Полный текст (5 943 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.
стр. 5076
فدل على أن المسجد أفضل إذا اتسع.
والمراد بالمصلى المذكور، الذي على باب المدينة الشرقي.
قال ابن القيم: ولم يصل ﷺ العيد بمسجده إلا مرة واحدة، أصابهم مطر فصلى بهم العيد في المسجد، إن ثبت الحديث، وهو في سنن أبي داود وابن ماجه. انتهى.
ولفظ أبي داود: عن أبي هريرة قال: أصابنا مطر في يوم فطر فصلى بنا رسول الله ﷺ في المسجد. زاد رزين: ولم يخرج بنا إلى المصلى.
الرابع في الأذان والإقامة:
عن جابر بن سمرة قال: صليت مع رسول الله ﷺ العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة. رواه مسلم وأبو داود والترمذي.
الحواشي
(١) على أن المسجد أفضل إذا اتسع" ودعوى الحصر في الأمرين ممنوعة، بل مع سعة مسجد مكة فيه معنى آخر هو ملاحظة الكعبة، ومع ضيق مسجد المدينة خرج لمعنى آخر وهو إظهار جمال الإسلام وإغاظة الكفار، فلا دلالة على أن إيقاعها في المسجد المتسع غير الحرم أفضل "والمراد بالمصلى المذكور" في الحديث الموضع "الذي على باب المدينة الشرقي".
قال الحافظ: هو موضوع معروف بينه وبين باب المدينة ألف ذراع، قاله عمر بن شيبة في أخبار المدينة عن أبي غسان الكناني صاحب مالك.
"قال ابن القيم: ولم يصل ﷺ العيد بمسجده إلا مرة واحدة، أصابهم مطر فصلى بهم العيد في المسجد إن ثبت الحديث، وهو في سنن أبي داود وابن ماجه. انتهى.
"ولفظ أبي داود عن أبي هريرة، قال: أصابنا مطر في يوم فطر "فصلى بنا رسول الله ﷺ في المسجد" النبوي لئلا يشق على الناس بالخروج في المطر "زاد رزين" في جامعه: "ولم يخرج بنا إلى المصلى" زيادة إيضاح.
"الرابع: في الأذان والإقامة" أي: حكمها وهو نفيهما "عن جابر بن سمرة" الصحابي ابن الصحابي "قال: صليت مع رسول الله ﷺ العيدين" الفطر والأضحى "غير مرة ولا مرتين" حال أي: كثيرًا "بغير أذان ولا إقامة، رواه مسلم وأبو داود والترمذي".
وقال جابر بن عبد الله: شهدت مع رسول الله ﷺ الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، رواه مسلم أيضًا.стр. 5077
وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ صلى يوم العيد بلا أذان ولا إقامة. رواه أبو داود.
الخامس في قراءته ﷺ في صلاتي العيدين:
عن أبي واقد الليثي: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الفطر والأضحى بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ في الأولى و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ في الثانية. رواه مسلم ومالك وأبو داود والترمذي.
وعن النعمان بن بشير قال: كان النبي ﷺ يقرأ في العيدين وفي صلاة الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأ بهما. رواه مسلم ومالك، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
الحواشي
(١) "وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ صلى يوم العيد بلا أذان ولا إقامة، رواه أبو داود" وإسناده صحيح كما في الفتح، ومثله عند النسائي من حديث ابن عمر، وفي مسلم عن جابر بن عبد الله: لا أذان للصلاة ولا إقامة ولا شيء، واحتج به من قال: لا يقال أمام صلاتها شيء.
وروى الشافعي عن الثقة عن الزهري، قال: كان ﷺ يأمر المؤذن في العيدين فيقول: "الصلاة جامعة"، وهذا مرسل فيه مبهم، وغاية ما قالوه يعضده القياس على صلاة الكسوف لثبوت ذلك فيها.
"الخامس: في قراءته ﷺ في صلاتي العيدين عن أبي واقد" بالقاف "الليثي" واسمه الحارث بن عوف، أو ابن مالك، واسمه عوف بن الحارث بن أسد، المدني الصحابي: "كان رسول الله ﷺ يقرأ في الفطر والأضحى بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] ، في" الركعة "الأولى، و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] ، في الثانية، رواه مسلم من طريق مالك وفليح بن سليمان "ومالك" في الموطأ "وأبو داود والترمذي" قيل: والمناسبة في قراءتهما في العيدين لاشتمالهما على المعنى اللائق بذلك من الخروج والصدور، ففي اقتربت يوم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر، وفي سورة ق ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤] ، فهاتان الآيتان مناسبتان لبروز الناس إلى المصلى، وحالهم في ذلك يشبه حال الخروج من القبور والصدور من المصلى بالمغفرة والسرور بالعيد، شبيه بالصدور من المحشر إلى الجنة، والوصول فيها إلى السرور الدائم.
"عن النعمان بن بشير" ﵄ "قال: كان النبي ﷺ يقرأ في" صلاة "العيدين وفي صلاة الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] ، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] ، وربما اجتمعا" أي: الفطر أو الأضحى والجمعة "في يوم واحدстр. 5078
السادس في خطبته ﷺ وتقديمه صلاة العيدين عليها:
عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة: رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
وعن جابر: أنه ﷺ خرج يوم الفطر، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة.
وفي رواية: قام فبدأ بالصلاة ثم خطب الناس فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكرهن، وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه يلقي فيه النساء صدقة.
وفي أخرى، قال: شهدت مع رسول الله ﷺ العيد، فبدأ بالصلاة قبل
الحواشي
(١) فقرأ بهما" لفظ مسلم: وإذا اجتمعا في يوم واحد يقرأ بهما أيضا في الصلاتين "رواه مسلم ومالك وأبو داود والترمذي والنسائي" ومر شرحه في الجمعة.
"السادس: في خطبته ﷺ وتقديمه صلاة العيدين عليها، عن ابن عمر قال: "كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة"، رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي" بطرق متعددة.
"وعن جابر" بن عبد الله "أنه ﷺ خرج يوم" عيد "الفطر" إلى المصلى "فبدأ بالصلاة قبل الخطبة".
وفي رواية" عن جابر أيضا: أن النبي ﷺ "قام" على قدميه "فبدأ بالصلاة" يوم العيد "ثم خطب الناس" بعد كما في الرواية، أي: بعد الصلاة "فلما فرغ" من الخطبة "نزل" فيه إشعار بأنه خطب على مكان مرتفع لما يقتضيه قوله: نزل.
وعند ابن خزيمة: خطب ﷺ يوم عيد على رجليه، وهذا مشعر بأنه لم يكن بالمصلى في زمانه منبر، ويدل عليه حديث أبي سعيد كما يأتي.
قال الحافظ: فلعل الراوي ضمن نزل معنى الانتقال، أي: انتقل "فأتى النساء فذكرهن" بشد الكاف، أي: وعظهن "وهو يتوكأ" أي: يعتمد "على يد بلال".
وزعم عياض أن وعظه النساء كان في أثناء الخطبة، وأنه كان في أول الإسلام وأنه من خصائصه، وتعقبه النووي بهذه الرواية المصرحة بأن ذلك كان بعد الخطبة والخصائص لا تثبت بالاحتمال "وبلال باسط ثوبه يلقي" بضم التحتية، أي: يرمي "فيه النساء صدقة"؛ لأنه أمرهن بها.
"وفي" رواية "أخرى" عن جابر أيضا "قال: شهدت" أي: حضرت "مع رسول الله ﷺ العيد، فبدأ" بالهمزة، أي: ابتدأ "بالصلاة قبل الخطبة" بضم الخاء "بلا أذان ولا إقامة، ثم قامстр. 5079
الخطبة، بلا أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئا على بلال، فأمر بتقوى الله تعالى، وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال: "تصدقن، فإن أكثركن حطب جهنم، فقامت امرأة من وسط النساء سفعاء الخدين فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير: قال:
الحواشي
(١) متوكئا" أي: معتمدا مع ثقل وقوة "على بلال" حال من ضمير الفاعل في قام، وثم حرف عطف ومهلة، فيحتمل أن بين الصلاة والخطبة زمنا هو مشيه من مكان الصلاة إلى مكان الخطبة، ويحتمل أن لا مهلة، كقوله:
كهز الرديني تحت العجاج ... جرى في الأنابيب ثم اضطرب
فليس المراد تأخر اضطراب الرمح عن زمن جريان الهز في أنابيبه "فأمر" ﷺ الناس "بتقوى الله تعالى وحث" بمثلثة، أي: حض الناس "على طاعته، ووعظ الناس وذكرهم" عطف تفسير "ثم" بعد فراغه من الخطبة "مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن" عطف تفسير.
قال الراغب: الوعظ زجر مقترن بتخويف، وقال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب.
"فقال: "تصدقن" يا معشر النساء "فإن أكثركن حطب جهنم" مبالغة في تعظيم العقاب، وهو من باب الإغلاظ في النصح لمن يعلم أنه لا يؤثر فيه دون ذلك "فقامت امرأة من وسط النساء" أي: جالسة في وسطهن، ولفظ مسلم: من سطة النساء بكسر السين وفتح الطاء خفيفة وهي صحيحة، وليس المراد بها من خيار النساء، كما فسره من زعم أنه تصحيف وأن صوابه من سفلة النساء كما في رواية النسائي، بل المراد جالسة في وسطهن.
قال الجوهري وغيره: يقال: وسطت القوم أسطهم سطة، أي: توسطتهم، وقال بعضهم: الأظهر أن المراد توسطها في القامة ليست بطويلة ولا قصيرة، فرواية مسلم ناظرة إلى قامتها، ورواية النسائي إلى منزلتها، وقوله: "سفعاء الخدين" بفتح السين المهملة وسكون الفاء وعين مهملة ممدودة، أي: في خديها سواد بيان لصورتها فلا تنافي "فقالت: لم يا رسول الله؟ " كن أكثر حطب جهنم "قال: "لأنكن تكثرن" بضم الفوقية وسكون الكاف وكسر المثلثة "الشكاة" بكسر الشين المعجمة والقصر، أي: التشكي من الأزواج، أي: تكتمن الإحسان وتظهرن الشكاية كثيرا "وتكفرن العشير" أي: الزوج، وهذا كالبيان لقوله: "تكثرن الشكاة"؛ لأن كثرة التشكي من الأزواج مع وجود الإحسان منهم كقربهم وستر لحقهم، ففيه ذم من يجحد إحسان ذي الإحسان، وهذه المرأة هي أسماء بنت يزيد بن السكن التي تعرف بخطيبة النساء.стр. 5080
فجعلن يتصدقن من حليهن ويلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتمهن". رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية أبي سعيد الخدري عند البخاري: فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم وينهاهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثا قطعه، أو يأمر بشيء أمر به، ثم نصرف. فقال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان، وهو
الحواشي
(١) فقد روى الطبراني والبيهقي وغيرهما عنها أنه ﷺ خرج إلى النساء وأنا معهن، فقال: "يا معشر النساء إنكن أكثر حطب جهنم"، فناديت رسول الله ﷺ وكنت عليه جريئة: لم يا رسول الله؟، قال: "لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير".
"قال" جابر: "فجعلن يتصدقن من حليهن": بضم الحاء وكسر اللام وشد التحتية، جمع حلى بفتح فسكون، أي: من الأشياء التي معهن من الحلي كقرط وخاتم، فالحلي هو المتصدق به لا رأس المال، فلا حجة فيه لمن قال بوجوب زكاة الحلي "ويلقين في ثوب بلال من أقراطهن" جمع قراط، بزنة رماح جمع قرط بضم فسكون فهو جمع الجمع كما قال عياض: والقرط كل ما علق في شحمة الأذن من ذهب أو خرز "وخواتمهن" بغير تحتية بعد الفوقية، جمع خاتم بفتح التاء وكسرها وهذا بيان لقوله: من حليهن "رواه" أي: حديث جابر المذكور برواياته الثلاثة "البخاري ومسلم" واللفظ له في الرواية الثالثة.
"وفي رواية أبي سعيد الخدري عند البخاري" بلفظه، ومسلم بنحوه، وقد سبق أول هذه الرواية أول الفرع الثالث، وهو كما قال: كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى "فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف" منها "فيقوم مقابل الناس" أي: مواجها لهم، ولابن حبان: فينصرف إلى الناس قائما في مصلاه، ولمسلم: فإذا صلى صلاته وسلم قام فأقبل على الناس "والناس جلوس على صفوفهم" جملة اسمية حالية "فيعظهم" يخوفهم العواقب "ويوصيهم" بسكون الواو، بما ينبغي الوصية به "ويأمرهم" بالحلال "وينهاهم" عن الحرام، ولمسلم: وكان يقول: "تصدقوا تصدقوا"، وكان أكثر من يتصدق النساء.
"فإن كان يريد أن يقطع بعثا" أي: يخرج طائفة من الجيش إلى جهة من الجهات "قطعه أو يأمر بشيء أمر به".
ولفظ مسلم: فإن كان له حاجة يبعث ذكره للناس، أو كانت له حاجة بغير ذلك أمرهم بها، وتخصيص ذلك بالعيدين لاجتماع الناس هناك فلا يحتاج أن يجمعهم مرة أخرى "ثم ينصرف" إلى المدينة "فقال": وفي رواية قال "أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك" الابتداءстр. 5081
أمير المدينة في فطر أو أضحى فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه، فقلت له: غيرتم والله. الحديث.
الحواشي
(١) بالصلاة والخطبة بعده ﷺ "حتى خرجت مع مروان" بن الحكم "وهو أمير المدينة" من جهة معاوية "في فطر أو أضحى" شك الراوي: "فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير" بكاف مفتوحة فمثلثة مكسورة "ابن الصلت" بفتح المهملة وسكون اللام وفوقية، ابن معاوية الكندي تابعي كبير، ولد في العهد النبوي وقدم المدينة هو وأخوته بعده، فسكنها وحالف بني جمح بن سعد، وروى بإسناد صحيح إلى نافع، قال: كان اسم كثير بن الصلت قليلا فسماه عمر كثيرا ورواه أبو عوانة فوصله بذكر ابن عمر ورفعه بذكر النبي ﷺ ، والأول أصح، وقد صح سماع كثير من عمر فمن بعده وكان له شرف، وذكر وهو ابن أخي جمد، بفتح الجيم وسكون الميم أو فتحها، أحد ملوك كندة الذين قتلوا في الردة، وقد ذكر ابن منده أباه في الصحابة وفي صحة ذلك نظر، وإنما اختض كثير ببناء المنبر بالمصلى؛ لأن داره كانت مجاورة للمصلى كما في حديث ابن عباس عند البخاري أنه ﷺ أتى في يوم العيد إلى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت.
