← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

فدل على أن المسجد أفضل إذا اتسع. والمراد بالمصلى المذكور، الذي على باب المدينة الشرقي. قال ابن القيم: ولم يصل ﷺ العيد بمسجده إلا مرة واحدة، أصابهم مطر فصلى بهم العيد في المسجد، إن ثبت الحديث، وهو في سنن أبي داود وابن ماجه. انتهى. ولفظ أبي داود: عن أبي هريرة قال: أصابنا مطر في يوم فطر فصلى بنا رسول الله ﷺ في المسجد. زاد رزين: ولم يخرج بنا إلى المصلى. الرابع في الأذان والإقامة: عن جابر بن سمرة قال: صليت مع رسول الله ﷺ العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة. رواه مسلم وأبو داود والترمذي.

стр. 5077

وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ صلى يوم العيد بلا أذان ولا إقامة. رواه أبو داود. الخامس في قراءته ﷺ في صلاتي العيدين: عن أبي واقد الليثي: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الفطر والأضحى بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ في الأولى و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ في الثانية. رواه مسلم ومالك وأبو داود والترمذي. وعن النعمان بن بشير قال: كان النبي ﷺ يقرأ في العيدين وفي صلاة الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأ بهما. رواه مسلم ومالك، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

стр. 5078

السادس في خطبته ﷺ وتقديمه صلاة العيدين عليها: عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة: رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. وعن جابر: أنه ﷺ خرج يوم الفطر، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة. وفي رواية: قام فبدأ بالصلاة ثم خطب الناس فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكرهن، وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه يلقي فيه النساء صدقة. وفي أخرى، قال: شهدت مع رسول الله ﷺ العيد، فبدأ بالصلاة قبل

стр. 5079

الخطبة، بلا أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئا على بلال، فأمر بتقوى الله تعالى، وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال: "تصدقن، فإن أكثركن حطب جهنم، فقامت امرأة من وسط النساء سفعاء الخدين فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير: قال:

стр. 5080

فجعلن يتصدقن من حليهن ويلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتمهن". رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أبي سعيد الخدري عند البخاري: فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم وينهاهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثا قطعه، أو يأمر بشيء أمر به، ثم نصرف. فقال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان، وهو

стр. 5081

أمير المدينة في فطر أو أضحى فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه، فقلت له: غيرتم والله. الحديث.

стр. 5082

ولابن خزيمة: خطب ﵊ يوم عيد على رجليه. وهذا مشعر بأنه لم يكن في المصلى في زمانه منبر، ويدل على ذلك قول أبي سعيد: "فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان"، ومقتضاه أن أول من اتخذه مروان. ووقع في المدونة للإمام مالك: أن أول من خطب الناس في المصلى على منبر عثمان بن عفان، كلمهم على منبر من طين بناه كثير ابن الصلت، لكنه معضل، وما في الصحيحين أصح، فقد رواه مسلم من طريق داود بن قيس نحو

стр. 5083

رواية البخاري. ويحتمل أن يكون عثمان فعل ذك مرة ثم تركه ثم أعاده مروان، ولم يطلع على ذلك أبو سعيد قاله شيخ الإسلام ابن حجر ﵀. السابع في أكله ﷺ يوم الفطر قبل خروجه إلى صلاة العيد: عن أنس: كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات. رواه البخاري وقال: قال مرجأ بن رجاء حدثني عبيد الله حدثني أنس عن النبي ﷺ : ويأكلهن وترا. ورواه الحاكم من رواية عتبة بن حميد عنه بلفظ: ما خرج ﷺ يوم فطر

стр. 5084

حتى يأكل تمرات، ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أقل من ذلك أو أكثر وترا. قال المهلب: الحكمة في الأكل قبل الصلاة، أن لا يظن ظان لزوم الصوم حتى يصلي العيد، فكأنه أراد سد هذه الذريعة. وقال غيره: لما وقع وجوب الفطر عقب وجوب الصوم استحب تعجيل الفطر مبادرة إلى امتثال أمر الله تعالى، ويشعر بذلك اقتصاره على القليل من ذلك، ولو كان لغير الامتثال لأكل قدر الشبع، أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة. وقيل: لأن الشيطان الذي يحبس في رمضان لا يطلق إلا بعد صلاة العيد، فاستحب تعجيل الفطر مبادرة إلى السلامة من وسوسته. والحكمة في استحباب التمر لما في الحلو من تقوية البصر الذي يضعفه الصوم؛ ولأن الحلو مما يوافق الإيمان ويعبر به في المنام، ويرق القلب، ومن ثم

