رسول الله ﷺ عن بلادهم فقالوا: يا رسول الله أسنت بلادنا، وأجدب جنابنا، وغرث عيالنا وهلت مواشينا، فادع ربك أن يغيثنا، وتشفع لنا إلى ربك، ويشفع ربك إليك، فقال ﷺ : "سبحان الله!! ويلك، أنا شفعت إلى ربي، فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه، لا إله إلا هو العلي العظيم، وسع كرسيه السماوات والأرض، وهو يئط من عظمته وجلاله كما يئط الرحل الجديد". فقال ﷺ : "إن الله ليضحك من
стр. 5147
"شفقكم وقرب غياثكم"، فقال الأعرابي: أويضحك ربنا يا رسول الله؟ قال: "نعم"، فقال الأعرابي: لن نعدم يا رسول الله من رب يضحك خيرًا. فضحك ﷺ من قوله، فقام ﷺ فصعد المنبر وتكلم بكلمات ورفع يديه، وكان رسول الله ﷺ لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء، فرفع يديه حتى رئي بياض
стр. 5148
إبطيه، وكان مما حفظ من دعائه:
"اللهم اسق بلدك وبهيمتك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مربعا طبقا واسعا، عاجلا غير آجل نافعا غير ضار، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا
стр. 5149
على الأعداء".
فقام أبو لبابة ابن عبد المنذر فقال: يا رسول الله إن التمر في المربد، فقال ﷺ : "اللهم اسقنا"، فقال: يا رسول الله إن التمر في المربد، ثلاث مرات، فقال ﵊: "اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره".
قال: فلا والله ما في السماء من قزعة ولا سحاب، وما بين المسجد وسلع من بناء ولا دار، فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، وهم ينظرون، ثم أمطرت، فوالله ما رأوا الشمس سبتا وقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره لئلا يخرج التمر منه.
فقال الرجل: يا رسول الله -يعني الذي سأله أن يستسقي لهم: هلكت
стр. 5150
الأموال، وانقطعت السبل، فصعد ﷺ المنبر فدعا ورفع يديه مدا، حتى رئي بياض إبطيه، ثم قال: "اللهم حوالينا ولا علينا، على الأكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر". فانجابت السحابة عن المدينة كانجياب الثوب.
و"الأطيط" صوت الأقتاب، يعني: أن الكرسي ليعجز عن حمله وعظمته ، إذ كان معلوما أن أطيط الرجل بالراكب إنما يكون لقوة ما فوقه، وعجزه عن احتماله، وهذا مثل لعظمة الله تعالى وجلاله، وإن لم يكن أطيط وإنما هو كلام تقريبي، أريد به تقرير عظمته تعالى.
وقوله: "طبقا" بفتح الطاء والموحدة، أي مالئا للأرض مغطيا لها، يقال: غيث طبق أي عام واسع.
стр. 5151
و"المربد": موضع يجفف فيه التمر.
و"ثعلبه" ثقبه الذي يسيل منه ماء المطر.
وعن أنس بن مالك قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أتيناك وما لنا صبي يغط، ولا بعير يئط -أي مالنا بعير أصلا؛ لأن البعير لا بد أن يئط وأنشد:
أتيناك والعذراء يدمى لبابها ... وقد شغلت أم الصبي عن الطفل
وألقى بكفيه الفتى لاستكانة ... من الجوع ضعفا ما يمر ولا يحلي
ولا شيء مما يأكل الناس عندنا ... سوى الحنظل العامي والعلهز الغسل
فليس لنا إلا إليك قرارنا ... وأين فرار الناس إلا إلى الرسل
فقام ﷺ يجر رداءه، حتى صعد المنبر، فرفع يديه إلى السماء ثم قال:
стр. 5152
"اللهم اسقنا غيثا مغيثا مربعا غدقا طبقا نافعا غير ضار، عاجلا غير رائث، تملأ به الضرع وتنبت به الزرع، وتحيي به الأرض بعد موتها". قال: فما رد ﷺ يديه إلى نحره حتى ألقت السماء بأبراقها، وجاء أهل البطانة يضجون: الغرق الغرق، فقال ﵊: "حوالينا ولا علينا"، فانجابت السحابة عن المدينة حتى أحدق حولها كالإكليل، وضحك ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: "لله در أبي طالب، لو كان حيا لقرت عيناه". من ينشدنا قوله؟ فقال علي: يا رسول الله كأنك تريد قوله:
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
стр. 5153
تطيف به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في نعمة وفواضل
كذبتم وبيت الله نبزي محمدا ... ولما نطاعن حوله ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل
فقال ﷺ : "أجل"، رواه البيهقي.
