Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.
стр. 4971
وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] حتى ختم السورة، ثم قام إلى القربة فأطلق شناقها ثم صب في الجفنة، ثم توضأ وضوءا حسنا بين الوضوءين لم يكثر وقد أبلغ، فقام فصلى، فقمت فتوضأت فقمت عن يساره، فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه، فتتامت صلاته ثلاث عشر ركعة، ثم اضطجع فنام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ، فآذنه بلال بالصلاة فصلى ولم يتوضأ. وكان يقول في دعائه:
الحواشي
(١) في النصف الآخر "قعد ينظر إلى السماء" للتدبر، فقرأ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وما فيهما من العجائب ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ بالذهاب والمجيء والزيادة والنقصان "حتى ختم السورة، ثم قام إلى القربة فأطلق شناقها" بكسر الشين المعجمة، فنون فألف فقاف خيط يربط به فمها، "ثم صب في الجفنة" بفتح الجيم، "ثم توضأ وضوءا حسنا بين الوضوءين" من غير تقتير ولا تبذير، وفسره بقوله: "لم يكثر" من الماء "وقد أبلغ" الوضوء أماكنه دون أن يصب من الماء كثيرا، "فقام فصلى فقمت فتوضأت".
وفي رواية: فصنعت مثل ما صنع، "فقمت عن يساره فأخذ بأذني" اليمنى يفتلها كما في رواية: "فأدارني عن يمينه" فسر هذه الإدارة في رواية أخرى بقوله: فأخذ بيدي من وراء ظهره يعدلني، كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن، "فتتامت" بفوقيتين، أي: تكاملت وهي رواية لمسلم أيضا "صلاته ثلاث عشرة ركعة" كذا اتفق أكثر أصحاب كريب عن ابن عباس عليه وخالفهم شيك عنه، فقال: فصلى إحدى عشرة روايتهم مقدمة لما معهم من الزيادة، ولأنهم أحفظ، وحمل بعضهم الزيادة على الركعتين بعد العشاء لا يخفى بعده لا سيما مع رواية للشيخين، فصلى ركعتين ثم ركعتين فعد ست مرات ثم أوتر، ثم اضطجع حتى أتاه المؤذن فصلى ركعتين خفيفتين، هكذا قال الحافظ أول كلامه وهو بغير في قوله آخره المحقق من عدد صلاته تلك الليلة إحدى عشرة، وأما ثلاث عشرة، فيحتمل أن منها سنة العشاء، ويوافقه رواية عند البخاري عن ابن عباس: كانت صلاته ﷺ ثلاث عشرة ولم يبين هل سنة الفجر منها أو لا؟ وبينها في رواية النسائي بلفظ: كان يصلي ثمان ركعات ويوتر بثلاث ويصلي ركعتين قبل صلاة الصبح، ولا يعكر على هذا الجمع إلا ظاهر حديث الباب فيمن حمل قوله: صلى ركعتين ثم ركعتين، أي: ركعتين قبل أن ينام ويكون منها سنة العشاء، وقوله: ثم ركعتين ... إلخ، أي: بعد أن قام. انتهى.
ولا يخفى ما فيه من التعسف البعيد، وأول كلامه يرده كما رأيت وهو خير من هذا، "ثم اضطجع فنام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ" إشارة إلى أن ذلك عادته لا أنه اتفاقي هذه الليلة، "فآذنه" بالمد أعلمه "بلال بالصلاة فصلى ولم يتوضأ" وهذا من خصائصه، لأن عينيه تنامانстр. 4972
"اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي بصري نورا، وفي سمعي نورا، وعن يميني نورا، وعن يساري نورا، وفوقي نورا وتحتي نورا، وأمامي نورا, وخلفي نورا، واجعل لي نورا"، وزاد بعضهم: "وفي لساني نورا". وذكر: عصبي ولحمي ودمي وشعري
الحواشي
(١) ولا ينام قلبه ليعي الوحي إذا أوحي إليه في المنام، "وكان يقول في دعائه" تلك الليلة، ولمسلم: فجعل يقول في صلاته أو في سجوده، وفي رواية له: فأذن المؤذن فخرج إلى الصلاة وهو يقول: ولا خلف، فقال ذلك في الصلاة الليلية وفي حال خروجه إلى صلاة الصبح: "اللهم اجعل في قلبي نورا" عظيما كما يفيده التنكير يكشف لي عن المعلومات "وفي بصري نورا" يكشف لي عن المبصرات ليتحلى بأنواع المعارف وتتجلى له صنوف الحقائق، "وفي سمعي نورا" مظهرا للمسموعات، "وعن يميني نورا وعن يساري نورا".
قال الطيبي: خص القلب والبصر والسمع بفي الظرفية، لأن القلب بيت الفكر في آلاء الله والبصر مسارح آيات الله المصونة، وإلا سماع مراسي أنواع وحي الله ومحط آياته المنزلة، وخص اليمين والشمال بعن إيذانا بتجاوز الأنوار عن قلبه وسمعه وبصره إلى من عن يمينه وشماله من أتباعه "وفوقي نورا وتحتي نورا وأمامي نورا وخلفي نورا واجعل لي نورا" عظيما شاملا للأنوار السابقة وغيرها كأنوار الأسماء الإلهية وأنوار الأرواح العلوية وغير ذلك.
وفي رواية لمسلم: أو قال واجعلني نورا، ثم رواه من وجه آخر وقال فيه: وقال واجعلني نورا ولم يشك وله في رواية أخرى بدل ذلك، وعظم لي نورا بشد الظاء المعجمة، وفي لفظ: أعظم بهمزة قطع سأل النور في أعضائه وجهاته ليزداد في أفعاله وتصرفاته ومتقلباته نورا على نور، فهو دعاء بدوام ذلك فإنه كان حاصلا له لا محالة، أو هو تعليم لأمته.
وقال الشيخ أكمل الدين: أما النور الذي عن يمينه فهو المؤيد له والمعين على ما يطلبه من النور الذي بين يديه والنور الذي عن يساره فنور الوقاية، والنور الذي خلفه هو النور الذي يسعى بين يدي من يقتدي به ويتبعه، فهو لهم من بين أيديهم، وهو له ﷺ من خلفه فيتبعونه على بصيرة، كما أنه المتبع على بصيرة قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] وأما النور الذي فوقه فهو تنزل نور إلهي قدسي، بعلم غريب لم يتقدمه خبر ولا يعطيه نظر وهو الذي يعطي من العلم بالله ما ترده الأدلة العقلية إذا لم يكن لها إيمان، فإن كان لها إيمان نوراني قبلته بتأويل للجمع بين الأمرين.
"وزاد بعضهم" أي: رواة حديث ابن عباس عند مسلم،" "وفي لساني نورا" عقب قوله: "وفي قلبي نورا". "وذكر: عصبي" بفتح المهملتين وموحدة أطناب المفاصل "ولحمي ودمي وشعري وبشري"" ظاهر جسمه الشريف فتحصل أربع عشرة دعوة.стр. 4973
وبشري".
وفي رواية: فصلى ركعتين خفيفتين، ثم قرأ فيهما بأم الكتاب في كل ركعة، ثم سلم، ثم صلى إحدى عشرة ركعة بالوتر ثم نام، فأتاه بلال فقال: الصلاة يا رسول الله! فقام فركع ركعتين ثم صلى بالناس.
وفي رواية: فقام فصلى ثلاث عشرة ركعة، منها ركعتا الفجر، حزرت قيامه في كل ركعة بقدر: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّل﴾ .
وفي رواية: فصلى ركعتين ركعتين حتى صلى ثمان ركعات، ثم أوتر بخمس لم يجلس بينهن.
وفي رواية النسائي: أنه ﷺ صلى إحدى عشرة ركعة بالوتر، ثم نام حتى
الحواشي
(١) وفي رواية لمسلم: ودعا رسول الله ﷺ ليلتئذ تسع عشرة كلمة، قال سلمة: حدثنيها كريب فحفظت منها اثنتي عشرة ونسيت ما بقي، فذكرها وقال في آخره: "واجعل في نفسي نورا، وأعظم لي نورا".
وفي رواية للترمذي في هذا الحديث: "اللهم اجعل لي نورا في قبري" ثم ذكر القلب ثم الجهات الست والسمع والبصر، ثم الشعر والبشر، ثم اللحم والدم، ثم العظام، ثم قال في آخره: "اللهم أعظم لي نورا وأعطني نورا واجعلني نورا".
وعند ابن أبي عاصم في آخره: "وهب لي نورا على نور".
"وفي رواية: فصلى ركعتين خفيفتين ثم قرأ فيهما بأم الكتاب في كل ركعة" ثم للترتيب الذكرى بمعنى الواو، "ثم سلم، ثم صلى إحدى عشرة ركعة بالوتر، ثم نام فأتاه بلال، فقال: الصلاة" حضرت فهو بالرفع أو النصب، أي: أحضر الصلاة "يا رسول الله! فقام فركع ركعتين" سنة الصبح "ثم صلى بالناس" في المسجد الصبح.
"وفي رواية: فقام فصلى ثلاث عشرة ركعة، منها ركعتا الفجر، حزرت قيامه في كل ركعة بقدر: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّل﴾ ، أي: قراءتها.
"وفي رواية" عند النسائي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: "فصلى ركعتين ركعتين" بالتكرير "حتى صلى ثمان ركعات، ثم أوتر بخمس لم يجلس بينهن"، أي: صلاها بتشهد واحد وهذه صريحة في الوصل، والرواية السابقة محتملة فتحمل على هذه، لكن عند ابن خزيمة يسلم من كل ركعتين فيحتمل تخصيصه بالثمان فلا خلف.
"وفي رواية النسائي أنه ﷺ صلى إحدى عشرة ركعة بالوتر"، كأنه لم يعد الركعتينстр. 4974
استثقل فرأيته ينفخ فأتاه بلال، الحديث.
وفي أخرى: فتوضأ واستاك، وهو يقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ٩٠] ثم صلى ركعتين، ثم عاد فنام حتى سمعت نفخه، ثم قام فتوضأ واستاك ثم صلى ركعتين، ثم نام ثم قام فتوضأ واستاك وصلى ركعتين وأوتر.
ولمسلم: فاستيقظ فتسوك وتوضأ وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين أطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات ست ركعات، كل ذلك يستاك ويتوضأ وهو يقرأ هذه الآيات، ثم أوتر بثلاث.
الحواشي
(١) الخفيفتين اللتين افتتح بهما صلاته، "ثم نام حتى استثقل" أي: استغرق في نومه، "فرأيته ينفخ فأتاه بلال الحديث".
"وفي أخرى له" أي: النسائي "فتوضأ واستاك وهو يقرأ هذه الآية" أي: جنسها، فلا ينافي أنه قرأ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ حتى ختم السورة، "ثم صلى ركعتين، ثم عاد فنام حتى سمعت نفخه، ثم قام فتوضأ واستاك، ثم صلى ركعتين، ثم نام، ثم قام فتوضأ واستاك وصلى ركعتين وأوتر" بخمس ركعات، وقد صلى قبلها ست ركعات، فتكون إحدى عشرة، فنقص منها ركعتين.
"ولمسلم" عن ابن عباس أنه رقد عند رسول الله ﷺ "فاستيقظ" الفاء عطفت ما بعدها على محذوف، فقوله إنه رقد عند رسول الله معنى قول ابن عباس لا حكاية لفظه، فالتقدير أنه قال: رقدت في بيت خالتي ميمونة ورقد رسول الله ﷺ عندها، فاستيقظ "فتسوك وتوضأ" تجديدا للوضوء أو أن قلبه المقدس أحس بحدوث حدث "وهو يقول ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض﴾ حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين، أطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ ثم فعل ذلك ثلاث مرات ست ركعات" غير الركعتين الخفيفتين اللتين كان يفتتح الصلاة بهما فتبلغ ثمانية، وقوله: ست مع ما بعده من ثلاث مرات، لأنه إذا حصل في كل ركعة ركوعان صح أن يبدل ست ركعات من ثلاث مرات، أي: يفعل ذلك في ست ركعات، وثم في قوله: ثم فعل ذلك لتراخي الأخبار وتقريرا وتأكيدا لا لمجرد العطف لئلا يلزم منه أنه فعل ذلك أربع مرات، "كل ذلك يستاك ويتوضأ وهو يقرأ هذه الآيات ثم أوتر بثلاث" فالجميع إحدى عشرة وهي بعد الركعتين الخفيفتين، لأن ذكره تطويل الركعتين يدل على أنهم غير الخفيفتين فيتم العدد ثلاث عشرة فتتفق، الأحاديث ولا تختلف، كذا قالهстр. 4975
وأما حديث عائشة، فعن سعد بن هشام قال: انطلقت إلى عائشة فقلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ ، قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: كان خلقه القرآن، قلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ ، فقالت: كنا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات ولا يجلس فيها إلا في الثامنة،
الحواشي
(١) المصنف في شرح مسلم وفيه نظر، لأنها إنما تمت ثمانيا بالركعتين الخفيفتين، فكيف يعدهما ثانيا ويعلله بما ذكر.
وقد قال في فتح الباري: زاد، أي: في هذه الرواية على الرواة تكرار الوضوء وما معه، ونقص عنهم ركعتين أو أربعا، ولم يذكر ركعتي الفجر أيضا، وأظن ذلك من حبيب بن أبي ثابت أحد رواته، فإن فيه مقالا. انتهى.
"وأما حديث عائشة" قسيم قوله أولا، فأما حديث ابن عباس، "فعن سعد بن هشام" بن عامر الأنصاري ابن عم أنس بن مالك "قال: انطلقت إلى عائشة، فقلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ بضم الخاء واللام وبسكون اللام أيضا، "قالت: ألست تقرأ القرآن، قلت: بلى، قالت: كان خلقه القرآن" في العمل بأحكامه والتأدب بآدابه والاعتبار بأمثاله وقصصه وحسن تلاوته، ويحتمل كما قال القرطبي أن تريد الآيات التي أثنت عليه ﷺ ، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وكقوله ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيِّ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وما في معنى ذلك قال بعضهم: وفيه إيماء إلى التخلق بأخلاق الله، فعبرت عن المعنى بقولها: ذلك استحياء من سبحات الجلال وسترا للحال بلطف المقال، وهذا من وفور علمها وأدبها "قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ فقالت: كنا نعد" بضم النون وكسر العين من أعد، أي: نهيئ "له سواكه وطهوره" الماء الذي يتطهر به، "فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه" أي: يوقظه من النوم وما موصولة، والعائد محذوف، أي: ما شاء فيه، تعني المقدار و"من الليل" بيانية.
