← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

تنامان ولا ينام قلبي". رواه البخاري ومسلم. وأما ما رواه ابن أبي شيبة من حديث ابن عباس: كان ﷺ يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر. فإسناده ضعيف. وقد عارضه حديث عائشة هذا، وهي أعلم بحال النبي ﷺ ليلا من غيرها. وقد كان الأمر من زمنه ﵇ استمر على أن كل واحد يقوم في رمضان في بيته منفردا، حتى انقضى صدر من خلافة عمر. وفي البخاري: أن عمر خرج ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال

стр. 5007

عمر: إني لأرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أجمع، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرج ليلة أخرى فإذا الناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله.

стр. 5008

وإنما اختار أبيا لأنه كان أقرأهم، كما قال عمر. وروى سعيد بن منصور من طريق عروة: أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يصلي بالرجال، وكان تميم الداري يصلي بالنساء. وفي الموطأ: أمر عمر أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس في رمضان. وروى البيهقي بإسناد صحيح أن الناس كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب في شهر رمضان بعشرين ركعة.

стр. 5009

قال الحليمي: والسر في كونها عشرين أن الرواتب في غير شهر رمضان عشر ركعات، فضوعفت لأنه وقت جد أو تشمير. وفي الموطأ: بثلاث وعشرين ركعة. وجمع البيهقي بينهما بأنهم كانوا يوترون بثلاث. وفي الموطأ: عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنها إحدى عشرة، وقال عبد العزيز: إحدى وعشرون. والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال، ويحتمل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث يطيل القراءة تقل الركعات وبالعكس.

стр. 5010

وقد روى محمد بن نصر من طريق داود بن قيس، قال: أدركت الناس في إمارة إبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز -يعني بالمدينة- يقومون بست وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث. وقال مالك: هو الأمر القديم عندنا. وعن الزعفراني عن الشافعي: رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين وبمكة بثلاث وعشرين، وليس في شيء من ذلك ضيق. وعنه قال: إن أطالوا القيام وأقلوا السجود فحسن، وإن أكثروا السجود وأخفوا القراءة فحسن، والأول أحب إليّ. انتهى. وهل يجوز لغير أهل المدينة صلاتها ستا وثلاثين، قال النووي قال الشافعي: لا يجوز ذلك لغيرهم، لأن لأهلها شرفا بهجرته ﵊ ومدفنه، ويخالفه قول الحليمي: من اقتدى بأهل المدينة فقام بست وثلاثين فحسن أيضا.

стр. 5011

وينبغي أن يسلم من كل ركعتين، فلو صلى أربعا بتسليمة لم تصح وفاقا للقاضي حسين في فتاويه، ولو صلى سنة الظهر أو العصر أربعا بتسليمة واحدة جاز، والفرق: أن التراويح بمشروعية الجماعة أشبهت الفرائض، قاله النووي في فتاويه، وصرح به في "الروضة". وقد كان ﷺ يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره. وقد صلى معه حذيفة ليلة في رمضان، قال: فقرأ بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران، لا يمر بآية تخويف إلا وقف وسأل، قال: فما صلى الركعتين حتى جاءه بلال فآذنه بالصلاة. أخرجه أحمد وأخرجه النسائي. وعنده أيضا: أنه ما صلى إلا أربع ركعات. وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة.