стр. 5085

استحب بعض التابعين أن يفطر على الحلو مطلقا كالعسل. رواه ابن أبي شيبة عن معاوية بن قرة وابن سيرين وغيرهما. وفي الترمذي والحاكم من حديث بريدة قال: كان رسول الله ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي، ونحوه عند البزار عن جابر بن سمرة. وروى الطبراني والدارقطني من حديث ابن عباس قال: من السنة أن لا يخرج يوم الفطر حتى يخرج الصدقة ويطعم شيئا قبل أن يخرج. وفي كل من الأسانيد الثلاثة مقال. وقد أخذ الفقهاء بما دلت عليه. قال ابن المنير: وقع أكله ﷺ في كل يوم

стр. 5086

من العيدين في الوقت المشروع لإخراج صدقتهما الخاصة بهما، فإخراج صدقة الفطر قبل الغدو إلى المصلى، وإخراج صدقة الأضحية بعد ذبحها، فاجتمعا من جهة، وافترقا من أخرى. وقال الشافعي في الأم: بلغنا عن الزهري قال: ما ركب رسول الله ﷺ في عيد ولا جنازة قط. وفي الترمذي عن علي قال: من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيا، وفي ابن ماجه عن سعد القرظ أنه ﷺ كان يخرج إلى العيدين ماشيا، وفيه أيضا عن أبي رافع نحوه، والأسانيد الثلاثة ضعاف. وعن أبي هريرة قال: كان ﷺ إذا خرج يوم العيد في طريق رجع في غيره. رواه الترمذي.

стр. 5087

وقد اختلف في معنى ذلك على أقوال كثيرة، قال الحافظ ابن حجر: اجتمع لي منها أكثر من عشرين، وقد لخصتها وبينت الواهي منها. فمن ذلك: أنه فعل ذلك ليشهد له الطريقان، وقيل: له سكانهما من الجن والإنس، وقيل: ليسوي بينهما في مزية الفضل بمروة أو في التبرك به، أو ليشم رائحة المسك من الطريق التي يمر بها؛ لأنه كان معروفا بذلك. وقيل: لأن طريقه إلى المصلى كانت على اليمين، فلو رجع منها لرجع على جهة الشمال فرجع من غيرها. وهذا يحتاج إلى دليل. وقيل: لإظهار شعائر الإسلام فيهما، وقيل: لإظهار ذكر الله، وقيل: ليغيظ المنافقين واليهود، وقيل: حذرا من كيد الطائفتين أو إحداهما، وقيل: ليعمهم بالسرور

стр. 5088

به والتبرك بمروره والانتفاع به في قضاء حوائجهم في الاستفتاء أو التعلم والاقتداء، والاسترشاد والسلام عليهم أو غير ذلك، وقيل: ليزور أقاربه الأحياء والأموات، وقيل: ليصل رحمه، وقيل: ليتفاءل بتغير الحال إلى المغفرة والرضا، وقيل: كان يتصدق في ذهابه فإذا رجع لم يبق معه شيء فيرجع في طريق آخر لئلا يرد من يسأله. وهذا ضعيف جدا مع احتياجه إلى دليل. وقيل: فعل ذلك لتخفيف الزحام، وهذا رجحه الشيخ أبو حامد، وقيل: كان طريقه التي يتوجه منها أبعد من طريقه التي يرجع فيها، فأراد تكثير الأجر بتكثير الخطى في الذهاب، وأما في الرجوع فليسرع إلى منزله، وهذا اختيار الرافعي. وتعقب بأنه يحتاج إلى دليل وبأن أجر الخطى في الرجوع أيضا، كما ثبت في حديث أبي بن كعب عند الترمذي وغيره، وقيل: لأن الملائكة تقف في الطرقات

стр. 5089

فأراد أن يشهد له فريقان منهم. وقال ابن أبي جمرة: هو في معنى قول يعقوب لبنيه: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ فأشار إلى أنه فعل ذلك حذر إصابة العين. انتهى. وكان ﵊ يخرج الأبكار والعواتق وذوات الخدور والحيض في العيدين، فأما الحيض فيعتزلن المصلى ويشهدن دعوة المسلمين. قالت إحداهن: يا رسول الله إحدانا لم يكن لها جلباب، قال: "فلتعرها أختها من

