← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

بين أصبعيه السبابة، والوسطى، ويقول: "أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في

стр. 4937

النار"، ثم يقول: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا فإليّ وعليّ". رواه مسلم والنسائي من حديث جابر. وفي رواية لمسلم: كانت خطبته ﷺ يوم الجمعة: "نحمد الله ونثني عليه"، ثم يقول على أثر ذلك، وقد علا صوته، وذكر نحوه.

стр. 4938

وفي أخرى: كان يخطب الناس يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: "من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله"، ثم ذكر نحو ما تقدم. وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: ما أخذت: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس. رواه مسلم. وعن الحكم بن حزن الكلفي قال: قدمت إلى النبي ﷺ سابع سبعة، أو تاسع تسعة، فلبثنا عنده أياما، شهدنا فيها الجمعة، فقام ﷺ متوكئا على قوس، أو قال على عصا، فحمد الله وأثنى عليه، كلمات خفيفات طيبات مباركات، ثم

стр. 4939

قال: "يا أيها الناس، إنكم لن تفعلوا أو لن تطيقوا كل ما أمرتكم به، ولكن سددوا وأبشروا". رواه أحمد وأبو داود. وعن يعلى بن أمية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا﴾ [الزخرف: ٧٧] . رواه البخاري ومسلم. وعن أبي الدرداء: قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم الجمعة فقال: "توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشتغلوا، وصلوا الذي بينكم

стр. 4940

وبين ربكم تسعدوا، وأكثروا الصدقة ترزقوا، وأمروا بالمعروف تخصبوا، وانهوا عن المنكر تنصروا، يا أيها الناس إن أكيسكم أكثركم ذكرا للموت، وأكرمكم أحسنكم استعدادا له، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والتزود لسكنى القبور، والتأهب ليوم النشور". رواه ... ورواه ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله مختصرا بنحوه. وفي مراسيل أبي داود عن الزهري قال: كان صدر خطبة النبي ﷺ : "الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله

стр. 4941

فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. نسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله ويتبع رضوانه ويجتنب سخطه". وعنده أيضا عنه قال: بلغنا عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول إذا خطب: "كل ما هو آت قريب، لا بعد لما هو آت، يريد الله أمرا، ويريد الناس أمرا، ما شاء الله كان ولو كره الناس، ولا مبعد لما قرب الله، ولا مقرب لما أبعد الله، لا يكون شيء إلا بإذن الله ". وقال جابر بن عبد الله: كان ﷺ إذا خطب الجمعة يقول بعد أن يحمد الله ويصلي على أنبيائه: "أيها الناس، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم

стр. 4942

نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، إن العبد المؤمن بين مخافتين، بين أجل قد مضى لا يدري ما الله قاض فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله صانع فيه، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الممات، والذي نفسي بيده، ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم". وعن عمرو أن النبي ﷺ خطب يوما فقال: "ألا إن الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، ألا وإن الآخرة أجل صادق يقضي فيها ملك قادر، ألا وإن الخير كله بحذافيره في الجنة، ألا وإن الشر كله بحذافيره في النار، ألا فاعملوا

стр. 4943

وأنتم من الله على حذر، واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره". رواه الشافعي، وعند أبي نعيم في الحلية نحوه. واختلف: هل يجب الإنصات، ويمنع من جميع أنواع الكلام حال الخطبة، أو لا؟ وعن الشافعي: في المسألة قولان مشهوران، وبناهما بعض الأصحاب على الخلاف في أن الخطبتين بدل عن الركعتين أم لا؟ فعلى الأول يحرم، لا على

стр. 4944

الثاني، والثاني هو الأرجح عندهم، فمن ثم أطلق من أطلق منهم إباحة الكلام، حتى شنع من شنع عليهم من المخالفين. وعن أحمد أيضا روايتان. وعنهما أيضا: التفرقة بين من يسمع الخطبة وبين من لا يسمعها. وأغرب ابن عبد البر فنقل الإجماع على وجوب الإنصات على من سمعها إلا عن قليل من التابعين. ودخل سليك الغطفاني، وهو ﷺ يخطب، فقال ﷺ : "صليت"؟ قال:

стр. 4945

لا، قال: "قم فاركع ركعتين، وأسرع فيهما لتسمع الخطبة". رواه البخاري ومسلم وأبو داود. واستدل به على أن الخطبة لا تمنع الداخل من صلاة تحية المسجد. وتعقب: بأنها واقعة عين لا عموم لها، فيحتمل اختصاصها بسليك، ويدل عليه قوله في حديث أبي سعيد -عند أصحاب السنن: جاء رجل -والنبي ﷺ يخطب- في هيئة بذة، فقال له: "أصليت"؟ قال: لا، قال: "قم فصل ركعتين" وحض الناس على الصدقة عليه ... الحديث. فأمره بأن يصلي ركعتين كي يراه بعض الناس وهو

стр. 4946

قائم فيتصدق عليه. وورد أيضا ما يؤيد الخصوصية، وهو ما أخرجه ابن حبان وهو قوله ﷺ لسليك في آخر الحديث: "لا تعودن لمثلها"، وما يضعف الاستدلال به على جواز التحية في تلك الحالة أنهم أطلقوا أن التحية تفوت بالجلوس. فهذا ما عتل به من طعن في الاستدلال بهذه القصة على جواز التحية، وكله مردود، لأن الأصل عدم الخصوصية، والتعليل بكونه ﵊ قصد التصدق عليه لا يمنع القول بجواز التحية، فإن المانعين منها لا يجوزون التطوع لعلة التصدق. قال ابن المنير: لو ساغ ذلك لساغ مثله في التطوع عند طلوع الشمس وسائر الأوقات المكروهة، ولا قائل به.

стр. 4947

ومما يدل على أن أمره الصلاة لم ينحصر في قصد التصدق، معاودته ﵊ بأمره بالصلاة في الجمعة الثانية بعد أن حصل له في الجمعة الأولى ثوبان تصدق بهما عليه، فدخل بهما في الثانية فتصدق بأحدهما فنهاه ﷺ عن ذلك. أخرجه النسائي وابن خزيمة من حديث أبي سعيد أيضا. ولأحمد وابن حبان: أنه كرر أمره بالصلاة ثلاث مرات في ثلاث جمع، فدل على أن قصد التصدق عليه جزء علة، لا علة كاملة. وأما إطلاق من أطلق أن التحية تفوت بالجلوس، فقد حكى النووي في شرح مسلم عن المحققين: أن ذلك في حق العالم العامد، أم الجاهل والناسي فلا، وحال هذا الداخل محمولة في المرة الأولى على أحدهما، وفي المرتين الأخيريتن على النسيان. والحامل للمانعين على التأويل المذكور أنهم زعموا أن ظاهره معارض للأمر

стр. 4948

بالإنصات والاستماع للخطبة. وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن ذلك وعن غيره من أدلة المانعين بما يطول ذكره، ثم قال: وهذه الأجوبة التي قدمناها تندفع من أصلها بعموم قوله ﷺ في حديث أبي قتادة: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين". متفق عليه. قال: وورد أخص منه في حال الخطبة، ففي رواية شعبة عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ وهو يخطب: "إذا أتى أحدكم والإمام يخطب، أو قد خرج فليصل ركعتين" متفق عليه.

стр. 4949

ولمسلم من طريق أبي سفيان عن جابر أنه قال ذلك في قصة سليك ولفظه بعد قوله: "فاركعهما وتجوز فيهما". ثم قال: "إذا أتى أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما". قال النووي: هذا النص لا يتطرق إليه التأويل، ولا أظن عالما يبلغه هذا الحديث ويعتقده صحيحا فيخالفه. وقال العارف بالله أبو محمد بن أبي حمزة: هذا الذي أخرجه مسلم نص في الباب لا يحتمل التأويل. انتهى. وقد قال قوم: إنما أمره ﷺ بسنة الجمعة التي قبلها ومستندهم قوله ﵊ في قصة سليك -عند ابن ماجه: "أصليت ركعتين قبل أن تجيء"؟ لأن ظاهره قبل أن تجيء من البيت، ولهذا قال الأوزاعي: إن كان صلى في البيت قبل أن يجيء فلا يصلي إذا دخل المسجد. وتعقب بأن المانع من صلاة التحية لا يجيز التنفل حال الخطبة مطلقا،

