← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

أخرجه الترمذي واستغربه وليس في إسناده من أطلق عليه الضعف. ومن ثم قال الروياني: ومن تبعه أكثرها ثنتا عشرة ركعة. فقال النووي في شرح المهذب: فيه حديث ضعيف، كأنه يشير إلى حديث أنس، لكن إذا ضم إليه حديث أبي الدرداء رفعه، وفيه "ومن صلى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتا في الجنة" رواه الطبراني. وحديث أبي ذر عن البزار، وفي إسناده ضعف أيضا، قوى وصلح للاحتجاج به. ونقل الترمذي عن أحمد: أن أصح شيء ورد في الباب حديث أم هانئ، وهو كما قال، ولهذا قال النووي في الروضة: أفضلها ثمان، وأكثرها ثنتا عشرة، ففرق بين الأكثر والأفضل.

стр. 5042

وأجاب القائلون بأنها لا تفعل إلا بسبب عن قول أبي هريرة المروي في البخاري أوصاني خليلي ﷺ بثلاث، لا أدعهن حتى أموت، "صوم ثلاثة أيام من كل شهر وصلاة الضحى" الحديث، بأنه قد روي أن أبا هريرة كان يختار درس

стр. 5043

الحديث بالليل على الصلاة، فأمره بالضحى بدلا عن قيام الليل، ولهذا أمره أن لا ينام إلا على وتر، ولم يأمر بذلك أبا بكر ولا عمر ولا سائر الصحابة. انتهى. قال الحافظ ابن حجر: وهذه الوصية لأبي هريرة قد ورد مثلها لأبي الدرداء فيما رواه مسلم، ولأبي ذر فيما رواه النسائي، قال: والحكمة في الوصية على المحافظة على ذلك تمرين النفس على جنس الصلاة والصيام ليدخل في الواجب منهما بانشراح، ولينجبر ما لعله يقع من نقص. ومن فوائد صلاة الضحى أنها تجزي عن الصدقة التي تصبح على مفاصل الإنسان ثلثمائة وستون مفصلا، كما أخرجه مسلم من حديث أبي ذر، قال فيه: ويجزي من ذلك ركعتا الضحى.

стр. 5044

وقد ذكر أصحابنا الشافعية أنها أفضل التطوع بعد الرواتب، لكن النووي في شرح المهذب قدم عليها صلاة التراويح فجعلها في الفضل بين الرواتب والضحى. وحكى الحافظ أبو الفضل عبد الرحيم العراقي في شرح الترمذي: أنه اشتهر بين العوام أن من صلى الضحى ثم قطعها يعمى، فصار كثيرا من الناس يتركها أصلا لذلك، وليس لما قالوه أصل، بل الظاهر أنه مما ألقاه الشيطان على ألسنة العوام ليحرمهم الخير الكثير، لا سيما مع ما وقع في حديث أبي ذر واقتصر في الوصية للثلاثة المذكورين على الثلاثة المذكورة في الحديث؛ لأن الصلاة والصيام أشرف العبادات البدنية، ولم يكن المذكورون من أصحاب الأموال فكان يجزيهم ذلك من الصدقة عن السلامى، كما في الحديث والله أعلم.

стр. 5045

وروى الحاكم من طريق أبي الخير عن عقبة بن عامر قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نصلي الضحى بسور منها: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ﴾ ومناسبة ذلك ظاهرة جدا والله أعلم. تنبيه: قال شيخ الإسلام ابن حجر: قول عائشة في الصحيح: "ما رأيت رسول الله ﷺ يسبح سبحة الضحى" يدل على ضعف ما روي عنه ﷺ أن صلاة الضحى كانت واجبة عليه. وقد عدها جماعة من العلماء من خصائصه ﷺ . ولم يثبت ذلك في خبر صحيح. وقول الماوردي في "الحاوي": إنه ﷺ واظب عليها بعد يوم الفتح إلى أن مات. يعكر عليه ما رواه مسلم في حديث أم هانئ: "أنه لم يصلها قبل ولا بعد" ولا يقال: إن نفي أم هانئ لذلك يلزم منه العدم؛ لأنا نقول: يحتاج من أثبته إلى

стр. 5046

دليل، ولو وجد لم يكن حجة؛ لأن عائشة ذكرت أنه كان إذا عمل عملا أثبته، فلا تستلزم المواظبة على هذا الوجوب عليه. انتهى. وقال ابن العربي في "عارضة الأحوذي": أنا أبو الحسن الأزدي أنا طاهر، أنا علي، قال: أخبرنا أبو العباس عبد الله بن عبد الرحمن العسكري، قال: أنبأنا الحسين الختني، أخبرنا أبو غسان أنبأنا قيس عن جابر عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : "كتب علي النحر ولم يكتب عليكم وأمرت بصلاة الضحى ولم تؤمروا بها". رواه الدارقطني.