وقوله: "يدمي لبابها" أي يدمي صردها لامتهانها نفسها في الخدمة حيث لا تجد ما تعطيه من يخدمها من الجدب وشدة الزمان، وأصل اللباب من الفرس موضع اللبب ثم استعير للناس.
وقوله: "ما يمر ولا يحلي" أي ما ينطق بخير ولا شر من الجوع والضعف.
стр. 5154
وقوله: "سوى الحنظل العامي" نسبة إلى العام؛ لأنه يتخذ في عام الجدب، كما قالوا للجدب: السنة.
"والعلهز" بالكسر، طعام كانوا يتخذونه من الدم ووبر البعير في سني المجاعة. قاله الجوهري.
و"الغسل" الرذل.
قال السهيلي: فإن قلت: كيف قال أبو طالب "وأبيض يستسقي الغمام بوجهه" ولم يره قط استسقى، وإنما كان ذلك منه بعد الهجرة؟
وأجاب بما حاصله: أن أبا طالب أشار إلى ما وقع في زمن عبد المطلب، حيث استسقى لقريش والنبي ﷺ معه وهو غلام. انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون أبو طالب مدحه بذلك لما رأى من خايل ذلك فيه، وإن لم يشاهد ذلك.
стр. 5155
قلت: وقد أخرج ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة قال: قدمت مكة، وهم في قحط، فقالت قريش: يا أبا طالب، أقحط الوادي وأجدب العيال وأنت فيهم أما تستسقي؟ فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجن تجلت عنه سحابة قتماء، وحوله أغيلمة، فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ الغلام بأصبعه وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من ههنا وههنا، وأغدق السحاب وأغدودق وانفجر له الوادي وأخصب النادي والبادي، وفي ذلك يقول أبو طالب:
стр. 5156
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
الرابع: استسقاؤه ﷺ بالدعاء من غير صلاة.
عن ابن مسعود أن قريشا أبطؤوا عن الإسلام، فدعا عليهم رسول الله ﷺ فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام، فجاءه أبو سفيان فقال: يا محمد، جئت تأمر بصلة الرحم، وإن قومك هلكوا، فادع الله، فقرأ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ، ثم عادوا إلى كفرهم، فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦] ، يوم بدر. زاد أسباط عن
стр. 5157
منصور: فدعا رسول الله ﷺ فسقوا الغيث، فأطبقت عليهم سبعا، فشكا الناس كثرة المطر فقال: "اللهم حوالينا ولا علينا"، فانحدرت السحابة عن رأسه، فسقوا الناس حولهم. رواه البخاري.
وأفاد الدمياطي أن ابتداء الدعاء على قريش كان عقب طرحهم على ظهره سلى الجزور، وكان ذلك بمكة قبل الهجرة، وقد دعا النبي ﷺ بذلك بالمدينة في القنوت كما في حديث أبي هريرة عند البخاري، ولا يلزم من ذلك اتخاذ هذه القصص، إذ لا مانع أن يدعو بذلك عليهم مرارا. والظاهر أن مجيء أبي سفيان كان قبل الهجرة لقول ابن مسعود: ثم عادوا فذلك قوله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ
стр. 5158
الْكُبْرَى﴾ يوم بدر ولم ينقل أن أبا سفيان قدم المدينة قبل بدر. وعلى هذا فيحتمل أن يكون أبو طالب كان حاضرا ذلك، فقال: "وأبيض يستسقى الغمام بوجهه" لكن ورد ما يدل على أن القصة وقعت بالمدينة، فإن لم يحمل على التعدد وإلا فهو مشكل.