قال الطيبي: إن قلت تقرر عند علماء المعاني أن مفعول شاء وأراد لا يذكر في الكلام الفصيح إلا أن تكون فيه غرابة، نحو قوله: ولو شئت أن أبكي دما لبكيته، وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى﴾ [الزمر: ٤] فأين الغرابة في قوله ما شاء أن يبعثه، قلت: كفى بلفظ البعث شاهدا على الغرابة، كأنه تعالى نبه حبيبه لقضاء نهمته من مناغاة ومناجاة بينهما ومن مكاشفات وأحوال، قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى، مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١] فأي غرابة أغرب من هذا، "فيتسوك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات ولا يجلسстр. 4976
فيذكر الله يحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله تعالى ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليما يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم من الوتر وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسن ﷺ وأخذه اللحم أوتر بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول، فتلك تسع يا بني. رواه مسلم.
وللنسائي: كنا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه من الليل، فيستاك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، ويحمد الله ويصلي على نبيه ويدعو بينهن ولا يسلم، ثم يصلي ركعتين وهو قاعد. زاد في أخرى: فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني, فلما أسن ﷺ وأخذه
الحواشي
(١) فيها إلا في الثامنة" بالميم، "فيذكر الله يحمده ويدعوه" أي: يتشهد، فالحمد إذن لمطلق الثناء إذ ليس في التحيات لفظ الحمد، والمراد يذكر الله ويحمده ويدعو بعد التشهد "ثم ينهض" من الركعة الثامنة "ولا يسلم" منها، "ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله تعالى ويحمده" يثني عليه بالتشهد، "ويدعوه" بعد التشهد "ثم يسلم تسليما يسمعنا" ليستيقظ نائمنا "ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم من الوتر وهو قاعد" بيانا لجواز الصلاة بعد الوتر وصلاة النفل قاعدا.
قال أحمد: لا أفعلهما ولا أمنع فعلهما وأنكره مالك. "فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني" خطاب من عائشة لسعد، "فلما أسن" بألف، وفي معظم نسخ مسلم: سن بدونها والأول هو المشهور " ﷺ ، وأخذه اللحم" أي: غلب عليه حتى سمن، فضعفت حركته وقدرته على القيام "أوتر بسبع" بسين فموحدة، "وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول فتلك تسع يا بني، رواه مسلم" مطولا وفيه قصة "وللنسائي: كنا نعد له سواكه وطهوره فيبعثه الله لما" أي: للوقت الذي "شاء أن يبعثر من الليل" بيان له، "فيستاك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة ويحمد الله".
وقوله: "ويصلي على نبيه" زيادة على ما في مسلم "ويدعو بينهن" أي: فيهن "ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ويقعد ويحمد الله ويصلي على نبيه" زيادة أيضا على ما في مسلم، فذكر رواية النسائي لهذه الزيادة في الموضعين، "ثم يسلم تسليما يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو قاعد".
"زاد في أخرى: فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسن ﷺ وأخذه اللحم أوترстр. 4977
اللحم أوتر بسبع، ثم صلى ركعتين وهو جالس بعدما سلم، فتلك تسع، يا بني.
وفي رواية له: فصلى ست ركعات يخيل إليّ أنه سوى بينهن في القراءة والركوع والسجود، ثم يوتر بركعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس ثم يضع جنبه.
وعن عائشة: كان ﷺ إذا قام من الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين. رواه مسلم وأحمد.
وعنها: كان ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاته العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، ويسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة، فيسجد السجدة من ذلك بقدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر وتبين لنا الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن للإقامة، رواه أبو داود.
الحواشي
(١) بسبع" بموحدة بعد السين، "ثم صلى ركعتين وهو جالس، بعدما سلم" حملهما بعضهم على أنهما ركعتا الفجر، وفيه: بعد "فتلك تسع"، "بفوقية فسين"، "يا بني".
"وفي رواية له" للنسائي: "فصلى ست ركعات يخيل إليّ أنه سوى بينهن في القراءة والركوع والسجود، ثم يوتر بركعة ثم يصلي ركعتين وهو جالس، ثم يضع جنبه" على الأرض يستريح حتى يأتيه المؤذن.
"وعن عائشة: كان ﷺ إذا قام من الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين" لخفة القراءة فيهما، أو لاقتصاره على الفاتحة لينشط بهم لما بعدهما، "رواه مسلم وأحمد" ولم يروه البخاري.
"وعنها" أيضا: "كان ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، ويسلم من كل ركعتين ويوتر" منها "بواحدة" فيه أن الوتر يكون واحدة وأن الركعة الواحدة صلاة، ومنعه أبو حنيفة وقال: لا تكون صلاة والحديث يرده "فيسجد السجدة من ذلك بقدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، فإذا سكت المؤذن" أي: فرغ "من" أذان "صلاة الفجر" الصبح "وتبين" أي: ظهر "لنا" كذا في النسخ والذي في الصحيح له "الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين" سنة الصبح، وهذا يدل على أن التبين لم يكن بالأذان وإلا لما كان لقولها وتبين له الفجر فائدة بعد قولها سكت المؤذن، "ثم اضطجع" للاستراحة من سهر التهجد "على شقه الأيمن" لأنه كان يحب التيمن "حتى يأتيه المؤذن للإقامة، رواه أبو داود" وهو في مسلم بدون قوله فيسجد السجدة إلى قوله، فإذا سكت وباقيه سواء فلم يعزه لمسلم لهذه الزيادة، نعم هو في البخاري عنا كان يصلي إحدى عشرة ركعة كانت تلك صلاته، يعني:стр. 4978
وعنها قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس ولا يجلس في شيء إلا في آخرها. رواه البخاري ومسلم.
وفي البخاري عن مسروق: سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ فقالت: سبعا وتسعا وإحدى عشرة، سوى ركعتي الفجر.
وعنده أيضا، عن القاسم بن محمد، عنها: كان ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة منها الوتر وركعتا الفجر.
الحواشي
(١) بالليل فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للصلاة، "وعنها" أي: عائشة "قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي" من الليل كما في الحديث فسقط من قلم المصنف، أي: بعضه "ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس ولا يجلس في شيء" من الخمس "إلا في آخرها" وما قبلها كان يسلم من كل ركعتين كما في رواية أبي داود بلفظ: يصلي ثلاث عشرة ركعة بركعتيه قبل الصبح يصلي ستا مثنى مثنى ويوتر بخمس لا يقعد بينهن إلا في آخرهن، "رواه البخاري ومسلم" من طرق عن هشام عن أبيه، عنها قال أبو عبد الله الأبي: طريق هشام هذه أنكرها مالك ورواها في موطئه كالناس، وقال: منذ صار هشام بالعراق أتانا منه ما لم نعرف انتهى.
ولفظ الموطأ وأخرجه البخاري من طريق مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، قالت كان: رسول الله ﷺ يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، قال ابن عبد البر ذكر قوم من رواة هذا الحديث عن هشام أنه كان يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء من الخمس إلا في آخرها، رواه حمد بن سلمة وأبو عوانة ووهيب وغيرهم، وأكثر الحافظ: رووه عن هشام كما رواه مالك والرواية المخالفة له إنما حدث بها عن هشام أهل العراق وما حدث به هشام قبل خروجه إلى العراق أصح عندهم.
"وفي البخاري عن مسروق" بن الأجدع قال: سألت عائشة عن" عدد "صلاة رسول الله ﷺ " بالليل، "فقالت:" يصلي "سبعا" تارة "وتسعا" أخرى "وإحدى عشرة" وقع ذلك منه في أوقات بحسب اتساع الوقت وضيقه، أو لعذر من مرض أو غيره وكبر سن.
وفي النسائي عنها: كان يصلي من الليل تسعا، فلما أسن سبعا "سوى ركعتي الفجر وعنده" أي: البخاري "أيضا عن القاسم بن محمد عنها" أي: عائشة: "كان يصلي من الليل" أي: بعضه "ثلاث عشرة ركعة منها الوتر وركعتا الفجر" وهو في مسلم عن القاسم، عنها بلفظ: كانت صلاة رسول الله ﷺ من الليل عشر ركعات ويوتر بسجدة ويركع ركعتيстр. 4979
قال القرطبي: أشكلت روايات عائشة على كثير من أهل العلم، حتى نسب بعضهم حديثها إلى الاضطراب. وهذا إنما يتم لو كان الراوي عنها واحدا، وأخبرت عن وقت واحد.
والصواب: أن كل شيء ذكرته من ذلك محمول على أوقات متعددة، وأحوال مختلفة بحسب النشاط وبيان الجواز. انتهى.
فأما ما أجابت به مسروقا، فمرادها أن ذلك وقع منه في أوقات مختلفة فتارة يصلي سبعا وتارة يصلي تسعا وتارة إحدى عشرة.
وأما حديث القاسم عنها فمحمول على أن ذلك كان غالب أحواله.
قيل: والحكمة في عدم الزيادة على إحدى عشرة: أن التهجد والوتر مخصوصان بصلاة الليل، وفرائض النهار: الظهر وهي أربع، والعصر وهي أربع، والمغرب وهي ثلاث وتر النهار، فناسب أن تكون صلاة الليل كصلاة النهار في العدد جملة وتفصيلا، وأما مناسبة "ثلاث عشرة" فبضم صلاة الصبح لكونها نهارية إلى ما بعدها. انتهى.
الحواشي
(١) الفجر فتلك ثلاث عشرة ركعة.
"قال القرطبي" أبو العباس في شرح مسلم: "أشكلت روايات عائشة على كثير من أهل العلم" لتباينها ببادي الرأي "حتى نسب بعضهم حديثها إلى الاضطراب" الموجب للضعف، "وهذا إنما يتم لو كان الراوي عنها واحدًا وأخبرت عن وقت واحد، والصواب أن كل شيء ذكرته من ذلك محمول على أوقات متعددة" بحسب اتساع الوقت تارة وضيقه أخرى، والمرض والصحة ونحو ذلك "وأحوال مختلفة بحسب النشاط وبيان الجواز" لفظ القرطبي: وليبين أن ذلك جائز "انتهى".
"فأما ما أجابت به مسروقا" حين سألها، "فمرادها أن ذلك وقع منه في أوقات مختلفة، فتارة يصلي سبعا" بسين فموحدة، "وتارة يصلي تسعا" بفوقية فسين، "وتارة إحدى عشرة، وأما حديث القاسم عنها: فمحمول على أن ذلك كان غالب أحواله" وبهذا تجتمع رواياتها وتدفع دعوى اضطرابها "قيل: والحكمة في عدم الزيادة على إحدى عشرة" ركعة في تهجد الليل "أن التهجد والوتر مخصوصان بصلاة الليل وفرائض النهار الظهر وهي أربع والعصر وهي أربع والمغرب وهي ثلاث وتر النهار، فناسب أن تكون صلاة الليل كصلاة النهار في العدد جملة وتفصيلا، وأما مناسبة ثلاث عشرة، فبضم صلاة الصبح لكونها نهارية إلى ما بعدها.стр. 4980
وعن زيد بن خالد الجهني أنه قال: لأرمقن صلاة رسول الله ﷺ الليلة، قال: فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما،
الحواشي
(١) انتهى".
وهذا قد ذكره الحافظ بلفظ: وظهر لي أن الحكمة ... إلخ، فمرضه المصنف لأنه قال في شرحه للبخاري: يعكر عليه صلاة الصبح، فإنها نهارية لآية: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ، والمغرب ليلية لحديث: "إذا أقبل الليل من ههنا فقد أفطر الصائم". فليتأمل. انتهى.
وقد تأملته فوجدت ذلك لا يعكر عليه، فإنه قد صرح كما رأيت بأن الصبح نهارية وهو الصواب وعن الأعمش ليلية وهو شاذ.
عن الشعبي وقت منفرد لا من الليل ولا من النهار والمغرب وإن كانت ليلية لكنها تضاف للنهار، باعتبار أنها وتره كما أفاده قوله وتر النهار ولابن خزيمة وابن حبان والبيهقي في حديث عائشة وتركت صلاة المغرب لأنا وتر النهار، أي: تركت على أصل الفرض فلم تقصر للسفر، "وعن زيد بن خالد الجهني" بضم ففتح المزني صحابي شهير مات بالكوفة سنة ثمان وستين أو سبعين وله خمس وثمانون سنة "أنه قال: لأرمقن" بضم الميم وشد النون، وأصله النظر إلى الشيء شزرا نظر العداوة، واستعير هنا لمطلق النظر وعدل عن الماضي فلم يقل رمقت نظرا لاستحضار تلك الحالة الماضية ليقررها للسامع أبلغ تقرير، أي: لأنظرن نظرا طويلا "صلاة رسول الله ﷺ الليلة".
قال المصنف: الظاهر أن زيدا لم يكن مضجعه داخل بيت النبي ﷺ ، لأه غير محرم، فيحتمل أنه كان في موضع مقابل للموضع الذي كان ﷺ فيه بالليل، فإما أن يكون ذلك في حجرة الحصير الذي كان في المسجد والنبي ﷺ يصلي فيه، وإما أن يكون في السفر، وعند أبي داود وابن ماجه في هذا الحديث: فتوسدت عتبته أو فسطاطه وهو محمول على أن ذلك كان حين سمعه قام يصلي لا قبل ذلك، لأنه من التجسس المنهي عنه، وأما ترقبه للصلاة فمن الترقب المحمود. انتهى.
فجزم شيخنا بأنه كان في سفر يحتاج لنقل "قال" زيد "فصلى" رسول الله "ركعتين خفيفتين" هما الركعتان اللتان كان يفتتح بهما قيام الليل، "ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين" ثلاثا تأكيدا وإرادة لغاية الطول وانتهائه، ثم أخذ يترك شيئا فشيئا فقال، "ثم صلى ركعتين وهما دون" الركعتين "اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما" فيстр. 4981
ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة. رواه مسلم.
وقوله: "ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما" أربع مرات، هكذا في صحيح مسلم وموطأ مالك وسنن أبي داود، وجامع الأصول لابن الأثير.
