العباد، "إذ قال" ما لفظه: لم يحفظ أنه ﷺ " توكأ على سيف، وكثير من الجهلة يظن أنه كان يمسك السيف على المنبر إشارة إلى قيام الدين به وهو جهل قبيح، لأن الوارد العصا والقوس "ولأن الدين لم يقم إلا بالقرآن والوحي" وأما السيف فلمحق المشركين والمدينة التي كانت خطبته فيها إنما افتتحت بالقرآن، هذا كلامه برمته، وتبرأ منه المصنف بقوله: "كذا قال فالله أعلم".
لكن قد أقره جماعة، فإنما يتم رده لو ثبت أنه توكأ على سيف، وتجويز أن ذلك هو الظاهر لحرصه على بعث السرايا، والغزو لا يجدي نفعا، إذ طلب النقل لا يدفعه تجويز العقل.
"وكان ﷺ إذا صعد المنبر" للخطبة "سم" على الناس، وبه تمسك الشافعية في سنية ذلك، "رواه ابن ماجه" عن جابر وسنده ضعيف جدا كما قاله الحافظ، وقال الزيلعي: حديث واه وسأل عنه ابن أبي حاتم أباه فقال: هذا موضوع، ومن ثم لم يأخذ به مالك ولا أبو حنيفة.
"وكان ﷺ يخطب" يوم الجمعة حال كونه "قائما، ثم يجلس" بعد فراغه من الأولى،стр. 4932
رواية جابر بن سمرة.
وفي رواة له: كانت له ﷺ خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس.
وفي حديث ابن عمر عند أبي داود: كان ﵊ يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب.
الحواشي
(١) "ثم يقوم فيخطب" الخطبة الثانية حالة كونه "قائما، رواه مسلم من رواية جابر بن سمرة" وزاد: فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة، واستشكل صلاته معه ﷺ ألفي جمعة تثنية ألف، إذ هو محال، لأن ذلك إنما يكون في نيف وأربعين سنة والنبي ﷺ لم يصل هذا المقدار من الجمع، وأجيب: بأنه لعله اعتبر أعداد الركعات، وعد الخطبتين ركعتين، فإذا صلى معه ﷺ الجمعة عشر سنين وشيئا، ولا بعد في مداومته معه، ذلك القدر حصل له ألفا صلاة جمعة بعدد الركعات بعد كل ركعة، وجعل الخطبة ركعتين، وأهل الحجاز يسمون الركعة صلاة، والصلاة ركعة، وقد أخرجه النسائي وابن ماجه بدون قوله: والله ... إلخ.
"وفي رواية له" لمسلم: قبل هذه عن جابر بن سمرة، قال: "كانت له" اختصار لقوله: للنبي " ﷺ خطبتان" يوم الجمعة "يجلس بينهما يقرأ" فيهما "القرآن ويذكر الناس" بآلاء الله تعالى والجنة والنار والمعاد، ويأمرهم بالتقوى ويبين مواقع رضا الله وموارد غضبه، فهو استئناف لبيان ما كان يقوله في الخطبتين، كأنه قيل: ماذا كان يقوله فيهما، ويأتي أنه كان يقرأ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] الآية، وأنه قرأ ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] فليس متعلقا بقوله: يجلس بينهما وإلا نافى قوله بعده ثم يجلس، فلا يتكلم.
"وفي حديث ابن عمر عند أبي داود: كان ﵊ يخطب خطبتين" وفصل ما أجمل، فقال: "كان يجلس إذا صعد المنبر" جلسة الاستراحة "حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب" الخطبة الأولى، "ثم يجلس" للفصل بين الخطبتين، "فلا يتكلم" جهرا، فلا ينافي رواية ابن حبان أنه كان يقرأ فيه، أي: الجلوس.
وقال الحافظ: مفاده أن الجلوس بينهما لا كلام فيه وليس فيه نفي أن يذكر الله أو يدعوه سرا.
وقال المصنف: يستحب أن يكون جلوسه بينهما قدر سورة الإخلاص تقريبا لاتباع السلف والخلف، وأن يقرأ فيه شيئا من كتاب الله للاتباع، رواه ابن حبان: "ثم يقوم فيخطب"стр. 4933
قال ابن المنذر: الذي عليه أهل العلم من علماء الأمصار: الخطبة قائما.