وفي الدلائل للبيهقي عن كعب بن مرة أو مرة بن كعب قال: دعا رسول الله ﷺ على مضر، فأتاه أبو سفيان فقال: ادع الله لقومك فإنهم قد هلكوا. وقد رواه أحمد وابن ماجه عن كعب بن مرة، ولم يشك، فأبهم أبا سفيان فقال: جاءه رجل فقال: استسق الله لمضر، قال: يا رسول الله استنصرت الله فنصرك ودعوت
стр. 5159
الله فأجابك، فرفع يديه فقال: "اللهم اسقنا غيثا مغيثا". الحديث فظهر أن الرجل المبهم المقول له: "إنك لجريء" هو أبو سفيان.
لكن يظهر أن فاعل "قال: يا رسول الله استنصرت الله.. إلخ" هو كعب بن مرة راوي هذا الحديث، لما أخرجه أحمد أيضا والحاكم عن كعب بن مرة المذكور قال: "دعا رسول الله ﷺ على مضر، فأتيته فقلت: يا رسول الله إن الله قد نصرك وأعطاك واستجاب لك، وإن قومك قد هلكوا". وعلى هذا: فكأن أبا سفيان وكعبا حضرا جميعا، فكلمه أبو سفيان بشيء، وكلمة كعب بشيء فدل ذلك على اتحاد قصتهما، وقد ثبت في هذه ما ثبت في تلك من قوله: "إنك لجريء" ومن قوله: "اللهم حوالينا ولا علينا". وسياق كعب بن مرة يشعر بأن ذلك وقع بالمدينة لقوله: "استنصرت الله فنصرك".
ولا يلزم من هذا اتحاد هذا القصة مع قصة أنس السابقة، فهي واقعة أخرى،
стр. 5160
لأن في رواية أنس "فلم ينزل عن المنبر حتى مطروا" وفي هذه "فما كان إلا جمعة أو نحوها، والسائل في هذه القصة غير السائل في تلك، فهما قصتان، وقع في كل منهم طلب الدعاء بالاستسقاء، ثم طلب الدعاء بالاستصحاء. وإن ثبت أن كعب بن مرة أسلم قبل الهجرة حمل قوله: "استنصرت الله فنصرك" على النصر بإجابة دعائه عليهم، وزال الإشكال المتقدم والله أعلم. انتهى ملخصًا من فتح الباري.
الخامس: استسقاؤه ﷺ عند أحجار الزيت، قريبا من الزوراء، وهي خارج باب المسجد الذي يدعى باب السلام نحو قذفه بحجر، ينعطف عن يمين الخارج من المسجد.
عن عمير، مولى أبي اللحم، أنه رأى النبي ﷺ يستسقي رافعا يديه قبل
стр. 5161
وجهه، لا يجاوزهما رأسه، رواه أبو داود والترمذي.
السادس: استسقاؤه ﵊ في بعض غزواته، لما سبقه المشركون إلى الماء، فأصاب المسلمين العطش، فشكوا إلى رسول الله ﷺ ، وقال المنافقون: لو كان نبيا لاستسقى لقومه كما استسقى موسى لقومه، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "أوقد قالوها، عسى ربكم أن يسقيكم"، ثم بسط يديه ودعا، فما رد يديه من دعائه حى أظلم السحاب وأمطروا إلى أن سال الوادي، فشرب الناس وارتووا.
فصل: عن سالم بن عبد الله عن أبيه مرفوعا: أنه كان إذا استسقى قال: "اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد والبلاد والبهائم والخلائق من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض، اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري، واكشف عنا من البلاد ما لا يكشفه غيرك،
стр. 5162
"اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا، فأرسل السماء علينا مدرارا". رواه الشافعي.
فصل: روى أبو الجوزاء قال: قحط أهل المدينة قحطا شديدا، فشكوا إلى عائشة فقالت: انظروا قبر النبي ﷺ فاجعلوا منه كوى إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، ففعلوا فمطروا حتى نبت العشب، وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق.
وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان، عن مالك الدار قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر، فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتى الرجل في المنام فقيل له: ائت عمر.
стр. 5163
وفي رواية عبد الرزاق: أن عمرا استسقى بالمصلى، فقال للعباس: قم فاستسق.