قال ابن سعد: كانت داره قبلة المصلى في العيدين وهي تطل على بطحان الوادي الذي في وسط المدينة. انتهى.
وإنما بنى كثير داره بعده ﷺ بمدة، لكنها لما اشتهرت في تلك البقعة وصفت المصلى بمجاورتها، اله في فتح الباري "فإذا مروان يريد أن يرتقيه، فقلت له: غيرتم والله ... الحديث" لفظ البخاري: فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي، فجذبت بثوبه فجذبني، فارتفع فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيرتم والله، فقال أبا سعيد: قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة.
وفي مسلم قلت: كلا والذي نفسي بيده لا تأتون بخير مما أعلم، ثلاث مرات، أي: لأن ما يعلمه سنة النبي ﷺ ولا يأتي مروان بل ولا أحد من العالمين بشيء يكون خيرا من سنته ﷺ ، فزجره أولا بقوله: كلا، ثم بين له خطأ كلامه مؤكدا ذلك بالقسم، وفي هذا إشعار بأن مروان فعل ذلك باجتهاد منه.
وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن الحسن البصري، قال: أول من خطب قبل الصلاة عثمان صلى بالناس، ثم خطبهم، يعني على العادة، فرأى ناسا لم يدركوا الصلاة ففعل ذلك، أي: صار يخطب قبل الصلاة، وهذه العلة غير التي اعتل بها مروان؛ لأن عثمان راعى مصلحة الجماعة في إدراكهم الصلاة، وأما مروان فراعى مصلحتهم في إسماعهم الخطبة، لكن قيل: إنهم كانوا في زمن مروان يتعمدون ترك سماع خطبته لما فيها من سب من لا يستحق السب والإفراط فيстр. 5082
ولابن خزيمة: خطب ﵊ يوم عيد على رجليه.
وهذا مشعر بأنه لم يكن في المصلى في زمانه منبر، ويدل على ذلك قول أبي سعيد: "فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان"، ومقتضاه أن أول من اتخذه مروان.
ووقع في المدونة للإمام مالك: أن أول من خطب الناس في المصلى على منبر عثمان بن عفان، كلمهم على منبر من طين بناه كثير ابن الصلت، لكنه معضل، وما في الصحيحين أصح، فقد رواه مسلم من طريق داود بن قيس نحو
الحواشي
(١) مدح بعض الناس، فعلى هذا إنما راعى مصلحة نفسه، ويحتمل أن عثمان فعل ذلك أحيانا بخلاف مروان، فواظب عليه، فلذا نسب إليه.
وروي عن عمر مثل فعل عثمان عند ابن أبي شيبة وعبد الرزاق بإسناد صحيح، لكن يعارضه حديث ابن عباس وابن عمر في الصحيحين أنه كان يصلي قبل الخطبة، فإن جمع بوقوع ذلك منه نادرا، وإلا فما في الصحيحين أصح.
وقد أخرج الشافعي نحو حديث ابن عباس عن عبد الله بن يزيد، وزاد حتى قدم معاوية فقدم الخطبة، فهذا يشير إلى أن مروان إنما فعله تبعا لمعاوية؛ لأنه كان أمير المدينة من جهته، ولعبد الرزاق عن ابن جريج، عن الزهري قال: أول من أحدث الخطبة قبل الصلاة في العيد معاوية، ولابن المنذر عن ابن سيرين: أول من فعل ذلك زيادة بالبصرة.
قال عياض: ولا مخالفة بين هذين الأثرين وأثر مروان؛ لأن كلا من مروان وزياد كان عاملا لمعاوية، فيحمل على أنه ابتدأ بفعل ذلك وتبعه عماله.
"ولابن خزيمة" في رواية مختصرة عن أبي سعيد: "خطب ﵊ يوم عيد على رجليه، وهذا مشعر بأنه لم يكن في المصلى في زمانه منبر، ويدل على ذلك قول أبي سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان، ومقتضاه أن أول من اتخذه مروان، ووقع في المدونة للإمام مالك" أي: عنه؛ لأن مؤلفها سحنون تلميذ تلاميذه، رواه عن ابن القاسم وغيره عنه: "أن أول من خطب الناس في المصلى على منبر عثمان بن عفان كلمهم" بدل من خطب "على منبر من طين".
وفي مسلم من حديث أبي سعيد: من طين ولبن، قال ابن المنبر: اختاروا أن يكون من ذلك لا من الخشب لكونه ترك بالصحراء في غير حرز، فيؤمن عليه النقل بخلاف منبر الجامع "بناه كثير بن الصلت لكنه معضل، وما في الصحيحين أصح، فقد رواه مسلم من طريقстр. 5083
رواية البخاري. ويحتمل أن يكون عثمان فعل ذك مرة ثم تركه ثم أعاده مروان، ولم يطلع على ذلك أبو سعيد قاله شيخ الإسلام ابن حجر ﵀.
السابع في أكله ﷺ يوم الفطر قبل خروجه إلى صلاة العيد:
عن أنس: كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات. رواه البخاري وقال: قال مرجأ بن رجاء حدثني عبيد الله حدثني أنس عن النبي ﷺ : ويأكلهن وترا.
ورواه الحاكم من رواية عتبة بن حميد عنه بلفظ: ما خرج ﷺ يوم فطر
الحواشي
(١) داود بن قيس" القرشي، المدني، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري "نحو رواية البخاري" ولفظه، أعني مسلما: حتى أتينا المصلى، فإذا كثير بن الصلت قد بنى منبرا من طين ولبن.
"ويحتمل" في طريق الجمع بين ما في الصحيحين والمدونة؛ "أن يكون عثمان فعل ذلك مرة" لعذر "ثم تركه، ثم أعاده مروان ولم يطلع على ذلك أبو سعيد، قاله شيخ الإسلام ابن حجر ﵀".
زاد المصنف في شرح مسلم: وفي المدونة أيضا بناه لقمان وهو أول من أحدثه، وجمع بينهما بأن الباني هو لقمان، والآمر له ومعطيه الأجرة هو كثير؛ لأن المنبر متصل بجداره، فنسب إلى لقمان؛ لأنه المباشر، وإلى كثير؛ لأنه الآمر، والظاهر أن ذلك زمن عثمان، ومقصود أبي سعيد بيان حاله مع مروان في تقديم الخطبة على الصلاة، لا بيان أن المنبر بني في زمانه أو زمان غيره، فذكر أن في المصلى منبرا بناه كثير، وأراد مروان أن يخطب عليه قبل الصلاة، فالمفاجأة بين الإتيان إلى المصلى والوصول إلى المنبر لا بين الإتيان إليه وبناء المنبر. انتهى.
"السابع: في أكله ﷺ يوم الفطر قبل خروجه إلى اصلاة العيد: عن أنس" قال: "كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم" عيد "الفطر حتى يأكل تمرات، رواه البخاري" من أفراده عن مسلم من طريق هشيم، عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس عن أنس.
"وقال" البخاري تعليقا "قال: مرجأ" بضم الميم وفتح الراء وشد الجيم آخره همزة، كذا في الفرع، وأصله وضبطه في الفتح بغير همز على وزن معلى، قاله المصنف "ابن رجاء" بفتح الراء والجيم الخفيفة والمد السمرقندي البصري، مختلف في الاحتجاج به وليس له في البخاري غير هذا الموضع الواحد: "حدثني عبيد الله" بضم العين ابن أبي بكر بن أنس بن مالك قال: "حدثني أنس" يعني جده "عن النبي ﷺ :" هذا الحديث ورد "ويأكلهن وترا" وفائدة هذا التعليق تصريح عبيد الله بتحديث أنس له؛ لأن الأولى بالعنعنة "و" قد "رواه الحاكم" وابن حبانстр. 5084
حتى يأكل تمرات، ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أقل من ذلك أو أكثر وترا.
قال المهلب: الحكمة في الأكل قبل الصلاة، أن لا يظن ظان لزوم الصوم حتى يصلي العيد، فكأنه أراد سد هذه الذريعة.
وقال غيره: لما وقع وجوب الفطر عقب وجوب الصوم استحب تعجيل الفطر مبادرة إلى امتثال أمر الله تعالى، ويشعر بذلك اقتصاره على القليل من ذلك، ولو كان لغير الامتثال لأكل قدر الشبع، أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة.
وقيل: لأن الشيطان الذي يحبس في رمضان لا يطلق إلا بعد صلاة العيد، فاستحب تعجيل الفطر مبادرة إلى السلامة من وسوسته.
والحكمة في استحباب التمر لما في الحلو من تقوية البصر الذي يضعفه الصوم؛ ولأن الحلو مما يوافق الإيمان ويعبر به في المنام، ويرق القلب، ومن ثم
الحواشي
(١) والإسماعيلي موصولا "من رواية عتبة" بفوقية "ابن حميد" الضبي البصري، صدوق له أوهام "عنه" أي: عن عبيد الله، عن أنس "بلفظ: ما خرج ﷺ يوم فطر حتى يأكل تمرات ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أقل من ذلك" واحدة "أو أكثر" كتسع بدليل قوله: "وترا" فلم ينفرد به هشيم بل تابعه مرجا وعتبة، وكذا وصله ابن خزيمة والإسماعيلي وغيرهما من طريق أبي النضر عن مرجا، بلفظ: يخرج بدل يغدو، والباقي مثل لفظ هشيم وفيه الزيادة، وأخرجه أحمد والبخاري في تاريخه عن حرمي بن عمارة عن مرجا، بلفظ: ويأكلهن أفرادا.
"قال المهلب: الحكمة في الأكل قبل الصلاة أن لا يظن ظان لزوم الصوم حتى يصلي العيد، فكأنه أراد سد هذه الذريعة" بذال معجمة، أي: الوسيلة إلى اعتقاد حرمة الفطر قبل الصلاة "وقال غيره: لما وقع وجوب الفطر عقب وجوب الصوم استحب تعجيل الفطر مبادرة إلى امتثال أمر الله تعالى، ويشعر بذلك اقتصاره على القليل من ذلك، ولو كان لغير الامتثال لأكل قدر الشبع، أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة" ولا يعارضه ما عند ابن ماجه عن ابن عمر: كان ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يغدي أصحابه من صدقة الفطر، لاحتمال أنه فعل ذلك تارة لبيان الجواز، أو أنه كان يغديهم ويقتصر هو على تمرات وترا من غير الصدقة.
"وقيل: لأن الشيطان الذي يحبس في رمضان لا يطلق إلا بعد صلاة العيد، فاستحب تعجيل الفطر مبادرة إلى السلامة من وسوسته".
ويأتي توجيه آخر عن ابن المنير: "والحكمة في استحباب التمر لما في الحلو من تقوية البصر الذي يضعفه الصوم؛ ولأن الحلو مما يوافق الإيمان ويعبر به في المنام:" فمن رأى فيه أنه يأكل حلوًا عبرت بقوة إيمانه "ويرق القلب".стр. 5085
استحب بعض التابعين أن يفطر على الحلو مطلقا كالعسل. رواه ابن أبي شيبة عن معاوية بن قرة وابن سيرين وغيرهما.
وفي الترمذي والحاكم من حديث بريدة قال: كان رسول الله ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي، ونحوه عند البزار عن جابر بن سمرة. وروى الطبراني والدارقطني من حديث ابن عباس قال: من السنة أن لا يخرج يوم الفطر حتى يخرج الصدقة ويطعم شيئا قبل أن يخرج. وفي كل من الأسانيد الثلاثة مقال.
وقد أخذ الفقهاء بما دلت عليه. قال ابن المنير: وقع أكله ﷺ في كل يوم
الحواشي
(١) زاد الحافظ: وهو أيسر من غيره "ومن ثم استحب بعض التابعين أن يفطر على الحلو مطلقا" تمرا كان أو غيره "كالعسل، رواه ابن أبي شيبة عن معاوية بن قرة" بضم القاف وشد الراء ابن إياس البصري "وابن سيرين" محمد "وغيرهما".
زاد الحافظ: وروى فيه معنى آخر عن ابن عون أنه سئل عن ذلك، فقال: إنه يحبس البول، هذا كله في حق من يقدر على ذلك، وإلا فينبغي أن يفطر ولو على الماء ليحصل له شبه ما في الإتباع، أشار إليه ابن أبي جمرة، وأما جعلهن وترا، فقال المهلب: للإشارة إلى الوحدانية، وكذلك كان ﷺ يفعل في جميع أموره تبركا بذلك.
"وفي الترمذي": وقال: غريب وأحمد وابن ماجه "والحاكم" وقال: صحيح "من حديث بريدة" بن الحصيب "قال: كان رسول الله ﷺ لا يخرج" لصلاة العيد "يوم" عيد "الفطر حتى يطعم" بفتح الياء والعين، أي يأكل، ويطلق على كل ما يساغ حتى الماء وذوق الشيء "ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي".
وفي رواية: حتى يذبح، وأخرى: حتى يرجع، زاد أحمد والدارقطني: فيأكل من الأضحية.
وفي رواية: من نسيكته "ونحوه عند البزار عن جابر بن سمرة".
"وروى الطبراني والدارقطني من حديث ابن عباس، قال: من السنة أن لا يخرج" إلى الصلاة "يوم" عيد "الفطر حتى يخرج الصدقة" أي: صدقة الفطر "ويطعم" يأكل "شيئا قبل أن يخرج" للصلاة فيجمع بين الأمرين، وقول الصحابي: من السنة حكمه الرفع؛ لأنه إنما يعني سنة النبي ﷺ .
"وفي كل من أسانيد" الأحاديث "الثلاثة مقال، وقد أخذ أكثر الفقهاء بما دلت عليه" من استحباب ذلك لاعتضاد بعضها ببعض.
"قال" الزين "بن المنير: وقع أكله ﷺ في كل يوم من العيدين في" أول "الوقتстр. 5086
من العيدين في الوقت المشروع لإخراج صدقتهما الخاصة بهما، فإخراج صدقة الفطر قبل الغدو إلى المصلى، وإخراج صدقة الأضحية بعد ذبحها، فاجتمعا من جهة، وافترقا من أخرى.
وقال الشافعي في الأم: بلغنا عن الزهري قال: ما ركب رسول الله ﷺ في عيد ولا جنازة قط. وفي الترمذي عن علي قال: من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيا، وفي ابن ماجه عن سعد القرظ أنه ﷺ كان يخرج إلى العيدين ماشيا، وفيه أيضا عن أبي رافع نحوه، والأسانيد الثلاثة ضعاف.
