← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] حتى ختم السورة، ثم قام إلى القربة فأطلق شناقها ثم صب في الجفنة، ثم توضأ وضوءا حسنا بين الوضوءين لم يكثر وقد أبلغ، فقام فصلى، فقمت فتوضأت فقمت عن يساره، فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه، فتتامت صلاته ثلاث عشر ركعة، ثم اضطجع فنام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ، فآذنه بلال بالصلاة فصلى ولم يتوضأ. وكان يقول في دعائه:

стр. 4972

"اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي بصري نورا، وفي سمعي نورا، وعن يميني نورا، وعن يساري نورا، وفوقي نورا وتحتي نورا، وأمامي نورا, وخلفي نورا، واجعل لي نورا"، وزاد بعضهم: "وفي لساني نورا". وذكر: عصبي ولحمي ودمي وشعري

стр. 4973

وبشري". وفي رواية: فصلى ركعتين خفيفتين، ثم قرأ فيهما بأم الكتاب في كل ركعة، ثم سلم، ثم صلى إحدى عشرة ركعة بالوتر ثم نام، فأتاه بلال فقال: الصلاة يا رسول الله! فقام فركع ركعتين ثم صلى بالناس. وفي رواية: فقام فصلى ثلاث عشرة ركعة، منها ركعتا الفجر، حزرت قيامه في كل ركعة بقدر: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّل﴾ . وفي رواية: فصلى ركعتين ركعتين حتى صلى ثمان ركعات، ثم أوتر بخمس لم يجلس بينهن. وفي رواية النسائي: أنه ﷺ صلى إحدى عشرة ركعة بالوتر، ثم نام حتى

стр. 4974

استثقل فرأيته ينفخ فأتاه بلال، الحديث. وفي أخرى: فتوضأ واستاك، وهو يقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ٩٠] ثم صلى ركعتين، ثم عاد فنام حتى سمعت نفخه، ثم قام فتوضأ واستاك ثم صلى ركعتين، ثم نام ثم قام فتوضأ واستاك وصلى ركعتين وأوتر. ولمسلم: فاستيقظ فتسوك وتوضأ وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين أطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات ست ركعات، كل ذلك يستاك ويتوضأ وهو يقرأ هذه الآيات، ثم أوتر بثلاث.

стр. 4975

وأما حديث عائشة، فعن سعد بن هشام قال: انطلقت إلى عائشة فقلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ ، قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: كان خلقه القرآن، قلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ ، فقالت: كنا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات ولا يجلس فيها إلا في الثامنة،

стр. 4976

فيذكر الله يحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله تعالى ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليما يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم من الوتر وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسن ﷺ وأخذه اللحم أوتر بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول، فتلك تسع يا بني. رواه مسلم. وللنسائي: كنا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه من الليل، فيستاك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، ويحمد الله ويصلي على نبيه ويدعو بينهن ولا يسلم، ثم يصلي ركعتين وهو قاعد. زاد في أخرى: فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني, فلما أسن ﷺ وأخذه

стр. 4977

اللحم أوتر بسبع، ثم صلى ركعتين وهو جالس بعدما سلم، فتلك تسع، يا بني. وفي رواية له: فصلى ست ركعات يخيل إليّ أنه سوى بينهن في القراءة والركوع والسجود، ثم يوتر بركعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس ثم يضع جنبه. وعن عائشة: كان ﷺ إذا قام من الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين. رواه مسلم وأحمد. وعنها: كان ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاته العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، ويسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة، فيسجد السجدة من ذلك بقدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر وتبين لنا الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن للإقامة، رواه أبو داود.

стр. 4978

وعنها قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس ولا يجلس في شيء إلا في آخرها. رواه البخاري ومسلم. وفي البخاري عن مسروق: سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ فقالت: سبعا وتسعا وإحدى عشرة، سوى ركعتي الفجر. وعنده أيضا، عن القاسم بن محمد، عنها: كان ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة منها الوتر وركعتا الفجر.