стр. 5012

الفهرس: الصفحة الموضوع ٣ النوع الثالث: في طبه ﵊ بالأدوية المركبة من الإلهية والطبيعية ٧ ذكر طبه من لدغة العقرب ٩ ذكر الطب من النملة ١١ ذكر طبه ﵊ من البثرة ١١ ذكر طبه ﵊ من حرق النار ١٢ ذكر طبه ﷺ بالحمية ١٥ ذكر حمية المريض من الماء ١٦ ذكر طبه بالحمية من الماء المشمس خوف البرص ١٩ ذكر الحمية من طعام البخلاء ٢٠ ذكر الحمية من داء الكسل ٢٠ ذكر الحمية من داء البواسير ٢١ ذكر حماية الشراب من سم أحد جناحي الذباب بإغماس الثاني ٢٥ ذكر حمية الولد من إرضاع الحمقى ٢٨ الفصل الثاني: في تعبيره ﷺ الرؤيا ١١١ الفصل الثالث: في إنبائه ﷺ بالأنباء المغيبات ١٨٢ المقصد التاسع: في لطيفة من لطائف عباداته ﷺ ١٩٦ النوع الأول: في الطهارة ١٩٦ الفصل الأول: في ذكر وضوئه ﷺ وسواكه ومقدار ما كان يتوضأ به ٢١٨ الفصل الثاني: في وضوئه ﷺ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا ٢٢٢ الفصل الثالث: في صفة وضوئه ﷺ ٢٤٦ الفصل الرابع: في مسحه ﷺ على الخفين ٢٥٣ الفصل الخامس: في تيممه ﷺ ٢٦٠ الفصل السادس: في غسله ﷺ ٢٧٨ النوع الثاني: في ذكر صلاته ﷺ ٢٨٠ القسم الأول: في الفرائض وما يتعلق بها

стр. 5013

الصفحة الموضوع ٢٨٠ الباب الأول: في الصلوات الخمس ٢٨٠ الفصل الأول: في فرضها ٥٨٣ الفصل الثاني: في ذكر تعيين الأوقات التي صلى فيها ﷺ الصلوات الخمس ٢٩٧ الفصل الثالث: في ذكر كيفية صلاته ﷺ ٢٩٧ الفرع الأول: في صفحة افتتاحه ﷺ ٣١٣ الفرع الثاني: في ذكر قراءته ﵊ للبسملة في أول الفاتحة ٣٢٩ الفرع الثالث: في قراءته الفاتحة وقوله آمين بعدها ٣٣٠ الفرع الرابع: في ذكر قراءته بعد الفاتحة في صلاة الغداة ٣٣٧ الفرع الخامس: في ذكر قراءته في صلاتي الظهر والعصر ٣٤١ الفرع السادس: في ذكر قراءته في صلاة المغرب ٣٤٩ الفرع السابع: في ذكر ما كان يقرؤه في صلاة العشاء ٣٥١ الفرع الثامن: في صفة ركوعه ﷺ ٣٥٢ الفرع التاسع: في مقدار ركوعه ﷺ ٣٥٤ الفرع العاشر: فيما يقول في الركوع والرفع منه ٣٦٢ الفرع الحادي عشر: في ذكر صفة سجوده ﷺ وما يقول فيه ٣٧٠ الفرع الثاني عشر: في ذكر جلوسه للتشهد ٣٧٤ الفرع الثالث عشر: في ذكر تشهده ﷺ ٣٩٥ الفرع الرابع عشر: في ذكر تسليمه من الصلاة ٤١١ الفرع الخامس عشر: في ذكر قنوته ﷺ ٤٢٧ الفصل الرابع: في ذكر سجوده ﷺ للسهو في الصلاة ٤٦٠ الفصل الخامس: فيما كان ﷺ يقوله بعد انصرافه من الصلاة ٤٧٧ الباب الثاني: في ذكر صلاته ﷺ الجمعة ٥٢٨ الباب الثالث: في ذكر تهجده صلوات الله وسلامه عليه ٥٣٦ ذكر سياق صلاته ﷺ بالليل

стр. 5014

المجلد الحادي عشر تابع المقصد التاسع: في لطيفة من لطائف عباداته ﷺ تابع النوع الثاني: في ذكر صلاته ﷺ ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الباب الرابع: في صلاته ﷺ الوتر قد صح عنه ﷺ أنه أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرهن. لكن أحاديث الفصل أثبت وأكثر طرقًا. واحتج بعض الحنفية لما ذهبوا إليه -من تعيين الوصل، والاقتصار على ثلاث- بأن الصحابة أجمعوا على أن الوتر بثلاث موصولة حسن جائز، واختلفوا فيما زاد أو نقص، قال: فأخذنا بما أجمعوا عليه وتركنا ما اختلفوا فيه. وتعقبه محمد بن نصر المروزي، بما رواه من طريق عراك بن مالك عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا "لا توتروا بثلاث تشبهوا بصلاة المغرب" وقد صححه

