الناس إلى الصلاة، رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر.
وفي رواية أبي داود من حديث ابن عباس، فرض ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين.
وقال ﷺ : إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها، فجزأها ثمانية أجزاء. رواه أبو داود من حديث زياد بن الحارث الصدائي. وهذه الثمانية الأجزاء يجمعها صنفان من الناس:
أحدهما: من يأخذ لحاجته، فيأخذ بحسب شدة الحاجة وضعفها، وكثرتها وقلتها، وهم الفقراء والمساكين وفي الرقاب وابن السبيل.
стр. 5217
والثاني: من يأخذ لمنفعته، وهم العاملون عليها والمؤلفة قلوبهم والغارمون أو لإصلاح ذات البين، والغزاة في سبيل الله، فإن لم يكن الآخذ محتاجا، ولا فيه منفعة للمسلمين فلا سهم له في الزكاة.
واعلم أن الأنبياء لا تجب الزكاة عليهم؛ لأنهم لا ملك لهم مع الله حتى تجب عليهم الزكاة فيه، وإنما يجب عليك زكاة ما أنت له مالك، إنما كانوا يشهدون ما في أيديهم من ودائع الله لهم يبذلونه في أوان بذله، ويمنعونه في غير محله؛ ولأن الزكاة إنما هي طهرة لما عساه أن يكون ممن وجبت عليه لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] ، والأنبياء ﵈ مبرؤون من الدنس، لوجوب العصمة لهم، ولهذا لم يوجب أبو حنيفة على الصبيان زكاة لعدم دنس المخالفة، والمخالفة لا تكون إلا بعد جريان التكليف، وذلك بعد البلوغ. وإذا كان أهل المعرفة بالله والمشاهدون لأحديته لا يشهدون لهم مع الله ملكا كما هو مشهور من حكاياتهم، فما ظنك بالأنبياء
стр. 5218
والرسل، وأهل التوحيد والمعرفة إنما غرفوا من بحارهم واقتبسوا من أنوارهم. انتهى ملخصا من كتاب "التنوير" للعارف الكبير أبي الفضل بن عطاء الله الشاذلي، أذاقنا الله حلاوة مشربه.
تنبيه: ما حكي أن الشافعي وأحمد بن حنبل كانا جالسين، إذ أقبل شيبان الراعي، فقال أحمد بن حنبل للشافعي: أريد أن أسأل هذا المشار إليه في هذا الزمن، فقال الشافعي: لا تفعل، فقال: لا بد من ذلك، فقال: يا شيبان ما تقول فيمن نسي أربع سجدات من أربع ركعات؟ فقال: يا أحمد، هذا قلب غافل عن الله تعالى، يجب أن يؤدب حتى لا يعود إلى مثل ذلك. قال: فخر أحمد مغشيا عليه، ثم أفاق فقال له: ما تقول فيمن له أربعون شاة، ما زكاتها؟ فقال: على مذهبنا أو على مذهبكم؟ فقال: أوهما مذهبان؟ قال: نعم، أما على مذهبكم ففي الأربعين شاة
стр. 5219
شاة، وأما على مذهبنا فالعبد لا يملك مع سيده شيئا.
فقد نقل شيخنا في "المقاصد الحسنة" عن ابن تيمية أن ذلك باطل باتفاق أهل المعرفة؛ لأن الشافعي وأحمد لم يدركا شيبان الراعي والله أعلم. انتهى.
وقد كان ﷺ إذا أتاه قوم بصدقة قال: "اللهم صل على آل فلان"، فأتاه أبو أوفى بصدقته فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى". وراه البخاري ومسلم.
واختلف في أول وقت فرض الزكاة. فذهب الأكثرون إلى أنه وقع بعد الهجرة، فقيل: كان في السنة الثانية قبل فرض رمضان، أشار إليه النووي في باب السير من الروضة.