стр. 5047

القسم الثاني: في صلاته ﷺ النوافل وأحكامها وفيه بابان: الباب الأول: في النوافل المقرونة بالأوقات وفيه فصلان: الفصل الأول: في رواتب الصلوات الخمس والجمعة: وفيه فروع سبعة: الفرع الأول: في أحاديث جامعة لرواتب مشتركة عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان يصلي قبل الظهر، ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد صلاة العشاء ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي في بيته ركعتين. قال: وأخبرتني حفصة أن رسول الله ﷺ كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح، وبدا له

стр. 5048

الصبح صلى ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة. رواه البخاري. فهذه عشر ركعات؛ لأن الركعتين بعد الجمعة لا يجتمعان مع الركعتين بعد الظهر، إلا لعارض، بأن يصلي الجمعة وسنتها التي بعدها، ثم يتبين له فسادها فيصلي الظهر ويصلي بعدها سنتها كما نبه عليه الشيخ ولي الدين العراقي. واختلف في دلالة لفظ "كان" على التكرار، وصحح ابن الحاجب أنها تقتضيه، قال: وهذا استفدناه من قولهم: كان حاتم يقري الضيف، وصحح الإمام فخر الدين في "المحصول" أنها لا تقتضيه، لا لغة ولا عرفا، وقال النووي في شرح مسلم،

стр. 5049

إنه المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين، وذكر ابن دقيق العيد أنها تقضيه عرفا. فعلى هذا: ففي الحديث دلالة على تكرار فعل هذه النوافل من النبي ﷺ وأنه كان هذا دأبه وعادته. وعن عائشة ﵂: كان ﷺ يصلي في بيته قبل الظهر أربعا، ثم يخرج فيصلي بالناس الظهر، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب ثم يدخل فيصلي ركعتين، ثم يصلي بالناس العشاء ويدخل بيتي فيصلي ركعتين، الحديث، وفي آخره: وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين. رواه مسلم. فهذه ثنتا عشرة ركعة. وعنها: أنه ﷺ لا يدع أربعا قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة. وفي رواية: ولم يكن يتركهما سرا ولا علانية، في سفر ولا حضر ركعتان قبل الصبح وركعتان بعد العصر. رواه البخاري ومسلم.

стр. 5050

الفرع الثاني: في ركعتي الفجر قالت عائشة: لم يكن ﷺ على شيء من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي. ولمسلم: "لهما أحب إلي من الدنيا جميعها". وكان يصليهما إذا سكت المؤذن بعد أن يستنير الفجر ويخففهما. رواه الشيخان وهذا لفظ النسائي. واختلف في حكمة تخفيفهما فقيل: ليبادر إلى صلاة الصبح في أول

стр. 5051

الوقت، وبه جزم القرطبي، وقيل: ليستفتح صلاة النهار بركعتين خفيفتين، كما كان يصنع في صلاة الليل كما تقدم، ليدخل في الفرض أو ما شابهه في الفضل بنشاط واستعداد تام. وقد ذهب بعضهم إلى إطالة القراءة فيهما، وهو قول أكثر الحنفية، ونقل عن الشعبي، وأورد البيهقي فيه حديثا مرفوعا من مرسل سعيد بن جبير، وفي سنده راو لم يسم، وخص بعضهم ذلك بمن فاته شيء من قراءته في صلاة الليل، فيستدركها في ركعتي الفجر، وأخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الحسن البصري. وكان كثيرًا ما يقرأ في الركعة الأولى منهما ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] الآية التي في البقرة، وفي الآخرة منهما ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] . رواه مسلم وأبو داود والنسائي من رواية ابن عباس.