ونقل غيره عن أبي حنيفة: أن القيام في الخطبة سنة وليس بواجب.
وعن مالك رواية أنه واجب فإن تركه أساء وصحت الخطبة.
وعند الباقين: أن القيام شرط، يشترط للقادر كالصلاة، واستدلوا بحديث جابر بن سمرة، وبمواظبته ﷺ على القيام، وبمشروعية الجلوس بين الخطبتين، فلو كان القعود مشروعا في الخطبتين، ما احتيج إلى الفصل بالجلوس، ولأن الذي نقل عنه الجلوس، وهو معاوية، كان معذورا، فعند ابن أبي شيبة من طريق الشعبي: أن معاوية إنما خطب قاعدا لما كثر شحم بطنه.
الحواشي
(١) الخطبة الثانية.
"قال ابن المنذر: الذي عليه أهل العلم" سقط من قلمه "جل" قبل "أهل" وهو في الفتح "من علماء الأمصار الخطبة قائما" وجوبا، "ونقل غيره عن أبي حنيفة أن القيام في الخطبة سنة وليس بواجب".
"وعن مالك رواية أنه واجب، فإن تركه أساء" أي: عصى لترك الواجب "وصحت الخطبة" لأن وجوبه ليس شرطا على هذه الرواية، "وعند الباقين" من الأئمة "أن القيام شرط" للصحة "يشترط للقادر كالصلاة".
"واستدلوا بحديث جابر بن سمرة" المتقدم قريبا "وبمواظبته ﷺ على القيام" كما قال جابر بن سمرة: فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب، "وبمشروعية الجلوس بين الخطبتين" اتفاقا إنما الخلاف في سنيته ووجوبه، "فلو كان القعود مشروعا" أي: جائزا "في الخطبتين ما احتيج إلى الفصل بالجلوس" لكن في جعل هذا دليلا نظر، إذ القيام مشروع باتفاق والقائلون بأنه سنة أجازوا الجلوس ولم يوجبوه فلهم أن يقولوا إنما يشرع الجلوس بينهما لمن خطب قائما، "ولأن الذي نقل عنه الجلوس وهو معاوية كان معذورا" وهو أول من جلس على المنبر، "فعند ابن أبي شيبة من طريق" عامر "الشعبي أن معاوية إنما خطب قاعدا لما كثر شحم بطنه" ولحمه، وحيث كان الجلوس للعذر صحت الخطبة وجاز الاقتداء به.
زاد الحافظ: وأما من احتج به بأنه لو كان شرطا ما صلى من أنكر مع القاعد فجوابه أنه محمول على أن من صنع ذلك خشي الفتنة، أو أن الذي قعد قعد باجتهاد كما قالوا في إتمام عثمان الصلاة في السفر، وقد أنكره ابن مسعود ثم صلى خلفه فأتم معه واعتذر بأن الخلاف شر. انتهى.стр. 4934
واستدل الشافعي لوجوب الجلوس بين الخطبتين بما تقدم، وبمواظبة النبي ﷺ على ذلك، مع قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
وكان ﷺ يقول بعد الثناء: "أما بعد" كما قال البخاري.
الحواشي
(١) وليس مراده أن أحدًا أنكر على معاوية ثم صلى معه حتى يعترض بأنه لا حاجة لذلك بعد حمله على أن كان لعذر، إنما مراده ما قدمه قبل ذلك بقرب في جملة أدلة الجمهور على وجوب القيام بقوله، وبحديث كعب بن عجرة أنه دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعدا، فأنكر عليه وتلا ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ .
وفي رواية ابن خزيمة: ما رأيت كاليوم قط إماما يؤم المسلمين، يخطب وهو جالس، يقول ذلك مرتين. انتهى. فكان كعبا صلى معه بعد إنكاره عليه مع كونه لا عذر له لأحد الأمرين المذكورين، ولا يشكل تنظيره بأن القيام هنا شرط عند المنكر بخلاف قصر السفر فرخصة يجوز العدول عنها إلى الإتمام، كما اعترضه بعض هذا، لأن مراده مطلق التنظير لخشية الفتنة أو الاجتهاد وإن اختلف حكم المسألتين.