وجزم ابن الأثير في التاريخ بأن ذلك كان في التاسعة، وفيه نظر: لما في حديث ضمام بن ثعلبة، وحديث وفد عبد القيس، ومخاطبة أبي سفيان مع هرقل وكان في أول السابعة، وقال فيها: يأمرنا بالزكاة.
стр. 5220
وقوى بعضهم ما ذهب إليه ابن الأثير بما وقع في قصة ثعلبة بن حاطب المطولة ففيها: لما أنزلت آية الصدقة بعث النبي ﷺ عاملا: فقال: ما هذه إلا الجزية أو أخت الجزية، والجزية إنما وجبت في التاسعة، فتكون الزكاة في التاسعة لكنه حديث ضعيف لا يحتج بمثله.
وادعى ابن خزيمة في صحيحه أن فرضها كان قبل الهجرة، واحتج بما أخرجه من حديث أم سلمة في قصة هجرتهم إلى الحبشة، وفيها: أن جعفر بن أبي طالب قال للنجاشي في جملة ما أخبره به عن الرجل: الذي يأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. انتهى.
وفي الاستدلال بذلك نظر؛ لأن الصلوات الخمس لم تكن فرضت بعد، ولا صيام رمضان، فيحتمل أن تكون مراجعة جعفر لم تكن في أول ما قدم على النجاشي، وإنما أخبره بذلك بعد مدة قد وقع فيها ما ذكر من فريضة الصلاة والصيام، وبلغ ذلك جعفرا فقال: يأمرنا، بمعنى يأمر أمته، وهو بعيد جدا. وأولى ما
стр. 5221
حمل عليه حديث أم سلمة هذا -إن سلم من قدح في إسناده- أن المراد بقول جعفر: "يأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام" أي في الجملة، ولا يلزم ذلك أن يكون المراد بالصلاة الصلوات الخمس ولا بالصيام صيام شهر رمضان، ولا بالزكاة هذه الزكاة المخصوصة ذات النصاب والحول.
ومما يدل على أن فرض الزكاة كان قبل التاسعة حديث أنس في قصة ضمام بن ثعلبة وقوله: "أنشدك الله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ " وكان قدوم ضمام سنة خمس، وإنما الذي وقع في التاسعة بعث العمال لأخذ الصدقات، وذلك يستدعي تقدم فريضة الزكاة قبل ذلك.
ومما يدل على أن فرض الزكاة وقع بعد الهجرة اتفاقهم على أن صيام رمضان إنما فرض بعد الهجرة؛ لأن الآية الدالة على فرضيته مدنية بلا خلاف، وثبت عند أحمد وابن خزيمة والنسائي وابن ماجه والحكام من حديث قيس بن سعد بن عبادة قال: أمرنا رسول الله ﷺ بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، ثم نزلت
стр. 5222
فرضية الزكاة، فلم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله، إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح، إلا أبا عمار، الراوي عن قيس بن سعد، وقد وثقه أحمد وابن معين. وهو دال على أن فرض صدقة الفطر كان قبل فرض الزكاة، فيقتضي وقوعها بعد فرض رمضان. قاله الحافظ أبو الفضل بن حجر.
وكان ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها. رواه البخاري من حديث عائشة.
وإذا أتي بطعام سأل عنه أهدية أم صدقة؟، فإن قيل: صدقة قال لأصحابه:
стр. 5223
"كلوا" ولم يأكل، وإن قيل: هدية ضرب بيده فأكل معهم. رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة.
وقال ﵊ لعائشة: "هل عندكم شيء"؟. فقالت: لا، إلا شيء بعثت به إلينا نسيبة من الشاة التي بعثت بها إليها من الصدقة، قال: "إنها بلغت محلها". رواه البخاري ومسلم.
وقوله: "محلها" بكسر الحاء، أي زال عنها حكم الصدقة وصارت حلا لنا.