وعن أبي هريرة قال: كان ﷺ إذا خرج يوم العيد في طريق رجع في غيره. رواه الترمذي.
الحواشي
(١) المشروع لإخراج صدقتهما الخاصة بهما، فإخراج صدقة الفطر قبل الغدو إلى المصلى، وإخراج صدقة الأضحية بعد ذبحها، فاجتمعا من جهة" هي أن خروجه للصلاة في كل من العيدين في الوقت الذي يشرع فيه صدقته "وافترقا من أخرى" هي أن الوقت الذي تشرع فيه صدقة الفطر قبل الصلاة والذي يشرع فيه صدقة الأضحى بعد الصلاة.
زاد الحافظ: واختار بعضهم تفصيلا آخر، فقال: من كان له ذبح استحب له أن يبدأ بالأكل يوم النحر منه، ومن لم يكن له ذبح تخير.
"وقال الشافعي في الأم: بلغنا عن الزهري، قال: ما ركب رسول الله ﷺ في عيد ولا جنازة قط" تكثيرا للأجر.
"وفي الترمذي عن علي، قال: من السنة" للنبي ﷺ "أن يخرج إلى العيد ماشيا" أي: إلى جنسه الشامل للعيدين.
"وفي ابن ماجه عن سعد القرظ:" بفتح القاف والراء وظاء معجمة المؤذن بقباء مولى الأنصار، عاش إلى سنة أربع وسبعين؛ "أنه ﷺ كان يخرج إلى العيدين ماشيا، وفيه أيضا عن أبي رافع نحوه" ولفظه: كان ﷺ يخرج إلى العيدين ماشيا بغير أذان ولا إقامة، ثم يرجع ماشيا من طريق آخر "والأسانيد الثلاثة ضعاف" كما قال الحافظ، وقد رواه ابن ماجه أيضا عن ابن عمر: كان ﷺ يخرج إلى العيدين ماشيا ويرجع ماشيا، فيعضد بعضها بعضا.
"وعن أبي هريرة قال: كان ﷺ إذا خرج يوم العيد" الفطر والأضحى "في طريق رجع في غيره، رواه الترمذي" وصححه الحاكم، وقد أخرجه البخاري بمعناه عن جابر، قال: كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق، أي: رجع في غير طريق الذهاب إلى المصلى، ورواه الإسماعيلي بلفظ: كان إذا خرج العيد رجع من غير الطريق الذي ذهب فيه.стр. 5087
وقد اختلف في معنى ذلك على أقوال كثيرة، قال الحافظ ابن حجر: اجتمع لي منها أكثر من عشرين، وقد لخصتها وبينت الواهي منها.
فمن ذلك: أنه فعل ذلك ليشهد له الطريقان، وقيل: له سكانهما من الجن والإنس، وقيل: ليسوي بينهما في مزية الفضل بمروة أو في التبرك به، أو ليشم رائحة المسك من الطريق التي يمر بها؛ لأنه كان معروفا بذلك. وقيل: لأن طريقه إلى المصلى كانت على اليمين، فلو رجع منها لرجع على جهة الشمال فرجع من غيرها. وهذا يحتاج إلى دليل.
وقيل: لإظهار شعائر الإسلام فيهما، وقيل: لإظهار ذكر الله، وقيل: ليغيظ المنافقين واليهود، وقيل: حذرا من كيد الطائفتين أو إحداهما، وقيل: ليعمهم بالسرور
الحواشي
(١) "وقد اختلف في معنى" أي: حكمة "ذلك على أقوال كثيرة"؛ لأن كل من ظهرت له حكمة أبداها.
"قال الحافظ ابن حجر: اجتمع لي منها أكثر من عشرين" قولا "وقد لخصتها وبينت الواهي منها".
قال القاضي عبد الوهاب المالكي: ذكر في ذلك فوائد بعضها قريب وأكثرها دعاوى فارغة. انتهى.
نقله الحافظ متصلا بقوله: "فمن ذلك أنه فعل ذلك ليشهد له الطريقان" بالسعي في الطاعة "وقيل:" ليشهد "له سكانهما من الجن والإنس، وقيل: ليسوي بينهما في مزية الفضل بمروره، أو في التبرك به، أو ليشم رائحة المسك من الطريق التي يمر بها؛ لأنه كان معرفوا بذلك" أي: بأنه إذا مر بطريق أثر مروره وجود رائحة المسك فيما مر فيه، وتدوم الرائحة بعد مفارقته، حتى إن من مر بعده يستدل بما يجده من رائحة المسك على أنه ﷺ مر من ذلك المكان.
"وقيل: لأن طريقه إلى المصلى كان على اليمين، فلو رجع منها لرجع على جهة الشمال فرجع من غيرها" لحبه التيمن "وهذا يحتاج إلى دليل" أنها كانت على اليمين "وقيل: لإظهار شعائر الإسلام فيهما" أي: الطريقين "وقيل: لإظهار ذكر الله" في الطريقين "وقيل: ليغيظ المنافقين واليهود" أسقط من الفتح، وقيل: ليرهبهم بكثرة من معه ورجحه ابن بطال.
"وقيل: حذرا من كيد الطائفتين أو إحداهما" وفيه نظر؛ لأنه لو كان كذلك لم يكرره، قاله ابن التين، وتعقب بأنه لا يلزم من مواظبته على مخالفة الطريق المواظبة على طريق منها معين، لكن في رواية الشافعي عن المطلب بن عبد الله بن حنطب مرسلا أنه ﷺ يغدو يوم العيدстр. 5088
به والتبرك بمروره والانتفاع به في قضاء حوائجهم في الاستفتاء أو التعلم والاقتداء، والاسترشاد والسلام عليهم أو غير ذلك، وقيل: ليزور أقاربه الأحياء والأموات، وقيل: ليصل رحمه، وقيل: ليتفاءل بتغير الحال إلى المغفرة والرضا، وقيل: كان يتصدق في ذهابه فإذا رجع لم يبق معه شيء فيرجع في طريق آخر لئلا يرد من يسأله. وهذا ضعيف جدا مع احتياجه إلى دليل.
وقيل: فعل ذلك لتخفيف الزحام، وهذا رجحه الشيخ أبو حامد، وقيل: كان طريقه التي يتوجه منها أبعد من طريقه التي يرجع فيها، فأراد تكثير الأجر بتكثير الخطى في الذهاب، وأما في الرجوع فليسرع إلى منزله، وهذا اختيار الرافعي. وتعقب بأنه يحتاج إلى دليل وبأن أجر الخطى في الرجوع أيضا، كما ثبت في حديث أبي بن كعب عند الترمذي وغيره، وقيل: لأن الملائكة تقف في الطرقات
الحواشي
(١) إلى المصلى من الطريق الأعظم ويرجع من الطريق الآخر، وهذا لو ثبت لقوى بحث ابن التين، هكذا في الفتح متصلا بقوله:
"وقيل": فعل ذلك "ليعمهم بالسرور به والتبرك بمروره" وبرؤيته كما في الفتح "والانتفاع به في قضاء حوائجهم في الاستفتاء أو التعلم والاقتداء والاسترشاد والسلام عليهم أو غير ذلك".
"وقيل: ليزور أقاربه الأحياء والأموات، وقيل: ليصل رحمه، وقيل: ليتفاءل بتغير الحال إلى المغفرة" لأمته "والرضا" عنهم من الله "وقيل: كان يتصدق في ذهابه، فإذا رجع لم يبق معه شيء فيرجع في طريق أخرى لئلا يرد من يسأله، وهذا ضعيف جدا مع احتياجه إلى دليل" إذ هو مجرد دعوى.
"وقيل: فعل ذلك لتخفيف الزحام وهذا رجحه الشيخ أبو حامد".
زاد الحافظ وأيده المحب الطبري بما رواه البيهقي في حديث ابن عمر، فقال: ليسع الناس، وتعقب بأنه ضعيف، وبأن قوله: ليسع الناس يحتمل أن يفسر بفضله وبركته، وهذا الذي رجحه ابن التين.
"وقيل: كان طريقه التي يتوجه منها أبعد من طريقه التي يرجع فيها، فأراد تكثير الأجر بتكثير الخطى:" جمع خطوة "في الذهاب، وأما في الرجوع فليسرع إلى منزله" ليسر أهله "وهذا اختيار الرافعي".
"وتعقب بأنه يحتاج إلى دليل وبأن أجر الخطى" يكتب "في الرجوع أيضا" ولفظ يكتب ثابتة في الفتح، فسقطت من المصنف أو نساخه "كما ثبت في حديث أبي بن كعبстр. 5089
فأراد أن يشهد له فريقان منهم. وقال ابن أبي جمرة: هو في معنى قول يعقوب لبنيه: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ فأشار إلى أنه فعل ذلك حذر إصابة العين. انتهى.
وكان ﵊ يخرج الأبكار والعواتق وذوات الخدور والحيض في العيدين، فأما الحيض فيعتزلن المصلى ويشهدن دعوة المسلمين. قالت إحداهن: يا رسول الله إحدانا لم يكن لها جلباب، قال: "فلتعرها أختها من
الحواشي
(١) عند الترمذي وغيره" أسقط من الفتح، فلو عكس ما قاله لكان له اتجاه، ويكون سلوك الطريق القريبة للمبادرة إلى فعل الطاعة وإدراك فضيلة أول الوقت.
"وقيل: لأن الملائكة تقف في الطرقات، فأراد أن يشهد له فريقان منهم، وقال ابن أبي جمرة: هي في معنى قول يعقوب لبنيه: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف: ٦٥] "فأشار إلى أنه فعل ذلك حذر إصابة العين" وهي حق، وأسقط من الفتح، وأشار صاحب الهدى إلى أنه فعل ذلك جميع ما ذكر من الأشياء المحتملة القريبة. "انتهى" كلام الحافظ بن حجر بحروفه بما ذكرت أنه أسقطه منه.
"وكان ﵊ يخرج الأبكار" أي: يأمر كما في رواية للشيخين عن أم عطية: أمرنا ﷺ أن نخرج الأبكار "والعواتق" جمع عاتق البالغة، أو التي قاربت البلوغ، أو التي ما بين أن تبلغ إلى أن تعنس ما لم تتزوج، والتعنيس طول المقام في بيت أبويها بلا زوج حتى تطعن في السن، سميت عاتقا؛ لأنها عتقت من الخدمة أو من قهر أبويها "وذوات الخدور" بضم الخاء المعجمة والدال المهملة، جمع خدر وهو الستر في ناحية البيت، أو السرير المضروب عليه قبة "والحيض" بضم المهملة وشد التحتية: جمع حائض "في العيدين"، متعلق بيخرج "فأما الحيض فيعتزلن المصلى" فلا يختلطن بالمصليات، ومنعهن منع تنزيه، ولمسلم: وأمر الحيض أن يتعزلن مصلى المسلمين "ويشهدن دعوة المسلمين".
وفي رواية في الصحيحين: ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، أي أن خروجهن لأجل شهود الخير ودعوة المسلمين لا لأجل الصلاة "قالت إحداهن" هي رواية الحديث أم عطية: "يا رسول الله إحدانا إذا لم يكن لها جلباب:" بكسر الجيم وسكون اللام وموحدتين بينهما ألف، ثوب أقصر وأعرض من الخمار، وهو المقنعة تغطي به المرأة رأسها، أو هو الخمار، أو الإزار كالملاءة والملحفة، أو ثوب واسع تغطي به المرأة صدرها وظهرها "قال: فلتعرها أختها" في الإسلام "من جلابيبها" جمع جلباب.
وفي رواية للشيخين: من جلبابها بالإفراد على أن المعنى من جنس جلبابها بدليل روايةстр. 5090
جلابيبها". رواه البخاري ومسلم والترمذي واللفظ له.
ولا دلالة فيه على وجوب صلاة العيد؛ لأن من جملة من أمر بذلك من ليس بمكلف، فظهر أن القصد منه إظهار شعائر الإسلام بالمبالغة في الاجتماع، وليعم الجميع البركة.
وفيه: استحباب خروج النساء إلى شهود العيد، سواء كن شواب أو لا، أو ذوات هيآت أم لا، ولكن نص الشافعي في الأم يقتضي استثناء ذوات الهيآت. قال: وأحب شهود العجائز وغير ذوات الهيآت الصلاة. وأنا لشهودهن الأعياد أشد
الحواشي
(١) الجمع، أو المراد تشركها معها في ثوبها، ويؤيده رواية أبي داود: تلبسها صاحبتها طائفة من ثوبها، يعني إذا كان واسعا، ويحتمل أن المراد بقوله: ثوبها جنس الثياب، فيرجع إلى الأول ويؤخذ منه جواز اشتمال المرأتين في ثوب واحد عند الستر.
وقيل: إنه ذكر على سبيل المبالغة، أي: يخرجن على كل حال ولو اثنتين في جلباب، قاله الحافظ "رواه البخاري" في مواضع "ومسلم" في العيد، كلاهما من طرق "والترمذي واللفظ له" وأبو داود وغيرهم كلهم من حديث أم عطية "ولا دلالة فيه على وجوب صلاة العيد" خلافا لمن استدل به على ذلك "؛لأن من جملة من أمر بذلك من ليس بمكلف" بل من يحرم عليه الصلاة وهو الحيض "ظهر أن القصد منه إظهار شعائر الإسلام بالمبالغة في الاجتماع وليعم الجميع البركة" الحاصلة "وفيه استحباب خروج النساء إلى شهود العيد، سواء كن شواب أم لا، أو ذوات هيئات أم لا؟ ".
وقد اختلف فيه السلف، فنقل عياض وجوبه عن أبي بكر وعلي وابن عمر، والذي وقع لنا عن أبي بكر وعلي ما أخرجه ابن أبي شيبة وغيره عنهما، فالأحق على كل ذات نطاق الخروج إلى العيدين، وقد ورد هذا مرفوعا بإسناد لا بأس به، أخرجه أحمد وأبو يعلى وابن المنذر من طريق امرأة من عبد القيس عن أخت عبد الله بن رواحة، والمرأة لم تسم والأخت اسمها عمرة صحابية، وقوله: حق يحتمل الوجوب، ويحتمل تأكد الاستحباب.
وروى ابن أبي شيبة أيضا عن ابن عمر أنه كان يخرج إلى العيد من استطاع من أهل وهذا ليس صريحا في الووب أيضا، بل قد روي عن ابن عمر المنع، فيحتمل أن يحمل على حالين، ومنهم من حمله على الندب، وجزم بذلك الجرجاني من الشافعية وابن حامد من الحنابلة.
