Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.
стр. 4936
بين أصبعيه السبابة، والوسطى، ويقول: "أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في
الحواشي
(١) أتاكم وقت المساء، والمراد الإنذار بإغارة العدو في الصباح أو المساء، "ويقول" ﷺ : "بعثت أنا والساعة" بالرفع والنصب روايتان، فالنصب مفعول معه والرفع عطف على تاء بعثت وحسن للتأكيد بالضمير المنفصل "كهاتين". ويقرن بضم الراء على المشهور الفصيح، وحكي كسرها، قاله النووي بين أصبعيه السبابة والوسطى بيانا لقوله: "كهاتين" ورجح النصب، بأن التشبيه واقع في اتصال الساعة بمبعثه على أن شريعته متصلة بالساعة، وأنه لا نبي بعده، كما أنه لا أصبع بين هاتين الأصبعين وأنهما متصلتان، ورجح الرفع بأن التشبيه واقع في التفاوت الذي بين رءوس هاتين الأصبعين.
والمعنى: أن قيام الساعة قرب لزمان بعثه، كقرب التفاوت بين رءوس هاتين الأصبعين، وأن الزمان المتخلل بين بعثه وقيام الساعة قليل، كما أن التفاوت بين رءوس هاتين الأصبعين قليل، ويؤيد هذا ما رواه الترمذي عن أنس رفعه: "بعثت أنا والساعة كهاتين" وأشار بعض رواته بالسبابة والوسطى فما فضل إحداهما على الأخرى، فهذا صريح في أن التشبيه واقع في التفاوت بين الأصبعين لا في الاتصال وأخرج أيضا عن المستورد بن شداد مرفوعا: "بعثت في نفس الساعة فسبقتها كما سبقت هذه هذه لأصبعيه السبابة والوسطى". ويقول: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله" القرآن، سماه حديثا لنزوله منجما لا لكونه ضد القديم "وخير الهدي هدي محمد" بضم الهاء وفتح الدال فيهما وبفتح الهاء وسكون الدال فيهما. قال النووي: ضبطناه بالوجهين، وكذا ذكره جماعة بالوجهين، قال عياض: رويناه في مسلم بالضم، وفي غيره بالفتح، وبه ذكره الهروي وفسره بالطريق، أي: أحسن الطريق طريق محمد " ﷺ " يقال: فلان حسن الهدي، أي: الطريقة والمذهب، وأما على رواية الضم، فمعناه الدلالة والإرشاد وهو الذي يضاف إلى الرسل والقرآن والعباد، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
وقال ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ، وإذا إضيف إلى الله فهو بمعنى التأييد والتوفيق والعصمة، كقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] .
قال المصنف: وعلى التحقيق يرجع الكل إلى معنى واحد إذ الكل بخلق الله وقدرته وإرادته، وإنما يضاف إلى المخلوق لأنه كاسبه وواسطة في الإيصال، قال: ويرجح رواية الفتح والسكون مناسبته لقوله: "وشر الأمور محدثاتها" بفتح الدال، فإن المراد بها التي ليس لها في الشرع أصل يشهد لها بالصحة والجواز، قال: ويرجح المشهورة، أي: ضم الهاء وفتح الدال، بأنهстр. 4937
النار"، ثم يقول: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا فإليّ وعليّ". رواه مسلم والنسائي من حديث جابر.
وفي رواية لمسلم: كانت خطبته ﷺ يوم الجمعة: "نحمد الله ونثني عليه"، ثم يقول على أثر ذلك، وقد علا صوته، وذكر نحوه.
الحواشي
(١) لما ذكر بعد كتاب علم أن المراد الإرشاد الحاصل منه ﷺ بتبليغ ذلك الكتاب الذي هو خير الحديث وإيضاحه وتبيينه وهي الهداية المزيلة للضلال من العالمين، "وكل بدعة ضلالة" هي لغة: ما عمل من غير مثال سابق، واستعمل في الشرع بهذا المعنى أيضا، وتنقسم إلى واجبة كعلم أدلة المتكلمين للرد على الملاحدة والمبتدعة، ومندوبة كتصنيف الكتب وبناء المدارس والربط، ومباحة كالتبسط في الأطعمة والأشربة، ومحرمة كالقراءة بالألحان المخرجة للقرآن، ومكروهة كأكثر الأشياء المنصوص على كراهتها.
قال النووي: فالحديث من العام المخصوص ولا ينافيه تأكيده بكل، لأنها لا تمنع التخصيص، كقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأقاف: ٢٥] "وكل ضلالة في النار" ثم يقول" ﷺ : "أنا أولى" أحق "بكل مؤمن من نفسه" في كل شيء من أمور الدين والدنيا، وحكمه أنفذ عليهم من حكمهم، فعليهم أن يبذلوها دونه ويجعلوها فداءه، أو هو أولى بهم، أي: أرأف بهم وأعطف عليهم وأنفع لهم، "من" مات و "ترك مالا فلأهله" وارثه، "ومن ترك دينا" لا وفاء له، "أو" ترك "ضياعا" بفتح الضاد عيالا عالة وأطفالا لا قدرة لهم على القيام بمصالحهم، فهم محتاجون إلى كافل يقوم بهم، "فإليّ وعليّ" يحتمل أنهما راجعان إلى كل واحد من المذكورين قبلهما، أي: من ترك ضياعا فلهم المجيء إليّ ويكون القيام بمصالحهم عليّ، ومن ترك دينا فلصاحبه التوجه إليّ ويكون أداؤه عليّ، وعبر "بعليّ" الدالة على الوجوب إيماء إلى عظم أمر الضياع وشدة القيام بمصالحهم وبيان التفاوت بينه وبين أداء الدين، فإن فيه بقاء النفس وهو أقوى المهمات، وفيه إشعار بأن ذلك تبرع بالنسبة إلى الدين فلصاحبه الإبراء وتحصل المثوبة بذلك بخلاف أمر الضياع، فالقيام بمصالحهم واجب قطعا. "رواه مسلم والنسائي من حديث" عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن "جابر" بن عبد الله.
"وفي رواية لمسلم" من طريق سليمان بن بلال عن جعفر، عن أبيه، عن جابر قال: "كانت خطبته ﷺ يوم الجمعة": "نحمد الله ونثني عليه" بما هو أهله، "ثم يقول على أثر ذلك" بكسر الهمزة وسكون المثلثة، "وقد علا" ارتفع "صوته وذكر نحوه" لفظ مسلم، ثم ساق الحديث بمثله وفرق بين اللفظين عند المحدثين فإذا قالوا بمثله يريدون بلفظه وإذا قالوا نحوه أرادوا أنه بغير لفظه كما بينه في الفتح.стр. 4938
وفي أخرى: كان يخطب الناس يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: "من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله"، ثم ذكر نحو ما تقدم.
وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: ما أخذت: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس. رواه مسلم.
وعن الحكم بن حزن الكلفي قال: قدمت إلى النبي ﷺ سابع سبعة، أو تاسع تسعة، فلبثنا عنده أياما، شهدنا فيها الجمعة، فقام ﷺ متوكئا على قوس، أو قال على عصا، فحمد الله وأثنى عليه، كلمات خفيفات طيبات مباركات، ثم
الحواشي
(١) "وفي" رواية "أخرى" لمسلم أيضا من طريق سفيان عن جعفر عن أبيه عن جابر قال: "كان" ﷺ " يخطب الناس" بضم الطاء "يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول: "من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وخير الحديث كتاب الله". ثم ذكر نحو ما تقدم" لفظ مسلم ثم ساق الحديث بمثل حديث الثقفي.
"وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان" الأنصارية صحابية مشهورة وهي أخت عمرة بنت عبد الرحمن لأمها، روت عنها عمرة، "قالت" لقد كان تنورنا وتنور رسول الله ﷺ واحدا سنتين أو ثلاثة و"ما أخذت" أي: حفظت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ أي: السورة بتمامها "إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل" يوم "جمعة على المنبر إذا خطب الناس" قال العلماء: سبب اختيار "ق" لأنها مشتملة على ذكر الموت والبعث وأحوالهما وفيها المواعظ البليغة والزواجر الأكيدة، قاله النووي: وقال المصنف وقال المظهري: أراد به أول السورة لا جميعها لأن جميعها لم يقرأ في الخطبة، كذا قال: فليتأمل، "رواه مسلم" من طرق. "وعن الحكم بن حزن" بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي ونون "الكلفي" بضم الكاف وفتح اللام، ثم فاء من بني كلفة بن عوف بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن، صحابي، قليل الحديث، قال مسلم: لم يرو عنه إلا شعيب بن زريق الطائفي، قال: كنت جالسا عند الحكم وله صحبة من رسول الله ﷺ ، فأنشا يحدثنا، "قال: قدمت إلى النبي ﷺ سابع سبعة أو تاسع تسعة" شك الراوي، قال: فأذن لنا، فدخلنا، فقلنا: أتيناك يا رسول الله لتدعو لنا بخير، فدعا لنا بخير، وأمر بنا فأنزلنا وأمر لنا بشيء من تمر، والساق إذ ذاك دون قال: "فلبثنا عنده أياما شهدنا فيها الجمعة، فقام ﷺ متوكئا على قوس، أو قال على عصا" شك الراوي "فحمد الله وأثنى عليه كلمات" نصب بنزع الخافض، أي: بكلمات أو ضمن أثنى معنى ذكر كلمات "خفيفات"стр. 4939
قال: "يا أيها الناس، إنكم لن تفعلوا أو لن تطيقوا كل ما أمرتكم به، ولكن سددوا وأبشروا". رواه أحمد وأبو داود.
وعن يعلى بن أمية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا﴾ [الزخرف: ٧٧] . رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي الدرداء: قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم الجمعة فقال: "توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشتغلوا، وصلوا الذي بينكم
الحواشي
(١) أي: قليلات اللفظ "طيبات مباركات" لكثرة معانيها وبلاغة ألفاظها، "ثم قال: يا "أيها الناس إنكم لن تفعلوا أو لن تطيقوا" شك الراوي "كل ما أمرتكم به" لعجزكم عنه، "ولكن سددوا" بمهملات، أي: لازموا الصواب من القول والفعل "وأبشروا" من الله بالقبول والثواب على ذلك، "رواه أحمد وأبو داود" وأبو يعلى وغيرهم، "وعن يعلى بن أمية" التميمي حليف قريش، "قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ على المنبر، ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ اسم خازن النار، وقرئ: "يا مال" بكسر اللام على الترخيم وفيه إشعار بأنهم لضعفهم لا يستطيعون تأدية اللفظ بتمامه، ولله در من قال:
ما كان أغنى أهل نار جهنم ... عن قولهم يا مال وسط جحيم
عجزوا عن استكمال لفظة مالك ... فلأجل ذا نادوه بالترخيم
﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ ليمتنا، قال المصنف في شرح مسلم: يحتمل أنه ﷺ قرأ هذه الآية فقط، وأنه قرأ السورة كلها. انتهى.
والثاني بعيد جدا، فإن قيل كيف نادوا مع قوله: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] أي: ساكتون سكوت يأس، أجيب بأنها أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة، فتختلف بهم الأحوال، فيسكتون أوقاتا لغلبة اليأس عليهم، ويستغيثون أوقاتا لشدة ما بهم، "رواه البخاري" في موضعين من بدء الخلق، وفي التفسير "ومسلم" في الجمعة، "وعن أبي الدرداء، قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم الجمعة، قال:" زاد في رواية جابر: "يا أيها الناس". "توبوا إلى الله" وإن كنتم من الكاملين قياما بحق العبودية وإعظاما للربوبية لا رغبة في الثواب ولا رهبة من العذاب، وفي رواية جابر: "توبوا إلى ربكم". "قبل أن تموتوا" والموت قد يأتي على غفلة، فالواجب تعجيل التوبة، "وبادروا" أي: سابقوا وعجلوا من المبادرة وهي الإسراع "بالأعمال الصالحة" النافعة عند الله "قبل أن تشتغلوا عنها" بنحو مرض وهموم، وللبيهقي عن أبي أمامة، رفعه: بادروا بالأعمال هرما ناغصا وموتا خالسا ومرضا حابسا وتسويفا مؤيسا "وصلوا" بكسر الصاد وضم اللام من الوصل "الذي بينكم وبين ربكم تسعدوا".стр. 4940
وبين ربكم تسعدوا، وأكثروا الصدقة ترزقوا، وأمروا بالمعروف تخصبوا، وانهوا عن المنكر تنصروا، يا أيها الناس إن أكيسكم أكثركم ذكرا للموت، وأكرمكم أحسنكم استعدادا له، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والتزود لسكنى القبور، والتأهب ليوم النشور". رواه ...
ورواه ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله مختصرا بنحوه.
وفي مراسيل أبي داود عن الزهري قال: كان صدر خطبة النبي ﷺ : "الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله
الحواشي
(١) وفي رواية جابر: يكثر ذكره لكم، فسعادتهم بكثرة ذكره لهم "وأكثروا الصدقة" زاد جابر في السر والعلانية "ترزقوا": يكثر رزقكم ويزيد ببركتها، وفي رواية جابر: تؤجروا وتحمدوا وترزقوا وتنصروا وتجبروا، "وأمروا بالمعروف تخصبوا" بضم التاء وكسر الصاد من أخصب، أي: يكثر خير أرضكم "وانهوا عن المنكر تنصروا" على عدوكم، "أيها الناس أن أكيسكم" أي: أعقلكم وأفطنكم "أكثركم ذكرا للموت" لوقوعه لا محالة، "وأكرمكم" أفضلكم "أحسنكم استعدادا له" الأعمال الصالحة وترك المخالفة "ألا" بالفتح والتخفيف "وإن من علامات العقل التجافي" بجيم وفاء التباعد "عن دار الغرور" الدنيا "والإنابة" الرجوع "إلى دار الخلود" الآخرة "والتزود لسكنى القبور" بالأعمال الحسنة "والتأهب" الاستعداد "ليوم النشور" البعث. "رواه" كذا في نسخ وبعده بياض.
"ورواه ابن ماجه" والبيهقي "من حديث جابر بن عبد الله مختصرا" بدون قوله: وأمروا بالمعروف إلى هنا "بنحوه" وزاد عقب قوله: "وتنصروا وتجبروا". "واعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة فريضة مكتوبة من وجد إليها سبيلا، فمن تركها في حياتي أو بعد موتي جحودا بها واستخفافا بحقها وله إمام عادل أو جائر فلا جمع الله له شمله ولا بارك له في أمره ألا ولا صلاة له ألا ولا وضوء له ألا ولا حج له ألا ولا بر له حتى يتوب، فمن تاب تاب الله عليه ألا لا تؤمن امرأة رجلا ولا يؤم أعرابي مهاجرا ولا يؤم فاجر مؤمنا إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه وسطوته". هذا تمام حديث جابر عند ابن ماجه والبيهقي.