стр. 4950

ويحتمل أن يكون معنى قوله: "قبل أن تجيء" أي إلى الموضع الذي أنت به الآن، وفائدة الاستفهام، احتمال أن يكون صلاهما في مؤخر المسجد ثم تقدم لقرب من سماع الخطبة، ويؤيده: أن في رواية مسلم "أصليت الركعتين"؟ بالألف واللام، وهي للعهد، ولا عهد هناك أقرب من تحية المسجد، وأما سنة الجمعة التي قبلها فيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى. وكانت صلاته ﷺ الجمعة قصدا، بين الطول والتخفيف، وخطبته قصدا. رواه مسلم والترمذي من رواية جابر بن سمرة. زاد في رواية أبي داود، يقرأ بآيات

стр. 4951

من القرآن ويذكر الناس. وله في رواية أخرى: كان لا يطيل الموعظة بها يوم الجمعة، إنما هي كلمات يسيرات. وعن عمرو ابن حريث أنه ﷺ خطب وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه. رواه مسلم. قال ابن القيم في الهدي: وكان ﵊ إذا اجتمع الناس خرج إليهم وحده من غير شاويش يصيح بين يديه، ولا لبس طيلسان ولا طرحة ولا سواد، فإذا دخل المسجد سلم عليهم، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه وسلم عليهم ثم يجلس، ويأخذ بلال في الأذان، فإذا فرغ منه قام ﷺ فخطب من

стр. 4952

غير فصل بين الأذان والخطبة، لا بإيراد خبر ولا غيره، ولم يكن يأخذ بيده سيفا ولا غيره، وإنما كان يعتمد على قوس أو عصا قبل أن يتخذ المنبر، وكان يأمر الناس بالدنو منه، ويأمرهم بالإنصات. انتهى. وينظر في قوله: ولم يكن يأخذ بيده سيفا ولا غيره، وإنما كان يعتمد على قوس أو عصا قبل أن يتخذ المنبر. وكان ﷺ يقرأ بسورة الجمعة في الركعة الأولى، "و ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] في الثانية. رواه مسلم والترمذي وأبو داود. والحكمة في قراءته ﷺ بسورة الجمعة، اشتمالها على وجوب الجمعة

стр. 4953

وغير ذلك، مما فيها من القواعد، والحث على التوكل والذكر وغير ذلك. وقراءة سورة المنافقين لتوبيخ حاضريها منهم وتنبيههم على التوبة وغير ذلك مما فيها من القواعد، لأنهم ما كانوا يجتمعون في مجلس أكثر من اجتماعهم فيها. وفي حديث النعمان بن بشير عند مسلم: وكان يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] .

стр. 4954

وقد اختلف في العدد الذي تنعقد بهم الجمعة، وللعلماء فيه خمسة عشر قولا. أحدها: تصح من الواحد، نقله ابن حزم. الثاني: اثنان كالجماعة، وهو قول النخعي وأهل الظاهر. الثالث: اثنان مع الإمام، عند أبي يوسف ومحمد والليث. الرابع: ثلاثة معه، عند أبي حنيفة وسفيان الثوري. الخامس: سبعة، عند عكرمة. السادس: تسعة، عند ربيعة. السابع: اثنا عشر، عند ربيعة أيضا في رواية. الثامن: مثله غير الإمام، عند إسحاق. التاسع: عشرون في رواية ابن حبيب عن مالك. العاشر: ثلاثون، كذلك، الحادي عشر: أربعون بالإمام عند إمامنا الشافعي، واشترط كونهم أحرارا، بالغين عقلاء، مقيمين لا يظعنون شتاء ولا صيفا إلا لحاجة، وأن يكونوا حاضرين

стр. 4955

من أول الخطبة إلى أن تقام الجمعة. وحجة الإمام الشافعي: ما رواه الدارقطني وابن ماجه والبيهقي في الدلائل عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبي حين ذهب بصره، فإذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان صلى على أبي أمامة واستغفر له، قال فمكث كذلك حينا لا يسمع الأذان في الجمعة إلا فعل ذلك، فقلت: يا أبت، استغفارك لأبي أمامة كلما سمعت أذان الجمعة ما هو؟ قال: يا بني، هو أول من جمع بالمدينة؟ قال: قلت له: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلا. وقال جابر بن عبد الله: مضت السنة أن في كل ثلاثة إماما، وفي كل أربعين فما فوق ذلك جمعة. خرجه الدارقطني. وروى البيهقي عن ابن مسعود: أنه ﷺ جمع بالمدينة وكانوا أربعين رجلا.