قال الحافظ: وروى ابن أبي شيبة عن طاوس قال: أول من خطب قاعدا معاوية حين كثر شحم بطنه، وهذا معضل يعضده ما روى سعيد بن منصور عن الحسن، قال: أول من استراح في الخطبة يوم الجمعة عثمان، وكان إذا أعيا جلس ولم يتكلم حتى يقوم، وأول من خطب جالسا معاوية.
وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أن النبي ﷺ وأبا بكر وعثمان كانوا يخطبون يوم الجمعة قياما حتى شق على عثمان القيام، فكان يخطب قائما ثم يجلس، فلما كان معاوية خطب الأولى جالسا والأخرى قائما، ولا حجة في ذلك لمن أجاز الخطبة قاعدا، لأنه تبين أن ذلك لضرورة. انتهى.
"واستدل الشافعي لوجوب الجلوس بين الخطبتين" الذي قال الأكثر والأئمة الثلاثة أنه سنة "بما تقدم" من قوله في حديث ابن عمر: ثم يجلس فلا يتكلم، "وبمواظبة النبي ﷺ على ذلك مع قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ".
وتعقبه ابن دقيق العيد، بأن ذلك يتوقف على ثبوت أن إقامة الخطبتين داخلة تحت كيفية الصلاة، وإلا فهو استدلال بمجرد الفعل.
"وكان ﷺ يقول بعد الثناء" على الله تعالى: "أما بعد" كما قاله البخاري" بمعناه حيث ترجم باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد. رواه عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال الزين بن المنير: يحتمل أن "من" موصولة بمعنى الذي، والمراد به النبي ﷺ ويحتمل أنها شرطيةстр. 4935
وكان ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: "صبحكم مساكم". ويقول: "بعثت أنا والساعة كهاتين" ويقرن
الحواشي
(١) والجواب محذوف، أي: فقد أصاب السنة، وعلى التقديرين فينبغي للخطباء أن يستعملوها تأسيا واتباعا. انتهى ملخصا.
وقد ذكر البخاري في الترجمة ستة أحاديث، أولها حديث أسماء في كسوف الشمس، وفيه: فحمد الله بما هو أهله ثم قال: "أما بعد" ثانيها: حديث عمران بن تغلب "بفوقية فمعجمة" في قسم النبي ﷺ مالا، فأعطى رجالا وترك رجالا، فبلغه أن الذين ترك عتبوا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد". ثالثها: حديث عائشة في صلاة الليل، وفيه: فتشهد ثم قال: "أما بعد، فإنه لم يخف علي مكانكم، لكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها" رابعها: حديث أبي حميد الساعدي أنه قام عشية بعد الصلاة، فتشهد وأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد"، خامسها: حديث المسور بن مخرمة: قام رسول الله ﷺ فسمعته حين تشهد يقول: "أما بعد"، سادسها: حديث ابن عباس: صعد ﷺ المنبر وكان آخر مجلس جلسه ... الحديث، وفيه: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد" ... الحديث في الوصية بالأنصار.
قال الحافظ: وقد تتبع طرق الأحاديث التي فيها أما بعد الحافظ عبد القادر الرهاوي، فرواها عن اثنين وثلاثين صحابيا، منها ما أخرجه عن المسور بن مخرمة: كان النبي ﷺ إذا خطب خطبته، قال: "أما بعد". ورجاله ثقات، وظاهره المواظبة على ذلك، ويستفاد من الأحاديث أنها لا تختص بالخطب، بل تقال في صدر الرسائل والمصنفات.
