وتعقب: بأن مراد ابن عمر بقوله: "لو كنت مسبحا لأتممت" يعني أنه لو كان مخيرا بين الإتمام وصلاة الراتبة لكان الإتمام أحب إليه، لكنه فهم من القصر التخفيف، فلذلك كان لا يصلي الراتبة ولا يتم.
وفي البخاري، من حديث ابن عمر: كان ﷺ يوتر على راحلته، وبوب عليه "باب الوتر في السفر"، وأشار به إلى الرد على من قال: "أنه لا يسن الوتر في السفر"، وهو منقول عن الضحاك، وأما قول ابن عمر: "لو كنت مسبحا في السفر لأتممت" كما أخرجه مسلم، فإنما أراد به راتبة المكتوبة، لا النافلة المقصودة كالوتر، وذلك بين من سياق الحديث المذكور عند الترمذي من وجه آخر بلفظ: "لو كنت مصليا قبلها أو بعدها لأتممت" وأما حديث عائشة عند البخاري: أنه ﷺ كان لا يدع أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها فليس بصريح في فعله ذلك في السفر، ولعلها أخبرت عن أكثر أحواله وهو الإقامة، والرجال أعلم بسفره من النساء.
стр. 5182
وأجاب النووي -تبعا لغيره- بما لفظه: لعل النبي ﷺ كان يصلي الرواتب في رحله ولا يراه ابن عمر، أو لعله تركها في بعض الأوقات لبيان الجواز.. انتهى.
وفي رواية الترمذي من حديث ابن عمر قال: صليت مع رسول الله ﷺ الظهر في السفر ركعتين، وبعدها ركعتين.
وفي رواية: صليت معه في الحضر والسفر، فصليت معه في الحضر الظهر أربعا وبعدها ركعتين. وصليت معه في السفر الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، والعصر ركعتين ولم يصل بعدها شيئا، والمغرب في الحضر والسفر سواء ثلاث ركعات لا تنقص في حضر ولا سفر، وهي وتر النهار وبعدها ركعتين.
وفي حديث أبي قتادة عند مسلم في قصة النوم عن صلاة الصبح: أنه ﷺ صلى ركعتين قبل الصبح، ثم صلى الصبح كما كان يصلي.
стр. 5183
وقول صاحب "الهدي" إنه لم يحفظ عنه ﷺ أنه صلى سنة صلاة قبلها ولا بعدها في السفر إلا ما كان من سنة الفجر. يرد على إطلاقه ما قدمناه في رواية الترمذي من حديث ابن عمر. وما رواه أبو داود والترمذي من حديث البراء بن عازب قال: سافرت مع النبي ﷺ ثمانية عشر سفرا، فلم أره ترك ركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر، وكأنه لم يثبت عنده ذلك، لكن الترمذي استغربه، ونقل عن البخاري أنه رآه حسنا، وقد حمله بعض العلماء على سنة الزوال لا على الراتبة قبل الظهر.
الفصل الرابع: في صلاته ﷺ التطوع في السفر على الدابة
عن ابن عمر: كان رسول الله عليه وسلم يصلي سبحته حيثما توجهت به ناقته.
стр. 5184
وفي رواية: يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة حيث كان وجهه وفيه نزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] .
وفي رواية: رأيته ﷺ يصلي على حمار وهو موجه إلى خيبر.
وفي رواية: أنه كان يوتر على البعير، رواه مسلم.
وقد أخذ بهذه الأحاديث فقهاء الأمصار، في جواز التنفل على الراحلة في السفر حيث توجهت، إلا أن أحمد وأبا ثور كانا يستحبان أن يستقبل المصلي القبلة بالتكبير حال ابتداء الصلاة. والحجة لذلك ما في حديث أنس عند أبي داود أنه ﷺ كان إذا أراد أن يتطوع في السفر استقبل بناقته القبلة، ثم صلى حيث
стр. 5185
توجهت ركابه.
وذهب الجمهور إلى جواز التنفل على الدابة سواء كان السفر طويلا أو قصيرا، إلا مالكا فخصه بالسفر الطويل، وحجته أن هذه الأحاديث إنما وردت في أسفاره ﷺ ، ولم ينقل عنه أنه ﷺ سافر سفرا قصيرا فصنع ذلك. وحجة الجمهور مطلق الأخبار في ذلك.