"وفي مراسيل أبي داود عن الزهري" محمد بن مسلم بن شهاب، "قال: كان صدر خطبة النبي ﷺ " أي: أولها "الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا"، خصها لشدتها وقوتها وتزيينها، "من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل الله فلا هادي له" إذстр. 4941
فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. نسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله ويتبع رضوانه ويجتنب سخطه".
وعنده أيضا عنه قال: بلغنا عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول إذا خطب: "كل ما هو آت قريب، لا بعد لما هو آت، يريد الله أمرا، ويريد الناس أمرا، ما شاء الله كان ولو كره الناس، ولا مبعد لما قرب الله، ولا مقرب لما أبعد الله، لا يكون شيء إلا بإذن الله ".
وقال جابر بن عبد الله: كان ﷺ إذا خطب الجمعة يقول بعد أن يحمد الله ويصلي على أنبيائه: "أيها الناس، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم
الحواشي
(١) الأمر كله في قبضته وتحت إرادته سبحانه، "وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا" للمؤمنين "ونذيرا" للعاصين "بين يدي الساعة"، أي: قدامها بقرب "من يطع الله ورسوله فقد رشد" بفتح الشين المعجمة وكسرها، "ومن يعصهما فقد غوى" بفتح المعجمة والواو، قال عياض: وقع في رواية لمسلم بكسر الواو وفتحها، والصواب الفتح وهو من الغي، وهو الانهماك في الشر، ومر أن خصائصه ﷺ أن له أن يجمع الله ورسوله في ضمير واحد بخلاف غيره، فلا ينافي قوله للذي خطب عنده، فقال: ومن يعصهما فقد غوى، فقال ﷺ : "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله". رواه مسلم، وهذا المرسل قد رواه أبو داود بإسناد صحيح عن ابن مسعود، قال: علمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة "الحمد لله" فذكره بلفظه إلا أنه قال: "ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا". فإنما عدل المصنف إلى المرسل لقوله أوله كان صدر خطبة النبي ﷺ ، أما المسند فصدره بأنه علمهم خطبة الحاجة، "نسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله ويتبع رضوانه ويجتنب سخطه" الظاهر أنه من كلام الزهري، ويحتمل أنه من المرفوع تعليما للأمة، "وعنده" أي: أبي داود "أيضا عن" أي: الزهري، "قال: بلغنا عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول إذا خطب" بعد الحمد والثناء: "كل ما هو آت قريب لا بعد لما هو آت"، وإن أبطأ "يريد الله أمرا ويريد الناس أمرا ما شاء الله كان" وجد لا محالة "ولو كره الناس، ولا مبعد لما قرب الله، ولا مقرب لما أبعد الله، لا يكون شيء إلا بإذن الله ".
"وقال جابر بن عبد الله" ﵄: "كان ﷺ إذ خطب يوم الجمعة يقول بعد أن يحمد الله" يثني عليه بما هو أهله "ويصلي على أنبيائه": "أيها الناس إن لكم معالم" أي:стр. 4942
نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، إن العبد المؤمن بين مخافتين، بين أجل قد مضى لا يدري ما الله قاض فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله صانع فيه، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الممات، والذي نفسي بيده، ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم".
وعن عمرو أن النبي ﷺ خطب يوما فقال: "ألا إن الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، ألا وإن الآخرة أجل صادق يقضي فيها ملك قادر، ألا وإن الخير كله بحذافيره في الجنة، ألا وإن الشر كله بحذافيره في النار، ألا فاعملوا
الحواشي
(١) مظان تستدلون بها على معرفة الحق من الباطل، أو هي جمع معلم مصدر ميمي بمعنى العلم، أي: أن لكم علوما، "فانتهوا إلى معالمكم" أي: علومكم فلا تتجاوزوها، ويوافقه قول الحسن البصري: يا أيها الناس إن لكم علما، فانتهوا إلى علمكم، "وإن لكم نهاية، فانتهوا إلى نهايتكم" فلا تعدوها، "إن العبد المؤمن بين مخافتين" وبينهما بقوله: "بين أجل قد مضى لا يدري ما الله قاض" حاكم "فيه" هل يحاسب ويعاقب على ما فعل فيه أو يعفو عنه، "وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله صانع فيه" أيوفقه فيه أم لا، "فليأخذ العبد من نفسه لنفسه" بأن يحاسبها على أفعالها ويقطع عن العصيان ويتوب "ومن دنياه لآخرته" بالأعمال الصالحة، "ومن الشبيبة قبل الكبر" المانع من كثرة العبادة، "ومن الحياة قبل الممات، والذي نفسي بيده" قسم كان يقسم به كثيرا "ما بعد الموت من مستعتب" بضم فسكون ففتح الفوقيتين بينهما عين ساكنة اسم مفعول من استعتب، أي: طلب منه الإعتاب وهو إزالة العتب وهو اللوم، "وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة" للمتقين "أو النار" للفجار، "أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم".
"وعن عمرو" بن العاصي "أن النبي ﷺ خطب يوما، فقال" زاد الطبراني من حديث شداد: "أيها الناس". "ألا إن الدنيا عرض "، بفتحتين متاع "حاضر يأكل منها البر" أي التقي "والفاجر" أي: العاصي ولو بالكفر، "ألا" بالفتح والتخفيف للتنبيه "وإن الآخرة أجل" في حديث شداد وعد "صادق يقضي" أي: يحكم، وبه عبر شداد "فيها ملك قادر" على كل شيء.
زاد في حديث شداد: "يحق الحق ويبطل الباطل، أيها الناس كونوا أبناء الآخرة ولا تكونوا أبناء الدنيا فإن كل أم يتبعها ولدها" هذا آخر رواية شداد.
"ألا وإن الخير كله بحذافيره" أي: بجميعه "في الجنة، ألا وإن الشر كله بحذافيره" جمع حذفور كعصفور "في النار, ألا فاعملوا وأنتم من الله على حذر" أي: خوف، ولا تغترواстр. 4943
وأنتم من الله على حذر، واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره". رواه الشافعي، وعند أبي نعيم في الحلية نحوه.
واختلف: هل يجب الإنصات، ويمنع من جميع أنواع الكلام حال الخطبة، أو لا؟
وعن الشافعي: في المسألة قولان مشهوران، وبناهما بعض الأصحاب على الخلاف في أن الخطبتين بدل عن الركعتين أم لا؟ فعلى الأول يحرم، لا على
الحواشي
(١) بالأعمال، فإن النافع هو المقبول ولا اطلاع عليه، ولأنه إذا وضع عدله على عبده لم يبق له حسنة، "واعلموا أنكم معروضون" كذا في نسخ بواو بين الراء والضاد من عرض.
وفي نسخ: معرضون بدون الواو، منساقون من المحشر "إلى أعمالكم" ومعرضون عليها فتجازون عليها، إن خيرا فخير وإن شرا فشر كما أفاده بقوله، "فمن يعمل مثقال" زنة "ذرة" نملة صغيرة "خيرا يره" يرى ثوابه، "ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" يرى جزاءه. "رواه الشافعي، وعند أبي نعيم في الحلية نحوه" وروى بعضه الطبراني من حديث شداد كما علم.
"واختلف هل يجب الإنصات ويمنع من جميع أنواع الكلام حال الخطبة أم لا" كلام مجمل يصدق بوجوبه لمن سمع، وغيره فيجري فيه الخلاف وبمن قرب من الإمام أو بعد عنه، وبما إذا كان الكلام بعد الجلوس، وبما إذا كان قبله وتحرير محل الخلاف يعلم من حكاية الأقوال الآتية، فذهب الجمهور إلى منع جميع أنواع الكلام حال الخطبة ولو لم يسمعها للحديث المتفق عليه، "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت".
زاد في رواية أحمد: "عليك بنفسك" ولحديث علي رفعه: "ومن دنا فلم ينصت فإن عليه كفلين من الوزر" أخرجه أحمد وغيره، لأن الوزر لا يترتب على من فعل مباحا، ولو كان مكروها كراهة تنزيه.
"وعن الشافعي في المسألة قولان" في منعه وإباحته مع الكراهة "مشهوران" عنه، فلا ينافي أن أرجحهما عند أصحابه الثاني، "وبناهما بعض الأصحاب على الخلاف في أن الخطبتين بدل عن الركعتين أم لا، فعلى الأول يحرم" لحرمة الكلام في الصلاة "لا على الثاني" فلا يحرم، "والاني هو الأرجح عندهم" أي الشافعية، فيجوز مع الكراهة ولو لسامع،стр. 4944
الثاني، والثاني هو الأرجح عندهم، فمن ثم أطلق من أطلق منهم إباحة الكلام، حتى شنع من شنع عليهم من المخالفين.
وعن أحمد أيضا روايتان.
وعنهما أيضا: التفرقة بين من يسمع الخطبة وبين من لا يسمعها.
وأغرب ابن عبد البر فنقل الإجماع على وجوب الإنصات على من سمعها إلا عن قليل من التابعين.
ودخل سليك الغطفاني، وهو ﷺ يخطب، فقال ﷺ : "صليت"؟ قال:
الحواشي
(١) "فمن ثم أطلق منهم إباحة الكلام شنع من شنع عليهم من المخالفين" في إطلاق الإباحة بلا كراهة لما يلزم عليه من ترك الأحاديث مع كثرتها وصحتها.
"وعن أحمد أيضا روايتان" بالحرمة والكراهة، "وعنهما" الشافعي وأحمد "أيضا التفرقة بين من يسمع الخطبة" فيسن له الإنصات، "وبين من لا يسمعها" فلا، لكن الأولى أن يشتغل بالتلاوة والذكر، "وأغرب ابن عبد البر، فنقل الإجماع على وجوب الإنصات على من سمعها إلا عن قليل من التابعين" ولفظ ابن عبد البر لا خلاف علمته بين فقهاء الأمصار في وجوب الإنصات على من سمعها في الجمعة، وأنه غير جائز أن يقول لمن سمعه من الجهال يتكلم والإمام يخطب أنصت ونحوها أخذا بهذا الحديث.
وروي عن الشعبي وناس قليل أنهم كانوا يتكلمون إلا في حين قراءة الإمام في الخطبة خاصة، وفعلهم ذلك مردود عند أهل العلم، وأحسن أحوالهم أنه لم يبلغهم، الحديث نقله الحافظ، وتعقبه بقوله: وللشافعي قولان، فذكر ما قدمه المصنف، ثم قال: واختلف إذا خطب بما لا ينبغي من القول، وعلى ذلك يحمل ما نقل عن السلف من الكلام حال الخطبة؟ والذي يظهر أن من نفى وجوبه أراد أنه لا يشترط في صحة الجمعة بخلاف غيره. انتهى.
وفيه نظر، إذ القائلون بوجوب الإنصات لا يجعلوه شرطا في صحتها وعلى ما ظهر له يكون الخلاف لفظيا، وليس كذلك، وقد قال هو قبل ذلك -في حديث علي مرفوعا عند أحمد، "ومن قال: صه، فقد تكلم ومن تكلم فلا جمعة له" - ما نصه: قال العلماء: معناه لا جمعة له كاملة للإجماع على إسقاط فض الوقت عنه. انتهى.
"دخل سليك" بمهملة مصغر، ويقع في نسخ سقيمة أبو سليك، والصواب حذف أبو، فإنه وقع في أكثر روايات الصحيحين، عن جابر: جاء رجل بالإبهام.
وفي رواية لمسلم: دخل سليك وهو ابن هدبة، وقيل: ابن عمرو "الغطفاني" بفتح المعجمة، ثم المهملة بعدها فاء من غطفان بن سعد بن قيس عيلان، ووقع عند الطبراني: جاءстр. 4945
لا، قال: "قم فاركع ركعتين، وأسرع فيهما لتسمع الخطبة". رواه البخاري ومسلم وأبو داود.
واستدل به على أن الخطبة لا تمنع الداخل من صلاة تحية المسجد.
وتعقب: بأنها واقعة عين لا عموم لها، فيحتمل اختصاصها بسليك، ويدل عليه قوله في حديث أبي سعيد -عند أصحاب السنن: جاء رجل -والنبي ﷺ يخطب- في هيئة بذة، فقال له: "أصليت"؟ قال: لا، قال: "قم فصل ركعتين" وحض الناس على الصدقة عليه ... الحديث. فأمره بأن يصلي ركعتين كي يراه بعض الناس وهو
الحواشي
(١) النعمان بن نوفل، قال أبو حاتم الرازي وهو وهم من بعض الرواة في تسمية الآتي، وللطبراني أيضا عن أبي ذر، أنه أتى النبي ﷺ وهو يخطب، فقال لأبي ذر: "صليت ركعتين"؟، قال: لا، الحديث، وفيه ابن لهيعة وشذ بقوله وهو يخطب، فالحديث المشهور عن أبي ذر أنه جاء إلى النبي ﷺ وهو جالس في المسجد، أخرجه ابن حبان وغيره.
ومن المستغرب ما حكاه ابن بشكوال أن الداخل المذكور، يقال له أبو هدبة، فإن كان محفوظا فلعلها كنية سليك صادقت اسم أبيه، قاله الحافظ ملخصا "وهو ﷺ يخطب".
زاد في رواية لمسلم: يوم الجمعة، "فقال له ﷺ : "صليت" كذا للأكثر بحذف همزة الاستفهام، وثبتت للأصيلي، وكذا لمسلم، ولفظه: أصليت يا فلان، "قال: لا" ما صليت، قال: "قم فاركع ركعتين" وفي رواية: فصل ركعتين، وزاد في رواية لمسلم: وتجوز فيما، بجيم وزاي، يعني: خفف "وأسرع فيهما لتسمع الخطبة، رواه البخاري ومسلم وأبو داود" من طرق كلها عن جابر بن عبد الله "واستدل به على أن الخطبة لا تمنع الداخل من صلاة تحية المسجد" بل يستحب له فعله كما ذهب إليه أحمد وإسحاق وفقهاء المحدثين.