стр. 5015

الحاكم، وعن سليمان بن يسار أنه كره الثلاث في الوتر وقال: لا يشبه التطوع بالفريضة. انتهى. لكن قد روى الحاكم من حديث عائشة أنه ﷺ كان يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن، وروى النسائي من حديث أبي بن كعب نحوه، ولفظه: يوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ولا يسلم إلا في آخرهن وبين في عدة طرق أن السور الثلاث بثلاث ركعات. والجمع بين هذا وبين ما تقدم من النهي عن التشبيه بصلاة المغرب، أن

стр. 5016

يحمل النهي على صلاة الثلاث بتشهدين، وقد فعله السلف أيضًا. فروى محمد بن نصر من طريق الحسن أن عمر كان ينهص في الثالثة من الوتر بالتكبير، ومن طريق المسور بن مخرمة: أن عمر أوتر بثلاث لم يسلم إلا في آخرهن، ومن طريق ابن طاووس عن أبيه أنه كان يوتر بثلاث لا يقعد بينهن. وكان ابن عمر يسلم من الركعة والركعتين في الوتر. حتى يأمر ببعض حاجته، وهذا ظاهر أنه كان يصلي الوتر موصولًا، فإن عرضت له حاجة فصل ثم بني على ما مضى. وفي هذا رد على من قال: لا يصح الوتر إلا مفصولًا. وأصرح من ذلك ما روى الطحاوي من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، أنه كان يفصل بين شفعه ووتره بتسليمة، وأخبر أن النبي ﷺ كان يفعله،

стр. 5017

وإسناده قوي. وقد استدل بعضه على فضل الفصل بأنه ﷺ أمر به وفعله، وأما الوصل فورد من فعله فقط. وقد حمل المخالف من الحنفية كل ما ورد من الثلاث على الوصل، مع أن كثيرًا من الأحاديث ظاهر في الفصل، كحديث عائشة "يسلم من كل ركعتين" فإنه يدخل فيه الركعتان اللتان قبل الأخيرة، فهو كالنص في موضع النزاع.

стр. 5018

وحمل الطحاوي هذا ومثله على أن الركعة مضمومة إلى الركعتين قبلها، ولم يتمسك في دعوى ذلك إلا بالنهي عن البتيراء، مع احتمال أن يكون المراد بالبتيراء أن توتر بواحدة فردة ليس قبلها شيء، وهو أعم من أن يكون مع الوصل والفصل. وقد اختلف السلف في أمرين: أحدهما: في مشروعية ركعتين بعد الوتر عن جلوس. والثاني: فيمن أوتر ثم أراد أن يتنفل في الليل، هل يكتفي بوتره الأول ويتنفل ما شاء، أو يشفع وتره بركعة ثم يتنفل؟ ثم إذا فعل هل يحتاج إلى وتر آخر أم لا؟ فأما الأول: فوقع عند مسلم من طريق أبي سلمة عن عائشة أنه ﷺ كان يصلي ركعتين بعد الوتر وهو جالس. وقد ذهب إليه بعض أهل العلم، وجعلوا الأمر

стр. 5019

في قوله ﷺ : "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا" مختصا بمن أوتر آخر الليل. وأجاب من لم يقل بذلك بأن بالركعتين المذكورتين هما ركعتا الفجر، وحمله النووي على أنه ﷺ فعله لبيان جواز التنفل بعد الوتر، وجواز التنفل جالسا. وأما الثاني: فذهب الأكثر إلى أنه يصلي شفعا ما أراد ولا ينقض وتره، عملا بقوله ﵊: "لا وتران في ليلة" وهو حديث حسن أخرجه النسائي وابن خزيمة من حديث طلق بن علي، وإنما يصح نقض الوتر عند من يقول بمشروعية التنفل بركعة واحدة غير الوتر.