وقوله: "يصلي على حمار"، قال النووي: قال الدارقطني وغيره: هذا غلط من عمرو بن يحيى المازني، وإنما المعروف في صلاته ﷺ على راحلة أو بعير. والصواب أن الصلاة على الحمار من فعل أنس كما ذكره مسلم. ثم قال: في
стр. 5186
تغليط راويه؛ لأنه ثقة نقل شيئا محتملا، فلعله كان الحمار مرة والبعير مرة أو مرات، لكن قد يقال: إنه شاذ مخالف لرواية الجمهور، والشاذ مردود. انتهى.
وعن يعلى بن مرة عن أبيه عن جده، أنهم كانوا مع النبي ﷺ في مسيره فانتهوا إلى مضيق فحضرت الصلاة فمطروا، السماء من فوقهم والبلة من أسفلهم، فأذن رسول الله ﷺ وهو على راحلته، فصلى بهم يومئ إيماء، يجعل السجود أخفض من الركوع. رواه الترمذي.
стр. 5187
القسم الرابع: في ذكر صلاته ﷺ الخوف
عن جابر قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة، تركناها للنبي ﷺ ، فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله ﷺ معلق بالشجرة، فاخترطه فقال: تخافني؟ فقال: "لا"، فقال: من يمنعك مني؟ قال: "الله"، قال: فهدده أصحاب النبي ﷺ ، فغمد السيف وعلقه، فأقيمت الصلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكان للنبي ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتان. رواه البخاري
стр. 5188
ومسلم.
ولمسلم: فصففنا صفين خلف رسول الله ﷺ ، والعدو بيننا وبين القبلة فكبر النبي ﷺ وكبرنا جميعا، ثم ركع وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو فلما قضى النبي ﷺ السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي ﷺ وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه -الذي كان مؤخرا في الركعة الأولى -فقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي ﷺ السجود والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر
стр. 5189
بالسجود، فسجدوا ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعًا.
ولمسلم والبخاري أيضا من حديث يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عمن صلى معه ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائما، وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم.
قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت في صلاة الخوف.
стр. 5190
وما ذهب إليه مالك من ترجيح هذه الكيفية وافقه الشافعي وأحمد علي ترجيحها لسلامتها من كثرة المخالفة، ولكونها أحوط لأمر الحرب.
وعن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: غزوت مع رسول الله ﷺ قبل نجد، فوازينا العدو، فصاففنا لهم، فقام رسول الله ﷺ يصلي بنا، فقامت طائفة معه، وأقبلت طائفة على العدو، وركع رسول الله ﷺ ومن معه، وسجد سجدتين،
стр. 5191
ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل، فجاؤوا فركع رسول الله ﷺ بهم ركعة وسجد سجدتين ثم سلم، فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين.
وفي حديث جابر: أنه ﷺ كان يصلي بالناس صلاة الظهر في الخوف ببطن نخل، فصلى بطائفة ركعتين ثم سلم، ثم جاءت طائفة أخرى فصلى بهم ركعتين ثم سلم، رواه البغوي في شرح السنة.
وعنه: أنه ﷺ نزل بين ضجنان وعسفان، فقال المشركون: لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم وأمهاتهم، وهي العصر، فأجمعوا أمركم فتميلوا عليهم ميلة واحدة، وإن جبريل أتى النبي ﷺ فأمره أن يقسم أصحابه شطريه، فيصلي بهم، وتقوم طائفة أخرى وراءهم وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، فتكون لهم ركعة
стр. 5192
ولرسول الله ﷺ ركعتان. رواه الترمذي والنسائي.
قال ابن حزم: وقد صح فيها -يعني صلاة الخوف- أربعة عشر وجها. وبينها في جزء مفرد.
وقال ابن العربي في "القبس": جاء فيها روايات كثيرة، أصحها ست عشرة رواية مختلفة، ولم يبينها. وقال النووي نحوه في شرح مسلم ولم يبينها أيضًا.
وقد بينها الحافظ زين الدين العراقي في شرح الترمذي وزاد وجها آخر، فصارت سبعة عشر وجها، لكن يمكن أن تتداخل.
وقال صاحب "الهدي": أصولها ست صفات، وبلغها بعضهم أكثر، وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجها من فعله ﷺ ، وإنما هو من اختلاف الرواة. انتهى.
وهذا هو المعتمد، وأشار إليه الحافظ العراقي بقوله: يمكن تداخلها.