وحكي عن الحسن البصري وغيره من المتقدمين، وقال مالك والليث وأبو حنيفة والثوري وجمهور السلف من الصحابة والتابعين: لا يصليهما، وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي، حكاه عياض، "وتعقب بأنها واقعة عين" أي: مادة معينة "لا عموم لها، فيحتمل اختصاصها بسليك، ويدل عليه قوله في حديث أبي سعيد" الخدري "عند أصحاب السنن" وغيرهم: "جاء رجل "والنبي ﷺ يخطب في هيئة بذة" بفتح الموحدة والمعجمة الثقيلة، أي: رثة بالية، "فقال له": "أصليت"؟ بهمزة الاستفهام "قال: لا" ما صليت قال: "قم فصل ركعتين" تحية المسجد، أو قبلية الجمعة، "وحض" "بمهملة فمعجمة" حمل "الناس على الصدقة عليه" لبذاذته "الحديث، فأمره بأن يصلي ركعتين كي يراه بعض الناس وهو قائم فيتصدق عليه" وقد فهموا ذلك فتصدقوا عليه بثوبين كما يأتي، فلا دلالة فيه على العموم.стр. 4946
قائم فيتصدق عليه. وورد أيضا ما يؤيد الخصوصية، وهو ما أخرجه ابن حبان وهو قوله ﷺ لسليك في آخر الحديث: "لا تعودن لمثلها"، وما يضعف الاستدلال به على جواز التحية في تلك الحالة أنهم أطلقوا أن التحية تفوت بالجلوس.
فهذا ما عتل به من طعن في الاستدلال بهذه القصة على جواز التحية، وكله مردود، لأن الأصل عدم الخصوصية، والتعليل بكونه ﵊ قصد التصدق عليه لا يمنع القول بجواز التحية، فإن المانعين منها لا يجوزون التطوع لعلة التصدق. قال ابن المنير: لو ساغ ذلك لساغ مثله في التطوع عند طلوع الشمس وسائر الأوقات المكروهة، ولا قائل به.
الحواشي
(١) قال الحافظ: ويؤيده أن في هذا الحديث عند أحمد أن النبي ﷺ قال: "إن هذا الرجل دخل المسجد في هيئة بذة، فأمرته أن يصلي ركعتين وأنا أرجو أن يفطن له رجل فيتصدق عليه" , وعرف بهذه الرواية الرد على من طعن في هذا التأويل، فقال: لو كان كذلك لقال لهم: إذا رأيتهم ذا بذة فتصدقوا عليه، أو إذا كان أحد ذا بذة فليقم، فليركع حتى يتصدق الناس عليه، والذي يظهر أنه ﷺ كان يعتني في مثل هذا بالإجمال دون التفصيل كما كان يصنع عند المعاتبة.
"وورد أيضا ما يؤيد الخصوصية، وهو ما أخرجه ابن حبان، وهو قوله ﷺ لسليك في آخر الحديث: "لا تعودن لمثلها" لفظ ابن حبان لمثل هذا كما في الفتح، فنهيه عن العود صريح في أنه خصه بذلك للبذاذة، "ومما يضعف الاستدلال به على جواز التحية في تلك الحالة" أي: حالة الدخول والإمام يخطب، "أنهم" أي لشافعية "أطلقوا أن التحية تفوت بالجلوس" وسليك قعد قبل أن يصلي كما في مسلم، "فهذا" المذكور من الأوجه "ما اعتل به من طعن في الاستدلال بهذه القصة على جواز التحية" للداخل "وكل مردود، لأن الأصل عدم الخصوصية" فيه نظر، إذ لم يجزم بالخصوصية إنما أبديت احتمالا لكون القصة واقعة عين، وتأيد هذا الاحتمال بحديث أبي سعيد وغيره فهو قادح في الاستدلال "والتعليل بكونه ﵊ قصد" بأمره بالركوع "التصدق عليه لا يمنع القول بجواز التحية، فإن المانعين منها لا يجوزون التطوع لعلة التصدق".
"قال ابن المنير" في الحاشية: "لو ساغ ذلك لساغ مثله في التطوع عند طلوع الشمس" وغروبها المحرم في الوقتين "وسائر الأوقات المكروهة، ولا قائل به" من المانعين التحية والإمام يخطب واللازم ممنوع، وسنده أن المراد منع دلالة القصة على الجواز، لأنها قضية عين محتملة أنها لعلة التصدق في خصوص هذه القضية وإن لم يقولوا بها حتى في جمعة غير هذه فضلا عن طلوع شمس ونحوه.стр. 4947
ومما يدل على أن أمره الصلاة لم ينحصر في قصد التصدق، معاودته ﵊ بأمره بالصلاة في الجمعة الثانية بعد أن حصل له في الجمعة الأولى ثوبان تصدق بهما عليه، فدخل بهما في الثانية فتصدق بأحدهما فنهاه ﷺ عن ذلك. أخرجه النسائي وابن خزيمة من حديث أبي سعيد أيضا. ولأحمد وابن حبان: أنه كرر أمره بالصلاة ثلاث مرات في ثلاث جمع، فدل على أن قصد التصدق عليه جزء علة، لا علة كاملة.
وأما إطلاق من أطلق أن التحية تفوت بالجلوس، فقد حكى النووي في شرح مسلم عن المحققين: أن ذلك في حق العالم العامد، أم الجاهل والناسي فلا، وحال هذا الداخل محمولة في المرة الأولى على أحدهما، وفي المرتين الأخيريتن على النسيان.
والحامل للمانعين على التأويل المذكور أنهم زعموا أن ظاهره معارض للأمر
الحواشي
(١) "ومما يدل على أن أمره بالصلاة لم ينحصر في قصد التصدق معاودته ﵊ بأمره بالصلاة في الجمعة الثانية بعد أن حصل له في الجمعة الأولى ثوبان تصدق بهما عليه" بالبناء للمفعول، "فدخل بهما في الثانية، فتصدق بأحدهما، فهناه ﷺ عن ذلك" التصدق بالثوب لاحتياجه للثوبين جميعا.
"أخرجه النسائي وابن خزيمة من حديث أبي سعيد أيضا ولأحمد وابن حبان أنه كرر أمره بالصلاة ثلاث مرات في ثلاث جمع" يحتمل أنه فعل ذلك بعد قعوده في كل من الثلاث، لظنه أن الأمر في كل مرة خاص بها أو للنسيان كما يأتي، "فدل على أن قصد التصدق عليه جزء علة لا علة كاملة" قد يمنع دلالته على ذلك، فإن أمره في الجمع الثانية لكونه تصدق بأحد الثوبين، وقد علم أن الذي أبقاه لا يكفيه فأمره ليتصدق عليه فلعله لم يقع، فأمره في الثالثة ليتصدق عليه فهو علة كاملة، ويكفي مثل هذا من جهة المانع، "وأما إطلاق من أطلق أن التحية تفوت بالجلوس، فقد حكى النووي في شرح مسلم عن المحققين أن ذلك في حق العالم العامد" لأنها نفل وهو يفوت بفوات وقته، "أما الجاهل والناسي فلا" تفوت بجلوسه، "وحال هذا الداخل" سليك "محمولة في المرة الأولى على أحدهما" الجهل أو النسيان "وفي المرتين الأخيرتين على النسيان" قد لا يسلم هذا الحمل، إذ يحتمل أنه عالم بأن الداخل والإمام يخطب لا يصلي التحية، وإن أمره في الأولى لعلة التصدق عليه، فلذا جلس في الثانية حتى أمره، فكأنه فهم أنه للصدقة عليه أيضا، فجلس في الثالثة، لا سيما وقد قال له النبي ﷺ في الأولى، "لا تعودن لمثل هذا"، "والحامل للمانعين على التأويلстр. 4948
بالإنصات والاستماع للخطبة.
وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن ذلك وعن غيره من أدلة المانعين بما يطول ذكره، ثم قال: وهذه الأجوبة التي قدمناها تندفع من أصلها بعموم قوله ﷺ في حديث أبي قتادة: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين". متفق عليه. قال: وورد أخص منه في حال الخطبة، ففي رواية شعبة عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ وهو يخطب: "إذا أتى أحدكم والإمام يخطب، أو قد خرج فليصل ركعتين" متفق عليه.
الحواشي
(١) المذكور، "أنهم زعموا أن ظاهره معارض للأمر بالإنصات والاستماع للخطبة".
قال ابن العربي: عارض قصة سليك ما هو أقوى منها، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وقوله ﷺ : "إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت". متفق عليه، قال: فإذا امتنع الأمر بالمعروف وهو أمر اللاغي بالإنصات مع قصر زمنه، فمنع التشاغل بالتحية مع طول زمنها أولى.
"وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن ذلك" بأن المعارضة التي تئول إلى إسقاط أحد الدليلين إنما يعمل بها عند تعذر الجمع، والجمع هنا ممكن، أما الآية فليست الخطبة كلها قرآنا، وأما ما فيها من القرآن، فالجواب عنه كالجواب عن الحديث وهو تخصيص عمومه بالداخل، وأيضا فمصلي التحية يجوز أن يطلق عليه أنه منصت، كقول أبي هريرة: سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه، فأطلق على القول سرا سكوت، كذا قال. "و" أجاب "عن غيره من أدلة المانعي" وهي عشرة "بما يطول ذكره" مع أنه لا كبير فائدة فيه، إذ المذاهب تقررت، إنما هو تشحيذ أذهان، "ثم قال: وهذه الأجوبة التي قدمناها تندفع من أصلها بعموم قوله ﷺ في حديث أبي قتادة: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين " وهو ظاهر في أن المراد بهما التحية "متفق عليه" يعني أخرجه الشيخان ولا دفع، لأنه دخله التخصيص بما إذا كان الداخل متطهرا باتفاق، وبما إذا كان وقت جواز عند قوم ودخول التخصيص يضعف الاستدلال بالعموم.
"قال: وورد أخص منه في حال الخطبة، ففي رواية شعبة" بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، "عن عمرو" بفتح العين "ابن دينار، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ وهو يخطب: "إذا أتى أحدكم والإمام يخطب" يوم الجمعة، "أو قد خرج" يريد أن يخطب "فليصل ركعتين". "متفق عليه" أي: رواه مسلم والبخاري: "ولمسلم منстр. 4949
ولمسلم من طريق أبي سفيان عن جابر أنه قال ذلك في قصة سليك ولفظه بعد قوله: "فاركعهما وتجوز فيهما". ثم قال: "إذا أتى أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما".
قال النووي: هذا النص لا يتطرق إليه التأويل، ولا أظن عالما يبلغه هذا الحديث ويعتقده صحيحا فيخالفه.
وقال العارف بالله أبو محمد بن أبي حمزة: هذا الذي أخرجه مسلم نص في الباب لا يحتمل التأويل. انتهى.
وقد قال قوم: إنما أمره ﷺ بسنة الجمعة التي قبلها ومستندهم قوله ﵊ في قصة سليك -عند ابن ماجه: "أصليت ركعتين قبل أن تجيء"؟ لأن ظاهره قبل أن تجيء من البيت، ولهذا قال الأوزاعي: إن كان صلى في البيت قبل أن يجيء فلا يصلي إذا دخل المسجد.
وتعقب بأن المانع من صلاة التحية لا يجيز التنفل حال الخطبة مطلقا،
الحواشي
(١) طريق أبي سفيان" طلحة بن نافع القرشي مولاهم المكي، "عن جابر أنه قال ذلك في قصة سليك، ولفظه بعد قوله فاركعهما" لفظه من أوله: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب، فجلس، فقال له: "يا سليك قم فاركع ركعتين". "وتجوز" أي: خفف وأسرع "فيهما" لتسمع الخطبة، "ثم قال" ﷺ : "إذا أتى أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما". فنص على تعميم الحكم بعد أمره لسليك.
ولذا "قال النووي: هذا النص لا يتطرق إليه التأويل، ولا أظن عالم يبلغه هذا الحديث ويعتقده صحيحا فيخالفه" إذ لا يسعه مخالفته لا أن أعتقد عدم صحته لعلة أو شذوذ إن كان صحيحا فيخالفه، "وقال العارف بالله أبو محمد" عبد الله "بن أبي جمرة" بجيم وراء، "هذا الذي أخرجه مسلم نص في الباب لا يحتمل التأويل. انتهى".
"وقد قال قوم: إنما أمره ﷺ بسنة الجمعة التي قبلها" لا بالتحية، "ومستندهم قوله ﵊ في قصة سليك عند ابن ماجه: "أصليت ركعتين قبل أن تجيء"؟، لأن ظاهره قبل أن تجيء من البيت" ولو أريد التحية لم يحتج إلى استفهامه، لأنه قد رآه لما دخل، "ولهذا قال الأوزاعي: إن كان صلى في البيت قبل أن يجيء فلا يصلي إذا دخل المسجد" لأنها لسنة الجمعة، وقد صلاها فلا يعيدها.
"وتعقب بأن المانع من صلاة التحية" والإمام يخطب "لا يجيز التنفل حال الخطبةстр. 4950
ويحتمل أن يكون معنى قوله: "قبل أن تجيء" أي إلى الموضع الذي أنت به الآن، وفائدة الاستفهام، احتمال أن يكون صلاهما في مؤخر المسجد ثم تقدم لقرب من سماع الخطبة، ويؤيده: أن في رواية مسلم "أصليت الركعتين"؟ بالألف واللام، وهي للعهد، ولا عهد هناك أقرب من تحية المسجد، وأما سنة الجمعة التي قبلها فيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى.
وكانت صلاته ﷺ الجمعة قصدا، بين الطول والتخفيف، وخطبته قصدا. رواه مسلم والترمذي من رواية جابر بن سمرة. زاد في رواية أبي داود، يقرأ بآيات
الحواشي
(١) مطلقا، ويحتمل أن يكون معنى قبل أن تجيء، أي: إلى الموضع الذي أنت به الآن، وفائدة الاستفهام احتمال أن يكون صلاها في مؤخر المسجد، ثم تقدم ليقرب من سماع الخطبة".
"ويؤيده أن في رواية مسلم: أصليت الركعتين بالألف واللام وهي للعهد، ولا عهد هناك أقرب من تحية المسجد" كذا وقع في الفتح، ولفظ مسلم عن شيخيه قتيبة بن سعيد وإسحاق بن إبراهيم، عن سفيان، عن عمرو، عن جابر: دخل رجل المسجد ورسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقال: "أصليت" قال: لا، قال: "قم فصل الركعتين".
وفي رواية قتيبة قال: "فصل ركعتين". فبين أن اختلاف شيخيه بالتعريف والتنكير إنما هو في الأمر لا في الاستفهام، "وأما سنة الجمعة التي قبلها، فيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى" في الفرع السابع في راتبة الجمعة في القسم الثاني من صلاته النافلة بما فيه طول، حاصله قول الحافظ هنا: لم يثبت فيها شيء.