وأتى بلحم قد تصدق به على بريرة فقال: "هو عليها صدقة، ولنا هدية"، رواه البخاري مسلم وأبو داود والنسائي.
стр. 5224
وفي حديث عائشة عند البخاري ومسلم: دخل ﷺ وعلى النار برمة تقور، فدعا بالغداء، فأتي بخبز وأدم من أدم البيت، فقال: "ألم أر برمة على النار تفور"؟ قالوا: بلى يا رسول الله، لكنه لحم تصدق به على بريرة، وأهدت إلينا منه، وأنت لا تأكل الصدقة، فقال: "هو صدقة عليها، وهدية لنا".
النوع الرابع: في ذكر صيامه ﷺ
اعلم أن المقصود من الصيام إمساك النفس عن حبس عاداتها، وحبسها عن
стр. 5225
شهواتها، وفطامها عن مألوفاتها، فهو لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من بين سائر أعمال العاملين، كما قال الله تعالى في الحديث الإلهي الذي رواه مسلم: "كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به". فأضافه تعالى له إضافي تشريف وتكريم، كما قال تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ [الشمس: ٣] مع أن العالم كله له سبحانه.
وقيل: لأنه لم يعبد غيره به، فلم يعظم الكفار في عصر من الأعصار معبودا لهم بالصيام، وإن كانوا يعظمونه بصورة الصلاة والسجود وغيرهما.
стр. 5226
قال في شرح تقريب الأسانيد: واعترض بما يقع من عباد النجوم وأصحاب الهياكل والاستخدامات فإنهم يتعبدون لها بالصيام.
وأجيب: بأنهم لا يعتقدون أنها فعالة بأنفسها.
وقيل: لأن الصوم بعيد من الرياء لخفائه، بخلاف الصلاة والحج والغزو، وغير ذلك من العبادات الظاهرات، قال في فتح الباري. معنى النفي في قولهم: "لا رياء فيه" أنه لا يدخله الرياء بفعله، وإن كان قد يدخله الرياء بالقول، كمن يصوم ثم يخبر بأنه صائم، فقد يدخله الرياء من هذه الحيثية، فدخول الرياء في الصوم إنما يقع من جهة الإخبار، بخلاف بقية الأعمال، فإن الرياء يدخلها بمجرد فعلها. انتهى.
стр. 5227
وعن شداد أوس مرفوعا: "من صام يرائي فقد أشرك". رواه البيهقي.
وقيل: لأنه ليس للصائم ونفسه منه حظ.
وقيل: لأن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الرب تعالى، فلما تقرب الصائم إليه بما يوافق صفاته أضافه إليه، قال القرطبي معناه: أن أعمال العباد مناسبة لأحوالهم، إلا الصيام فإنه مناسب لصفة من صفات الحق، كأنه تعالى يقول: إن الصائم يتقرب إلي بأمر هو متعلق بصفة من صفاتي. أو لكون ذلك من صفات الملائكة، أو لأنه تعالى هو المنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته، بخلاف غيره من العبادات، فقد أظهر سبحانه بعض مخلوقاته على مقدار ثوابها،
стр. 5228
ولذا قال في بقية الحديث: "وأنا أجزي به" وقد علم أن الكريم إذا أخبر بأنه يتولى بنفسه الجزاء اقتضى ذلك سعة العطاء، وإنما جوزي الصائم هذا الجزاء؛ لأنه ترك
стр. 5229
شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده.
والمراد بالشهوة في الحديث شهوة الجماع لعطفها على الطعام والشراب، ويحتمل أن يكون من العام بعد الخاص، لكن وقع في رواية عند ابن خزيمة: "يدع لذته من أجلي، ويدع زوجته من أجلي"، وأصرح منه ما روي " من الطعام والشراب والجماع من أجلي".