فقد كان قيامه ﵊ بالليل أنواعا.
أحدها: ست ركعات، يسلم من كل ركعتين ثم يوتر بثلاث، كما في حديث ابن عباس، عند مسلم.
ثانيها: أنه كان يفتتح صلاته بركعتين خفيفتين، ثم يتم إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين، ويوتر بركعة واحدة. رواه البخاري ومسلم من
الحواشي
(١) الطول، "ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما" في الطول، "ثم أوتر" بواحدة، "فذلك ثلاث عشرة ركعة" ذكر هذا مع أنه مستفاد من العد لئلا يسقط ركعتان منه، "رواه مسلم" والترمذي والنسائي الثلاثة عن قتيبة عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه أن عبد الله بن قيس بن مخرمة أخبره عن زيد بن خالد فذكره، "وقوله: ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما" ذكره "أربع مرات" بعد الركعتين الطويلتين الواقعتين بعد الركعتين الخفيفتين، "هكذا في صحيح مسلم وموطأ مالك" عند جميع رواته إلا يحيى الأندلسي فغلط، فذكرها خمس مرات "وسنن أبي داود" عن القعنبي عن مالك به، و"جامع الأصول" الصحيحين والموطأ وأبي داود والترمذي والنسائي "لابن الأثير" أبي السعادات المبارك صاحب النهاية مراد المصنف، بذلك رد ما وقع ليحيى الأندلسي حيث ذكر وهما دون اللتين قبلهما خمس مرات بناء على ما عنده في أول الحديث: صلى ركعتين طويلتين طويلتين.
قال ابن عبد البر: لم يتابعه أحد من رواة الموطأ والذي فيه عند جميعهم، فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين، فأسقط يحيى ذكر الخفيفتين وقال: طويلتين مرتين وغيره يقول ثلاثا فوهم يحيى في الموضعين، وذلك مما عد عليه من سقطه وغلطه والغلط لا يسلم منه أحد. انتهى.
"فقد كان قيامه ﵊ بالليل أنواعا، أحدها ست ركعات يسم من كل ركعتين، ثم يوتر بثلاث كما في حديث ابن عباس عند مسلم" ومر قريبا "ثانيها: أنه كان يفتتح صلاته بركعتين خفيفتين ثم يتم ورده إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين ويوتر بركعة واحدة، رواه" أي: مجموعه لا جميعه "البخاري ومسلم من حديث عائشة" وإلاстр. 4982
حديث عائشة.
ثالثها: ثلاث عشرة ركعة، كذلك رواه مسلم من حديث زيد بن خالد الجهني.
رابعها: ثماني ركعات، يسلم من كل ركعتين، ثم يوتر بخمس سردا متوالية صفة كاشفة سرد الحديث أتى به على الولاء لا يجلس إلا في آخرهن. رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس.
خامسها: تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الركعة الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعو، ثم ينهض ولا يسلم ثم يصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله يحمده ويدعو ثم يسلم، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم قاعدا. رواه مسلم من حديث عائشة.
سادسها: يصلي سبعا كالتسع، ثم يصلي بعدها ركعتين جالسا. رواه مسلم أيضا من حديثها.
الحواشي
(١) فالافتتاح بركعتين خفيفتين ليس في البخاري، وقد مر قريبا أن المصنف عزاه لمسلم وأحمد، "ثالثها: ثلاث عشرة ركعة، كذلك رواه مسلم من حديث زيد بن خالد الجهني" ومر قريبا "رابعها: ثمان ركعات يسلم من كل ركعتين ثم يوتر بخمس سردا" بفتح فسكون "متوالية صفة كاشفة سرد الحديث، أتى به على الولاء لا يجلس إلا في آخرهن، رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس" وسبق ما فيه "خامسها: تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الركعة الثامنة" بالميم" فيذكر الله ويحمده ويدعوه" أي: يتشهد، فالحمد إذن لمطلق الثناء إذ ليس في التحيات لفظ الحمد، أو المراد أنه يذكر الله ويحمده ويدعوه بعد التشهد، "ثم ينهض" من الركعة الثامنة "ولا يسلم" منه، "ثم" يقوم "يصلي" الركعة "التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده" أي: يتشهد "ويدعو" بعد التشهد "ثم يسلم" أسقط منه تسليما يسمعنا، "ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم قاعدا" لفظ مسلم: وهو قاعد لبيان جواز الصلاة بعد الوتر وصلاة النفل قاعدا، "رواه مسلم من حديث عائشة" في جملة حديث طويل "سادسها: يصلي سبعا كالتسع، ثم يصلي بعدها ركعتين جالسا، رواه مسلم أيضا من حديثها" فيه تسمح، فهو حديث واحد لفظها في مسلم بعد قوله وهو قاعدا، فلما أسن وأخذه اللحم أوتر بسبع وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول، وقد قدمه المصنف قريبا على الصواب، وأجاب بعضهم عن هذا الحديث، بأن المراد بالقعود الجلوس الطويل الذي يشتغل فيه بالذكر والتحميد بعد التشهد لاстр. 4983
سابعها: كان يصلي مثنى مثنى، ثم يوتر بثلاث لا يفصل بينهن. رواه أحمد عنها.
ثامنها: ما رواه النسائي عن حذيفة أنه صلى مع رسول الله ﷺ في رمضان، فركع فقال في ركوعه: "سبحان ربي العظيم" مثل ما كان قائما، ثم جلس يقول: "رب اغفر لي، رب اغفر لي". فما صلى إلا أربع ركعات حتى جاء بلال يدعوه إلى الغداة.
ورواه أبو داود، ولفظه: أنه رأى النبي ﷺ يصلي من الليل فكان يقول: "الله أكبر" ثلاثا، "ذو الملك والملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة" ثم استفتح فقرأ البقرة، ثم ركع فكان ركوعه نحوا من قيامه، وكان يقول في ركوعه: "سبحان
الحواشي
(١) الجلوس للتشهد فقط، فإنه يجلس بعد كل ركعتين كما في الروايات الأخرى، والمراد بالسلام بعد التاسعة التسليم الذي يرفع به صوته لإيقاظهم، لأنه قرب الصبح ووقت الوتر، لا أنه لا يسلم بعد كل ركعتين، فالمنفي في قولها لا يجلس إلا في الثامنة، ولا يسلم إلا في التاسعة الجلوس المقيد بالطول والتسليم المقيد برفع الصوت لا مطلق الجلوس والتسليم، ويؤيده رواية أبي داود في هذا الحديث، فيصلي ثمان ركعات يسوي في القراءة والركوع والسجود ويسلم تسليمة شديدة توقظنا، فبين بهذه الزيادة أن تخصيص الثمان لأجل تسوية القراءة والركوع والسجود فيها، وذكر التسليم بعد التاسعة لبيان أنه جلوس طويل، فالمنفي إنما هو صفة الجلوس لا الجلوس نفسه، وكذا في التسليم.
"سابعها: كان يصي مثنى مثنى" أي: اثنين اثنين وإعادة مثنى مبالغة في التأكيد، "ثم يوتر بثلاث لا يفصل بينهن، رواه أحمد عنها" وصححه الحاكم، وفعل ذلك لبيان الجواز، فلا حجة فيه لتعين الثلاث موصولة، فإن الأخبار الصحيحة تأباه، "ثامنها، ما رواه النسائي عن حذيفة" بن اليمان "أنه صلى مع رسول الله ﷺ " ذات ليلة "في رمضان، فركع" ﷺ "فقال في ركوعه: "سبحان ربي العظيم" مثل ما كان قائما" أي: نحوا من قيامه كما يأتي "ثم جلس يقول": "رب اغفر لي, رب اغفر لي" بالتكرار، "فما صلى إلا أربع ركعات" من ابتداء صلاته "حتى جاء بلال يدعوه إلى الغداة" أي: صلاة الصبح، "ورواه أبو داود" عن حذيفة، "ولفظه، أنه رأى النبي ﷺ يصلي من الليل" أي: بعضه، "فكان يقول: "الله أكبر" ثلاثا "ذو الملك والملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة" ثم استفتح" بعد أم القرآن، "فقرأ البقرة ثم ركع فكان ركوعه نحوا" أي: قريبا "من قيامه" فأطلق المثل في السابقة على النحو إذ الحديث واحد، "وكان يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم" ثم رفع رأسه من الركوع،стр. 4984
ربي العظيم"، ثم رفع رأسه من الركوع فكان قيامه نحوا من ركوعه، يقول: "لربي الحمد" ثم سجد فكان سجوده نحوا من قيامه، وكان يقول في سجوده: "سبحان ربي الأعلى" ثم رفع رأسه من السجود، وكان يقعد فيما بين السجدتين نحوا من سجوده، وكان يقول: "رب اغفر لي، رب اغفر لي". فصلى أربع ركعات، قرأ فيهن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة أو الأنعام، شك شعبة.
ورواه البخاري ومسلم عن حذيفة بلفظ: صليت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المائة، ثم مضى فقلت يصلي بها في ركعة، فمضى فقلت يركع بها ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم
الحواشي
(١) فكان قيامه نحوا من ركوعه يقول" فيه "لربي الحمد" أي: بعدما قال: "سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد" كما في الرواية التالية، "ثم سجد، فكان سجوده نحوا من قيامه، وكان يقول في سجوده: "سبحان ربي الأعلى" ثم رفع رأسه من السجود، وكان يقعد فيما بين السجدتين نحوا من سجوده" فيه إطالة الجلوس بين السجدتين، والمرجح خلافه لأدلة أخرى، "وكان يقول" فيه: "رب اغفر لي رب اغفر لي" أي: يكرر هذا القول إلى أن يسجد الثانية، "فصلى أربع ركعات قرأ فيهن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة أو الأنعام، شك شعبة" بن الحجاج أحد رواته، "ورواه البخاري ومسلم" في قوله البخاري نظر فإنه لم يروه لكونه ليس على شرطه كما في فتح الباري وتبعه المصنف على البخاري وإنما هو من أفراد مسلم "عن حذيفة، بلفظ صليت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت" في نفسي "يركع عند المائة، ثم مضى" في القراءة ولم يركع، "فقلت" في نفسي: "يصلي بها" أي: البقرة "في ركعة فمضى، فقلت: يركع بها".
قال النووي قوله يصلي بها في ركعة معناه ظننت أنه يسلم بها فيقسمها على ركعتين، وأراد بالركعة الصلاة بكمالها وهي ركعتان، قال: ولا بد من هذا التأويل لينتظم الكلام بعده، وعلى هذا فقوله: ثم مضى معناه قرأ معظمها بحيث غلب على ظني أنه لا يركع الركعة الأولى إلا في آخر البقرة، فحينئذ قلت: يركع الركعة الأولى بها وقال الأبي قوله، فقلت: يركع بها انظر هذا مع قوله أولا، فقلت: يصلي بها في ركعة.
وأجيب بأن المراد بالركعة التسليمة، أو أن الثاني تأكيد "ثم افتتح سورة النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرآها" حال كونه"يقرأ مترسلا" أي: بالرفق والترتيل إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل" لفظ مسلم وإذا مر بآية فيها سؤال وإذا مر بتعوذстр. 4985
ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم"، فكان ركوعه نحوا من قيامه، ثم قال: "سمع الله لمن حمده" زاد في رواية: "ربنا لك الحمد" ثم قام قياما طويلا قريبا مما ركع، ثم سجد فقال: "سبحان ربي الأعلى"، فكان سجوده قريبا من قيامه.
وزاد النسائي: لا يمر بآية تخويف أو تعظيم لله إلا ذكر.
وقد كانت هيئة صلاته ﵊ ثلاثة:
الحواشي
(١) تعوذ" قال المصنف في شرح مسلم فيه استحباب تطويل قراءة نافلة الليل وأن طول القيام أفضل من كثرة الركوع والسجود، واستدلال المخالف بحديث أبي ذر مرفوعا من ركع ركعة وسجد سجدة رفعه الله بها درجة وحط عنه خطيئة.
أجيب: بأن لا دلالة فيه على أن كثرتهما أفضل من طول القيام، بل على أن الله تعالى يعطي للمصلي في كل ركوعه وسجوده، ثوابا ويحط عنه ذنوبا لا أنه تعالى لا يعطيه في طول القيام شيئا وفيه أيضا أن ترتيب السور على ما في المصحف العثماني ليس بتوقيف، بل على سبيل الاجتهاد وهذا مذهب مالك والجمهور واختيار القاضي أبي بكر الباقلاني، وأصح القولين عنده مع احتماليهما، وأما من يقول إنه توقيف واستقر الأمر على ذلك في زمنه ﷺ في العرضة الأخيرة فيحمل فعله هذا على أنه قبلها واستقرار الأمر على ما ذكر هنا كانت السورتان في مصحف أبي، واتفق على أن للمصلي أن يقرأ في الركعة الثانية سورة قبل التي صلى بها في الأولى، نعم يكره ذلك في الركعة الواحدة أو لمن يتلو القرآن، وأجازه بعضهم وتأول نهي من نهى من السلف عن قراءة من قرأ منكوسا، أن ذلك فيمن يقرأ من آخر السورة آية بعد آية، كما يفعله من يظهر قوة الحفظ، اتفق على أن تأليف كل سورة وترتيب أيها توقيف من الله تعالى على ما عليه الآن في المصحف وعلى ذلك نقلته الأمة عن نبيها ﷺ . انتهى.
"ثم ركع فجعل يقول" في ركوعه "سبحان ربي العظيم". فكان ركوعه نحوا من قيامه، ثم قال: "سمع الله لمن حمده"، زاد في رواية لمسلم: "ربنا لك الحمد" بغير واو قبل لك، "ثم قياما طويلا قريبا مما ركع".
قال النووي: فيه جواز تطويل الاعتدال عن الركوع وأصحابنا يقولون: لا يجوز ويبطلون به الصلاة، "ثم سجد فقال" في سجوده: "سبحان ربي الأعلى". فكان سجوده قريبا من قيامه.
"وزاد النسائي" في روايته لهذا الحديث: "لا يمر بآية تخويف أو تعظيم لله إلا ذكره" أي: فكر في أمر ما مر به واستحضره ليزداد قربه من الله تعالى، "وقد كانت هيئة" أي: صفة "صلاته ﵊ ثلاثة" من الأنواع، "أحدها أنه كان أكثر صلاته قائما، فعنстр. 4986
أحدها: أنه كان أكثر صلاته قائما: فعن حفصة قالت: ما رأيته ﷺ صلى في سبحته قاعدا، حتى كان قبل وفاته بعام فكان يصلي في سبحته قاعدا، الحديث رواه أحمد ومسلم والنسائي وصححه الترمذي.