стр. 4979

قال القرطبي: أشكلت روايات عائشة على كثير من أهل العلم، حتى نسب بعضهم حديثها إلى الاضطراب. وهذا إنما يتم لو كان الراوي عنها واحدا، وأخبرت عن وقت واحد. والصواب: أن كل شيء ذكرته من ذلك محمول على أوقات متعددة، وأحوال مختلفة بحسب النشاط وبيان الجواز. انتهى. فأما ما أجابت به مسروقا، فمرادها أن ذلك وقع منه في أوقات مختلفة فتارة يصلي سبعا وتارة يصلي تسعا وتارة إحدى عشرة. وأما حديث القاسم عنها فمحمول على أن ذلك كان غالب أحواله. قيل: والحكمة في عدم الزيادة على إحدى عشرة: أن التهجد والوتر مخصوصان بصلاة الليل، وفرائض النهار: الظهر وهي أربع، والعصر وهي أربع، والمغرب وهي ثلاث وتر النهار، فناسب أن تكون صلاة الليل كصلاة النهار في العدد جملة وتفصيلا، وأما مناسبة "ثلاث عشرة" فبضم صلاة الصبح لكونها نهارية إلى ما بعدها. انتهى.

стр. 4980

وعن زيد بن خالد الجهني أنه قال: لأرمقن صلاة رسول الله ﷺ الليلة، قال: فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما،

стр. 4981

ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة. رواه مسلم. وقوله: "ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما" أربع مرات، هكذا في صحيح مسلم وموطأ مالك وسنن أبي داود، وجامع الأصول لابن الأثير. فقد كان قيامه ﵊ بالليل أنواعا. أحدها: ست ركعات، يسلم من كل ركعتين ثم يوتر بثلاث، كما في حديث ابن عباس، عند مسلم. ثانيها: أنه كان يفتتح صلاته بركعتين خفيفتين، ثم يتم إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين، ويوتر بركعة واحدة. رواه البخاري ومسلم من

стр. 4982

حديث عائشة. ثالثها: ثلاث عشرة ركعة، كذلك رواه مسلم من حديث زيد بن خالد الجهني. رابعها: ثماني ركعات، يسلم من كل ركعتين، ثم يوتر بخمس سردا متوالية صفة كاشفة سرد الحديث أتى به على الولاء لا يجلس إلا في آخرهن. رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس. خامسها: تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الركعة الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعو، ثم ينهض ولا يسلم ثم يصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله يحمده ويدعو ثم يسلم، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم قاعدا. رواه مسلم من حديث عائشة. سادسها: يصلي سبعا كالتسع، ثم يصلي بعدها ركعتين جالسا. رواه مسلم أيضا من حديثها.

стр. 4983

سابعها: كان يصلي مثنى مثنى، ثم يوتر بثلاث لا يفصل بينهن. رواه أحمد عنها. ثامنها: ما رواه النسائي عن حذيفة أنه صلى مع رسول الله ﷺ في رمضان، فركع فقال في ركوعه: "سبحان ربي العظيم" مثل ما كان قائما، ثم جلس يقول: "رب اغفر لي، رب اغفر لي". فما صلى إلا أربع ركعات حتى جاء بلال يدعوه إلى الغداة. ورواه أبو داود، ولفظه: أنه رأى النبي ﷺ يصلي من الليل فكان يقول: "الله أكبر" ثلاثا، "ذو الملك والملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة" ثم استفتح فقرأ البقرة، ثم ركع فكان ركوعه نحوا من قيامه، وكان يقول في ركوعه: "سبحان