стр. 5052

وفي رواية أبي داود، من حديث أبي هريرة ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ في الركعة الأولى، وبهذه الآية ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣] أو ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] قال أبو داود: شك الراوي. وقال أبو هريرة: قرأ في ركعتي الفجر ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ رواه مسلم وأبو داود والترمذي. وقد روى ابن ماجه بإسناد قوي، عن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت:

стр. 5053

كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتين قبل الفجر، يقول: نعم السورتان يقرأ بهما في ركعتي الفجر ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ . ولابن أبي شيبة من طريق ابن سيرين عن عائشة: كان يقرأ فيهما بهما. وللترمذي والنسائي من حديث ابن عمر: رمقت النبي ﷺ شهرا فكان يقرأ بهما. وقد استدل بعضهم بهذا على الجهر بالقراءة في ركعتي الفجر، ولا حجة فيه، لاحتمال أن يكون ذلك عرف بقراءته بعض السورة، ويدل على ذلك أن في رواية ابن سيرين المذكورة: "يسر فيها القراءة" وصححه ابن عبد البر. واستدل بعضهم أيضا بهذه الأحاديث المذكورة، على أنه لا تتعين الفاتحة؛ لأنه لم يذكرها مع سورتي الإخلاص. وأجيب: بأنه ترك ذكر الفاتحة لوضوح الأمر

стр. 5054

فيها. انتهى. وكان ﵊ إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن. رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة. لأنه ﵊ كان يحب التيمن، وقد قيل: الحكمة فيه أن القلب من جهة اليسار فلو اضطجع عليه لاستغرق نوما؛ لأنه أبلغ في الراحة، بخلاف اليمن فيكون القلب معلقا فلا يستغرق، وهذا إنما يصح بالنسبة إلى غيره ﵊ كما لا يخفى. وأما ما روي أن ابن عمر رأى رجلا يصلي ركعتي الفجر ثم اضطجع فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: أردت أن أفصل بين صلاتي فقال له: وأي فصل أفضل من السلام، قال: فإنها سنة، قال: بل بدعة. رواه ابن الأثير في جامعه عن رزين. وكذا ما روي من إنكار ابن مسعود، ومن قول إبراهيم النخعي: إنها ضجعة الشيطان، كما أخرجهما ابن أبي شيبة، فهو محمول على أنه لم يبلغهم الأمر

стр. 5055

بفعله. وأرجح الأقوال مشروعية الفصل، لكن لم يداوم ﷺ عليه، ولذا احتج الأئمة على عدم الوجوب، وحملوا الأمر الوارد بذلك عند أبي داود وغيره على الاستحباب. وفائدة ذلك: النشاط والراحة لصلاة الصبح، وعلى هذا فلا يستحب ذلك إلا للمتهجد. وبه جزم ابن العربي. ويشهد لهذا ما أخرجه عبد الرزاق أن عائشة كانت تقول: إن النبي ﷺ لم يضطجع لسنة، ولكنه كان يدأب ليلته فيستريح. وفي إسناده راو لم يسم. وقيل: فائدتها الفصل بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح، وعلى هذا فلا اختصاص. ومن ثم قال الشافعي: إن السنة تتأدى بكل ما يحصل به الفصل من مشي وكلام وغيره، حكاه البيهقي.

стр. 5056

وقال النووي: المختار أنها سنة لظاهر حديث أبي هريرة، وقد قال أبو هريرة راوي الحديث: إن الفصل بالمشي إلى المسجد لا يكفي. وأفرط ابن حزم فقال: يجب على كل أحد، وجعله شرطا لصحة صلاة الصبح، فرده عليه العلماء بعده، حتى طعن ابن تيمية في صحة الحديث لتفرد عبد الواحد بن زياد به، وفي حفظه مقال، والحق: أنه تقوم به الحجة. وذهب بعض السلف إلى استحبابها في البيت دون المسجد، وهو محكي عن ابن عمر. وقواه بعض شيوخنا، بأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه فعله في المسجد، وصح عن ابن عمر أنه كان يحصب من يفعله في المسجد، أخرجه ابن أبي شيبة. وقال ﵊: "من لم يصل ركعتي الفجر، فليصلهما بعدما تطلع الشمس". رواه الترمذي من رواية أبي هريرة.