وذكر الزبير بن بكار أن عمر بن الخطاب استسقى بالعباس عام الرمادة -بفتح الراء وتخفيف الميم- وسمي به لما حصل من شدة الجدب، فأغبرت الأرض جدا من عدم المطر.
وذكر ابن عساكر في كتاب الاستسقاء أن العباس لما استسقى ذلك اليوم قال: اللهم إن عندك سحابا وعندك ماء، فانشر السحاب ثم أنزل منه الماء ثم أنزله علينا، واشدد به الأصل وأطل به الفرع وأدر به الضرع. اللهم تشفعنا إليك بمن لا منطق له من بهائمنا وأنعامنا، الله اسقنا سقيى وادعة بالغة طبقا، اللهم لا نرغب إلا إليك وحدك، لا شريك لك، اللهم نشكو إليك سغب كل ساغب، وعدم كل
стр. 5164
عادم، وجوع كل جائع، وعري كل عار، وخوف كل خائف.
وفي رواية الزبير بن بكار: أن العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك. وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث. فأرخت السماء مثل الجبال، حتى أخصبت الأرض وعاش الناس. وعنده أيضا: قحط الناس فقال عمر: إن رسول الله ﷺ كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد فاقتدوا يا أيها الناس برسول الله ﷺ في عمه العباس، فاتخذوه وسيلة إلى الله. وفيه فما برحوا حتى سقوا، وفي ذلك يقول العباس بن عتبة بن أبي لهب:
стр. 5165
بعمي سقى الله الحجاز وأهله ... عشية يستسقي بشيبته عمرا
توجه بالعباس في الجدب راغبا ... إليه فما إن رام حتى أتى المطر
ومنا رسول الله فينا تراثه ... فهل فوق هذا للمفاخر مفتخر
стр. 5166
القسم الثالث: في ذكر صلاته ﷺ في السفر
وفي فصول:
الفصل الأول: في قصره ﷺ الصلاة فيه وأحكامه
وفيه فرعان:
الفرع الأول: في كم كان ﵊ يقصر الصلاة
تقدم هل القصر رخصة أو عزيمة، وما استدل به لكل من القولين، في أوائل
стр. 5167
هذا المقصد.
وعن أنس بن مالك قال: صليت الظهر مع رسول الله ﷺ بالمدينة أربعا، وخرج يريد مكة فصلى بذي الحليفة العصر ركعتين. رواه البخاري ومسلم.
وهذا الحديث مما احتج به أهل الظاهر في جواز القصر في طويل السفر وقصيره، فإن بين المدينة وذي الحليفة ستة أميال، ويقال: سبعة.
وقال الجمهور: لا يجوز القصر إلا في سفر يبلغ مرحلتين، وقال أبو حنيفة وطائفة شرطه ثلاث مراحل، واعتمدوا في ذلك آثارا عن الصحابة.
وأما هذا الحديث فلا دلالة فيه لأهل الظاهر؛ لأن المراد أنه ﷺ حين سافر إلى مكة في حجة الوداع صلى الظهر بالمدينة أربعا ثم سافر، فأدركته العصر وهو مسافر بذي الحليفة، فصلاها ركعتين. وليس المراد أن ذا الحليفة غاية سفره، فلا
стр. 5168
دلالة فيه قطعا. والأحاديث المطلقة مع ظاهر القرآن متعاضدان على جواز القصر من حين يخرج من البلد، فإنه حينئذ يسمى مسافرا.
وطويل السفر ثمانية وأربعون ميلا هاشمية، وهي ستة عشر فرسخا، وهي أربعة برد. والميل من الأرض منتهى مد البصر؛ لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه. وبذلك جزم الجوهري. وقيل: حده أن تنظر إلى الشخص في أرض مصطحبة فلا تدري أهو رجل أو امرأة. أو آت.
قال النووي: الميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون أصبعا معترضة معتدلة، وقد حرره غيره بذراع الحديد المستعمل الآن بمصر والحجاز في هذه
стр. 5169
الأعصار فوجده ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثمن. فعلى هذا فالميل بذراع الحديد خمسة آلاف ذراع ومائتان وخمسون ذراعا، وهذه فائدة جليلة قل من تنبه لها.