"وكان ﷺ إذا خطب" أي: وعظ "احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه" ليتوجه الناس إلى استماع كلامه بجوامع هممهم، ويعرفون أن ذلك في الإبلاغ مهم جدا، بحيث أنه ﷺ يبلغه بغاية الجد ونهاية الاجتهاد، ويبذل وسعه، لا سيما إذا كانت الخطبة مشتملة على ذكر الساعة وقربها. وفيه أن على الخطيب أن يعلي صوته ليسمع جميع من في مجلس وعظه، وأن تكون حركاته وأفعاله مطابقة لأقواله، فإن مطابقة قوله لفعله وموافقة علنه لسره هو الداعي إلى قبول أمره ونهيه والمفضي إلى استماع حلوه ومره، فإن سامع النصح إذا رأى الناصح فاعلا ما أمر به، تاركا ما نهى عنه بادر إلى قبول نصيحته، وأما اشتداد غضبه ﷺ ، فيحتمل كما قال عياض أن يكون لأمر خولف فيه شرعه، ويحتمل أن يريد أن صفته الغضبان برفعه صوته مبالغة في تبليغ ما يخطب.
ويؤيد هذا قوله "حتى كأنه منذر جيش" أي: كمن ينذر قوما من جيش عظيم قصد الإغارة عليهم، فكما أن المنذر يرفع صوته وتحمر عيناه ويشتد غضبه على تغافلهم، كذلك حاله ﷺ عند الإنذار، يقول: "صبحكم" العدو، أي: أتاكم وقت الصباح "مساكم" العدو، أي:стр. 4936
بين أصبعيه السبابة، والوسطى، ويقول: "أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في
الحواشي
(١) أتاكم وقت المساء، والمراد الإنذار بإغارة العدو في الصباح أو المساء، "ويقول" ﷺ : "بعثت أنا والساعة" بالرفع والنصب روايتان، فالنصب مفعول معه والرفع عطف على تاء بعثت وحسن للتأكيد بالضمير المنفصل "كهاتين". ويقرن بضم الراء على المشهور الفصيح، وحكي كسرها، قاله النووي بين أصبعيه السبابة والوسطى بيانا لقوله: "كهاتين" ورجح النصب، بأن التشبيه واقع في اتصال الساعة بمبعثه على أن شريعته متصلة بالساعة، وأنه لا نبي بعده، كما أنه لا أصبع بين هاتين الأصبعين وأنهما متصلتان، ورجح الرفع بأن التشبيه واقع في التفاوت الذي بين رءوس هاتين الأصبعين.
والمعنى: أن قيام الساعة قرب لزمان بعثه، كقرب التفاوت بين رءوس هاتين الأصبعين، وأن الزمان المتخلل بين بعثه وقيام الساعة قليل، كما أن التفاوت بين رءوس هاتين الأصبعين قليل، ويؤيد هذا ما رواه الترمذي عن أنس رفعه: "بعثت أنا والساعة كهاتين" وأشار بعض رواته بالسبابة والوسطى فما فضل إحداهما على الأخرى، فهذا صريح في أن التشبيه واقع في التفاوت بين الأصبعين لا في الاتصال وأخرج أيضا عن المستورد بن شداد مرفوعا: "بعثت في نفس الساعة فسبقتها كما سبقت هذه هذه لأصبعيه السبابة والوسطى". ويقول: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله" القرآن، سماه حديثا لنزوله منجما لا لكونه ضد القديم "وخير الهدي هدي محمد" بضم الهاء وفتح الدال فيهما وبفتح الهاء وسكون الدال فيهما. قال النووي: ضبطناه بالوجهين، وكذا ذكره جماعة بالوجهين، قال عياض: رويناه في مسلم بالضم، وفي غيره بالفتح، وبه ذكره الهروي وفسره بالطريق، أي: أحسن الطريق طريق محمد " ﷺ " يقال: فلان حسن الهدي، أي: الطريقة والمذهب، وأما على رواية الضم، فمعناه الدلالة والإرشاد وهو الذي يضاف إلى الرسل والقرآن والعباد، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
وقال ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ، وإذا إضيف إلى الله فهو بمعنى التأييد والتوفيق والعصمة، كقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] .
قال المصنف: وعلى التحقيق يرجع الكل إلى معنى واحد إذ الكل بخلق الله وقدرته وإرادته، وإنما يضاف إلى المخلوق لأنه كاسبه وواسطة في الإيصال، قال: ويرجح رواية الفتح والسكون مناسبته لقوله: "وشر الأمور محدثاتها" بفتح الدال، فإن المراد بها التي ليس لها في الشرع أصل يشهد لها بالصحة والجواز، قال: ويرجح المشهورة، أي: ضم الهاء وفتح الدال، بأنهстр. 4937
النار"، ثم يقول: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا فإليّ وعليّ". رواه مسلم والنسائي من حديث جابر.