стр. 4956

قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الخزرجي: قال في "المجموع": قال أصحابنا: وجه الدلالة أن الأمة أجمعوا على اشتراط العدد، والأصل الظهر، ولا تتم الجمعة إلا بعدد ثبت فيه توقيف، وقد ثبت جوازها بأربعين، وثبت: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، ولم يثبت صلاته لها بأقل من ذلك، فلا تجوز بأقل منه. قال: وأما خبر انفضاضهم فلم يبق إلا اثنا عشر رجلا، فليس فيه أن ابتداءها كان باثني عشر، بل يحتمل عودهم، أو عود غيرهم مع سماعهم أركان الخطبة. وفي مسلم: "انفضوا في الخطبة" وفي رواية البخاري "انفضوا في الصلاة" وهي محمولة على الخطبة جمعا بين الأخبار. انتهى.

стр. 4957

الثاني عشر: أربعون غير الإمام عند إمامنا الشافعي أيضا، وبه قال عمر بن عبد العزيز وطائفة. الثالث عشر: خمسون، عند أحمد في رواية، وحكيت عن عمر ابن عبد العزيز. الرابع عشر: ثمانون، حكاه المازري. الخامس عشر: جمع كثير بغير حصر. ولعل هذا الأخير أرجحها من حيث الدليل. قاله في فتح الباري، والله أعلم.

стр. 4958

الباب الثالث: في ذكر تهجده صلوات الله وسلامه عليه قال الله تعالى له ﵊: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩] أي بالقرآن، والمراد منه الصلاة المشتملة على القرآن. والهجود في اللغة: النوم، وعن أبي عبيدة: الهاجد: النائم، والهاجد: المصلي بالليل، وعن الأزهري: الهاجد: النائم، وقال المازني: التهجد: الصلاة بعد الرقاد، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، قال: وهكذا كانت صلاة رسول الله ﷺ .

стр. 4959

وقوله: ﴿نَافِلَةً لَك﴾ أي عبادة زائدة في فرائضك، ويمكن نصرة هذا القول بأن قوله: ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ أمر، وصيغة الأمر للوجوب، فوجب كون هذا التهجد واجبا، وروى الطبري عن ابن عباس أن النافلة أي الزيادة للنبي ﷺ خاصة، لأنه أمر بقيام الليل، وكتب عليه دون أمته، وإسناده ضعيف. وقيل معناه: زيادة لك خالصة، لأن تطوع غيره يكفر ما على صاحبه من ذنب، وتطوعه هو ﷺ يقع خالصا له لكونه لا ذنب عليه، فكل طاعة يأتي بها ﵊ سوى المكتوبة إنما تكون لزيادة الدرجات، وكثرة الحسنات، فلهذا سمي نافلة بخلاف الأمة، فإن لهم ذنوب محتاجة إلى الكفارات، فهذه الطاعات يحتاجون إليها لتكفير الذنوب والسيئات.

стр. 4960

وروى مسلم من طريق سعد بن هشام عن عائشة قالت: إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة تعني: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [ألمزمل: ١] فقام النبي ﷺ هو وأصحابه حولا، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعا بعد فرضه. وروى محمد بن نصر في قيام الليل من طريق سماك عن ابن عباس شاهدا لحديث عائشة في أن بين الإيجاب والنسخ سنة.

стр. 4961

وحكى الشافعي عن بعض أهل العلم أن آخر السورة نسخ افتراض قيام الليل إلا ما تيسر منه، ثم نسخ فرض ذلك بالصلوات الخمس. وروى محمد بن نصر من حديث جابر أن نسخ قيام الليل وقع لما توجهوا مع أبي عبيدة في جيش الخبط، وكان ذلك بعد الهجرة، لكن في إسناده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف. فوجوب قيام الليل قد نسخ في حقنا. وهل نسخ في حقه ﷺ ؟ أم لا؟ أكثر الأصحاب: لا، والصحيح: نعم، ونقله الشيخ أبو حامد عن النص.

стр. 4962

وقالت عائشة: قام ﷺ حتى تورمت قدماه، وفي رواية: حتى تفطرت قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدا شكورا". قالت: فلما بدن وكثر لحمه صلى جالسا، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع. رواه البخاري ومسلم.