стр. 5057

الفرع الثالث: في راتبة الظهر عن ابن عمر قال: صليت مع رسول الله ﷺ ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها. رواه البخاري ومسلم والترمذي. وعن عائشة: كان ﵊ لا يدع أربعا قبل الظهر، وركعتين قبل صلاة الغداة. رواه البخاري أيضا. فإما أن يقال: إنه ﷺ كان إذا صلى في بيته صلى أربعا، وإذا صلى في المسجد صلى ركعتين، وهذا أظهر. وإما أن يقال: كان يفعل هذا وهذا، فحكى كل من عائشة وابن عمر ما شاهده، والحديثان صحيحان لا مطعن في واحد منهما. وقال أبو جعفر الطبري: الأربع كانت في كثير من أحواله، والركعتان في

стр. 5058

قليلها. انتهى. وقد يقال: إن الأربع التي قبل الظهر لم تكن سنة الظهر، بل هي صلاة مستقلة، كان يصليها بعد الزوال. وروى البزار من حديث ثوبان: إنه ﷺ كان يستحب أن يصلي بعد نصف النهار، فقالت عائشة: يا رسول الله، أراك تستحب الصلاة هذه الساعة، فقال: تفتح فيها أبواب السماء، وينظر الله تعالى إلى خلقه بالرحمة، وهي صلاة كان يحافظ عليها آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى. وعن عبد الله بن السائب: كان ﷺ يصلي أربعا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر، وقال: إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، وأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح. رواه الترمذي. وروى الترمذي أيضا حديث "أربع قبل الظهر وبعد الزوال تحتسب بمثلهن في السحر وما من شيء إلا وهو يسبح الله تعالى تلك الساعة" ثم قرأ ﴿يَتَفَيَّأُ

стр. 5059

ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] . فهذه -والله أعلم- هي الأربع التي أرادت عائشة أنه كان لا يدعهن. وأما سنة الظهر فالركعتان التي قال ابن عمر. ويوضح هذا أن سائر الصلوات سنتها ركعتان، وعلى هذا فتكون هذه الأربع وردا مستقلا، سببه انتصاف النهار وزوال الشمس. وسر هذا -والله أعلم- أن انتصاف النهار مقابل لانتصاف الليل، وأبواب السماء تفتح بعد الزوال، ويحصل النزول الإلهي بعد انتصاف الليل، فهما وقتا قرب رحمة، هذا تفتح فيه أبواب السماء، وهذا ينزل فيه الرب ﵎ عن حركة الأجسام. الفرع الرابع: في سنة العصر عن علي: قال كان ﷺ يصلي قبل العصر ركعتين. رواه أبو داود. وعن علي أيضًا. كان ﷺ يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المسلمن والمؤمنين. رواه الترمذي.

стр. 5060

وروى الترمذي مرفوعا أيضا حديث: "رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا". عن عائشة: ما كان ﷺ يأتيني في يومي بعد العصر إلا صلى ركعتين، وفي رواية: ما ترك ركعتين بعد العصر عندي قط. رواه البخاري ومسلم. ولمسلم: أن أبا سلمة سألها عن السجدتين اللتين كان يصليهما بعد العصر فقالت: كان يصليهما قبل العصر، ثم إنه شغل عنهما أو نسيهما فصلاهما بعد العصر، ثم أثبتهما، وكان إذا صلى صلاة أثبتها، تعني داوم عليها. ولأبي داود، قالت: كان ﷺ يصلي بعد العصر ركعتين وينهى عنهما، ويواصل وينهى عن الوصال.

стр. 5061

وقال ابن عباس: إنما صلى ﵊ ركعتين بعد العصر؛ لأنه اشتغل بقسمة مال أتاه عن الركعتين اللتين بعد الظهر فقضاهما بعد العصر، ثم لم يعد لهما. رواه الترمذي. وقالت أم سلمة: سمعته ﷺ ينهى عنهما، ثم رأيته يصليهما حين صلى العصر، ثم سألته عنهما فقال: "إنه أتاني أناس من عبد القيس بالإسلام، فشغلوني عن الركعتين بعد الظهر، فهما هاتان"، الحديث. وفيه: أن ابن عباس قال: كنت أضرب مع عمر بن الخطاب الناس عنهما. قال ابن القيم: قضاء السنن الرواتب في أوقات النهي عام له ولأمته، وأما المداومة على تلك الركعتين في وقت النهي فخاص به ﵇ قال: وقد عد

