← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

علمنا إن كنت لموقنا، وأما المنافق أو المرتاب -لا أدري أي ذلك قالت أسماء- فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته". وفي رواية: "فرأى امرأة تخدشها هرة، ربطتها حتى ماتت جوعا وعطشا". وفي رواية: فرأى عمرو بن مالك يجر قصبه في النار، وكان أول من غير دين إبراهيم، ورأى فيها سارق الحاج يعذب.

стр. 5112

قوله: "قصبه" بضم القاف وسكون الصاد، أي أمعاءه. وفي رواية عائشة: ثم قال: "يا أمة محمد، والله ما من أحد أغير من الله أن

стр. 5113

يزني عبده أو تزني أمته، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا، ألا هل بلغت". أي لو تعلمون من عظم انتقام الله من أهل الجرائم وشدة عقابه وأهوال القيامة، وما بعدها. كما علمت وترون النار كما رأيت في مقامي هذا وفي غيره لبكيتم كثيرا، ولقل ضحككم لتفكركم فيما علمتموه. وفي حديث عائشة عند البخاري: فخرج إلى المسجد، فصف الناس وراءه، فكبرنا فاقترأ رسول الله ﷺ قراءة طويلة، ثم كبر فركع ركوعا طويلا، ثم قال: "سمع الله لمن حمده"، فقام ولم يسجد، وقرأ قراءة طويلة، وهي أدنى من القراءة

стр. 5114

الأولى، وزاد في رواية: "ربنا ولك الحمد". واستدل به على استحباب الذكر المشروع في الاعتدال في أول القيام الثاني من الركعة الأولى. واستشكله بعض متأخري الشافعية من جهة كونه قيام قراءة لا قيام اعتدال، بدليل اتفاق العلماء ممن قال بزيادة الركوع في كل ركعة على قراءة الفاتحة فيه، وإن كان محمد بن مسلمة المالكي خالف فيه. والجواب: إن صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة، فلا مدخل للقياس فيها، بل كل ما ثبت أنه ﷺ فعله فيها كان مشروعا؛ لأنها أصل برأسها. وبهذا رد الجمهور على من قاسها على صلاة النافلة، حتى منع من زيادة الركوع فيها، فصلاة الكسوف أشبه شيء بصلاة العيد ونحوها، مما يجمع فيه من مطلق النوافل، فامتازت صلاة الجنازة بترك الركوع والسجود، وصلاة العيد بزيادة التكبيرات، وصلاة الخوف بزيادة الأفعال الكثيرة واستدبار القبلة، وكذلك اختصت صلاة الكسوف بزيادة الركوع، فالآخذ به جامع بين العملين النص والقياس،

стр. 5115

بخلاف من لم يعمل به. وقد تبين أن لصلاة الكسوف هيئة تخصها من التطويل الزائد على العادة في القيام وغيره، ومن زيادة ركوع في كل ركعة، وقد وردت زيادة في ذلك من طريق أخرى، فعند مسلم من وجه آخر عن عائشة، وآخر عن جابر أن في كل ركعة ثلاث ركوعات، وعنده من وجه آخر عن ابن عباس: أن في كل ركعة أربع ركوعات، ولأبي داود من حديث أبي بن كعب، والبزار من حديث علي: أن في كل ركعة خمسة ركوعات ولا يخلو إسناد منها من علة. ونقل ابن القيم في "الهدي" عن الشافعي وأحمد والبخاري: أنهم كانوا يعدون الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطا من بعض الرواة، فإن أكثر طرق الحديث يمكن رد بعضها إلى بعض، ويجمعها أن ذلك كان يوم موت إبراهيم عليه

стр. 5116

السلام، وإذا اتحدت القصة تعين الأخذ بالراجح. وقال ابن خزيمة وابن المنذر والخطابي وغيرهم من الشافعية: يجوز العمل بجميع ما ثبت من ذلك. وهو من الاختلاف المباح، وقواه النووي في شرح مسلم. وأبدى بعضهم أن حكمة الزيادة في الركوع والنقص كان بحسب سرعة الانجلاء وبطئه، فحين وقع الانجلاء في أول ركوع اقتصر على مثل النافلة، وحين أبطأ زاد ركوعا، وحين زاد في الإبطاء زاد ثالثا، وهكذا إلى غاية ما ورد في ذلك. وتعقبه النووي وغيره: بأن إبطاء الإنجلاء وعدمه لا يعلم في أول الحال، ولا في الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدل على أنه مقصود في نفسه، منوي من أول الحال. انتهى ملخصا من فتح الباري.