الثاني: كان يصلي قاعدا ويركع قاعدا. رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عائشة بلفظ: وإذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو قاعد.
الثالث: كان يقرأ قاعدا، فإذا بقي يسير من قراءته قام فركع قائما. رواه مسلم من حديث عائشة ولفظه: إن رسول الله ﷺ كان يصلي جالسا، ويقرأ وهو جالس فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين آية أو أربعين آية قام وقرأ وهو قائم، ثم ركع ثم سجد، ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك.
الحواشي
(١) حفصة" أم المؤمنين "قالت: ما رأيته" الضمير من المصنف اختصارا لقولها رسول الله " ﷺ صلى في سبحته" بضم السين وسكون الموحدة، سميت النافلة بذلك لاشتمالها على التسبيح من تسمية الكل اسم البعض، وخصت به دون الفريضة.
قال ابن الأثير: لأن التسبيح في الفرائض نفل، وفي النوافل نوافل في مثلها "قاعدا" بل قام حتى تورمت قدماه، "حتى كان قبل وفاته بعام، فكان يصلي في سبحته قاعدا" إبقاءه على نفسه ليستديم الصلاة "الحديث" بقيته: ويقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها، "رواه أحمد ومسلم والنسائي وصححه الترمذي" كلهم من طريق مالك وغيره وهو في الموطأ.
"الثاني: كان يصلي قاعدا ويركع قاعدا، رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عائشة بلفظ" كان رسول الله ﷺ يصل ليلا طويلا قائما، وليلا طويلا قاعدا وكان إذا قرأ قائما، ركع قائما "وإذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو قاعد" فيه التنفل قاعدا مع القدرة على القيام وهو إجماع.
"الثالث: كان يقرأ قاعدا، فإذا بقي يسير من قراءته قام فركع قائما، رواه مسلم" وكذا البخاري، فكأن المصنف سها عنه أو سقط من نساخه "من حديث عائشة، ولفظه" أي: الحديث عندهما عنها، "أن رسول الله ﷺ كان يصلي" النافلة "جالسا" قبل موته بعام، كما في حديث حفصة: "ويقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين آية أو أربعين آية" تحتمل أو الشك من الراوي أيهما، قالت عائشة وإنها قالتهما معا بحسب وقوع ذلك منه ﷺ مرة كذا ومرة كذا أو بحسب طول الآيات وقصرها، "قام وقرأ وهو قائم" فجمع بين ما يطيقه من القيام والجلوس إبقاء على نفسه ليستديم الصلاة "ثم ركع ثم سجد ثم يفعل في الركعةстр. 4987
وعن عائشة: كان ﷺ يصلي متربعا. رواه الدارقطني.
وكان ﵊ يصلي ركعتين بعد الوتر جالسا تارة، وتارة يقرأ فيهما وهو جالس فإذا أراد أن يركع قام فركع. قالت عائشة: كان يوتر بواحدة، ثم يركع ركعتين يقرأ فيهما وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع. رواه ابن ماجه.
وعن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ كان يصلي ركعتين بعد الوتر وهو جالس، يقرأ فيهما: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ و"الكافرون" رواه أحمد.
واختلف في هاتين الركعتين فأنكرهما مالك وكذا النووي في المجموع. وقال أحمد: لا أفعله ولا أمنعه. انتهى.
والصواب: أنه إنما فعلهما بيانا لجواز الصلاة بعد الوتر، وجواز النفل جالسا. ولفظة "كان" لا تفيد دواما ولا أكثرية هنا. وغلط من ظنهما سنة راتبة، فإنه ﷺ
الحواشي
(١) الثانية مثل ذلك" المذكور من القراءة وغيرها.
"وعن عائشة: كان ﷺ يصلي متربعا" سمي بذلك لأنه جعل نفسه أرباعا تلي الأرض، ففيه فضل التربع الواقع بدل القيام، وعليه مالك في المشهور، لأنه أقوى في إراحة الأعضاء فلا يشوش على الخشوع.
"رواه الدراقطني: وكان ﵊ يصلي ركعتين بعد الوتر جالسا" كما في مسلم عن عائشة: كان يصلي ركعتين بعد الوتر وهو جالس، وقيده المصنف بقوله: "تارة" للإشارة إلى أنه لم يداوم على ذلك فليسا بسنة إنما فعلهما لبيان الجواز، "وتارة يقرأ فيهما وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع" واستدل لذلك بقوله: "قالت عائشة: كان يوتر بواحدة" مفصولة عن شفع قبلها، "ثم يركع ركعتين يقرأ فيهما وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع، رواه ابن ماجه" محمد القزويني.
"وعن أبي أمامة" صدي بن عجلان الباهلي "أن رسول الله ﷺ كان يصلي ركعتين بعد الوتر وهو جالس يقرأ فيهما ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ و"الكافرون" رواه أحمد" الإمام اب حنبل، "واختلف في هاتين الركعتين فأنكرهما مالك وكذا النووي في المجموع" شرح المهذب "وقال أحمد: لا أفعله ولا أمنعه. انتهى".
"والصواب أنه إنما فعلهما بيانا لجواز الصلاة بعد الوتر وجواز النفل جالسا ولفظة كان لا تفيد دواما ولا أكثرية هنا" إذ لا قرينة تدل على ذلك على قول من قال تفيدهما بالقرينة نحو كان حاتم يقري الضيف، "وغلط من ظنهما سنة راتبة" للوتر "فإنه ﷺ ما داومهما" أي:стр. 4988
ما داومهما، ولا تشبه السنة بالفرض حتى يكون للوتر صلاة بعده.
وأما قيامه ﵊ ليلة النصف من شعبان، فعن عائشة ﵂ قالت: قام رسول الله ﷺ من الليل فصلى فأطال السجود حتى ظننت أنه قد قبض، فلما رأيت ذلك قمت إليه حتى حركت إبهامه فتحرك فرجعت، فلما رفع رأسه من السجود وفرغ من صلاته، فقال: "يا عائشة" أو "يا حميراء أظننت أن النبي ﷺ قد خاس بك"، قلت: لا والله يا رسول الله، ولكني ظننت أنك قد قبضت لطول سجودك، فقال: "أتدرين أي ليلة هذه"؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "هذه ليلة النصف من شعبان، إن الله يطلع على عباده ليلة النصف من شعبان فيغفر للمستغفرين، ويرحم المسترحمين، ويؤخر أهل الحقد
الحواشي
(١) ما داوم فعلهما حتى يكونا سنة، "ولا تشبه السنة بالفرض حتى يكون للوتر صلاة بعده" راتبة كالظهر والعشاء، إذ السنة يجوز تركها رأسا بخلاف الفرض فلا جامع، وقد صلى النبي ﷺ العيد وهو سنة فلم يصل قبله ولا بعده.
"وأما قيامه ﵊ ليلة النصف من شعبان" أي: ذكره بدليله، "فعن عائشة ﵂ قالت: قام رسول الله ﷺ من الليل" ليلة النصف من شعبان، "صلى فأطال السجود" زيادة على عادته "حتى ظننت أنه قد قبض" أي: مات، "فلما رأيت ذلك" أي: أبصرته وعلمته "قمت إليه" وما زلت أتفقده "حتى حركت إبهامه" أي: إبهام قدمه فتحرك" إبهامه أو شخصه كله ليعلمها أنه حي فتطمئن وقد زادت في رواية: فاطمأننت، وفي أخرى: ففرحت، وفي رواية للبيهقي وضعت يدي على باطن قدميه، فكأنها حركت الإبهام مع الوضع فلا خلف، "فرجعت فلما رفع رأسه من السجود وفرغ من صلاته" إشارة إلى أنه لما حركته فتحرك لم يخفف سجوده ولا رفع رأسه فورا، بل استدام إطالة السجود، "فقال: "يا عائشة". أو "يا حميراء" تصغير حمراء وهي البيضاء المشرب بياضها بالحمرة وهو أحسن الألوان والشك من الراوي: "أظننت أن النبي ﷺ قد خاس" بخاء معجمة وسين مهملة، أي: غدر "بك" وذهب في ليلتك إلى غيرك من أزواجه، مع أن الله منحه العصمة وجعله واسطة بينه وبين خلقه، فوضع الظاهر موضع المضمر إشارة إلى أن الغدر لا ينبغي أن يظن بالأنبياء لكمال عصمتهم عنه وعن غيره من النقائص البشرية والعيوب الإنسانية، "قلت: لا والله يا رسول الله ولكني ظننت أنك قبضت لطول سجودك، فقال: "أتدرين" بهمزة الاستفهام وفي رواية: بحذفها، أي: أتعلمين، "أي" بالنصب والرفع "ليلة هذه" في الفضل وكثرة الثواب للقائم فيها، إذ هي عالمة بأنها ليلة نصف شعبان، "قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "هذه ليلة النصف من شعبان" ولها عند اللهстр. 4989
كما هم". رواه البيهقي من طريق العلاء بن الحارث عنها، وقال: هذا مرسل جيد، يعني أن العلاء لم يسمع من عائشة.
وقد ورد في فضل ليلة النصف من شعبان أحاديث كثيرة، لكن ضعفها الأكثرون، وصحح ابن حبان بعضها وخرجه في صحيحه، ومن أمثلها -كما نبه عليه الحافظ ابن رجب- حديث عائشة ﵂ قالت: فقدت النبي ﷺ فخرجت فإذا هو بالبقيع، رافعا رأسه إلى السماء، فقال: "أكنت تخافين أن
الحواشي
(١) شرف عظيم، كما أفاده قوله: "إن الله يطلع على عباده" اطلاع غفران ورحمة "ليلة النصف من شعبان" لم يقل فيها وإن كان أخصر لئلا يتوهم أن اطلاعه خاص بليلة نصف تلك السنة فقط، فأشار إلى أنه في كل سنة "فيغفر للمستغفرين ويرحم المسترحمين" بكسر الحاء طالبي المغفرة والرحمة، "ويؤخر أهل الحقد" بكسر الحاء الانطواء على العداوة والبغضاء "كما هم"، أي: يتركهم بحقدهم فلا يغفر لهم حتى يتوبوا ويزيلوا عقد إصرار حقدهم، لأنهم مبغضون له بشهادة قوله ﷺ : "إن الله ليبغض الذين يكنزون البغضاء لإخوانهم في صدورهم". رواه الديلمي وفيه تحذير شديد وتنفير عظيم من العداوة والبغضاء وتغيير القلوب، يفيد أنه من أعظم الكبائر وأفظع القبائح لا سيما إن كانوا أقارب.
"رواه البيهقي" في الشعب "من طريق العلاء بن الحارث" بن عبد الوارث الحضرمي الدمشقي صدوق فقيه رمي بالقدر، واختلط مات سنة ست وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة، روى له مسلم والأربعة "عنها" أي: عائشة "وقال" البيهقي هذا "مرسل جيد يعني أن العلاء لم يسمع من عائشة" فأراد بالإرسال الانقطاع قال البيهقي ويحتمل أن يكون العلاء أخذه عن مكحول.
"وقد ورد في فضل ليلة النصف من شعبان أحاديث كثيرة، لكن ضعفها الأكثرون" من المحدثين لضعف رواتها وكون بعضهم مجهولين، "وصحح ابن حبان بعضها وخرجه في صحيحه" تساهلا في بعضها وإطلاقا لاسم الصحيح على الحسن في بعضها بجامع الاحتجاج بهما، "ومن أمثلها" أصل معناه أفضلها، والمعنى هنا أقربها للقبول وإن كان ضعيفا، لأن ضعفه لم يشتد "كما نبه عليه الحافظ" عبد الرحمن "بن رجب" الحنبلي "حديث عائشة ﵂، قالت: فقدت" بفتح القاف، أي: عدمت "النبي ﷺ " ليلة كما في الرواية وفي لفظ ذات ليلة، أي: طلبته في فراشه وفي البيت ليلة نصف شعبان فلم أجده.
وفي رواية للبيهقي والدارقطني عنها: كانت ليلة النصف ليلتي وكان ﷺ عندي، فلما كان في جوف الليل فقدته، فأخذني ما يأخذ النساء من الغيرة، فتلفعت بمرطي، "فخرجت" من البيتстр. 4990
يحيف الله عليك ورسوله". فقلت: يا رسول الله ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال: "إن الله تعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب". رواه أحمد، وقال الترمذي: إن البخاري ضعفه.
الحواشي
(١) أطلبه، زاد في رواية: فتطلبته في حجر نسائه فلم أجده، "فإذا هو بالبقيع" أي: بقيع الغرقد مقبرة المدينة حال كونه "رافعا رأسه إلى السماء" يبتهل إلى الله تعالى ويستغفر لأهل البقيع، فلما رآه علم أنها ظنت أنه ذهب لبعض ضراتها، "فقال: أكنت تخافين أن يحيف" يجوز "الله عليك ورسوله" استفهام إنكاري توبيخي، وفي ذكر الله إيماء إلى أن وقوعه من رسوله محال، إذ كأنه من الله تعالى والظلم عليه محال، إن الله لا يظلم مثقال ذرة، "فقلت: يا رسول الله ظننت أنك أتيت بعض نسائك" أي: أزواجك، وذلك جائز لعدم وجوب القسم عليك وإن كانت تقول بوجوبه، فالوقت زمن نسخ، فجوزت أنه أبيح له بعد المنع، فلا يرد كيف تظن حيفه مع علمها بعصمته، وقد قالت في رواية: ما ذاك بي، أي: خوف الحيف.
وفي أخرى: ما بي من ذلك، ولكني ظننت أنك أتيت بعض نسائك، "فقال" مجيبا لها عن خطأ، ظنها معلمها لها أنه لم يخرج من بيتها طالبا لشيء من شهوات الدنيا، وإنما هو لأمر جليل عظيم أخروي، "إن الله تعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا" أي: القربى منا.