وقد حكى ابن القصار المالكي: أن النبي ﷺ صلاها عشر مرات، وقال ابن العربي: أربعا وعشرين، وقال الخطابي: صلاها ﵊ في أيام
стр. 5193
مختلفة بأشكال متباينة، يتحرى فيها ما هو الأحوط للصلاة، والأبلغ للحراسة، فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى. انتهى.
وفي كتب الفقه تفاصيل لها كثيرة، وفروع يطول ذكرها. حكاها في فتح الباري.
стр. 5194
القسم الخامس: في ذكر صلاته ﷺ على الجنازة
وفيه فروع أربعة:
الفرع الأول: في عدد التكبيرات
عن أبي هريرة أنه ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه. وخرج بهم إلى المصلى فصفهم وكبر عليه أربع تكبيرات. رواه البخاري ومسلم.
стр. 5195
وعند الترمذي من حديث أبي هريرة أنه ﷺ كبر على جنازة فرفع يديه مع أول تكبيرة، ووضع يده اليمنى على يده اليسرى.
стр. 5196
الفرع الثاني: في القراءة والدعاء
نقل ابن المنذر عن ابن مسعود، والحسن بن علي، وابن الزبير، والمسور بن مخرمة، مشروعية قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة. وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق.
ونقل عن أبي هريرة وابن عمر: ليس فيها قراءة، وهو قول مالك والكوفيين.
وروى عبد الرزاق والنسائي بإسناد صحيح عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف
стр. 5197
قال: السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر ثم يقرأ بأم القرآن، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يخلص الدعاء للميت ولا يقرأ إلا في الأولى.
وفي البخاري عن سعد عن طلحة قال: صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ فاتحة الكتاب وقال: لتعلموا أنها سنة، وليس فيه بيان محل قراءة الفاتحة، وقد وقع التصريح بذلك في حديث جابر عند الشافعي بلفظ: وقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى، كما ذكره الحافظ زين الدين العراقي في شرح الترمذي.
وعن ابن عباس قال: صلى الله ﷺ على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب. رواه الترمذي وقال: لا يصح هذا. والصحيح عن ابن عباس قوله: "السنة" وهذا مصير منه إلى الفرق بين الصيغتين. ولعله أراد الفرق بالنسبة إلى الصراحة والاحتمال.
стр. 5198
وعن عوف بن مالك: صلى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه: "اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار". قال عوف: حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت لدعاء رسول الله ﷺ . رواه مسلم.
وعن واثلة بن الأسقع قال: صلى بنا رسول الله ﷺ على رجل من المسلمين فسمعته يقول: "اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك، وحل جوارك، فقه من فتنة القبر
стр. 5199
"وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحق، اللهم اغفر له وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم". رواه أبو داود.
وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى على الجنازة قال: "اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده". رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
وعنه: سمعته ﷺ يقول: "اللهم أنت ربها وأنت خلقتها، هديتها إلى الإسلام، قبضت روحها وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئناك شفعاء فاغفر لها". رواه أبو داود.
стр. 5200
الفرع الثالث في صلاته ﷺ على القبر:
عن أبي هريرة أن امرأة سوداء كان تقم المسجد، ففقدها رسول الله ﷺ ، فسأل عنها فقالوا: ماتت، قال: "أفلا آذنتموني"؟ قال: فكأنهم صغروا أمرهم، فقال: "دلوني على قبرها"، فدلوه فصلى عليها. رواه البخاري ومسلم.
زاد ابن حبان فقال في رواية حماد بن سلمة عن ثابت: "إن هذه القبور
стр. 5201
"مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم". وأشار إلى أن بعض المخالفين احتج بهذه الزيادة، على أن ذلك من خصائصه ﷺ . ثم ساق من طريق خارجة بن زيد عن عمه يزيد بن ثابت نحو هذه القصة، وفيه: ثم أتى القبر فصففنا خلفه وكبر عليه أربعا. قال ابن حبان: في ترك إنكاره ﵊ على من صلى معه على القبر بيان جواز ذلك لغيره، وأنه ليس من خصائصه، وتعقب بأن الذي يقع بالتبعية لا ينهض دليلا للأصالة.
وعن عقبة بن عامر: أنه ﷺ خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف، وفي رواية: صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات. رواه أبو داود والنسائي.
стр. 5202
ورواه الشيخان أيضا بلفظ: خرج يوما فصلى على أهل أحد كصلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر فقال: "إني فرط لكم". الحديث.