وللصيام تأثير عجيب في حفظ الأعضاء الظاهرة، وقوى الجوارح الباطنة، وحميتها عن التخليط الجالب للمواد الفاسدة، واستفراغ المواد الرديئة المانعة له
стр. 5230
من صحتها، فهو من أكبر العون على التقوى، كما أشار إليه تعالى بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] وقال ﵊ -كما في البخاري: "الصوم جنة" هي بضم الجيم، الوقاية والستر، أي: ستر من النار. وبه جزم ابن عبد البر، وفي النهاية: أي يقي صاحبه مما يؤذيه من الشهوات، وقال القاضي عياض: من الآثام. وقد اتفقوا على أن المراد بالصيام هنا صيام من سلم صاحبه من المعاصي قولا وفعلا.
стр. 5231
واختلف: هل الصوم أفضل أم الصلاة؟ فقيل: الصوم أفضل الأعمال البدنية، لحديث النسائي عن أبي أمامة قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، مرني بأمر آخذه عنك قال: "عليك بالصوم فإنه لا عدل له"، والمشهور تفضيل الصلاة، وهو مذهب الشافعي وغيره، لقوله ﵊: "واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة" رواه داود وغيره.
ثم إن الكلام في صيامه ﷺ على قسمين:
القسم الأول: في صيامه ﷺ شهر رمضان
وفيه فصول: الأول
فيما كان ﷺ يخص به رمضان من العبادات وتضاعف جوده ﵊ فيه:
اعلم أن "رمضان" مشتق من الرمض، وهو شدة الحر؛ لأن العرب لما أرادوا
стр. 5232
أن يضعوا أسماء الشهور وافق أن الشهر المذكور شديد الحر فسموه بذلك، كما سمي الربيعان لموافقتهما زمن الربيع، أو لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها، وهو ضعيف لأن التسمية به ثابتة قبل الشرع.
ورمضان أفضل الأشهر، كما حكاه الأسنوي، عن قواعد الشيخ عز الدين بن عبد السلام.
قال النووي: وقولهم: إنه من أسماء الله تعالى ليس بصحيح، وإن كان قد جاء فيه أثر ضعيف، وأسماء الله تعالى توقيفية لا تثبت إلا بدليل صحيح. انتهى.
وقد اختلف السلف: هل فرض صيام قبل صيام رمضان أم لا؟ فالجمهور -وهو المشهور عند الشافعية- أنه لم يجب صوم قط قبل رمضان، وفيه وجه -وهو قول الحنفية- أول ما فرض عاشوراء، فلما نزل رمضان نسخ. وسيأتي أدلة الفريقين
стр. 5233
في الكلام على صوم عاشوراء إن شاء الله تعالى.
وقد كان فرض رمضان في السنة الثانية من الهجرة -كما تقدم- فتوفي سيدنا رسول الله ﷺ وقد صام تسعة رمضانات.
ولما كان شهر رمضان موسم الخيرات ومنبع الجود والبركات؛ لأن نعم الله تعالى فيه تزيد على غيره من الشهور، وكان سيدنا رسول الله ﷺ يكثر فيه من العبادات وأنواع القربات الجامعة لوجوه السعادات، من الصدقة والإحسان والصلاة والذكر والاعتكاف، ويخص به من العبادات ما لا يخص به غير من الشهور، وكان جوده ﷺ يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور، كما أن جود ربه تعالى يتضاعف فيه أيضا، فإن الله تعالى جبله على ما يحبه من الأخلاق الكريمة.
وفي حديث ابن عباس عند الشيخين قال: كان النبي ﷺ أجود الناس،
стр. 5234
وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة.
فبمجموع ما ذكر في هذا الحديث من الوقت وهو شهر رمضان، والمنزل وهو القرآن، والنازل به وهو جبريل، والمذاكرة وهي مدارسة القرآن، حصل له ﵊ المزيد في الجود.
стр. 5235
والمرسلة: المطلقة، يعني أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح، وعبر بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة، إلى عموم النفع بجوده ﷺ ، كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهب عليه.