стр. 5090

جلابيبها". رواه البخاري ومسلم والترمذي واللفظ له. ولا دلالة فيه على وجوب صلاة العيد؛ لأن من جملة من أمر بذلك من ليس بمكلف، فظهر أن القصد منه إظهار شعائر الإسلام بالمبالغة في الاجتماع، وليعم الجميع البركة. وفيه: استحباب خروج النساء إلى شهود العيد، سواء كن شواب أو لا، أو ذوات هيآت أم لا، ولكن نص الشافعي في الأم يقتضي استثناء ذوات الهيآت. قال: وأحب شهود العجائز وغير ذوات الهيآت الصلاة. وأنا لشهودهن الأعياد أشد

стр. 5091

استحبابا. وادعى بعضهم النسخ فيه، قال الطحاوي: وأمره ﵊ بخروج الحيض وذوات الخدور إلى العيد يحتمل أن يكون في أول الإسلام، والمسلمون قليل، فأريد التكثير بحضورهن إرهابا للعدو. وأما اليوم فلا يحتاج إلى ذلك. وتعب: بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقد صرح في حديث أم عطية بعلة الحكم، وهي شهودهن الخير ودعوة المسلمين، ورجاء بركة ذك اليوم وطهرته، وقد أفتت به أم عطية بعد النبي ﷺ بمدة، ولم يثبت عن أحد من الصحابة مخالفتها في ذلك.

стр. 5092

وأما قول عائشة: "لو رأى النبي ﷺ ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد" فلا يعارض ذلك لندوره، إن سلمنا أن فيه دلالة على أنها أفتت بخلافه، مع أن الدلالة فيه بأن عائشة أفتت بالمنع ليست صريحة. وفي قول الطحاوي: "إرهابا للعدو" نظر؛ لأن الاستنصار بالنساء والتكثر بهن في الحرب دال على الضعف. والأولى: أن يخص ذلك بمن يؤمن عليها وبها الفتنة، فلا يترتب على حضورها محظور، ولا تزاحم الرجال في الطرق ولا في الجامع -قاله في فتح الباري. وكان ﵊ يخرج العنزة يوم الفطر والأضحى فيركزها فيصلي إليها. رواه النسائي وغيره. وإذا علمت هذا فاعلم أن للمؤمنين في هذه الدار ثلاثة أعياد، عيد يتكرر في كل أسبوع، وعيدان يأتيان في كل عام مرة من غير تكرار في السنة. فأما العيد المتكرر فهو يوم الجمعة، وهو عيد الأسبوع، وهو مترتب على إكمال الصلوات المكتوبة فيه فشرع لهم فيه عيدًا.

стр. 5093

وأما العيدان اللذان لا يتكرران في كل عام، وإنما يأتي كل واحد منهما في العام مرة واحدة. فأحدهما: عيد الفطر من صوم رمضان، وهو مترتب على إكمال صيام رمضان، وهو الركن الثالث من أركان الإسلام ومبانيه، فإذا أكمل المسلمون صيام شهر رمضان المفروض عليهم واستوجبوا من الله المغفرة والعتق من النار، فإن صيامه يوجب مغفرة ما تقدم من الذنب، وآخره عتق من النار يعتق الله فيه من النار من استحقها بذنوبه، شرع الله تعالى لهم عقب صيامهم عيدا يجتمعون فيه على شكر الله تعالى وذكره، وتكبيره على ما هداهم له، وشرع لهم في ذلك العيد الصلاة والصدقة، وهو يوم الجوائز يستوفي فيه الصائمون أجر صيامهم ويرجعون بالمغفرة.

стр. 5094

والعيد الثاني عيد النحر: وهو أكبر العيدين وأفضلهما، وهو مترتب على إكمال الحج، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ومبانيه، فإذا أكمل المسلمون حجهم غفر لهم، وإنما يكمل الحج بيوم عرفة، فإن الوقوف بعرفة ركن الحج الأعظم، ويوم عرفة هو يوم العتق من النار، فيعتق الله فيه من النار من وقف بعرفة ومن لم يقف بها من أهل الأمصار من المسلمين، فلذلك صار اليوم الذي يليه عيدا لجميع المسلمين في جميع أمصارهم، من شهد الموسم منهم ومن لم يشهد، لاشتراكهم في العتق والمغفرة يوم عرفة، وشرع للجميع التقرب إليه تعالى بالنسك بإراقة دماء ضحاياهم، فيكون ذلك اليوم شكرا منهم لهذه النعم، والصلاة والنحر الذي يجتمع في عيد النحر أفضل من الصلاة والصدقة في عيد الفطر، ولهذا أمر رسول الله ﷺ أن يجعل شكره لربه على إعطائه الكوثر أن يصلي لربه وينحر. وقد ضحى ﷺ بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى الله تعالى وكبر. رواه البخاري من حديث أنس، قال: ورأيته واضعا قدمه على صفاحهما،