стр. 5117

وعند الإمام أحمد: أنه ﷺ لما سلم حمد الله وأثنى عليه، وشهد أن لا إله إلا الله، وشهد أنه عبده ورسوله، ثم قال: "يا أيها الناس، أنشدكم بالله إن كنتم تعلمون أني قصرت عن شيء من تبليغ رسالات ربي لما أخبرتموني ذلك" فقام رجل فقال: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك ونصحت لأمتك وقضيت الذي عليك، ثم قال: "وأيم الله لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لاقوه من أمر دنياكم وآخرتكم، وإنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا، آخرهم الأعور

стр. 5118

"الدجال، من تبعه لم ينفعه صالح من عمله". وفي البخاري: قالت عائشة وأسماء: خطب النبي ﷺ . وقد اختلف في الخطبة فيه، فاستحبها الشافعي وإسحاق وأكثر أهل الحديث. وقال ابن قدامة: لم يبلغنا عن أحمد ذلك. وقال صاحب الهداية من الحنفية: ليس في الكسوف خطبة؛ لأنه لم ينقل. وتعقب بأن الأحاديث ثبتت فيه، وهي ذات كثرة. والمشهور عند المالكية أنه لا خطبة لها، مع أن مالكا روى الحديث وفيه ذكر الخطبة، وأجاب بعضهم بأنه ﷺ لم يقصد بها الخطبة بخصوصها، وإنما أراد

стр. 5119

أن يبين لهم الرد على من يعتقد أن الكسوف لموت بعض الناس. وتعقب بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بالخطبة، وحكاية شرائطها من الحمد والثناء والموعظة وغير ذلك مما تضمنته الأحاديث، فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف، والأصل مشروعية الاتباع، والخصائص لا تثبت إلا بدليل. انتهى. وعن المغيرة بن شعبة عند البخاري: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فصلوا وادعوا الله". وإبراهيم هو ابن النبي ﷺ ، وقد ذكر جمهور أهل السير أنه مات في السنة

стр. 5120

العاشرة من الهجرة، فقيل: في ربيع الأول، وقيل: في رمضان، وقيل: في ذي الحجة، والأكثر على أنها وقعت في عاشر الشهر، وقيل: في رابعه وقيل: في رابع عشره، ولا يصح شيء منها على قول ذي الحجة؛ لأن النبي ﷺ كان يمكة إذ ذاك في الحج، وقد ثبت أنه شهد وفاته، وكانت بالمدينة بلا خلاف. نعم قيل: إنه مات سنة تسع، فإن ثبت فيصح، وجزم النووي بأنها كانت سنة الحديبية فلعل ذلك كان في آخر ذي القعدة حين رجع منها. وفي هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب في الأرض. قال الخطابي: كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير في الأرض، من موت أو ضرر، فأعلم النبي ﷺ أنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خلقان مسخران لله، ليس لهما سلطان في غيرهما، ولا قدرة للدفع عن أنفسهما.

стр. 5121

وعن عبد الله بن عمرو قال: لما كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ نودي: أن الصلاة جامعة. رواه البخاري. وقوله: "أن" بفتح الهمزة وتخفيف النون، وهي المفسرة. أن له ولمسلم، من حديث عائشة: بعث النبي ﷺ مناديا ينادي: أن الصلاة جامعة. قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث حجة لمن استحب ذلك. وقد أجمعوا على أنه لا يؤذن له ولا يقام. وروى ابن حبان أنه ﷺ صلى في كسوف الشمس والقمر ركعتين مثل صلاتكم، وأخرجه الدارقطني أيضا. وفيه: رد على من أطلق -كابن رشيد- أنه ﷺ لم يصل في كسوف القمر،

