Полный текст (5 943 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.
стр. 5111
علمنا إن كنت لموقنا، وأما المنافق أو المرتاب -لا أدري أي ذلك قالت أسماء- فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته".
وفي رواية: "فرأى امرأة تخدشها هرة، ربطتها حتى ماتت جوعا وعطشا".
وفي رواية: فرأى عمرو بن مالك يجر قصبه في النار، وكان أول من غير دين إبراهيم، ورأى فيها سارق الحاج يعذب.
الحواشي
(١) ولفظه: فيقول: "هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا واتبعنا ثلاث مرات "فيقال"" له: "نم" حال كونك "صالحا" منتفعا بأعمالك، إذ الصلاح كون الشيء في حد الانتفاع "قد علمنا أن كنت لموقنًا" بالقاف، كذا رواه إسماعيل بن أبي أويس في الموطأ، ولباقي رواته لمؤمنا بالميم، وللترمذي من حديث أبي هريرة: "فيقال له نم، فينام نومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، ويفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ذراعا، وينور له كالقمر ليلة البدر".
وفي حديث البراء: "فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي افرشوه من الجنة وافتحوا له باب من الجنة وألبسوه من الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له مد بصره".
"وأما المنافق" من لم يصدق بقلبه بنبوته "أو المرتاب" الشاك، قالت فاطمة: "لا أدري أي ذلك قالت أسماء: فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته" زاد الشيخان من حديث أنس: "فيقولان: لا دريت ولا تليت"، وفي حديث أبي هريرة: "ويفتح له باب إلى النار فيزداد حسرة وثبورا، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه".
"وفي رواية" عن جابر: "فرأى امرأة" في النار "تخدشها هرة" بضم الدال جزاء لها على فعلها، معها، ولا يكون ذلك تعذيبا للهرة "ربطتها حتى ماتت جوعا وعطشا" ولمسلم من حديث جابر: "وعرضت علي النار، فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذب في هرة لها ربطتها، فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض".
وفي رواية له: "ورأيت في النار امرأة حميرية سوداء طويلة ولم يقل: من بني إسرائيل"، فإن قيل: هذه الفعلة صغيرة فكيف عذبت عليها بالنار؟، أجيب: بأنها أصرت على فعلها، والإصرار على الصغير يصيرها كبيرة.
"وفي رواية" لمسلم عن جابر: "فرأى" لفظه عقب قوله: خشاش الأرض، ورأيت أبا ثمامة "عمرو بن مالك يجر قصبه في النار".
قال الدارقطني: تقدم، أي: في مسلم في حديث يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة، أن الذي رآه في النار عمرو بن لحي الذي سبب السوائب، وهو الصواب "وكان أول من غير دينстр. 5112
قوله: "قصبه" بضم القاف وسكون الصاد، أي أمعاءه.
وفي رواية عائشة: ثم قال: "يا أمة محمد، والله ما من أحد أغير من الله أن
الحواشي
(١) إبراهيم" فنصب الأوثان وبحر البحيرة وأخواتها المذكورة في الآية "ورأى فيها سارق" متاع "الحاج يعذب" كما في حديث جابر عند مسلم: "ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه، لقد جيء بالنار، وذلك حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها، وحتى رأيت فيها صاحب المحجن يجر قصبه في النار، كان يسرق الحاج بمحجنه، فإذا فطن له قال: إنما تعلق بمحجني، وإن غفل عنه ذهب به".
"قوله: قصبه بضم القاف وسكون الصاد" المهملة "أي: أمعاءه" جمع معي، وهي المصارين.
"وفي رواية عائشة" في الموطأ والصحيحين من طريقه: "خسفت الشمس، فصلى رسول الله ﷺ ، فذكرت الحديث في صلاة الخسوف، وفيه: ثم انصرف وقد تجلت الشمس، فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعو الله وكبروا وتصدقوا" ثم قال: "يا أمة محمد" فيه معنى الإشفاق كما يخاطب الواحد ولده إذا أشفق عليه: يا بني، وكان قضية ذلك أن يقول: يا أمتي، لكنه أظهر لحكمة لعلها أن المقام مقام تحذير وتخويف لما في الإضافة إلى المضمر من الإشعار بالكريم، ومثله: "يا فاطمة بنت محمد" إلى أن قال: "لا أغني عنكم من الله شيئا" "والله" أتى باليمين لإرادة تأكيد الخبر وإن كان لا ريب فيه "ما من أحد أغير" بالنصب خبر ومن زائدة، ويجوز الرفع على لغة تميم، أو هو بالخفض بالفتحة صفة لأحد والخبر محذوف، أي: موجودا غير "من الله" أفعل تفضيل من الغيرة بفتح المعجمة، وهي لغة ما يحصل من الخمسة ما لا ثقة وأصله في الزوجين والأهلين، وذلك على الله محال؛ لأنه منزه عن كل تغير ونقص، فتعين حمله على المجاز، فثبل: لما كانت ثمرة الغيرة صون الحريم ومنعهم وزجر من يقصد إليهم، أطلق عليه ذلك؛ لأنه منع من فعل ذلك وزجر فاعله وتوعد عليه، فهو من تسمية الشيء بما يترتب عليه.
وقال ابن فورك: المعنى ما أحد أكثر زجرا عن الفواحش من الله، وقال غيره: غيرة الله ما يغير حال العاصي بانتقامه منه في الدنيا والآخرة أو في إحداهما.
وقال ابن دقيق العيد: أهل التنزيه في مثل هذا على قولين إما ساكت وإما مؤول بأن المراد بالغيرة شدة المنع والحماية فهو من مجاز الملازمة.
وقال الطيبي وغيره: وجه اتصال هذه بقوله: فاذكروا الله.. إلخ، من جهة أنهم لما أمروا باستدفاع البلاء بالذكر والصلاة والصدقة ناسب ردعهم عن المعاصي التي هي من أسباب جلب البلاء، وخص منه الزنا؛ لأنه أعظمها في ذلك، وقيل: لما كان من أقبح المعاصي وأشدها تأثيراстр. 5113
يزني عبده أو تزني أمته، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا، ألا هل بلغت".
أي لو تعلمون من عظم انتقام الله من أهل الجرائم وشدة عقابه وأهوال القيامة، وما بعدها. كما علمت وترون النار كما رأيت في مقامي هذا وفي غيره لبكيتم كثيرا، ولقل ضحككم لتفكركم فيما علمتموه.
وفي حديث عائشة عند البخاري: فخرج إلى المسجد، فصف الناس وراءه، فكبرنا فاقترأ رسول الله ﷺ قراءة طويلة، ثم كبر فركع ركوعا طويلا، ثم قال: "سمع الله لمن حمده"، فقام ولم يسجد، وقرأ قراءة طويلة، وهي أدنى من القراءة
الحواشي
(١) في إثارة النفوس وغلبة الغضب ناسب ذلك تخويفهم في هذا المقام من مؤاخذة رب العزة؛ "أن يزني عبده أو تزني أمته" متعلق بأغير، وحذف من قبل أن قياس مستمر، وتخصيصهما بالذكر رعاية لحسن الأدب مع الله لتنزهه عن الزوجة والأهل ممن تتعلق بهم الغيرة غالبا "والله" لفظ الموطأ والصحيحين: يا أمة محمد والله بتكرير النداء تنبيها على ما بينه من الفزع إلى الله "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، ألا" بالفتح والتخفيف "هل بلغت" ما أمرت به من الإحذار والإنذار وغير ذلك مما أرسلت به، وهذا أعني: ألا هل بلغت من رواية مسلم من طريق عبد الله بن نمير عن هشام عن عروة عن عائشة، وليست في رواية البخاري من طريق مالك عن هشام "أي: لو تعلمون من عظم انتقام الله من أهل الجرائم وشدة عقابه وأهوال القيامة وما بعدها" أي: الأهوال "كما علمت، وترون النار كما رأيت في مقامي هذا وفي غيره لبكيتم كثيرا ولقل ضحككم لتفكركم فيما علمتموه" قيل: معنى القلة هنا العدم والتقدير لتركتم الضحك، أو لم يقع منكم إلا نادرا لغلبة الخوف واستيلاء الحزن، وقيل: معناه لو دام علمكم كما دام علمي؛ لأن علمه متواصل بخلاف غيره، وقيل: معناه لو علمتم من سعة رحمة الله وحلمه وغير ذلك ما علم لبكيتم على ما فاتكم من ذلك.
"وفي حديث عائشة عند البخاري" ومسلم وغيرهما قالت: خسفت الشمس في حياة النبي ﷺ "فخرج إلى المسجد" لا الصحراء لخوف الفوات بالانجلاء والمبادرة إلى الصلاة مشروعة "فصف الناس" بالرفع، أي: اصطفوا، ويجوز النصب والفاعل محذوف وهو النبي ﷺ ، قاله الحافظ: فأفاد أن الرواية بالرفع "وراءه" خلفه "فكبرنا" تكبيرة الإحرام "فاقترأ" أي: قرأ "رسول الله ﷺ قراءة طويلة" نحوا من سورة البقرة "ثم كبر فركع ركوعا طويلا" مسبحا فيه قدر مائة آية من البقرة "ثم قال: "سمع الله لمن حمده" أي: أجاب دعاءه "فقام" من الركوع "ولم يسجد، وقرأ قراءة طويلة وهي أدنى" أي: أقل "من القراءة الأولى" وهي نحو من سورةстр. 5114
الأولى، وزاد في رواية: "ربنا ولك الحمد".
واستدل به على استحباب الذكر المشروع في الاعتدال في أول القيام الثاني من الركعة الأولى.
واستشكله بعض متأخري الشافعية من جهة كونه قيام قراءة لا قيام اعتدال، بدليل اتفاق العلماء ممن قال بزيادة الركوع في كل ركعة على قراءة الفاتحة فيه، وإن كان محمد بن مسلمة المالكي خالف فيه.
والجواب: إن صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة، فلا مدخل للقياس فيها، بل كل ما ثبت أنه ﷺ فعله فيها كان مشروعا؛ لأنها أصل برأسها. وبهذا رد الجمهور على من قاسها على صلاة النافلة، حتى منع من زيادة الركوع فيها، فصلاة الكسوف أشبه شيء بصلاة العيد ونحوها، مما يجمع فيه من مطلق النوافل، فامتازت صلاة الجنازة بترك الركوع والسجود، وصلاة العيد بزيادة التكبيرات، وصلاة الخوف بزيادة الأفعال الكثيرة واستدبار القبلة، وكذلك اختصت صلاة الكسوف بزيادة الركوع، فالآخذ به جامع بين العملين النص والقياس،
الحواشي
(١) آل عمران. "وزاد في رواية" للبخاري ومسلم "ربنا ولك الحمد". قال المصنف: بالواو.
"واستدل به على استحباب الذكر المشروع في الاعتدال" وهو سمع الله ... إلخ "في أول القيام الثاني من الركعة الأولى، واستشكله بعض متأخري الشافعية من جهة كونه قيام قراءة لا قيام اعتدال بدليل اتفاق العلماء ممن قال بزيادة الركوع في كل ركعة على قراءة الفاتحة فيه" متعلق باتفاق "وإن كان محمد بن مسلمة المالكي خالف فيه" فقال: لا يقرأ الفاتحة "والجواب؛ أن صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة، فلا مدخل للقياس فيها، بل كل ما ثبت أنه ﷺ فعله فيها كان مشروعا؛ لأنها أصل برأسها" لا تقاس بغيرها "وبهذا رد الجمهور على من قاسها على صلاة النافلة حتى منع من زيادة الركوع فيها، فصلاة الكسوف" عبارة الفتح، وقد أشار الطحاوي إلى أن قول أصحابه أحرى في القياس على صلاة النوافل، لكن اعترض بأن القياس مع وجود النص يضمحل، وبأن صلاة الكسوف "أشبه شيء بصلاة العيد ونحوها مما يجمع فيه من مطلق النوافل" بيان لما "فامتازت صلاة الجنازة بترك الركوع والسجود، وصلاة العيد بزيادة التكبيرات، وصلاة الخوف بزيادة الأفعال الكثيرة واستدبار القبلة، وكذلك اختصت صلاة الكسوف بزيادة الركوع، فالآخذ به جامع بين العملين النص والقياس" كذا في نسخ بدل من العملين.стр. 5115
بخلاف من لم يعمل به.
وقد تبين أن لصلاة الكسوف هيئة تخصها من التطويل الزائد على العادة في القيام وغيره، ومن زيادة ركوع في كل ركعة، وقد وردت زيادة في ذلك من طريق أخرى، فعند مسلم من وجه آخر عن عائشة، وآخر عن جابر أن في كل ركعة ثلاث ركوعات، وعنده من وجه آخر عن ابن عباس: أن في كل ركعة أربع ركوعات، ولأبي داود من حديث أبي بن كعب، والبزار من حديث علي: أن في كل ركعة خمسة ركوعات ولا يخلو إسناد منها من علة.
ونقل ابن القيم في "الهدي" عن الشافعي وأحمد والبخاري: أنهم كانوا يعدون الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطا من بعض الرواة، فإن أكثر طرق الحديث يمكن رد بعضها إلى بعض، ويجمعها أن ذلك كان يوم موت إبراهيم عليه
الحواشي
(١) وفي أخرى بين العمل بالإفراد النص والقياس بدون ياء "بخلاف من لم يعمل به" فقد خالف النص "وقد تبين أن لصلاة الكسوف هيئة تخصها من التطويل الزائد على العادة في القيام وغيره" كالركوع والسجود "ومن زيادة ركوع في كل ركعة" وذلك مما يوضح أنها أصل برأسها، وقد وافق عائشة على رواية ذلك ابن عباس وابن عمرو في الصحيحين، وأسماء بنت أبي بكر عند البخاري، وجابر عند مسلم، وعلي عند أحمد، وأبو هريرة عند النسائي، وابن عمر عند البزار، وأبو سفيان عند الطبراني، وفي رواياتهم زيادة رواها الحفاظ الثقات، فالأخذ بها أولى من إلغائها، وبذلك قال جمهور أهل العلم من أهل الفتيا: هكذا في الفتح قبل قوله: "وقد وردت زيادة في ذلك من طرق أخرى".
"فعند مسلم من وجه آخر عن عائشة، وآخر عن جابر، أن في كل ركعة ثلاث ركوعات، وعنده" أي: مسلم "من وجه" أي: طريق "آخر عن ابن عباس؛ أن في كل ركعة أربع ركوعات" ولفظه عن طاوس، عن ابن عباس: صلى رسول الله ﷺ حين كسفت الشمس ثماني ركعات في أربع سجدات، وعن علي مثله.
"ولأبي داود من حديث أبي بن كعب والبزار من حديث علي: أن في كل ركعة خمس ركوعات، ولا يخلو إسناد منها عن علة".
قال الحافظ: وقد أوضح ذلك البيهقي وابن عبد البر.