"وكانت صلاته ﷺ الجمعة قصدا" أي: متوسطة "بين الطول" الظاهر "والتخفيف" الماحق، "وخطبته قصدا" بين الطول والقصر، فالتطويل في الخطبة ربما يفضي إلى الملال أو يوقعها في آخر الوقت، وهذا لا يقتضي مساواة الخطبة للصلاة، فلا ينافي ما رواه مسلم، مرفوعا: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة". ولا خلف بين الحديثين، لأن طول الصلاة بالنسبة إلى الخطبة لا تطويلا يشق على المأمومين، فهي حينئذ قصد، أي: معتدلة، والخطبة قصد بالنسبة إلى وضعها، فالخطبة متوسطة بالنظر إلى الخطب، وقصيرة نظرا إلى الصلاة.
"رواه مسلم والترمذي من رواية جابر بن سمرة" الصحابي ابن الصحابي، مات بالكوفة بعد سنة سبعين، "زاد في رواية أبي داود" لحديث جابر بن سمرة "يقرأ بآيات من القرآن" فيстр. 4951
من القرآن ويذكر الناس. وله في رواية أخرى: كان لا يطيل الموعظة بها يوم الجمعة، إنما هي كلمات يسيرات.
وعن عمرو ابن حريث أنه ﷺ خطب وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه. رواه مسلم.
قال ابن القيم في الهدي: وكان ﵊ إذا اجتمع الناس خرج إليهم وحده من غير شاويش يصيح بين يديه، ولا لبس طيلسان ولا طرحة ولا سواد، فإذا دخل المسجد سلم عليهم، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه وسلم عليهم ثم يجلس، ويأخذ بلال في الأذان، فإذا فرغ منه قام ﷺ فخطب من
الحواشي
(١) الخطبة، "ويذكر الناس" يعظهم بما يلين القلوب، "وله" أي: لأبي داود "في رواية أخرى" وصححها الحاكم عن جابر بن سمرة، "كان" ﷺ "، "لا يطيل الموعظة" أي: الأمر بالطاعة والوصية "بها يوم الجمعة" لئلا يمل السامعون، "إنما هي" أي: الموعظة هكذا في النسخ الصحيحة، هي بالتأنيث، وهو الذي في أبي داود والحاكم، فما في نسخ إنما هو تحريف وإن أمكن توجيهه بأن يقال، أي: ما يأتي به أو وعظه المفهوم من الموعظة، إنما هو "كلمات يسيرات" في الغالب، فإن عرض ما يقتضي التطويل طول، "وعن عمرو" بفتح العين "ابن حريث" بمهملة ومثلثة مصغر، ابن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي، المخزومي، صحابي صغير، مات سنة خمس وثمانين "أنه ﷺ خطب" الناس، أي: وعظهم يوم فتح مكة كما في حديث جابر في مسلم والسنن، "وعليه عمامة سوداء" إشارة إلى السؤدد والنصر وظهوره على جميع الأديان، لأن جميع الألون ترجع إلى الأسود ولا يرجع هو إلى لون منها "قد أرخى طرفها" بالإفراد للتثنية، كما وقع في بعض النسخ، قاله عياض.
وقال القرطبي شرحا للتثنية:
يعني بهما لاأعلى والأسفل "بين كتفيه، رواه مسلم" ولأبي الشيخ عن ابن عمر: كان صلى الله عله وسلم يدير كور العمامة على رأسه ويغرسها من ورائه ويرخي لها ذؤابة.
قال الحافظ العراقي: مقتضاه أن الذي كان يرسله بين كتفيه من الطرف الأعلى.
"قال ابن القيم في الهدي" النبوي: "وكان ﵊ إذا اجتمع الناس خرج إليهم وحده من غير شاويش يصيح بين يديه ولا لبس طيلسان ولا طرحة ولا سواد" كما يفعل ذلك ببعض البلاد، "فإذا دخل المسجد سلم عليهم، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه وسلم عليهم ثم يجلس" كما رواه البيهقي عن ابن عمر: كان إذا دنا من منبره يوم الجمعة سلم على من عنده من الجلوس، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه ثم سلم،стр. 4952
غير فصل بين الأذان والخطبة، لا بإيراد خبر ولا غيره، ولم يكن يأخذ بيده سيفا ولا غيره، وإنما كان يعتمد على قوس أو عصا قبل أن يتخذ المنبر، وكان يأمر الناس بالدنو منه، ويأمرهم بالإنصات. انتهى.
وينظر في قوله: ولم يكن يأخذ بيده سيفا ولا غيره، وإنما كان يعتمد على قوس أو عصا قبل أن يتخذ المنبر.
وكان ﷺ يقرأ بسورة الجمعة في الركعة الأولى، "و ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] في الثانية. رواه مسلم والترمذي وأبو داود.
والحكمة في قراءته ﷺ بسورة الجمعة، اشتمالها على وجوب الجمعة
الحواشي
(١) ضعفه ابن حبان وابن القطان وغيرهما، "ويأخذ بلال في الأذان، فإذا فرغ منه قام ﷺ فخطب من غير فصل بين الأذان والخطبة لا بإيراد خبر" أي: حديث "ولا غيره" فالترقية بدعة مكروهة إلا أن يشترطها واقف فيعمل بها، ولا تضر في حصول سنة الأذان بين يدي الخطيب، قال في المدخل: العجب من الإنكار على مالك بعمل أهل المدينة، وهؤلاء يفعلون الترقية محتجين بعمل أهل الشام. انتهى.
ولا حجة لهم في أنه ﷺ قال لجرير في حجة الوداع: "استنصت الناس". كما لا يخفى، "ولم يكن يأخذ بيده سيفا ولا غيره، وإنما كان يعتمد على قوس أو عصا قبل أن يتخذ المنبر، وكان يأمر الناس بالدنو" أي: القرب "منه ويأمرهم بالإنصات" ليفهموا ما يقوله على وجهه ويعملوا به. "انتهى".
"وينظر في قوله: ولم يكن يأخذ بيده سيفا ولا غيره، وإنما كان يعتمد على قوس أو عصا قبل أن يتخذ المنبر" فإنه مخالف لما مر أنه كان يخطب متوكئا على قوس أو عصا، كيف، وفي أبي داود: كان إذا قام يخطب أخذ عصا، فتوكأ عليها وهو على المنبر.
"وكان ﷺ يقرأ بسورة الجمعة في الركعة الأولى، و" بسورة " ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُون﴾ في" الركعة "الثانية، رواه مسلم والترمذي وأبو داود" من طريق عبيد الله بن أبي رافع، قال: استخلف مروان أبا هريرة على المدينة، وخرج إلى مكة، فصلى لنا أبو هريرة الجمعة، فقرأ بعد سورة الجمعة في الركعة الآخرة: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُون﴾ ، قال: فأدركت أبا هريرة حين انصرف، فقلت: إنك قرأت بسورتين، كان علي بن أبي طلب يقرأ بهما بالكوفة، فقال أبو هريرة: إني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بهما يوم الجمعة، فيستحب قراءتهما في الجمعة للاتباع.
"والحكمة" كما نقله النووي عن العلماء "في قراءته ﷺ بسورة الجمعة اشتمالها علىстр. 4953
وغير ذلك، مما فيها من القواعد، والحث على التوكل والذكر وغير ذلك. وقراءة سورة المنافقين لتوبيخ حاضريها منهم وتنبيههم على التوبة وغير ذلك مما فيها من القواعد، لأنهم ما كانوا يجتمعون في مجلس أكثر من اجتماعهم فيها.
وفي حديث النعمان بن بشير عند مسلم: وكان يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] .
الحواشي
(١) وجوب الجمعة، وغير ذلك" من أحكامها، كقوله: فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع، وغير ذلك "مما فيها من القواعد والحث على التوكل والذكر وغير ذلك، وقراءة سورة المنافقين لتوبيخ حاضريها منهم" أي: من المنافقين "وتنبيههم على التوبة وغير ذلك مما فيها من القواعد، لأنهم ما كانوا يجتمعون في مجلس أكثر من اجتماعهم فيها" أي: الجمعة خوفا مما صدر منه ﷺ من الوعيد الشديد بتحريق بيوتهم ونحو ذلك، فإذا كانوا حاضرين يحصل لهم بسماع هذه السورة الدالة على قبح حالهم وشناعة مآلهم التوبيخ العظيم والزجر البليغ.
"وفي حديث النعمان بن بشير عند مسلم" قال: "كان" ﷺ "يقرأ في" صلاة "العيدين وفي" صلاة "الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى" في الأولى، "وهل أتاك حديث الغاشية" في الثانية.
قال القرطبي: لعل قراءته بسورة الجمعة والمنافقين كان في أول الأمر، فلما عقل الناس أحكام الجمعة وحصل توبيخ المنافقين عدل عنهما إلى قراءة ﴿سَبِّحْ﴾ ، و ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ لما تضمنتا من الوعظ والتذكير ليخف على الناس.
وتعقبه المصف بأن رواية أبي هريرة السابقة لقراءته ﷺ لهما واختياره لقراءتهما فيها بعده، وكذا اختيار علي لهما أيضا، يدل على أنه ﷺ ما ترك قراءتهما في الجمعة في آخر أمره أيضا بل ربما يقرأهما وربما يقرأ غيرهما، فإن إسلام أبي هريرة متأخر، والصحابة إنما يأخذون الآخر فالآخر من فعله ﷺ . انتهى.
وبقية الحديث عند مسلم: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما أيضا في الصلاتين.
وفي مسلم أيضا أن الضحاك بن قيس كتب إلى النعمان بن بشير يسأله، أي: شيء قرأه رسول الله ﷺ يوم الجمعة سوى سورة الجمعة، فقال: كان يقرأ ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ وظاهره أنه كان يقرأ في الأولى الجمعة، فيكون يقرأ بذلك في أوقات وبالآخرة في أوقات بحسب المصالح وإرشاد السامعين وبيان الجواز وعدم اختصاص سورة بذلك على وجه الحتم.стр. 4954
وقد اختلف في العدد الذي تنعقد بهم الجمعة، وللعلماء فيه خمسة عشر قولا.
أحدها: تصح من الواحد، نقله ابن حزم.
الثاني: اثنان كالجماعة، وهو قول النخعي وأهل الظاهر.
الثالث: اثنان مع الإمام، عند أبي يوسف ومحمد والليث.
الرابع: ثلاثة معه، عند أبي حنيفة وسفيان الثوري.
الخامس: سبعة، عند عكرمة.
السادس: تسعة، عند ربيعة.
السابع: اثنا عشر، عند ربيعة أيضا في رواية.
الثامن: مثله غير الإمام، عند إسحاق.
التاسع: عشرون في رواية ابن حبيب عن مالك.
العاشر: ثلاثون، كذلك،
الحادي عشر: أربعون بالإمام عند إمامنا الشافعي، واشترط كونهم أحرارا، بالغين عقلاء، مقيمين لا يظعنون شتاء ولا صيفا إلا لحاجة، وأن يكونوا حاضرين
الحواشي
(١) "وقد اختلف في العدد الذي تنعقد بهم الجمعة، وللعلماء فيه خمسة عشر قولا، أحدها تصح من الواحد" لأنه يعظ نفسه، "نقله" محمد "بن حزم" الظاهري. "الثاني: اثنان كالجماعة وهو قول النخعي" إبراهيم بن يزيد "وأهل الظاهر" داود وأتباعه.
زاد الحافظ والحسن بن حيي، "الثالث: اثنان مع الإمام عند أبي يوسف" يعقوب "محمد" بن الحسن "والليث" بن سعد "الرابع: ثلاثة معه عند أبي حنيفة وسفيان الثوري الخامس: سبعة"، "بسين قبل الموحدة"، "عند عكرمة، السادس: تسعة" بفوقية قبل السين "عند ربيعة" بن أبي عبد الرحمن، "السابع: اثنا عشر عند ربيعة أيضا في رواية" فله قولان. "الثامن: مثله غير الإمام عند إسحاق" بن راهويه، "التاسع: عشرون في رواية" عبد الملك "بن حبيب عن مالك. العاشر: ثلاثون كذلك. الحادي عشر: أربعون بالإمام عند إمامنا الشافعي، واشترط كونهم أحرارا بالغين، عقلاء مقيمين لا يظعنون شتاء ولا صيفا إلا لحاجة" ثم يعودون فلا يكفي إقامتهم المجردة في حسبانهم من العدد، فتجب عليهم ولا تنعقد بهم، "وأن يكونواстр. 4955
من أول الخطبة إلى أن تقام الجمعة.
وحجة الإمام الشافعي: ما رواه الدارقطني وابن ماجه والبيهقي في الدلائل عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبي حين ذهب بصره، فإذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان صلى على أبي أمامة واستغفر له، قال فمكث كذلك حينا لا يسمع الأذان في الجمعة إلا فعل ذلك، فقلت: يا أبت، استغفارك لأبي أمامة كلما سمعت أذان الجمعة ما هو؟ قال: يا بني، هو أول من جمع بالمدينة؟ قال: قلت له: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلا.
وقال جابر بن عبد الله: مضت السنة أن في كل ثلاثة إماما، وفي كل أربعين فما فوق ذلك جمعة. خرجه الدارقطني.
وروى البيهقي عن ابن مسعود: أنه ﷺ جمع بالمدينة وكانوا أربعين رجلا.
الحواشي
(١) حاضرين من أول الخطبة إلى أن تقام الجمعة،" أي: تصلى.
"وحجة الإمام الشافعي ما رواه الدارقطني وابن ماجه والبيهقي في الدلائل" النبوية "عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك" الأنصاري المدني، ثقة من كبار التابعين، ويقال: ولد في عهد النبي ﷺ ، "قال: كنت قائد أبي" كعب بن مالك "حين ذهب بصره، فإذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان صلى على أبي أمامة" أسعد بن زرارة النجاري، شهد العقبات الثلاث ولا نزاع أن كنيته أبو أمامة، وممن صرح بذلك المصنف في العقبة، أي: دعا له "واستغفر له، قال: فمكث" بضم الكاف وفتحها، "كذلك حينا" زمانا "لا يسمع الأذان في الجمعة إلا فعل ذلك" الدعاء والاستغفار، "فقلت: يا أبت استغفارك لأبي إمامة كلما سمعت أذان الجمعة ما هو" أي: ما سببه، "قال: يا بني هو أول من جمع" بنا "بالمدينة".
زاد في رواية البيهقي في بقيع الخضمات، "قال: قلت له: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلا" نصلي أو نفعلها، ولا خفاء في إخباره بأنهم أربعون يومئذ لا دلالة فيه بوجه على انحصار صحتها في هذا العدد.