قال ابن العربي: النزول راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته، فهو عبارة عن ملكه النازل بأمره ونهيه، فالنزول حسي صفة الملك المبعوث بذلك، أو معنوي بمعنى لم يفعل ثم فعل، فسمى ذلك نزولا عن مرتبة إلى مرتبة، فهي عربية صحيحة، فحاصله أنه تأوله بوجهين إما أمره أو الملك أو استعارة بمعنى لطفه بالداعين وإجابتهم ونحو ذلك.
وحكى الأول عن مالك وضعفه ابن عبد البر بأن أمره بما شاء من رحمته ونعمته ينزل بالليل والنهار بلا توقيت، ولو صح ذلك عن مالك لكان معناه أن الأغلب في الاستجابة ذلك الوقت، وقيل: غير ذلك ومذهب الأكثر تفويض معناه إلى الله مع اعتقاد صرفه عن ظاهره وهو أسلم، إذ التأويل المعين لا يجب كما قال البيهقي: "فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب" بفتح فسكون فموحدة.
زاد في رواية البيهقي في الدعوات، قيل: وما غنم كلب، قال: قبيله لم يكن في العرب أكثر غنما منهم وكلب عدة قبائل باليمن وقضاعة وبني عامر وغيرهم، ولم يبين في الحديث أيها أراد.
قال بعضهم: لكن الظاهر أنه أراد التي باليمن، لأنها الأشهر يومئذ، ودل قوله: أكثر على قوله في رواية أخرى: بعدد شعر غنم كلب، ليس المراد حصر المغفرة في عدد شعرها، بل هو كناية عن كثرة المغفرة، وأصرح منه حديث فيغفر لجميع خلقه إلا كذا وكذا، "رواه أحمد"стр. 4991
وفي سنن ابن ماجه، بإسناد ضعيف، عن علي مرفوعا: "إذا كان ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارا، فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقول: ألا مستغفر فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى
الحواشي
(١) وابن أبي شيبة والترمذي وابن ماجه والبييهقي، كلهم من طريق الحجاج بن أرطاة عن يحيى بن أبي كثير عن عروة عن عائشة.
"وقال الترمذي: إن البخاري ضعفه" لفظ الترمذي غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث الحجاج، وسمعت محمدًا يضعف هذا الحديث، وقال: يحيى لم يسمع من عروة والحجاج لم يسمع من يحيى. انتهى.
وهو مسلم في الثاني: وأما سماع يحيى من عروة، فنفاه أيضا أبو زرعة وأبو حاتم فيما ظنه، وأثبته ابن معين، والمثبت مقدم على النافي، وقول الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه تقصير، فقد جاء من ثلاثة أوجه غيره، كما بينه الحافظ الزين العراقي، وبالجملة فبعضها يعضد بعضا، فيرتقي إلى الحسن لغيره، ولذا قال ابن رجب، إنه من أمثلها، قال: ومن أمثلها أيضا حديث معاذ، رفعه: يطلع الله ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن، فإن ابن حبان قد صححه وكفى به عمادا. انتهى.
وفيه رد على قول ابن دحية لم يصح في ليلة نصف شعبان شيء إلا أن يريد نفي الصحة الاصطلاحية، فإن حديث معاذ هذا حسن لا صحيح، وقد رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي، ورواه ابن ماجه من حديث أبي موسى بلفظ: إن الله ليطلع ... إلخ، ورواه البزار والبيهقي من حديث أبي بكر، قال الحافظ، المنذر وإسناده لا بأس به، "وفي سنن ابن ماجه بإسناد ضعيف" كما جزم به المنذري والعراقي مبينا وجه ضعفه، لكن ليس فيه كذاب ولا وضاع وله شواهد تدل على ثبوت أصله، "عن علي" أمير المؤمنين "مرفوعا" عن النبي ﷺ : "إذا كان" كذا في النسخ، ووجد بخط الحافظين الزين العراقي والسيوطي: كانت "ليلة النصف من شعبان، فقوموا ليلها" أي: أحيوه بالعبادة وانصبوا أقدامكم لله قانتين، "وصوموا نهارها" استحبابا فيهما، "فإن الله تعالى ينزل" بفتح التحتية "فيها لغروب الشمس" أي: عند غروب شمس رابع عشر شعبان، أي: تواريها في مغيبها، واللام للتوقيت نحو كتبته لخمس خلون، والمعنى، أن وقت نزوله مقارن غروب الشمس "إلى سماء الدنيا" من قبيل مسجد الجامع والقياس السماء الدنيا كما في عدة أحاديث أخر نزول رحمة ومزيد لطف وإجابة دعوة وقبول معذرة لا نزول حركة وانتقال تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، وبقوله: لغروب الشمس علم مزيتها على غيره من الليالي، فإن النزول الإلهي من الثلث الأخير أو من نصف الليل، "فيقول: ألا" بفتح الهمزة وخفة اللام حرفстр. 4992
فأعافيه، ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر". انتهى.
الحواشي
(١) تنبيه يدل على تحقق ما بعده، وتوكيده "مستغفر فأغفر له" ذنوبه فلا أعاقبه عليها، والظاهر أن المراد بالاستغفار المقرون بالتوبة المتوفرة الشروط، ولذا قيل: الاستغفار من غير إقلاع توبة الكذابين، وروى البيهقي مرفوعا: "المستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه"، فإن لم يكن توبة فالمرجو من الله المغفرة إذا سألها العبد بخلوص رغبة وكسر قلب، كما أشار إلى ذلك الغزالي، بقوله: الاستغفار الذي هو توبة الكذابين هو الاستغفار بمجرد اللسان بدون شركة القلب فيه، كما يقال بحكم العادة وعند الغفلة: أستغفر الله من غير تأثر قلبه، فإنه يرجع لمجرد حركة اللسان ولا جدوى له، فإن أضيف إليه تضرع القلب وابتهاله في طلب المغفرة بإخلاص فهو حسنة في نفسها تصلح لدفع السيئة، وعليه يحمل حديث: "ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة". ثم قال: بل الاستغفار باللسان فقط حسنة أيضا، إذ حركة اللسان عن غفلة خير من حركته في تلك الساعة بغيبة أو فضول، سيما في الليالي الفاضلة كليلة النصف، وإنما هو نقص بالإضافة إلى عمل القلب، ولذا لما قال بعضهم لأبي عثمان المغربي: لساني يجري بالذكر والقرآن وقلبي غافل، قال له: أحمد الله الذي استعمل جارحة من جوارحك في ذكره، "ألا مسترزق" طالب رزق "فأرزقه" فإني أنا الكريم المتكفل بأرزاق العباد وفيه توبيخ على غفلة عن السؤال، لا سيما في مواطن الإجابة.
وفي الترمذي وغيره، مرفوعا أنه "من لم يسأل الله يغضب عليه". ولأبي يلى مرفوعا: "سلوا الله في كل شيء حتى الشسع، فإن الله إن لم ييسره لم يتيسر". "ألا مبتلى فأعافيه" من بلائه، خص هذه الثلاثة بالذكر، لأنها مدار كل مطلوب، أما على جلب الملائم وهو ديني أو دنيوي، وأشار بالاستغفار إلى الأول، وبطلب الرزق إلى الثاني، وأما على دفع ما لا يلائم، وإليه أشار بسؤال العافية وزاد قوله: "ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر" قصدا لمزيد التعمم، وإشارة إلى كثرة الجود والعطاء والإفضال والإنعام في تلك الليلة والإذن فيها بالدعاء بكل نافع في الدين أو الدنيا ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، كما في حديث: ومثلهما كل ما لا يجوز الدعاء به.
قال الزين العراقي: مزية ليلة نصف شعبان مع أن الله ينزل كل ليلة فيغفر لمن استغفر، ويعتق من النار من شاء أنه ذكر مع النزول فيها وصفا آخر، وهو أن يعتق من النار بعدد شعر غنم كلب، وليس ذلك في نزول كل ليلة، ولأن النزول كل ليلة موقت بشطر الليل أو ثلثه وفيها من الغروب، فحصلت المزية على تقدير صحة الحديث في باطن الأمر، وإلا فلا يصح شيء من طرقه. "انتهى".стр. 4993
وقد كان التابعون من أهل الشام، كخالد بن معدان، ومكحول يجتهدون ليلة النصف من شعبان في العبادة، وعنهم أخذ الناس تعظيمها، ويقال: إنهم بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم اختلف الناس فيه فمنهم من قبله منهم، وقد أنكر ذلك أكثر العلماء من أهل الحجاز، منهم عطاء، وابن أبي مليكة عبد الله، ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا: إن ذلك كله بدعة.
واختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولين:
أحدهما: إنه يستحب إحياؤها جماعة في المساجد، وكان خالد بن معدان، ولقمان بن عامر يلبسون فيها أحسن ثيابهم ويتبخرون ويكتحلون ويقومون في
الحواشي
(١) "وقد كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان"، "بفتح فسكون" الكلاعي الحمصي، سمع أبا أمامة وثوبان والمقدام وكثير بن مرة وخلقا كثيرا، يقال: لقي سبعين صحابيا وهو ثقة عابد يرسل كثيرا، روى له الجماعة، مات سنة ثلاث ومائة، ويقال سنة أربع وثمان ومائة "ومكحول" الدمشقي، ثقة، فقيه، كثير الإرسال، روي عن أنس وأبي أمامة وواثلة وغيرهم، خرج له مسلم والأربعة مات سنة بضع عشرة ومائة، زاد غير المصنف ولقمان بن عامر، "يجتهدون ليلة النصف من شعبان في العبادة، وعنهم أخذ الناس تعظيمها، ويقال: إنهم بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم اختلف الناس فيه، فمنهم من قبله منهم" ومنهم من أباه.
"وقد أنكر ذلك أكثر العلماء من أهل الحجاز، منهم عطاء" بن أبي رباح مفتي مكة ومحدثها "وابن أبي مليكة عبد الله" بفتح العين ابن عبيد الله، بضمها ابن عبد الله، بفتحها ابن أبي مليكة، يقال: اسمه زهير التيمي المدني، ثقة، فقيه، من رجال الجميع، أدرك ثلاثين من الصحابة، "ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم" من الشافعية، والمراد بعضهم، وإلا فأكثرهم لم يتعرضوا لذلك أصلا، "وقالوا: إن ذل كله بدعة" إذ لم يأت فعله عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه.
"واختلف علماء أهل الشام" القائلون بذلك "في صفة إحيائها على قولين: أحدهما أنه يستحب إحياؤها جماعة في المساجد، وكان خالد بن معدان ولقمان بن عامر" الحمصي التابعي، روى عن أبي أمامة وغيره "يلبسون" من إطلاق الجمع على الاثنين، وإلا فالقياس يلبسان "فيها أحسن ثيابهم ويتبخرون" بالعود ونحوه، "ويكتحلون ويقومون في المسجد ليلتهمстр. 4994
المسجد ليلتهم تلك، ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك، وقال في قيامها في المسجد جماعة: ليس ذلك ببدعة، نقله عنهم حرب الكرماني في مسائله.
والثاني: أنه يكره الاجتماع لها في المساجد للصلاة والقصص والدعاء، ولا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه، وهذا قول الأوزاعي إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم.
ولا يعرف للإمام أحمد كلام في ليلة النصف من شعبان، ويتخرج في استحباب قيامها عنه روايتان عنه في قيام ليلتي العيد، فإنه في رواية لم يستحب قيامها جماعة، لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه فعلها، واستحبها في رواية لفعل عبد الرحمن بن زيد بن الأسود، وهو من التابعين، وكذلك قيام ليلة النصف من شعبان لم يثبت فيها شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، إنما ثبت عن جماعة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام. انتهى ملخصا من اللطائف.
الحواشي
(١) تلك، ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك، وقال في قيامها في المسجد جماعة ليس ذلك ببدعة، نقله عنهم حرب الكرماني في مسائله، والثاني: أنه يكره الاجتماع لها في المساجد للصلاة والقصص والدعاء، ولا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه" للأحاديث المصرحة بطلب قيامها وإن كانت مفرداتها ضعيفة، لأنه لم يشتد ضعفها، واندرجت تحت مطلق الأمر بقيام الليل.
قال ابن رجب: "وهذا" أقرب وهو "قول الأوزاعي" عبد الرحمن بن عمر و"إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم".
قال الحاكم: كان إمام عصره عموما وأهل الشام خصوصا، "ولا يعرف للإمام أحمد كلام في ليلة النصف من شعبان، ويتخرج في استحباب قيامها عنه روايتان من الروايتين عنه في قيام ليلتي العيد، فإنه في رواية لم يستحب قيامهما جماعة، لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه فعلها، واستحبها في رواية لفعل عبد الرحمن بن زيد بن الأسود وهو من التابعين، وكذلك قيام ليلة النصف من شعبان لم يثبت فيها شيء عن النبي ﷺ ولا عن" أحد من "أصحابه، إنما ثبت عن طائفة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام" فيتخرج عن أحمد القولان على قياس قوليه في العيد. "انتهى ملخصا من اللطائف" لابن رجب.стр. 4995
وأما قوله تعالى في سورة الدخان: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] فالمراد بها إنزاله تعالى القرآن في ليلة القدر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] وكان ذلك في شهر رمضان، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
قال الحافظ ابن كثير: ومن قال إنها ليلة النصف من شعبان، كما روي عن عكرمة، فقد أبعد النجعة، فإن نص القرآن أنها في رمضان. وأما الحديث الذي
الحواشي
(١) "وأما قوله تعالى في سورة الدخان: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ، فالمراد بها إنزاله تعالى القرآن في ليلة القدر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ، الشرف والعظم، "وكان ذلك في شهر رمضان كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ " من اللوح المحفوظ إلى الماء الدنيا.