"ولكن نص الشافعي في الأم يقتضي استثناء ذوات الهيئات، قال: وأحب شهود العجائز غير ذوات الهيئات الصلاة، وأنا لشهودهن الأعياد أشد استحبابا".стр. 5091
استحبابا.
وادعى بعضهم النسخ فيه، قال الطحاوي: وأمره ﵊ بخروج الحيض وذوات الخدور إلى العيد يحتمل أن يكون في أول الإسلام، والمسلمون قليل، فأريد التكثير بحضورهن إرهابا للعدو. وأما اليوم فلا يحتاج إلى ذلك.
وتعب: بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقد صرح في حديث أم عطية بعلة الحكم، وهي شهودهن الخير ودعوة المسلمين، ورجاء بركة ذك اليوم وطهرته، وقد أفتت به أم عطية بعد النبي ﷺ بمدة، ولم يثبت عن أحد من الصحابة مخالفتها في ذلك.
الحواشي
(١) قال الحافظ: وقد سقطت الواو من رواية المزني في المختصر، فصار غير ذوات الهيئات صفة للعجائز، فمشى على ذلك صاحب النهاية ومن تبعه وفيه ما فيه، بل قد روى البيهقي في المعرفة عن الربيع، قال: قال الشافعي: قد روى حديث فيه إن النساء يتركن إلى العيدين، فإن كان ثابتا قلت به.
قال البيهقي: قد ثبت وأخرجه الشيخان، يعني حديث أم عطية هذا، فيلزم الشافعية القول به، ونقله ابن الرقعة عن البندنيجي وقال: إنه ظاهر كلام التنبيه "وادعى بعضهم النسخ فيه".
"قال الطحاوي: وأمره ﵊ بخروج الحيض وذوات الخدور إلى العيد، يحتمل أن يكون في أول الإسلام والمسلمون قليل، فأريد التكثير بحضورهن إرهابا للعدو، وأما اليوم فلا يحتاج إلى ذلك" لكثرة المسلمين "وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال".
"وقد صرح في حديث أم عطية بعلة الحكم وهي شهودهن الخير ودعوة المسلمين، ورجاء بركة ذلك اليوم وطهرته، وقد أفتت به أم عطية بعد النبي ﷺ بمدة" كما في الصحيح عن حفصة بنت سيرين، قالت: كنا نمنع جوارينا أن يخرجن يوم العيد، فجاءت امرأة فنزلت قصر بني خلف، فجئتها فحدثت أن زوج أختها غزا مع النبي ﷺ ثنتي عشرة غزوة، وكانت أختها معه الحديث، وفيه قالت حفصة: فلما قدمت أم عطية أتيتها فسألتها: أسمعت النبي ﷺ في كذا؟، قالت نعم، وذكرت لها الحديث، قالت المرأة: فقلت لها: الحيض؟ قالت: نعم، أليست الحائض تشهد عرفات وتشهد كذا وتشهد كذا؟، فقد أفتت به وأكدت فتواها بالقياس على عرفة والمزدلفة ورمي الجمار المعبر عنهما بكذا وكذا "ولم يثبت عن أحد من الصحابة مخالفتها في ذلك".стр. 5092
وأما قول عائشة: "لو رأى النبي ﷺ ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد" فلا يعارض ذلك لندوره، إن سلمنا أن فيه دلالة على أنها أفتت بخلافه، مع أن الدلالة فيه بأن عائشة أفتت بالمنع ليست صريحة.
وفي قول الطحاوي: "إرهابا للعدو" نظر؛ لأن الاستنصار بالنساء والتكثر بهن في الحرب دال على الضعف.
والأولى: أن يخص ذلك بمن يؤمن عليها وبها الفتنة، فلا يترتب على حضورها محظور، ولا تزاحم الرجال في الطرق ولا في الجامع -قاله في فتح الباري.
وكان ﵊ يخرج العنزة يوم الفطر والأضحى فيركزها فيصلي إليها. رواه النسائي وغيره.
وإذا علمت هذا فاعلم أن للمؤمنين في هذه الدار ثلاثة أعياد، عيد يتكرر في كل أسبوع، وعيدان يأتيان في كل عام مرة من غير تكرار في السنة.
فأما العيد المتكرر فهو يوم الجمعة، وهو عيد الأسبوع، وهو مترتب على إكمال الصلوات المكتوبة فيه فشرع لهم فيه عيدًا.
الحواشي
(١) "وأما قول عائشة" في الصحيحين: "لو رأى النبي ﷺ ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد" كما منعت نساء بني إسرائيل "فلا يعارض ذلك لندوره إن سلمنا أن فيه دلالة على أنها" أي: عائشة "أفتت بخلافه مع أن الدلالة فيه بأن عائشة أفتت بالمنع ليست صريحة؛" لأنها علقته على شيء لم يقع، إذ لم يرو لو رأى لاحتمل أن يزجرهن عما أحدثن ولا يمنعهن المساجد.
"وفي قول الطحاوي: إرهابا للعدو نظر؛ لأن الاستنصار بالنساء والتكثر بهن في الحرب دال على الضعف، والأولى أن يخص ذلك بمن يؤمن عليها وبها الفتنة، فلا يترتب على حضورها محظور ولا تزاحم الرجال في الطرق ولا في الجامع، قاله في فتح الباري" في العيدين "وكان ﵊ يخرج العنزة" بفتح المهملة والنون والزاي "يوم" عيد "الفطر والأضحى فيركزها" بضم الكاف، يثبتها "فيصلي إليها، رواه النسائي وغيره".
"وإذا علمت هذا فاعلم أن للمؤمنين في هذه الدار ثلاثة أعياد" هي "عيد يتكرر في كل أسبوع وعيدان يأتيان في كل عام من غير تكرار في السنة، فأما العيد المتكرر فهو يوم الجمعة وهو عيد الأسبوع وهو مترتب على إكمال الصلوات المكتوبات فيه" أيстр. 5093
وأما العيدان اللذان لا يتكرران في كل عام، وإنما يأتي كل واحد منهما في العام مرة واحدة.
فأحدهما: عيد الفطر من صوم رمضان، وهو مترتب على إكمال صيام رمضان، وهو الركن الثالث من أركان الإسلام ومبانيه، فإذا أكمل المسلمون صيام شهر رمضان المفروض عليهم واستوجبوا من الله المغفرة والعتق من النار، فإن صيامه يوجب مغفرة ما تقدم من الذنب، وآخره عتق من النار يعتق الله فيه من النار من استحقها بذنوبه، شرع الله تعالى لهم عقب صيامهم عيدا يجتمعون فيه على شكر الله تعالى وذكره، وتكبيره على ما هداهم له، وشرع لهم في ذلك العيد الصلاة والصدقة، وهو يوم الجوائز يستوفي فيه الصائمون أجر صيامهم ويرجعون بالمغفرة.
الحواشي
(١) أسبوع "فشرع لهم فيه عيدا" سرورا بإكمال الصلوات.
"وأما العيدان اللذان لا يتكرران في كل عام، وإنما يأتي كل واحد منهما في العام مرة واحدة، فأحدهما عيد الفطر من صوم رمضان وهو مترتب على إكمال صيام رمضان، وهو الركن الثالث من أركان الإسلام ومبانيه" بعد الشهادتين في قوله ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان والحج"، فقال رجل: والحج وصيام رمضان، فقال ابن عمر: لا صيام رمضان والحج، هكذا سمعت من رسول الله ﷺ ، رواه مسلم من طريق سعد بن عبيدة عن ابن عمر.
قال الحافظ: فأقاد أن رواية حنظلة عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر في البخاري بتقديم الحج مروية بالمعنى إما لأنه لم يسمع، زاد ابن عمر: على ارجل لتعدد المجالس أو حضر ذلك ونسيه. انتهى، "فإذا أكمل المسلمون صيام شهر رمضان المفروض عليهم، واستوجبوا من الله المغفرة والعتق من النار" كما جاء في الحديث "فإن صيامه يوجب مغفرة ما تقدم من الذنب وآخره عتق من النار يعتق الله فيه من النار من استحقها بذنوبه شرع" جواب "إذا". وفي نسخة: فشرع بالفاء على القليل في جواب إذا "الله تعالى لهم عقب صيامهم عيدا يجتمعون فيه على شكر الله تعالى، وذكره وتكبيره على ما هداهم له، وشرع لهم في ذلك العيد الصلاة والصدقة وهو يوم الجوائز يستوفي فيه الصائمون أجر صامهم ويرجعون بالمغفرة" فضلا من الله سبحانه.стр. 5094
والعيد الثاني عيد النحر: وهو أكبر العيدين وأفضلهما، وهو مترتب على إكمال الحج، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ومبانيه، فإذا أكمل المسلمون حجهم غفر لهم، وإنما يكمل الحج بيوم عرفة، فإن الوقوف بعرفة ركن الحج الأعظم، ويوم عرفة هو يوم العتق من النار، فيعتق الله فيه من النار من وقف بعرفة ومن لم يقف بها من أهل الأمصار من المسلمين، فلذلك صار اليوم الذي يليه عيدا لجميع المسلمين في جميع أمصارهم، من شهد الموسم منهم ومن لم يشهد، لاشتراكهم في العتق والمغفرة يوم عرفة، وشرع للجميع التقرب إليه تعالى بالنسك بإراقة دماء ضحاياهم، فيكون ذلك اليوم شكرا منهم لهذه النعم، والصلاة والنحر الذي يجتمع في عيد النحر أفضل من الصلاة والصدقة في عيد الفطر، ولهذا أمر رسول الله ﷺ أن يجعل شكره لربه على إعطائه الكوثر أن يصلي لربه وينحر.
وقد ضحى ﷺ بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى الله تعالى وكبر. رواه البخاري من حديث أنس، قال: ورأيته واضعا قدمه على صفاحهما،
الحواشي
(١) "والعيد الثاني عيد النحر، وهو أكبر العيدين وأفضلهما وهو مترتب على إكمال الحج، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ومبانيه" بعد الشهادتين "فإذا أكمل المسلمون حجهم غفر لهم" كما وعد الله تعالى "وإنما يكمل الحج بيوم عرفة، فإن الوقوف بعرفة ركن الحج الأعظم" الذي يفوت الحج بفواته "ويوم عرفة هو يوم العتق من النار، فيعتق الله فيه من النار من وقف بعرفة ومن لم يقف بها من أهل المسلمين، فلذلك صار اليوم الذي يليه عيدا لجميع المسلمين في جميع أمصارهم، من شهد الموسم منهم ومن لم يشهد لاشتراكهم في العتق والمغفرة يوم عرفة، وشرع للجميع التقرب إليه تعالى بالنسك:" العبادة "بإراقة دماء ضحاياهم، فيكون ذلك اليوم شكرا منهم لهذه النعم والصلاة والنحر الذي يجتمع في عيد النحر أفضل من الصلاة والصدقة في عيد الفطر، ولهذا أمر رسول الله ﷺ " أي أمره الله "أن يجعل شكره لربه على إعطائه الكوثر" نهر في الجنة "أن يصلي لربه" العيد "وينحر" الضحية "وقد ضحى ﷺ بكبشين أملحين" بحاء مهملة تثنية أملح وهو الذي يخالط سواده بياض، والبياض أكثر، وقال الأصمعي: هو الأغبر، وقال ابن الأعرابي: الأبيض الخالص "أقرنين" تثنية أقرن وهو الكبير القرن "ذبحهما بيده الشريفة؛ لأنه أفضل، إذ الذبح عبادة وأفضلها أن يباشرها بنفسه إن كان يحسن ذلك كالمصطفى "وسمى الله تعالى وكبر، رواه البخاري من حديث أنس".стр. 5095
يقول: "بسم الله والله أكبر".
وعن عائشة: أنه ﷺ أمر بكبش يطأ في سواد، ويبرك في سواد، فأتى به ليضحي به، فقال: "يا عائشة، هلمي المدية"، ثم قال: "اشحذيها بحجر" ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه، قال: "بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد"، ثم ضحى به، رواه مسلم.
وعن جابر: ذبح النبي ﷺ يوم النحر كبشين أقرنين أملحين موجوءين، فلما وجههما قال: "إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، على ملة إبراهيم
الحواشي
(١) "قال" أنس أيضا كما رواه البخاري وابن ماجه في الأضاحي، ومسلم والنسائي في الذبائح "ورأيته" ﷺ حال كونه "واضعا قدمه" الشريفة "على صفاحهما" بكسر الصاد المهملة، وجمع وإن كان وضعه على صفحتيهما إما باعتبار أن الصفحتين من كل واحدة في الحقيقة موضوع عليهما قدمه المباركة؛ لأن إحداهما مما يلي الأخرى مما يلي الرجل، وإما أنه من باب قطعت رؤوس الكبشين.
وقال في الفتح: الصفاح الجوانب، والمراد الجانب الواحد من وجه الأضحية، وإنما ثني إشارة إلى أنه فعل ذلك في كل منهما، فهو من إضافة الجمع إلى المثنى بإرادة التوزيع "يقول: بسم الله والله أكبر" وفيه وضع الرجل على صفحة عنقها الأيمن ليكون أثبت له وأمكن لئلا تضطرب الذبيحة برأسها فتمنعه من كمال الذبح أو تؤذيه.
"وعن عائشة أنه ﷺ أمر بكبش يطأ" يمشي "في سواد" أي: قوائمه سود "ويبرك في سواد" أي أن ملاقي محل بروكه على الأرض من بدنه أسود، زاد في رواية: وينظر في سواد، أي: محاجره سود، وقد قيل: إن هذا هو المراد بالأملح، أي: أن مواضع هذه منه سود وما عدا ذلك أبيض، واختار ذلك لحسن منظره وشحمه وطيب لحمه؛ لأنه نوع يتميز به عن جنسه "فأتى به ليضحي به، فقال: "يا عائشة هلمي المدية" السكين "ثم قال: "اشحذيها" بشين معجمة فحاء مهملة فذال معجمة، سنيها "بحجر"، ففعلت" ما أمر به "ثم أخذها" أي المدية "وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه، قال: "بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد، ثم ضحى به" فأشرك آله وأمته معه في الأجر "رواه مسلم".
"وعن جابر" قال: "ذبح النبي ﷺ يوم النحر كبشين أقرنين أملحين موجوءين" بالجيم والهمز أي: مخصيين، ففيه جواز التضحية بالخصي "فلما وجههما قال: "إني وجهت وجهي: "قصدت بعبادتي "للذي فطر" خلق "السماوات والأرض"" أي الله حال كوني "على ملة إبراهيم".стр. 5096
"حنيفا، وما أنا من المشركن، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين، اللهم منك ولك عن محمد وأمته، بسم الله والله أكبر"، ثم ذبح. رواه أبو داود وابن ماجه والدارمي.