"وقال جابر بن عبد الله: مضت السنة أن في كل ثلاثة إماما، وفي كل أربعين فما فوق ذلك جمعة، خرجه الدارقطني" فمفهوم فما فوق أن ما نقص لا يكون جمعة.
"وروى البيهقي عن ابن مسعود أنه ﷺ جمع بالمدينة وكانوا أربعين رجلا" لا دلالة فيه أيضا على أنها لا تصح بدونهم، لأنه حكاية حال فعلية، واستشعر ذلك فتكلف دفعه، بقوله:стр. 4956
قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الخزرجي: قال في "المجموع": قال أصحابنا: وجه الدلالة أن الأمة أجمعوا على اشتراط العدد، والأصل الظهر، ولا تتم الجمعة إلا بعدد ثبت فيه توقيف، وقد ثبت جوازها بأربعين، وثبت: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، ولم يثبت صلاته لها بأقل من ذلك، فلا تجوز بأقل منه.
قال: وأما خبر انفضاضهم فلم يبق إلا اثنا عشر رجلا، فليس فيه أن ابتداءها كان باثني عشر، بل يحتمل عودهم، أو عود غيرهم مع سماعهم أركان الخطبة. وفي مسلم: "انفضوا في الخطبة" وفي رواية البخاري "انفضوا في الصلاة" وهي محمولة على الخطبة جمعا بين الأخبار. انتهى.
الحواشي
(١) "قال شيخ الإسلام زكريا" بن أحمد "الأنصاري الخزرجي، قال" النووي: "في المجموع" شرح المهذب، "قال أصحابنا: وجه الدلالة أن الأمة أجمعوا على اشتراط العدد،" كيف هذا الإجماع مع أول الأقوال أنها تصح من الواحد، "والأصل الظهر" بناء على أنها بدل، والراجح عندهم أنها فرض يومها، "ولا تتم الجمعة إلا بعدد ثبت فيه توقيف، وقد ثبت جوازها بأربعين، وثبت "صلوا كما رأيتموني أصلي" ولم يثبت صلاته لها بأقل من ذلك، فلا تجوز بأقل منه" وهذا مع ما فيه من التعسف وبنائه على حكاية إجماع منقوضة، وعلى قول ضعيف عندهم في مقام المنع، إذ نفي ثبوت صلاته بأقل دعوى نفي بلا دليل. "قال: وأما خبر انفضاضهم" أي انصرافهم "فلم يبق إلا اثنا عشر رجلا" قيل: هم العشرة وبلال وابن مسعود، وفي رواية عمار: بدل ابن مسعود، حكاه السهيلي، وعند العقيلي عن ابن عباس، أن منهم الخلفاء الأربعة وابن مسعود، وأناسا من الأنصار، وفي مسلم: منهم جابر، وفي تفسير إسماعيل ابن أبي زاد أن سالما مولى أبي حنيفة، منهم: "فليس فيه أن ابتداءها كان باثني عشر، بل يحتمل عودهم أو عود غيرهم مع سماعهم أركان الخطبة، وفي مسلم" ما معناه: "انفضوا في الخطبة" ولفظه: ورسول الله ﷺ يخطب، وفي رواية له: بينا النبي ﷺ قائم، زاد الترمذي وغيره يخطب، "وفي رواية البخاري: انفضوا في الصلاة" ولفظه: بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ أقبلت عبير تحمل طعاما، "وهي محمولة على الخطبة جمعا بين الأخبار" فمعنى نصلي ننتظر الصلاة من تسمية الشيء بما قاربه. "انتهى" كلام المجموع ردا على من استدل على صحتها باثني عشر بهذا الحديث المتفق عليه بما ذكره من الاحتمالين البعيدين أو الممنوعين، فإن وجه الدلالة من الحديث أن العدد المعتبر في الابتداء يعتبر في الدوام، فلما لم تبطل الجمعة بانفضاض الزائد على الاثني عشر دل على أنه كاف، وبسط الجدال يطول بلا طائل.стр. 4957
الثاني عشر: أربعون غير الإمام عند إمامنا الشافعي أيضا، وبه قال عمر بن عبد العزيز وطائفة.
الثالث عشر: خمسون، عند أحمد في رواية، وحكيت عن عمر ابن عبد العزيز.
الرابع عشر: ثمانون، حكاه المازري.
الخامس عشر: جمع كثير بغير حصر.
ولعل هذا الأخير أرجحها من حيث الدليل. قاله في فتح الباري، والله أعلم.
الحواشي
(١) "الثاني عشر: أربعون غير الإمام عند إمامنا الشافعي أيضا، وبه قال عمر بن عبد العزيز: وطائفة" حملا لقول كعب أربعون رجلا على غير الإمام، "الثالث عشر: خمسون عند أحمد في رواية، وحكيت عن عمر بن عبد العزيز" أيضا، "الرابع عشر: ثمانون، حكاه المازري، الخامس عشر: جمع كثير بغير حصر" في عدد معين، "لعل هذا الأخير أرجحها من حيث الدليل" إذ لم يسلم دليل من أدلة من حصر من القادح، "قاله في فتح الباري" أي: قال حكاية الأقوال المذكورة مجردة دون قوله، واشتراط كونهم إلى قوله الثاني عشر، فإنه ليس فيه، فلو حكاه على وجهه وأخر قوله واشتراط إلى آخر ما زاده لكان المناسب، "والله أعلم" بالحق من تلك الأقوال.стр. 4958
الباب الثالث: في ذكر تهجده صلوات الله وسلامه عليه
قال الله تعالى له ﵊: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩] أي بالقرآن، والمراد منه الصلاة المشتملة على القرآن.
والهجود في اللغة: النوم، وعن أبي عبيدة: الهاجد: النائم، والهاجد: المصلي بالليل، وعن الأزهري: الهاجد: النائم، وقال المازني: التهجد: الصلاة بعد الرقاد، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، قال: وهكذا كانت صلاة رسول الله ﷺ .
الحواشي
(١) الباب الثالث: في ذكر تهجده صلوات الله وسلامه عليه
وما يتعلق بذلك من الأحكام وفضل التهجد، "قال الله تعالى له ﵊: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن، والمراد منه" أي: من الضمير في به "الصلاة المشتملة على القرآن والهجود في اللغة: النوم" فمعنى تهجدا ترك النوم بالاشتغال بالصلاة، وفي البخاري رواية أبي ذر الهروي: فتهجد به: اسهر به، قال الحافظ: وحكاه الطبري أيضا، وفي المجاز لأبي عبيدة قوله: فتهجد به، أي: اسهر بصلاة الليل، وتفسير التهجد بالسهر معروف في اللغة، وهو من الأضداد، يقال: تهجد إذا سهر، وتهجد إذا نام، حكاه الجوهري وغيره، ومنهم من فرق بينهما، فقال: هجدت نمت، وتهجدت سهرت، حكاه أبو عبيدة وصاحب العين، فعلى هذا أصل الهجود النوم، ومعنى تهجدت طرحت عني النوم.
"وعن أبي عبيدة" بضم أوله آخره هاء تأنيث معمر بن المثنى التيمي، مولاهم البصري، النحوي اللغوي، صدوق، إخباري، رمي برأي الخوارج، مات سنة ثمان ومائتين، وقيل بعد ذلك، وقد قارب المائة "الهاجد: النائم والهاجد: المصلي بالليل" فهو من الأضداد، "وعن الأزهري الهاجد: النائم" والجمع هجود، "وقال المازني" أبو عثمان: "التهجد: الصلاة بعد الرقاد" أي: النوم ليلا هنا وإن كان الأصح لغة أن الرقاد النوم ليلا أو نهارا للمقابلة في قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨] "ثم" بعد الصلاة الأولى "صلاة" فرفع مبتدأ حذف خبره "أخرى بعد رقده" أي: نومة، "ثم صلاة أخرى" كذلك "بعد رقدة، قال: وهكذا كانت صلاة رسول الله ﷺ وقال الطبري: التهجد السهر بعد نومه، ثم ساقه عن جماعةстр. 4959
وقوله: ﴿نَافِلَةً لَك﴾ أي عبادة زائدة في فرائضك، ويمكن نصرة هذا القول بأن قوله: ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ أمر، وصيغة الأمر للوجوب، فوجب كون هذا التهجد واجبا، وروى الطبري عن ابن عباس أن النافلة أي الزيادة للنبي ﷺ خاصة، لأنه أمر بقيام الليل، وكتب عليه دون أمته، وإسناده ضعيف.
وقيل معناه: زيادة لك خالصة، لأن تطوع غيره يكفر ما على صاحبه من ذنب، وتطوعه هو ﷺ يقع خالصا له لكونه لا ذنب عليه، فكل طاعة يأتي بها ﵊ سوى المكتوبة إنما تكون لزيادة الدرجات، وكثرة الحسنات، فلهذا سمي نافلة بخلاف الأمة، فإن لهم ذنوب محتاجة إلى الكفارات، فهذه الطاعات يحتاجون إليها لتكفير الذنوب والسيئات.
الحواشي
(١) من السلف.
"وقوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ أي: عبادة زائدة في فرائضك" أي: الأمور المفروضة عليك صلاة أو غيرها خصصت بها دون أمتك، لأن النفل لغة الزيادة، فلا ينافي أنه واجب عليه زيادة في رفع درجاته، "ويمكن نصرة هذا القول" أي: تقويته ببيان دليله، "بأن قوله" تعالى: ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ أمر، وصيغة الأمر للوجوب" وضعا، "فوجب كون هذا التهجد واجبا" عليه ﷺ كما هو قول الأكثر ومالك.
"وروى الطبري" محمد بن جرير: ونسخة الطبراني تصحيف، فالذي في الفتح الطبري، "عن ابن عباس أن النافلة، أي: الزيادة للنبي ﷺ خاصة" دون غيره والهاء للتأكيد، "لأنه أمر بقيام الليل" بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١, ٢] "وكتب" فرض "عليه دون أمته وإسناده عيف" لكن تقوى بالأمر في الآية، "وقيل: معناه زيادة لك خالصة" من الشوائب "لأن تطوع غيره يكفر ما على صاحبه من ذنب" من الصغائر، "وتطوعه هو ﷺ يقع خالصا له" لا شائبة فيه من جبر واجب يفعله، إذ لا يقع خلل في شيء من عباداته، "لكونه لا ذنب عليه".
زاد الحافظ: وروى معنى ذلك الطبري وابن أبي حاتم عن مجاهد بإسناد حسن، وعن قتادة كذلك، ورجح الطبري الأول، وليس الثاني ببعيد من الصواب، "فكل طاعة يأتي بها ﵊ سوى المكتوبة إنما تكون لزيادة الدرجات وكثرة الحسنات" إذ لا ذنب تكفره الطاعات، "فلهذا سمي نافلة" أي: زيادة "بخلاف الأمة، فإن لهم ذنوبا محتاجة إلى الكفارات، فهذه الطاعات يحتاجون إليها لتكفير الذنوب والسيئات" كما قال تعالى: ﴿إِنَّстр. 4960
وروى مسلم من طريق سعد بن هشام عن عائشة قالت: إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة تعني: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [ألمزمل: ١] فقام النبي ﷺ هو وأصحابه حولا، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعا بعد فرضه.
وروى محمد بن نصر في قيام الليل من طريق سماك عن ابن عباس شاهدا لحديث عائشة في أن بين الإيجاب والنسخ سنة.
الحواشي
(١) الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] .
"وروى مسلم من طريق سعد" بسكون العين "ابن هشام" بن عامر الأنصاري المدني، ثقة، من رجال الجميع، استشهد بأرض الهند، "عن عائشة" أوله عن سعد، قلت لعائشة: أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ فقالت: ألست تقرأ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ ، قلت: بلى، "قالت: إن الله افترض" أي: فرض "قيام الليل في أول هذه السورة تعني" عائشة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ "فقام النبي ﷺ هو وأصحابه حولا" حذف منه، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرا "حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف" في قوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] "فصار قيام الليل تطوعا بعد فرضه" وهذا ظاهر في أنه كان فرضا عليه وعلى الناس، وقيل: فرض عليه وحده مندوب لغيره، لأنه خصه بالخطاب بـ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ وقيل: لم يفرض لقوله: ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ ، إذ ليست صيغة وجوب.
"وروى محمد بن نصر في قيام الليل من طريق سماك" بكسر السين وخفة الميم وكاف ابن الوليد الحنفي اليمامي، ثم الكوفي، "عن ابن عباس شاهدا لحديث عائشة في أن بين الإيجاب والنسخ سنة" وكذا أخرجه محمد بن نصر عن أبي عبد الرحمن السلمي, والحسن وعكرمة وقتادة بأسانيد صحيحة عنهم، وإنما احتاج حديث عائشة مع صحته إلى شاهد، لأنها خولفت، فروى ابن جرير عن سعيد بن جبير، قال: لما أنزل الله على نبيه ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ مكث النبي ﷺ على هذه عشر سنين يقوم الليل كما أمره الله، وكانت طائفة من أصحابه يقومون معه، فأنزل الله بعد عشر سنين ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠] ، إلى قوله: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ فخفف الله عنهم بعد عشر سنين.
قال الحافظ: ومقتضى ذلك، أي: حديث عائشة ومن وافقها أن النسخ وقع بمكة، لأن الإيجاب متقدم عن فرض الخمس ليلة الإسراء وكانت قبل الهجرة بأكثر من سنة.стр. 4961
وحكى الشافعي عن بعض أهل العلم أن آخر السورة نسخ افتراض قيام الليل إلا ما تيسر منه، ثم نسخ فرض ذلك بالصلوات الخمس.
وروى محمد بن نصر من حديث جابر أن نسخ قيام الليل وقع لما توجهوا مع أبي عبيدة في جيش الخبط، وكان ذلك بعد الهجرة، لكن في إسناده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.
فوجوب قيام الليل قد نسخ في حقنا. وهل نسخ في حقه ﷺ ؟ أم لا؟ أكثر الأصحاب: لا، والصحيح: نعم، ونقله الشيخ أبو حامد عن النص.
الحواشي
(١) "وحكى الشافعي عن بعض أهل العلم أن آخر السورة نسخ افتراض قيام الليل إلا ما تيسر منه، ثم نسخ فرض ذلك بالصلوات الخمس" واستشكل محمد بن نصر ذلك بأن الآية تدل على أن قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] إنما نزلت بالمدينة لقوله فيها: ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والقتال إنما وقع بالمدينة لا بمكة والإسراء كان قبل ذلك.