"قال الحافظ ابن كثير: ومن قال: إنها" أي: الليلة المباركة "ليلة النصف من شعبان، كما روي" عند ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم "عن عكرمة" في قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] قال: في ليلة النصف من شعبان يبرم أمر السنة وينسخ الأحياء من الأموات ويكتب الحجاج، فلا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم أحد، "فقد أبعد النجعة" "بضم فسكون"، أي: أغرب في القول حيث تكلم بكلام بعيد، وأصل الانتجاع الذهاب لطلب الكلام في موضعه، "فإن نص القرآن أنها" أي: الليلة المباركة "في رمضان" لقوله: في ليلة القدر مع قوله: الذي أنزل فيه القرآن ولذا قال الجمهور: الفرق إنما يكون في ليلة القدر، وروى الحاكم وصححه عن ابن عباس، قال: حتى إنك ترى الرجل يمشي في الأسواق، وقد وقع اسمه في الموتى، ثم قرأ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ إلى آخرها قال: يعني ليلة القدر ففي تلك الليلة يفرق أمر السنة إلى مثلها من قابل موقوف حكمه الرفع، لأنه لا يقال رأيا، فلا معدل عنه وتبع عكرمة شرذمة قليلة، وبالجملة فهو قول ضعيف جدا، بل قال ابن العربي وغيره: إنه باطل، وفي الكشاف قيل: أي جمعا بين القولين يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة، أي نصف شعبان، ويقع الفراغ في ليلة القدر، فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل ونسخة الحروب والزلازل والصواعق والخسف إلى جبريل، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا، وهو ملك عظيم ونسخة المصائب إلى ملك الموت. انتهى.
وروى البغوي عن ابن عباس، أنه قال: إن الله يقضي الأقضية ليلة النصف من شعبان، ثم يسلمها إلى الملائكة في ليلة القدر، وهذا إن صح يؤيد الجمع المذكور ويعكر على جمع بعضهم أن ابتداء ذلك يكون ليلة نصف شعبان وتمامه في ليلة القدر، ثم دفع ابن كثير عن نفسهстр. 4996
رواه عبد الله بن صالح عن الليث عن عقيل عن الزهري، أخبرني عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس قال: قال رسول الله ﷺ : "تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إن الرجل لينكح ويولد له وقد أخرج اسمه في الموتى". فهو حديث مرسل، ومثله لا يعارض به النصوص. انتهى.
وأما قيامه ﵊ في شهر رمضان، وهو الذي يسمى بالتراويح: جمع ترويحة، وهي المرة الواحدة من الراحة، وسميت بذلك لأنهم أول
الحواشي
(١) ما يرد على تصويب، أن الليلة المباركة ليلة القدر من حديث "تقطع الآجال من شعبان" بأنه حديث ضعيف وإن رواه البيهقي وغيره، فقال: "وأما الحديث الذي رواه عبد الله بن صالح" المصري "عن الليث" بن سعد الإمام "عن عقيل" بالتصغير ابن خالد "عن الزهري" بن شهاب، قال: أخبرني عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس"، "بالفتح وإسكان المعجمة" الثقفي الأخنسي الحجازي، صدوق، له أوهام، روى له الأربعة: "قال: قال رسول الله ﷺ تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان" أي: تميز وتفرد أسماء من يموت تلك اللية إلى مثلها من العام القابل عن أسماء من لم يمت في تلك المدة، لكن يسلم ذلك إلى ملك الموت في ليلة القدر، كما مر عن ابن عباس، ونقله القرطبي عنه بلفظ: أن ابن عباس قال: إن الله تعالى يقضي الأقضية في ليلة النصف من شعبان ويسلمها إلى مدبرات الأمور في ليلة القدر، وهم أربعة من الملائكة: إسرافيل وميكائيل وجبرائيل وعزرائيل "حتى إن الرجل لينكح" المرأة "ويولد له" الولد، "وقد خرج اسمه في" ديوان "الموتى" وحتى إن المرأة لتنكح وتحمل وتلد، وقد خرج اسمها في ديوان الموتى، فاكتفى بأحد النظيرين عن الآخر للقطع بعدم الفارق. وظاه قوله: "تقطع الآجال" أن ذلك لا يختص بالآدميين، ولا يضر قوله: "حتى إن الرجل" ... إلخ، لأنه خص النوع الإنساني لشرفه بالقوة الفاهمة المدركة للخطاب، "فهو حديث مرسل"؛ لأن عثمان بن محمد من صغار التابعين، وقد وصله الديلمي من وجه آخر عن عثمان بن محمد المذكور، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال ابن المديني: عثمان روى عن ابن المسيب مناكير، ولذا قال: "ومثله لا يعارض به النصوص. انتهى" كلام ابن كثير، أي: لإرساله وللاختلاف في عثمان، فوثقه ابن معين وضعفه غيره.
وقال بعض الحفاظ: إرساله أصح من وصله وله شاهد عن ابن مردويه بسند فيه مقال، "وأما قيامه ﵊ في شهر رمضان وهو الذي يسمى بالتراويح جمع ترويحة وهي المرة الواحدة من الراحة" كتسليمة من السلام، "وسميت" الصلاة جماعة في ليالي رمضان "بذلك" أي: تروايح، "لأنهم أول ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين كلстр. 4997
ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين كل تسليمتين.
فعن عائشة ﵂ كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
ولمسلم: قالت: كان ﷺ يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، وفي
الحواشي
(١) تسليمتين" من صلاتين وكل تسليمة من ركعتين.
قال الليث: قدر ما يصلي الرجل كذا وكذا ركعة، "فعن عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر الأواخر" أي: عشر الليالي الأواخر، إما وحدها أو بأيامها، فغلب المؤنث على المذكور، ولذا حذفت الهاء، لكن لفظ الأواخر ليس في حديث عائشة، بل في حديث علي عند ابن أبي شيبة، كما صرح به المصنف كغيره بلفظ: العشر الأخير "من رمضان أحيا الليل" استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها، أو أحيا معظمه لقولها في الصحيح: ما علمته قام ليلة حتى الصباح، "وأيقظ أهله" للصلاة والعبادة، "وجد" اجتهد في العبادة زيادة على العادة، "وشد المئزر"، "بكسر الميم وسكون الهمزة" أي: إزاره، قيل: هو كناية عن شدة جده واجتهاده في العبادة، كما يقال: فلان يشد وسطه ويسعى في كذا، وفيه نظر، فإنها عطفت شد المئزر على الجد، وهو يقتضي التغاير، والصحيح أن المراد به اعتزال النساء، وبهذا فسره السلف والأئمة المتقدمون، وجزم به عبد الرزاق عن الثوري، واستشهد بقول الشاعر:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... عن النساء ولو باتت بأطهار
ويحتمل أن يراد الاعتزال والتشمير معا، فلا ينافي في شد المئزر حقيقة، ولابن أبي عاصم بإسناد مقارب عن عائشة: كان ﷺ إذا كان رمضان قام ونام، فإذا دخل العشر شد المئزر واجتنب النساء وللطبراني عن أنس: كان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان طوى فرشه واعتزل النساء، "رواه البخاري" في الصوم، لكن بلفظ: كان إذا دخل العشر الأواخر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله، قال المصنف: من باب الاستعارة شبه القيام فيه بالحياة في حصول الانتفاع التام، أي: أحيا ليله بالطاعة، أو أحيا نفسه بسهره فيه، لأن النوم أخو الموت وأضافه إلى الليل اتساعا، لأن النائم إذا حيي باليقظة حيي ليله بحياته، "ومسلم" في الصوم واللفظ له، "وأبو داود والنسائي" في الصلاة وابن ماجه في الصوم، "ولمسلم" عن عائشة، "قالت: كان ﷺ يجتهد في رمضان" في أنواع العبادات، فللبيهقي، عنها: كان إذا دخل رمضان تغير لونه وكثرت صلاته وابتهل في الدعاء وانتسف لونه، ولابن سعد عنها، والبيهقي عن ابن عباس: كان إذا دخل رمضان أطلق كل أسير وأعطى كل سائل "ما لا يجتهد في غيره" من الشهور "و" يجتهد "فيстр. 4998
العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في غيره.
وفي رواية الترمذي: كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره.
وعنها: أن رسول الله ﷺ صلى في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة فلم يخرج إليهم ﵊ فلما أصبح قال: "قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم". وذلك في رمضان. رواه البخاري ومسلم وأبو داود.
الحواشي
(١) العشر الأواخر منه" زيادة على اجتهاده فيه من أوله "ما لا يجتهد في غيره" من العشرين قبله، قيل: الأولى في غيرها، لأن العشر اسم لمجموع الليالي والأيام وهي مؤنثة تغليبا للمؤنث هنا على المذكر، لكثرة دوران العدد على ألسنة العرب، ومنه: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ كما في المصباح، وهو مردود بصحة هذا عن عائشة في مسلم، وهي من الفصاحة بمكان، واحتمال أنه من تغيير الرواة، وفيهم: من ليس بعربي يمنع الاحتجاج بالأحاديث الصحيحة فلا يلتفت إليه، لا سيما وقد جاء على الأصل من تغليب المذكر.
"وفي رواية الترمذي" عنها: "كان يجتهد في العشر الأواخر" جمع آخرة "ما لا يجتهد في غيره" أي: يجتهد في العبادة في رمضان ويزيد فيها في العشر الأخير، فهو بمعنى ما قبله إذ المخرج متحد، "وعنها" أي: عائشة: "أن رسول الله صلى الله عليه سلم صلى" صلاة الليل "في المسجد" ذات ليلة من ليالي رمضان.
وفي رواية للبخاري: صلى في حجرته وليس المراد بها بيته، بل الحصير التي كان يحتجز بها بالليل في المسجد فيجعلها على باب بيت عائشة، فيصلي فيه ويجلس عليه كما جاء صريحا عند البخاري في اللباس: كان يحتجز حصيرا بالليل فيصلي عليه، ويبسطه بالنهار فيجلس عليه، ولأحمد عن عائشة: فأمرني أن أنصب له حصيرا على باب حجرتي، ففعلت، فخرج "فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من" الليلة "القابلة" ولبعض الرواة من القابل، بالتذكير، أي: الوقت، ولأحمد من الليلة المقبلة، "فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة، فلم يخرج إليهم ﵊" رفقا بهم، "فلما أصبح" أي: خرج لصلاة الصبح، "قال" بعدما صلاها كما في الرواية التالية: "قد رأيت الذي صنعتم" من الاجتماع للصلاة "ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم" فتعجزوا عنها، "وذلك في رمضان" من قول عائشة.
وفي رواية: "خشيت أن يفرض عليكم قيام هذا الشهر". "رواه البخاري ومسلم وأبو داود".стр. 4999
وفي رواية للبخاري ومسلم، أنه ﷺ خرج من جوف الليل فصلى بصلاته رجال، فأصبح الناس يتحدثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم فخرج ﵊ في الليلة الثانية فصلوا بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته، فلما كان في الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، فلم يخرج إليهم ﷺ ، فطفق رجال منهم يقولون: أفلا يخرج إليهم، حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، ثم تشهد
الحواشي
(١) "وفي رواية البخاري ومسلم" عن عائشة "أنه ﷺ خرج" من حجرته "من جوف الليل فصلى بصلاته رجال" مقتدين بها، "فأصبح الناس يتحدثون بذلك، فاجتمع" في الليلة الثانية "أكثر منهم" برفع أكثر فاعل اجتمع، "فخرج ﵊ في الليلة الثانية، فصلوا بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد في الليلة الثالثة، فخرج" ﷺ ، "فصلوا بصلاته" وفي لفظ: فصلى، فصلوا بصلاته، وفي آخر: فصُلي بصلاته، بضم الصاد مبني للمفعول وإسقاط فصلوا أيضا، "فلما كان في الليلة الرابعة عجز" أي: ضاق "المسجد عن أهله" ولأحمد: امتلأ المسجد حتى اغتص بأهله، وله أيضا: غص المسجد بأهله، "فلم يخرج إليهم ﷺ فطفق رجال منهم يقولون: أفلا يخرج إليهم:" أي: إلى القوم الذين ينتظرونه، وكأنهم أرادوا غير أنفسهم، فلم يقولوا إلينا، أو هو التفات، ولأحمد: حتى سمعت ناسا منهم يقولون: الصلاة، وله أيضا فقالوا: ما شأنه، وفي حديث زيد بن ثابت: ففقدوا صوته وظنوا أنه قد تأخر، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم، وفي لفظ عن زيد: فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، رواهما البخاري.
قال ابن عبد البر تفسر هذه الليالي المذكورات في حديث عائشة بما رواه النعمان بن بشير، فذكر حديثه الآتي قريبا في المتن، ثم قال: وأما عدد ما صلى، ففي حديث ضعيف عن ابن عباس أنه صلى عشرين ركعة والوتر، أخرجه ابن أبي شيبة، وروى جابر أنه ﵊ صلى بهم ثمان ركعات ثم أوتر، وهذا أصح.
وقال الحافظ: لم أر في شيء من طرق حديث عائشة بيان عدد صلاته في تلك الليالي، لكن روى ابن خزيمة وابن حبان عن جابر: صلى بنا رسول الله ﷺ في رمضان ثم أوتر، فلما كانت القابلة اجتمعنا في المسجد ورجونا أن يخرج إلينا حتى أصبحنا، ثم دخلنا فقلنا: يا رسول الله الحديث، فإن كانت القصة واحدة احتمل أن جابرا ممن جاء في الليلة التالية، فلذا اقتصر على وصف ليلتين "حتى خرج لصلاة الفجر" أي: الصبح، "فلما قضى الفجر" أي: أتم صلاته "أقبل على الناس" بوجهه الوجيه "ثم تشهد" في صدر الخطبة، "فقال: "أما بعد، فإنهстр. 5000
فقال: "أما بعد، فإنه لم يخف عليّ شأنكم الليلة، ولكني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها".
وفي رواية بنحوه ومعناه مختصرا. قال: وذلك في رمضان.
قال في فتح الباري: ظاهر هذا الحديث أنه ﷺ توقع ترتب افتراض الصلاة بالليل جماعة على وجود المواظبة عليها، وفي ذلك إشكال وقد بناه بعض المالكية على قاعدتهم في أن الشروع ملزم، وفيه نظر لأن وجوبه.
وأجاب المحب الطبري: بأنه يحتمل أن يكون الله أوحى إليه: إنك إن واظبت على هذه الصلاة معهم افترضتها عليهم، فأحب التخفيف عنهم.
الحواشي
(١) لم يخف عليّ شأنكم"، لفظ مسلم ولفظ البخاري: مكانكم "الليلة، ولكني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها" "بكسر الجيم مضارع عجز بفتحها" أي: تشق عليكم فتتركوها مع القدرة عليها، وليس المراد العجز الكلي، لأنه يسقط التكليف من أصله.
"وفي رواية" للبخاري في الصيام "بنحوه، ومعناه مختصرا" بلفظ: أن رسول الله ﷺ صلى وذلك في رمضان، قال المصنف كغيره، ساقه هنا مختصرا جدا، فذكر كلمة من أوله وشيئا من آخره، وساقه تاما في أبواب التهجد.