стр. 5122

ومنهم من أول قوله: "صلى" أي أمر بالصلاة، جمعا بين الروايتين. وقال ابن القيم في "الهدي": لم ينقل أنه ﷺ صلى في كسوف القمر في جماعة، لكن حكى ابن حبان في السيرة له: أن القمر خسف في السنة الخامسة، فصلى النبي ﷺ بأصحابه صلاة الكسوف، فكانت أول صلاة كسوف في الإسلام، وهذا إن ثبت انتفى التأويل المذكور. وقد جزم به مغلطاي في سيرته المختصرة، وتبعه الحافظ زين الدين العراقي في نظمها. وفي البخاري من حديث عائشة: جهر النبي ﷺ في صلاة الخسوف بقراءته. فإذا فرغ من قراءته كبر فركع، وإذا رفع من الركعة قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف، أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات. واستدل به عن الجهر فيها بالنهار، وحمله جماعة ممن لم ير ذلك على كسوف القمر. قال الحافظ ابن حجر: وليس بجيد؛ لأن الإسماعيلي روى هذا الحديث من وجه آخر عن الوليد بلفظ كسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ ،

стр. 5123

وفي مسند أبي داود الطيالسي أنه ﷺ جهر بالقراءة في صلاة الكسوف. وقد ورد الجهر فيها عن علي مرفوعا وموقوفا. أخرجه ابن خزيمة وغيره. وقال به صاحبا أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهما من محدثي الشافعية وابن العربي من المالكية. وقال الطبري: يخير بين الجهر والإسرار. وقال الأئمة الثلاثة: يسر في الشمس ويجهر في القمر. واحتج الشافعي بقول ابن عباس: "قرأ نحوا من سورة البقرة؛" لأنه لو جهر لم يحتج إلى التقدير. وقد روى الشافعي تعليقا عن ابن عباس أنه صلى جنب النبي ﷺ في الكسوف فلم يسمع منه حرفا، ووصله البيهقي من ثلاث طرق

стр. 5124

أسانيدها واهية. وعلى تقدير صحتها فمثبت الجهر معه قدر زائد فالأخذ به أولى. قال ابن العربي: الجهر عندي أولى؛ لأنها صلاة جماعة ينادى لها ويخطب فأشبهت العيد والاستسقاء. انتهى ملخصا والله أعلم. الفصل الثاني: في صلاته ﷺ صلاة الاستسقاء اعلم أن الاستسقاء طلب السقيا من الله تعالى عند الحاجة إليها، كما تقول: استعطى: أي طلب العطاء. ولم يخالف أحد من العلماء في سنية الصلاة في الاستسقاء إلا أبو حنيفة محتجا بأحاديث الاستسقاء التي ليس فيها صلاة. واحتج الجمهور بالأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما: أنه ﷺ صلى الاستسقاء ركعتين. وأما الأحاديث التي ليس فيها الصلاة، فبعضها محمول على

стр. 5125

نسيان الراوي، وبعضها كان للخطبة للجمعة، وتعقبه صلاة الجمعة فاكتفي بها، ولو لم يصل أصلا كان بيانا لجواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة، ولا خلاف في جوازه، وتكون الأحاديث المثبتة للصلاة مقدمة؛ لأن فيها زيادة علم، ولا معارضة بينهما. والاستسقاء أنواع: الأول: الاستسقاء بصلاة ركعتين وخطبتين، وبتأهب قبله بصدقة وصيام وتوبة، وإقبال على الخير ومجانبة الشر ونحو ذلك من طاعة الله تعالى. قال ابن عباس: خرج رسول الله ﷺ إلى الاستسقاء متبذلا متواضعا متخشعا متضرعا حتى أتى المصلى، فرقى المنبر، فلم يخطب خطبتكم هذه ولكن لم يزل

стр. 5126

في الدعاء والتضرع والتكبير، ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد. رواه الترمذي وغيره. وفي حديث عبد الله بن زيد المازني، قال: خرج رسول الله ﷺ إلى هذا المصلى يستسقي، ثم استقبل القبلة وقلب رداءه، ثم صلى. رواه البخاري ومسلم. وفي رواية: خرج بالناس إلى المصلى يستسقي فصلى بهم ركعتين جهر فيهما بالقراءة واستقبل يدعو، ورفع يديه وحول رداءه.