"ونقل ابن القيم في الهدي عن الشافعي، وأحمد والبخاري؛ أنهم كانوا يعدون الزيادة على الركوعن في كل ركعة غلطا من بعض الرواة، فإن أكثر طرق الحديث يمكن رد بعضها إلى بعض، ويجمعها أن ذلك كان يوم موت إبراهيم ابنه ﵇ وإذا اتحدت القصةстр. 5116
السلام، وإذا اتحدت القصة تعين الأخذ بالراجح.
وقال ابن خزيمة وابن المنذر والخطابي وغيرهم من الشافعية: يجوز العمل بجميع ما ثبت من ذلك. وهو من الاختلاف المباح، وقواه النووي في شرح مسلم.
وأبدى بعضهم أن حكمة الزيادة في الركوع والنقص كان بحسب سرعة الانجلاء وبطئه، فحين وقع الانجلاء في أول ركوع اقتصر على مثل النافلة، وحين أبطأ زاد ركوعا، وحين زاد في الإبطاء زاد ثالثا، وهكذا إلى غاية ما ورد في ذلك.
وتعقبه النووي وغيره: بأن إبطاء الإنجلاء وعدمه لا يعلم في أول الحال، ولا في الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدل على أنه مقصود في نفسه، منوي من أول الحال. انتهى ملخصا من فتح الباري.
الحواشي
(١) تعين الأخذ بالراجح"، وجمع بعضهم بين هذه الأحاديث بتعدد الواقعة، فإن الكسوف وقع مرا، فيكون كل من هذه الأوجه جائزا وإلى ذلك نحا إسحاق، لكن لم تثبت عنده الزيادة على أربع ركوعات.
"وقال ابن خزيمة وابن المنذر والخطابي وغيرهم من الشافعية: يجوز العمل بما ثبت من ذلك وهو من الاختلاف المباح، وقواه النووي في شرح مسلم" إعمالا لكل الأحاديث.
"وأبدى بعضهم، أن حكمة الزيادة في الركوع والنقص كان بحسب سرعة الانجلاء وبطئه، فحين وقع الانجلاء في أول ركوع اقتصر على مثل النافلة" فصلى ركعتين "وحين أبطأ زاد ركوعا، وحين زاد في الإبطاء زاد ثالثا، وهكذا إلى غاية ما ورد في ذلك" وهو خمس ركوعات على ما مر.
"وتعقبه النووي وغيره، بأن إبطاء الانجلاء وعدمه لا يعلم في أول الحال، ولا في الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدل على أنه مقصود في نفسه منوي من أول الحال. انتهى ملخصا من فتح الباري" ظاهر المصنف أنه لم يجب عن هذا التعقب مع أن عقبه في الفتح ما لفظه، وأجيب باحتمال أن يكون الاعتماد على الركعة الأولى، وأما الثانية فهي تبع لها، فمهما اتفق وقوعه في الأولى بسبب بطء الانجلاء يقع مثله في الثانية ليساوي بينهما، ومن ثم قال أصبغ: إذا وقع الانجلاء في أثنائها تصلى الثانية كالعادة، وعلى هذا فيدخل المصلي فيها على نية مطلق الصلاة، ويزيد في الركوعстр. 5117
وعند الإمام أحمد: أنه ﷺ لما سلم حمد الله وأثنى عليه، وشهد أن لا إله إلا الله، وشهد أنه عبده ورسوله، ثم قال: "يا أيها الناس، أنشدكم بالله إن كنتم تعلمون أني قصرت عن شيء من تبليغ رسالات ربي لما أخبرتموني ذلك" فقام رجل فقال: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك ونصحت لأمتك وقضيت الذي عليك، ثم قال: "وأيم الله لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لاقوه من أمر دنياكم وآخرتكم، وإنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا، آخرهم الأعور
الحواشي
(١) بحسب الكسوف، ولا مانع من ذلك.
وأجاب بعض الحنفية عن زيادة الركوع، فحمله على رفع الرأس لرؤية الشمس هل انجلت أم لا؟ فإذا لم يرها انجلت رجع إلى ركوعه، ففعل ذلك مرة أو مرارا، فظنه بعض من رآه يفعل ذلك ركوعا زائدا، وتعقب بالأحاديث الصريحة في أنه أطال القيام بين الركوعين، ولو كان الرفع لرؤية الشمس فقط لم يحتج إلى تطويل، ولا سيما الأخبار الصريحة أنه قال: ذكر الاعتدال، ثم شرع في القراءة، فكل ذلك يرد هذا الحمل، ولو كان كما زعم هذا القائل لكان فيه إخراج لفعله ﷺ عن العبادة المشروعة، أو لزم منه إثبات هيئة في الصاة لا عهد بها، وهو ما فر منه. انتهى.
"وعند الإمام أحمد أنه ﷺ لما سلم" من صلاة الكسوف "حمد الله وأثنى عليه" عطف عام على خاص "وشهد أن لا إله إلا الله، وشهد أنه عبده ورسوله" بتقديم العبودية؛ لأن له بها مزيد اختصاص؛ ولأنه كان عبدا قبل أن يكون رسولا "ثم قال: "يا أيها الناس أنشدكم": أسألكم "بالله إن كنتم تعلمون أني قصرت عن شيء من تبليغ رسالات ربي" لعل المعنى في بيان مجمل ما أرسل به، كالصلاة والزكاة والحج ونحوها مما أجمل في القرآن، وبينه ﷺ بالقول والفعل، كما قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] الآية، ما أرسل بتبليغه، وإذا بلغهم لم يكن مقصرا "لما" بالفتح والتشديد، بمعنى ألا "أخبرتموني ذلك فقام رجل: فقال: نشهد" بنون الجماعة إشارة إلى أنه متكلم عن نفسه وعن جميع الحاضرين؛ "أنك قد بلغت رسالات ربك" جميعها ولم تكتم شيئا "ونصحت لأمتك وقضيت الذي عليك"، ثم قال ﷺ : "وأيم الله" قسم "لقد رأيت منذ قمت أصلي" الكسوف "ما أنتم لاقوه من أمر دنياكم وآخرتكم وأنه" أي: الشأن "والله" أقسم للتأكيد "لا تقوم الساعة" القيامة "حتى يخرج ثلاثون كذابا".
زاد في رواية: "كلهم يزعم أنه رسول الله وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي"، وليس المراد من ادعى النبوة مطلقا؛ لأنهم لا يحصون كثرة لكون غالبهم ينشأ لهم ذلك من جنون أو سوداء، وإنماстр. 5118
"الدجال، من تبعه لم ينفعه صالح من عمله".
وفي البخاري: قالت عائشة وأسماء: خطب النبي ﷺ .
وقد اختلف في الخطبة فيه، فاستحبها الشافعي وإسحاق وأكثر أهل الحديث.
وقال ابن قدامة: لم يبلغنا عن أحمد ذلك.
وقال صاحب الهداية من الحنفية: ليس في الكسوف خطبة؛ لأنه لم ينقل.
وتعقب بأن الأحاديث ثبتت فيه، وهي ذات كثرة.
والمشهور عند المالكية أنه لا خطبة لها، مع أن مالكا روى الحديث وفيه ذكر الخطبة، وأجاب بعضهم بأنه ﷺ لم يقصد بها الخطبة بخصوصها، وإنما أراد
الحواشي
(١) المراد من قامت له شوكة، كمسيلمة والأسود "آخرهم الأعور" عينه اليمنى، وروي اليسرى، وجمع بأن إحداهما مطموسة والأخرى معيبة والعور العيب "الدجال" الذي يزعم الإلاهية "من تبعه لم ينفعه صالح من عمله"؛ لأنه كفر.
"وفي البخاري" تعليقا "قالت عائشة وأسماء" بنتا الصديق: "خطب النبي ﷺ " في الكسوف، أما حديث عائشة فرواه البخاري ومسلم عنهما بلفظ: ثم انصرف وقد تجلت الشمس فخطب الناس، وأما حديث أسماء فأخرجاه عنها بلفظ: فانصرف رسول الله ﷺ وقد تجلت الشمس، فخطب فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد".
"وقد اختلف في الخطبة فيه، فاستحبها الشافعي وإسحاق" ابن راهوية "وأكثر أهل الحديث. وقال ابن قدامة: لم يبلغنا عن أحمد" بن حنبل "ذلك" أي استحبابها.
"وقال صاحب الهداية من الحنفية ليس في الكسوف خطبة؛ لأنه" أي: المذكور "لم ينقل، وتعقب بأن الأحاديث ثبتت فيه وهي ذات كثرة، والمشهور عند المالكية أن لا خطبة لها مع أن مالكا" في الموطأ "روى الحديث" أي: حديث عائشة "وفيه ذكر الخطبة؛" لأنه حملها على الوعظ، فقال: يستحب الوعظ بعد الصلاة.
قال العلامة بهرام: وإنما لم نقل بالخطبة، وإن سمت عائشة ما ذكره ﷺ خطبة؛ لأن جماعة من الصحابة منه علي وابن عباس وجابر وأبو هريرة نقلوا صفة صلاة الكسوف، ولم يقل أحد منهم أنه خطب فيها، ولا يجوز أنه خطب، وأغفلوه مع نقل كل واحد ما يتعلق بتلك الحال، فوجب حمل تسمية عائشة خطبة على معنى أنه أتى بكلام منظوم فيه حمد وصلاة وموعظة على سبيل ما يأتي في الخطبة. انتهى.
"وأجاب بعضهم بأنه ﷺ لم يقصد بها الخطبة بخصوصها، وإنما أراد أن يبين لهمстр. 5119
أن يبين لهم الرد على من يعتقد أن الكسوف لموت بعض الناس.
وتعقب بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بالخطبة، وحكاية شرائطها من الحمد والثناء والموعظة وغير ذلك مما تضمنته الأحاديث، فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف، والأصل مشروعية الاتباع، والخصائص لا تثبت إلا بدليل. انتهى.
وعن المغيرة بن شعبة عند البخاري: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فصلوا وادعوا الله".
وإبراهيم هو ابن النبي ﷺ ، وقد ذكر جمهور أهل السير أنه مات في السنة
الحواشي
(١) الرد على من يعتقد أن الكسوف لموت بعض الناس؛" لأنهم قالوا: كسفت لموت إبراهيم "وتعقب بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بالخطبة وحكاية شرائطها من الحمد والثناء والموعظة وغير ذلك مما تضمنته الأحاديث، فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف" لكن يرد على هذا أن القائلين بالخطبة قالوا: المستحب خطبتان كالجمعة، فلا يجزي واحدة، وليس في شيء من الأحاديث تصريح بأنه خطب خطبتين، فتعين حمل الخطبة على الوعظ المستحب بعد الصلاة، كما قال مالك: "والأصل مشروعية الاتباع والخصائص لا تثبت إلا بدليل. انتهى" مثله في الفتح، ولعل ثم من أجاب بأن الخطبة من خصائصه حتى رد عليه بذلك، وإلا فليس لهذا تعلق بما قبله.
"وعن المغيرة بن شعبة عند البخاري" ومسلم قال: "كسفت الشمس على عهد رسول الله -صلى الله عله وسلم- يوم مات إبراهيم" آخر أولاده ﵇ "فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم" بفتح الكاف والسين والفاء "فقال رسول الله ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله" الدالة على عظم قدرته "لا ينكسفان" بتحتية مفتوحة فنون ساكنة فكاف مكسورة "لموت أحد" كما زعموا "ولا لحياته" كما قد يتوهم "فإذا رأيتموهما" بالتثنية لبعض رواة الصحيحين، وكذا رواه الإسماعيلي، أي: إذا رأيتم كسوف كل منهما لاستحالة وقوع ذلك فيهما معا في حالة واحدة عادة وإن جاز في القدرة الإلهية.
وفي رواية: فإذا رأيتموها، أي: الآيات، وفي أخرى: فإذا رأيتم بحذف المفعول، أي: شيئا من ذلك، وللإسماعيلي: فإذا رأيتم ذلك "فصلوا وادعوا الله"، وفي رواية للبخاري: "فادعوا الله وصلوا حتى ينجلي" "وإبراهيم هو ابن النبي ﷺ " من مارية القبطية.стр. 5120
العاشرة من الهجرة، فقيل: في ربيع الأول، وقيل: في رمضان، وقيل: في ذي الحجة، والأكثر على أنها وقعت في عاشر الشهر، وقيل: في رابعه وقيل: في رابع عشره، ولا يصح شيء منها على قول ذي الحجة؛ لأن النبي ﷺ كان يمكة إذ ذاك في الحج، وقد ثبت أنه شهد وفاته، وكانت بالمدينة بلا خلاف.
نعم قيل: إنه مات سنة تسع، فإن ثبت فيصح، وجزم النووي بأنها كانت سنة الحديبية فلعل ذلك كان في آخر ذي القعدة حين رجع منها.
وفي هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب في الأرض. قال الخطابي: كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير في الأرض، من موت أو ضرر، فأعلم النبي ﷺ أنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خلقان مسخران لله، ليس لهما سلطان في غيرهما، ولا قدرة للدفع عن أنفسهما.
الحواشي
(١) "وقد ذكر جمهور أهل السير أنه مات في السنة العاشرة من الهجرة، فقيل: في ربيع الأول" منها "وقيل: في رمضان، وقيل: في ذي الحجة، والأكثر على أنها وقعت في عاشر الشهر، وقيل: في رابعه، وقيل: في رابع عشره" وفي هذا رد على زعم أهل الهيئة أنه لا يقع في الأوقات المذكورة، وقد فرض مالك والشافعي اجتماع عيد وكسوف، واعترضه بعض من اعتمد قول أهل الهيئة، وانتدب أهل المذهبين لدفع قول المعترض فأصابوا "ولا يصح شيء منها" أي: هذه الأقوال الثلاثة "على قول" أنه مات في "ذي الحجة؛ لأن النبي ﷺ كان بمكة إذ ذاك في الحج، وقد ثبت أنه شهد" أي: حضر "وفاته" أي: إبراهيم "وكانت بالمدينة بلا خلاف، نعم قيل: إنه مات سنة تسع، فإن ثبت فيصح" أنه كان في ذي الحجة.
"وجزم النووي بأنها كانت سنة الحديبية" واستشكل بأنه كان حينئذ بالحديبية وموت إبراهيم بالمدينة، ويجاب بأنه رجع من الحديبية في آخر ذي القعدة "فلعل ذلك كان في آخر ذي القعدة حين رجع منها، وفي هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب في الأرض".
"قال الخطابي: كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير في لأرض من موت أو ضرر، فأعلم النبي ﷺ أنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خلقان مسخران لله ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة عن أنفسهما" وفيه ما كان عليه النبي ﷺ من الشفقة على أمته وشدة الخوف من ربه.стр. 5121
وعن عبد الله بن عمرو قال: لما كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ نودي: أن الصلاة جامعة. رواه البخاري.
وقوله: "أن" بفتح الهمزة وتخفيف النون، وهي المفسرة.