стр. 4984

ربي العظيم"، ثم رفع رأسه من الركوع فكان قيامه نحوا من ركوعه، يقول: "لربي الحمد" ثم سجد فكان سجوده نحوا من قيامه، وكان يقول في سجوده: "سبحان ربي الأعلى" ثم رفع رأسه من السجود، وكان يقعد فيما بين السجدتين نحوا من سجوده، وكان يقول: "رب اغفر لي، رب اغفر لي". فصلى أربع ركعات، قرأ فيهن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة أو الأنعام، شك شعبة. ورواه البخاري ومسلم عن حذيفة بلفظ: صليت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المائة، ثم مضى فقلت يصلي بها في ركعة، فمضى فقلت يركع بها ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم

стр. 4985

ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم"، فكان ركوعه نحوا من قيامه، ثم قال: "سمع الله لمن حمده" زاد في رواية: "ربنا لك الحمد" ثم قام قياما طويلا قريبا مما ركع، ثم سجد فقال: "سبحان ربي الأعلى"، فكان سجوده قريبا من قيامه. وزاد النسائي: لا يمر بآية تخويف أو تعظيم لله إلا ذكر. وقد كانت هيئة صلاته ﵊ ثلاثة:

стр. 4986

أحدها: أنه كان أكثر صلاته قائما: فعن حفصة قالت: ما رأيته ﷺ صلى في سبحته قاعدا، حتى كان قبل وفاته بعام فكان يصلي في سبحته قاعدا، الحديث رواه أحمد ومسلم والنسائي وصححه الترمذي. الثاني: كان يصلي قاعدا ويركع قاعدا. رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عائشة بلفظ: وإذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو قاعد. الثالث: كان يقرأ قاعدا، فإذا بقي يسير من قراءته قام فركع قائما. رواه مسلم من حديث عائشة ولفظه: إن رسول الله ﷺ كان يصلي جالسا، ويقرأ وهو جالس فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين آية أو أربعين آية قام وقرأ وهو قائم، ثم ركع ثم سجد، ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك.

стр. 4987

وعن عائشة: كان ﷺ يصلي متربعا. رواه الدارقطني. وكان ﵊ يصلي ركعتين بعد الوتر جالسا تارة، وتارة يقرأ فيهما وهو جالس فإذا أراد أن يركع قام فركع. قالت عائشة: كان يوتر بواحدة، ثم يركع ركعتين يقرأ فيهما وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع. رواه ابن ماجه. وعن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ كان يصلي ركعتين بعد الوتر وهو جالس، يقرأ فيهما: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ و"الكافرون" رواه أحمد. واختلف في هاتين الركعتين فأنكرهما مالك وكذا النووي في المجموع. وقال أحمد: لا أفعله ولا أمنعه. انتهى. والصواب: أنه إنما فعلهما بيانا لجواز الصلاة بعد الوتر، وجواز النفل جالسا. ولفظة "كان" لا تفيد دواما ولا أكثرية هنا. وغلط من ظنهما سنة راتبة، فإنه ﷺ

стр. 4988

ما داومهما، ولا تشبه السنة بالفرض حتى يكون للوتر صلاة بعده. وأما قيامه ﵊ ليلة النصف من شعبان، فعن عائشة ﵂ قالت: قام رسول الله ﷺ من الليل فصلى فأطال السجود حتى ظننت أنه قد قبض، فلما رأيت ذلك قمت إليه حتى حركت إبهامه فتحرك فرجعت، فلما رفع رأسه من السجود وفرغ من صلاته، فقال: "يا عائشة" أو "يا حميراء أظننت أن النبي ﷺ قد خاس بك"، قلت: لا والله يا رسول الله، ولكني ظننت أنك قد قبضت لطول سجودك، فقال: "أتدرين أي ليلة هذه"؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "هذه ليلة النصف من شعبان، إن الله يطلع على عباده ليلة النصف من شعبان فيغفر للمستغفرين، ويرحم المسترحمين، ويؤخر أهل الحقد

стр. 4989

كما هم". رواه البيهقي من طريق العلاء بن الحارث عنها، وقال: هذا مرسل جيد، يعني أن العلاء لم يسمع من عائشة. وقد ورد في فضل ليلة النصف من شعبان أحاديث كثيرة، لكن ضعفها الأكثرون، وصحح ابن حبان بعضها وخرجه في صحيحه، ومن أمثلها -كما نبه عليه الحافظ ابن رجب- حديث عائشة ﵂ قالت: فقدت النبي ﷺ فخرجت فإذا هو بالبقيع، رافعا رأسه إلى السماء، فقال: "أكنت تخافين أن

стр. 4990

يحيف الله عليك ورسوله". فقلت: يا رسول الله ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال: "إن الله تعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب". رواه أحمد، وقال الترمذي: إن البخاري ضعفه.