ووقع عند الإمام أحمد في آخر هذا الحديث لا يسأل شيئا إلا أعطاه. وتقدم في ذكر سخائه ﷺ مزيد لذلك.
وقد كان ابتداء نزول القرآن في شهر رمضان، وكذا نزوله إلى سماء الدنيا جملة واحدة، كان في رمضان كما ثبت في حديث ابن عباس فكان جبريل ﵊ يتعاهده ﷺ في كل سنة، فيعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان، فلما كان العام الذي توفي فيه ﷺ عارضه به مرتين، كما ثبت في الصحيح عن فاطمة الزهراء ﵂.
стр. 5236
قال في فتح الباري: وفي معارضة جبريل النبي ﷺ بالقرآن في شهر رمضان حكمتان، إحداهما: تعاهده، والأخرى: تبقية ما لم ينسخ منه ورفع ما نسخ، فكان رمضان ظرفا لإنزاله جملة وتفصيلا وعرضا وإحكاما.
وفي المسند، عن واثلة بن الأسقع، عن النبي ﷺ أنه قال: "أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الفرقان لأربع وعشرين خلت من رمضان".
وقد دل الحديث على استحباب مدارسة القرآن في رمضان والاجتماع عليه، وعرض القرآن على من هو أحفظ منه.
стр. 5237
وفي حديث ابن عباس أن المدارسة بينه ﷺ وبين جبريل كانت ليلا، وهو يدل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في رمضان ليلا؛ لأن الليل تنقطع فيه الشواغل وتجتمع فيه الهمم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر.
وقد كان ﷺ يبشر أصحابه بقدوم رمضان، كما أخرجه الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة ولفظه قال: كان النبي ﷺ يبشر أصحابه بقدوم رمضان يقول: "قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم الخير الكثير".
стр. 5238
قال بعض العلماء: هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضا بشهر رمضان.
وروي أنه ﷺ كان يدعو ببلوغ رمضان، فكان إذا دخل شهر رجب وشعبان قال: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان". رواه الطبراني وغيره من
стр. 5239
حديث أنس.
وكان ﵊ إذا رأى هلال رمضان قال: "هلال رشد وخير، هلال رشد وخير، آمنت بالذي خلقك"، رواه النسائي من حديث أنس.
وروي أنه ﵊ كان يقول إذا دخل شهر رمضان: "اللهم سلمني من رمضان، وسلم رمضان لي، وسلمه مني". أي: سلمني منه حتى لا يصيبني فيه ما يحول بيني وبين صومه من مرض أو غيره. وسلمه لي: حتى لا يغم هلاله علي في أوله وآخره، فيلتبس علي الصوم والفطر، وسلمه مني: أن تعصمني من المعاصي فيه. وهذا منه ﷺ تشريع لأمته.
الفصل الثاني: في صيامه ﵇ برؤية الهلال
عن عائشة كان ﷺ يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم
стр. 5240
لرؤية رمضان، فإذا غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام. رواه أبو داود.
وقال ﷺ : "إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له". رواه مسلم.
وقوله: "فإن غم عليكم" أي: حال بينكم وبينه غيم.
"فاقدروا له" من التقدير، أي: قدروا له تمام العدة ثلاثين يوما، ويؤيده قوله في الرواية السابقة: "فإن غم عليه ﷺ عد ثلاثين" وهو مفسر لـ "اقدروا له" ولهذا لم يجتمعا في رواية. ويؤيده رواية "فاقدروا له ثلاثين".
قال المازري: حمل جمهور الفقهاء قوله ﵇: "اقدروا" له على أن
стр. 5241
المراد إكمال العدة ثلاثين كما فسره في حديث آخر، قالوا: ولا يجوز أن يكون المراد حساب المنجمين؛ لأن الناس لو كلفوا به لضاق عليهم؛ لأنه لا يعرفه إلا أفراد، والشرع إنما يعرف الناس بما يعرفه جماهيرهم. انتهى.