أن له ولمسلم، من حديث عائشة: بعث النبي ﷺ مناديا ينادي: أن الصلاة جامعة.
قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث حجة لمن استحب ذلك.
وقد أجمعوا على أنه لا يؤذن له ولا يقام.
وروى ابن حبان أنه ﷺ صلى في كسوف الشمس والقمر ركعتين مثل صلاتكم، وأخرجه الدارقطني أيضا.
وفيه: رد على من أطلق -كابن رشيد- أنه ﷺ لم يصل في كسوف القمر،
الحواشي
(١) "وعن عبد الله بن عمرو" بفتح العين ابن العاصي "قال: لما كسفت" بفتحات "الشمس على عهد رسول الله ﷺ نودي أن الصلاة جامعة".
قال الحافظ، وللكشميهني: نودي بالصلاة جامعة بالنصب فيهما على الحكاية، ونصبت الصلاة في الأصل على الإغراء وجامعة على الحال، أي احضروا الصلاة في حالة كونها جامعة، وبرفعهما على أن الصلاة مبتدأ، وجامعة خبره ومعناه ذات جامعة، وقيل: جامعة صفة والخبر محذوف تقديره احضروها، وعن بعض العلماء: يجوز نصبهما ورفعهما، ورفع الأول ونصب الثاني وعكسه "رواه البخاري" ومسلم.
"قوله؛ أن بفتح الهمزة وتخفيف النون وهي المفسرة" فالصلاة مبتدأ خبره جامعة، زاد المصنف كالحافظ: وروى بكسر الهمزة وتشديد النون والخبر محذوف تقديره إن الصلاة ذات جامعة، أي: حاضرة "وله" أي: البخاري "ولمسلم من حديث عائشة" أن النبي خسفت على عهد رسول الله ﷺ ، فـ"بعث ﷺ مناديا ينادي إن الصلاة جامعة" وظاهر الحديث أن ذلك كان قبل اجتماع الناس، وليس فيه أنه بعد اجتماعهم نودي الصلاة جامعة حتى يكون ذلك بمنزلة الإقامة التي يعقبها الفرض.
"قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث ججة لمن استحب ذلك، وقد أجمعوا على أنه لا يؤذن له ولا يقام" أي: الكسوف.
"وروى ابن حبان" عن أبي بكرة "أنه ﷺ صلى في كسوف الشمس والقمر ركعتين بمثل صلاتكم" النوافل المعتادة بدون زيادة قيامين وركوعين "وأخرجه الدارقطني أيضا، وفيه ردстр. 5122
ومنهم من أول قوله: "صلى" أي أمر بالصلاة، جمعا بين الروايتين.
وقال ابن القيم في "الهدي": لم ينقل أنه ﷺ صلى في كسوف القمر في جماعة، لكن حكى ابن حبان في السيرة له: أن القمر خسف في السنة الخامسة، فصلى النبي ﷺ بأصحابه صلاة الكسوف، فكانت أول صلاة كسوف في الإسلام، وهذا إن ثبت انتفى التأويل المذكور. وقد جزم به مغلطاي في سيرته المختصرة، وتبعه الحافظ زين الدين العراقي في نظمها.
وفي البخاري من حديث عائشة: جهر النبي ﷺ في صلاة الخسوف بقراءته. فإذا فرغ من قراءته كبر فركع، وإذا رفع من الركعة قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف، أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات.
واستدل به عن الجهر فيها بالنهار، وحمله جماعة ممن لم ير ذلك على كسوف القمر. قال الحافظ ابن حجر: وليس بجيد؛ لأن الإسماعيلي روى هذا الحديث من وجه آخر عن الوليد بلفظ كسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ ،
الحواشي
(١) على من أطلق كابن رشيد" بضم الراء مصغرا؛ "أنه ﷺ لم يصل في كسوف القمر، ومنهم من أول قوله صلى، أي: أمر بالصلاة جمعا بين الروايتين" بالنفي والإثبات.
"وقال ابن القيم في الهدي: لم ينقل أنه ﷺ صلى في كسوف القمر في جماعة، لكن حكى ابن حبان في السيرة له أن القمر خسف" بفتحات "في السنة الخامسة" من الهجرة "فصلى النبي ﷺ بأصحابه صلاة الكسوف، فكانت أول صلاة كسوف في الإسلام، وهذا إن ثبت انتفى التأويل المذكور، وقد جزم به مغلطاي في سيرته المختصرة" المسماة بالإشارة "وتبعه الحافظ زين الدين العراقي في نظمها" فيفيد قوته.
"وفي البخاري" ومسلم "من حديث عائشة: جهر النبي ﷺ في صلاة الخسوف" بالخاء "بقراءته، فإذا فرغ من قراءته كبر فركع، وإذا رفع" رأسه "من الركعة قال: "سمع الله لمن حده ربنا ولك الحمد" بالواو "ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات".
قال المصنف: ينصب أربع عطفا على أربع السابق "واستدل به عن الجهر فيها بالنهار، وحمله جماعة ممن لم ير ذلك على كسوف القمر".
"قال الحافظ ابن حجر: وليس بجيد؛ لأن الإسماعيلي روى هذا الحديث من وجه آخر عن الوليد" بن مسلم الدمشقي راوي هذا الحديث، عن عبد الرحمن بن نمر -بفتح فكسر- عنстр. 5123
وفي مسند أبي داود الطيالسي أنه ﷺ جهر بالقراءة في صلاة الكسوف. وقد ورد الجهر فيها عن علي مرفوعا وموقوفا. أخرجه ابن خزيمة وغيره.
وقال به صاحبا أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهما من محدثي الشافعية وابن العربي من المالكية.
وقال الطبري: يخير بين الجهر والإسرار.
وقال الأئمة الثلاثة: يسر في الشمس ويجهر في القمر.
واحتج الشافعي بقول ابن عباس: "قرأ نحوا من سورة البقرة؛" لأنه لو جهر لم يحتج إلى التقدير. وقد روى الشافعي تعليقا عن ابن عباس أنه صلى جنب النبي ﷺ في الكسوف فلم يسمع منه حرفا، ووصله البيهقي من ثلاث طرق
الحواشي
(١) الزهري، عن عروة، عن عائشة "بلفظ: كسفت" بفتحات "الشمس في عهد رسول الله ﷺ " فصرح بالشمس.
"وفي مسند أبي داود" سليمان بن داود "الطيالسي؛ أنه ﷺ جهر بالقراءة في صلاة الكسوف" لم يذكر الحافظ هذا دليلا على أنه في كسوف الشمس، إذ لا تصريح فيه بذلك، وإنما ذكره بعد ذك في قول البخاري: تابعه سليمان بن كثير في الجهر، فقال: يعني بإسناده المذكور، وهذه المتابعة وصلها أحمد عن عبد الصمد، عن سليمان بلفظ: خسفت الشمس على عهد النبي ﷺ ، فأتى فكبر، فكبر الناس، ثم قرأ فجهر بالقراءة، الحديث.
ورويناه في مسند الطيالسي عن سليمان بهذا الإسناد مختصرا: أن النبي ﷺ جهر بالقراءة في صلاة الكسوف "وقد ورد الجهر فيها عن علي مرفوعًا" إلى النبي ﷺ وموقوفا" على علي "أخرجه ابن خزيمة وغيره، وقال به صاحبا أبي حنيفة" محمد وأبو يوسف "وأحمد وإسحاق" بن راهويه "وبن خزيمة وابن المنذر وغيرهما من محدثي الشافعية وابن العربي من المالكية"، ومحدثيهم "وقال الطبري" محمد بن جرير: "يخير بين الجهر والإسرار" لاختلاف الأحاديث.
"وقال الأئمة الثلاثة" أبو حنيفة ومالك والشافعي: "يسر في الشمس ويجهر في القمر، واحتج الشافعي بقول ابن عباس" في الصحيحين: "قرأ نحوا من سورة البقرة؛ لأنه لو جهر لم يحتج إلى التقدير" بل كان يصرح بخصوص ما قرأ به، زاد الحافظ وتعقب باحتمال أن يكون بعيدا منه "و" لكن "قد روى الشافعي تعليقا" أي: بغير إسناد "عن ابن عباس أنه صلى إلى جنب النبي ﷺ في الكسوف فلم يسمع منه حرفا" فهذا يدفع ذلك الاحتمال "ووصلهстр. 5124
أسانيدها واهية. وعلى تقدير صحتها فمثبت الجهر معه قدر زائد فالأخذ به أولى.
قال ابن العربي: الجهر عندي أولى؛ لأنها صلاة جماعة ينادى لها ويخطب فأشبهت العيد والاستسقاء. انتهى ملخصا والله أعلم.
الفصل الثاني: في صلاته ﷺ صلاة الاستسقاء
اعلم أن الاستسقاء طلب السقيا من الله تعالى عند الحاجة إليها، كما تقول: استعطى: أي طلب العطاء.
ولم يخالف أحد من العلماء في سنية الصلاة في الاستسقاء إلا أبو حنيفة محتجا بأحاديث الاستسقاء التي ليس فيها صلاة.
واحتج الجمهور بالأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما: أنه ﷺ صلى الاستسقاء ركعتين. وأما الأحاديث التي ليس فيها الصلاة، فبعضها محمول على
الحواشي
(١) البيهقي من ثلاث طرق أسانيدها واهية" ضعيفة جدا "وعلى تقدير صحتها فمثبت الجهر معه قدر زائد، فالأخذ به أولى" أحق لجواز أن عدم سماع ابن عباس وهو بجنبه لمانع قام به حينئذ، زاد الحافظ: وإن ثبت التعدد، فيكون فعل ذلك لبيان الجواز، وهكذا الجواب عن حديث سمرة عند ابن خزيمة والترمذي لم يسمع له صوتا أنه إن ثبت لا يدل على نفي الجهر.
"قال ابن العربي: الجهر عندي أولى" من السر؛ "لأنها صلاة جماعة ينادى لها ويخطب" فيه شيء إذ هو استدلال بمختلف فيه، إذا النداء والخطبة مختلف فيهما "فأشبهت العيد والاستسقاء. انتهى". كلام الحافظ ابن حجر "ملخصا، والله أعلم" بحقيقة ما فعل هل جهر أو أسر.
"الفصل الثاني: في صلاته ﷺ صلاة الاستسقاء"
"اعلم أن الاستسقاء" لغة كما في الفتح: طلب سقي الماء من الغير للنفس أو للغير، وشرعا "طلب السقيا من الله تعالى عند الحاجة إليها" لحصول الجدب "كما تقول: استعطى، أي: طلب العطاء" فالسين للطلب "ولم يخالف أحد من العلماء في سنية الصلاة في الاستقساء" ركعتين "إلا أبو حنيفة" فقال: بدعة "محتجا بأحاديث الاستسقاء التي ليس فيها صلاة، واحتج الجمهور بالأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما" من طرق عديدة "أنه ﷺ صلى الاستسقاء ركعتين" فهذا نص صريح في محل النزاع.
"وأما الأحاديث التي ليس فيها الصلاة، فبعضها محمول على نسيان الراوي،стр. 5125
نسيان الراوي، وبعضها كان للخطبة للجمعة، وتعقبه صلاة الجمعة فاكتفي بها، ولو لم يصل أصلا كان بيانا لجواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة، ولا خلاف في جوازه، وتكون الأحاديث المثبتة للصلاة مقدمة؛ لأن فيها زيادة علم، ولا معارضة بينهما.
والاستسقاء أنواع:
الأول: الاستسقاء بصلاة ركعتين وخطبتين، وبتأهب قبله بصدقة وصيام وتوبة، وإقبال على الخير ومجانبة الشر ونحو ذلك من طاعة الله تعالى.
قال ابن عباس: خرج رسول الله ﷺ إلى الاستسقاء متبذلا متواضعا متخشعا متضرعا حتى أتى المصلى، فرقى المنبر، فلم يخطب خطبتكم هذه ولكن لم يزل
الحواشي
(١) وبعضها كان للخطبة للجمعة، وتعقبه صلاة الجمعة، فاكتفى بها" كما اكتفى بخطبة الجمعة عن خطبة الاستسقاء "ولو لم يصل أصلا كان بيانا لجواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة ولا خلافه في جوازه، وتكون الأحاديث المثبتة للصلاة مقدمة؛ لأن فيها زيادة علم" من راويها على من لم يروها "ولا معارضة بينهما" أي: بين الأحاديث التي لا صلاة فيها وبين التي فيها الصلاة "والاستسقاء أنواع" خمسة على ما عد.
"الأول: الاستسقاء بصلاة ركعتين وخطبتين" كالعيد "وبتأهب" استعداد "قبله بصدقة وصيام" استحبابا، ولا يأمر بهما الإمام "وتوبة" ويأمر بها "وإقبال على الخير ومجانبة الشر ونحو ذلك من طاعة الله تعالى" رجاء الإجابة، فمبني الاستسقاء الاستغفار والتوجه إلى الله بجوامع الهمة، شكا رجل إلى الحسن البصري الجدب، فقال: استغفر الله، وآخر الفقر وآخر قلة النسل وآخر قلة ريع أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقال له الربيع بن صبيح: أتاك رجال يشكون أبوابا، فأمرتهم كلهم بالاستغفار، فتلا قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [هود: ٥٢] .
"قال ابن عباس: خرج رسول الله ﷺ إلى الاستسقاء مبتذلا" أي: لابسا ثوب البذلة بالكسر، وهو الثوب الخلق وما لا يصان من الثياب "متواضعا" زيادة على عادته "متخشعا متضرعا".
قال القاموس: تخشع تضرع وهو الخضوع والذلة والاستكانة، والخشوع الخضوع أو قريب منه، أو هو في البدن، والخشوع في البصر والصوت والسكون والتذلل.
"حتى أتى المصلى" المكان المعروف بالمدينة "فرقي" بكسر القاف وقد تفتح، أي:стр. 5126
في الدعاء والتضرع والتكبير، ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد. رواه الترمذي وغيره.
وفي حديث عبد الله بن زيد المازني، قال: خرج رسول الله ﷺ إلى هذا المصلى يستسقي، ثم استقبل القبلة وقلب رداءه، ثم صلى. رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية: خرج بالناس إلى المصلى يستسقي فصلى بهم ركعتين جهر فيهما بالقراءة واستقبل يدعو، ورفع يديه وحول رداءه.
الحواشي
(١) صعد "المنبر فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد، رواه الترمذي" وقال: حسن صحيح "وغيره" أحمد وباقي الأربعة أصحاب السنن.
"وفي حديث عبد الله بن زيد" بن عاصم بن كعب الأنصاري "المازني" بكسر الزاي صاحب حديث الوضوء لا عبد الله بن زيد بن عبد ربه صاحب رؤيا الأذان كما زعم سفيان بن عتبة، وقد وهمه البخاري.