وروى البيهقي عن عطاء أن ابن عمر وابن عباس كانا يصليان ركعتين، أي يقصران في أربعة برد فما فوقها. وذكره البخاري في صحيحه تعليقا بصيغة الجزم. ورواه بعضهم في صحيح ابن خزيمة مرفوعا من رواية ابن عباس.
وقد كان فرض الصلاة ركعتين ركعتين، فلما هاجر ﵊ فرضت أربعا.. رواه البخاري من حديث عائشة، لكن يعارضه حديث ابن عباس: فرضت الصلاة في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين. رواه مسلم. وجمع بينهما بما يطول ذكره.
стр. 5170
ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] ويؤيده ما ذكره ابن الأثير في شرح المسند أن قصر الصلاة كان في السنة الرابعة من الهجرة، وقيل: كان قصر الصلاة في ربيع الآخر من السنة الثانية. ذكره الدولابي، وقيل: بعد الهجرة بأربعين يوما.
الفرع الثاني: في القصر مع الإقامة
عن أنس قال: خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي
стр. 5171
ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة. قيل له: أقمتم بمكة شيئا؟ قال: أقمنا بها عشرا. رواه البخاري، ومسلم مختصرا قال: أقمنا مع النبي ﷺ عشرة يقصر الصلاة.
وعن ابن عباس قال: أقام النبي ﷺ تسعة عشر يقصر الصلاة. فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتمنا. رواه البخاري.
وفي رواية أبي داود: أنه ﷺ أقام سبعة عشر بمكة يقصر الصلاة. قال ابن عباس: فلو أقام أكثر أتم. والرواية الأولى بتقديم التاء على السين، والثانية بتقديم السين على الموحدة.
ولأبي داود، من حديث عمران بن حصين: غزوت مع رسول الله ﷺ الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين. وله طريق ابن إسحاق عن
стр. 5172
الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس: أقام ﷺ بمكة عام الفتح خمسة عشر يوما يقصر الصلاة.
وجمع البيهقي بين هذا الاختلاف: بأن من قال: "تسعة عشر" عد يومي الدخول والخروج، ومن قال: "سبعة عشر" حذفهما، وأما رواية "خمسة عشر" فضعفها النووي في "الخلاصة" وليس بجيد؛ لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك عن عبيد الله كذلك، فإذا ثبت أنها صحيحة فلتحمل على أن الراوي ظن أن الأصل سبعة عشر، فحذف منها يومي الدخول والخروج، فذكر أنها خمسة عشر، واقتضى ذلك أن رواية "تسعة عشر" أرجح الروايات.
وأخذ الشافعي بحديث عمران بن حصين، لكن محله عنده فيمن لم يزمع الإقامة، فإنه إذا مضت عليه المدة المذكورة وجب عليه الإتمام، فإن أزمع الإقامة في
стр. 5173
أول الحال على أربعة أيام أتم، على خلاف بين أصحابه في دخول يومي الدخول والخروج فيها، أو: لا.
ولا معارضة بين حديث ابن عباس وحديث أنس؛ لأن حديث ابن عباس كان في فتح مكة، وحديث أنس كان في حجة الوداع. وفي حديث ابن عباس: قدم ﷺ وأصحابه -يعني مكة- لصبح رابعه، ولا شك أنه خرج من مكة صبح الرابع عشر فتكون مدة الإقامة، بمكة ونواحيها عشرة أيام بلياليها، كما قاله أنس، وتكون مدة إقامته بمكة أربعة أيام سواء؛ لأنه قدم في اليوم الرابع وخرج منها في اليوم الثامن، فصلى الظهر في منى، ومن ثم قال الشافعي: إن المسافر إذا أقام ببلدة قصر أربعة أيام، فالمدة التي في حديث ابن عباس يسوغ الاستدلال بها على من لم ينو الإقامة بل كان مترددا، متى تهيأ له فراغ حاجته يرحل. والمدة التي في حديث أنس يستدل بها على من نوى الإقامة؛ لأنه ﷺ في أيام الحج كان جازما بالإقامة تلك المدة، ووجه الدلالة من حديث ابن عباس: لما كان الأصل في المقيم الإتمام فلما لم يجئ عنه ﷺ أنه أقام في حالة السفر أكثر من تلك المدة
стр. 5174
جعلها غاية للقصر. والله أعلم.