стр. 5062

هذا من خصائصه. انتهى. والدليل عليه رواية عائشة: كان يصلي ركعتين بعد العصر وينهى عنهما ويواصل وينهى عن الوصال. لكن قال البيهقي: الذي اختص به ﷺ المداومة على ذلك، لا أصل القضاء. وأما رواية ابن عباس عند الترمذي: أنه إنما صلاهما بعد العصر؛ لأنه اشتغل بقسمة مال أتاه. فهو من رواية جرير عن عطاء، وقد سمع من عطاء بعد اختلاطه، وإن صح فهو شاهد لحديث أم سلمة، لكن ظاهر قوله: "ثم لم يعد" لهما معارض لحديث عائشة المذكور في هذا الباب، فيحمل النفي على علم الراوي، فإنه لم يطلع على ذلك، والمثبت مقدم على النافي. وكذا ما رواه النسائي من طريق أبي سلمة، عن أم سلمة: أن رسول الله ﷺ صلى في بيتها بعد العصر ركعتين مرة واحدة، الحديث، وفي رواية له عنها: لم

стр. 5063

أره يصليهما قبل ولا بعد. فيجمع بين الحديثين بأنه ﷺ لم يكن يصليهما إلا في بيته، فلذلك لم يره ابن عباس ولا أم سلمة. ويشير إلى ذلك قول عائشة في رواية: ولا يصليهما في المسجد مخافة أن يثقل على أمته. ومراد عائشة بقولها: ما كان في يومي بعد العصر إلا صلى ركعتين، من الوقت الذي شغل عن الركعتين بعد الظهر فصلاهما. ولم ترد أنه كان يصلي بعد العصر من أول ما فرضت الصلوات مثلا إلى آخر عمره، والله أعلم. الفرع الخامس: في راتبة المغرب عن ابن مسعود قال: ما أحصي ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين بعد المغرب، وفي الركعتين قبل الفجر ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ

стр. 5064

أَحَدٌ﴾ رواه الترمذي. وعن ابن عباس: قال كان ﷺ يطيل القراءة في الركعتين بعد المغرب حتى يتفرق أهل المسجد، رواه أبو داود. وكان أصحابه ﵊ يصلون ركعتين قبل المغرب قبل أن يخرج إليهم ﵇. رواه البخاري ومسلم وأبو داود من حديث أنس. وفي رواية أبي داود، قال أنس: رآنا ﷺ فلم يأمرنا ولم ينهنا. وقال عقبة: كنا نفعله على عهده، ﷺ . رواه البخاري ومسلم.

стр. 5065

وظاهره: أن الركعتين بعد الغروب وقبل صلاة المغرب كان أمرا قرر أصحابه عليه، وهذا يدل على الاستحباب، وأما كونه ﵊ لم يصلهما فلا ينفي الاستحباب، بل يدل على أنهما ليستا من الرواتب، وإلى استحبابهما ذهب أحمد وإسحاق وأصحاب الحديث. وعن ابن عمر: ما رأيت أحدا يصليهما على عهده ﷺ . وعن الخلفاء الأربعة وجماعة من الصحابة أنهم كانوا لا يصلونهما. فادعى بعض المالكية نسخهما، وتعقب: بأن دعوى النسخ لا دليل عليها، ورواية المثبت -وهو أنس- مقدمة على رواية النافي -وهو ابن عمر.

стр. 5066

وعن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: حق على كل مؤمن إذا أذن المؤذن أن يركع ركعتين. وعن مالك قول آخر باستحبابهما، وهو عند الشافعية وجه رجحه النووي ومن تبعه، وقال في شرح مسلم: قول من قال: إن فعلهما يؤدي إلى تأخير المغرب عن أول وقتها، خيال فاسد منابذ للسنة، ومع ذلك فزمنهما يسير، لا تتأخر به الصلاة عن أول وقتها. ومجموع الأدلة يرشد إلى استحباب تخفيفهما. وقال ﷺ : "صلوا قبل المغرب ركعتين" لمن شاء خشية أن يتخذها الناس سنة. رواه أبو داود. قال المحب الطبري: لم يرد نفي استحبابهما؛ لأنه لا يمكن أن يأمر بما لم

стр. 5067

يستحب، بل هذا الحديث من أدل الأدلة على استحبابهما. ومعنى قوله: "سنة" أي شريعة وطريقة لازمة. وكأن المراد انحطاط رتبتهما عن رواتب الفرائض، ولهذا لم يعدهما أكثر الشافعية في الرواتب، واستدركهما بعضهم. وتعقب: بأنه لم يثبت أنه ﷺ واظب عليهما. وقال ﷺ في الصلاة بعد المغرب: "هذه صلاة البيوت"، رواه أبو داود والنسائي من حديث كعب بن عجرة. وعنه ﷺ من صلى بعد المغرب ركعتين قبل أن يتكلم رفعت صلاته في عليين. رواه رزين.