стр. 4991

وفي سنن ابن ماجه، بإسناد ضعيف، عن علي مرفوعا: "إذا كان ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارا، فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقول: ألا مستغفر فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى

стр. 4992

فأعافيه، ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر". انتهى.

стр. 4993

وقد كان التابعون من أهل الشام، كخالد بن معدان، ومكحول يجتهدون ليلة النصف من شعبان في العبادة، وعنهم أخذ الناس تعظيمها، ويقال: إنهم بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم اختلف الناس فيه فمنهم من قبله منهم، وقد أنكر ذلك أكثر العلماء من أهل الحجاز، منهم عطاء، وابن أبي مليكة عبد الله، ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا: إن ذلك كله بدعة. واختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولين: أحدهما: إنه يستحب إحياؤها جماعة في المساجد، وكان خالد بن معدان، ولقمان بن عامر يلبسون فيها أحسن ثيابهم ويتبخرون ويكتحلون ويقومون في

стр. 4994

المسجد ليلتهم تلك، ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك، وقال في قيامها في المسجد جماعة: ليس ذلك ببدعة، نقله عنهم حرب الكرماني في مسائله. والثاني: أنه يكره الاجتماع لها في المساجد للصلاة والقصص والدعاء، ولا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه، وهذا قول الأوزاعي إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم. ولا يعرف للإمام أحمد كلام في ليلة النصف من شعبان، ويتخرج في استحباب قيامها عنه روايتان عنه في قيام ليلتي العيد، فإنه في رواية لم يستحب قيامها جماعة، لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه فعلها، واستحبها في رواية لفعل عبد الرحمن بن زيد بن الأسود، وهو من التابعين، وكذلك قيام ليلة النصف من شعبان لم يثبت فيها شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، إنما ثبت عن جماعة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام. انتهى ملخصا من اللطائف.

стр. 4995

وأما قوله تعالى في سورة الدخان: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] فالمراد بها إنزاله تعالى القرآن في ليلة القدر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] وكان ذلك في شهر رمضان، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] . قال الحافظ ابن كثير: ومن قال إنها ليلة النصف من شعبان، كما روي عن عكرمة، فقد أبعد النجعة، فإن نص القرآن أنها في رمضان. وأما الحديث الذي

стр. 4996

رواه عبد الله بن صالح عن الليث عن عقيل عن الزهري، أخبرني عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس قال: قال رسول الله ﷺ : "تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إن الرجل لينكح ويولد له وقد أخرج اسمه في الموتى". فهو حديث مرسل، ومثله لا يعارض به النصوص. انتهى. وأما قيامه ﵊ في شهر رمضان، وهو الذي يسمى بالتراويح: جمع ترويحة، وهي المرة الواحدة من الراحة، وسميت بذلك لأنهم أول

стр. 4997

ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين كل تسليمتين. فعن عائشة ﵂ كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. ولمسلم: قالت: كان ﷺ يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، وفي

стр. 4998

العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في غيره. وفي رواية الترمذي: كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره. وعنها: أن رسول الله ﷺ صلى في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة فلم يخرج إليهم ﵊ فلما أصبح قال: "قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم". وذلك في رمضان. رواه البخاري ومسلم وأبو داود.