قال الحافظ: وقد اتفقا في الاسم واسم الأب والنسبة إلى الأنصار، ثم الخزرج والصحبة، والرواية: وافترقا في الجد والبطن الذي من الخزرج؛ لأن فخذ عاصم من مازن وفخذ عبد ربه من الخزرج.
"قال: خرج رسول الله ﷺ إلى هذا المصلى:" المكان الذي يصلي فيه بالصحراء؛ لأنه أبلغ في التواضع وأوسع للناس، زاد في رواية: بالناس "يستسقي" يطلب من الله السقي بدعائه وتضرعه، فهو حل من النبي ﷺ ، أي: خرج حال كونه مستسقيا، ويحتمل أن يكون يستسقي مقدرا بلام كي محذوفة، أي: خرج لكي يستسقي.
وفي أكثر الروايات: فاستسقى "وقلب" ولبعض الرواة: وحول "رداءه ثم صلى" ركعتين "رواه البخاري ومسلم" بطرق متعددة، إلا أن لفظ: ثم إنما وقع في رواية لهما، وأكثر الروايات عندهما وعند غيرهما، وصلى ركعتين بالواو وهي لا تقتضي الترتيب، وفي كثير من الأحاديث: التصريح بأنه ﷺ خطب بعد الصلاة، فعلم أن لفظه: ثم وهم من الراوي، قاله المصنف على مسلم.
"وفي رواية" لأبي داود عن عبد الله بن زيد: "خرج بالناس إلى المصلى" حال كونه "يستسقي" أي: مستسقيا، أو لكي يستسقي "فصلى بهم ركعتين: جهر فيهما بالقراءة، واستقبل" القبلة "يدعو" الله تعالى، ففي رواية في الصحيح: وجعل ظهره إى الناس واستقبل القبلة "ورفع يديه وحول رداءه" وبين صفة التحويل بقوله: "وجعل عطافه" بكسر العين، أي:стр. 5127
وجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن ثم دعا الله.
قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد على سبب ذلك ولا على صفته ﷺ حال الذهاب إلى المصلى، ولا على وقت ذهابه، وقد وقع ذلك في حديث عائشة عند أبي داود وابن حبان قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوما يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر فكبر وحمد لله، ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئجار المطر عن إبان زمانه، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الحواشي
(١) جانبه، وفي النهاية: العطاف والعطف الرداء، سمي عطافا لوقوعه على عطفي الرجل وهما ناحيتا عنقه "الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن ثم دعا الله" تعالى.
"قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد" المذكور "على سبب ذلك ولا على صفته ﷺ حال الذهاب إلى المصلى ولا على وقت ذهابه، وقد وقع ذلك في حديث عائشة عند أبي داود وابن حبان، قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحط امطر" بفتح القاف وسكون الحاء، أي: احتباسه مصدر قحط كنفع وتعب وعنى كما في القاموس وغيره "فأمر بمنبر، فوضع له في المصلى ووعد الناس يوما يخرجون فيه، فخرج حين بدا" ظهر "حاجب الشمس" أي: ضوءها "فقعد على المنبر" إلى هنا ما نقله الحافظ قائلا: الحديث؛ لأنه لم يتعلق غرضه بباقيه، وذكر ما في غرضه بقوله، وفي حديث ابن عباس عند أحمد وأصحابه السنن: خرج ﷺ مبتذلا متواضعا متضرعا حتى أتى المصلى فرقى المنبر، وفي حديث أبي الدرداء عند البزار والطبراني: قحط المطر، فسألنا نبي الله أن يستسقي لنا، فغدا نبي الله.. الحديث. انتهى، فأفاد أن حديث عائشة بين السبب ووقت الذهاب، كما بين الثاني أيضا حديث أبي الدرداء وصفته حال الذهاب عن ابن عباس، وكأن المصنف أسقطه؛ لأنه قدمه، لكنه أوهم أن الحافظ نقض ما ترجم به وليس كذلك، وأوهم أنه ذكر حديث عائشة بتمامه، ولا كذلك، وإنما المصنف اعتنى بذكره تتميما للفائدة ببيان ما دعا به، فقعد على المنبر "فكبر وحمد الله، ثم قال: "إنكم شكوتم جدب" بالدال المهملة عدم خصب "دياركم واستئخار" أي: تأخر "المطر"، فالسين للتأكيد "عن إبان" بكسر الهمز حين "زمانه" فالإضافة بيانية، وقيل: معنى إبان أول، فالإضافة على بابها "وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم" فقال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] ، ثم قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِстр. 5128
الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، الذي لا إله إلا هو، يفعل ما يريد، اللهم أنت الله الذي لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين، ثم رفع يديه حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة -وحول- رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس، ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابا، فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى ذلك وسرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه، فقال: "أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله".
وقد حكى ابن المنذر الاختلاف في وقتها، والراجح أنه لا وقت لها معين، وإن كان أكثر أحكامها كالعيد، لكنها تخالفه بأنها لا تختص بيوم معين، وهل تصنع بالليل؟ استنبط بعضهم من كونه ﷺ جهر بالقراءة فيها بالنهار، أنها نهارية
الحواشي
(١) رَبِّ الْعَالَمينَ﴾ " أي: مالك جميع الخلق من إنس وملائكة وجن ودواب وغيرهم، وكل منها يسمى عالما، وغلب في جمعه بالياء والنون أولو العلم على غيرهم وهو من العلامة؛ لأنه علامة على موجده " ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ " أي: ذي الرحمة وهي إرادة الخير لأهله " ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ " الجزاء وهو يوم القيامة، وخص بالذكر؛ لأنه لا ملك ظاهرا فيه لأحد إلا الله تعالى لمن الملك اليوم لله، ومن قرأ مالك، فمعناه مالك الأمر كله في يوم القيامة، أي: هو موصوف بذلك دائما كغافر الذنب، فيصح وقوعه صفة للمعرفة "الذي لا إله" أي: لا معبود بحق في الوجود "إلا هو يفعل ما يريد" لا يعجزه شيء "اللهم أنت الله الذي لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء أنزلنا علينا الغيث" أي: المطر "واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين" تنقضي آجالنا "ثم رفع يديه حتى بدا بياض إبطيه" لمبالغته في رفعهما "ثم حول إلى الناس ظهره" أي: جعله إليهم "واستقبل القبلة وحول رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل" عن المنبر "فصلى ركعتين فأنشأ الله سحابا" أي: غيما جمع سحابة، ويجمع أيضا على سحب وسحائب "فرعدت" أي: السحاب والإسناد مجازي "وبرقت": لمعت "ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول" لكثرة المطر "فلما رأى ذلك وسرعتهم إلى الكن" بالكسر وشد النون "ضحك حتى بدت" " ظهرت "نواجذه" بجيم وذال معجمة "فقال: "أشهد أن الله على كل شيء قدير" ومنه ما شاهدتم في الحال "وأني عبد الله ورسوله" فأجاب دعائي سريعا.
"وقد حكى ابن المنذر الاختلاف في وقتها، والراجح أنه لا وقت لها معين وإن كان أكثر أحكامها كالعيد، لكنها تخالفه بأنها لا تختص بيوم معين وهل تصنع بالليل، استنبطстр. 5129
كالعيد، وإلا فلو كانت تصلي بالليل لأسر فيها بالنهار وجهر بالليل كمطلق النوافل.
ونقل ابن قدامة الإجماع على أنها لا تصلى في وقت الكراهة.
وأفاد ابن حبان أن خروجه ﷺ إلى المصلى للاستسقاء كان في شهر رمضان سنة ست من الهجرة.
وذكر الواقدي: أن طول ردائه ﷺ كان ستة أذرع في ثلاثة أذرع، وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر، كان يلبسهما في الجمعة والعيدين.
وقد روى أبو داود عن عباد: استسقى ﷺ وعليه خميصة سوداء فأراد أن
الحواشي
(١) بعضهم من كونه ﷺ جهر بالقراءة فيها بالنهار أنها نهارية كالعيد، وإلا فلو كانت تصلى بالليل لأسر فيها بالنهار وجهر بالليل، كمطلق النوافل" نازعه شيخنا بأن لا دلالة في صلاتها نهارا على أنها لا تفعل بالليل، بل يدل على أنها لا تختص بالليل، وقد صرح في شرح البهجة بأن جميع الليل والنهار وقت لها كما لا تختص بيوم.
"ونقل ابن قدامة الإجماع على أنها لا تصلى في وقت الكراهة" ولعل هذا الإجماع قبل حدوث الآراء في مذهب الشافعي، فلا ينافي أنها لا تختص بوقت العيد على الأصح في المنهاج، قال شارحه: ولا بوقت من الأوقات، بل تجوز ولو بوقت كراهة؛ لأنها ذات سبب. انتهى.
ومذهب مالك أن وقتها من حل النافلة للزوال كالعيد، لكن لا تختص بيوم.
"وأفاد ابن حبان أن خروجه ﷺ إلى المصلى للاستسقاء كان في شهر رمضان سنة ست من الهجرة".
"وذكر الواقدي" محمد بن عمر بن واقد؛ "أن طول ردائه ﷺ كان ستة أذرع في" عرض "ثلاثة أذرع، وطول إزاره أربعة أذرع، وشبرين في" عرض "ذراعين وشبر، كان يلبسهما في الجمعة والعيدين".
زاد الحافظ: ووقع في شرح الأحكام لابن بزيزة ذرع الرداء، كالذي ذكره الواقدي في ذرع الإزار والأول أولى.
"وقد روى أبو داود عن عباد" بفتح المهملة والموحدة الثقيلة ابن تميم بن زيد بن عاصم الأنصاري راوي الحديث عن عمه عبد الله بن زيد، ووقع في بعض نسخ ابن ماجه عن عباده، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد.
قال الحافظ في الفتح: قوله عن أبيه زيادة وهي وهم، والصواب حذفه كما في النسخстр. 5130
يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه.
وقد استحب الشافعي في الجديد فعل ما هم به النبي ﷺ من تنكيس الرداء مع التحويل الموصوف. وزعم القرطبي تبعا لغيره أن الشافعي اختار في الجديد تنكيس الرداء لا تحويله، والذي في الأم ما ذكرته.
والجمهور على استحباب التحويل فقط، ولا ريب أن الذي استحبه الشافعي أحوط. وعن أبي حنيفة وبعض المالكية: لا يستحب شيء من ذلك.
واستحب الجمهور أن يحول الناس بتحويل الإمام، ويشهد له ما رواه أحمد من طريق عباد في هذا الحديث بلفظ: وحول الناس معه.
وقال الليث وأبو يوسف: يحول الإمام وحده. واستثنى ابن الماجشون النساء فقال: لا يستحب في حقهن.
الحواشي
(١) المعتمدة من ابن ماجه.
"استسقى ﷺ وعليه خميصة" بفتح المعجمة وكسر الميم وإسكان التحتية وفتح المهملة كساء من صوف "سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه، وقد استحب الشافعي في الجديد فعل ما هم به النبي ﷺ من تنكيس الرداء مع التحويل الموصوف" بأن يجعل الأسفل الذي على الأيسر على عاتقه الأيمن، وما على الأيمن على عاتقه الأيسر، فيحصل التحويل والتنكيس معًا.
"وزعم القرطبي" في المفهم "تبعا لغيره أن الشافعي اختار في الجديد تنكيس الرداء لا تحويله، والذي في الأم ما ذكرته" من استحبابهما "والجمهور على استحباب التحويل فقط" بلا تنكيس لانفراد رواية عمارة بن غزية عن عباد في حديث عبد الله بن زيد بأنه هم بذلك "ولا ريب أن الذي استحبه الشافعي أحوط، وعن أبي حنيفة وبعض المالكية: لا يستحب شيء من ذلك التحويل والتنكيس "واستحب الجمهور أن يحول الناس بتحويل الإمام، ويشهد له ما رواه أحمد من طريق عباد" بن تميم عن عمه "في هذا الحديث، بلفظ: وحول الناس معه" ﷺ أرديتهم.
"وقال الليث وأبو يوسف: يحول الإمام وحده، واستثنى" عبد الملك "بن الماجشون النساء، فقال: لا يستحب في حقهن" وهو وجيه؛ لأنهن عورة.
زاد الحافظ: ثم ظاهر قوله: فقلت: رداءه أن التحويل وقع بعد فراغ الاستسقاء وليس كذلك، بل المعنى فقلب رداءه في أثناء الاستسقاء، وقد بينه مالك في روايته المذكورة، ولفظه:стр. 5131
واختلف في حكمة هذا التحويل فجزم المهلب بأنه للتفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه. وتعقبه ابن العربي بأن من شرط الفأل أن لا يقصد إليه، قال: وإنما التحويل أمارة بينه وبين ربه، قيل له: حول رداءك ليتحول حالك. وتعقب بأن الذي يجزم به يحتاج إلى نقل، والذي رده ورد فيه حديث رجاله ثقات، أخرجه الدارقطني والحاكم من طريق جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن جابر. ورجح الدارقطني إرساله. وعلى كل حال فهو أولى من القول بالظن.
واستدل بقوله في حديث عائشة: "ثم صلى ركعتين" بعد قوله: "فقعد على المنبر" على أن الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة، وهو مقتضى حديث ابن عباس،
الحواشي
(١) حول رداءه حين استقبل القبلة.
ولمسلم من رواية يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن محمد، وأنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه، وأصله للمصنف، أي: البخاري كما سيأتي بعد أبواب، وله من رواية الزهري عن عباد: فقام فدعا الله قائما، ثم توجه قبل القبلة وحول رداءه، فعرف بذلك أن التحويل وقع في أثناء الخطبة عند إرادة الدعاء.
"واختلف في حكمة هذا التحويل، فجزم المهلب بأنه للتفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه" من الجدب إلى الخصب "وتعقبه ابن العربي؛ بأن من شرط الفأل أن لا يقصد إليه، قال: وإنما التحويل أمارة" علامة "بينه وبين ربه، قيل له:" ولو بالإلهام "حول رداءك ليتحول حالك".
"وتعقب بأن الذي جزم به يحتاج إلى نقل، والذي رده ورد فيه حديث رجاله ثقات، أخرجه الدارقطني والحاكم من طريق جعفر" الصادق "بن محمد بن علي" زين العابدين بن الحسين "عن أبيه" محمد الباقر "عن جابر" بن عبد الله "ورجح الدارقطني إرساله" بحذف جابر "وعلى كل حال فهو أولى من القول بالظن".
زاد الحافظ: وقال بعضهم: إنما حول رداءه ليكون أثبت على عاتقه عند رفع يديه في الدعاء، فلا يكون سنة في كل حال، وأجيب بأن التحويل من جهة إلى جهة لا يقتضي الثبوت على العاتق، فالحمل على المعنى الأول أولى، فإن الاتباع أولى من تركه لمجرد احتمال الخصوص.