وفي رواية لمسلم: كانت خطبته ﷺ يوم الجمعة: "نحمد الله ونثني عليه"، ثم يقول على أثر ذلك، وقد علا صوته، وذكر نحوه.
الحواشي
(١) لما ذكر بعد كتاب علم أن المراد الإرشاد الحاصل منه ﷺ بتبليغ ذلك الكتاب الذي هو خير الحديث وإيضاحه وتبيينه وهي الهداية المزيلة للضلال من العالمين، "وكل بدعة ضلالة" هي لغة: ما عمل من غير مثال سابق، واستعمل في الشرع بهذا المعنى أيضا، وتنقسم إلى واجبة كعلم أدلة المتكلمين للرد على الملاحدة والمبتدعة، ومندوبة كتصنيف الكتب وبناء المدارس والربط، ومباحة كالتبسط في الأطعمة والأشربة، ومحرمة كالقراءة بالألحان المخرجة للقرآن، ومكروهة كأكثر الأشياء المنصوص على كراهتها.
قال النووي: فالحديث من العام المخصوص ولا ينافيه تأكيده بكل، لأنها لا تمنع التخصيص، كقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأقاف: ٢٥] "وكل ضلالة في النار" ثم يقول" ﷺ : "أنا أولى" أحق "بكل مؤمن من نفسه" في كل شيء من أمور الدين والدنيا، وحكمه أنفذ عليهم من حكمهم، فعليهم أن يبذلوها دونه ويجعلوها فداءه، أو هو أولى بهم، أي: أرأف بهم وأعطف عليهم وأنفع لهم، "من" مات و "ترك مالا فلأهله" وارثه، "ومن ترك دينا" لا وفاء له، "أو" ترك "ضياعا" بفتح الضاد عيالا عالة وأطفالا لا قدرة لهم على القيام بمصالحهم، فهم محتاجون إلى كافل يقوم بهم، "فإليّ وعليّ" يحتمل أنهما راجعان إلى كل واحد من المذكورين قبلهما، أي: من ترك ضياعا فلهم المجيء إليّ ويكون القيام بمصالحهم عليّ، ومن ترك دينا فلصاحبه التوجه إليّ ويكون أداؤه عليّ، وعبر "بعليّ" الدالة على الوجوب إيماء إلى عظم أمر الضياع وشدة القيام بمصالحهم وبيان التفاوت بينه وبين أداء الدين، فإن فيه بقاء النفس وهو أقوى المهمات، وفيه إشعار بأن ذلك تبرع بالنسبة إلى الدين فلصاحبه الإبراء وتحصل المثوبة بذلك بخلاف أمر الضياع، فالقيام بمصالحهم واجب قطعا. "رواه مسلم والنسائي من حديث" عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن "جابر" بن عبد الله.
"وفي رواية لمسلم" من طريق سليمان بن بلال عن جعفر، عن أبيه، عن جابر قال: "كانت خطبته ﷺ يوم الجمعة": "نحمد الله ونثني عليه" بما هو أهله، "ثم يقول على أثر ذلك" بكسر الهمزة وسكون المثلثة، "وقد علا" ارتفع "صوته وذكر نحوه" لفظ مسلم، ثم ساق الحديث بمثله وفرق بين اللفظين عند المحدثين فإذا قالوا بمثله يريدون بلفظه وإذا قالوا نحوه أرادوا أنه بغير لفظه كما بينه في الفتح.стр. 4938
وفي أخرى: كان يخطب الناس يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: "من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله"، ثم ذكر نحو ما تقدم.
وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: ما أخذت: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس. رواه مسلم.