وهذا مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة، وجمهور السلف والخلف. وفيه دليل: أنه لا يجوز صوم يوم الشك، ولا يوم الثلاثين من شعبان عن رمضان إذا كانت ليلة الثلاثين ليلة غيم.
وقال الإمام أحمد بن حنبل في طائف: أي اقدروا له تحت السحاب، فيجوزون صوم يوم ليلة الغيم عن رمضان، بل قال أحمد بوجوبه.
وقال ابن سريج وجماعة منهم مطرف بن عبد الله وابن قتيبة وآخرون معناه: قدروه بحساب المنازل.
стр. 5242
الفصل الثالث: في صومه ﷺ بشهادة العدل الواحد
عن ابن عمر قال: تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه. رواه أبو داود وصححه ابن حبان.
وعن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: إني رأيت هلال رمضان، فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله"، قال: نعم، قال: "أتشهد أن محمدا
стр. 5243
"رسول الله"، قال: نعم، قال: "يا بلال، أذن في الناس فليصوموا"، رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
والمراد في قوله ﵊ في الحديث السابق: "إذا رأيتموه" رؤية بعض المسلمين، ولا يشترط رؤية كل إنسان، بل يكفي جميع الناس رؤية عدل على الأصح في مذهبنا. وهذا في الصوم، وأما الفطر فلا يجوز بشهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء، إلا أبا ثور فجوزه بعدل.
قال الأسنوي: إذا قلنا بالعدل الواحد في الصوم فلا خلاف أنه لا يتعدى إلى غيره، فلا يقع به الطلاق والعتق المعلقين بدخول رمضان، ولا يحل به الدين المؤجل، لا يتم به حول الزكاة، كذا أطلقه الرافعي هنا نقلا عن البغوي، وأقره وتبعه عليه في الروضة. وصورته: فيما إذا سبق التعليق على الشهادة، فإن وقعت الشهادة أولا، وحكم الحاكم بدخول رمضان ثم جرى التعليق فإن الطلاق والعتق يقعان. كذا نقله القاضي حسين في تعليقه عن ابن سريج وقال الرافعي: في الباب
стр. 5244
الثاني من كتاب الشهادات: إنه القياس. انتهى.
الفصل الرابع: فيما كان يفعله ﷺ وهو صائم
عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ احتجم وهو صائم. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي.
واعلم أن الجمهور على عدم الفطر بالحجامة مطلقا.
وعن علي وعطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور: يفطر الحاجم والمحجوم، وأوجبوا عليهما القضاء.
وشذ عطاء فأوجب الكفارة أيضا.
وقال بقول أحمد، ومن الشافعية: ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان.
ونقل الترمذي عن الزعفراني: أن الشافعي علق القول به على صحة
стр. 5245
الحديث. قال الترمذي: وكان الشافعي يقول ذلك ببغداد، وأما بمصر فمال إلى الرخصة. انتهى.
وقال الشافعي في "اختلاف الحديث" بعد أن أخرج حديث شداد "كنا مع رسول الله ﷺ في زمان الفتح، فرأى رجلا يحتجم لثمان عشرة خلت من رمضان. فقال -وهو آخذ بيدي: "أفطر الحاجم والمحجوم" ثم ساق حديث ابن عباس أنه ﷺ احتجم وهو صائم ثم قال: وحديث ابن عباس أمثلهما إسنادا، فإن توقى أحد الحجامة كان أحب إلي احتياطا، والقياس مع حديث ابن عباس. والذي أحفظ عن الصحابة والتابعين وعامة أهل العلم أنه لا يفطر أحد بالحجامة. انتهى.