стр. 5068

الفرع السادس: في راتبة العشاء قالت عائشة: ما صلى رسول الله ﷺ العشاء قط فدخل بيتي إلا صلى أربع ركعات، أو ست ركعات. رواه أبو داود. وفي مسلم قالت عائشة: ثم يصلي بالناس العشاء ويدخل بيتي فيصلي ركعتين. وكذا في حديث ابن عمر عند الشيخين. وتقدما أول هذا القسم، والله أعلم. الفرع السابع: في راتبة الجمعة عن نافع عن عبد لله بن عمر أن رسول الله ﷺ كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين. رواه البخاري ولم يذكر شيئا في الصلاة قبل صلاة الجمعة.

стр. 5069

قال ابن المنير -كما حكاه في فتح الباري: كأنه يقول: الأصل استواء الظهر والجمعة حتى يدل على خلافه؛ لأن الجمعة بدل الظهر. وقال ابن بطال: إنما أعاد ابن عمر ذكر الجمعة بعد ذكر الظهر من أجل أنه كان ﷺ يصلي سنة الجمعة في بيته بخلاف الظهر، قال: والحكمة فيه أن الجمعة لما كانت بدل الظهر واقتصر فيها على ركعتين ترك التنفل بعدها في المسجد خشية أن يظن أنها التي لو حذفت. انتهى. وعلى هذا فينبغي أن لا يتنفل قبلها ركعتين متصلتين بها في المسجد لهذا المعنى. وقد روى أبو داود وابن حبان من طريق أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين في بيته، ويحدث أن النبي ﷺ

стр. 5070

كان يفعل ذلك، وقد احتج به النووي في "الخلاصة" على إثبات سنة الجمعة التي قبلها. وتعقب: بأن قوله: "كان يفعل ذلك" عائد على قوله: "ويصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته"، ويدل عليه رواية الليث عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته ثم قال: كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك. رواه مسلم. وأما قوله: "كان يطيل الصلاة قبل الجمعة" فإن كان المراد بعد دخول الوقت فلا يصح أن يكون مرفوعا؛ لأنه ﵊ كان يخرج إذا زالت الشمس فيشتغل بالخطبة ثم بصلاة الجمعة، وإن كان المراد قبل دخول الوقت فذلك مطلق نافلة لا صلاة راتبة، فلا حجة فيه لسنة الجمعة التي قبلها، بل هو تنفل مطلق. وقد أنكر جماعة كون الجمعة لها سنة قبلها، وبالغوا في الإنكار، منهم: الإمام شهاب الدين أبو شامة؛ لأنه لم يكن يؤذن للجمعة إلا بين يديه عليه

стр. 5071

الصلاة والسلام وهو على المنبر، فلم يكن يصليها، وكذلك الصحابة؛ لأنه إذا خرج الإمام انقطعت الصلاة. قال ابن العراقي: ولم أر في كلام الفقهاء من الحنفية والمالكية استحباب سنة الجمعة قبلها. انتهى. وقد ورد في سنة الجمعة التي قبلها أحاديث أخرى ضعيفة، منها حديث عن أبي هريرة، رواه البزار، ولفظه: كان يصلي قبل الجمعة أربعا وبعدها أربعا. وأقوى ما يتمسك به في مشروعية الركعتين قبل الجمعة عموم ما صححه ابن حبان من حديث عبد الله بن الزبير مرفوعا: "ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان". قاله في فتح الباري. وعن عطاء قال: كان ابن عمر إذا صلى الجمعة بمكة تقدم فصلى ركعتين

стр. 5072

ثم يتقدم فيصلي أربعا، وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين ولم يصل في المسجد، فقيل له: فقال: كان رسول الله ﷺ يفعله. رواه أبو داود. وفي رواية الترمذي: قال: رأيت ابن عمر صلى بعد الجمعة ركعتين، ثم صلى بعد ذلك أربعا. وعن ابن عمر أيضا قال: كان رسول الله ﷺ يصلي بعد الجمعة ركعتين. رواه النسائي، وفي رواية أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته. وفي أخرى: أن ابن عمر كان يصلي بعد الجمعة ركعتين ويطيل فيهما ويقول: كان رسول الله ﷺ يفعله. وتقدم حديث دخول سليك المسجد في يوم الجمعة، وهو ﷺ يخطب، وقوله ﷺ : "صليت"؟ قال: لا، قال: "قم فاركع ركعتين". مع ما فيه من المباحث في صلاة الجمعة والله أعلم.