"واستدل بقوله في حديث عائشة: ثم صلى ركعتين بعد قوله: فقعد على المنبر على أن الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة وهو مقتضى حديث ابن عباس" السابق أيضا لقوله:стр. 5132
لكن وقع عند أحمد في حديث عبد الله بن زيد التصريح بأنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وكذا في حديث أبي هريرة عند ابن ماجه، حيث قال: فصلى بنا ركعتين بغير أذان ولا إقامة، والمرجح عند الشافعية والمالكية الثاني.
ولم يقع في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد صفة الصلاة المذكورة وهي ركعتان ولا ما يقرأ فيها، وقد أخرج الدارقطني من حديث ابن عباس أنه يكبر فيهما سبعا وخمسا كالعيد، وأنه يقرأ فيهما بـ"سبح" و"هل أتاك". وفي إسناده مقال. لكن أصله في السنن بلفظ: ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيدين. فأخذ بظاهره الشافعي فقال: يكبر فيهما.
الثاني: استسقاؤه ﵊ في خطبة الجمعة.
الحواشي
(١) خرج حتى أتى المصلى فرقي المنبر "لكن وقع عند أحمد في حديث عبد الله بن زيد التصريح بأنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وكذا في حديث أبي هريرة عند ابن ماجه، حيث قال: فصلى بنا ركعتين بغير أذان ولا إقامة" وكل منهما صريح، فيقدم على المحتمل "والمرجح عند الشافعية والمالكية الثاني" أي: الصلاة قبل الخطبة، وإليه رجع مالك.
قال الحافظ: ويمكن الجمع بين مختلف الروايات؛ بأنه ﷺ بدأ بالدعاء ثم صلى ركعتين، ثم خطب، فاقتصر بعض الرواة على شيء، وبعضهم على شيء، وعبر بعضهم عن الدعاء بالخطبة، فلذا وقع الاختلاف، قال: وقال القرطبي: يعتضد القول بتقديم الصلاة على الخطبة بمشابهتها بالعيد، وكذا ما تقرر من تقديم الصلاة أمام الحاجة "ولم يقع في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد صفة الصلاة المذكورة، وهي ركعتان" بإجماع من قال بها "ولا ما يقرأ فيها".
"وقد أخرج الدارقطني من حديث ابن عباس أنه يكبر فيهما سبعا وخمسا كالعيد، وأنه يقرأ فيهما بـ ﴿سَبِّحِ﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ ، وفي إسناده مقال، لكن أصله في السنن" الأربع "بلفظ: ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيدين، فأخذ بظاهره الشافعي، فقال: يكبر فيهما" سبعا وخمسا، ولم يأخذ به غيره كمالك لضعف الرواية المصرحة بالتكبير، ولما يطرق الثانية من احتمال نقص التشبيه.
زد الحافظ: ونقل الفاكهي شيخ شيوخنا عن الشافعي استحباب التكبير حال الخروج إليها كما في العيد وهو غلط منه عليه.
"الثاني: استسقاؤه ﵊ في خطبة الجمعة: عن أنس أن رجلا" قالстр. 5133
عن أنس: أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائما، ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، قال: فرفع
الحواشي
(١) الحافظ: لم أقف على تسميته في حديث، ولأحمد عن كعب بن مرة: ما يمكن أن يفسر هذا المبهم بأنه كعب، وللبيهقي مرسلا: ما يمكن أن يفسر بأنه خارجة بن حصن الفزاري، لكن رواه ابن ماجه عن شرحبيل بن السمط أنه قال لكعب بن مرة: يا كعب حدثنا عن رسول الله ﷺ ، فقال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله استسق الله، فرفع يده، فقال: "اللهم اسقنا".. الحديث، ففي هذا أنه غير كعب، وزعم بعضهم أنه أبو سفيان بن حرب وهم؛ لأنه جاء في واقعة أخرى قبل إسلامه، وينفي زعمه قوله: يا رسول الله، فإن أبا سفيان لا يقولها قبل إسلامه، وفي رواية عن أنس: جاء أعرابي من أهل البادية "دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء" فسرها بعضه بدار الإمارة وليس كذلك، وإنما هي دار عمر بن الخطاب، سميت بذلك؛ لأنها بيعت في قضاء دينه وكان يقال لها: دار قضاء دين عمر، ثم طال ذلك، فقيل: دار القضاء، أخرجه الزبير بن بكار عن ابن عمر.
وروى عمر بن شيبة عن ابن أبي فديك، عن عمه: كانت القضاء لعمر، فأمر عبد الله وحفصة أن يبيعاها عند وفاته في دين كان عليه، فباعاها من معاوية، فكانت تسمى دار القضاء، قال: وأخبرني عمي أن الخوخة الشارعة فها غربي المسجد هي خوخة الصديق، وقد صارت بعد ذلك إلى مروان وهو أمير المدينة، فلعلها شبهة من قال: إنها دار الإمارة، وجاء في تسميتها قول آخر، رواه عمر بن شية عن سهلة بنت عاصم، قالت: كانت دار القضاء لعبد الرحمن بن عوف، سميت بذلك؛ لأن عبد الرحمن اعتزل فيها ليالي الشورى حتى قضي الأمر، فباعها بنو عبد الرحمن من معاوية. قال عبد العزيز بن عمران: وكانت فيها الدواوين وبيت المال، ثم صيرها السفاح رحبة للمسجد.
"ورسول الله ﷺ قائم يخطب" بالمدينة "فاستقبل" الرجل "رسول الله ﷺ " حال كونه "قائما، ثم قال: يا رسول الله هلكت الأموال".
وفي رواية: المواشي، وهي المراد بالأموال هنا لا الصامت، وفي أخرى: هلك الكراع بضم الكاف، يطلق على الخيل وغيرها، وفي رواية: هلكت الماشية، هلك العيان هلك الناس، وهو من العام بعد الخاص، والمراد بهلاكهم عدم وجود ما يعيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر "وانقطعت السبل" بضمتين جمع سبيل الطرق؛ لأن الإبل ضعفت لقلة القوت عن السفر، أو لأنها لا يجد في طريقها من الكلأ ما يقيم أودها، وقيل: المراد نفاد ما عند الناس منстр. 5134
رسول الله ﷺ يديه ثم قال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا"، قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين "سلع" من بيت ولا
الحواشي
(١) الطعام أو قلته، فلا يجدون ما يحملونه إلى الأسواق.
وفي رواية: قحط المطر بفتح القاف والحاء، وحكي بضم فكسر، أي: قل، وفي أخرى: واحمر الشجر كناية عن يبس ورقها لعدم شربها الماء أو لانتثاره فيصير أعوادا بلا ورق، وكلها في الصحيح وأمحلت الأرض.
قال الحافظ: وهذه الألفاظ يحتمل أن الرجل قالها كلها، وأن بعض الرواة روى شيئا مما قاله بالمعنى، فإنها متقاربة، فلا يكون غلطا كما قاله صاحب المطالع وغيره.
"فادع الله" فهو "يغيثنا" يجوز ضم أوله من الإغاثة وفتحه من الغيث، ويرجح الأول قوله: "اللهم أغثنا" كذا في الفتح، وقال المصنف على مسلم الرواية بضم أوله من أغاث رباعيا، وهذه رواية الأكثر، ولأبي ذر: أن يغيثنا، وفي رواية: يغثنا بالجزم، وفي رواية: أن يسقينا، وأخرى: فاستسق ربك.
"قال" أنس: "فرفع رسول الله ﷺ يديه" زاد النسائي: رفع الناس أيديهم معه يدعون، زاد في رواية للبخاري: حذاء وجهه، وابن خزيمة: حتى رأيت بياض إبطيه، وفي أخرى للبخاري: فمد يديه ودعا، وفي أخرى له: فنظر إلى السماء "ثم قال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا" هكذا في رواية للشيخين: أغثنا، وذكر الجملة ثلاثا.
وفي رواية للبخاري: "اللهم اسقنا"، وذكرها ثلاث مرات، وفي أخرى له: "اللهم اسقنا" مرتين والأخذ بالزائد أولى، ويرجحهما أنه ﷺ كان إذا دعا دعا ثلاثا كما في البخاري وغيره، والرواية: أغثنا بالهمزة، قال قاسم بن ثابت: كذا رواه لنا موسى بن هارون، وجائز أنه من الغوث أو الغيث، والمعروف لغة غثنا من الغوث، وقال ابن القطاع: غاث الله عباده غيثا وغياثا، سقاهم المطر وأغاثهم: أجاب دعاءهم، ويقال: أغاث وغاث بمعنى والرباعي أعلى، ويحتمل أن معنى أغثنا أعطنا غوثا وغيثا.
"قال أنس: ولا" بالواو للأكثر، ولأبي ذر: فلا "والله" بالفاء، وفي أخرى: وأيم الله، وحذف الفعل، أي: ولا ترى والله؛ لأنه يدل عليه قوله: "ما نرى في السماء من سحاب" مجتمع "ولا قزعة" بقاف فزاي فعين مهملة مفتوحات، أي: سحاب متفرق.
قال ابن سيده: الفزع قطع من السحاب رقاق، زاد أبو عبيد: وأكثر ما يجيء في الخريف وهو بالنصب على التبعية لسحاب من جهة المحل، وبالجر على التبعية له من جهة اللفظ "وما بيننا وبين سلع" بفتح المهملة وسكون اللام، وحكي فتحها وعين مهملة جبل معروف بالمدينة "من بيت ولا دار" يحجبنا عن رؤيته إشارة إلى أن السحاب كان مفقودا لا مستترا ببيت ولاстр. 5135
دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت. قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتا، قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب
الحواشي
(١) غيره، وللبخاري: قال أنس: وإن السماء لهي مثل الزجاجة، أي: لشدة صفائها، وذلك مشعر بعدم السحاب أيضا.
"قال" أنس: "فطلعت" أي: ظهرت "من ورائه" أي: سلع "سحابة" وكأنها نشأت من جهة البحر؛ لأن وضع سلع يقتضي ذلك "مثل الترس" أي: مستديرة لا مثله في القدر؛ لأن في رواية أبي عوانة: فنشأت سحابة مثل رجل الطائر وأنا أنظر إليها، وهذا يشعر بأنها كانت صغيرة.
وفي رواية: فهاجت ريح أنشأت سحابا ثم اجتمع، وأخرى: فنشأ السحاب بعضه إلى بعض، وأخرى حتى ثار السحاب أمثال الجبال، أي: لكثرته، وفيه: ثم لم ينزل عن منبره حتى رأينا المطر يتحادر على لحيته وكلها في الصحيح، وهذا يدل على أن السقف وكف؛ لأنه كان من جريد النخل "فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت" بالهمز رباعيا، وهذا يشعر بأنها استمرت مستديرة حتى انتهت إلى الأفق، فانبسطت حينئذ وكأن فائدته تعميم الأرض بالمطر.
"قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتا" بفتح السين وسكون الموحدة وفوقية كناية عن استمرار الغيم الماطر، وهذا في الغالب، وإلا فقد يستمر المطر والشمس بادية، وقد تحجب الشمس بغير مطر.
قال الحافظ: كذا رواه الأكثر بلفظ: سبتا أحد الأيام، أي: أسبوعان من تسمية الشيء باسم بعضه، كما يقال جمعة، ويقال: أراد قطعة من الزمان، قاله في النهاية.
وقال المحب الطبري: أي: جمعة، وفيه تجوز؛ لأن السبت الأول لم يكن مبتدأ، ولا الثاني منتهي، وعبر أنس بذلك؛ لأنه من الأنصار وكانوا جاوروا اليهود، فأخذوا بكثير من اصطلاحهم، وإنما سموا الأسبوع سبتا؛ لأنه أعظم الأيام عند اليهود، كما أن الجمعة كذلك عند المسلمين.
وقال ثابت في الدلائل: الناس يقولون: معناه من سبت إلى سبت، وإنما هو قطعة من الزمان، وصحفه الداودي فرواه: ستا، بكسر السين وشد الفوقية، ورد بأنه لم ينفرد به، فقد رواه الحموي والمستملي هنا ستا، وكذا رواه سعيد بن منصور وأحمد من وجهين آخرين عن أنس، وكان من ادعى التصحيف استبعد اجتمع قوله: ستا مع قوله في رواية للبخاري سبعا وليس بمستبعد؛ لأن من قال ستا أراد ستة أيام تامة، ومن "قال": سبعا أضاف إليها يوما ملفقا من الجمعتين، وقد رواه مالك عن شريك عن أنس، بلفظ: فمطرنا من جمعة إلى جمعة، وللبخاري عن إسحاق عن أنس: فمطرنا يومئذ، ومن الغدو من بعد الغد والذي يليه حتى الجمعة الأخرى.
"ثم دخل رجل من ذلك الباب" الذي دخل منه السائل أولا "في الجمعة المقبلة" أي:стр. 5136
في الجمعة المقبلة، ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبله قائما، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر"، قال: فانقطعت فخرجنا نمشي في الشمس. قال
الحواشي
(١) الثانية "ورسول الله ﷺ قائم" حال كونه "يخطب، فاستقبله قائما" نصب على الحال من الضمير المرفوع في استقبله لا من المنصوب "فقال: يا رسول الله هلكت الأموال" أي: المواشي بعدم الرعي، أو عدم ما يكنها لكثر الماء.
وفي رواية النسائي: من كثرة الماء "وانقطعت السبل" لتعذر سلوك الطريق من كثرة الماء، ولابن خزيمة: واحتبس الركبان، وفي رواية: تهدمت البيوت، وأخرى: هدم البناء وغرق المال، فهو بسبب غير السبب الأول "فادع الله يمسكها عنا" بالجزم جواب الأمر والرفع، أي: فهو يمسكها.
وفي رواية: أن يمسكها، أي: الأمطار، أو السحابة، أو السماء، والعرب تطلق على المطر سماء.
وفي رواية: أن يمسك عنا الماء، وأخرى: أن يرفعها عنا، وأخرى: فادع ربك أن يحبسها عنا فضحك، وفي رواية: فتبسم لسرعة ملام ابن آدم.
"قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه" بالتثنية "ثم قال: "اللهم" اجعل، أو أمطر "حوالينا" بفتح اللام "ولا" تنزله "علينا" أي اصرفه عن الأبنية والدور، وهو بيان للمراد بقوله: حوالينا؛ لأنها تشمل الطرق التي حولهم، فأخرجها بقوله: "ولا علينا".
قال الطيبي: في إدخال الواو هنا معنى لطيف؛ لأنه لو أسقطها لكان مستسقيا للأكام وما معها فقط، ودخول الواو يقتضي أن طلب المطر على المذكورات ليس مقصود العينة، ولكن ليكون وقاية من أذى المطر، فليست الواو مخلصة للعطف، ولكنها للتعليل، كقولهم: تجوع الحرة ولا تأكل بثديها، فإن الجوع ليس مقصود العينة، ولكن لكونه مانعا من الرضاع بأجرة، إذ كانوا يكرهون ذلك آنفا. انتهى.