قال الحافظ: وما استدل به غير واضح، لأن قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ [المزمل: ٢٠] ظاهر في الاستقبال، فكأنه سبحانه امتن عليهم بتعجيل التخفيف قبل وجود المشقة التي علم أنها ستقع.
"وروى محمد بن نصر من حديث جابر أن نسخ قيام الليل وقع لما توجهوا مع أبي عبيدة" عامر بن الجراح "في جيش الخبط" بفتح المعجمة والموحدة وطاء مهملة، "وكان ذلك بعد الهجرة" بمدة، "لكن في إسناده علي بن زيد" بن عبد الله بن زهير بن عبد الله "بن جدعان" بضم الجيم وسكون الدال وعين مهملتين نسب إلى جد جده لشهرته التيمي القرشي الحجازي، ثم البصري، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة "وهو ضعيف" فلا حجة فيه لدعوى أن الآية الناسخة للوجوب مدنية وهو مخالف لما عليه الأكثر أن السورة كلها مكية، نعم ذكر النحاس أنها مكية إلا الآية الأخيرة.
"فوجوب قيام الليل قد نسخ في حقنا" بإجماع، وشذ بعض التابعين فأوجبه ولو قدر حلب شاة. "وهل نسخ في حقه ﷺ أم لا"؟ أكثر الأصحاب" الشافعية "لا" أي: لم ينسخ في حقه "والصحيح: نعم" نسخ "ونقله الشيخ أبو حامد عن النص" للإمام الشافعي، قال النووي: وهو الأصح أو الصحيح، ففي مسلم عن عائشة ما يدل عليه. انتهى.стр. 4962
وقالت عائشة: قام ﷺ حتى تورمت قدماه، وفي رواية: حتى تفطرت قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدا شكورا". قالت: فلما بدن وكثر لحمه صلى جالسا، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع. رواه البخاري ومسلم.
الحواشي
(١) يعني: حديثها السابق ودلالته ليست بقوية لاحتماله، "وقالت عائشة" ﵂: "قام ﷺ حتى تورمت قدماه" غلظت وانتفخت من كثرة التهجد، "وفي رواية" عن عائشة أن نبي الله ﷺ كان يقوم من الليل "حتى تفطرت" أي: تشققت "قدماه" من كثرة القيام.
قال البخاري: والفطور الشقوق انفطرت: انشقت، وللنسائي عن أبي هريرة حتى تزلع قدماه، بزاي وعين مهملة، قال الحافظ: ولا اختلاف بين هذه الروايات إذ حصل الانتفاخ والورم وحصل الزلع والتشقق، "فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدا شكورا". كثير الشكر، وخص العبد بالذكر إشعارا بغاية الإكرام والقرب من الله تعالى، والعبودية ليست إلا بالعبادة والعبادة عين الشكر.
"قالت" عائشة: "فلما بدن" بفتح الموحدة والدال المهملة كذا رواه العذري وارتضاه أبو عبيد، أي: كبر وأسن، وقال عياض بدن بضم الدال مخففة، كذا رويناه عن الأكثر وعن العبدري بالتشديد وأراه إصلاحا، وقال أبو عبيد: من رواه بضم الدال المخففة فليس له معنى، لأنه من البدانة وهي كثرة اللحم ولم يكن ﷺ سمينا ولا ينكر التخفيف فقد صحت به الرواية، وقد جاء معناه مفسرا من قول عائشة: فلما كبر وأخذ اللحم، وفي رواية أسن وكثر لحمه وقول أبي عبيد لم يكن ذلك وصفه ﷺ صحيح، لأنه لم يكن في أصل خلقته بادنا كثير اللحم لنه لما أسن، وضعف عن كثير مما كان يحتمله في حال النشاط من الأعمال الشاقة استرخى لحمه، وزاد على ما كان في أصل خلقته زيادة يسيرة بحيث يصدق عليه ذلك الاسم، قاله القرطبي.
وقال النووي: الذي ضبطناه ووقع في أكثر نسخ بلادنا بالتشديد "وكثر لحمه صلى جالسا فإذا أراد أن يركع قام، فقرأ" في رواية للشيخين حتى إذا بقي نحو من ثلاثين آية أو أربعين آية قام فقرأهن، "ثم ركع، رواه البخاري ومسلم" ولا يخالفه حديث عائشة في مسلم أيضا كان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدا ركع وسجد وهو قاعد لحمله على حالته الأولى قبل أن يدخل في السن جمعا بين الحديثين، ولأبي داودстр. 4963
والفاء في قوله: "أفلا أكون" للسببية، وهي عن محذوف تقديره: أأترك تهجدي؟ فلا أكون عبدا شكورا، والمعنى: إن المغفرة سبب لكون التهجد شكرا، فكيف أتركه؟
قال ابن بطال: في هذا الحديث أخذ الإنسان على نفسه بالشدة في العبادة، وإن أضر ذلك ببدنه، لأنه ﷺ إذا فعل مع علمه بما سبق له، فكيف بمن لم يعلم بذلك فضلا عمن لم يأمن أنه استحق النار. انتهى.
ومحل ذلك -كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري- ما لم يفض ذلك إلى الملال، لأن حال النبي ﷺ كانت أكمل الأحوال، فكان لا يمل من عبادة ربه، وإن أضر ذلك ببدنه، بل صح أنه ﵊ قال: "وجعلت قرة عيني في الصلاة". كما أخرجه النسائي من حديث أنس، فأما غيره ﷺ فإذا
الحواشي
(١) وصححه الحاكم من أم قيس بنت محصن، أنه ﷺ لما أسن وحمل اللحم اتخذ عمودا في مصلاه يعتمد عليه.
"والفاء في قوله: "أفلا أكون" للسببية وهي" ناشئة "عن محذوف تقديره أأترك تهجدي" لما غفر لي "فلا أكون عبدا شكورا، والمعنى أن المغفرة سبب لكون التهجد شكرا فكيف أتركه؟ " كأن المعنى ألا أشكره وقد أنعم علي وخصني بخير الدارين؟ فإن شكورا من أبنية المبالغة يستدعي نعمة عظيمة.
"قال ابن بطال: في هذا الحديث أخذ الإنسان على نفسه بالشدة في العبادة وإن أضر ذلك ببدنه، لأنه ﷺ إذا فعل ذلك مع علمه بما سبق له" من الله تعالى "فكيف بمن لم يعلم بذلك فضلا عمن لم يأمن أنه استحق النار. انتهى".
"ومحل ذلك كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ما لم يفض ذلك إلى الملال" السآمة، "لأن حال النبي ﷺ كانت أكمل الأحوال، فكان لا يمل" بفتح الميم "من عبادة ربه وإن أضر ذلك ببدنه" الشريف، "بل صح أنه ﵊ قال": "حبب إليّ من دنياكم النساء والطيب "وجعلت قرة عيني" بردها من الفرح والسرور "في الصلاة" لأنها محل المناجاة ومعدن المصافاة فلا يحصل له سآمة وإن شقت عليه.
وفي حديث: "قال لي جبريل قد حببت إليك الصلاة فخذ منها ما شئت", "كما أخرجهстр. 4964
خشي الملل ينبغي له أن لا يكد نفسه، وعليه يحمل قوله ﷺ : "خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا". انتهى.
لكن ربما دست النفس أو الشيطان على المجتهد في العبادة بمثل ما ذكر، خصوصا إذا كبر، فتقول له: قد ضعفت وكبرت فأبق على نفسك لئلا ينقطع عملك بالكلية، وهذا وإن كان ظاهره جميلا لكن فيه دسائس، فإنه إن أطاعه فقد يكون استدراجا يئول به إلى ترك العمل شيئا فشيئا، إلى أن ينقطع العمل بالكلية، وما ترك سيد المرسلين، المغفور له، شيئا من عمله بعد كبره.
نعم كان يصلي بعض ورده جالسا بعد أن كان يقوم حتى تفطرت قدماه،
الحواشي
(١) النسائي من حديث أنس" ومر الكلام عليه مبسوطا "فأما غيره ﷺ " قسيم قوله: فكان لا يمل من عبادة ربه والفاء واقعة في جواب شرط مقدر هو، وحيث علم ذلك علم أن غيره ليس مثله، "فإذا خشي الملل ينبغي له أن لا يكد" بضم الكاف، أي: يتعب "نفسه" بحيث يؤدي إلى السآمة، "وعليه يحمل قوله ﷺ : "خذوا من الأعمال" صلاة وغيرها "ما تطيقون، فإن الله لا يمل" من الثواب "حتى تملوا" من العمل وإسناد الملال إليه سبحانه على طريق الازدواج والمشاكلة والعرب تذكر أحد اللفظين موافقة للآخر وإن تخالفا معنى قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وإلا فالملال على الله محال، وقيل فيه غير ذلك. "انتهى".
"لكن ربما دست" أتت بأمر خفي من دسه في التراب "النفس أو الشيطان على المجتهد في العبادة بمثل ما ذكر خصوصا إذا كبر" بكسر الباء أسن "فتقول له: قد ضعفت" بضم العين "وكبرت فأبق" بقطع الهمزة "على نفسك" ي: ارحمها "لئلا ينقطع عملك بالكلية" أي: جملة "وهذا وإن كان ظاهره جميلا" حسنا "لكن فيه دسائس" جمع دسة أمور خفية، "فإنه إن أطاعه فقد يكون استدارجا يئول به إلى ترك العمل شيئا فشيئا إلى أن ينقطع العمل بالكلية" الجملة "وما ترك سيد المرسلين المغفور له" الممنوع المستور عن الوقوع في ذنب "شيئا من عمله بعد كبره" أي: دخوله في السن، "نعم كان يصلي بعض ورده جالسا بعد أن كان يقوم حتى تفطرت" تشققت "قدماه" وفي مسلم عن عائشة: كان ﷺ إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبي الله قرأ القرآن كله في ليلة ولا صلى ليلة إلى الصبح ولا صام شهرا كاملا غير رمضان، "فكيف بمن أثقلت ظهره الأوزار ولا يأمن من عذاب النار أن يغفل" بضم الفاءстр. 4965
فكيف بمن أثقلت ظهره الأوزار، ولا يأمن من عذاب النار، أن يغفل حال شبيبته، ويتوانى عند ظهور شيبته، فينبغي للإنسان أن يستعد قبل حلول شيبه. "اغتنم خمسا قبل خمس ... وشبابك قبل هرمك". فإن من شاب فقد لاح صبح سواد ليل شعره، وقد قال الله تعالى منذرا لمن يدخل في الصباح: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١] فكيف بقرب من دخل في الصباح، وظهر كوكب نهاره في أفق رأسه ولاح؟!
قال القرطبي: ظن من سأله ﷺ عن سبب تحمله المشقة في العبادة أنه إنما يعبد الله خوفا من الذنوب، وطلبا للمغفرة والرحمة، فمن تحقق أنه غفر له لا
الحواشي
(١) "حال شبيبته" صباه "ويتوانى" أي: يتكاسل عند ظهور شيبته بياض شعره المؤذن بالرحيل، "فينبغي للإنسان أن يستعد قبل حلول شيبه" المؤدي إلى العجز عن الطاعة فيندم على ما فرط في جنب الله، أي: طاعته، وقد أرشد إلى ذلك النبي ﷺ بقوله: "اغتنم خمسا قبل خمس" أي: افعل خمسة أشياء قبل حصول خمسة أشياء إلى أن قال في الخصلة الرابعة: "وشبابك قبل هرمك" أي: اغتنم الطاعة حال قدرتك قبل هجوم عجز الكبر عليك، "فإن من شاب فقد لاح صبح سواد ليل شعره" أي: بياضه الساطع المزيل للسواد وآثاره كناية عن الموت المزيل للحياة اللازم للشيخوخة عادة فطلوع النهار بعد سواد الليل مزيل لآثاره، كما أن قوة بياض الشعر واستكمالها مزيل لسواده الذي هو علامة الشبوبية وبلوغ الآمال.
"وقد قال الله تعالى منذرا لمن يدخل في الصباح" الذي أوعدوا بحلول العذاب فيه عليهم: ﴿إِنَّ مَوِْدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيب﴾ فكيف بقرب من دخل الصباح" بالفعل كناية عن الدخول في علامات الموت "وظهر كوكب نهاره في أفق" بضم الهمزة والفاء وتسكن، أي: ناحية "رأسه ولاح" ولفظ الحديث لتتميم الفائدة عن ابن عباس، رفعه: "اغتنم خمسا قبل خمس حياتك قبل موتك وصحتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك وشبابك قبل هرمك وغناك قبل فقرك".
أخرجه البيهقي في الشعب وشيخه الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما عن ابن عباس، ورواه النسائي والبيهقي وأبو نعيم عن عمرو بن ميمون مرسلا، قال: قال رسول الله ﷺ لرجل وهو يعظه: "اغتنم خمسا" فذكره.
"قال القرطبي" أبو العباس في المفهم: "ظن من سأله ﷺ عن سبب تحمله المشقة في العبادة" بقوله: لم تصنع هذا وقد غفر الله لك؟ "أنه إنما يعبد" بالبناء للمفعول "الله خوفا منстр. 4966
يحتاج إلى ذلك، فأفادهم النبي ﷺ أن هناك طريقا آخر للعبادة، وهو الشكر على المغفرة، واتصال النعمة لمن لا يستحق عليه فيها شيئا، فيتعين كثرة الشكر على ذلك، والشكر: الاعتراف بالنعمة والقيام بالخدمة، فمن كثر ذلك منه سمي شكورا، ومن ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] .
وفيه: ما كان النبي ﷺ عليه من الاجتهاد في العبادة والخشية من ربه، قال العلماء: إنما ألزم الأنبياء أنفسهم بشدة الخوف لعلمهم بعظيم نعم الله عليهم، وأنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها، فبذلوا مجهودهم في عبادته ليؤدوا بعض شكره، مع أن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، والله أعلم.