стр. 5020

واختلف السلف أيضا في مشروعية قضاء الوتر، فنفاه الأكثر، وفي مسلم وغيره عن عائشة أنه ﷺ كان إذا نام من الليل من وجع أو غيره فلم يقم من الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة. وقال محمد بن نصر: لم نجد عن النبي ﷺ في شيء من الأخبار أنه قضى الوتر، ولا أمر بقضائه. وعن عطاء والأوزاعي: يقضي ولو طلعت الشمس إلى الغروب، وهو وجه عند الشافعية حكاه النووي في شرح مسلم، وعن سعيد بن جبير: يقضي من القابلة، وعن الشافعية: يقضي مطلقا. وقالت عائشة: أوتر رسول الله ﷺ : من كل الليل، من أوله وأوسطه وآخره وانتهى وتره إلى السحر. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.

стр. 5021

والمراد بأوله: بعد صلاة العشاء. ويحتمل أن يكون اختلاف وقت الوتر باختلاف الأحوال، فحيث أوتر أوله لعله كان وجعا، وحيث أوتر في وسطه لعله كان مسافرًا، وأما وتره في آخره فكان غالب أحواله لما عرف من مواظبته ﵊ على الصلاة آخر الليل والسحر قبيل الصبح. وحكى الماوردي أنه السدس الأخير، وقيل: أوله الفجر الأول. وفي رواية طلحة بن نافع عن ابن عباس، عند ابن خزيمة: فلما انفجر الفجر قام ﷺ فأوتر بركعة. قال ابن خزيمة: والمراد به: الفجر الأول. وروى أحمد من حديث معاذ مرفوعا: "زادني ربي صلاة وهي الوتر، وقتها من العشاء إلى طلوع الفجر". وفي إسناده ضعف، وكذا في حديث خارجة بن

стр. 5022

حذافة في السنن، وهو الذي احتج به من قال بوجوب الوتر، وليس صريحا في الوجوب. وأما حديث بريدة: "الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا"، وأعاد ذلك ثلاثا. ففي سنده أبو المنيب، وفيه ضعف، وعلى تقدير قبوله فيحتاج من احتج به إلى أن يثبت أن لفظة "حق" بمعنى واجب في عرف الشارع، وأن لفظ "واجب" بمعنى ما ثبت من طريق الأحاد. وقد كان ﵊ يصلي وعائشة راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر أيقظها فتوتر، كما في البخاري. وهذا يدل على استحباب جعل الوتر آخر الليل، سواء المتهجد وغيره، ومحله إذا وثق أن يستيقظ بنفسه أو بإيقاظ غيره.

стр. 5023

واستدل به على وجوب الوتر، لكونه ﵊ سلك به مسلك الواجب، حيث لم يدعها نائمة للوتر، وأبقاها للتهجد. وتعقب: بأنه لا يلزم من ذلك الوجوب، نعم يدل على تأكيد الوتر، وأنه فوق غيره من النوافل الليلية. وفيه: استحباب إيقاظ النائم لإدراك الصلاة، ولا يختص ذلك بالمفروضة ولا بخشية خروج الوقت، بل يشرع إيقاظه لإدراك الجماعة، وإدراك أول الوقت وغير ذلك من المندوبات. قال القرطبي: ولا يبعد أن يقال: إنه واجب في الواجب، مندوب في المندوب؛ لأن النائم وإن لم يكن مكلفا لكن مانعه سريع الزوال فهو كالغافل، وتنبيه الغافل واجب، والله أعلم.

стр. 5024

وعن علي: كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث يقرأ فيهن بتسع سور من المفصل، يقرأ في كل ركعة بثلاث سور آخرهن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ . رواه الترمذي. وعن ابن عباس: كان يقرأ في الوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في كل ركعة. وعن عائشة: كان يقرأ في الأولى بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و"المعوذتين". رواه أبو داود والترمذي ولأبي داود: وكان إذا سلم قال: سبحان الملك القدوس. وعند النسائي، ثلاثًا يطيل في آخرهن وفي رواية: ويرفع صوته بالثالثة وعن

стр. 5025

علي: كان ﵊ يقول في آخر وتره: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك". رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. قال ابن تيمية: سنة الفجر تجري مجرى بداية العمل، والوتر خاتمته، وقد كان ﵊ يقرأ في سنة الفجر والوتر بسورتي الإخلاص، وهما الجامعتان لتوحيد العلم والعمل، وتوحيد المعرفة والإرادة، وتوحيد الاعتقاد، فسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ متضمنة لتوحيد الاعتقاد والمعرفة، وما يجب إثباته للرب تعالى من الأحدية والصمدية المثبتة له جميع صفات الكمال الذي لا يلحقه نقص، ونفي