وفي رواية لأحمد والترمذي: ذبح بيده وقال: "بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي".
فهذه أعياد المسلمين في الدنيا، وكلها عند إكمال طاعات مولاهم الملك الوهاب، وحيازتهم لما وعدهم من جزيل الأجر والثواب، فليس العيد من لبس الجديد، إنما العيد لمن طاعاته تزيد، وليس العيد لمن تجمل بالباس والمركوب، وإنما العيد لمن غفرت له الذنوب، في ليلة العيد تفرق خلع العتق والمغفرة على العبيد، فمن ناله منها شيء فهو سعيد، وإلا فهو مطرود بعيد.
وأما أعياد المؤمنون في الجنة، فهو أيام زيارتهم ربهم ، فيزورونه ويكرمهم غاية الكرامة، ويتجلى لهم فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئا هو أحب
الحواشي
(١) في أصل التوحيد والدعوة إليه برفق، والمجادلة مع كل أحد بحسب فهمه "حنيفا" مائلا إلى الدين القيم "وما أنا من المشركين" به "إن صلاتي ونسكي": عبادتي "ومحياي": حياتي "ومماتي" موتي "لله رب العالمين لا شريك له" في ذلك "وبذلك" أي: التوحيد "أمرت وأنا أول المسلمين" من هذه الأمة "اللهم منك" هذا المضحى به "ولك عن محمد وأمته، بسم الله والله أكبر"، ثم ذبح، رواه أبو داود وابن ماجه والدارمي" عبد الله بن عبد الرحمن.
"وفي رواية لأحمد والترمذي" عن جابر: "ذبح" ﷺ "بيده وقال: "بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي" شامل للموجودين فمن بعدهم إلى آخر الزمن، وظاهر عمومته ولو لم يضح مع القدرة وهو متجه؛ لأنها سنة لا يعصى بتركها "فهذه أعياد المسلمين في الدنيا، وكلها عند إكمال طاعات مولاهم الملك الوهاب وحيازتهم لما وعدهم من جزيل الأجر والثواب" وهو لا يخلف الميعاد "فليس العيد لمن لبس الجديد" كما يظنه أبناء الدنيا "إنما العيد لمن طاعاته تزيد، وليس العيد لمن تجمل باللباس والمركوب، وإنما العيد لمن غفرت له الذنوب في ليلة العيد، تفرق خلع": جمع خلعة وهو ما يمنح من الثياب "العتق والمغفرة على العبيد، فمن ناله منها شيء فهو سعيد".
وفي نسخ: فهو له عيد "وإلا فهو مطرود بعيد" عن ذلك والعياذ بالله "وأما المؤمنون في الجنة" أي: أعيادهم "فهو أيام زيارتهم ربهم ، فيزورونه ويكرمهم غاية الكرامةстр. 5097
إليهم من ذلك وهو الزيادة، فليس للمحب عيد سوى قرب محبوبه.
إنه يوما جامعا شملي بهم ... ذاك عيدي ليس لي عيد سواه
الحواشي
(١) ويتجلى لهم فينظرون إليه" كما ثبت في الأحاديث الصحاح "فما أعطاهم شيئا هو أحب إليهم من ذلك، وهو الزيادة" المذكورة في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦] ، وزيادة فالحسنى الجنة، والزيادة هي النظر إلى الله تعالى كما في حديث مسلم: "فليس للمحب عيد سوى قرب محبوبه" له، وأنشد لغيره:
"إن يوما جامعا شملي بهم ... ذاك عيدي ليس لي عيد سواهстр. 5098
الباب الثاني: في النوافل المقرونة بالأسباب
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: في صلاته ﷺ الكسوف
الكسوف لغة: التغير إلى السواد، يقال: كسفت الشمس: إذا اسودت وذهب شعاعها.
الحواشي
(١) الباب الثاني: "في النوافل المقرونة بالأسباب، وفيه أربعة فصول"
"الفصل الأول: في صلاته ﷺ الكسوف" بالكاف للشمس والقمر، أو بالخاء للقمر، وبالكاف للشمس.
وفي مسلم عن عروة: "لا تقولوا: كسفت الشمس، ولكن قولوا: خسفت"، لكن الأحاديث الصحيحة تخالفه لثبوتها بلفظ الكسوف في الشمس من طرق كثيرة، والمشهور في استعمال الفقهاء الكسوف للشمس والخسوف للقمر، واختاره ثعلب، وذكر الجوهري أنه أفصح، وحكى عكسه وغلطه عياض لثبوته بالخاء في القرآن، وقيل: يقال بهما في كل منهما وبه جاءت الأحاديث، ولا شك أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف إذ "الكسوف لغة التغير إلى السواد" والخسوف النقصان أو الذل، فإذا قيل: في الشمس كسفت أو خسفت؛ لأنها تتغير ويلحقها النقص ساغ، وكذلك القمر، ولا يلزم من ذلك ترادفهما "يقال: كسفت الشمس" بفتح الكاف، وحكي ضمها وهو نادر "إذا اسودت وذهب شعاعها" وقيل: بالكاف في الابتداء، وبالخاء في الانتهاء، وقيل: بالكاف لذهاب جميع الضوء وبالخاء لبعضه، وقيل: بالخاء لذهابстр. 5099
عن قبيصة بن المخارق قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فخرج فزعا يجر ثوبه وأنا معه يومئذ بالمدينة، فصلى ركعتين فأطال فيهما القيام، ثم انصرف وانجلت، ثم قال: "إنما هذه الآيات يخوف الله تعالى بها عباده، فإذا رأيتموها فصلوا". رواه أبو داود والنسائي.
وفي قوله ﵊: "يخوف الله تعالى بها عباده" رد على من يزعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادي لا يتأخر ولا يتقدم، إذ لو كان كما يقولون لم يكن في ذلك تخويف.
الحواشي
(١) كل اللون وبالكاف لتغيره "عن قبيصة" بفتح القاف وكسر الموحدة "ابن المخارق" بضم الميم وتخفيف المعجمة ابن عبد الله الهلالي، صحابي سكن البصرة "قال: كسفت الشمس على عهد" أي: زمن "رسول الله ﷺ ، فخرج فزعا يجر ثوبه" زاد في رواية للبخاري: مستعجلا، وللنسائي: من العجلة، ولمسلم عن أسماء: ففزع فأخطأ يدرع حتى أدرك بردائه، يعني أنه أراد لبس ردائه فلبس الدرع من شغل خاطره بذلك، وفيه أن جر الثوب إنما يذم ممن قصد به الخيلاء "وأنا معه يومئذ بالمدينة، فصلى ركعتين فأطال فيهما القيام ثم انصرف وانجلت" بنون وجيم، أي: صفت، وهذا محتمل أنها انجلت قبل السلام وأنها انجلت بعده، لكن في حديث عائشة في الصحيحين: وانجلت الشمس قبل أن ينصرف وهذه صريحة لا تقبل التأويل، وفي حديث أبي بكرة عند البخاري: فصلى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس.
قال الحافظ: استدل به على إطالة الصلاة حتى تنجلي، وأجاب الطحاوي بأنه قال فيه: وصلوا ودعوا، فدل على أنه سلم من الصلاة قبل الانجلاء ليتشاغل بالدعاء حتى تنجلي، وقرره ابن دقيق العيد بأنه جعل الغاية لمجموع الأمرين، ولا يلزم منه أه غاية لكل منهما على انفراده، فجاز أن يمتد الدعاء إلى غاية الانجلاء بعد الصلاة فيصير غاية للمجموع، ولا يلزم منه تطويل الصلاة، أي: عن سنتها ولا تكريرها.
"ثم قال: إنما هذه الآيات" أي: الكسوف والخسوف والزلازل "يخوف الله تعالى بها عباده، فإذا رأيتموها فصلوا، رواه أبو داود والنسائي" وهو بنحوه.
وأبسط منه في الصحيحين من حديث عائشة وابن عباس والبخاري من حديث أبي بكرة.
"وفي قوله ﵊: "يخوف الله تعالى بها عباده" رد على من يزعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادي" جرت به العادة "لا يتأخر ولا يتقدم، إذ لو كان" ذلك "كما يقولون لم يكن في ذلك تخويف" لزعمهم أنه إذا حصل للشمس أو القمر شيء من الأسباب والعلامات التي زعموها وقع الكسوف للشمس أو القمر، فإذا شاهدوه لم يخافوا؛ لأن نفوسهمстр. 5100
وقد رد عليهم ابن العربي وغيره، بما في حديث أبي موسى عند البخاري، حيث قال فيه: فقام فزعا يخشى أن تكون الساعة، قالوا: فلو كان الكسوف بالحساب لم يقع الفزع، ولو كان بالحساب لم تكن للأمر بالعتق والصدقة
الحواشي
(١) مطمئنة بوقوعه جازمون بذلك.
"وقد رد عليهم ابن العربي وغيره" لفظ الفتح وغير واحد من أهل العلم "بما في حديث أبي موسى عند البخاري" ومسلم "حيث قال فيه:" أوله كسف الشمس "فقام" النبي ﷺ "فزعا" بكسر الزاي صفة مشبهة، ويجوز الفتح على أنه مصدر بمعنى الصفة "يخشى أن تكون الساعة" بالضم على أن كان تامة، أي: يخشى أن تحضر الساعة أو ناقصة، والساعة اسمها والخبر محذوف أو العكس، قيل: فيه جواز الإخبار بما يوجبه الظن من شاهد الحال؛ لأن سبب الفزع يخفى عن المشاهد لصورة الفزع، يحتمل أن الفزع لغير ما ذكر؛ فعلى هذا يشكل هذا الحديث من حيث إن للساعة مقدمات كثيرة لم تكن وقعت، كفتح البلاد واستخلاف الخلفاء وخروج الخوارج، ثم الأشراط كطلوع الشمس من مغربها والدابة والدجال والدخان وغير ذلك، ويجاب عن هذا باحتمال أن قصة الكسوف وقعت قبل إعلام النبي ﷺ بهذه العلامات، أو لعله خشي أن يكون ذلك بعض المقدمات، أو أن الراي ظن أن الخشية لذلك، وكانت لغيره كعقوبة تحدث كما كان يخشى عند هبوب الريح، هذا حاصل ما ذكره النووي تبعا لغيره.
وزاد بعضهم: أن المراد بالساعة غير يوم القيامة، أي: الساعة التي جعلت علامة على أمر من الأمور، كموته ﷺ أو غير ذلك، وفي الأول نظر؛ لأن قصة الكسوف متأخرة جدا؛ لأن موت إبراهيم كان في العاشرة باتفاق وقد أخبر ﷺ بكثير من الأشراط والحوادث قبل ذلك، وأما الثالث فتحسين الظن بالصحابي يقتضي أنه لا يجزم بذلك إلا بتوقيف، وأما الرابع فلا يخفى بعده وأقر بها الثاني، فلعله خشي أن يكون الكسوف مقدمة لبعض الأشراط كطلوع الشمس من مغربها، ولا يستحيل أن يتخلل بين الكسوف مقدمة لبعض الأشراط كطلوع الشمس من مغربها، ولا يستحيل أن يتخلل بين الكسوف والطلوع أشياء مما ذكر، وتقع متوالية بعضها إثر بعض مع استحضار قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ [النحل: ١٦] ، أو هو أقرب، ثم ظهر لي أنه يحتمل أن يخرج على مسألة دخول النسخ في الأخبار، فإن قيل به جاز ذلك وزال الإشكال، وقيل: لعله قدر وقوع الممكن لولا ما أعلمه الله تعالى بأنه لا يقع قبل الأشراط تعظيما منه لأمر الكسوف ليبين لمن يقع له من أمته ذلك كيف يخشى ويفزع، لا سيما إذا وقع لهم ذلك بعد حصول الأشراط أو أكثرها، وقيل: لعل حالة استحضار إمكان القدرة غلبت على استحضار ما تقدم من الشروط، لاحتمال أن تلك الأشراط مشروطة بشرط لم يتقدم ذكره، فيقع المخوف بلا شرط لفقد الشرط، قاله الحافظ.
"قالوا: فلو كان الكسوف بالحساب لم يقع الفزع" لعل وجه التبري أنه يجوز أن يكونстр. 5101
والصلاة معنى، يعني حديث أسماء عند البخاري "لقد أمر النبي ﷺ بالعتاقة في كسوف الشمس" وكما عنده أيضا من حديث عائشة مرفوعا: "فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا" فإن ظاهر الأحاديث أن ذلك يفيد التخويف، وأن كل ما ذكر من أنواع الطاعات يرجى أن يدفع به ما يخشى من أثر يدفع الكسوف.
ومما نقض به ابن العربي وغيره أيضا أنهم يزعمون: أن الشمس لا تنكسف على الحقيقة وإنما يحول القمر بينها، وبين أهل الأرض عند اجتماعهما في العقدتين. فقال: "هم يزعمون أن الشمس أضعاف القمر في الجرم، فكيف يحجب الكبير الصغير إذا قابله؟ أم كيف يظلم الكثير بالقليل لا سيما وهو من جنسه؟
الحواشي
(١) علامة عادية على أمر مفزع يحدث في العالم عند حدوثه "ولو كان بالحساب لم تكن للأمر بالعتق والصدقة والصلاة معنى، يعني" الحافظ بهذا "حديث أسماء" بنت أبي بكر "عند البخاري" من أفراده: "لقد أمر النبي ﷺ بالعتاقة" بفتح العين المهملة أمر ندب "في كسوف" بالكاف "الشمس" ليرفع الله به البلاء عن عباده، وهل يقتصر على العتاقة، أو هي من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى، الظاهر الثاني لقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] الآية، فإذا كان من التخويف فهي داعية إلى التوبة والمسارعة إلى جميع أفعال التوكل على قدر الطاقة، لما كان أشد ما يخوف به النار جاء الندب بأعلى شيء يتقى به النار، لحديث: "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار"، فمن لم يقدر على ذلك فليعمل على الحديث العام وهو: "اتقوا النار ولو بشق تمرة" ويأخذ من وجوه البر ما أمكنه، قاله ابن أبي جمرة.