الفصل الثاني: في الجمع
وفيه فرعان أيضا:
الفرع الأول: في جمعه ﷺ
عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر في وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب.
وفي رواية: أنه كان إذا أراد أن يجمع بين صلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر.
وفي أخرى: كان إذا عجل به السير يؤخر الظهر إلى وقت العصر فيجمع
стр. 5175
بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء، رواه البخاري ومسلم وأبو داود.
وفي راية للبخاري: كان يجمع بين هاتين الصلاتين في السفر، يعني: المغرب والعشاء.
وفي حديث ابن عباس: كان ﷺ يجمع بين صلاتي الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء، رواه البخاري.
ولمسلم: جمع بين الصلاة في سفرة سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
وله ولمالك وأبي داود والنسائي: أنهم خرجوا معه ﷺ في غزوة تبوك،
стр. 5176
فكان ﵊ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فأخروا الظهر يوما، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ودخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا.
وفي رواية أبي داود والترمذي من حديث معاذ بن جبل: كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، فإن رحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك: إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وإن ارتحل قبل أن تغيب أخر المغرب حتى ينزل العشاء، ثم يجمع بينهما.
стр. 5177
الفرع الثاني: في جمعه ﷺ بجمع ومزدلفة
عن ابن عمر: أنه ﷺ صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا. رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود. زاد البخاري في رواية: كل واحدة منهما بإقامة ولم يسبح بينهما.
ولمسلم: جمع بين المغرب والعشاء بجمع، وصلى المغرب ثلاث ركعات، وصلى العشاء ركعتين.
стр. 5178
وفي حديث أبي أيوب الأنصاري، عند البخاري ومسلم: جمع في حجة الوداع بين المغرب والعشاء في المزدلفة.
وفي رواية ابن عباس، عند النسائي: صلى المغرب والعشاء بإقامة واحدة.
وفي رواية جعفر بن محمد عن أبيه عند أبي داود: صلى الظهر والعصر بأذان واحد بعرفة، ولم يسبح بينهما وإقامتين، وصلى المغرب والعشاء بجمع بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما.
الفصل الثالث: في صلاته ﷺ النوافل في السفر
عن ابن عمر قال: سافرت مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا
стр. 5179
يصلون الظهر والعصر ركعتين ركعتين، ولا يصلى قبلها ولا بعدها، وقال ابن عمر: لو كنت مصليا قبلها أو بعدها لأتممتها. رواه الترمذي.
وفي رواية: صحبت النبي ﷺ فلم أره يسبح في السفر، أي يتنفل للرواتب التي قبل الفرائض وبعدها. وذلك مستفاد من قوله في الرواية الأخرى، فكان لا يزيد في السفر على ركعتين.
قال ابن دقيق العيد: وهذا اللفظ يحتمل أن يريد به: لا يزيد على عدد
стр. 5180
ركعات الفرض، فيكون كناية عن نفي الإتمام، والمراد به الإخبار عن المداومة على القسر، ويحتمل أن يريد: لا يزيد نفلا، ويحتمل أن يريد ما هو أعم من ذلك.
وفي رواية مسلم: صحبت ابن عمر في طريق مكة، فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه، حتى جاء رحله فجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة فرأى ناسا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون، فقال: لو كنت مسبحا لأتممت.
قال النووي: وأجابوا عن قول ابن عمر هذا بأن الفريضة متحتمة، فلو شرعت تامة لتحتم إتمامها، وأما النافلة فهي إلى خيرة المصلي، فطريق الرفق به أن تكون مشروعة، ويخير فيها. انتهى.
стр. 5181
وتعقب: بأن مراد ابن عمر بقوله: "لو كنت مسبحا لأتممت" يعني أنه لو كان مخيرا بين الإتمام وصلاة الراتبة لكان الإتمام أحب إليه، لكنه فهم من القصر التخفيف، فلذلك كان لا يصلي الراتبة ولا يتم.