стр. 4999

وفي رواية للبخاري ومسلم، أنه ﷺ خرج من جوف الليل فصلى بصلاته رجال، فأصبح الناس يتحدثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم فخرج ﵊ في الليلة الثانية فصلوا بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته، فلما كان في الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، فلم يخرج إليهم ﷺ ، فطفق رجال منهم يقولون: أفلا يخرج إليهم، حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، ثم تشهد

стр. 5000

فقال: "أما بعد، فإنه لم يخف عليّ شأنكم الليلة، ولكني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها". وفي رواية بنحوه ومعناه مختصرا. قال: وذلك في رمضان. قال في فتح الباري: ظاهر هذا الحديث أنه ﷺ توقع ترتب افتراض الصلاة بالليل جماعة على وجود المواظبة عليها، وفي ذلك إشكال وقد بناه بعض المالكية على قاعدتهم في أن الشروع ملزم، وفيه نظر لأن وجوبه. وأجاب المحب الطبري: بأنه يحتمل أن يكون الله أوحى إليه: إنك إن واظبت على هذه الصلاة معهم افترضتها عليهم، فأحب التخفيف عنهم.

стр. 5001

وقيل: خشي أن يظن أحد من الأمة من مداومته عليها الوجوب، قال القرطبي: أي يظنونه فرضا، فيجب على من ظن ذلك، كما إذا ظن المجتهد حل شيء أو تحريمه فإنه يجب عليه العمل به. وقد استشكل الخطابي أصل هذه الخشية، مع ما ثبت في حديث الإسراء، من أن الله تعالى قال: هن خمس وهم خمسون لا يبدل القول لدي، فإذا أمن التبديل كيف يقع الخوف من الزيادة، وهذا يدفع في صدور الأجوبة المتقدمة. وأجاب عنه الخطابي: بأن صلاة الليل كانت واجبة عليه ﷺ ، وأفعاله الشرعية يجب على الأمة الاقتداء به فيها -يعني عند المواظبة- فترك الخروج إليهم لئلا يدخل ذلك في الواجب من طريق الأمر بالاقتداء به، لا من طريق إنشاء فرض جديد زائد على الخمس، وهذا كما يوجب المرء على نفسه صلاة نذر، فتجب

стр. 5002

عليه ولا يلزم من ذلك زيادة فرض في أصل الشرع. قال: وفيه احتمال آخر، وهو أن الله تعالى قد فرض الصلاة خمسين، ثم حط معظمها بشفاعة نبيه ﷺ ، فإذا عادت الأمة فيما استوهب لها والتزمت ما استعفى لهم نبيهم ﵊ منه، لم يستنكر أن يثبت ذلك فرضا عليهم. قال الحافظ ابن حجر: وقد تلقى هذين الجوابين عن الخطابي جماعة كابن الجوزي، وهو مبني على أن قيام الليل كان واجبا عليه ﷺ ، وعلى وجوب الاقتداء بأفعاله، وفي كل من الأمرين نزاع. ثم أجاب عنه بثلاثة أجوبة: أحدها: أنه يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل بمعنى جعل التهجد في المسجد جماعة شرطا في صحة النفل بالليل، قال: ويومئ إليه قوله في حديث زيد بن ثابت: "حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم

стр. 5003

به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم" فمنعهم من التجمع في المسجد إشفاقا عليهم من اشتراطه، وأمن مع إذنه لهم في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم. وثانيها: أن يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية لا على الأعيان، فلا يكون ذلك زائدا على الخمس، بل هو نظير ما ذهب إليه قوم في العيد ونحوه. وثالثها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام رمضان خاصة، فقد وقع في حديث الباب أن ذلك كان في رمضان، وفي حديث سفيان بن حسين "خشيت أن يفرض عليكم قيام هذا الشهر" فعلى هذا يرتفع الإشكال لأن قيام رمضان لا يتكرر كل يوم في السنة، فلا يكون لك قدرا زائدا على الخمس. وأقوى هذه الأجوبة الثلاثة في نظري الأول. وعن النعمان بن بشير قال: قمنا مع رسول الله ﷺ في شهر ليلة ثلاث