ذكر سياق صلاته ﷺ بالليل:
عن شريح بن هانئ قالت عائشة ﵂: ما صلى رسول الله ﷺ
الحواشي
(١) الذنوب وطلبا للمغفرة والرحمة، فمن تحقق أنه غفر له لا يحتاج إلى ذلك، فأفادهم النبي ﷺ " بجوابه لهم بقوله: "أفلا أكون عبدا شكورا"، "أن هناك طريقا آخر للعبادة وهو الشكر على المغفرة و" على "اتصال النعمة لمن لا يستحق عليه فيها شيئا، فيتعين كثرة الشكر على ذلك والشكر الاعتراف بالنعمة والقيام بالخدمة" للمنعم، بأن يفعل ما أمره به، بل ما يعلم أن فيه قياما بحقه وإن لم يأمره، "فمن كثر ذلك منه سمي شكورا، من ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ أي: المتوفر على أداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه أكثر أوقاته، ومع ذلك لا يؤدي حقه، لأن توفيقه للشكر نعمة تستدعي شكرا آخر إلى غير نهاية، ولذلك قيل: الشكور من يرعى عجزه عن الشكر، قاله البيضاوي "وفيه" أي: الحديث "ما كان النبي ﷺ عليه من الاجتهاد في العبادة والخشية من ربه، قال العلماء: إنما ألزم الأنبياء أنفسهم بشدة الخوف" حيث داوموا على المحافظة على شدة الخوف من الله تعالى "لعلمهم بعظيم نعم الله عليهم، وأنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها، فبذلوا مجهودهم في عبادته ليؤدوا بعض شكره مع أن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد والله أعلم".
"ذكر سياق صلاته ﷺ بالليل" النوافل: أي ما سبق فيها مصدر بمعنى اسم المفعول. "عن شريح" بضم الشين المعجمة وآخره مهملة "مصغر "ابن هانئ" بن يزيد الحارثي المذحجي أبي المقدام الكوفي التابعي الكبير الثقة، روى له مسلم وأصحاب السنن والبخاري في الأدب المفرد، وقتل مع أبي بكرة بسجستان، ومن ذريته شريح بن هانئ الحارثي الأصغر مجهول لا رواية له في شيء من الكتب الستة، وإنما ذكره في التقريب للتميز فليس هو المراد، "قالتстр. 4967
العشاء قط فدخل بيتي إلا صلى أربع ركعات أو ست ركعات. رواه أبو داود.
وكان ﷺ يقوم إذا سمع الصارخ رواه البخاري ومسلم عن عائشة. وهو يصرخ في النصف الثاني.
وقالت عائشة: كان ﵊ ينام أول الليل ويقوم آخره، فيصلي ثم يرجع إلى فراشه فإذا أذن المؤذن وثب، فإن كانت به حاجة اغتسل، وإلا توضأ
الحواشي
(١) عائشة ﵂: ما صلى رسول الله ﷺ العشاء قط فدخل بيتي إلا صلى أربع ركعات" تارة، "أو ست ركعات" أخرى، فأو للتنويع لا للشك على الظاهر، "رواه أبو داود وكان ﷺ يقوم إذا سمع الصارخ" أي الديك، لأنه يكثر الصياح في الليل، "رواه البخاري" في الرفاق، وفي موضعين من الصلاة "ومسلم" وأبو داود والنسائي كلهم في الصلاة "عن عائشة وهو يصرخ في النصف الثاني.
قال الحافظ: وقع في مسند الطيالسي في هذا الحديث، والصارخ: الديك والصرخة: الصيحة الشديدة وجرت العادة أن الديك يصيح عند نصف الليل غالبا، قاله محمد بن نصر، قال ابن التين: هو موافق لقول ابن عباس نصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، وقال ابن بطال: الصارخ يصرخ عند ثلث الليل، فكأنه كان يتحرى الوقت الذي ينادي فيه هل من سائل كذا انتهى.
وروى أحمد وأبو داود وابن ماجه بإسناد جيد عن زيد بن خالد الجهني، مرفوعا: "لا تسبوا الديك، فإنه يوقظ للصلاة". وفي لفظ: "فإنه يدعوا إلى الصلاة" قال المصنف: وليس المراد أنه يقول بصراحة حقيقة الصلاة، بل جرت العادة أنه يصرخ صرخات متتابعات عند طلوع الفجر، وعند الزوال فطرة فطره الله عليها ويذكر الناس بصراخه الصلاة.
وفي الطبراني مرفوعا: "إن لله ديكا أبيض ناحاه موشحان بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ جناح بالمشرق وجناح بالمغرب رأسه تحت العرش وقوائمه في الهواء يؤذن في كل سحر يسمع تلك الصيحة أهل السماوت والأرض إلا الثقلين، فعند ذلك تجيبه ديوك الأرض، فإذا دنا يوم القيامة، قال الله: ضم جناحيك وغض صوتك، فتعلم أهل السموات والأرض إلا الثقلين أن الساعة قد اقتربت". وله وللبيهقي وابن عدي وضعفه عن جابر رفعه: "إن لله ديكا رجلاه في التخوم وعنقه تحت العرش مطوية، فإذا كان هنة من الليل صاح سبوح قدوس فصاحت الديكة".
"وقالت عائشة: كان ﵊ ينام أول الليل ويقوم آخره" لفضله، ولأنه أقرب إلى الإجابة "فيصلي" حزبه، أي: أن هذا كان آخر فعله أو أغلب حاله وإلا فقد قالت عائشة: من كل الليل أوتر ﷺ من أوله وآخره وأوسطه وانتهى وتره إلى السحر، "ثم يرجع إلىстр. 4968
ثم خرج. رواه الشيخان.
وقالت أيضا: كان ﵊ ربما اغتسل في أول الليل، وربما اغتسل في آخره، وربما أوتر في الليل، وربما أوتر في آخره، وربما جهر بالقراءة، وربما خفت.
وقالت أم سلمة كان يصلي بنا ثم ينام قدر ما صلى، ثم يصلي قدر ما نام، ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح. رواه أبو داود والنسائي، والترمذي.
الحواشي
(١) فراشه" في رواية مسلم، ثم إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته ثم ينام، أي: ليستريح من تعب القيام وينشط لصلاة الصبح والنوم بعد قيام الليل مستحسن، لأنه يذهب تعب السهر وصفرة الوجه، "فإذا أذن المؤذن" ولمسلم: فإذا كان عند النداء الأول "وثب" بمثلثة وموحدة نهض وقام بسرعة ففيه النشاط، زاد الأسود عند مسلم: ولا والله ما قالت قام، "فإن كانت به حاجة" للغسل بأن جامع قبل أن ينام "اغتسل" وللأسود عند مسلم، عنها: فأفاض عليه الماء ولا والله ما قالت اغتسل وأنا أعلم ما تريد، قال الحافظ: وكان بعض الرواة ذكره بالمعنى وحافظ بعضهم على اللفظ، "وإلا" يكن جامع "توضأ" زاد مسلم: ثم صلى ركعتين، "ثم خرج" إلى المسجد للصلاة، وفي التعبير بثم فائدة هي أنه كان يقضي حاجته من نسائه بعد إحياء الليل بالتهجد، فإن الجدير به أداء العبادة قبل قضاء الشهوة مع أنها في حقه عبادة مطلقا، قال الطيبي: ويمكن أن ثم هنا لتراخي الأخبار، أخبرت أولا أن عادته كانت مستمرة بنوم أول الليل، وقيام آخر، ثم يتفق أحيانا أن يقضي حاجته ثم ينام في كلتا الحالتين، فإذا انتبه عند النداء الأول اغتسل إن كان جنبا وإلا توضأ، "رواه الشيخان" واللفظ للبخاري، "وقالت" عائشة "أيضا: كان ﵊ ربما اغتسل في أول الليل" من الجنابة، "وربما اغتسل في آخره" بعد النوم على وضوء وإن كان جنبا كما دلت عليه الأخبار الجياد، كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وغلطوا رواية من روى كان ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء، وعلى تقدير صحته ففعله أحيانا لبيان الجواز.
"وربما أوتر في أول الليل وربما أوتر في آخره،" وهو أغلب أحواله، "وربما جهر" أعلن "بالقراءة وربما خفت" أسر بها لبيان الجواز وإن كان الأفضل في صلاة الليل الجهر، "وقالت أم سلمة" هند أم المؤمنين: "كان" ﷺ "يصلي بنا" بعد صلاة العشاء والتسبيح ما شاء، كما في رواية النسائي التالية: "ثم ينام قدر ما صلى، ثم يصلي قدر ما نام، ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح، رواه أبو داود والنسائي والترمذي" ولا يعارضه حديث عائشة قبله، لأن كلا منها ومن أم سلمة أخبر بما شاهده من حاله.стр. 4969
وفي رواية للنسائي: كان يصلي العتمة، ثم يسبح ثم يصلي بعدها ما شاء الله من الليل ثم ينصرف فيرقد مثل ما صلى ثم يستيقظ من نومه فيصلي مثل ما نام، وصلاته تلك الآخرة تكون إلى الصبح.
وعن أنس قال: ما كنا نشاء أن نرى رسول الله ﷺ في الليل مصليا إلا رأيناه، ولا نشاء أن نراه نائما إلا رأيناه.
وكان إذا استيقظ من الليل قال: "لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمتك، اللهم زدني علما ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب". رواه أبو داود من حديث عائشة.
وعنها: كان ﵊ إذا هب من الليل كبر الله عشرا،
الحواشي
(١) "وفي رواية للنسائي" أيضا عن أم سلمة: "كان يصلي العتمة"، "بفتحتين" العشاء، وصح النهي عن تسميتها عتمة، "ثم يسبح، ثم يصلي ما شاء الله من الليل، ثم ينصرف" من الصلاة "فيرقد مثل" أي: قدر "ما صلى ثم يستيقظ من نومه ذلك فيصلي مثل ما نام، وصلاته تلك الآخرة تكون إلى الصبح" أحيانا، فلا يخالف قوله عائشة، فإذا أذن المؤذن ... إلخ.
"وعن أنس قال: ما كنا نشاء أن نرى رسول الله ﷺ في الليل مصليا، إلا رأيناه مصليا، "ولا نشاء أن نراه نائما إلا رأيناه".
قال الحافظ: أي أن صلاته ونومه كان يختلف بالليل ولا يرتب وقتا معينا، بل بحسب ما تيسر له القيام، ولا يعارضه قول عائشة: كان إذا سمع الصارخ قام، فإن عائشة تخبر عما لها عليه اطلاع، وذلك أن صلاة الليل كانت تقع منه غالبا في البيت، فخبر أنس محمول على ما وراء ذلك، وعنها: من كل الليل أوتر، فدل على أنه لا يخص الوتر بوقت بعينه، "رواه النسائي" والبخاري في قيام الليل وفي الصيام عن أنس: كان ﷺ لا تشاء أن تراه من الليل صليا إلا رأيته، ولا نائما إلا رأيته، "وكان إذا استيقظ" أي: انتبه "من الليل قال: "لا إله إلا أنت سبحانك اللهم" وأسبح "بحمدك، أستغفرك لذنبي" هضما لنفسه واستقصارا لعمله واعترافا بالعبودية، "وأسألك رحمتك، اللهم زدني علما" عملا بقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] ، "ولا تزغ" تمل عن الحق "قلبي بعد إذ هديتني" أرشدتني إليه "وهب لي من لدنك" من عندك "رحمة" تثبيتا "إنك أنت الوهاب". رواه أبو داود من حديث عائشة" فيه تقصير، فقد رواه البخاري من حديثها، "وعنها" أيضا "كان ﵊ إذا هب" بهاءстр. 4970
وحمد الله عشرا، وقال: "سبحان الله وبحمده" عشرا، وقال: "سبحان الملك القدوس" عشرا، واستغفر الله عشرا، وهلل عشرا، ثم قال: "اللهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا وضيق يوم القيامة" عشرا، ثم يفتتح الصلاة. رواه أبو داود.
وقد روى حديث قيامه بالليل ووتره عائشة وابن عباس.
قال ابن القيم: وإذ اختلف ابن عباس وعائشة في شيء من أمر قيامه ﵊ بالليل، فالقول قول عائشة، لكونها أعلم الخلق بقيامه بالليل. انتهى.
فأما حديث ابن عباس فرواه البخاري ومسلم بلفظ: بت عند خالتي ميمونة ليلة والنبي ﷺ عندها، فتحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر أو نصفه قعد ينظر إلى السماء، فقرأ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ
الحواشي
(١) مفتوحة فموحدة ثقيلة" انتبه من النوم "من الليل كبر الله", أي: قال الله أكبر "عشرا وحمد الله" أي: قال الحمد لله "عشرا" من المرات، "وقال: "سبحان الله وبحمده" عشرا، وقال: "سبحان الملك" بكسر اللام "القدوس" وهما من أسمائه في القرآن "عشرا"، "وأستغفر الله" أي قال: "اللهم اغفر لي واهدني وارزقني" كما في رواية "عشرا، وهلل" قال: لا إله إلا الله "عشرا، ثم قال: "اللهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا وضيق القيامة" عشرا، ثم يفتتح الصلاة المعتادة له بالليل، "رواه أبو داود" في السنن.
"وقد روى" فعل مفعوله "حديث قيامه بالليل ووتره" وفاعله "عائشة وابن عباس" وفي حديثهما بعض اختلاف.
"قال ابن القيم: وإذ اختلف ابن عباس وعائشة في شيء من أمر قيامه ﵊ بالليل، فالقول قول عائشة لكونها أعلم الخلق بقيامه بالليل" كما اعترف بذلك ابن عباس لمن سأله عن وتره ألا أدلك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله ﷺ ؟ قال: من؟ قال: عائشة. رواه مسلم. "انتهى" قول ابن القيم.
"فأما حديث ابن عباس، فرواه البخاري ومسلم بلفظ: بت عند خالتي ميمونة ليلة والنبي ﷺ عندها" في ليلتها، زاد في رواية: لأنظر كيف صلاة رسول الله ﷺ بالليل، وفي أخرى فقلت لها: إذا قام فأيقظيني، "فتحدث رسول الله ﷺ مع أهله" زوجه ميمونة "ساعة" مدة من الزمان "ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر" بالرفع صفة ثلث "أو نصفه" وفي رواية: فنام حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل فتردد في ذلك لخفائه عليه، لأنه كان حينئذ ابن عشر سنين فتحرى القول في الرواية وترك المسامحة فيها، وإلا فقيامه ﷺ إنما كانстр. 4971
وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] حتى ختم السورة، ثم قام إلى القربة فأطلق شناقها ثم صب في الجفنة، ثم توضأ وضوءا حسنا بين الوضوءين لم يكثر وقد أبلغ، فقام فصلى، فقمت فتوضأت فقمت عن يساره، فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه، فتتامت صلاته ثلاث عشر ركعة، ثم اضطجع فنام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ، فآذنه بلال بالصلاة فصلى ولم يتوضأ. وكان يقول في دعائه:
الحواشي
(١) في النصف الآخر "قعد ينظر إلى السماء" للتدبر، فقرأ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وما فيهما من العجائب ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ بالذهاب والمجيء والزيادة والنقصان "حتى ختم السورة، ثم قام إلى القربة فأطلق شناقها" بكسر الشين المعجمة، فنون فألف فقاف خيط يربط به فمها، "ثم صب في الجفنة" بفتح الجيم، "ثم توضأ وضوءا حسنا بين الوضوءين" من غير تقتير ولا تبذير، وفسره بقوله: "لم يكثر" من الماء "وقد أبلغ" الوضوء أماكنه دون أن يصب من الماء كثيرا، "فقام فصلى فقمت فتوضأت".