"قال: وذلك في رمضان" من قول عائشة ﵂، "قال في فتح الباري: ظاهر هذا الحديث، أنه ﷺ توقع ترتب افتراض الصلاة بالليل جماعة على وجود المواظبة عليها وفي ذلك إشكال" لأن المواظبة على النوافل لا تقتضي ذلك، فقد واظب على رواتب الفرائض وتابعه أصحابه ولم تفرض.
"وقد بناه بعض المالكية على قاعدتهم في أن الشروع ملزم" للإتمام "وفيه نظر، لأن وجوبه" بالشروع لا يخرجه عن كونه نفل لا يلزمه أن يأتي به قبل أن يشرع فيه، والكلام هنا في خوف وجوب الابتداء به إذا وجدت المواظبة عليه.
"وأجاب المحب الطبري" الحافظ أحمد المكي تبعا للباجي، "بأنه يحتمل أن يكون الله أوحى إليه أنك إن واظبت على هذه الصلاة معهم افترضتها عليهم، فأحب التخفيف عنهم" فترك ذلك.
زاد الباجي: ويحتمل أنه ﷺ ظن أن ذلك سيفرض عليهم لما جرت عادته أن ما داوم عليه على وجه الاجتماع من القرب فرض على أمته. انتهى.
وتعقب بأنه واظب على رواتب وتابعه أصحابه ولم تفرض.стр. 5001
وقيل: خشي أن يظن أحد من الأمة من مداومته عليها الوجوب، قال القرطبي: أي يظنونه فرضا، فيجب على من ظن ذلك، كما إذا ظن المجتهد حل شيء أو تحريمه فإنه يجب عليه العمل به.
وقد استشكل الخطابي أصل هذه الخشية، مع ما ثبت في حديث الإسراء، من أن الله تعالى قال: هن خمس وهم خمسون لا يبدل القول لدي، فإذا أمن التبديل كيف يقع الخوف من الزيادة، وهذا يدفع في صدور الأجوبة المتقدمة.
وأجاب عنه الخطابي: بأن صلاة الليل كانت واجبة عليه ﷺ ، وأفعاله الشرعية يجب على الأمة الاقتداء به فيها -يعني عند المواظبة- فترك الخروج إليهم لئلا يدخل ذلك في الواجب من طريق الأمر بالاقتداء به، لا من طريق إنشاء فرض جديد زائد على الخمس، وهذا كما يوجب المرء على نفسه صلاة نذر، فتجب
الحواشي
(١) "وقيل:" وهو احتمال ثالث للباجي أيضا، "خشي أن يظن أحد من الأمة" بعده "من مداومته عليها الوجوب".
"قال القرطبي: أي يظنونه فرضا، فيجب على من ظن ذلك كما إذا ظن المجتهد حل شيء أو تحريمه، فإنه يجب عليه العمل به" وهذا أقرب من الاحتمالين قبله.
"وقد استشكل الخطابي أصل هذه الخشية مع ما ثبت في حديث الإسراء من أن الله تعالى قال: هن خمس" في الفعل "وهن خمسون" في الثواب، "لا يبدل القول لدي، فإذا أمن التبديل كيف يقع الخوف من الزيادة" إذ لو وقعت كانت تبديلا وهو محال، "وهذا يدفع في صدور الأجوبة المتقدمة" أي: يرد به عليها، فتسقط شبه الأجوبة بأناس لها صدور إذا قوبلت بأقوى منها سقطت، لكن المذكور هنا جوابان فقط، والحافظ إنما ذكر هذا بعد ذكرهما، وذكر الاحتمال الذي زدته عن الباجي، وبعد ذكر قول ابن بطال: يحتمل أن هذا القول صدر منه ﷺ لما كان قيام الليل فرضا عليه دون أمته، فخشي إن خرج إليهم والتزموه معه أن يسوي بينهم وبينه في حكمه، لأن أصل الشرع المساواة بين النبي وأمته في العبادة، ويحتمل أنه خشي من مواظبتهم عليها أن يضعفوا عنها فيعصي تاركها بترك اتباعه ﷺ ، فهذه خمسة أجوبة، قال الحافظ: بعد ذكرها وجوابي الخطابي الآتيين وذكر الحديث الإلهي وهذا يدفع في صدور هذه الأجوبة كلها، "وأجاب عنه" أي الإشكال "الخطابي بأن صلاة الليل كانت واجبة عليه ﷺ ، وأفعاله الشرعية يجب على الأمة الاقتداء به فيها يعني: عند المواظبة" لا مطلقا، "فترك الخروج إليهم لئلا يدخل ذلك في الواجب من طريق الأمر بالاقتداء به" في القرآن "لا من طريق إنشاء فرض جديد زائد على الخمس وهذا كما يوجب المرء علىстр. 5002
عليه ولا يلزم من ذلك زيادة فرض في أصل الشرع.
قال: وفيه احتمال آخر، وهو أن الله تعالى قد فرض الصلاة خمسين، ثم حط معظمها بشفاعة نبيه ﷺ ، فإذا عادت الأمة فيما استوهب لها والتزمت ما استعفى لهم نبيهم ﵊ منه، لم يستنكر أن يثبت ذلك فرضا عليهم.
قال الحافظ ابن حجر: وقد تلقى هذين الجوابين عن الخطابي جماعة كابن الجوزي، وهو مبني على أن قيام الليل كان واجبا عليه ﷺ ، وعلى وجوب الاقتداء بأفعاله، وفي كل من الأمرين نزاع.
ثم أجاب عنه بثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل بمعنى جعل التهجد في المسجد جماعة شرطا في صحة النفل بالليل، قال: ويومئ إليه قوله في حديث زيد بن ثابت: "حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم
الحواشي
(١) نفسه صلاة نذر فتجب عليه، ولا يلزم من ذلك زيادة فرض في أصل الشرع" لأنه وجوب عرض بالنذر على الناذر لا مطلقا.
"قال" الخطابي: "وفيه احتمال آخر، وهو: أن الله تعالى قد فرض الصلاة خمسين، ثم حط معظمهما بشفاعة نبيه ﷺ فإذا عادت الأمة فيما استوهب لها، والتزمت ما استعفي لهم نبيهم ﵊ منه لم يستنكر أن يثبت ذلك فرضا عليهم" كما التزم ناس الرهبانية من قبل أنفسهم، ثم عاب الله عليهم التقصير فيها بقوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] ، فخشي ﷺ أن يكون سبيلهم سبيل أولئك، فقطع العمل شفقة عليهم، هذا بقية كلام الخطابي.
"قال الحافظ ابن حجر: وقد تلقى هذين الجوابين عن الخطابي جماعة كابن الجوزي، وهو مبني على أن قيام الليل كان واجبا عليه ﷺ ، وعلى وجوب الاقتداء بأفعاله، وفي كل من الأمرين نزاع،" أي: اختلاف بين العلماء "ثم أجاب" الحافظ "عنه" أي: الإشكال، فقال بعد قوله: وحديث هو خمس يدفع في صدور هذه الأجوبة كلها، وقد فتح الباري "بثلاثة أجوبة" سواها.
"أحدها: أنه يحتمل أنه يكون المخوف" منه "افتراض قام الليل، بمعنى: جعل التهجد في المسجد جماعة شرطا في صحة النفل بالليل، قال: ويومئ"، "بالهمزة لا بالياء" أي: يشير "إليه قوله في حديث زيد بن ثابت": "حتى خشيت أن يكتب" يفرض "عليكم" قيامстр. 5003
به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم" فمنعهم من التجمع في المسجد إشفاقا عليهم من اشتراطه، وأمن مع إذنه لهم في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم.
وثانيها: أن يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية لا على الأعيان، فلا يكون ذلك زائدا على الخمس، بل هو نظير ما ذهب إليه قوم في العيد ونحوه.
وثالثها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام رمضان خاصة، فقد وقع في حديث الباب أن ذلك كان في رمضان، وفي حديث سفيان بن حسين "خشيت أن يفرض عليكم قيام هذا الشهر" فعلى هذا يرتفع الإشكال لأن قيام رمضان لا يتكرر كل يوم في السنة، فلا يكون لك قدرا زائدا على الخمس. وأقوى هذه الأجوبة الثلاثة في نظري الأول.
وعن النعمان بن بشير قال: قمنا مع رسول الله ﷺ في شهر ليلة ثلاث
الحواشي
(١) الليل، "ولو كتب عليكم ما قمتم به" لغلبة النوم والكسل "فصلوا أيها الناس في بيوتكم". "فمنعهم من التجمع في المسجد إشفاقا" أي: خوفا "عليهم من اشتراطه، وأمن مع إذنه لهم في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم"، متعلق بقوله: أمن.
"وثانيها: أن يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية لا على الأعيان، فلا يكون زائدا على الخمس" المفروضة على الأعيان، "بل هو نظير ما ذهب إليه قوم في العيد ونحوه" كصلاة الفرض جماعة أنه فرض كفاية وليس بزائد على الخمس.
"وثالثها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام رمضان خاصة" دون غيره، "فقد وقع في حديث الباب" المذكور عن عائشة "أن ذلك كان في رمضان" بقولها: وذلك في رمضان.
"وفي حديث سفيان بن حسين" أحد رواة الحديث عن الزهري عن عروة، عن عائشة عند أحمد: "خشيت أن يفرض عليكم قيام هذا الشهر" أي: رمضان "فعلى هذا يرتفع الإشكال" من أصله، "لأن قيام رمضان لا يتكرر كل يوم في السنة، فلا يكون ذلك قدرا زائدا على الخمس" الذي جاء منه الإشكال "وأقوى منه الأجوبة الثلاثة في نظري الأول" لاعتضاده بحديث زيد بن ثابت، ويليه الثالث لاعتضاده بأن ذلك كان في رمضان، لا سيما تصريح بعض طرق بقوله: "خشيت أن يفرض عليكم قيام هذا الشهر".
"وعن النعمان بن بشير قال: قمنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان ليلة ثلاثстр. 5004
وعشرين إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح، وكانوا يسمونه السحور. رواه النسائي.
واختلف العلماء: هل الأفضل في صلاة التراويح أن تصلي جماعة في المسجد، أو في البيوت فرادى؟
فقال الشافعي وجمهور أصحابه وأبو حنيفة وبعض المالكية وغيرهم: الأفضل صلاتها جماعة، كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة، واستمر عمل المسلمين عليه، لأنه من الشعائر الظاهرة، فأشبه صلاة العيد.
فإن قلت: قد ذكرت أن الحافظ ابن حجر حمل قوله ﵊: "إني خشيت أن تفرض عليكم" على التجميع في المسجد، وقال: إنه أقوى الأجوبة، فالجواب أنه ﷺ لما مات حصل الأمن من ذلك، ورجح عمر التجميع لما في الاختلاف من اختلاف من افتراق الكلمة، ولأن الاجتماع على واحد أنشط لكثير من المصلين
الحواشي
(١) وعشرين إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين".
قال ابن عبد البر: وهذا الحديث يفسر به الليالي المذكورات في حديث عائشة يعني: لأن الأحاديث يفسر بعضها بعضا، فليست غيرها "حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح وكانوا يسمونه" أي: الفلاح "السحور" وكان فيه قلبا، والأصل يسمون السحور الفلاح، "رواه النسائي" في السنن.
"واختلف العلماء هل الأفضل في صلاة التراويح أن تصلى جماعة في المسجد، أو في البيوت فرادى، فقال الشافعي وجمهور أصحابه وأبو حنيفة وبعض المالكية وغيرهم: الأفضل صلاتها جماعة كما فعله عمر بن الخطاب" إذ جمعهم على أبي بن كعب "والصحابة واستمر عمل المسلمين عليه، لأنه من الشعائر الظاهرة، فأشبه صلاة العيد" التي الأفضل فعلها جماعة.
فإن قلت: قد ذكرت أن الحافظ ابن حجر حمل قوله ﵊: أني خشيت أن تفرض عليكم على التجميع في المسجد، وقال: إنه أقوى الأجوبة" وذلك يصادم التعليل المذكور، "فالجواب أنه ﷺ لما مات حصل الأمن ذلك" أي: خشية فرضها، "ورجح عمر التجميع لما في الاختلاف من اختلاف" وفي نسخ "من افتراق الكلمة،стр. 5005
وقال مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية وغيرهم: الأفضل صلاتها فرادى في البيوت، لقوله ﵊: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، قالوا: وإنما فعلها ﷺ في المسجد لبيان الجواز، أو لأنه كان معتكفا.
وأما عدد الركعات التي كان ﷺ يصليها في رمضان، فعن أبي سلمة أنه سأل عائشة: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ قالت: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر؟ قال: "يا عائشة! إن عيني
الحواشي
(١) ولأن الاجتماع على واحد أنشط لكثير من المصلين، وقال مالك وأبو يوسف" يعقوب، "وبعض الشافعية وغيرهم: الأفضل صلاتها فرادى في البيوت، لقوله ﵊: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" ففي المسجد أفضل، "قالوا: وإنما فعلها ﷺ في المسجد" في الليالي الثلاث "لبيان الجواز، أو لأنه كان معتكفا" ومحل فضلها فرادى في البيوت عند مالك ما لم تعطل المساجد وأن ينشط إلى فعلها وحده، "وأما عدد الركعات التي كان ﷺ يصليها في رمضان" فهي إحدى عشر بالوتر، "فعن أبي سلمة" بن عبد الرحمن بن عوف "أنه سأل عائشة كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في" ليالي "رمضان؟ قالت: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة" أي: غير ركعتي الفجر كما رواه القاس عنها، وفيه، أن صلاته كانت متساوية في جميع السنة، ولا ينافيه حديثها: كان إذا دخل العشر يتهجد فيه ما لا يتهجد في غيره لحمله على تطويل الركعات دون زيادة العدد، "يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن" أي: أنهن في نهاية من كمال الحسن والطول مستغنيان بظهور ذلك عن السؤال عنه، "ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن" يعني: أربعا في الحسن والطول وترتيب القراءة ونحو ذلك، فلا ينافي أنه كان يجلس في كل ركعتين ويسلم، لقوله ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى" ومحال أن يأمر بشيء ويفعل خلافه، "ثم يصلي ثلاثا" يوتر منها بواحدة والركعتان شفع، ففي مسلم عن عروة، عنها: كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة.