وأول بعضهم حديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" على أن المراد به أنهما
стр. 5246
سيفطران، كقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] ، أي ما يؤول إليه. ولا يخفى بعد هذا التأويل. وقال البغوي في "شرح السنة" معناه: أي تعرضا للإفطار، أما الحاجم فلأنه لا يأمن من وصول شيء من الدم إلى جوفه عند مصه، وأما المحجوم؛ فلأنه لا يأمن من ضعف قوته بخروج الدم، فيؤول أمره إلى أن يفطر. وقيل: معنى أفطرا: فعلا فعلا مكروها وهو الحجامة، فصارا كأنهما غير متلبسين بالعبادة.
وقال ابن حزم: صح حديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" بلا ريب، لكن وجدنا من حديث أبي سعيد "أرخص النبي ﷺ في الحجامة للصائم" وإسناده صحيح، فوجب الأخذ به؛ لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ
стр. 5247
الفطر بالحجامة، سواء كان حاجما أو محجوما. انتهى.
والحديث المذكور أخرجه النسائي وابن خزيمة والدارقطني، ورجاله ثقات، ولكن اختلف في رفعه ووقفه، وله شاهد من حديث أنس عند الدارقطني ولفظه: "أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم، فمر به رسول الله ﷺ فقال: "أفطر هذان"، ثم أرخص رسول الله ﷺ بعد في الحجامة للصائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم". ورواته كلهم من رجال البخاري إلا أن في المتن ما ينكر؛ لأن فيه أن ذلك كان في الفتح، وجعفر كان قتل قبل ذلك.
ومن أحسن ما ورد في ذلك، ما رواه عبد الرزاق وأبو داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: نهى النبي ﷺ عن الحجامة للصائم، وعن المواصلة، ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه.
стр. 5248
وإسناده صحيح، والجهالة بالصحابي لا تضر، ورواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري بلفظ: عن أصحاب محمد ﷺ قالوا: إنما نهى النبي ﷺ عن الحجامة للصائم وكرهها للضعف، أي لئلا يضعف. انتهى ملخصا من فتح الباري. والله أعلم.
وقالت عائشة: كان ﷺ يقبل بعض أزواجه وهو صائم، ثم ضحكت. رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود. قالت: وكان أملككم لإربه أي لحاجته، نعني أنه كان غالبا هواه.
قال ابن الأثير: أكثر المحدثين يرويه بفتح الهمز والراء، يعنون به الحاجة، وبعضهم يرويه بكسر الهمزة وسكون الراء، وله تأويلان: أحدهما أن الحاجة يقال فيها؛ الأرب، والإرب، والإربة والمأربة، والثاني: أرادت به العضو، وعنت به من
стр. 5249
الأعضاء الذكر خاصة. انتهى.
ومذهب الشافعي ﵀ والأصحاب: أن القبلة ليست محرمة على من لم تحرك شهوته، لكن الأولى تركها، وأما من حركت شهوته فهي حرام في حقه على الأصح عند أصحابنا.
وقوله: "فضحكت" قيل: يحتمل ضحكها التعجب ممن خالفها في هذا، وقيل: تعجبت من نفسها، أن حدثت بمثل هذا مما يستحيا من ذكر النساء مثله للرجال، ولكنها ألجأتها الضرورة في تبليغ العلم إلى ذكر ذلك، وقد يكون خجلا لإخبارها عن نفسها بذلك، أو تنبيها على أنها صاحبة القصة ليكون ذلك أبلغ في الثقة بها، أو سرورا بمكانتها من النبي ﷺ ومحبته لها.
стр. 5250
وروى ابن أبي شيبة عن شريك عن هشام عن عروة في هذا الحديث: فضحكت فظننا أنها هي.
وروى النسائي عنها قالت: أهوى إلي النبي ﷺ ليقبلني فقلت: إني صائمة، فقال: "وأنا صائم" فقبلني.
وقد روى أبو داود عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقبلها ويمص لسانها، يعني وهو صائم. إسناده ضعيف، ولو صح فهو محمول على أنه لم يبلع ريقه الذي خالط ريقها.