стр. 4963

والفاء في قوله: "أفلا أكون" للسببية، وهي عن محذوف تقديره: أأترك تهجدي؟ فلا أكون عبدا شكورا، والمعنى: إن المغفرة سبب لكون التهجد شكرا، فكيف أتركه؟ قال ابن بطال: في هذا الحديث أخذ الإنسان على نفسه بالشدة في العبادة، وإن أضر ذلك ببدنه، لأنه ﷺ إذا فعل مع علمه بما سبق له، فكيف بمن لم يعلم بذلك فضلا عمن لم يأمن أنه استحق النار. انتهى. ومحل ذلك -كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري- ما لم يفض ذلك إلى الملال، لأن حال النبي ﷺ كانت أكمل الأحوال، فكان لا يمل من عبادة ربه، وإن أضر ذلك ببدنه، بل صح أنه ﵊ قال: "وجعلت قرة عيني في الصلاة". كما أخرجه النسائي من حديث أنس، فأما غيره ﷺ فإذا

стр. 4964

خشي الملل ينبغي له أن لا يكد نفسه، وعليه يحمل قوله ﷺ : "خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا". انتهى. لكن ربما دست النفس أو الشيطان على المجتهد في العبادة بمثل ما ذكر، خصوصا إذا كبر، فتقول له: قد ضعفت وكبرت فأبق على نفسك لئلا ينقطع عملك بالكلية، وهذا وإن كان ظاهره جميلا لكن فيه دسائس، فإنه إن أطاعه فقد يكون استدراجا يئول به إلى ترك العمل شيئا فشيئا، إلى أن ينقطع العمل بالكلية، وما ترك سيد المرسلين، المغفور له، شيئا من عمله بعد كبره. نعم كان يصلي بعض ورده جالسا بعد أن كان يقوم حتى تفطرت قدماه،

стр. 4965

فكيف بمن أثقلت ظهره الأوزار، ولا يأمن من عذاب النار، أن يغفل حال شبيبته، ويتوانى عند ظهور شيبته، فينبغي للإنسان أن يستعد قبل حلول شيبه. "اغتنم خمسا قبل خمس ... وشبابك قبل هرمك". فإن من شاب فقد لاح صبح سواد ليل شعره، وقد قال الله تعالى منذرا لمن يدخل في الصباح: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١] فكيف بقرب من دخل في الصباح، وظهر كوكب نهاره في أفق رأسه ولاح؟! قال القرطبي: ظن من سأله ﷺ عن سبب تحمله المشقة في العبادة أنه إنما يعبد الله خوفا من الذنوب، وطلبا للمغفرة والرحمة، فمن تحقق أنه غفر له لا

стр. 4966

يحتاج إلى ذلك، فأفادهم النبي ﷺ أن هناك طريقا آخر للعبادة، وهو الشكر على المغفرة، واتصال النعمة لمن لا يستحق عليه فيها شيئا، فيتعين كثرة الشكر على ذلك، والشكر: الاعتراف بالنعمة والقيام بالخدمة، فمن كثر ذلك منه سمي شكورا، ومن ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] . وفيه: ما كان النبي ﷺ عليه من الاجتهاد في العبادة والخشية من ربه، قال العلماء: إنما ألزم الأنبياء أنفسهم بشدة الخوف لعلمهم بعظيم نعم الله عليهم، وأنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها، فبذلوا مجهودهم في عبادته ليؤدوا بعض شكره، مع أن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، والله أعلم. ذكر سياق صلاته ﷺ بالليل: عن شريح بن هانئ قالت عائشة ﵂: ما صلى رسول الله ﷺ

стр. 4967

العشاء قط فدخل بيتي إلا صلى أربع ركعات أو ست ركعات. رواه أبو داود. وكان ﷺ يقوم إذا سمع الصارخ رواه البخاري ومسلم عن عائشة. وهو يصرخ في النصف الثاني. وقالت عائشة: كان ﵊ ينام أول الليل ويقوم آخره، فيصلي ثم يرجع إلى فراشه فإذا أذن المؤذن وثب، فإن كانت به حاجة اغتسل، وإلا توضأ

стр. 4968

ثم خرج. رواه الشيخان. وقالت أيضا: كان ﵊ ربما اغتسل في أول الليل، وربما اغتسل في آخره، وربما أوتر في الليل، وربما أوتر في آخره، وربما جهر بالقراءة، وربما خفت. وقالت أم سلمة كان يصلي بنا ثم ينام قدر ما صلى، ثم يصلي قدر ما نام، ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح. رواه أبو داود والنسائي، والترمذي.