وفيه: الصلاة على الشهداء في حرب الكفار. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة: فذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والجمهور: إلى أن لا يصلى عليهم.
وذهب أبو حنيفة إلى الصلاة عليهم كغيرهم، وبه قال المزني، وهو رواية عن أحمد اختارها الخلال.
وحجة الجمهور: أنه ﵊ لم يصل على قتلى أحد -كما رواه البخاري في صحيحه عن جابر- وأما هذه الصلاة فالمراد بها الدعاء، وليس المراد بها صلاة الجنازة المعهودة.
стр. 5203
قال النووي: أي دعا لهم بدعاء صلاة الميت، وأن هذه الصلاة مخصوصة بشهداء أحد، فإنه لم يصل عليهم قبل دفنهم كما هو المعهود من صلاة الجنازة، وإنما صلى عليهم في القبور بعد ثمان سنين، والحنفية يمنعون الصلاة على القبر مطلقا، ولو كانت الصلاة عليهم واجبة لما تركها في الأرض.
ثم إن الشافعية اختلفوا في معنى قولهم: لا يصلى على الشهيد، فقال أكثرهم: معناه: تحرم الصلاة عليه، وهو الصحيح عندهم. وقال آخرون: معناه: لا تجب الصلاة عليه، لكن تجوز.
وذكر ابن قدامة: أن كلام أحمد في الرواية التي قال فيها يصلى عليهم: يشير إلى أنها مستحبة غير واجبة.
قال ابن القاسم صاحب مالك: إنه لا يصلى على الشهيد فيما إذا كان المسلمون هم الذين غزوا الكفار، فإن كان الكفار هم الذين غزوا المسلمين فيصلى عليهم.
стр. 5204
الفرع الرابع في صلاته ﷺ على الغائب:
عن جابر أنه ﷺ قال: "قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش، فهلم فصلوا عليه"، قال: فصففنا فصلى النبي ﷺ ونحن وراءه. رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي هريرة أنه ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات. رواه الشيخان أيضا.
وعند البخاري من طريق ابن عيينة عن ابن جريج: "فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة".
وبهذا الحديث استدل من منع الصلاة على الميت في المسجد، وهو قول الحنفية والمالكية، لكن قال أبو يوسف: إن أعد مسجد للصلاة على الموتى لم يكن في الصلاة فيه عليهم بأس.
стр. 5205
قال النووي: ولا حجة فيه؛ لأن الممتنع عند الحنفية إدخال الميت المسجد، لا مجرد الصلاة عليه، حتى لو كان الميت خارج المسجد جازت الصلاة عليه لمن هو داخله.
وقال ابن بزيزة وغيره: استدل به بعض المالكية، وهو باطل؛ لأنه ليس فيه صيغة نهي، وهي لاحتمال أن يكون خرج بهم المصلى لأمر غير المذكور، وقد ثبت أنه ﵊ صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد، فكيف يترك هذا التصريح لأمر محتمل، بل الظاهر أنه إنما خرج بالمسلمين إلى المصلى لقصد تكثير الجمع الذين يصلون عليه، ولإشاعة كونه مات على الإسلام، فقد كان بعض الناس لم يدر كونه أسلم، فقد روى ابن أبي حاتم في التفسير، والدارقطني في الإفراد، والبزار، كلاهما عن أنس أن النبي ﷺ لما صلى على النجاشي قال بعض أصحابه: صلى على علج من الحبشة؟ فنزلت ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ
стр. 5206
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٩] الآية، وله شاهد من حديث أبي سعد عند الطبراني في معجمه الكبير، وزاد فيه: إن الذي طعن بذلك كان منافقا.
وقد قال البخاري: "باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد" وروى حديثا عن ابن عمر أن اليهود جاؤوا إلى النبي ﷺ برجل مهم وامرأة زنيا فأمر بهما فرجما قريبا من موضع الجنائز عند المسجد.
وحكى ابن بطال عن ابن حبيب أن مصلى الجنائز بالمدينة كان لاصقا بالمسجد النبوي من ناحية المشرق. انتهى. فإن ثبت ما قال وإلا فيحتمل أن يكون المراد بالمسجد هنا المصلى المتخذ للعيدين والاستسقاء؛ لأنه لم يكن عند المسجد النبوي مكان مهيأ للرجم.