стр. 5073

الفصل الثاني: في صلاته ﵊ العيدين وفيه فروع سبعة: الأول في عدد الركعات: عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ خرج يوم عيد فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما، ثم أتى النساء ومعه بلال، فأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تتصدق بخرصها وسخابها. وفي رواية: خرج يوم أضحى أو فطر، وفي أخرى: أن النبي ﷺ صلى يوم الفطر ركعتين. الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود

стр. 5074

والترمذي والنسائي. الثاني في عدد التكبير: عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يكبر في الفطر والأضحى، في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية: خمس تكبيرات. زاد في رواية: سوى تكبيرتي الإحرام والركعوع. رواه أبو داود. وعن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كبر في العيد، في الأولى سبعًا قبل القراءة، وفي الأخرى خمسا قبل القراءة. رواه الترمذي وابن ماجه والدارمي.

стр. 5075

الثالث في الوقت والمكان: عن أبي سعيد الخدري قال: كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة. الحديث رواه البخاري ومسلم. وفي هذا دليل لمن قال باستحباب الخروج لصلاة العيد إلى المصلى، وقال: إنه أفضل من صلاتها في المسجد، لمواظبته ﷺ على ذلك، مع فضل مسجده، وعلى هذا عمل الناس في الأمصار. وأما أهل مكة فلا يصلونها إلا في المسجد من الزمن الأول. ولأصحابنا الشافعية وجهان: أحدهما، الصحراء أفضل لهذا الحديث، والثاني: وهو الأصح عند أكثرهم، المسجد أفضل إلا أن يضيق، قالوا: وإنما صلى أهل مكة في المسجد لسعته، وإنما خرج النبي ﷺ لضيق المسجد،

стр. 5076

فدل على أن المسجد أفضل إذا اتسع. والمراد بالمصلى المذكور، الذي على باب المدينة الشرقي. قال ابن القيم: ولم يصل ﷺ العيد بمسجده إلا مرة واحدة، أصابهم مطر فصلى بهم العيد في المسجد، إن ثبت الحديث، وهو في سنن أبي داود وابن ماجه. انتهى. ولفظ أبي داود: عن أبي هريرة قال: أصابنا مطر في يوم فطر فصلى بنا رسول الله ﷺ في المسجد. زاد رزين: ولم يخرج بنا إلى المصلى. الرابع في الأذان والإقامة: عن جابر بن سمرة قال: صليت مع رسول الله ﷺ العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة. رواه مسلم وأبو داود والترمذي.

стр. 5077

وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ صلى يوم العيد بلا أذان ولا إقامة. رواه أبو داود. الخامس في قراءته ﷺ في صلاتي العيدين: عن أبي واقد الليثي: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الفطر والأضحى بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ في الأولى و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ في الثانية. رواه مسلم ومالك وأبو داود والترمذي. وعن النعمان بن بشير قال: كان النبي ﷺ يقرأ في العيدين وفي صلاة الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأ بهما. رواه مسلم ومالك، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

стр. 5078

السادس في خطبته ﷺ وتقديمه صلاة العيدين عليها: عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة: رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. وعن جابر: أنه ﷺ خرج يوم الفطر، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة. وفي رواية: قام فبدأ بالصلاة ثم خطب الناس فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكرهن، وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه يلقي فيه النساء صدقة. وفي أخرى، قال: شهدت مع رسول الله ﷺ العيد، فبدأ بالصلاة قبل

стр. 5079

الخطبة، بلا أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئا على بلال، فأمر بتقوى الله تعالى، وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال: "تصدقن، فإن أكثركن حطب جهنم، فقامت امرأة من وسط النساء سفعاء الخدين فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير: قال:

стр. 5080

فجعلن يتصدقن من حليهن ويلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتمهن". رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أبي سعيد الخدري عند البخاري: فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم وينهاهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثا قطعه، أو يأمر بشيء أمر به، ثم نصرف. فقال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان، وهو
следующие страницы →