"اللهم" أنزله "على الآكام" بزنة الجبال "والظراب" بوزنه، وفي رواية للبخاري: والجبال "وبطون الأودية" أي: ما يتحصل فيه الماء لينتفع به، قيل: لم يسمع أفعلة جمع فاعل إلا أودية جمع واد وفيه نظر "ومنابت الشجر": جمع منبت بكسر الموحدة، أي: ما حولها مما يصلح أن ينبت فيه؛ لأن نفس المنبت لا يقع عليه المطر، وفيه الأدب في الدعاء، حيث لم يدع برفع المطر مطلقا لاحتمال الحاجة إلى استمراره، فاحترز فيه بما يقتضي رفع الضرر وإبقاء النفع، ومنه استنبط أن من أنعم الله عليه بنعمة لا ينبغي أن يسخطها لعارض، بل يسأل الله رفع العارض.стр. 5137
شريك: فسألت أنس بن مالك: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري. رواه مسلم.
وفي رواية له قال: فما يشير بيده إلى ناحية إلا تفرجت، حتى رأيت المدينة في مثل الجوبة، وسال وادي قناة شهرا. ولم يجئ أحد من ناحية إلا أخبر بجود.
الحواشي
(١) "قال" أنس: "فانقطعت" أي: السماء أو السحابة الماطرة، أي: أمسكت عن المطر عن المدينة، وفي رواية مالك: فانجابت عن المدينة انجياب الثوب، أي: خرجت عنها كما يخرج الثوب عن لابسه، وفي رواية: فما هو إلا أن تكلم ﷺ بذلك تمزق السحاب حى ما نرى منه شيئا، أي: في المدينة، وللبخاري: فجعل السحاب يتصدع عن المدينة، يريهم الله كرامة نبيه وإجابة دعوته "فخرجنا نمشي في الشمس".
"قال شريك" بن عبد الله بن أبي نمر: "فسألت أنس بن مالك" لما حدثه بهذا الحديث "أهو" أي: السائل الثاني "الرجل الأول؟ قال: لا أدري" مقتضى هذا أنه لم يجزم بالتغاير مع أنه عبر ثانية عنه بقوله: "رجل"، الظاهر في أنه غير الأول؛ لأن النكرة إذا تكررت دلت على التعدد، فالظاهر أن هذه القاعدة أغلبية؛ لأن أنسا من أهل اللسان وقد تعددت.
وللبخاري عن إسحاق وقتادة، وغيرهما عن أنس: فقام ذلك الرجل أو غيره، ومقتضاه أنه كان يشك فيه، وله عن يحيى بن سعيد، عن أنس: فأتى الرجل فقال: يا رسول الله، ولأبي عوانة عن حفص عن أنس: فما زلنا نمطر حتى جاء ذلك الأعرابي في الجمعة الأخرى، وأصله في مسلم، ومقتضاه الجزم بأنه واحد، فلعل أنسا كان يتردد تارة ويجزم أخرى باعتبار ما يغلب على ظنه كما أفاده الحافظ.
"رواه مسلم" من طريق إسماعيل بن جعفر عن شريك عن أنس، وكذا رواه البخاري من طريقه ومن طريق مالك، ومن طريق أبي ضمرة، ثلاثتهم عن شريك عن أنس، ول طرق عند البخاري أكثر من مسلم، فما هذا الإيهام من المصنف أنه تفرد به.
"وفي رواية له" لمسلم، وكذا البخاري هنا وفي الجمعة، كلاهما من طريق الأوزاعي عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس قال: أصابت الناس سنة على عهد رسول الله ﷺ ، فبينا رسول الله ﷺ يخطب الناس على المنبر يوم الجمعة إذ قام أعرابي، فقال: يا رسول الله هلك المال وجاع العيال، وساق الحديث بمعناه.
وفيه "قال" أنس: "فما يشير" ﷺ "بيده إلى ناحية" من السماء "إلا تفرجت" بفتح الفوقية والفاء والراء المشددة والجيم، أي: إلا تقطع السحاب وزال عنها امتثالا لأمره "حتى رأيت المدينة في مثل الجوبة" بجيم وموحدة كما يأتي "وسال وادي قناة" بفتح القاف والنون المخففة: واد من أودية المدينة عليه مزارع، والإضافة بيانية، أي: واد هو قناة، أي: مسمى بهذاстр. 5138
وقوله: "يغيثنا" بفتح أوله، يقال: غاث الله البلاد يغيثها، إذا أرسل عليها المطر.
الحواشي
(١) الاسم.
ذكر محمد بن الحسن المخزومي أن أول من سماه وادي قناة تبع اليماني، وللبخاري في الجمعة من هذا الوجه، وسال الوادي قناة، وأعرب بالضم بدل على أن قناة اسم الوادي.
قال الحافظ: ولعله من تسمية الشيء باسم ما جاوره، وقرأت بخط الرضي الشاطبي: الفقهاء يقولونه بالنصب والتنوين يتوهمونه قناة من القنوات، وليس كذلك، وهذا الذي أنكره جزم به بعض الشراح، وقال: هو على التشبيه، أي: سال مثل القناة "شهرا" هو من أبعد أمد المطر المصلح للأرض المتوعرة الجبلية؛ لأنه يتمكن في تلك الأيام لطولها الري فيها؛ لأنها بارتفاعها لا يثبت الماء عليها فيبقى فيها حرارة، فإذا دام سكب المطر عليها قلت الحرارة وخصبت الأرض "ولم يجئ أحد من ناحية إلا أخبر بجود" بفتح الجيم وسكون الواو المطر العزير، وهذا يدل على أن المطر استمر فيما سوى المدينة، فقد يشكل بأنه استلزم أن قول السائل هلكت الأموال وانقطعت السبل لم يرتفع الإهلاك ولا القطع وهو خلاف مطلوبه، ويمكن الجواب بأن المراد أن المطر استمر حول المدينة من الأكام والظراب وبطون الأودية لا في الطريق المسلوكة، ووقوع المطر في بقعة جون بقعة كثير ولو كانت تجاورها، وإذا جاز ذلك جاز أن يوجد لماشية أماكن تكنها وترعى فيها، بحيث لا يضرها ذلك المطر، فيزول الإشكال، أفاده الحافظ.
"وقوله: يغيثنا بفتح أوله" من الغيث "يقال: غاث الله البلاد يغيثها إذا أرسل عليها المطر" كذا اقتصر هنا على الفتح مع أن الحافظ جوز ضمه من الإغاثة، ورجحه بقوله: اللهم أغثنا، وفي شرح مسلم للمصنف الراوية بضم أوله من أغاث رباعيا، وكذا قوله: اللهم أغثنا بالهمزة، والمشهور في كتب اللغة: غاث الله الناس يغيثهم بفتح أوله، وإنما يقال: أغاث في طب المعونة، فقيل: هو طلب المعونة لا الغيث، وقيل: هو طلب الغيث، والمعنى هنا: هب لنا غيثا وارزقنا غيثا، فإن قلت في المحل: ينبغي أن يطلب الغيث لا المعونة، وإدخال الهمزة على المتعدي غير فصيح لعدم الاحتياج إلى الهمزة، نص عليه الزمخشري وغيره، أجيب بأنه لما كان الواجب في كل الأحوال تفويض الأمر إلى الكبير المتعال، وهو عالم بما يصلح لعباده في كل وقت كان طلب المعونة في كشف الضر وعدم تعيين طريق الكشف من طلب غيث ونحوه غاية الأدب ونهاية حسن الطلب.
وأما الوجه الثاني فغير الفصيح، إنما هو إدخال الهمزة على المتعدي واستعماله بمعناه الأولстр. 5139
وقوله: من باب كان نحو دار القضاء، هي دار عمر بن الخطاب وسميت بذلك؛ لأنها بيعت في قضاء دينه.
وقوله: "هلكت الأموال"، وفي رواية كريمة وأبي ذر عن الكشميهني: هلكت المواشي، وهي المراد بالأموال هنا. وفي رواية البخاري: هلك الكراع -بضم الكاف- وهو يطلق على الخيل وغيرها، وفي البخاري أيضا: هلكت الماشية، هلك العيال، هلك الناس، وهو من ذكر العام بعد الخاص. والمراد بهلاكهم: عدم وجد ما يعيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر. وانقطعت السبل: لأن الإبل ضعفت لقلة القوت عن السفر، أو لكونها لا تجد في طريقها من الكلأ ما يقيم
الحواشي
(١) قبل دخول الهمزة؛ لأنه يقع مستغنى عنه، أما لو تغير المعنى بعد الدخول فهو فصيح قطعا، ولا يبعد أن يكون المعنى هنا دلنا على الغيث، أي: على طريق طلبه وكيفية تحصيله، كما قيل في الفرق بين سقيته، وأسقيته أن معنى الثاني دللته على الماء. انتهى.
"وقوله: من باب كان نحو دار القضاء هي دار عمر بن الخطاب، وسميت بذلك؛ لأنها بيعت في قضاء دينه" الذي كان أنفقه من بيت المال، وكان ستة وثمانين ألفا كما في البخاري، وكتبه على نفسه وأوصى ابنه عبد الله أن يبيع فيه ما له، فباع ابنه هذه الدار من معاوية، ومر لذلك مزيد، وقول آخر في سبب تسميتها دار القضاء وأنها لا وجود لها الآن؛ لأن السفاح أول خلفاء بني العباس جعلها رحبة للمسجد.
"وقوله: هلكت الأموال، وفي رواية: كريمة" بنت أحمد المروزية أحد رواة البخاري، عن الكشميهني "وأبي ذر" الحافظ عبد بلا إضافة ابن محمد الهروي، كلاهما "عن الكشميهني" بضم الكاف وإسكان المعجمة وفتح الهاء وكسرها، نسبة إلى قرية بمرو، واسمه محمد بن مكي بن محمد أحد رواة البخاري، عن محمد بن يوسف الفربري: "هلكت المواشي" بدل الأموال "وهي المراد بالأموال هنا" لا الصامت، وأطلق على المواشي الأموال؛ لأنها أعظم أموال العرب، فأطلق وأراد معظمه على أنه يحتمل أن يريد أعم من المواشي، فإن هلاك الزرع والشجر أيضا بعدم المطر، قاله المصنف على مسلم.
"وفي رواية البخاري" في الجمعة: "هلك الكراع -بضم الكاف- وهو يطلق على الخيل وغيرها، وفي البخاري أيضا" عن يحيى بن سعيد، عن أنس: "هلكت الماشية هلك" ولبعض الرواة: هلكت بالتأنيث "العيال هلك الناس، وهو من ذكر العام بعد الخاص" الذي هو العيال "والمراد بهلاكهم عدم وجود ما يعيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر" لا الهلاك الحقيقي، وهو معنى قوله: "وانقطعت السبل؛ لأن الإبل ضعفت لقلة القوت عن السفر،стр. 5140
أودها.
و"الآكام" بكسر الهمزة، وقد تفتح وتمد: جمع "أكمة" -بفتحات: التراب المجتمع، وقيل: الجبل الصغير، وقيل: ما ارتفع من الأرض.
و"الظراب" بكسر الظاء المعجمة، جمع "ظرب" -بكسر الراء: الجبل المنبسط ليس بالعالي.
وقوله: "مثل الجوبة" بفتح الجيم، وسكون الواو، وفتح الموحدة، هي الحفرة المستديرة الواسعة، والمراد بها هنا: الفرجة في السحاب.
و"الجود": المطر الغزير.
وقوله: "قناة شهرا": أي جرى فيه المطر من الماء شهرا.
الحواشي
(١) أو لكونها لا تجد في طريقها من الكلأ ما يقيم أودها" بواو ودال مهملة، أي: أعوجاجها المعنوي بالجوع.
زاد الحافظ، وقيل: المراد نفاذ ما عند الناس من الطعام أو قلته، فلا يجدون ما يحملونه، يجلبونه إلى الأسواق "والآكام - بكسر الهمزة وقد تفتح وتمد: جمع أكمة، بفتحات" ظاهرة أنها مفردة كل منهما.
وفي المصباح جمع أكمة أكام مثل جبل وجبال، وجمع الآكام أكم بضمتين مثل كتاب وكتب، وجمع أكم الآكام مثل عنق وأعناق "التراب المجتمع" قاله ابن البرقي.
وقال الداودي: هو أكبر من الكدية، وقال القزاز: هي التي من حجر واحد وهو قول الخليل، "وقيل: الجبل الصغير، وقيل: ما ارتفع من الأرض" وقال الخطابي: هي الهضبة الضخمة، وقال الثعالبي: الأكمة أعلى الرابية "والظراب -بكسر الظاء المعجمة" وآخره موحدة: "جمع ظرب بكسر الراء" زاد الحافظ: وقد تسكن "الجبل المنبسط ليس بالعالي" قاله القزاز.
وقال الجوهري: الرابية الصغيرة "وقوله: مثل الجوبة بفتح الجيم وسكون الواو وفتح الموحدة -هي الحفرة المستديرة الواسعة، والمراد بها هنا الفرجة في السحاب" زاد الحافظ.
وقال الخطابي: المراد بها هنا الترس، وضبطها الزين بن المنير تبعا لغيره بنون بدل الموحدة، ثم فسره بالشمس إذا ظهرت في خلال السحاب، لكن جزم عياض بأن من قاله بالنون فقد صحف "والجود" بفتح الجيم وإسكان الواو "المطر الغزير، وقوله: قناة شهرا، أي: جرىстр. 5141
وفي هذا دليل عظيم على عظم معجزته ﵊، وهو أن سخرت السحاب له كلما أشار إليها امتثلت أمره بالإشارة دون كلام؛ لأن كلامه ﵊ مناجاة للحق تعالى، وأما السحاب فبالإشارة، فلولا الأمر لها بالإطاعة له ﵊ لما كان ذلك؛ لأنها أيضا -كما جاء- مأمورة حيث تسير، وقدر ما تقيم، وأين تقيم. ويرحم الله الشقراطسي فلقد أحسن حيث قال:
دعوت للخلق عام المحل مبتهلا ... أفديك بالخلق من داع ومبتهل
صعدت كفيك إذ كف الغمام فما ... صوبت إلا بصوب الواكف الهطل
أوراق بالأرض ثجما صوب ريقه
الحواشي
(١) فيه المطر من الماء شهرا" وهذا كله التقطه المصنف من فتح الباري.
"وفي هذا" الحديث "دليل عظيم على عظم معجزته ﵊، وهو أن سخرت السحاب له، كلما أشار إليها امتثلت أمره بالإشارة دون كلام؛ لأن كلامه ﵇ مناجاة للحق تعالى، وأما السحاب فبالإشارة، فلولا الأمر لها" من الله تعالى "بالإطاعة له ﵇ لما كان" أي: وجد "ذلك؛ لأنها أيضا كما جاء مأمورة حيث تسير" أي: بالسير في المكان الذي تسير فيه "وقدر" نصب بنزع الخافض، أي: ويقدر "ما تقيم وأين تقيم".