وعن الحكم بن حزن الكلفي قال: قدمت إلى النبي ﷺ سابع سبعة، أو تاسع تسعة، فلبثنا عنده أياما، شهدنا فيها الجمعة، فقام ﷺ متوكئا على قوس، أو قال على عصا، فحمد الله وأثنى عليه، كلمات خفيفات طيبات مباركات، ثم
الحواشي
(١) "وفي" رواية "أخرى" لمسلم أيضا من طريق سفيان عن جعفر عن أبيه عن جابر قال: "كان" ﷺ " يخطب الناس" بضم الطاء "يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول: "من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وخير الحديث كتاب الله". ثم ذكر نحو ما تقدم" لفظ مسلم ثم ساق الحديث بمثل حديث الثقفي.
"وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان" الأنصارية صحابية مشهورة وهي أخت عمرة بنت عبد الرحمن لأمها، روت عنها عمرة، "قالت" لقد كان تنورنا وتنور رسول الله ﷺ واحدا سنتين أو ثلاثة و"ما أخذت" أي: حفظت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ أي: السورة بتمامها "إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل" يوم "جمعة على المنبر إذا خطب الناس" قال العلماء: سبب اختيار "ق" لأنها مشتملة على ذكر الموت والبعث وأحوالهما وفيها المواعظ البليغة والزواجر الأكيدة، قاله النووي: وقال المصنف وقال المظهري: أراد به أول السورة لا جميعها لأن جميعها لم يقرأ في الخطبة، كذا قال: فليتأمل، "رواه مسلم" من طرق. "وعن الحكم بن حزن" بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي ونون "الكلفي" بضم الكاف وفتح اللام، ثم فاء من بني كلفة بن عوف بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن، صحابي، قليل الحديث، قال مسلم: لم يرو عنه إلا شعيب بن زريق الطائفي، قال: كنت جالسا عند الحكم وله صحبة من رسول الله ﷺ ، فأنشا يحدثنا، "قال: قدمت إلى النبي ﷺ سابع سبعة أو تاسع تسعة" شك الراوي، قال: فأذن لنا، فدخلنا، فقلنا: أتيناك يا رسول الله لتدعو لنا بخير، فدعا لنا بخير، وأمر بنا فأنزلنا وأمر لنا بشيء من تمر، والساق إذ ذاك دون قال: "فلبثنا عنده أياما شهدنا فيها الجمعة، فقام ﷺ متوكئا على قوس، أو قال على عصا" شك الراوي "فحمد الله وأثنى عليه كلمات" نصب بنزع الخافض، أي: بكلمات أو ضمن أثنى معنى ذكر كلمات "خفيفات"стр. 4939
قال: "يا أيها الناس، إنكم لن تفعلوا أو لن تطيقوا كل ما أمرتكم به، ولكن سددوا وأبشروا". رواه أحمد وأبو داود.
وعن يعلى بن أمية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا﴾ [الزخرف: ٧٧] . رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي الدرداء: قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم الجمعة فقال: "توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشتغلوا، وصلوا الذي بينكم
الحواشي
(١) أي: قليلات اللفظ "طيبات مباركات" لكثرة معانيها وبلاغة ألفاظها، "ثم قال: يا "أيها الناس إنكم لن تفعلوا أو لن تطيقوا" شك الراوي "كل ما أمرتكم به" لعجزكم عنه، "ولكن سددوا" بمهملات، أي: لازموا الصواب من القول والفعل "وأبشروا" من الله بالقبول والثواب على ذلك، "رواه أحمد وأبو داود" وأبو يعلى وغيرهم، "وعن يعلى بن أمية" التميمي حليف قريش، "قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ على المنبر، ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ اسم خازن النار، وقرئ: "يا مال" بكسر اللام على الترخيم وفيه إشعار بأنهم لضعفهم لا يستطيعون تأدية اللفظ بتمامه، ولله در من قال:
ما كان أغنى أهل نار جهنم ... عن قولهم يا مال وسط جحيم
عجزوا عن استكمال لفظة مالك ... فلأجل ذا نادوه بالترخيم
﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ ليمتنا، قال المصنف في شرح مسلم: يحتمل أنه ﷺ قرأ هذه الآية فقط، وأنه قرأ السورة كلها. انتهى.