стр. 5127

وجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن ثم دعا الله. قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد على سبب ذلك ولا على صفته ﷺ حال الذهاب إلى المصلى، ولا على وقت ذهابه، وقد وقع ذلك في حديث عائشة عند أبي داود وابن حبان قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوما يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر فكبر وحمد لله، ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئجار المطر عن إبان زمانه، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ

стр. 5128

الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، الذي لا إله إلا هو، يفعل ما يريد، اللهم أنت الله الذي لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين، ثم رفع يديه حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة -وحول- رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس، ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابا، فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى ذلك وسرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه، فقال: "أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله". وقد حكى ابن المنذر الاختلاف في وقتها، والراجح أنه لا وقت لها معين، وإن كان أكثر أحكامها كالعيد، لكنها تخالفه بأنها لا تختص بيوم معين، وهل تصنع بالليل؟ استنبط بعضهم من كونه ﷺ جهر بالقراءة فيها بالنهار، أنها نهارية

стр. 5129

كالعيد، وإلا فلو كانت تصلي بالليل لأسر فيها بالنهار وجهر بالليل كمطلق النوافل. ونقل ابن قدامة الإجماع على أنها لا تصلى في وقت الكراهة. وأفاد ابن حبان أن خروجه ﷺ إلى المصلى للاستسقاء كان في شهر رمضان سنة ست من الهجرة. وذكر الواقدي: أن طول ردائه ﷺ كان ستة أذرع في ثلاثة أذرع، وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر، كان يلبسهما في الجمعة والعيدين. وقد روى أبو داود عن عباد: استسقى ﷺ وعليه خميصة سوداء فأراد أن

стр. 5130

يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه. وقد استحب الشافعي في الجديد فعل ما هم به النبي ﷺ من تنكيس الرداء مع التحويل الموصوف. وزعم القرطبي تبعا لغيره أن الشافعي اختار في الجديد تنكيس الرداء لا تحويله، والذي في الأم ما ذكرته. والجمهور على استحباب التحويل فقط، ولا ريب أن الذي استحبه الشافعي أحوط. وعن أبي حنيفة وبعض المالكية: لا يستحب شيء من ذلك. واستحب الجمهور أن يحول الناس بتحويل الإمام، ويشهد له ما رواه أحمد من طريق عباد في هذا الحديث بلفظ: وحول الناس معه. وقال الليث وأبو يوسف: يحول الإمام وحده. واستثنى ابن الماجشون النساء فقال: لا يستحب في حقهن.

стр. 5131

واختلف في حكمة هذا التحويل فجزم المهلب بأنه للتفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه. وتعقبه ابن العربي بأن من شرط الفأل أن لا يقصد إليه، قال: وإنما التحويل أمارة بينه وبين ربه، قيل له: حول رداءك ليتحول حالك. وتعقب بأن الذي يجزم به يحتاج إلى نقل، والذي رده ورد فيه حديث رجاله ثقات، أخرجه الدارقطني والحاكم من طريق جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن جابر. ورجح الدارقطني إرساله. وعلى كل حال فهو أولى من القول بالظن. واستدل بقوله في حديث عائشة: "ثم صلى ركعتين" بعد قوله: "فقعد على المنبر" على أن الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة، وهو مقتضى حديث ابن عباس،

стр. 5132

لكن وقع عند أحمد في حديث عبد الله بن زيد التصريح بأنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وكذا في حديث أبي هريرة عند ابن ماجه، حيث قال: فصلى بنا ركعتين بغير أذان ولا إقامة، والمرجح عند الشافعية والمالكية الثاني. ولم يقع في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد صفة الصلاة المذكورة وهي ركعتان ولا ما يقرأ فيها، وقد أخرج الدارقطني من حديث ابن عباس أنه يكبر فيهما سبعا وخمسا كالعيد، وأنه يقرأ فيهما بـ"سبح" و"هل أتاك". وفي إسناده مقال. لكن أصله في السنن بلفظ: ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيدين. فأخذ بظاهره الشافعي فقال: يكبر فيهما. الثاني: استسقاؤه ﵊ في خطبة الجمعة.