وفي الفتح فيه علم من أعلام النبوة في إجابة الله دعاء نبيه عقبه أو معه ابتداء في الاستسقاء، وانتهاء في الاستصحاء وامتثال السحاب أمره بمجرد الإشارة، وأن الدعاء برفع الضرر لا ينافي التوكل وإن كان مقام الأفضل التفويض؛ لأنه ﷺ كان عالما بما وقع لهم من الجدب وأخر السؤال في ذلك تفويضا لربه، ثم أجابهم إلى الدعاء لما سألوه بيانا للجواز وتقرير السنة هذه العبادة الخاصة، أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة.
"ويرحم الله الشقراطسي، فلقد أحسن حيث قال: دعوت للخلق عام المحل" بفتح الميم وإسكان المهملة: الجدب "مبتهلا" مجتهد في الدعاء "أفديك بالخلق من داع" في موضع نصب على التمييز "ومبتهل" عطف عليه "صعدت" بالتشديد، أي: رفعت "كفيك" أي: يديك "إذ كف الغمام" أي: ماؤه، وقيل: بضم الكاف، أي منع ماء السحاب "فما صوبت"أي: وضعت كفيك "إلا بصوب" مصدرها المطر إذا نزل إلى الأرض "الواكف" القاطر "الهطل" المنسكب، أي: ما وضعت كفيك إلا ووضعك إياهما ملتبس بالمطر، مصاحب له، مرهون به "أراق بالأرض ثجا" بفتح المثلثة والجيم الثقيلة وصبا شديدا مصدر من معنى أراق: "صوب ريقه" بشد الياء بعدها قاف، أي: الواكف، أي: أفضله أو أوله، وقد يخفف الريق كهين وهين،стр. 5142
فحل بالروض نسجا رائق الحلل
زهر من النور حلت روض أرضهم ... زهرا من النور ضافي النبت مكتمل
من كل غصن نضير مورق خضر ... وكل نور نضيد مونق خضل
تحية أحيت الأحياء من مضر ... بعد الضرورة تروي السبل بالسبل
دامت على الأرض سبعا غير مقلعة ... لولا دعاؤك بالإقلاع لم تزل
الحواشي
(١) لكنه هنا بالتثقيل فقط للوزن "فحل" من الحلول، أي: ذلك المطر "بالروض" جمع روضة "نسجًا" مصدر في موضع الحال، أي: ناسجا "رائق" أي: معجب "الحلل" جمع حلة شبه ما يحدث عقب المطر من النبات المختلف ألوانه بالحلل "زهر" بيض مضيئة: جمع أزهر "من النور" أي الضوء، وكأنه إشارة إلى البرق "حلت" من التحلية تلك الزهر "روض أرضهم" مفعول أول، لحلت "زهرا" مفعول ثان لحلت على نزع الخافض، أي: بزهر -بإسكان الهاء وفتحها، ولكن يتعين السكون للوزن "من النور" بفتح النون "ضافي النبت:" واسعه وسابغه: وسكن ياء "ضافي" ضرورة والفتحة مقدرة فيها؛ لأنه صفة زهرا "مكتمل" تام بالجر، وحقه النصب؛ لأنه صفة زهرا باعتباره موضعه؛ لأن بنزع الخافض، فكأنه قال بزهر مكتمل كقول زهير:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئا إذا كان آتيا
كأنه قال: لست بمدرك ولا سابق "من كل غصن نضير" ناعم حسن "مورق خضر، وكل نور نضيد" متراكب، أي: منصود بعضه على بعض "مونق" معجب "خضل" بمعجمتين، ندي مبتل، أي: أنه ريان بذلك المطر، وقيل: الخضل الناعم، وقيل: النعمة وهو يرجع إلى المعنى الأول؛ لأن النبت إذا كان نديا فهو ناعم، وهذا البيت مرصع كله ومجنس تجنيس المضارعة، وهو الجمع بين ألفاظ متفرقة في أكثر حروفها وذلك نضير ونضيد ومورق ومونق وخضر وخضل "تحية" بالرفع على الابتداء، أي هل أوتلك الدعوة تحية من الحيا وهو المطر والنصب على معنى حيا ذلك المطر الأرض تحية جعله لما أسدى إليها من النضارة، كالمسلم عليها، أو أقام وقعه عليها مقام التحية والإحياء "أحيت الأحياء" القبائل جمع حي "من مضر" بن نزار بن معد بن عدنان "بعد الضرورة" الحاصلة لهم من الجدب "تروي السبل" بإسكان الباء للوزن وفيه الضم أيضا، الطرق جمع سبيل "بالسبل" بفتح السين المهملة والموحدة، المطر، أي: تروي تلك التحية الطرق بالمطر، وإذا رويت الطرق كانت المزارع، وأصول الشجر أكثر ريا لقبولها كل ما يرد عليها من الماء "دامت" آثار تلك التحية "على الأرض سبعا" من الأيام؛ لأنها بقيت من الجمعة إلى الجمعة "غير مقلعة" ممسكة عن المطر "لولا دعاؤك بالإقلاع" الإمساك "لم تزل" أي: استمرت ولم تقلع.стр. 5143
وقوله في الحديث "سبتا": أي من السبت إلى السبت.
وقوله: "ثم دخل رجل" الظاهر أنه غير الأول؛ لأن النكرة إذا تكررت دلت على التعدد، وفي رواية ابن إسحاق: فقام ذلك الرجل أو غيره، وفي رواية لمسلم: فتقشعت عن المدينة فجعلت تمطر حواليها وما تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة وإنها لفي مثل الإكليل -وهو بكسر الهمزة وسكون الكاف: كل شيء دار من جوانبه، واشتهر لما يوضع على الرأس فيحيط به، وهو من ملابس الملوك
الحواشي
(١) "وقوله في الحديث: سبتا، أي: من السبت إلى السبت" تجوزا؛ لأن السبت الأول لم يكن مبتدأ ولا الثاني منتهي كما مر.
"وقوله: ثم دخل رجل، الظاهر" منه "أنه غير الأول؛ لأن النكرة إذا تكررت دلت على التعدد" كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥-٦] ، ولذا قال ﷺ : "لن يغلب عسر يسرين".
"وفي رواية ابن إسحاق" بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس: "فقام ذلك الرجل أو غيره" رواه البخاري هنا، وله في الأدب عن قتادة عن أنس مثله، وعنده في الجمعة عن أنس مثله، ومر قريبا أنه لما سأله شريك: أهو ذلك الرجل أو غيره؟، قال: لا أدري، وكل ذلك يقتضي أنه كان يشك.
قال الحافظ: فالظاهر أن القاعدة المذكورة محمولة على الغالب؛ لأن أنسا من أهل اللسان، وللبخاري عن يحيى بن سعيد عن أنس: فأتى الرجل فقال: يا رسول الله، ومثله لأبي عوانة عن حفص عن أنس، بفظ: فما زلنا نمطر حتى جاء ذلك الرجل في الجمعة الأخرى، وأصله في مسلم، وهذا يقتضي الجزم بكونه واحدا، فلعل أنسا كان يتردد تارة، ويجزم أخرى باعتبار ما يغلب على ظنه.
"وفي رواية لمسلم" وكذا البخاري، كلاهما عن ثابت عن أنس إلا أن لفظ مسلم: "فتقشعت" بفتح الفوقية والقاف والشين المعجمة المشددة والعين المهملة، أي: زالت، ولفظ البخاي: فتكشطت بفتح التاء والكاف والشين المعجمة المشددة والطاء المهملة، أي: تكشفت، ولبعض رواته: فكشطت على البناء للمفعول "عن المدينة فجعلت تمطر" بفتح أوله وضم ثالثه، ولأبي ذر، بضم أوله وكسر ثالثه "حواليها وما تمطر بالمدينة" بفتح الفوقية وضم الطاء "قطرة" بالرفع فاعل تمطر، وضبطه النووي بضم أوله ونصب قطرة.
قال أنس: "فنظرت إلى المدينة وإنها لفي مثل الإكليل" ولأحمد من هذا الوجه: فتغور ما فوق رؤوسنا من السحاب حتى كأنا في إكليل "وهو -بكسر الهمزة وسكون الكاف- كل شيء دار من جوانبه، واشتهر لما وضع على الرأس فيحيط به وهو من ملابس الملوكстр. 5144
كالتاج.
وفي رواية له أيضا: فألف الله بين السحاب وملتنا حتى رأيت الرجل الشديد تهمه نفسه أن يأتي أهله، وفي رواية له أيضا: فرأيت السحاب يتمزق كأنه الملاء حين تطوى.
والملاء: بضم الميم والقصر وقد يمد جمع ملاءة وهي ثوب معروف.
واستدل بهذا الحديث على جواز الاستسقاء بغير صلاة مخصوصة، وعلى أن الاستسقاء ليس فيه صلاة. فأما الأول فقال به الشافعي، وأما الثاني فقال به أبو حنيفة، وتعقب: بأن الذي وقع في هذه القصة مجرد دعاء، لا ينافي مشروعية الصلاة لها، وقد ثبت في واقعة أخرى كما تقدم، والله أعلم.
الحواشي
(١) كالتاج".
وفي رواية له" لمسلم "أيضا" عن ثابت عن أنس: "فألف الله بين السحاب وملتنا" بفتح الميم واللام المخففة وسكون الفوقية فنون فألف، كذا لبعض رواة مسلم.
قال عياض: لعل معناه أوسعتنا مطرا، وفي بعضها: وملأتنا بالهمزة، وفي أكثرها: ومكثنا بالكاف والمثلثة، أي: على هذه الحالة من مجيء المطر من السحاب المتألف، وفي بعضها: وهلتنا بهاء ولام ثقيلة مفتوحتين، أي: أمطرتنا السماء "حتى رأيت الرجل الشديد تهمه نفسه أن يأتي أهله".
قال النووي: ضبطنا تهمه بضم التاء مع كسر الهاء وبفتح التاء مع ضم الهاء، يقال: همه الشيء إذا اهتم له.
"وفي رواية له" لمسلم "أيضا" عن ثابت عن أنس: "فألف الله بين السحاب وملتنا" بفتح يتمزق" بشد الزاي "كأنه الملاء حين تطوى" شبه انقشاع السحاب عن المدينة بالملاءة المنشورة إذا طويت "والملا بضم الميم والقصر وقد يمد: جمع ملاءة وهي ثوب معروف" كالملحفة والريطة.
"واستدل بهذا الحديث على جواز الاستسقاء بغير صلاة مخصوصة، وعلى أن الاستسقاء ليس" لفظ الفتح لا تشرع "فيه صلاة، فأما الأول فقال به الشافعي" وكرهه سفيان الثوري "وأما الثاني فقال به أبو حنيفة، وتعقب بأن الذي وقع في هذه القصة مجرد دعاء لا ينافي مشروعية الصلاة لها، وقد ثبت في واقعة أخرى كما تقدم" فلا دلالة فيه على عدم مشروعية الصلاة "والله أعلم".стр. 5145
الثالث: استسقاؤه ﷺ على منبر المدينة.
روى البيهقي في الدلائل من طريق يزيد بن عبيد السلمي قال: لما قفل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أتاه وفد بني فزارة، بضعة عشر رجلا، فيهم خارجة بن حصن، والحر بن قيس، وهو أصغرهم، فنزلوا في دار رملة بنت الحارث من الأنصار، وقدموا على إبل عجاف وهم مسنتون، فأتوا مقرين بالإسلام، فسألهم
الحواشي
(١) "الثالث: استسقاؤه ﷺ على منبر المدينة. روى البيهقي في الدلائل" النبوية "من طريق يزيد" بتحتية فزاي "ابن عبيد" بضم العين "السلمي" بضم السين ذكره ابن شاهين في الصحابة، وأخرج هذا الحديث ووقع له في سياقه عن أبي وجزة يزيد بن عبيد السلمي، وأبو وجزة بفتح الواو وسكون الجيم بعدها زاي، وغلطه في الإصابة بأن أبا وجزة تابعي مشهور، سكن المدينة، ومات سنة ثلاثين ومائة، لكنه مشهور بالسعدي.
وقد أخرج هذا الحديث الواقدي من الوجه الذي رواه منه ابن شاهين، فقال في سياقه عن أبي وجزة السعدي، وحكى المرزباني عن المبرد أبا وجزة سلمي الأصل، وإنما قيل له، السعدي؛ لأنه نزل في بني سعد، قلت: والحديث المذكور من مراسيله وهو في السنن عن أبي وجزة عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي ﷺ .
"قال: لما قفل" أي: رجع "رسول الله ﷺ من غزوة تبوك" في رمضان سنة تسع "أتاه وفد بني فزارة" بفتح الفاء والزاي فألف فراء فتاء تأنيث قبيلة من قيس عيلان "بضعة عشر رجلا فيهم خارجة بن حصن" بكسر فسكون ابن حذيفة أخو عيينة بن حصن -وهو والد أسماء- بن خارجة الذي كان بالكوفة.
ذكر الواقدي أنه ارتد بعد المصطفى ومنع الصداقة، ثم تاب وقدم على أبي بكر "والحر" بضم المهملة وشد الراء "ابن قيس" بن حصن بن حذيفة الفزاري.
وفي البخاري عن ابن عباس: قدم عيينة بن حصن، فنزل على ابن أخيه لحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر ... الحديث "وهو أصغرهم، فنزلوا في دار رملة بنت الحارث من الأنصار" كذا في النسخ.
قال الحافظ: أبوها الحدث بدال بعد الحاء المهملتين لا براء قبلها ألف، كما عند ابن سعد وغيره، والحدث هو ابن ثعلبة بن زيد الأنصارية النجارية الصحابية زوجة معاذ بن عفراء، كانت دارها دار الوفود "وقدموا على إبل عجاف" بكسر المهملة وخفة الجيم، أي: بلغت النهاية في الهزال جمع أعجف على غير قياس حملا على نظيره، وهو ضعاف أو على ضده وهو سمان، والقياس أعجف مثل أحمر وحمر "وهم مسنتون" بميم مضمومة فمهملة ساكنة فنونстр. 5146
رسول الله ﷺ عن بلادهم فقالوا: يا رسول الله أسنت بلادنا، وأجدب جنابنا، وغرث عيالنا وهلت مواشينا، فادع ربك أن يغيثنا، وتشفع لنا إلى ربك، ويشفع ربك إليك، فقال ﷺ : "سبحان الله!! ويلك، أنا شفعت إلى ربي، فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه، لا إله إلا هو العلي العظيم، وسع كرسيه السماوات والأرض، وهو يئط من عظمته وجلاله كما يئط الرحل الجديد". فقال ﷺ : "إن الله ليضحك من
الحواشي
(١) مكسورة، أي مجدبون وإضافته إليهم، تجوز. وروى مشتيون بشين معجمة ففوقية، أي: داخلون في الشتاء وحينئذ قل طعامهم "فأتوا مقرين بالإسلام، فسألهم رسول الله ﷺ عن بلادهم" أي: عن أحوالها "فقالوا" وفي رواية: فقال أحدهم، قال في النور: لا أعرفه، وقال الحافظ: الظاهر أنه خارجة؛ لأنه كبير الوفد، ولذا سمي من بينهم. انتهى، ولا يلزم من كونه كبيرهم أن يكون هو القائل: "يا رسول الله أسنت" بفتح الهمزة وسكون المهملة ونون فوقية، أي: أجدبت "بلادنا" أصابتها السنة وي الجدب "وأجدب جنابنا" بفتح الجيم وخفة النون فألف فموحدة الفناء وما قرب من محلة القوم، فعطفه بلا تاء على أسنت من عطف الجزء على الكل، إن أريد بجنابنا ما حول بيوتنا ومباين أن أريد به ما يقرب من بلادهم وقراءته جناننا بنونين أو بنون وفوقية تصحيف، فأرض العرب لم يكن بها جنان، وفي تعبيره بأسنت وأجدب تفنن؛ لأنهما متساويان "وغرث" بفتح المعجمة وكسر الراء ومثلثة جاع "عيالنا" لقلة ما يأكلون.