"وكما عنده" أي: البخاري "أيضا" وكذا مسلم "من حديث عائشة مرفوعًا: "فإذا رأيتم ذلك" أي: الكسوف "فادعوا الله" ولبعض رواة البخاري: فاذكروا الله " وكبروا وصلوا" صلاة الكسوف "وتصدقوا" بالعتق وغيره "فإن ظاهر الأحاديث أن ذلك يفيد التخويف؛" لأن الصدقة تدفع العذاب أو تخففه، والدفع والتخفيف فرع عن وجود، فكأنه بين أن الكسوف يخشى منه عذاب، فأمر بالصدقة ونحوها لدفعه "وأن كل ما ذكر من أنواع الطاعات يرجى أن يدفع به ما يخشى من أثر الكسوف" فكيف زعموا أنه سبب عادي "ومما نقض به ابن العربي وغيره أيضا" دعواهم ذلك "أنهم يزعمون أن الشمس لا تنكسف على الحقيقة وإنما يحول القمر بينها، وبين أهل الأرض عند اجتماعهما" الشمس والقمر "في العقدتين فقال: هم يزعمون أن الشمس أضعاف القمر في الجرم، فكيف يحجب الكبير الصغير" بالرفع فاعل "إذا قابله؟ أمстр. 5102
وكيف يحجب الأرض نور الشمس.
وقد وقع في حديث النعمان بن بشير وغيره للكسوف سبب آخر غير ما يزعم أهل الهيئة، وهو ما أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة والحاكم، بلفظ: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، وإن الله تعالى إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له".
وقد استشكل الغزالي هذه الزيادة، وقال: إنها لم تثبت، فيجب تكذيب ناقلها، قال: ولو صحت لكان تأوليها أهون من مكابرة أمور قطعية لا تصادم أصلا من أصول الشريعة.
قال ابن بزيزة: وهذا عجب منه، كيف يسلم دعوى الفلاسفة ويزعم أنها لا تصادم الشريعة، مع أنها مبنية على أن العالم كروي الشكل، وظاهر الشرع يعطي
الحواشي
(١) كيف يظلم الكثير بالقليل، لا سيما وهو من جنسه، وكيف يحجب الأرض نور الشمس" وهي في زاوية منها؛ لأنهم يزعمون أن الشمس أكبر من الأرض بتسعين ضعفا، هكذا في الفتح قبل قوله: "وقد وقع في حديث النعمان بن بشير وغيره: للكسوف سبب آخر غير ما يزعم أهل الهيئة، وهو ما أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة والحاكم بلفظ: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان" بنون بين الياء والكاف يقال: كسفت وانكسفت، وأنكرها القزاز والجوهري، حيث نسبها للعلامة، والحديث يرد عليه "لموت أحد" قاله لما مات ابنه إبراهيم وقال الناس: إنما كسفت لموته إبطالا لهذا الاعتقاد، وفائدة قوله: "ولا لحياته" مع أن السياق إنما ورد في حق من ظن أنه للموت، دفع توهم أنه لا يلزم من كونه سببا للفقد أن يكون سببا للإيجاد، فعمم الحكم لدفع هذا التوهم "ولكنهما آيتان من آيات الله" الدالة على وحدانيته وعظيم قدرته، أو على تخويف عباده من سطوته وبأسه "وإن الله تعالى إذا تجلى" ظهر "لشيء من خلقه خشع له" فصرح بأن سبب الكسوف التجلي زيادة على التخويف، وكل منهما خلاف زعم أهل الهيئة أنه عادي.
"وقد استشكل الغزالي هذه الزيادة" أي: وإن الله.. إلخ "وقال: إنها لم تثبت" إذ الأحاديث في الصحيحين وغيرهما عن جمع من الصحابة بدونها "فيجب تكذيب ناقلها، قال: ولو صحت لكان تأويلها أهون:" أسهل "من مكابرة أمور قطعية لا تصادم أصلا من أصول الشريعة.
"قال" محمد "بن بزيزة" بموحدة مفتوحة وزاي مكررة، وزن سفينة الفقيه المالكي المشهور "وهذا عجب منه" أي: الغزالي "كيف يسلم دعوى الفلاسفة ويزعم أنها لا تصادمстр. 5103
خلاف ذلك والثابت من قواعد الشرع أن الكسوف أثر الإرادة القديمة وفعل الفاعل المختار، فيخلق في هذين الجرمين النور متى شاء، والظلمة متى شاء من غير توقف على سبب أو ربط باقتران، والحديث الذي رده الغزالي قد أثبته غير واحد من أهل العلم، وهو ثابت من حيث المعنى أيضا؛ لأن النورية والإضاءة من عالم الجمال الحسي، فإذا تجلت صفة الجلال انطمست الأنوار لهيبته، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣] . انتهى.
ويؤيد هذا الحديث ما رويناه عن طاوس أنه نظر إلى الشمس وقد انكسفت فبكى حتى كاد أن يموت، وقال: هي أخوف لله منا.
وقال ابن دقيق العيد: ربما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله: "يخوف الله تعالى بهما عباده"، وليس بشيء؛ لأن لله تعالى أفعالا على حسب العادة، وأفعالا خارجة عن ذلك، وقدرته تعالى حاكمة على كل سبب، يقتطع ما شاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض، وإذا ثبت ذلك فالعلماء بالله
الحواشي
(١) الشريعة، مع أنها مبنية على أن العالم كروي الشكل، وظاهر يعطي خلاف ذلك، والثابت من قواعد الشرع أن الكسوف أثر الإرادة القديمة وفعل الفاعل المختار، فيخلق في هذين الجرمين النور متى شاء والظلمة متى شاء من غير توقف على سبب أو ربط باقتران" كما زعموا، "والحديث الذي رده الغزالي قد أثبته غير واحد من أهل العلم" بالحديث وصححوه من حيث السند "وهو ثابت من حيث المعنى أيضا؛ لأن النورية" أي كون الشيء منيرا "والإضاءة" كونه مضيا "من عالم الجمال الحسي" المشاهد بحاة البصر "فإذا تجلت صفة الجلال انطمست الأنوار لهيبته، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ﴾ أي: ظهر من نوره قدر نصف أنملة الخنصر كما في حديث صححه الحاكم ﴿لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣] ، أي: مدكوكا مستويا بالأرض. "انتهى" كلام ابن بزيزة.
"ويؤيد هذا الحدث" أي: قوله: وإن الله إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له "ما رويناه عن طاوس أنه نظر إلى الشمس وقد انكسفت، فبكى حتى كاد أن يموت وقال: هي أخوف لله منا" وخوفها وهي جماد يخلق الإدراك فيها، بل قد يخلق فيها حياة تدرك بها.
"وقال ابن دقيق العيد: ربما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله يخوف الله تعالى بهما عباده وليس بشيء؛ لأن لله تعالى أفعالا على حسب العادة" كالشبع والري بالأكل والشرب "وأفعالا خارجة عن ذلك، وقدرته تعالى حاكمة على كل سبب يقتطع ما شاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض، وإذا ثبت ذلك فالعلماء بالله تعالى لقوةстр. 5104
تعالى لقوة اعتقادهم في عموم قدرته تعالى على خرق العادة وأنه تعالى يفعل ما يشاء إذا وقع شيء غريب، حدث عندهم الخوف لقوة ذلك الاعتقاد، وذلك لا يمنع أن يكون هناك أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقها.
وحاصله: أن الذي يذكره أهل الحساب إن كان حقا في نفس الأمر لا ينافي كون ذلك مخوفا لعباد الله تعالى. قاله في فتح الباري.
وعن ابن عباس قال: انخسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فقام قياما طويلا، نحوا من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ركوعا طويلا، ثم رفع فقام قياما طويلا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع، ثم سجد، ثم قام قياما طويلا وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم رفع ثم سجد ثم انصرف وقد انجلت
الحواشي
(١) اعتقادهم في عموم قدرته تعالى على خرق العادة، وأنه تعالى يفعل ما يشاء إذا وقع شيء غريب، حدث عندهم الخوف لقوة ذلك الاعتقاد، وذلك لا يمنع أن يكون هناك أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقها، وحاصله أن الذي يذكره أهل الحساب إن كان حقا في نفس الأمر؛" لأن أصله مبني على تخمين وحدس "لا ينافي كون ذلك مخوفا لعباد الله تعالى، قاله في فتح الباري" رحمه الله تعالى.
"وعن ابن عباس" قال الحافظ: كذا في الموطأ وفي جميع من أخرجه من طريق مالك، ووقع في رواية اللؤلؤي لسنن أبي داود عن أبي هريرة بدل ابن عباس وهو غلط.
"قال: انخسفت" بنون بعد ألف الوصل ثم خاء "الشمس على عهد رسول الله ﷺ " زاد الموطأ ومسلم: فصلى رسول الله ﷺ والناس معه "فقام قياما طويلا نحوا من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ركوعا طويلا، ثم رفع" من الركوع "فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع" رأسه من اركوع "ثم سجد" سجدتين، فما أطال فيهما نحو الركوع، كما دلت عليه الأحاديث: "ثم قام قياما طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع، ثم سجد" سجدتين طويلتين.
قال ابن بطال: لا خلاف أن الركعة الأولى بقياميها وركوعيها أطول من الثانية بقياميها وركوعيها.стр. 5105
الشمس، فقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله"، فقالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت؟ قال: "إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودا، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط
الحواشي
(١) وقال النووي: اتفقوا على أن القيام الثاني وركوعه أقصر من القيام الأول وركوعه فيهما، واختلفوا في القيام الأول من الثانية وركوعه هل هما أقصر من القيام الثاني من الأول وركوعه، أو هما سواء؟، قيل: وسبب هذا الخلاف فهم معنى قوله، وهو دون القيام الأول: هل المراد به الأول من الثانية ويرجع إلى الجميع، فيكون كل قيام دون ما قبله، ورواية الإسماعيلي تعين الثاني ولفظه الأول، فالأول أطول، ويرجحه أيضا أنه لو كان المراد بقوله: القيام الأول أول قيام من الأولى، لكان القيام الثاني والثالث مسكوتا عن مقدارهما، فالأول أكثر فائدة، قاله الحافظ "ثم انصرف" من الصلاة "و" الحال أنه "قد انجلت الشمس" قبل انصرافه، وذلك بين جلوسه في التشهد والسلام كما في حديث ابن عمر.
وفي الصحيح: ثم جلس ثم جلى عن الشمس "فقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا يخسفان" بفتح الياء وسكون الخاء وكسر السين، ويجوز ضم أوله وفتح السين.
وحكى ابن اصلاح منعه "لموت أحد ولا لحياته" بل هما مخلوقان لا تأثير لهما في أنفسهما فضلا عن غيرهما "فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله، فقالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت" كذا للأكثر بصيغة الماضي، وللكشميهني تناول بضم اللام بحذف إحدى التاءين وأصله: تتناول "شيئا في مقامك هذا" ولأحمد بإسناد حسن عن جابر: فلما قضى الصلاة قال له أبي بن كعب شيئا صنعته في الصلاة لم تكن تصنعه، فذكر نحو حديث ابن عباس إلا أن في حديث جابر أنه كان في الظهر أو العصر، فإن كان محفوظا فهي قصة أخرى كما في الفتح: "ثم رأيناك تكعكعت" بكافين مفتوحتين بعد كل عين مهملة ساكنة، أي تأخرت، يقال: كع الرجل إذا نكص على عقبيه.
قال الخطابي: أصله تكععت، فاستثقلوا اجتماع ثلاث عينات، فأبدلوا من إحداها حرفا مكررًا، وهذا رواية الموطأ ومسلم من طريقه وله من طريق غيره: كففت بفاءين خفيفتين، ولبعض رواة البخاري: كعكعت كالأول لكن بلا تاء أوله.
"قال: "إني رأيت الجنة" رؤية عين أو علم، كما يأتي للمصنف "فتناولت منها عنقودا" أي: وضعت يدي عليه بحيث كنت قادرا على تحويله، لكن لم يقدر لي قطعه "ولو أصبته" وفي رواية: ولو أخذته "لأكلتم منه" أي: من العنقود "ما بقيت الدنيا"؛ لأن ثمار الجنة لاстр. 5106
أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء"، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: "بكفرهن"، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: "يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله
الحواشي
(١) مقطوعة ولا ممنوعة، وإذا قطعت خلفت في الحال، فلا مانع أن يخلق الله مثل ذلك في الدنيا إذا شاء، والفرق بين الدارين في وجوب الدوام وجوازه وبين سعيد بن منصور في روايته؛ أن التناول المذكور كان حال قيامه الثاني من الركعة الثانية "ورأيت النار" قبل رؤية الجنة، فلعبد الرزاق: عرضت على النبي ﷺ النار فتأخر عن مصلاه حتى إن الناس ليركب بعضهم بعضا، وإذا رجع عرضت عليه الجنة، فذهب يمشي حتى وقف في مصلاه.
ولمسلم من حديث جابر: "لقد جيء بالنار حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها"، وفيه: "ثم جيء بالجنة، وذلك حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي هذا"، وزاد فيه: "امن شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه".
وفي حديث سمرة عند ابن خزيمة: "لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لاقون في دنياكم وآخرتكم "فلم أر منظرا"" بفتح الظاء "كاليوم" أي: الوقت الذي هو فيه "قط أفظع" أقبح وأشنع وأسوأ صفة للمنصوب، أي: لم أر منظرا مثل منظر رأيته اليوم، فحذف المرئي وأدخل كاف التشبيه على اليوم لبشاعة ما رأى فيه، وبعده عن المنظر المألوف.
وقيل: الكاف اسم، والتقدير: ما رأيت مثل منظر هذا اليوم منظرًا "ورأيت أكثر أهلها النساء" هذا يفسر وقت الرؤية في قوله لهن في خطبة العيد: "تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار"، واستشكل مع حديث أبي هريرة: "إن أدنى أهل الجنة منزلة من له زوجتان من الدنيا"، فمقتضاه أن النساء ثلثا أهل الجنة، وأجيب بحمله على ما بعد خروجهن من النار، أو أنه خرج مخرج التغليظ والتخويف، وعورض بأخباره ﷺ بالرؤية الحاصلة.
وفي حديث جابر: وأكثر من رأيت فيها النساء اللاتي إن ائتمن أفشين، وإن سئلن بخلن، وإن سألن ألحفن، وإن أعطين لم يشكرن، فدل على أن المرئي في النار منهم من اتصف بصفات ذميمة "قالوا: بم" كن أكثر أهل النار "يا رسول الله؟، قال: "بكفرهن" بموحدة، فيه وفي بم للسببية رواية البخاري من طريق مالك ومسلم من طريقه وطريق غيره، ولأكثر رواة الموطأ: لم قال: "لكفرهن"، باللام فيهما، والمعنى واحد "قيل: أيكفرن بالله؟ " بهمزة الاستفهام "قال: "يكفرن العشير" أي: الزوج، أي: إحسانه هذا هو المحفوظ عن مالك بلا واو عند جميع الرواة، عنه: إلا يحيى بن يحيى الأندلسي، فقال: ويكفرن بالواو لم يزدها غيره، قاله ابن عبد البر، فأشار إلى أنها شاذة؛ لأن المحفوظ يقابله الشاذ، وهو ما خالف الراوي فيه الملأ.