стр. 5133

عن أنس: أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائما، ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، قال: فرفع

стр. 5134

رسول الله ﷺ يديه ثم قال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا"، قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين "سلع" من بيت ولا

стр. 5135

دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت. قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتا، قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب

стр. 5136

في الجمعة المقبلة، ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبله قائما، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر"، قال: فانقطعت فخرجنا نمشي في الشمس. قال

стр. 5137

شريك: فسألت أنس بن مالك: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري. رواه مسلم. وفي رواية له قال: فما يشير بيده إلى ناحية إلا تفرجت، حتى رأيت المدينة في مثل الجوبة، وسال وادي قناة شهرا. ولم يجئ أحد من ناحية إلا أخبر بجود.

стр. 5138

وقوله: "يغيثنا" بفتح أوله، يقال: غاث الله البلاد يغيثها، إذا أرسل عليها المطر.

стр. 5139

وقوله: من باب كان نحو دار القضاء، هي دار عمر بن الخطاب وسميت بذلك؛ لأنها بيعت في قضاء دينه. وقوله: "هلكت الأموال"، وفي رواية كريمة وأبي ذر عن الكشميهني: هلكت المواشي، وهي المراد بالأموال هنا. وفي رواية البخاري: هلك الكراع -بضم الكاف- وهو يطلق على الخيل وغيرها، وفي البخاري أيضا: هلكت الماشية، هلك العيال، هلك الناس، وهو من ذكر العام بعد الخاص. والمراد بهلاكهم: عدم وجد ما يعيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر. وانقطعت السبل: لأن الإبل ضعفت لقلة القوت عن السفر، أو لكونها لا تجد في طريقها من الكلأ ما يقيم

стр. 5140

أودها. و"الآكام" بكسر الهمزة، وقد تفتح وتمد: جمع "أكمة" -بفتحات: التراب المجتمع، وقيل: الجبل الصغير، وقيل: ما ارتفع من الأرض. و"الظراب" بكسر الظاء المعجمة، جمع "ظرب" -بكسر الراء: الجبل المنبسط ليس بالعالي. وقوله: "مثل الجوبة" بفتح الجيم، وسكون الواو، وفتح الموحدة، هي الحفرة المستديرة الواسعة، والمراد بها هنا: الفرجة في السحاب. و"الجود": المطر الغزير. وقوله: "قناة شهرا": أي جرى فيه المطر من الماء شهرا.

стр. 5141

وفي هذا دليل عظيم على عظم معجزته ﵊، وهو أن سخرت السحاب له كلما أشار إليها امتثلت أمره بالإشارة دون كلام؛ لأن كلامه ﵊ مناجاة للحق تعالى، وأما السحاب فبالإشارة، فلولا الأمر لها بالإطاعة له ﵊ لما كان ذلك؛ لأنها أيضا -كما جاء- مأمورة حيث تسير، وقدر ما تقيم، وأين تقيم. ويرحم الله الشقراطسي فلقد أحسن حيث قال: دعوت للخلق عام المحل مبتهلا ... أفديك بالخلق من داع ومبتهل صعدت كفيك إذ كف الغمام فما ... صوبت إلا بصوب الواكف الهطل أوراق بالأرض ثجما صوب ريقه

стр. 5142

فحل بالروض نسجا رائق الحلل زهر من النور حلت روض أرضهم ... زهرا من النور ضافي النبت مكتمل من كل غصن نضير مورق خضر ... وكل نور نضيد مونق خضل تحية أحيت الأحياء من مضر ... بعد الضرورة تروي السبل بالسبل دامت على الأرض سبعا غير مقلعة ... لولا دعاؤك بالإقلاع لم تزل

стр. 5143

وقوله في الحديث "سبتا": أي من السبت إلى السبت. وقوله: "ثم دخل رجل" الظاهر أنه غير الأول؛ لأن النكرة إذا تكررت دلت على التعدد، وفي رواية ابن إسحاق: فقام ذلك الرجل أو غيره، وفي رواية لمسلم: فتقشعت عن المدينة فجعلت تمطر حواليها وما تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة وإنها لفي مثل الإكليل -وهو بكسر الهمزة وسكون الكاف: كل شيء دار من جوانبه، واشتهر لما يوضع على الرأس فيحيط به، وهو من ملابس الملوك