ودل حديث ابن عمر المذكور على أنه كان للجنائز مكان معد للصلاة عليها، فقد يستفاد منه أن ما وقع من الصلاة على بعض الجنائز في المسجد كان لأمر عارض، أو لبيان الجواز، واستدل به على مشروعية الصلاة على الجنائز في
стр. 5207
المسجد، ويقويه حديث عائشة: "ما صلى ﷺ على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد" أخرج مسلم، وبه قال الجمهور.
ويحمل المانعون الصلاة على سهيل: بأنه كان خارج المسجد، والمصلون داخله، وذلك جائز اتفاقا.
وفيه نظر: لأن عائشة استدلت بذلك لما أنكروا عليها أمرها بالمرور بجنازة سعد على حجرتها لتصلي عليه. وقد سلم لها الصحابة ذلك، فدل على أنها حفظت ما نسوه.
وقد روى ابن أبي شيبة وغيره أن عمر صلى على أبي بكر في المسجد، وأن صهيبا صلى على عمر في المسجد، زاد في رواية: ووضعت الجنازة في المسجد تجاه المنبر، وهذا يقتضي الإجماع على جواز ذلك.
стр. 5208
وقد استدل أيضا بحديث قصة النجاشي على مشروعية الصلاة على الميت الغائب عن البلد، وبذلك قال الشافعي وأحمد وجمهور السلف، حتى قال ابن حزم: لم يأت عن أحد من الصحابة منعه.
وعن الحنفية والمالكية لا يشرع ذلك.
وعن بعض أهل العلم: إنما يجوز ذلك في اليوم الذي يموت فيه الميت أو ما قرب، لا ما إذا ما طالت المدة، حكاه ابن عبد البر.
وقال ابن حبان: إنما يجوز ذلك لمن في جهة القبلة، فلو كان بلد الميت مستدبر القبلة مثلا لم يجز. قال المحب الطبري: لم أر ذلك لغيره.
وقد اعتذر من لم يقل بالصلاة على الغائب عن قصة النجاشي بأمور.
منها: أنه كان بأرض لم يصل عليه بها أحد، فتعينت الصلاة عليه لذلك، ومن ثم قال الخطابي: لا يصلى على الغائب إلا إذا وقع موته بأرض ليس بها من يصلي عليه، واستحسنه الروياني من الشافعية.
стр. 5209
ومنها: قول بعضهم: إنه كشف له ﷺ عنه حتى رآه، وعبر عنه القاضي عياض في "الشفاء" بقوله: ورفع له النجاشي حتى يصلي عليه، فتكون صلاته كصلاة الإمام على ميت رآه ولم يره المأموم، ولا خلاف في جوازها.
قال ابن دقيق العيد: وهذا يحتاج إلى نقل ولا يثبت بالاحتمال.
وتعقبه بعض الحنفية: بأن الاحتمال كاف في مثل هذا، وكأن مستند هذا القائل ما ذكره الواحدي في أسبابه أي أسباب النزول بغير إسناد عن ابن عباس: كشف للنبي ﷺ عن سرير النجاشي حتى رآه وصلى عليه. ولابن حبان من حديث عمران بن حصين: فقام وصفوا خلفه وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه.
ومن الاعتذارات أيضا: أن ذلك خاص بالنجاشي؛ لأنه لم يثبت أنه ﷺ صلى على ميت غائب غيره. قاله المهلب، وكأنه لم يثبت عنده قصة معاوية بن معاوية الليثي.
стр. 5210
واستند من قال بتخصيص النجاشي بذلك إلى ما تقدم من إشاعة أنه مات مسلما أو استئلاف قلوب الملوك الذين أسلموا في حياته.
قال النووي: لو فتح هذا الباب لانسد كثير من ظواهر الشرع، مع أنه لو كان شيء مما ذكروه لتوفرت الدواعي على نقله.
وقال ابن العربي: قال المالكية: ليس ذلك إلا لمحمد. قلنا: وما عمل به محمد -صلى لله عليه وسلم- تعمل به أمته، يعني لأن الأصل عدم الخصوصية، قالوا: طويت له الأرض، وأحضرت الجنازة بين يديه، قلنا: إن ربنا لقادر، وإن نبينا لأهل لذلك، ولكن لا تقولوا إلا ما رويتم ولا تخترعوا حديثا من عند أنفسكم، ولا تحدثوا إلا بالثابتات ودعوا الضعاف فإنها سبيل إلى إتلاف ما ليس له تلاف.