стр. 5026

الولد والوالد والكفؤ، المتضمن لنفي الشبيه والمثيل والنظير، فتضمنت إثبات كل كمال ونفي كل نقص عنه، ونفي كل شبيه، وهذه هي مجامع التوحيد العملي والاعتقادي، فلذلك كانت تعدل ثلث القرآن، فإن القرآن مداره على الخبر والإنشاء، والإنشاء ثلاثة: أمر ونهي وإباحة، والخبر نوعان: خبر عن الخالق تعالى وأسمائه وصفاته وأحكامه، وخبر عن خلقه، فأخلصت سورة الإخلاص للخبر عنه وعن أسمائه وصفاته، فعدلت ثلث القرآن، وخلصت قارئها المؤمن بها ن الشرك العلمي، كما خلصت سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ من الشرك العملي. قاله ابن القيم. وأما القنوت في الركعة الأخيرة من الوتر، في النصف الأخير من شهر رمضان، فقال النووي في "الأذكار" باستحبابه، ولم يذكر لذلك دليلا. وقد أخرج أبو داود بإسنادين رجالهما ثقات، لكن أحدهما منقطع، وفي الآخر راو لم يسم:

стр. 5027

أن عمر لما جمع الناس على أبي بن كعب كان لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان. وعن الحسن بن علي قال: علمني جدي كلمات أقولهن في الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت". وهذا لفظ رواية شريك رواه الطبراني وغيره.

стр. 5028

الباب الخامس: في ذكر صلاته ﷺ الضحى اختلفت الرواة، هل صلاها النبي ﷺ أم لا؟ فمنهم المثبت ومنهم النافي. فمن العلماء من رجح رواية المثبت على النافي، جريا على القاعدة المعروفة؛ لأنها تتضمن زيادة علم خفيت على النافين، قالوا: وقد يجوز أن يذهب علم مثل هذا على كثير من الناس. ويوجد عند الأقل، ومنهم من رجح رواية النافي بقرينه، ولم يعتد برواية المثبت إما لضعفها أو صرفها كما سيأتي عن صلاة الضحى. قال الحاكم: وفي الباب عن أبي سعيد، وأبي ذر، وزيد بن أرقم، وأبي هريرة، وبريدة الأسلمي، وأبي الدرداء، وعبد الله بن أبي أوفى، وعتبان بن مالك، وعتبة بن عبد السلمي، ونعيم بن همار الغطفاني، وأبي أمامة الباهلي، وعائشة بنت أبي بكر، وأم هانئ، وأم سلمة. كلهم شهدوا أن النبي ﷺ كان يصلي الضحى. انتهى.

стр. 5029

فأما حديث أبي سعيد فأخرجه الحاكم والترمذي عن عطية بن سعد العوفي عنه قال: كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى حتى نقول: لا يدعها، ويدعها حتى نقول: لا يصليها. وقال الترمذي: حسن غريب، لكن قال النووي: عطية ضعيف، فلعله اعتضد. وأما حديث أبي ذر الغفاري، فرواه البزار في مسنده. وأما حديث زيد بن أرقم، فرواه مسلم بلفظ: "إن رسول الله ﷺ كان يصلي من الضحى" الحديث. وأما حديث أبي هريرة فرواه البزار في مسنده بلفظ: "إن رسول الله ﷺ كان لا يترك صلاة الضحى في سفر ولا في غيره. وإسناده ضعيف، فيه يوسف بن خالد السمتي ضعيف جدا. وأما حديث بريدة الأسلمي فرواه ... ". وأما حديث أبي الدرداء فرواه الطبراني.