وفي رواية: فصنعت مثل ما صنع، "فقمت عن يساره فأخذ بأذني" اليمنى يفتلها كما في رواية: "فأدارني عن يمينه" فسر هذه الإدارة في رواية أخرى بقوله: فأخذ بيدي من وراء ظهره يعدلني، كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن، "فتتامت" بفوقيتين، أي: تكاملت وهي رواية لمسلم أيضا "صلاته ثلاث عشرة ركعة" كذا اتفق أكثر أصحاب كريب عن ابن عباس عليه وخالفهم شيك عنه، فقال: فصلى إحدى عشرة روايتهم مقدمة لما معهم من الزيادة، ولأنهم أحفظ، وحمل بعضهم الزيادة على الركعتين بعد العشاء لا يخفى بعده لا سيما مع رواية للشيخين، فصلى ركعتين ثم ركعتين فعد ست مرات ثم أوتر، ثم اضطجع حتى أتاه المؤذن فصلى ركعتين خفيفتين، هكذا قال الحافظ أول كلامه وهو بغير في قوله آخره المحقق من عدد صلاته تلك الليلة إحدى عشرة، وأما ثلاث عشرة، فيحتمل أن منها سنة العشاء، ويوافقه رواية عند البخاري عن ابن عباس: كانت صلاته ﷺ ثلاث عشرة ولم يبين هل سنة الفجر منها أو لا؟ وبينها في رواية النسائي بلفظ: كان يصلي ثمان ركعات ويوتر بثلاث ويصلي ركعتين قبل صلاة الصبح، ولا يعكر على هذا الجمع إلا ظاهر حديث الباب فيمن حمل قوله: صلى ركعتين ثم ركعتين، أي: ركعتين قبل أن ينام ويكون منها سنة العشاء، وقوله: ثم ركعتين ... إلخ، أي: بعد أن قام. انتهى.
ولا يخفى ما فيه من التعسف البعيد، وأول كلامه يرده كما رأيت وهو خير من هذا، "ثم اضطجع فنام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ" إشارة إلى أن ذلك عادته لا أنه اتفاقي هذه الليلة، "فآذنه" بالمد أعلمه "بلال بالصلاة فصلى ولم يتوضأ" وهذا من خصائصه، لأن عينيه تنامانстр. 4972
"اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي بصري نورا، وفي سمعي نورا، وعن يميني نورا، وعن يساري نورا، وفوقي نورا وتحتي نورا، وأمامي نورا, وخلفي نورا، واجعل لي نورا"، وزاد بعضهم: "وفي لساني نورا". وذكر: عصبي ولحمي ودمي وشعري
الحواشي
(١) ولا ينام قلبه ليعي الوحي إذا أوحي إليه في المنام، "وكان يقول في دعائه" تلك الليلة، ولمسلم: فجعل يقول في صلاته أو في سجوده، وفي رواية له: فأذن المؤذن فخرج إلى الصلاة وهو يقول: ولا خلف، فقال ذلك في الصلاة الليلية وفي حال خروجه إلى صلاة الصبح: "اللهم اجعل في قلبي نورا" عظيما كما يفيده التنكير يكشف لي عن المعلومات "وفي بصري نورا" يكشف لي عن المبصرات ليتحلى بأنواع المعارف وتتجلى له صنوف الحقائق، "وفي سمعي نورا" مظهرا للمسموعات، "وعن يميني نورا وعن يساري نورا".
قال الطيبي: خص القلب والبصر والسمع بفي الظرفية، لأن القلب بيت الفكر في آلاء الله والبصر مسارح آيات الله المصونة، وإلا سماع مراسي أنواع وحي الله ومحط آياته المنزلة، وخص اليمين والشمال بعن إيذانا بتجاوز الأنوار عن قلبه وسمعه وبصره إلى من عن يمينه وشماله من أتباعه "وفوقي نورا وتحتي نورا وأمامي نورا وخلفي نورا واجعل لي نورا" عظيما شاملا للأنوار السابقة وغيرها كأنوار الأسماء الإلهية وأنوار الأرواح العلوية وغير ذلك.
وفي رواية لمسلم: أو قال واجعلني نورا، ثم رواه من وجه آخر وقال فيه: وقال واجعلني نورا ولم يشك وله في رواية أخرى بدل ذلك، وعظم لي نورا بشد الظاء المعجمة، وفي لفظ: أعظم بهمزة قطع سأل النور في أعضائه وجهاته ليزداد في أفعاله وتصرفاته ومتقلباته نورا على نور، فهو دعاء بدوام ذلك فإنه كان حاصلا له لا محالة، أو هو تعليم لأمته.
وقال الشيخ أكمل الدين: أما النور الذي عن يمينه فهو المؤيد له والمعين على ما يطلبه من النور الذي بين يديه والنور الذي عن يساره فنور الوقاية، والنور الذي خلفه هو النور الذي يسعى بين يدي من يقتدي به ويتبعه، فهو لهم من بين أيديهم، وهو له ﷺ من خلفه فيتبعونه على بصيرة، كما أنه المتبع على بصيرة قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] وأما النور الذي فوقه فهو تنزل نور إلهي قدسي، بعلم غريب لم يتقدمه خبر ولا يعطيه نظر وهو الذي يعطي من العلم بالله ما ترده الأدلة العقلية إذا لم يكن لها إيمان، فإن كان لها إيمان نوراني قبلته بتأويل للجمع بين الأمرين.
"وزاد بعضهم" أي: رواة حديث ابن عباس عند مسلم،" "وفي لساني نورا" عقب قوله: "وفي قلبي نورا". "وذكر: عصبي" بفتح المهملتين وموحدة أطناب المفاصل "ولحمي ودمي وشعري وبشري"" ظاهر جسمه الشريف فتحصل أربع عشرة دعوة.стр. 4973
وبشري".
وفي رواية: فصلى ركعتين خفيفتين، ثم قرأ فيهما بأم الكتاب في كل ركعة، ثم سلم، ثم صلى إحدى عشرة ركعة بالوتر ثم نام، فأتاه بلال فقال: الصلاة يا رسول الله! فقام فركع ركعتين ثم صلى بالناس.
وفي رواية: فقام فصلى ثلاث عشرة ركعة، منها ركعتا الفجر، حزرت قيامه في كل ركعة بقدر: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّل﴾ .
وفي رواية: فصلى ركعتين ركعتين حتى صلى ثمان ركعات، ثم أوتر بخمس لم يجلس بينهن.
وفي رواية النسائي: أنه ﷺ صلى إحدى عشرة ركعة بالوتر، ثم نام حتى
الحواشي
(١) وفي رواية لمسلم: ودعا رسول الله ﷺ ليلتئذ تسع عشرة كلمة، قال سلمة: حدثنيها كريب فحفظت منها اثنتي عشرة ونسيت ما بقي، فذكرها وقال في آخره: "واجعل في نفسي نورا، وأعظم لي نورا".
وفي رواية للترمذي في هذا الحديث: "اللهم اجعل لي نورا في قبري" ثم ذكر القلب ثم الجهات الست والسمع والبصر، ثم الشعر والبشر، ثم اللحم والدم، ثم العظام، ثم قال في آخره: "اللهم أعظم لي نورا وأعطني نورا واجعلني نورا".
وعند ابن أبي عاصم في آخره: "وهب لي نورا على نور".
"وفي رواية: فصلى ركعتين خفيفتين ثم قرأ فيهما بأم الكتاب في كل ركعة" ثم للترتيب الذكرى بمعنى الواو، "ثم سلم، ثم صلى إحدى عشرة ركعة بالوتر، ثم نام فأتاه بلال، فقال: الصلاة" حضرت فهو بالرفع أو النصب، أي: أحضر الصلاة "يا رسول الله! فقام فركع ركعتين" سنة الصبح "ثم صلى بالناس" في المسجد الصبح.
"وفي رواية: فقام فصلى ثلاث عشرة ركعة، منها ركعتا الفجر، حزرت قيامه في كل ركعة بقدر: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّل﴾ ، أي: قراءتها.
"وفي رواية" عند النسائي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: "فصلى ركعتين ركعتين" بالتكرير "حتى صلى ثمان ركعات، ثم أوتر بخمس لم يجلس بينهن"، أي: صلاها بتشهد واحد وهذه صريحة في الوصل، والرواية السابقة محتملة فتحمل على هذه، لكن عند ابن خزيمة يسلم من كل ركعتين فيحتمل تخصيصه بالثمان فلا خلف.
"وفي رواية النسائي أنه ﷺ صلى إحدى عشرة ركعة بالوتر"، كأنه لم يعد الركعتينстр. 4974
استثقل فرأيته ينفخ فأتاه بلال، الحديث.
وفي أخرى: فتوضأ واستاك، وهو يقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ٩٠] ثم صلى ركعتين، ثم عاد فنام حتى سمعت نفخه، ثم قام فتوضأ واستاك ثم صلى ركعتين، ثم نام ثم قام فتوضأ واستاك وصلى ركعتين وأوتر.
ولمسلم: فاستيقظ فتسوك وتوضأ وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين أطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات ست ركعات، كل ذلك يستاك ويتوضأ وهو يقرأ هذه الآيات، ثم أوتر بثلاث.
الحواشي
(١) الخفيفتين اللتين افتتح بهما صلاته، "ثم نام حتى استثقل" أي: استغرق في نومه، "فرأيته ينفخ فأتاه بلال الحديث".
"وفي أخرى له" أي: النسائي "فتوضأ واستاك وهو يقرأ هذه الآية" أي: جنسها، فلا ينافي أنه قرأ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ حتى ختم السورة، "ثم صلى ركعتين، ثم عاد فنام حتى سمعت نفخه، ثم قام فتوضأ واستاك، ثم صلى ركعتين، ثم نام، ثم قام فتوضأ واستاك وصلى ركعتين وأوتر" بخمس ركعات، وقد صلى قبلها ست ركعات، فتكون إحدى عشرة، فنقص منها ركعتين.
"ولمسلم" عن ابن عباس أنه رقد عند رسول الله ﷺ "فاستيقظ" الفاء عطفت ما بعدها على محذوف، فقوله إنه رقد عند رسول الله معنى قول ابن عباس لا حكاية لفظه، فالتقدير أنه قال: رقدت في بيت خالتي ميمونة ورقد رسول الله ﷺ عندها، فاستيقظ "فتسوك وتوضأ" تجديدا للوضوء أو أن قلبه المقدس أحس بحدوث حدث "وهو يقول ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض﴾ حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين، أطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ ثم فعل ذلك ثلاث مرات ست ركعات" غير الركعتين الخفيفتين اللتين كان يفتتح الصلاة بهما فتبلغ ثمانية، وقوله: ست مع ما بعده من ثلاث مرات، لأنه إذا حصل في كل ركعة ركوعان صح أن يبدل ست ركعات من ثلاث مرات، أي: يفعل ذلك في ست ركعات، وثم في قوله: ثم فعل ذلك لتراخي الأخبار وتقريرا وتأكيدا لا لمجرد العطف لئلا يلزم منه أنه فعل ذلك أربع مرات، "كل ذلك يستاك ويتوضأ وهو يقرأ هذه الآيات ثم أوتر بثلاث" فالجميع إحدى عشرة وهي بعد الركعتين الخفيفتين، لأن ذكره تطويل الركعتين يدل على أنهم غير الخفيفتين فيتم العدد ثلاث عشرة فتتفق، الأحاديث ولا تختلف، كذا قالهстр. 4975
وأما حديث عائشة، فعن سعد بن هشام قال: انطلقت إلى عائشة فقلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ ، قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: كان خلقه القرآن، قلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ ، فقالت: كنا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات ولا يجلس فيها إلا في الثامنة،
الحواشي
(١) المصنف في شرح مسلم وفيه نظر، لأنها إنما تمت ثمانيا بالركعتين الخفيفتين، فكيف يعدهما ثانيا ويعلله بما ذكر.
وقد قال في فتح الباري: زاد، أي: في هذه الرواية على الرواة تكرار الوضوء وما معه، ونقص عنهم ركعتين أو أربعا، ولم يذكر ركعتي الفجر أيضا، وأظن ذلك من حبيب بن أبي ثابت أحد رواته، فإن فيه مقالا. انتهى.
"وأما حديث عائشة" قسيم قوله أولا، فأما حديث ابن عباس، "فعن سعد بن هشام" بن عامر الأنصاري ابن عم أنس بن مالك "قال: انطلقت إلى عائشة، فقلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ بضم الخاء واللام وبسكون اللام أيضا، "قالت: ألست تقرأ القرآن، قلت: بلى، قالت: كان خلقه القرآن" في العمل بأحكامه والتأدب بآدابه والاعتبار بأمثاله وقصصه وحسن تلاوته، ويحتمل كما قال القرطبي أن تريد الآيات التي أثنت عليه ﷺ ، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وكقوله ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيِّ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وما في معنى ذلك قال بعضهم: وفيه إيماء إلى التخلق بأخلاق الله، فعبرت عن المعنى بقولها: ذلك استحياء من سبحات الجلال وسترا للحال بلطف المقال، وهذا من وفور علمها وأدبها "قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ فقالت: كنا نعد" بضم النون وكسر العين من أعد، أي: نهيئ "له سواكه وطهوره" الماء الذي يتطهر به، "فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه" أي: يوقظه من النوم وما موصولة، والعائد محذوف، أي: ما شاء فيه، تعني المقدار و"من الليل" بيانية.
قال الطيبي: إن قلت تقرر عند علماء المعاني أن مفعول شاء وأراد لا يذكر في الكلام الفصيح إلا أن تكون فيه غرابة، نحو قوله: ولو شئت أن أبكي دما لبكيته، وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى﴾ [الزمر: ٤] فأين الغرابة في قوله ما شاء أن يبعثه، قلت: كفى بلفظ البعث شاهدا على الغرابة، كأنه تعالى نبه حبيبه لقضاء نهمته من مناغاة ومناجاة بينهما ومن مكاشفات وأحوال، قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى، مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١] فأي غرابة أغرب من هذا، "فيتسوك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات ولا يجلسследующие страницы →