стр. 5095

يقول: "بسم الله والله أكبر". وعن عائشة: أنه ﷺ أمر بكبش يطأ في سواد، ويبرك في سواد، فأتى به ليضحي به، فقال: "يا عائشة، هلمي المدية"، ثم قال: "اشحذيها بحجر" ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه، قال: "بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد"، ثم ضحى به، رواه مسلم. وعن جابر: ذبح النبي ﷺ يوم النحر كبشين أقرنين أملحين موجوءين، فلما وجههما قال: "إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، على ملة إبراهيم

стр. 5096

"حنيفا، وما أنا من المشركن، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين، اللهم منك ولك عن محمد وأمته، بسم الله والله أكبر"، ثم ذبح. رواه أبو داود وابن ماجه والدارمي. وفي رواية لأحمد والترمذي: ذبح بيده وقال: "بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي". فهذه أعياد المسلمين في الدنيا، وكلها عند إكمال طاعات مولاهم الملك الوهاب، وحيازتهم لما وعدهم من جزيل الأجر والثواب، فليس العيد من لبس الجديد، إنما العيد لمن طاعاته تزيد، وليس العيد لمن تجمل بالباس والمركوب، وإنما العيد لمن غفرت له الذنوب، في ليلة العيد تفرق خلع العتق والمغفرة على العبيد، فمن ناله منها شيء فهو سعيد، وإلا فهو مطرود بعيد. وأما أعياد المؤمنون في الجنة، فهو أيام زيارتهم ربهم ، فيزورونه ويكرمهم غاية الكرامة، ويتجلى لهم فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئا هو أحب

стр. 5097

إليهم من ذلك وهو الزيادة، فليس للمحب عيد سوى قرب محبوبه. إنه يوما جامعا شملي بهم ... ذاك عيدي ليس لي عيد سواه

стр. 5098

الباب الثاني: في النوافل المقرونة بالأسباب وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: في صلاته ﷺ الكسوف الكسوف لغة: التغير إلى السواد، يقال: كسفت الشمس: إذا اسودت وذهب شعاعها.

стр. 5099

عن قبيصة بن المخارق قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فخرج فزعا يجر ثوبه وأنا معه يومئذ بالمدينة، فصلى ركعتين فأطال فيهما القيام، ثم انصرف وانجلت، ثم قال: "إنما هذه الآيات يخوف الله تعالى بها عباده، فإذا رأيتموها فصلوا". رواه أبو داود والنسائي. وفي قوله ﵊: "يخوف الله تعالى بها عباده" رد على من يزعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادي لا يتأخر ولا يتقدم، إذ لو كان كما يقولون لم يكن في ذلك تخويف.

стр. 5100

وقد رد عليهم ابن العربي وغيره، بما في حديث أبي موسى عند البخاري، حيث قال فيه: فقام فزعا يخشى أن تكون الساعة، قالوا: فلو كان الكسوف بالحساب لم يقع الفزع، ولو كان بالحساب لم تكن للأمر بالعتق والصدقة

стр. 5101

والصلاة معنى، يعني حديث أسماء عند البخاري "لقد أمر النبي ﷺ بالعتاقة في كسوف الشمس" وكما عنده أيضا من حديث عائشة مرفوعا: "فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا" فإن ظاهر الأحاديث أن ذلك يفيد التخويف، وأن كل ما ذكر من أنواع الطاعات يرجى أن يدفع به ما يخشى من أثر يدفع الكسوف. ومما نقض به ابن العربي وغيره أيضا أنهم يزعمون: أن الشمس لا تنكسف على الحقيقة وإنما يحول القمر بينها، وبين أهل الأرض عند اجتماعهما في العقدتين. فقال: "هم يزعمون أن الشمس أضعاف القمر في الجرم، فكيف يحجب الكبير الصغير إذا قابله؟ أم كيف يظلم الكثير بالقليل لا سيما وهو من جنسه؟