стр. 5030

وأما حديث ابن أبي أوفى، فرواه ابن عدي والحاكم بلفظ: قال: رأيت رسول الله ﷺ صلى الضحى ركعتين يوم بشر برأس أبي جهل. قال بعض العلماء النافين لرواية المثبتين: هذا الحديث إن كان صحيحا فهو صلاة شكر وقعت وقت الضحى، كشكره يوم فتح مكة. وأما حديث عتبان بن مالك، فرواه أحمد من رواية محمود بن الربيع عنه، أن النبي ﷺ صلى في بيته سبحة الضحى. وأما حديث عتبة بن عبد فرواه ... وأما حديث نعيم بن همار فرواه ... وأما حديث أبي أمامة فرواه. وأما حديث عائشة فرواه مسلم وأحمد وابن ماجه، قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى أربعا، ويزيد ما شاء الله.

стр. 5031

وعن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة ﵂ هل كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى قالت: لا إلا أن يجيء من مغيبه. وأما حديث أم هانئ، فرواه البخاري ومسلم، قالت: إن النبي ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل وصلى ثماني ركعات، فلم أر صلاة قط أخف منها،

стр. 5032

غير أنه يتم الركوع والسجود. قالت في رواية أخرى: وذلك ضحى. ولمسلم: أن رسول الله ﷺ صلى في بيتها عام الفتح في ثوب واحد، قد خالف بين طرفيه. وللنسائي: أنها ذهبت إلى النبي ﷺ عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة بنته تستره بثوب. فسلمت عليه فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أم هانئ، فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد. ولأبي داود: أن رسول الله ﷺ يوم فتح مكة صلى سبحة الضحى ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين.

стр. 5033

وقد استدل بحديث البخاري ومسلم على استحباب تخفيف صلاة الضحى، وفيه نظر، لاحتمال أن يكون السبب فيه التفرغ لمهمات الفتح لكثرة شغله به، وقد ثبت من فعله ﷺ أنه صلى الضحى فطول فيها، أخرجه ابن أبي شيبة من حديث حذيفة. وأما حديث أم سلمة فرواه الحاكم من طريق إسحاق بن بشر المحاربي، قالت: كان ﷺ يصلي الضحى ثنتي عشرة ركعة. قلت: وروي عن ابن جبير بن مطعم عن أبيه: أنه رأى النبي ﷺ يصلي الضحى ست ركعات. رواه الحاكم أيضا. وعن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله ﷺ صلى في السفر سبحة الضحى ثماني ركعات. رواه أحمد، وصححه ابن خزيمة والحاكم.

стр. 5034

وعن علي: أن رسول الله ﷺ كان يصلي من الضحى، وراه النسائي في سننه الكبرى وأحمد وأبو يعلى، وإسناده جيد. وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان لا يصلي من الضحى إلا يومين، يوم يقدم مكة ويوم يقدم المدينة. وعن أبي بكرة عند ابن عدي في الكامل من رواية عمرو بن عبيد عن الحسن عن أبي بكرة قال: كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى، فجاء الحسن وهو غلام فلما سجد ركب الحسن على ظهره. الحديث، وعمرو بن عبيد متروك. وعن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ صلى الضحى ست ركعات رواه الحاكم. قال الشيخ ولي الدين العراقي: وقد ورد فيها أحاديث كثيرة صحيحة مشهورة، حتى قال محمد بن جرير الطبري: أنها بلغت حد التواتر. قال ابن العربي:

стр. 5035

وهي كانت صلاة الأنبياء قبل محمد صلوات الله وسلامه عليه، قال الله تعالى مخبرا عن داود: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ فأبقى الله تعالى من ذلك في دين محمد "العصر" ونسخ صلاة الإشراق. واحتج القائلون بالنفي بحديث عائشة: أن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم -وما سبح رسول الله ﷺ سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها، رواه البخاري ومسلم ومالك

стр. 5036

وأبو داود. وبحديث مورق العجلي قال: قلت لابن عمر، أتصلي الضحى؟ قال: لا، قلت: فعمر؟ قال: لا، قلت: فأبو بكر قال: لا، قلت: فالنبي ﷺ ؟ قال: لا أخاله. رواه البخاري. وقوله: "لا أخاله" أي لا أظنه، وهو بكسر الهمزة وتفتح أيضا، والخاء معجمة. وقول الشعبي: سمعت ابن عمر يقول: ما ابتدع المسلمون أفضل من صلاة الضحى. وروى عن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا ابن عمر