стр. 5144

كالتاج. وفي رواية له أيضا: فألف الله بين السحاب وملتنا حتى رأيت الرجل الشديد تهمه نفسه أن يأتي أهله، وفي رواية له أيضا: فرأيت السحاب يتمزق كأنه الملاء حين تطوى. والملاء: بضم الميم والقصر وقد يمد جمع ملاءة وهي ثوب معروف. واستدل بهذا الحديث على جواز الاستسقاء بغير صلاة مخصوصة، وعلى أن الاستسقاء ليس فيه صلاة. فأما الأول فقال به الشافعي، وأما الثاني فقال به أبو حنيفة، وتعقب: بأن الذي وقع في هذه القصة مجرد دعاء، لا ينافي مشروعية الصلاة لها، وقد ثبت في واقعة أخرى كما تقدم، والله أعلم.

стр. 5145

الثالث: استسقاؤه ﷺ على منبر المدينة. روى البيهقي في الدلائل من طريق يزيد بن عبيد السلمي قال: لما قفل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أتاه وفد بني فزارة، بضعة عشر رجلا، فيهم خارجة بن حصن، والحر بن قيس، وهو أصغرهم، فنزلوا في دار رملة بنت الحارث من الأنصار، وقدموا على إبل عجاف وهم مسنتون، فأتوا مقرين بالإسلام، فسألهم

стр. 5146

رسول الله ﷺ عن بلادهم فقالوا: يا رسول الله أسنت بلادنا، وأجدب جنابنا، وغرث عيالنا وهلت مواشينا، فادع ربك أن يغيثنا، وتشفع لنا إلى ربك، ويشفع ربك إليك، فقال ﷺ : "سبحان الله!! ويلك، أنا شفعت إلى ربي، فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه، لا إله إلا هو العلي العظيم، وسع كرسيه السماوات والأرض، وهو يئط من عظمته وجلاله كما يئط الرحل الجديد". فقال ﷺ : "إن الله ليضحك من

стр. 5147

"شفقكم وقرب غياثكم"، فقال الأعرابي: أويضحك ربنا يا رسول الله؟ قال: "نعم"، فقال الأعرابي: لن نعدم يا رسول الله من رب يضحك خيرًا. فضحك ﷺ من قوله، فقام ﷺ فصعد المنبر وتكلم بكلمات ورفع يديه، وكان رسول الله ﷺ لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء، فرفع يديه حتى رئي بياض

стр. 5148

إبطيه، وكان مما حفظ من دعائه: "اللهم اسق بلدك وبهيمتك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مربعا طبقا واسعا، عاجلا غير آجل نافعا غير ضار، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا

стр. 5149

على الأعداء". فقام أبو لبابة ابن عبد المنذر فقال: يا رسول الله إن التمر في المربد، فقال ﷺ : "اللهم اسقنا"، فقال: يا رسول الله إن التمر في المربد، ثلاث مرات، فقال ﵊: "اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره". قال: فلا والله ما في السماء من قزعة ولا سحاب، وما بين المسجد وسلع من بناء ولا دار، فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، وهم ينظرون، ثم أمطرت، فوالله ما رأوا الشمس سبتا وقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره لئلا يخرج التمر منه. فقال الرجل: يا رسول الله -يعني الذي سأله أن يستسقي لهم: هلكت

стр. 5150

الأموال، وانقطعت السبل، فصعد ﷺ المنبر فدعا ورفع يديه مدا، حتى رئي بياض إبطيه، ثم قال: "اللهم حوالينا ولا علينا، على الأكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر". فانجابت السحابة عن المدينة كانجياب الثوب. و"الأطيط" صوت الأقتاب، يعني: أن الكرسي ليعجز عن حمله وعظمته ، إذ كان معلوما أن أطيط الرجل بالراكب إنما يكون لقوة ما فوقه، وعجزه عن احتماله، وهذا مثل لعظمة الله تعالى وجلاله، وإن لم يكن أطيط وإنما هو كلام تقريبي، أريد به تقرير عظمته تعالى. وقوله: "طبقا" بفتح الطاء والموحدة، أي مالئا للأرض مغطيا لها، يقال: غيث طبق أي عام واسع.
следующие страницы →