وقال الحافظ: اتفقوا على أن الواو غلط منه، فإن كان المراد من تغليطه كونه خالف غيره من الرواة فهو كذلك، وأطلق على الشذوذ غلطا، وإن كان المراد فساد المعنى فليس كذلك،стр. 5107
ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط". رواه البخاري ومسلم.
وقوله: "ورأيت الجنة والنار" قال القاضي عياض: يحتمل أنه رآهما رؤية عين، بأن كشف الله له عنهما، وأزال الحجب بينه وبينهما، كما فرج له عن المسجد الأقصى حين وصفه، ويكون قوله ﵊: "في عرض هذا الحائط" -كما في رواية: في جهته وناحيته، ويحتمل أن تكون رؤية علم وعرض وحي
الحواشي
(١) لأن الجواب طابق السؤال، وزاد: وذلك أنه أطلق لفظ النساء، فعم المؤمنة والكافرة، فلما قيل: يكفرن بالله؟ أجاب بقوله: "ويكفرن العشير" إلخ، كأنه قال: نعم يقع منهن الكفر بالله وغيره؛ لأن منهن من يكفرن بالله ومنهن من يكفرن الإحسان.
قال: وقال ابن عبد البر: وجه رواية يحيى أن يكون الجواب لم يقع على وفق سؤال السائل لإحاطة العلم بأن من النساء من يكفرن بالله، لم يحتج إلى جوابه؛ لأن المقصود في الحديث خلافه.
قال الكرماني: لم يعد كفر العشير -بالياء- كما عدى الكفر بالله؛ لأن كفر العشير لا يتضمن معنى الاعتراف.
"ويكفرن الإحسان" كأنه بيان لقوله: "يكفرن العشير"؛ لأن المراد كفر إحسانه لا كفر ذاته، فالجملة مع الواو مبنية للأولى، نحو: أعجبني زيد وكرمه، والمراد بكفر الإحسان تغطيته أو جحده، ويدل عليه قوله: "لو أحسنت إلى إحداهن الدهر" نصب على الظرفية "كله" أي: مدة عمرالرجل أو الزمان مبالغة "ثم رأت منك شيئا" قليلا لا يوافق غرضها من أي نوع كان، فلتنوين للتقليل "قالت: ما رأيت منك خيرا قط" بيان للتغطية المذكورة ولو شرطية لا امتناعه.
قال الكرماني: ويحتمل أنها المتناهية بأن يكون الحكم ثابتا على التعيين والمظروف المسكوت عنه أولى من المذكور، وليس المراد خطاب رجل بعينه، بل كل من يتأتي أن يخاطب فهو خاص لفظا عام معنى "رواه البخاري" عن القعنبي "ومسلم" عن إسحاق بن عيسى، كلاهما عن مالك، ومسلم أيضا من طريق حفص بن ميسرة، كلاهما عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس "وقوله: "ورأيت الجنة والنار".
"قال القاضي عياض: يحتمل أنه رآهما رؤية عين" بصرية حقيقية "بأن كشف الله له عنهما وأزال الحجب بينه وبينهما" فرآهما على حقيقتهما، وطويت المسافة بينهما "كما فرج له عن المسجد الأقصى حين وصفه" لقريش "ويكون قوله ﵇ "في عرض" بضم العين "هذا الحائط كما في رواية في جهته وناحيته" أي أنه انكشف له عنهما من هذه الجهة "ويحتمل أن تكون رؤية علم وعرض وحي باطلاعه وتعريفه من أمورهما" أمرا "مفصلا ما لمстр. 5108
باطلاعه وتعريفه من أمورهما مفصلا ما لم يعرفه قبل ذلك اليوم. قال القاضي: والأول أولى وأشبه بألفاظ الحديث، لما فيه من الأمور الدالة على رؤية العين، كتناوله العنقود، وتأخره مخافة أن يصيبه لفح النار. انتهى.
واستشكل قوله: "ولو أصبته" مع قوله: "تناولت".
وأجيب: بحمل "التناول" على تكلف الأخذ، لا حقيقة الأخذ، وقيل: المراد تناولته لنفسي ولو أخذته لكم، حكاه الكرماني، قال الحافظ ابن حجر: وليس بجيد، وقيل: المراد بقوله تناولت: وضعت يدي عليه، بحيث كنت قادرًا على تحويله، لكن لم يقدر لي قطفه، ولو أصبته، أي لو تمكنت من قطفه، ويدل
الحواشي
(١) يعرفه قبل ذلك اليوم".
"قال القاضي" عياض: "والأول أولى وأشبه بألفاظ الحديث لما فيه من الأمور الدالة على رؤية العين، كتناوله العنقود وتأخره مخافة أن يصيبه لفح النار" بفتح الالم وسكون الفاء وحاء مهملة، لهبها وتأثيرها. "انتهى".
قال الحافظ: ويؤيد الحقيقة حديث أسماء عند البخاري، بلفظ: "دنت مني الجنة حتى لو اجترأت عليها لجئتكم بقطاف من قطافها"، ومنهم من حمله على أنها مثلت له في الحائط كما تنطبع الصور في المرآة، فرأى جميع ما فيها، ويؤيده حديث أنس عند البخاري في التوحيد: "لقد عرضت علي الجنة آنفا في عرض هذا الحائط وأنا أصلي". وفي رواية: لقد مثلت، ولمسلم: "لقد صورت"، ولا يرد على هذا أن الانطباع إنما هو في الأجسام الصقيلة؛ لأنه شرط عادي، فيجوز أن تنخرق العادة خصوصا للنبي ﷺ ، لكن هذه قصة أخرى وقعت في صلاة الظهر ولا مانع أن يرى الجنة والنار مرتين، بل مرارا على صور مختلفة، وأبعد من قال: المراد بالرؤية رؤية العلم.
قال القرطبي: لا إحالة في إبقاء هذه الأمور على ظواهرها، لا سيما على مذهب أهل السنة في أن الجنة والنار قد خلقتا ووجدتا، فيرجع إلى أن الله تعالى خلق لنبيه ﷺ إدراكا خاصا أدرك به الجنة والنار على حقيقتهما. انتهى.
"واستشكل قوله: ولو أصبته مع قوله: تناولت" إذ التناول إصابة وأخذ "وأجيب بحمل التناول على تكلف الأخذ لا حقيقة الأخذ، وقيل: المراد تناولته لنفسي ولو أخذته لكم، حكاه الكرماني".
"قال الحافظ ابن حجر: وليس بجيد" إذ لا دليل عليه "وقيل: المراد بقوله: تناولت وضعت يدي عليه بحيث كنت قادرا على تحويله، لكن لم يقدر لي قطفه" أي: قطعه مصدر قطف كضرب ونصر "ولو أصبته أي: لو تمكنت من قطفه" بالفاء "ويدل عليه قوله فيстр. 5109
عليه قوله في حديث عقبة بن عامر عند ابن خزيمة: أهوى بيده ليتناول شيئا، وفي حديث أسماء عند البخاري: "حتى لو اجترأت عليه" وكأنه لم يؤذن له في ذلك فلم يجترئ عليه. قال ابن بطال: لم يأخذ العنقود؛ لأنه من طعام الجنة، وهو لا يفنى والدنيا فانية لا يجوز أن يؤكل فيها ما لا يفنى. انتهى.
وفي حديث أسماء بنت أبي بكر، عند البخاري ومسلم ومالك والنسائي قال: "ما من شيء كنت لم أره إلا قد رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار، ولقد
الحواشي
(١) حديث عقبة بن عامر عند ابن خزيمة: أهوى بيده ليتناول شيئا".
"وفي حديث أسماء" بنت أبي بكر "عند البخاري" في أوائل صفة الصلاة "حتى لو اجترأت عليه، وكأنه لم يؤذن له في ذك فلم يجترئ عليه" بالهمز، وقيل: الإرادة مقدرة، أي: أردت أن أتناول ثم لم أفعل، ويؤيده حديث جابر عند مسلم: "ولقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه، ثم بدا لي أن لا أفعل"، وللبخاري من حديث عائشة: "حتى لقد رأيتني أريد آخذا قطفا من الجنة حين رأيتموني جعلت أتقدم"، ولعبد الرزاق من طريق مرسلة: " أردت أن آخذ منها قطفا أريكموه" فلم يقدر، ولأحمد من حديث جابر: "فحيل بيني وبينه".
"قال ابن بطال: لم يأخذ العنقود؛ لأنه من طعام" أهل "الجنة، وهو لا يفنى والدنيا فانية، لا يجوز أن يؤكل فيها ما لا يفنى. انتهى".
وقيل: لأنه لو رآه الناس لكان إيمانهم بالشهادة لا بالغيب، فيخشى أن يقع رفع التوبة، فلا ينفع نفسا. إيمانها، وقيل: لأن الجنة جزاء الأعمال، والجزاء بها لا يقع إلا في الآخرة.
وحكى ابن العربي في قانون التأويل عن بعض شيوخه أن معنى قوله: "لأكلتم منه ... " إلخ، أن يخلق في نفس الآكل مثل الذي أكل دائما، بحيث لا يغير عن ذوقه، وتعقب بأنه رأي فلسفي مبني على أن الدار الآخرة لا حقائق لها، وإنما هي أمثال، والحق أن ثمار الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وإذا قطعت خلفت في الحال، فلا مانع أن يخلق الله مثل ذلك في الدنيا إذا شاء، والفرق بين الدارين في وجوب الدوام وجوازه. انتهى من الفتح.
"وفي حديث أسماء بنت أبي بكر" الصديق "عند البخاري" من طريق مالك وغيره "ومسلم" من طرق "ومالك" في الموطأ "والنسائي" أنها قالت: أتيت عائشة حين خسفت الشمس، فإذا الناس قيام يصلون، وإذا هي قائمة تصلي، فقلت: ما للناس! فأشارت بيدها نحو السماء، فقلت: آية! فأشارت برأسها أن نعم، قالت: فقمت حتى تجلاني الغشي، وجعلت أصب فوق رأسي ماء، فلما انصرف ﷺ حمد الله وأثنى عليه، ثم "قال: "ما من شيء" من الأشياء "كنت لم أره إلا قد رأيته" رؤية عين حقيقة "في مقامي" بفتح الميم "هذا" صفة مقامي،стр. 5110
أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم، مثل أو قريبا -لا أدري أي ذلك قالت أسماء- من فتنة المسيح الدجال. يؤتى أحدكم في قبره يقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن -لا أدري أي ذلك قالت أسماء- فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا واتبعنا، هو محمد ثلاثا، فيقال: نم صالحا، قد
الحواشي
(١) وتعسف من جعله خبر محذوف، أي: هو هذا المشار إليه "حتى الجنة والنار" ضبط بالحركات الثالث فيهما، كما قال الحافظ وغيره، فالرفع على أن حتى ابتدائية والجنة مبتدأ محذوف الخبر، أي: مرئية والنار عطف عليه، والنصب على أنها عاطفة على الضمير المنصوب في رأيته، والجر على أنها جارة أو عاطفة على المجرور السابق، وهو شيء وإن لزم عليه زيادة من مع المعرفة، والصحيح منعه؛ لأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع؛ ولأن المقدر ليس كالملفوظ به، ومفاد الأغياء أنه لم يرهما قبل، مع أنه رآهما ليلة المعراج وهو قبل الكسوف بزمان.
وأجيب بأن المراد هنا في الأرض بدليل قوله: في مقامي هذا، أو باختلاف الرؤية "ولقد أوحي إلي أنكم تفتنون" تمتحنون وتختبرون "في قبوركم مثل" بلا تنوين "أو قريبا" بالتنوين، وقوله: "لا أدري، أي: ذلك" أي: مثل أو قريبا "قالت أسماء" مقول فاطمة بنت المنذر بن الزبير رواية الحديث عن جدتها أسماء "من فتنة المسيح الدجال" الكذاب.
قال الكرماني: وجه الشبه بين الفتنتين الشدة والهول والهموم.
وقال الباجي: شبهها بها لشدتها وعظم المحنة بها وعدم الثبات معها "يؤتى أحدكم في قبره" والآتي ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير، رواه الترمذي وابن حبان، لكن قال منكر ونكير بدون أل، وذكر بعض الفقهاء؛ أن هذا اسم اللذين يسألان المذنب، واسم اللذين يسألان المطيع بشر وبشير "يقال له: ما علمك" مبتدأ خبره "بهذا الرجل"؟ محمد ﷺ ، ولم يقل: برسول الله لئلا يكون تلقينا للحجة.
قال عياض: قيل: يحتمل أنه مثل للميت في قبره، والأظهر أنه سمي له. انتهى، يعني: لأنه المتبادر من قوله في الصحيحين عن أنس، " فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد"، وكذا في رواية ابن المنكدر عن أسماء عند أحمد.
"فأما المؤمن أو الموقن" أي: المصدق بنبوته "لا أدري أي ذلك، قالت أسماء": شكت فاطمة قال الباجي: والأظهر أنه المؤمن، لقوله: فآمنا دون أيقنا، أو لقوله: لمؤمنا "فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات" المعجزات الدالة على نبوته "والهدى" الدلالة الموصلة إلى البغية "فأجبنا واتبعنا" بحذف ضمير المفعول فيهما للعلم به.
وفي رواية الموطأ والبخاري: فأجبنا وآمنا واتبعنا "هو محمد ثلاثا" هكذا في رواية مسلم،стр. 5111
علمنا إن كنت لموقنا، وأما المنافق أو المرتاب -لا أدري أي ذلك قالت أسماء- فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته".
وفي رواية: "فرأى امرأة تخدشها هرة، ربطتها حتى ماتت جوعا وعطشا".
وفي رواية: فرأى عمرو بن مالك يجر قصبه في النار، وكان أول من غير دين إبراهيم، ورأى فيها سارق الحاج يعذب.