وقال الكرماني: قولهم: "يرفع الحجاب عنه" ممنوع، ولئن سلمنا فكان غائبا
стр. 5211
عن الصحابة الذين صلوا عليه مع النبي ﷺ فائدة. انتهى ملخصا من فتح الباري.
النوع الثالث: في ذكر سيرته ﷺ في الزكاة
وهي لغة: النماء والتطهير.
والمال ينمي بها من حيث لا يرى، وهي مطهرة لمؤديها من الذنوب، وقيل: ينمي أجرها عند الله تعالى. وسميت في الشرع زكاة لوجود المعنى اللغوي فيها. وقيل: لأنها تزكي صاحبها وتشهد بصحة إيمانه، وهي قيد النعمة، وسميت الصدقة صدقة؛ لأنها دليل لتصديق صاحبها وصحة إيمانه بظاهره وباطنه.
стр. 5212
وقد فهم من شرعه ﷺ أن الزكاة وجبت للمواساة، وأن المواساة لا تكون إلا في مال له بال، وهو النصاب.
ثم جعلها ﷺ في الأموال النامية، وهي أربعة أصناف:
الذهب والفضة اللذان بهما قوام العالم.
والثاني: الزرع والثمار.
والثالث: بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم.
والرابع: أموال التجارة على اختلاف أنواعها.
وحدد ﷺ نصاب كل صنف بما يحتمل المواساة:
فنصاب الفضة خمس أواق، وهي مائتا درهم بنص الحديث والإجماع، وأما الذهب فعشرون مثقالًا، وأما الزرع فخمسة أوسق، وأما الغنم فأربعون شاة،
стр. 5213
والبقر ثلاثون بقرة، والإبل خمس.
ورتب ﷺ مقدار الواجب بحسب المؤنة والتعب في المال:
فأعلاها وأقلها تعبا الركاز، وفيه الخمس لعدم التعب فيه، ولم يعتبر حولا بل أوجب فيه الخمس متى ظفر به.
ويليه الزروع والثمار، فإن سقي بماء السماء ونحوه ففيه العشر، وإلا فنصفه.
ويليه الذهب والفضة والتجارة، وفيها ربع العشر؛ لأنه يحتاج إلى العمل فيه جمع السنة.
ويليه الماشية، فإنه يدخلها الأوقاص بخلاف الأنواع السابقة.
ولما كان نصاب الإبل لا يحتمل المواساة من جنسه أوجب فيها شاة، فإذا صارت الخمسة خمسا وعشرين احتمل نصابها واحدا، فصار هو الواجب. ثم إنه
стр. 5214
قدر سن هذا الواجب في الزيادة والنقصان بحسب كثرة الإبل وقلتها.
وفي كتابه ﷺ الذي كتبه في الصدقة، ولم يخرجه إلى عماله حتى قبض: في خمس من الإبل شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين، فإن زادت واحدة ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين، فإن زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإن زادت واحدة ففيها ابنتا لبون إلى تسعين فإن زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا كانت الإبل أكثر من ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون، وفي الغنم
стр. 5215
في كل أربعين شاة شاة، إلى عشرين ومائة، فإذا زادت ففيها ثلاث شياه، إلى ثلاثمائة، فإن كانت الغنم أكثر من ذلك ففي كل مائة شاة شاة، ثم ليس فيها شيء حتى تبلغ المائة. رواه أبو داود والترمذي من حديث سالم بن عبد الله بن عمر.
وفرض ﷺ زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج
стр. 5216
الناس إلى الصلاة، رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر.
وفي رواية أبي داود من حديث ابن عباس، فرض ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين.
وقال ﷺ : إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها، فجزأها ثمانية أجزاء. رواه أبو داود من حديث زياد بن الحارث الصدائي. وهذه الثمانية الأجزاء يجمعها صنفان من الناس:
أحدهما: من يأخذ لحاجته، فيأخذ بحسب شدة الحاجة وضعفها، وكثرتها وقلتها، وهم الفقراء والمساكين وفي الرقاب وابن السبيل.
стр. 5217
والثاني: من يأخذ لمنفعته، وهم العاملون عليها والمؤلفة قلوبهم والغارمون أو لإصلاح ذات البين، والغزاة في سبيل الله، فإن لم يكن الآخذ محتاجا، ولا فيه منفعة للمسلمين فلا سهم له في الزكاة.