стр. 5102

وكيف يحجب الأرض نور الشمس. وقد وقع في حديث النعمان بن بشير وغيره للكسوف سبب آخر غير ما يزعم أهل الهيئة، وهو ما أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة والحاكم، بلفظ: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، وإن الله تعالى إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له". وقد استشكل الغزالي هذه الزيادة، وقال: إنها لم تثبت، فيجب تكذيب ناقلها، قال: ولو صحت لكان تأوليها أهون من مكابرة أمور قطعية لا تصادم أصلا من أصول الشريعة. قال ابن بزيزة: وهذا عجب منه، كيف يسلم دعوى الفلاسفة ويزعم أنها لا تصادم الشريعة، مع أنها مبنية على أن العالم كروي الشكل، وظاهر الشرع يعطي

стр. 5103

خلاف ذلك والثابت من قواعد الشرع أن الكسوف أثر الإرادة القديمة وفعل الفاعل المختار، فيخلق في هذين الجرمين النور متى شاء، والظلمة متى شاء من غير توقف على سبب أو ربط باقتران، والحديث الذي رده الغزالي قد أثبته غير واحد من أهل العلم، وهو ثابت من حيث المعنى أيضا؛ لأن النورية والإضاءة من عالم الجمال الحسي، فإذا تجلت صفة الجلال انطمست الأنوار لهيبته، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣] . انتهى. ويؤيد هذا الحديث ما رويناه عن طاوس أنه نظر إلى الشمس وقد انكسفت فبكى حتى كاد أن يموت، وقال: هي أخوف لله منا. وقال ابن دقيق العيد: ربما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله: "يخوف الله تعالى بهما عباده"، وليس بشيء؛ لأن لله تعالى أفعالا على حسب العادة، وأفعالا خارجة عن ذلك، وقدرته تعالى حاكمة على كل سبب، يقتطع ما شاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض، وإذا ثبت ذلك فالعلماء بالله

стр. 5104

تعالى لقوة اعتقادهم في عموم قدرته تعالى على خرق العادة وأنه تعالى يفعل ما يشاء إذا وقع شيء غريب، حدث عندهم الخوف لقوة ذلك الاعتقاد، وذلك لا يمنع أن يكون هناك أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقها. وحاصله: أن الذي يذكره أهل الحساب إن كان حقا في نفس الأمر لا ينافي كون ذلك مخوفا لعباد الله تعالى. قاله في فتح الباري. وعن ابن عباس قال: انخسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فقام قياما طويلا، نحوا من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ركوعا طويلا، ثم رفع فقام قياما طويلا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع، ثم سجد، ثم قام قياما طويلا وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم رفع ثم سجد ثم انصرف وقد انجلت

стр. 5105

الشمس، فقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله"، فقالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت؟ قال: "إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودا، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط

стр. 5106

أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء"، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: "بكفرهن"، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: "يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله

стр. 5107

ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط". رواه البخاري ومسلم. وقوله: "ورأيت الجنة والنار" قال القاضي عياض: يحتمل أنه رآهما رؤية عين، بأن كشف الله له عنهما، وأزال الحجب بينه وبينهما، كما فرج له عن المسجد الأقصى حين وصفه، ويكون قوله ﵊: "في عرض هذا الحائط" -كما في رواية: في جهته وناحيته، ويحتمل أن تكون رؤية علم وعرض وحي

стр. 5108

باطلاعه وتعريفه من أمورهما مفصلا ما لم يعرفه قبل ذلك اليوم. قال القاضي: والأول أولى وأشبه بألفاظ الحديث، لما فيه من الأمور الدالة على رؤية العين، كتناوله العنقود، وتأخره مخافة أن يصيبه لفح النار. انتهى. واستشكل قوله: "ولو أصبته" مع قوله: "تناولت". وأجيب: بحمل "التناول" على تكلف الأخذ، لا حقيقة الأخذ، وقيل: المراد تناولته لنفسي ولو أخذته لكم، حكاه الكرماني، قال الحافظ ابن حجر: وليس بجيد، وقيل: المراد بقوله تناولت: وضعت يدي عليه، بحيث كنت قادرًا على تحويله، لكن لم يقدر لي قطفه، ولو أصبته، أي لو تمكنت من قطفه، ويدل