الحواشي
(١) ولفظه: فيقول: "هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا واتبعنا ثلاث مرات "فيقال"" له: "نم" حال كونك "صالحا" منتفعا بأعمالك، إذ الصلاح كون الشيء في حد الانتفاع "قد علمنا أن كنت لموقنًا" بالقاف، كذا رواه إسماعيل بن أبي أويس في الموطأ، ولباقي رواته لمؤمنا بالميم، وللترمذي من حديث أبي هريرة: "فيقال له نم، فينام نومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، ويفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ذراعا، وينور له كالقمر ليلة البدر".
وفي حديث البراء: "فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي افرشوه من الجنة وافتحوا له باب من الجنة وألبسوه من الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له مد بصره".
"وأما المنافق" من لم يصدق بقلبه بنبوته "أو المرتاب" الشاك، قالت فاطمة: "لا أدري أي ذلك قالت أسماء: فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته" زاد الشيخان من حديث أنس: "فيقولان: لا دريت ولا تليت"، وفي حديث أبي هريرة: "ويفتح له باب إلى النار فيزداد حسرة وثبورا، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه".
"وفي رواية" عن جابر: "فرأى امرأة" في النار "تخدشها هرة" بضم الدال جزاء لها على فعلها، معها، ولا يكون ذلك تعذيبا للهرة "ربطتها حتى ماتت جوعا وعطشا" ولمسلم من حديث جابر: "وعرضت علي النار، فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذب في هرة لها ربطتها، فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض".
وفي رواية له: "ورأيت في النار امرأة حميرية سوداء طويلة ولم يقل: من بني إسرائيل"، فإن قيل: هذه الفعلة صغيرة فكيف عذبت عليها بالنار؟، أجيب: بأنها أصرت على فعلها، والإصرار على الصغير يصيرها كبيرة.
"وفي رواية" لمسلم عن جابر: "فرأى" لفظه عقب قوله: خشاش الأرض، ورأيت أبا ثمامة "عمرو بن مالك يجر قصبه في النار".
قال الدارقطني: تقدم، أي: في مسلم في حديث يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة، أن الذي رآه في النار عمرو بن لحي الذي سبب السوائب، وهو الصواب "وكان أول من غير دينстр. 5112
قوله: "قصبه" بضم القاف وسكون الصاد، أي أمعاءه.
وفي رواية عائشة: ثم قال: "يا أمة محمد، والله ما من أحد أغير من الله أن
الحواشي
(١) إبراهيم" فنصب الأوثان وبحر البحيرة وأخواتها المذكورة في الآية "ورأى فيها سارق" متاع "الحاج يعذب" كما في حديث جابر عند مسلم: "ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه، لقد جيء بالنار، وذلك حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها، وحتى رأيت فيها صاحب المحجن يجر قصبه في النار، كان يسرق الحاج بمحجنه، فإذا فطن له قال: إنما تعلق بمحجني، وإن غفل عنه ذهب به".
"قوله: قصبه بضم القاف وسكون الصاد" المهملة "أي: أمعاءه" جمع معي، وهي المصارين.
"وفي رواية عائشة" في الموطأ والصحيحين من طريقه: "خسفت الشمس، فصلى رسول الله ﷺ ، فذكرت الحديث في صلاة الخسوف، وفيه: ثم انصرف وقد تجلت الشمس، فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعو الله وكبروا وتصدقوا" ثم قال: "يا أمة محمد" فيه معنى الإشفاق كما يخاطب الواحد ولده إذا أشفق عليه: يا بني، وكان قضية ذلك أن يقول: يا أمتي، لكنه أظهر لحكمة لعلها أن المقام مقام تحذير وتخويف لما في الإضافة إلى المضمر من الإشعار بالكريم، ومثله: "يا فاطمة بنت محمد" إلى أن قال: "لا أغني عنكم من الله شيئا" "والله" أتى باليمين لإرادة تأكيد الخبر وإن كان لا ريب فيه "ما من أحد أغير" بالنصب خبر ومن زائدة، ويجوز الرفع على لغة تميم، أو هو بالخفض بالفتحة صفة لأحد والخبر محذوف، أي: موجودا غير "من الله" أفعل تفضيل من الغيرة بفتح المعجمة، وهي لغة ما يحصل من الخمسة ما لا ثقة وأصله في الزوجين والأهلين، وذلك على الله محال؛ لأنه منزه عن كل تغير ونقص، فتعين حمله على المجاز، فثبل: لما كانت ثمرة الغيرة صون الحريم ومنعهم وزجر من يقصد إليهم، أطلق عليه ذلك؛ لأنه منع من فعل ذلك وزجر فاعله وتوعد عليه، فهو من تسمية الشيء بما يترتب عليه.
وقال ابن فورك: المعنى ما أحد أكثر زجرا عن الفواحش من الله، وقال غيره: غيرة الله ما يغير حال العاصي بانتقامه منه في الدنيا والآخرة أو في إحداهما.
وقال ابن دقيق العيد: أهل التنزيه في مثل هذا على قولين إما ساكت وإما مؤول بأن المراد بالغيرة شدة المنع والحماية فهو من مجاز الملازمة.
وقال الطيبي وغيره: وجه اتصال هذه بقوله: فاذكروا الله.. إلخ، من جهة أنهم لما أمروا باستدفاع البلاء بالذكر والصلاة والصدقة ناسب ردعهم عن المعاصي التي هي من أسباب جلب البلاء، وخص منه الزنا؛ لأنه أعظمها في ذلك، وقيل: لما كان من أقبح المعاصي وأشدها تأثيراстр. 5113
يزني عبده أو تزني أمته، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا، ألا هل بلغت".
أي لو تعلمون من عظم انتقام الله من أهل الجرائم وشدة عقابه وأهوال القيامة، وما بعدها. كما علمت وترون النار كما رأيت في مقامي هذا وفي غيره لبكيتم كثيرا، ولقل ضحككم لتفكركم فيما علمتموه.
وفي حديث عائشة عند البخاري: فخرج إلى المسجد، فصف الناس وراءه، فكبرنا فاقترأ رسول الله ﷺ قراءة طويلة، ثم كبر فركع ركوعا طويلا، ثم قال: "سمع الله لمن حمده"، فقام ولم يسجد، وقرأ قراءة طويلة، وهي أدنى من القراءة
الحواشي
(١) في إثارة النفوس وغلبة الغضب ناسب ذلك تخويفهم في هذا المقام من مؤاخذة رب العزة؛ "أن يزني عبده أو تزني أمته" متعلق بأغير، وحذف من قبل أن قياس مستمر، وتخصيصهما بالذكر رعاية لحسن الأدب مع الله لتنزهه عن الزوجة والأهل ممن تتعلق بهم الغيرة غالبا "والله" لفظ الموطأ والصحيحين: يا أمة محمد والله بتكرير النداء تنبيها على ما بينه من الفزع إلى الله "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، ألا" بالفتح والتخفيف "هل بلغت" ما أمرت به من الإحذار والإنذار وغير ذلك مما أرسلت به، وهذا أعني: ألا هل بلغت من رواية مسلم من طريق عبد الله بن نمير عن هشام عن عروة عن عائشة، وليست في رواية البخاري من طريق مالك عن هشام "أي: لو تعلمون من عظم انتقام الله من أهل الجرائم وشدة عقابه وأهوال القيامة وما بعدها" أي: الأهوال "كما علمت، وترون النار كما رأيت في مقامي هذا وفي غيره لبكيتم كثيرا ولقل ضحككم لتفكركم فيما علمتموه" قيل: معنى القلة هنا العدم والتقدير لتركتم الضحك، أو لم يقع منكم إلا نادرا لغلبة الخوف واستيلاء الحزن، وقيل: معناه لو دام علمكم كما دام علمي؛ لأن علمه متواصل بخلاف غيره، وقيل: معناه لو علمتم من سعة رحمة الله وحلمه وغير ذلك ما علم لبكيتم على ما فاتكم من ذلك.
"وفي حديث عائشة عند البخاري" ومسلم وغيرهما قالت: خسفت الشمس في حياة النبي ﷺ "فخرج إلى المسجد" لا الصحراء لخوف الفوات بالانجلاء والمبادرة إلى الصلاة مشروعة "فصف الناس" بالرفع، أي: اصطفوا، ويجوز النصب والفاعل محذوف وهو النبي ﷺ ، قاله الحافظ: فأفاد أن الرواية بالرفع "وراءه" خلفه "فكبرنا" تكبيرة الإحرام "فاقترأ" أي: قرأ "رسول الله ﷺ قراءة طويلة" نحوا من سورة البقرة "ثم كبر فركع ركوعا طويلا" مسبحا فيه قدر مائة آية من البقرة "ثم قال: "سمع الله لمن حمده" أي: أجاب دعاءه "فقام" من الركوع "ولم يسجد، وقرأ قراءة طويلة وهي أدنى" أي: أقل "من القراءة الأولى" وهي نحو من سورةстр. 5114
الأولى، وزاد في رواية: "ربنا ولك الحمد".
واستدل به على استحباب الذكر المشروع في الاعتدال في أول القيام الثاني من الركعة الأولى.
واستشكله بعض متأخري الشافعية من جهة كونه قيام قراءة لا قيام اعتدال، بدليل اتفاق العلماء ممن قال بزيادة الركوع في كل ركعة على قراءة الفاتحة فيه، وإن كان محمد بن مسلمة المالكي خالف فيه.
والجواب: إن صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة، فلا مدخل للقياس فيها، بل كل ما ثبت أنه ﷺ فعله فيها كان مشروعا؛ لأنها أصل برأسها. وبهذا رد الجمهور على من قاسها على صلاة النافلة، حتى منع من زيادة الركوع فيها، فصلاة الكسوف أشبه شيء بصلاة العيد ونحوها، مما يجمع فيه من مطلق النوافل، فامتازت صلاة الجنازة بترك الركوع والسجود، وصلاة العيد بزيادة التكبيرات، وصلاة الخوف بزيادة الأفعال الكثيرة واستدبار القبلة، وكذلك اختصت صلاة الكسوف بزيادة الركوع، فالآخذ به جامع بين العملين النص والقياس،
الحواشي
(١) آل عمران. "وزاد في رواية" للبخاري ومسلم "ربنا ولك الحمد". قال المصنف: بالواو.
"واستدل به على استحباب الذكر المشروع في الاعتدال" وهو سمع الله ... إلخ "في أول القيام الثاني من الركعة الأولى، واستشكله بعض متأخري الشافعية من جهة كونه قيام قراءة لا قيام اعتدال بدليل اتفاق العلماء ممن قال بزيادة الركوع في كل ركعة على قراءة الفاتحة فيه" متعلق باتفاق "وإن كان محمد بن مسلمة المالكي خالف فيه" فقال: لا يقرأ الفاتحة "والجواب؛ أن صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة، فلا مدخل للقياس فيها، بل كل ما ثبت أنه ﷺ فعله فيها كان مشروعا؛ لأنها أصل برأسها" لا تقاس بغيرها "وبهذا رد الجمهور على من قاسها على صلاة النافلة حتى منع من زيادة الركوع فيها، فصلاة الكسوف" عبارة الفتح، وقد أشار الطحاوي إلى أن قول أصحابه أحرى في القياس على صلاة النوافل، لكن اعترض بأن القياس مع وجود النص يضمحل، وبأن صلاة الكسوف "أشبه شيء بصلاة العيد ونحوها مما يجمع فيه من مطلق النوافل" بيان لما "فامتازت صلاة الجنازة بترك الركوع والسجود، وصلاة العيد بزيادة التكبيرات، وصلاة الخوف بزيادة الأفعال الكثيرة واستدبار القبلة، وكذلك اختصت صلاة الكسوف بزيادة الركوع، فالآخذ به جامع بين العملين النص والقياس" كذا في نسخ بدل من العملين.стр. 5115
بخلاف من لم يعمل به.
وقد تبين أن لصلاة الكسوف هيئة تخصها من التطويل الزائد على العادة في القيام وغيره، ومن زيادة ركوع في كل ركعة، وقد وردت زيادة في ذلك من طريق أخرى، فعند مسلم من وجه آخر عن عائشة، وآخر عن جابر أن في كل ركعة ثلاث ركوعات، وعنده من وجه آخر عن ابن عباس: أن في كل ركعة أربع ركوعات، ولأبي داود من حديث أبي بن كعب، والبزار من حديث علي: أن في كل ركعة خمسة ركوعات ولا يخلو إسناد منها من علة.
ونقل ابن القيم في "الهدي" عن الشافعي وأحمد والبخاري: أنهم كانوا يعدون الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطا من بعض الرواة، فإن أكثر طرق الحديث يمكن رد بعضها إلى بعض، ويجمعها أن ذلك كان يوم موت إبراهيم عليه
الحواشي
(١) وفي أخرى بين العمل بالإفراد النص والقياس بدون ياء "بخلاف من لم يعمل به" فقد خالف النص "وقد تبين أن لصلاة الكسوف هيئة تخصها من التطويل الزائد على العادة في القيام وغيره" كالركوع والسجود "ومن زيادة ركوع في كل ركعة" وذلك مما يوضح أنها أصل برأسها، وقد وافق عائشة على رواية ذلك ابن عباس وابن عمرو في الصحيحين، وأسماء بنت أبي بكر عند البخاري، وجابر عند مسلم، وعلي عند أحمد، وأبو هريرة عند النسائي، وابن عمر عند البزار، وأبو سفيان عند الطبراني، وفي رواياتهم زيادة رواها الحفاظ الثقات، فالأخذ بها أولى من إلغائها، وبذلك قال جمهور أهل العلم من أهل الفتيا: هكذا في الفتح قبل قوله: "وقد وردت زيادة في ذلك من طرق أخرى".
"فعند مسلم من وجه آخر عن عائشة، وآخر عن جابر، أن في كل ركعة ثلاث ركوعات، وعنده" أي: مسلم "من وجه" أي: طريق "آخر عن ابن عباس؛ أن في كل ركعة أربع ركوعات" ولفظه عن طاوس، عن ابن عباس: صلى رسول الله ﷺ حين كسفت الشمس ثماني ركعات في أربع سجدات، وعن علي مثله.
"ولأبي داود من حديث أبي بن كعب والبزار من حديث علي: أن في كل ركعة خمس ركوعات، ولا يخلو إسناد منها عن علة".
قال الحافظ: وقد أوضح ذلك البيهقي وابن عبد البر.
"ونقل ابن القيم في الهدي عن الشافعي، وأحمد والبخاري؛ أنهم كانوا يعدون الزيادة على الركوعن في كل ركعة غلطا من بعض الرواة، فإن أكثر طرق الحديث يمكن رد بعضها إلى بعض، ويجمعها أن ذلك كان يوم موت إبراهيم ابنه ﵇ وإذا اتحدت القصةследующие страницы →