стр. 4969

وفي رواية للنسائي: كان يصلي العتمة، ثم يسبح ثم يصلي بعدها ما شاء الله من الليل ثم ينصرف فيرقد مثل ما صلى ثم يستيقظ من نومه فيصلي مثل ما نام، وصلاته تلك الآخرة تكون إلى الصبح. وعن أنس قال: ما كنا نشاء أن نرى رسول الله ﷺ في الليل مصليا إلا رأيناه، ولا نشاء أن نراه نائما إلا رأيناه. وكان إذا استيقظ من الليل قال: "لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمتك، اللهم زدني علما ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب". رواه أبو داود من حديث عائشة. وعنها: كان ﵊ إذا هب من الليل كبر الله عشرا،

стр. 4970

وحمد الله عشرا، وقال: "سبحان الله وبحمده" عشرا، وقال: "سبحان الملك القدوس" عشرا، واستغفر الله عشرا، وهلل عشرا، ثم قال: "اللهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا وضيق يوم القيامة" عشرا، ثم يفتتح الصلاة. رواه أبو داود. وقد روى حديث قيامه بالليل ووتره عائشة وابن عباس. قال ابن القيم: وإذ اختلف ابن عباس وعائشة في شيء من أمر قيامه ﵊ بالليل، فالقول قول عائشة، لكونها أعلم الخلق بقيامه بالليل. انتهى. فأما حديث ابن عباس فرواه البخاري ومسلم بلفظ: بت عند خالتي ميمونة ليلة والنبي ﷺ عندها، فتحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر أو نصفه قعد ينظر إلى السماء، فقرأ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ

стр. 4971

وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] حتى ختم السورة، ثم قام إلى القربة فأطلق شناقها ثم صب في الجفنة، ثم توضأ وضوءا حسنا بين الوضوءين لم يكثر وقد أبلغ، فقام فصلى، فقمت فتوضأت فقمت عن يساره، فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه، فتتامت صلاته ثلاث عشر ركعة، ثم اضطجع فنام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ، فآذنه بلال بالصلاة فصلى ولم يتوضأ. وكان يقول في دعائه:

стр. 4972

"اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي بصري نورا، وفي سمعي نورا، وعن يميني نورا، وعن يساري نورا، وفوقي نورا وتحتي نورا، وأمامي نورا, وخلفي نورا، واجعل لي نورا"، وزاد بعضهم: "وفي لساني نورا". وذكر: عصبي ولحمي ودمي وشعري

стр. 4973

وبشري". وفي رواية: فصلى ركعتين خفيفتين، ثم قرأ فيهما بأم الكتاب في كل ركعة، ثم سلم، ثم صلى إحدى عشرة ركعة بالوتر ثم نام، فأتاه بلال فقال: الصلاة يا رسول الله! فقام فركع ركعتين ثم صلى بالناس. وفي رواية: فقام فصلى ثلاث عشرة ركعة، منها ركعتا الفجر، حزرت قيامه في كل ركعة بقدر: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّل﴾ . وفي رواية: فصلى ركعتين ركعتين حتى صلى ثمان ركعات، ثم أوتر بخمس لم يجلس بينهن. وفي رواية النسائي: أنه ﷺ صلى إحدى عشرة ركعة بالوتر، ثم نام حتى

стр. 4974

استثقل فرأيته ينفخ فأتاه بلال، الحديث. وفي أخرى: فتوضأ واستاك، وهو يقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ٩٠] ثم صلى ركعتين، ثم عاد فنام حتى سمعت نفخه، ثم قام فتوضأ واستاك ثم صلى ركعتين، ثم نام ثم قام فتوضأ واستاك وصلى ركعتين وأوتر. ولمسلم: فاستيقظ فتسوك وتوضأ وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين أطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات ست ركعات، كل ذلك يستاك ويتوضأ وهو يقرأ هذه الآيات، ثم أوتر بثلاث.

стр. 4975

وأما حديث عائشة، فعن سعد بن هشام قال: انطلقت إلى عائشة فقلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ ، قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: كان خلقه القرآن، قلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ ، فقالت: كنا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات ولا يجلس فيها إلا في الثامنة،
следующие страницы →