стр. 5109

عليه قوله في حديث عقبة بن عامر عند ابن خزيمة: أهوى بيده ليتناول شيئا، وفي حديث أسماء عند البخاري: "حتى لو اجترأت عليه" وكأنه لم يؤذن له في ذلك فلم يجترئ عليه. قال ابن بطال: لم يأخذ العنقود؛ لأنه من طعام الجنة، وهو لا يفنى والدنيا فانية لا يجوز أن يؤكل فيها ما لا يفنى. انتهى. وفي حديث أسماء بنت أبي بكر، عند البخاري ومسلم ومالك والنسائي قال: "ما من شيء كنت لم أره إلا قد رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار، ولقد

стр. 5110

أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم، مثل أو قريبا -لا أدري أي ذلك قالت أسماء- من فتنة المسيح الدجال. يؤتى أحدكم في قبره يقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن -لا أدري أي ذلك قالت أسماء- فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا واتبعنا، هو محمد ثلاثا، فيقال: نم صالحا، قد

стр. 5111

علمنا إن كنت لموقنا، وأما المنافق أو المرتاب -لا أدري أي ذلك قالت أسماء- فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته". وفي رواية: "فرأى امرأة تخدشها هرة، ربطتها حتى ماتت جوعا وعطشا". وفي رواية: فرأى عمرو بن مالك يجر قصبه في النار، وكان أول من غير دين إبراهيم، ورأى فيها سارق الحاج يعذب.

стр. 5112

قوله: "قصبه" بضم القاف وسكون الصاد، أي أمعاءه. وفي رواية عائشة: ثم قال: "يا أمة محمد، والله ما من أحد أغير من الله أن

стр. 5113

يزني عبده أو تزني أمته، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا، ألا هل بلغت". أي لو تعلمون من عظم انتقام الله من أهل الجرائم وشدة عقابه وأهوال القيامة، وما بعدها. كما علمت وترون النار كما رأيت في مقامي هذا وفي غيره لبكيتم كثيرا، ولقل ضحككم لتفكركم فيما علمتموه. وفي حديث عائشة عند البخاري: فخرج إلى المسجد، فصف الناس وراءه، فكبرنا فاقترأ رسول الله ﷺ قراءة طويلة، ثم كبر فركع ركوعا طويلا، ثم قال: "سمع الله لمن حمده"، فقام ولم يسجد، وقرأ قراءة طويلة، وهي أدنى من القراءة

стр. 5114

الأولى، وزاد في رواية: "ربنا ولك الحمد". واستدل به على استحباب الذكر المشروع في الاعتدال في أول القيام الثاني من الركعة الأولى. واستشكله بعض متأخري الشافعية من جهة كونه قيام قراءة لا قيام اعتدال، بدليل اتفاق العلماء ممن قال بزيادة الركوع في كل ركعة على قراءة الفاتحة فيه، وإن كان محمد بن مسلمة المالكي خالف فيه. والجواب: إن صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة، فلا مدخل للقياس فيها، بل كل ما ثبت أنه ﷺ فعله فيها كان مشروعا؛ لأنها أصل برأسها. وبهذا رد الجمهور على من قاسها على صلاة النافلة، حتى منع من زيادة الركوع فيها، فصلاة الكسوف أشبه شيء بصلاة العيد ونحوها، مما يجمع فيه من مطلق النوافل، فامتازت صلاة الجنازة بترك الركوع والسجود، وصلاة العيد بزيادة التكبيرات، وصلاة الخوف بزيادة الأفعال الكثيرة واستدبار القبلة، وكذلك اختصت صلاة الكسوف بزيادة الركوع، فالآخذ به جامع بين العملين النص والقياس،

стр. 5115

بخلاف من لم يعمل به. وقد تبين أن لصلاة الكسوف هيئة تخصها من التطويل الزائد على العادة في القيام وغيره، ومن زيادة ركوع في كل ركعة، وقد وردت زيادة في ذلك من طريق أخرى، فعند مسلم من وجه آخر عن عائشة، وآخر عن جابر أن في كل ركعة ثلاث ركوعات، وعنده من وجه آخر عن ابن عباس: أن في كل ركعة أربع ركوعات، ولأبي داود من حديث أبي بن كعب، والبزار من حديث علي: أن في كل ركعة خمسة ركوعات ولا يخلو إسناد منها من علة. ونقل ابن القيم في "الهدي" عن الشافعي وأحمد والبخاري: أنهم كانوا يعدون الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطا من بعض الرواة، فإن أكثر طرق الحديث يمكن رد بعضها إلى بعض، ويجمعها أن ذلك كان يوم موت إبراهيم عليه
следующие страницы →