وكان ﵊ يكتحل بالإثمد وهو صائم. رواه البيهقي من رواية محمد بن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده. ثم قال البيهقي: إن محمدا هذا ليس بالقوي، ووثقه الحاكم وأخرج له في مستدركه.
وقالت أم سلمة: كان ﷺ يصبح جنبا من جماع لا حلم، ثم لا يفطر ولا
стр. 5251
يقضي. رواه البخاري ومسلم.
قال القرطبي: في هذا الحديث فائدتان، إحداهما: أنه كان يجامع في رمضان ويؤخر الغسل إلى بعد طلوع الفجر بيانا للجواز، الثانية: أن ذلك كان من جماع لا من احتلام؛ لأنه كان لا يحتلم، إذ الاحتلام من الشيطان، وهو معصوم منه، وقال غيره في قولها: "من غير الاحتلام" إشارة إلى جواز الاحتلام عليه، وإلا لما كان لاستثنائه معنى.
ورد: بأن الاحتلام من الشيطان، وهو معصوم منه، وأجيب: بأن الاحتلام يقع على الإنزال، وقد يقع الإنزال بغير رؤية شيء في المنام. وأرادت بالتقييد بالجماع المبالغة في الرد على من زعم أن فاعل ذلك عمدا يفطر. انتهى.
وقال عامر بن ربيعة: رأيته ﷺ يستاك وهو صائم ما لا أعد ولا أحصي. رواه
стр. 5252
أبو داود والترمذي.
الفصل الخامس: في وقت إفطاره ﵊
عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر في شهر رمضان، فلما غابت الشمس قال: "يا بلال انزل فاجدح لنا" قال: يا رسول الله، إن
стр. 5253
عليك نهارا، قال: "انزل فاجدح لنا"، قال: فنزل فجدح فأتى به فشرب النبي ﷺ ثم قال بيده: "إذا غابت الشمس من ههنا، وجاء الليل من ههنا فقد أفطر الصائم" رواه البخاري ومسلم.
والجدح -بجيم ثم حاء مهملة- خلط الشيء بغيره. والمراد: خلط السويق
стр. 5254
بالماء وتحريكه حتى يستوي.
ومعنى الحديث: أنه ﷺ وأصحابه كانوا صياما، فلما غربت الشمس أمره ﷺ بالجدح ليفطروا، فرأى المخاطب آثار الضياء والحمرة التي تبقى معه بعد غروب الشمس، وظن أن الفطر لا يحصل إلا بعد ذهاب ذلك، واحتمل عنده أنه ﷺ لم يرهما، فأراد تذكيره وإعلامه بذلك، ويؤيد هذا قوله: إن عليك نهارا، لتوهمه أن ذلك الضوء من النهار الذي يجب صومه، وهو معنى قوله في الرواية الأخرى: "لو أمسيت" وتكريره المراجعة لغلبة اعتقاده على أن ذلك نهار يحرم الأكل فيه، مع تجويزه أنه ﵇ لم ينظر إلى ذلك الضوء نظرا تاما، فقصد زيادة الإعلام ببقاء الضوء قاله النووي. والله أعلم.
الفصل السادس: فيما كان ﷺ يفطر عليه
عن أنس: كان ﷺ يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم يجد رطبات
стр. 5255
فتمرات، فإن لم يجد تمرات حسا حسوات من ماء. رواه أبو داود.
وإنما خص ﵇ الفطر بما ذكر؛ لأن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو مع خلو المعدة أدعى إلى قبوله وانتفاع القوى به، لا سيما قوة البصر. وأما الماء فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس، فإذا رطبت بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده، ولهذا كان الأولى بالظمآن الجائع أن يبدأ بشرب قليل من الماء ثم يأكل بعده. قاله ابن القيم.
الفصل السابع: فيما كان يقوله ﷺ عند الإفطار
عن معاذ بن زهرة: بلغني أن رسول الله ﷺ كان إذا أفطر قال: "اللهم لك