стр. 5037

جالس عند حجرة عائشة، وإذا الناس في المسجد يصلون صلاة الضحى، فسألناه عن صلاتهم فقال: بدعة. وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن الحكم بن الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى فقال: بدعة ونعمت البدعة. وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن سالم عن أبيه قال: لقد قتل عثمان وما أحد يسبحها، وما أحدث الناس شيئًا أحب إلي منها. قلت: وقد جمع العلماء بين هذه الأحاديث، بأنه ﷺ كان لا يداوم على صلاة الضحى مخافة أن تفرض على أمته فيعجزوا عنها، وكان يفعلها كما صرحت به عائشة كا تقدم، وكما ذكرته أم هانئ وغيرها. وقول عائشة: "ما رأيته صلاها" لا يخالف قولها: "كان يصليها"؛ لأنه ﷺ كان لا يكون عندها في وقت الضحى إلا في النادر من الأوقات؛ لأنه قد يكون مسافرا، وقد يكون حاضرا، وفي الحضر قد يكون في المسجد، وقد يكون في

стр. 5038

بيت من بيوت زوجاته، أو غيرها وما رأته صلاها في تلك الأوقات النادرة، فقالت: ما رأيته وعلمت بغير رؤية أنه كان يصليها بإخباره ﷺ أو بإخبار غيره، فروت ذلك. وقول ابن عمر: "لا أخاله" توقف، وكأن سبب توقفه أنه بلغه عن غيره أنه صلاها ولم يثق بذلك عمن ذكره. وأما قوله: "إنها بدعة" فمؤول على أنه لم يبلغه الأحاديث المذكورة، أو أنه أراد أنه ﷺ لم يداوم عليها، أو أن إظهارها في المساجد ونحوها بدعة، وإنما سنته النافلة في البيوت والله أعلم. وبالجملة: فليس في أحاديث ابن عمر هذه ما يدفع مشروعية صلاة الضحى؛ لأن نفيه محمول رؤيته، لا على عدم الوقوع في نفس الأمر، أو الذي نفاه صفة مخصوصة كما قدمناه. وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه رأى قوما يصلونها فأنكر عليهم وقال: إن كان ولا بد ففي بيوتكم.

стр. 5039

وذهب آخرون إلى استحباب فعلها غبا، فتصلى في بعض الأيام دون بعض، وكان ابن عباس يصليها يوما ويدعها عشرة أيام. وذهب آخرون: إلى أنها إنما تفعل لسبب من الأسباب، وأنه ﵊ إنما صلاها يوم الفتح من أجل الفتح، وكان الأمراء يسمونها صلاة الفتح. متمسكين بما قاله القاضي عياض وغيره: أن حديث أم هانئ ليس بظاهر في أنه ﵊ قصد سنة الضحى، وإنما فيه أنها أخبرت عن وقت صلاته، قال: وقد قيل: إنها كانت قضاء عما شغل عنه تلك الليلة من حزبه فيها. وتعقبه النووي: بأن الصواب صحة الاستدلال به، لما رواه أبو داود من طريق كريب عن أم هانئ أنه ﷺ صلى سبحة الضحى. ولمسلم: في كتاب الطهارة من طريق أبي مرة عن أم هانئ في قصة اغتساله ﷺ يوم الفتح، ثم صلى

стр. 5040

ثمان ركعات سبحة الضحى. وروى ابن عبد البر في "التمهيد" من طريق عكرمة بن خالد عن أم هانئ قالت: قدم رسول الله ﷺ مكة فصلى ثماني ركعات، فقلت: ما هذه الصلاة؟ قال: هذه صلاة الضحى. واستدل به على أن أكثر الضحى ثمان ركعات. واستبعده السبكي. ووجه بأن الأصل في العبادة التوقف، وهذا أكثر ما ورد من فعله ﵇. وقد ورد من فعله دون ذلك كحديث ابن أبي أوفى: أنه ﵊ صلى الضحى ركعتين، أخرجه ابن عدي. وأما ما ورد من قوله ﵊ مما فيه زيادة على ذلك كحديث أنس مرفوعا: "من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصرا في الجنة".