وزاد في بعض طرق الحديث: يسلم من كل ركعتين، "قالت عائشة: فقلت" بفاء العطف على السابق "يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر"؟ بهمزة الاستفهام الاستخباري، لأنها لم تعرف النوم قبل الوتر، لأن أباها كان لا ينام حتى يوتر وكان يوتر أول الليل، فكان مقررا عندها أنстр. 5006
تنامان ولا ينام قلبي". رواه البخاري ومسلم.
وأما ما رواه ابن أبي شيبة من حديث ابن عباس: كان ﷺ يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر. فإسناده ضعيف. وقد عارضه حديث عائشة هذا، وهي أعلم بحال النبي ﷺ ليلا من غيرها.
وقد كان الأمر من زمنه ﵇ استمر على أن كل واحد يقوم في رمضان في بيته منفردا، حتى انقضى صدر من خلافة عمر.
وفي البخاري: أن عمر خرج ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال
الحواشي
(١) لا نوم قبل الوتر، فأجابها ﷺ بأنه ليس كغيره، "فقال": "يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي" لأن القلب إذا قويت حياته لا ينام إذا نام البدن، وإنما يكون ذلك للأنبياء، كما قال ﷺ : "إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا" ولا يعارضه نومه بالوادي، لأن رؤية الفجر تتعلق بالعين لا بالقلب كما سبق مبسوطا، "رواه البخاري ومسلم" والسنن الثلاث، كلهم من طريق مالك عن سعيد المقبري عن أبي سلمة به.
"وأما ما رواه ابن أبي شيبة" عبد الله بن محمد بن إبراهيم وهو أبو شيبة "من حديث ابن عباس: كان ﷺ يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر، فإسناده ضعيف" وعبر عنه بعضهم بمنكر والمنكر من أقسام الضعيف، فهما بمعنى فلا عليك من الخيالات العقلية، "وقد عارضه حديث عائشة هذا" المتفق على صحته، "وهي أعلم بحال النبي ﷺ ليلا من غيرها" فيقدم حديثها لهذين الوجهين، "وقد كان الأمر من زمنه ﵇، استمر على أن كل واحد يقوم في رمضان في بيته منفردا حتى انقضى صدر،" أي: مدة نحو سنتين "من خلافة عمر" بن الخطاب كما رواه مالك عن ابن شهاب.
"وفي البخاري" عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عبد الرمن بن عبد "أن عمر خرج ليلة" لفظه، قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة "في رمضان إلى المسجد" النبوي، "فإذ الناس أوزاع"، "بفتح الهمزة وسكون الواو فزاي فألف فعين مهملة" جماعات "متفرقون" نعت لفظي للتأكيد مثل نفخة واحدة، لأن الأوزاع الجماعات المتفرقة لا واحد له من لفظه.
وقال ابن فارس والجوهري والمجد: الأوزاع الجماعات لم يقولوا متفرقون، فعليه يكون النعت للتخصيص، أراد أنهم كانوا يتنقلون في المسجد بعد صلاة العشاء متفرقين، "يصليстр. 5007
عمر: إني لأرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أجمع، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرج ليلة أخرى فإذا الناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله.
الحواشي
(١) الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط" ما بين ثلاثة إلى عشرة، وهذا بيان لما أجمله أولا بقوله: أوزاع "فقال عمر" والله "إني لأرى" من الرأي "لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أجمع" لفظ الموطأ: لكان أمثل، أي: لأنه أنشط لكثير من المصلين ولما في الاختلاف من افتراق الكلمة، "ثم عزم" صمم على ما رآه، "فجمعهم على أبي بن كعب" أي: جعله إماما لهم.
قال الباجي وابن التين وغيرهما: استنبط عمر ذلك من تقريره ﷺ : من صلى معه تلك الليالي وإنما كره لهم ذلك خشية أن تفرض عليهم، فلما مات ﷺ أمن ذلك، وقال ابن عبد البر: إنما سن عمر ﵁ ما رضيه ﷺ ولم يمنعه من المواظبة عليه إلا خشية أن يفرض على أمته وكان بالمؤمنين رءوفا رحيما، فلما أمن ذلك عمر أقامها وأحياها في سنة أربع عشرة من الهجرة، "ثم خرج" لفظ الرواية عن عبد الرحمن ثم خرجت معه "ليلة أخرى، فإذا الناس يصلون بصلاة قارئهم" أي: إمامهم، قال ابن عبد البر: فيه أن عمر كان لا يصلي معهم إما لشغله بأمر النار وإما لانفراده بنفسه في الصلاة "فقال: نعمت البدعة هذه" قال الباجي: نعمت بالتاء على مذهب البصريين، لأن نعم فعل لا يتصل به إلا التاء وفي نسخ: نعمة بالهاء وذلك على أصول الكوفيين، وهذا تصريح منه بأنه أول من جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد، لأن البدعة ما ابتدأ بفعلها المبتدع ولم يتقدمه غيره، فابتدعه عمر تابعه الصحابة والناس إلى هلم جرا. انتهى.
وقال ابن عبد البر: وصفها بنعمت، لأن أصل ما فعله سنة، وإنما البدعة الممنوعة خلاف السنة انتهى. فسماها بدعة، لأنه ﷺ لم يسن لها الاجتماع ولا كانت في زمن الصديق، وهي لغة ما أحدث على غير مثال سبق وتطلق شرعا على مقابل السنة، وهي ما لم يكن في العهد النبوي، ثم تنقسم إلى الأحكام الخمسة، وحديث: "كل بدعة ضلالة" عام مخصوص، وقد رغب فيها عمر بقوله: نعمت البدعة، وهي كلمة تجمع المحاسن كلها، كما أن بئس تجمع المساوئ كلها وإذا أجمع الصحابة على ذلك مع عمر زال عنه اسم البدعة "والتي تنامون" بفوقية، أي: الصلاة وتحتية، أي: الفرقة أو الجماعة التي ينامون "عنها أفضل من" الصلاة "التي تقومون" بفوقية وتحتية كسابقه "يريد آخر الليل" فهذا تصريح منه بأن الصلاة آخر الليل أفضلстр. 5008
وإنما اختار أبيا لأنه كان أقرأهم، كما قال عمر.
وروى سعيد بن منصور من طريق عروة: أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يصلي بالرجال، وكان تميم الداري يصلي بالنساء.
وفي الموطأ: أمر عمر أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس في رمضان.
وروى البيهقي بإسناد صحيح أن الناس كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب في شهر رمضان بعشرين ركعة.
الحواشي
(١) من أوله، وقد أثنى الله على المستغفرين بالأسحار.
وقال المفسرون في قول يعقوب: سوف أستغفر لكم ربي أخرهم إلى السحر، لأنه أقرب للإجابة، "وكان الناس يقومون أوله" ثم جعله عمر آخر الليل كما قاله ابن عبد البر، "وإنما اختار أبيا لأنه كان أقرأهم" وقد قال ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم". "كما قال عمر" علي أقضانا وأبي أقرؤنا وإنا لنترك أشياء من قراءة أبي قاله ابن عبد البر.
"وروى سعيد بن منصور من طريق عروة" بن الزبير "أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يصلي بالرحال وكان تميم" بن أوس ابن خارجة "الداري" الصحابي الشهير، أسلم سنة تسع وأقام بالمدينة إلى أن قتل عثمان، فسكن بيت المقدس حتى مات سنة أربعين "يصلي بالنساء" ورواه محمد بن نصر في كتاب قيام الليل من هذا الوجه، فقال سليمان بن أبي حثمة بدل تميم.
قال الحافظ: ولعل ذلك كان في وقتين "وفي الموطأ" عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنه قال: "أمر عمر" بن الخطاب "أبي بن كعب وتميما الداري" بالألف عند أكثر رواة الموطأ، ومنهم: ابن القاسم والقعنبي، ورواه يحيى الأندلسي ويحيى بن بكير وغيرهما الديري، بالياء، وكلاهما صواب لاجتماع الوصفين له، فبالألف نسبة إلى جده الأعلى الدار بن هانئ، وبالياء نسبة إلى دير كان فيه تميم قبل إسلامه، "أن يقوما للناس في رمضان" بإحدى عشرة ركعة، وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي وما كنا ننصرف إلا في فروغ الفجر، هذا بقيته في الموطأ إلا أنه ليس فيه لفظ في رمضان، فلعل أصل عبارة المصنف، أي: في رمضان بأي التفسيرية.
"وروى البيهقي بإسناد صحيح" عن السائب بن يزيد، "أن الناس كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب في شهر رمضان بعشرين ركعة، قال الحليمي: والسر" أي: الحكمةстр. 5009
قال الحليمي: والسر في كونها عشرين أن الرواتب في غير شهر رمضان عشر ركعات، فضوعفت لأنه وقت جد أو تشمير.
وفي الموطأ: بثلاث وعشرين ركعة. وجمع البيهقي بينهما بأنهم كانوا يوترون بثلاث.
وفي الموطأ: عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنها إحدى عشرة، وقال عبد العزيز: إحدى وعشرون.
والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال، ويحتمل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث يطيل القراءة تقل الركعات وبالعكس.
الحواشي
(١) "في كونها عشرين أن الرواتب في غير شهر رمضان عشر ركعات" يعني: المؤكدة، لأن الرواتب عند الشافعية اثنان وعشرون منها عشرة مؤكدة، "فضوعفت لأنه" أي: رمضان "وقت جد أو تشمير" اعتناء بالعبادة.
"وفي الموطأ" عن يزيد بن رومان أنه قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب في رمضان "بثلاث وعشرين ركعة، وجمع البيهقي بينهما بأنهم كانوا يوترون بثلاث" بعد العشرين فلا خلف، "وفي الموطأ عن محمد بن يوسف" الكندي المدني الثقة الثبت عن السائب بن يزيد"، "بتحتية فزاي" الكندي آخر من مات بالمدينة من الصحابة سنة إحدى وتسعين "أنها إحدى عشرة" أي: أمر عمر أبيا وتميما بإحدى عشرة ومر لفظه قريبا.
قال الباجي: لعل عمر أخذ ذلك من قول عائشة: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، "وقال عبد العزيز" بن محمد الدراوردي عن محمد بن يوسف عن السائب "إحدى وعشرون" وصححه ابن عبد البر، وزعم أن مالك تفرد بقوله: إحدى عشرة، وأنه وهم، وليس كما قال، فقد رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن محمد بن يوسف، فقال: إحدى عشرة، كما قال مالك، مع أن شرط الشذوذ تعذر الجمع، وقد قال ابن عبد البر نفسه: يحتمل أن يكون ذلك أولا، ثم خفف عنهم طول القيام ونقلهم إلى إحدى وعشرين، ونحوه قول البيهقي: قاموا بإحدى عشرة ثم بعشرين وأوتروا بثلاث، وكذا نحو قول المصنف.
"والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال" فأمرهم أولا بإحدى عشرة ثم بإحدى وعشرين، "ويحتمل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث يطيل القراءة تقل الركعات" لأن تطويل القراءة أفضل، فأمرهم به أولا "وبالعكس" حيث تكثرстр. 5010
وقد روى محمد بن نصر من طريق داود بن قيس، قال: أدركت الناس في إمارة إبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز -يعني بالمدينة- يقومون بست وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث. وقال مالك: هو الأمر القديم عندنا.
وعن الزعفراني عن الشافعي: رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين وبمكة بثلاث وعشرين، وليس في شيء من ذلك ضيق.
وعنه قال: إن أطالوا القيام وأقلوا السجود فحسن، وإن أكثروا السجود وأخفوا القراءة فحسن، والأول أحب إليّ. انتهى.
وهل يجوز لغير أهل المدينة صلاتها ستا وثلاثين، قال النووي قال الشافعي: لا يجوز ذلك لغيرهم، لأن لأهلها شرفا بهجرته ﵊ ومدفنه، ويخالفه قول الحليمي: من اقتدى بأهل المدينة فقام بست وثلاثين فحسن أيضا.
الحواشي
(١) الركعات تقل القراءة تخفيفا عليهم، واستدرك بعض الفضيلة بزيادة الركعات قاله الباجي بمعناه.
"وقد روى محمد بن نصر" المروزي "من طريق داود بن قيس" المدني الثقة الفاضل، "قال: أدركت الناس في إمارة أبان بن عثمان" بن عفان "وعمر بن عبد العزيز، يعني: بالمدينة يقومون بست وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث، وقال مالك" الإمام "هو الأمر القديم عندنا" بالمدينة: "وعن الزعفراني عن الشافعي: رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين وبمكة بثلاث وعشرين وليس في شيء من ذلك ضيق" لأنه نافلة، "وعنه قال: إن أطالوا القيام وأقلوا السجود فحسن، وإن أكثروا السجود وأخفوا القراءة فحسن، والأول أحب إلي" لقوله ﷺ : "أفضل الصلاة طول القنوت". "انتهى".
"وهل يجوز لغير أهل المدينة صلاتها ستا وثلاثين، قال النووي: قال الشافعي لا يجوز ذلك لغيرهم لأن لأهلها شرفا بهجرته ﵇" إليها "ومدفنه" بها "ويخالفه: قول" الشفعي فوقه ليس في شيء من ذلك ضيق، لأنه نافلة وقد أسنده عنه البيهقي، وقول "الحليمي: من اقتدى بأهل المدينة فقام بست وثلاثين فحسن أيضا" لأنهم إنما أرادوا بما صنعوا الاقتداء بأهل مكة في الاستكثار من الفضل، لا المنافسة كما ظن بعضهم، هكذا علله الحليمي نفسه.
قال المصنف: وإنما فعل أهل المدينة هذا إرادة مساواة أهل مكة، فإنهم كانوا يطوفون سبعا بين كل ترويحتين، فجعل أهل المدينة مكان كل سبع أربع ركعات وقد حكى الولي العراقي أن والده الحافظ لما ولي إمامة مسجد المدينة أحيا سنتهم القديمة في ذلك مع مراعاة ما عليه الأكثر، فكان يصلي التراويح أول الليل بعشرين ركعة على المعتاد، ثم يقوم آخر الليل في المسجد بست عشرة ركعة فيختم في الجماعة في شهر رمضان ختمتين، واستمر على ذلكследующие страницы →