وفي نسخ: وغرثت بزيادة تاء، وتركها أظهر؛ لأن عيال الرجل من يعول ولو ذكورًا فهو مذكر "وهلكت مواشينا" لعدم ما تأكله "فادع ربك أن يغيثنا" بفتح أوله من الغيث، أي: يمطرنا وبضمه من الإغاثة وهي الإجابة "وتشفع:" توسل "لنا إلى ربك" بما بينك وبينه من السر، يقال: شفعت في الأمر شفعا وشفاعة طالبته بوسيلة أو ذمام "ويشفع ربك إليك، فقال ﷺ : "سبحان الله" تعجبا من ذلك "ويلك" كلمة عذاب خاطبه بها زجرا وتنفيرا عن العود لمثلها، وإن عذر لقرب عهده بالإسلام "أنا شفعت إلى ربي" بفتح الفاء من باب منع كما في اللغة.
قال في النور: وهو بديهي كالشمس إلا أني أخبرت أن بعض الأروام كسرها "فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه" استفهام بمعنى النفي "لا إله إلا هو العلي" فوق خلقه بالقهر "العظيم" الكبير "وسع كرسيه السماوات والأرض".
قال في النور: الصواب أن الكرسي غير العلم خلافا لزاعمه ولزاعم أنه القدرة وأنه موضع قدميه، وإنما هو المحيط بالسماوات والأرض وهو دون العرش كما جاءت به الآثار "وهو" أي: الكرسي "يئط" بفتح التحتية وكسرة الهمزة وشد الطاء يصوت "من عظمته وجلاله كما يئط الرحل" بحاء مهملة "الجديد" بالجيم "فقال ﷺ : "إن الله ليضحك" يدر رحمته ويجزلстр. 5147
"شفقكم وقرب غياثكم"، فقال الأعرابي: أويضحك ربنا يا رسول الله؟ قال: "نعم"، فقال الأعرابي: لن نعدم يا رسول الله من رب يضحك خيرًا. فضحك ﷺ من قوله، فقام ﷺ فصعد المنبر وتكلم بكلمات ورفع يديه، وكان رسول الله ﷺ لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء، فرفع يديه حتى رئي بياض
الحواشي
(١) مثوبته، فالمراد لازمه أو الضحك فيه وما أشبهه التجلي والظهور حتى يرى بعين البصيرة في الدنيا، وفي الآخرة بعين البصر، يقال: ضحك الشيب إذا ظهر الشاعر:
لا تعجبي يا هند من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
"من شفقكم" بفتح المعجمة والفاء بعدها قاف، أي: خوفكم، يقال: أشفقت من كذا بالألف حذرت، قال الجوهري: أشفقت عليه فأنا مشفق وشفيق، فإذا قلت: شفقت منه، فإنما تعني حذرته وأصلهما واحد.
زاد في رواية: وأزلكم بفتح الهمز وسكون الزاي، يعني ضيقكم "و" من "قرب" بضم فسكون "غياثكم" أي: أن الله تعالى يضحك من حصول الفرج لكم متصلا بشدة الخوف والضيق، وهذا قاله ﷺ قبل صعود المنبر والدعاء، فيكون علمه بالوحي فبشرهم به "فقال الأعرابي: أويضحك ربنا يا رسول الله؟، قال: "نعم"، فقال الأعرابي: لن نعدم" بفتح النون وسكون العين وفتح الدال، أي: لن نفقد "يا رسول الله من رب يضحك خيرا" لما جرت العادة به أن العظيم إذا سئل شيئا فضحك، أو نظر إلى السائل نظرة حلوة حصل ما يؤمله منه "فضحك ﷺ من قوله؛" لأنه رضيه وأعجبه "فقام ﷺ فصعد" بكسر العين مضارعه يصعد بفتحها "المنبر وتكلم بكلمات" أي: دعا بدعوات لم يحفظها الراوي كلها لقوله بعد كان، مما حفظ من دعائه "ورفع يديه" بالتثنية "وكان رسول الله ﷺ لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء" مثله في حديث أنس عند الشيخين.
قال الحافظ: ظاهره نفي الرفع في كل دعاء غير الاستسقاء، وهو معارض بالأحاديث الثابتة بالرفع في غير الاستسقاء، وهي كثيرة جمعها المنذري في جزء مفرد، أورد منها النووي في شرح المهذب قدر ثلاثين حديثا، وأفردها البخاري بترجمة في كتاب الدعوات وساق فيها عدة أحاديث، فذهب بعضهم إلى أن العمل بها أولى، وحمل حديث أنس على نفي رؤيته، وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره، وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس لأجل الجمع بأن يحمل النفي على صفة مخصوصة، أما الرفيع البليغ ويدل عليه قوله: حتى رئي بياض إبطيه، ويؤيده أن غالب الأحاديث التي رويت في رفع البدن في الدعاء، إنما المراد بها مد اليدين وبسطهما عند الدعاء، وكأنه عند الاستسقاء مع ذلك زاد: فرفعهما إلى جهة وجهه حتى حاذياه، وبه حينئذ يرى بياضстр. 5148
إبطيه، وكان مما حفظ من دعائه:
"اللهم اسق بلدك وبهيمتك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مربعا طبقا واسعا، عاجلا غير آجل نافعا غير ضار، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا
الحواشي
(١) إبطيه، وأما على صفة اليدين في ذلك لما رواه مسلم عن ثابت عن أنس؛ أنه ﷺ استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء، ولأبي داود عن أنس: كان يستسقي هكذا، ومد يديه وجل بطونهما مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه.
قال النووي: قال العلماء: السنة في كل دعاء لرفع بلاء أن يرفع يديه جاعلا ظهور كفيه إلى السماء، وإذا دعا بسؤال شيء، وتحصيله أن يجعل بطون كفيه إلى السماء، وقال غيره: الحكمة في الإشارة بظهور الكفين في الاستسقاء دون غيره التفاؤل بتقلب الحال ظهر البطن، كما قيل في تحويل الرداء، أو هو إشارة إلى صفة المسؤول وهو نزول السحاب إلى الأرض. انتهى.
"فرفع يديه حتى رئي" براء مكسورة، فهمزة مفتوحة ممدودًا، وبضم الراء وكسر الهمزة "بياض إبطيه" وهو من خصائصه دون غيره.
قال أبو نعيم: بياض إبطيه من علامات نبوته "وكان مما حفظ" بالبناء للمفعول "من دعائه: "اللهم اسق" بوصل الهمزة وقطعها ثلاثي ورباعي "بلدك" أي: أهل بلدك "وبهيمتك" أي: جنسا.
قال المصباح: البهيمة كل ذات أربع من دواب البر والبحر، وكل حيوان لا يميز فهو بهيمة والجمع البهائم "وانشر رحمتك" ابسط مطرك ومنافعه على عبادك تلميح لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: ٢٨] "وأحي بلدك الميت" بالتخفيف والتشديد التي لا نبات بها بالمطر تلميحا لقوله تعالى: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق: ١١] الآية: "اللهم اسقنا غيثا" مطرا "مغيثا" لنا من هذه الشدة "مريئا" محمود العاقبة لا ضرر فيه "مربعا" بضم الميم وإسكان الراء وكسر الموحدة وعين مهملة أو بفوقية بدل الموحدة من رتعت الدابة إذا أكلت ما شاءت، أو هو بفتح الميم وكسر الراء وسكون التحتية ومهملة من المراعة وهي الخصب "طبقا" بفتحتين، أي: مستوعبا للأرض منطبقا عليها "واسعا" كالتأكيد لطبقا "عاجلا غير آجل، نافعا غير ضار" بزرع ولا مسكن ولا حيوان، آدمي أو بهيمة "اللهم سقيا" بضم السين "رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق" نقص وإذهاب بركة، وأتى بهذا وإن استفيد من نافعا غير ضار؛ لأنه مقام طلب من الجواد والمطلوب فيه الإطناب، واللهстр. 5149
على الأعداء".
فقام أبو لبابة ابن عبد المنذر فقال: يا رسول الله إن التمر في المربد، فقال ﷺ : "اللهم اسقنا"، فقال: يا رسول الله إن التمر في المربد، ثلاث مرات، فقال ﵊: "اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره".
قال: فلا والله ما في السماء من قزعة ولا سحاب، وما بين المسجد وسلع من بناء ولا دار، فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، وهم ينظرون، ثم أمطرت، فوالله ما رأوا الشمس سبتا وقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره لئلا يخرج التمر منه.
فقال الرجل: يا رسول الله -يعني الذي سأله أن يستسقي لهم: هلكت
الحواشي
(١) يحب الملحين في الدعاء ولذا قال: "اللهم اسقنا الغيث" المطر بالتعريف إشارة إلا أن المطلوب بالغيث الموصوف بهذه الصفات "وانصرنا على الأعداء" الكفار بإجابة الدعاء وإقامة الحجة والغلبة في قتالهم "فقام أبو لبابة" بشير، وقيل: رفاعة، ووهم من سماه مروان "ابن عبد المنذر" الأنصاري المدني أحد النقباء، عاش إلى خلافة علي "فقال: يا رسول الله إن التمر في المربد" الموضع الذي يجفف فيه التمر كالجرين فنخشى عليه الغرق "فقال ﷺ : "اللهم اسقنا، فقال: يا رسول الله إن التمر في المربد" قال ذلك "ثلاث مرات، فقال ﵊: "اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده": ثقبه الذي يسيل منه ماء المطر "بإزاره" من عجلته لكثرة المطر وخوفه على تمره لم يتمكن من تحصيل ما يسده به غير إزاره.
"قال" الراوي: "فلا والله ما في السماء من قزعة" بفتحات سحاب متفرق "ولا سحاب" مجتمع "وما بين المسجد" النبوي الذي دعا على منبره بهذا الدعاء "وسلع" الجبل المعروف بالمدينة "من بناء وا دار" يحجبنا عن رؤيته، إشارة إلى فقد السحاب "فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترس" في الاستدارة "فلما توسطت السماء انتشرت، وهم" أي: الحاضرون "ينظرون" ذلك "ثم أمطرت" واستمرت جمعة، كما قال: "فوالله ما رأوا الشمس سبتا" بفتح فموحدة ساكنة ففوقية "وقام أبو لبابة عريانا" إلا من ساتر عورته "يسد ثعلب مربده بإزاره لئلا يخرج التمر منه" فاستجاب الله دعاء رسوله "فقال الرجل: يا رسول الله، يعني: الذي سأله أن يستسقي لهم" تقدم أن صاحب النور قال: لا أعرفه وأن صاحب الفتح استظهر أنه خارجة بنстр. 5150
الأموال، وانقطعت السبل، فصعد ﷺ المنبر فدعا ورفع يديه مدا، حتى رئي بياض إبطيه، ثم قال: "اللهم حوالينا ولا علينا، على الأكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر". فانجابت السحابة عن المدينة كانجياب الثوب.
و"الأطيط" صوت الأقتاب، يعني: أن الكرسي ليعجز عن حمله وعظمته ، إذ كان معلوما أن أطيط الرجل بالراكب إنما يكون لقوة ما فوقه، وعجزه عن احتماله، وهذا مثل لعظمة الله تعالى وجلاله، وإن لم يكن أطيط وإنما هو كلام تقريبي، أريد به تقرير عظمته تعالى.
وقوله: "طبقا" بفتح الطاء والموحدة، أي مالئا للأرض مغطيا لها، يقال: غيث طبق أي عام واسع.
الحواشي
(١) حصن؛ لأنه كبيرهم، ولذا سمي دونهم، وأن ذلك ليس بلازم "هلكت الأموال" المواشي "وانقطعت السبل" الطرق "فصعد ﷺ المنبر، فدعا ورفع يديه مدا حتى رئي بياض إبطيه، ثم قال: "اللهم حوالينا" بفتح اللام وفيه حذف تقديره اجعل، أو أمطر، والمراد به صرف المطر عن الأبنية والدور "ولا علينا" بيان للمراد بحوالينا؛ لأنها تشمل الطرق، فأخرجها بقوله: "ولا علينا" "على الآكام" بكسر الهمز "والظراب" بكسر المعجمة وموحدة "وبطون الأودية" التي يتحصل فيها الماء لينتفع به "ومنابت الشجر" أي: ما حولها مما يصلح أن ينبت فيه "فانجابت" بنون فجيم خرجت "السحابة عن المدينة كانجياب الثوب" أي: كخروج الثوب عن لابسه.
قال في الفتح: وقد ذكر بعض هذا الحديث، وأفادت هذه الرواية صفة الدعاء المذكور في حديث أنس والوقت الذي وقع ذلك فيه. انتهى، وفيه بعد؛ لأن الرجل الداخل في حديث أنس دخل والنبي ﷺ يخطب خطبة الجمعة، فسأله وهو يخطب، وظاهر هذه الرواية أنهم دخلوا وهو جالس بالمسجد، فكلموه فيه، فقام فصعد المنبر ولا يلزم من شبه هذه القصة بتلك اتحادهما، لا سيما والمخرج مختلف "والأطيط صوت الأقتاب" بقاف: جمع قتب "يعني: أن الكرسي" المحيط بالسماوات والأرض "ليعجز عن مله وعظمته ، إذ كان معلوما أن أطيط" تصوت "الرجل" بحاء مهملة "بالراكب" عليه "إنما يكون لقوة ما فوقه" في التأثير "وعجزه عن احتماله، وهذا مثل لعظمة اله تعالى وجلاله وإن لم يكن" يوجد "أطيط" والجملة حالية بدليل قوله: "وإنما هو كلام تقريبي" للفهم "أريد به تقرير عظمته تعالى" للعقول "وقوله: طبقا بفتح الطاء" المهملة "والموحدة" والقاف "أي: ملئا للأرض مغطيا لها، يقال: غيث طبق" بفتحتينследующие страницы →