والثاني بعيد جدا، فإن قيل كيف نادوا مع قوله: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] أي: ساكتون سكوت يأس، أجيب بأنها أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة، فتختلف بهم الأحوال، فيسكتون أوقاتا لغلبة اليأس عليهم، ويستغيثون أوقاتا لشدة ما بهم، "رواه البخاري" في موضعين من بدء الخلق، وفي التفسير "ومسلم" في الجمعة، "وعن أبي الدرداء، قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم الجمعة، قال:" زاد في رواية جابر: "يا أيها الناس". "توبوا إلى الله" وإن كنتم من الكاملين قياما بحق العبودية وإعظاما للربوبية لا رغبة في الثواب ولا رهبة من العذاب، وفي رواية جابر: "توبوا إلى ربكم". "قبل أن تموتوا" والموت قد يأتي على غفلة، فالواجب تعجيل التوبة، "وبادروا" أي: سابقوا وعجلوا من المبادرة وهي الإسراع "بالأعمال الصالحة" النافعة عند الله "قبل أن تشتغلوا عنها" بنحو مرض وهموم، وللبيهقي عن أبي أمامة، رفعه: بادروا بالأعمال هرما ناغصا وموتا خالسا ومرضا حابسا وتسويفا مؤيسا "وصلوا" بكسر الصاد وضم اللام من الوصل "الذي بينكم وبين ربكم تسعدوا".стр. 4940
وبين ربكم تسعدوا، وأكثروا الصدقة ترزقوا، وأمروا بالمعروف تخصبوا، وانهوا عن المنكر تنصروا، يا أيها الناس إن أكيسكم أكثركم ذكرا للموت، وأكرمكم أحسنكم استعدادا له، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والتزود لسكنى القبور، والتأهب ليوم النشور". رواه ...
ورواه ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله مختصرا بنحوه.
وفي مراسيل أبي داود عن الزهري قال: كان صدر خطبة النبي ﷺ : "الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله
الحواشي
(١) وفي رواية جابر: يكثر ذكره لكم، فسعادتهم بكثرة ذكره لهم "وأكثروا الصدقة" زاد جابر في السر والعلانية "ترزقوا": يكثر رزقكم ويزيد ببركتها، وفي رواية جابر: تؤجروا وتحمدوا وترزقوا وتنصروا وتجبروا، "وأمروا بالمعروف تخصبوا" بضم التاء وكسر الصاد من أخصب، أي: يكثر خير أرضكم "وانهوا عن المنكر تنصروا" على عدوكم، "أيها الناس أن أكيسكم" أي: أعقلكم وأفطنكم "أكثركم ذكرا للموت" لوقوعه لا محالة، "وأكرمكم" أفضلكم "أحسنكم استعدادا له" الأعمال الصالحة وترك المخالفة "ألا" بالفتح والتخفيف "وإن من علامات العقل التجافي" بجيم وفاء التباعد "عن دار الغرور" الدنيا "والإنابة" الرجوع "إلى دار الخلود" الآخرة "والتزود لسكنى القبور" بالأعمال الحسنة "والتأهب" الاستعداد "ليوم النشور" البعث. "رواه" كذا في نسخ وبعده بياض.
"ورواه ابن ماجه" والبيهقي "من حديث جابر بن عبد الله مختصرا" بدون قوله: وأمروا بالمعروف إلى هنا "بنحوه" وزاد عقب قوله: "وتنصروا وتجبروا". "واعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة فريضة مكتوبة من وجد إليها سبيلا، فمن تركها في حياتي أو بعد موتي جحودا بها واستخفافا بحقها وله إمام عادل أو جائر فلا جمع الله له شمله ولا بارك له في أمره ألا ولا صلاة له ألا ولا وضوء له ألا ولا حج له ألا ولا بر له حتى يتوب، فمن تاب تاب الله عليه ألا لا تؤمن امرأة رجلا ولا يؤم أعرابي مهاجرا ولا يؤم فاجر مؤمنا إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه وسطوته". هذا تمام حديث جابر عند ابن ماجه والبيهقي.
"وفي مراسيل أبي داود عن الزهري" محمد بن مسلم بن شهاب، "قال: كان صدر خطبة النبي ﷺ " أي: أولها "الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا"، خصها لشدتها وقوتها وتزيينها، "من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل الله فلا هادي له" إذследующие страницы →