стр. 5004

وعشرين إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح، وكانوا يسمونه السحور. رواه النسائي. واختلف العلماء: هل الأفضل في صلاة التراويح أن تصلي جماعة في المسجد، أو في البيوت فرادى؟ فقال الشافعي وجمهور أصحابه وأبو حنيفة وبعض المالكية وغيرهم: الأفضل صلاتها جماعة، كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة، واستمر عمل المسلمين عليه، لأنه من الشعائر الظاهرة، فأشبه صلاة العيد. فإن قلت: قد ذكرت أن الحافظ ابن حجر حمل قوله ﵊: "إني خشيت أن تفرض عليكم" على التجميع في المسجد، وقال: إنه أقوى الأجوبة، فالجواب أنه ﷺ لما مات حصل الأمن من ذلك، ورجح عمر التجميع لما في الاختلاف من اختلاف من افتراق الكلمة، ولأن الاجتماع على واحد أنشط لكثير من المصلين

стр. 5005

وقال مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية وغيرهم: الأفضل صلاتها فرادى في البيوت، لقوله ﵊: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، قالوا: وإنما فعلها ﷺ في المسجد لبيان الجواز، أو لأنه كان معتكفا. وأما عدد الركعات التي كان ﷺ يصليها في رمضان، فعن أبي سلمة أنه سأل عائشة: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ قالت: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر؟ قال: "يا عائشة! إن عيني

стр. 5006

تنامان ولا ينام قلبي". رواه البخاري ومسلم. وأما ما رواه ابن أبي شيبة من حديث ابن عباس: كان ﷺ يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر. فإسناده ضعيف. وقد عارضه حديث عائشة هذا، وهي أعلم بحال النبي ﷺ ليلا من غيرها. وقد كان الأمر من زمنه ﵇ استمر على أن كل واحد يقوم في رمضان في بيته منفردا، حتى انقضى صدر من خلافة عمر. وفي البخاري: أن عمر خرج ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال

стр. 5007

عمر: إني لأرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أجمع، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرج ليلة أخرى فإذا الناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله.

стр. 5008

وإنما اختار أبيا لأنه كان أقرأهم، كما قال عمر. وروى سعيد بن منصور من طريق عروة: أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يصلي بالرجال، وكان تميم الداري يصلي بالنساء. وفي الموطأ: أمر عمر أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس في رمضان. وروى البيهقي بإسناد صحيح أن الناس كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب في شهر رمضان بعشرين ركعة.

стр. 5009

قال الحليمي: والسر في كونها عشرين أن الرواتب في غير شهر رمضان عشر ركعات، فضوعفت لأنه وقت جد أو تشمير. وفي الموطأ: بثلاث وعشرين ركعة. وجمع البيهقي بينهما بأنهم كانوا يوترون بثلاث. وفي الموطأ: عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنها إحدى عشرة، وقال عبد العزيز: إحدى وعشرون. والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال، ويحتمل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث يطيل القراءة تقل الركعات وبالعكس.

стр. 5010

وقد روى محمد بن نصر من طريق داود بن قيس، قال: أدركت الناس في إمارة إبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز -يعني بالمدينة- يقومون بست وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث. وقال مالك: هو الأمر القديم عندنا. وعن الزعفراني عن الشافعي: رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين وبمكة بثلاث وعشرين، وليس في شيء من ذلك ضيق. وعنه قال: إن أطالوا القيام وأقلوا السجود فحسن، وإن أكثروا السجود وأخفوا القراءة فحسن، والأول أحب إليّ. انتهى. وهل يجوز لغير أهل المدينة صلاتها ستا وثلاثين، قال النووي قال الشافعي: لا يجوز ذلك لغيرهم، لأن لأهلها شرفا بهجرته ﵊ ومدفنه، ويخالفه قول الحليمي: من اقتدى بأهل المدينة فقام بست وثلاثين فحسن أيضا.
следующие страницы →