واعلم أن الأنبياء لا تجب الزكاة عليهم؛ لأنهم لا ملك لهم مع الله حتى تجب عليهم الزكاة فيه، وإنما يجب عليك زكاة ما أنت له مالك، إنما كانوا يشهدون ما في أيديهم من ودائع الله لهم يبذلونه في أوان بذله، ويمنعونه في غير محله؛ ولأن الزكاة إنما هي طهرة لما عساه أن يكون ممن وجبت عليه لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] ، والأنبياء ﵈ مبرؤون من الدنس، لوجوب العصمة لهم، ولهذا لم يوجب أبو حنيفة على الصبيان زكاة لعدم دنس المخالفة، والمخالفة لا تكون إلا بعد جريان التكليف، وذلك بعد البلوغ. وإذا كان أهل المعرفة بالله والمشاهدون لأحديته لا يشهدون لهم مع الله ملكا كما هو مشهور من حكاياتهم، فما ظنك بالأنبياء
стр. 5218
والرسل، وأهل التوحيد والمعرفة إنما غرفوا من بحارهم واقتبسوا من أنوارهم. انتهى ملخصا من كتاب "التنوير" للعارف الكبير أبي الفضل بن عطاء الله الشاذلي، أذاقنا الله حلاوة مشربه.
تنبيه: ما حكي أن الشافعي وأحمد بن حنبل كانا جالسين، إذ أقبل شيبان الراعي، فقال أحمد بن حنبل للشافعي: أريد أن أسأل هذا المشار إليه في هذا الزمن، فقال الشافعي: لا تفعل، فقال: لا بد من ذلك، فقال: يا شيبان ما تقول فيمن نسي أربع سجدات من أربع ركعات؟ فقال: يا أحمد، هذا قلب غافل عن الله تعالى، يجب أن يؤدب حتى لا يعود إلى مثل ذلك. قال: فخر أحمد مغشيا عليه، ثم أفاق فقال له: ما تقول فيمن له أربعون شاة، ما زكاتها؟ فقال: على مذهبنا أو على مذهبكم؟ فقال: أوهما مذهبان؟ قال: نعم، أما على مذهبكم ففي الأربعين شاة
стр. 5219
شاة، وأما على مذهبنا فالعبد لا يملك مع سيده شيئا.
فقد نقل شيخنا في "المقاصد الحسنة" عن ابن تيمية أن ذلك باطل باتفاق أهل المعرفة؛ لأن الشافعي وأحمد لم يدركا شيبان الراعي والله أعلم. انتهى.
وقد كان ﷺ إذا أتاه قوم بصدقة قال: "اللهم صل على آل فلان"، فأتاه أبو أوفى بصدقته فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى". وراه البخاري ومسلم.
واختلف في أول وقت فرض الزكاة. فذهب الأكثرون إلى أنه وقع بعد الهجرة، فقيل: كان في السنة الثانية قبل فرض رمضان، أشار إليه النووي في باب السير من الروضة.
وجزم ابن الأثير في التاريخ بأن ذلك كان في التاسعة، وفيه نظر: لما في حديث ضمام بن ثعلبة، وحديث وفد عبد القيس، ومخاطبة أبي سفيان مع هرقل وكان في أول السابعة، وقال فيها: يأمرنا بالزكاة.
стр. 5220
وقوى بعضهم ما ذهب إليه ابن الأثير بما وقع في قصة ثعلبة بن حاطب المطولة ففيها: لما أنزلت آية الصدقة بعث النبي ﷺ عاملا: فقال: ما هذه إلا الجزية أو أخت الجزية، والجزية إنما وجبت في التاسعة، فتكون الزكاة في التاسعة لكنه حديث ضعيف لا يحتج بمثله.
وادعى ابن خزيمة في صحيحه أن فرضها كان قبل الهجرة، واحتج بما أخرجه من حديث أم سلمة في قصة هجرتهم إلى الحبشة، وفيها: أن جعفر بن أبي طالب قال للنجاشي في جملة ما أخبره به عن الرجل: الذي يأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. انتهى.
وفي الاستدلال بذلك نظر؛ لأن الصلوات الخمس لم تكن فرضت بعد، ولا صيام رمضان، فيحتمل أن تكون مراجعة جعفر لم تكن في أول ما قدم على النجاشي، وإنما أخبره بذلك بعد مدة قد وقع فيها ما ذكر من فريضة الصلاة والصيام، وبلغ ذلك جعفرا فقال: يأمرنا، بمعنى يأمر أمته، وهو بعيد جدا. وأولى ما