стр. 5041

أخرجه الترمذي واستغربه وليس في إسناده من أطلق عليه الضعف. ومن ثم قال الروياني: ومن تبعه أكثرها ثنتا عشرة ركعة. فقال النووي في شرح المهذب: فيه حديث ضعيف، كأنه يشير إلى حديث أنس، لكن إذا ضم إليه حديث أبي الدرداء رفعه، وفيه "ومن صلى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتا في الجنة" رواه الطبراني. وحديث أبي ذر عن البزار، وفي إسناده ضعف أيضا، قوى وصلح للاحتجاج به. ونقل الترمذي عن أحمد: أن أصح شيء ورد في الباب حديث أم هانئ، وهو كما قال، ولهذا قال النووي في الروضة: أفضلها ثمان، وأكثرها ثنتا عشرة، ففرق بين الأكثر والأفضل.

стр. 5042

وأجاب القائلون بأنها لا تفعل إلا بسبب عن قول أبي هريرة المروي في البخاري أوصاني خليلي ﷺ بثلاث، لا أدعهن حتى أموت، "صوم ثلاثة أيام من كل شهر وصلاة الضحى" الحديث، بأنه قد روي أن أبا هريرة كان يختار درس

стр. 5043

الحديث بالليل على الصلاة، فأمره بالضحى بدلا عن قيام الليل، ولهذا أمره أن لا ينام إلا على وتر، ولم يأمر بذلك أبا بكر ولا عمر ولا سائر الصحابة. انتهى. قال الحافظ ابن حجر: وهذه الوصية لأبي هريرة قد ورد مثلها لأبي الدرداء فيما رواه مسلم، ولأبي ذر فيما رواه النسائي، قال: والحكمة في الوصية على المحافظة على ذلك تمرين النفس على جنس الصلاة والصيام ليدخل في الواجب منهما بانشراح، ولينجبر ما لعله يقع من نقص. ومن فوائد صلاة الضحى أنها تجزي عن الصدقة التي تصبح على مفاصل الإنسان ثلثمائة وستون مفصلا، كما أخرجه مسلم من حديث أبي ذر، قال فيه: ويجزي من ذلك ركعتا الضحى.

стр. 5044

وقد ذكر أصحابنا الشافعية أنها أفضل التطوع بعد الرواتب، لكن النووي في شرح المهذب قدم عليها صلاة التراويح فجعلها في الفضل بين الرواتب والضحى. وحكى الحافظ أبو الفضل عبد الرحيم العراقي في شرح الترمذي: أنه اشتهر بين العوام أن من صلى الضحى ثم قطعها يعمى، فصار كثيرا من الناس يتركها أصلا لذلك، وليس لما قالوه أصل، بل الظاهر أنه مما ألقاه الشيطان على ألسنة العوام ليحرمهم الخير الكثير، لا سيما مع ما وقع في حديث أبي ذر واقتصر في الوصية للثلاثة المذكورين على الثلاثة المذكورة في الحديث؛ لأن الصلاة والصيام أشرف العبادات البدنية، ولم يكن المذكورون من أصحاب الأموال فكان يجزيهم ذلك من الصدقة عن السلامى، كما في الحديث والله أعلم.

стр. 5045

وروى الحاكم من طريق أبي الخير عن عقبة بن عامر قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نصلي الضحى بسور منها: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ﴾ ومناسبة ذلك ظاهرة جدا والله أعلم. تنبيه: قال شيخ الإسلام ابن حجر: قول عائشة في الصحيح: "ما رأيت رسول الله ﷺ يسبح سبحة الضحى" يدل على ضعف ما روي عنه ﷺ أن صلاة الضحى كانت واجبة عليه. وقد عدها جماعة من العلماء من خصائصه ﷺ . ولم يثبت ذلك في خبر صحيح. وقول الماوردي في "الحاوي": إنه ﷺ واظب عليها بعد يوم الفتح إلى أن مات. يعكر عليه ما رواه مسلم في حديث أم هانئ: "أنه لم يصلها قبل ولا بعد" ولا يقال: إن نفي أم هانئ لذلك يلزم منه العدم؛ لأنا نقول: يحتاج من أثبته إلى
следующие страницы →