وفي البخاري، من حديث ابن عمر: كان ﷺ يوتر على راحلته، وبوب عليه "باب الوتر في السفر"، وأشار به إلى الرد على من قال: "أنه لا يسن الوتر في السفر"، وهو منقول عن الضحاك، وأما قول ابن عمر: "لو كنت مسبحا في السفر لأتممت" كما أخرجه مسلم، فإنما أراد به راتبة المكتوبة، لا النافلة المقصودة كالوتر، وذلك بين من سياق الحديث المذكور عند الترمذي من وجه آخر بلفظ: "لو كنت مصليا قبلها أو بعدها لأتممت" وأما حديث عائشة عند البخاري: أنه ﷺ كان لا يدع أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها فليس بصريح في فعله ذلك في السفر، ولعلها أخبرت عن أكثر أحواله وهو الإقامة، والرجال أعلم بسفره من النساء.
стр. 5182
وأجاب النووي -تبعا لغيره- بما لفظه: لعل النبي ﷺ كان يصلي الرواتب في رحله ولا يراه ابن عمر، أو لعله تركها في بعض الأوقات لبيان الجواز.. انتهى.
وفي رواية الترمذي من حديث ابن عمر قال: صليت مع رسول الله ﷺ الظهر في السفر ركعتين، وبعدها ركعتين.
وفي رواية: صليت معه في الحضر والسفر، فصليت معه في الحضر الظهر أربعا وبعدها ركعتين. وصليت معه في السفر الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، والعصر ركعتين ولم يصل بعدها شيئا، والمغرب في الحضر والسفر سواء ثلاث ركعات لا تنقص في حضر ولا سفر، وهي وتر النهار وبعدها ركعتين.
وفي حديث أبي قتادة عند مسلم في قصة النوم عن صلاة الصبح: أنه ﷺ صلى ركعتين قبل الصبح، ثم صلى الصبح كما كان يصلي.
стр. 5183
وقول صاحب "الهدي" إنه لم يحفظ عنه ﷺ أنه صلى سنة صلاة قبلها ولا بعدها في السفر إلا ما كان من سنة الفجر. يرد على إطلاقه ما قدمناه في رواية الترمذي من حديث ابن عمر. وما رواه أبو داود والترمذي من حديث البراء بن عازب قال: سافرت مع النبي ﷺ ثمانية عشر سفرا، فلم أره ترك ركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر، وكأنه لم يثبت عنده ذلك، لكن الترمذي استغربه، ونقل عن البخاري أنه رآه حسنا، وقد حمله بعض العلماء على سنة الزوال لا على الراتبة قبل الظهر.
الفصل الرابع: في صلاته ﷺ التطوع في السفر على الدابة
عن ابن عمر: كان رسول الله عليه وسلم يصلي سبحته حيثما توجهت به ناقته.
стр. 5184
وفي رواية: يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة حيث كان وجهه وفيه نزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] .
وفي رواية: رأيته ﷺ يصلي على حمار وهو موجه إلى خيبر.
وفي رواية: أنه كان يوتر على البعير، رواه مسلم.
وقد أخذ بهذه الأحاديث فقهاء الأمصار، في جواز التنفل على الراحلة في السفر حيث توجهت، إلا أن أحمد وأبا ثور كانا يستحبان أن يستقبل المصلي القبلة بالتكبير حال ابتداء الصلاة. والحجة لذلك ما في حديث أنس عند أبي داود أنه ﷺ كان إذا أراد أن يتطوع في السفر استقبل بناقته القبلة، ثم صلى حيث
стр. 5185
توجهت ركابه.
وذهب الجمهور إلى جواز التنفل على الدابة سواء كان السفر طويلا أو قصيرا، إلا مالكا فخصه بالسفر الطويل، وحجته أن هذه الأحاديث إنما وردت في أسفاره ﷺ ، ولم ينقل عنه أنه ﷺ سافر سفرا قصيرا فصنع ذلك. وحجة الجمهور مطلق الأخبار في ذلك.
وقوله: "يصلي على حمار"، قال النووي: قال الدارقطني وغيره: هذا غلط من عمرو بن يحيى المازني، وإنما المعروف في صلاته ﷺ على راحلة أو بعير. والصواب أن الصلاة على الحمار من فعل أنس كما ذكره مسلم. ثم قال: في