← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد. وأفاض من طريق المأزمين. وفي رواية ابن عباس أنه ﵊ سمع وراءه زجرا شديدا، وضربا للإبل فأشار بسوطه وقال: "أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع"، يعني بالإسراع. وفي رواية أبي داود: أفاض من عرفة، وعليه السكينة، ورديفه أسامة، فقال:

стр. 5427

"أيها الناس، عليكم بالسكينة فإن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل"، فما رأيتها رافعة يديها عادية حتى أتى جمعا. وفي رواية أسامة بن زيد عند الشيخين: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص. قال هشام: والنص فوق العنق.

стр. 5428

وأخرج الطبراني في المعجم عن سالم بن عبد الله عن أبيه: أن رسول الله ﷺ أفاض من عرفات وهو يقول: "إليك تعدو قلقا وضينها ... مخالف دين النصاري دينها" قال في النهاية: والحديث مشهور بابن عمر من قوله. والقلق: الانزعاج. والوضين: بالضاد المعجمة، حزام الرحل. ولما كان ﷺ في أثناء الطريق نزل فبال وتوضأ وضوءا خفيفا، فقال له أسامة: الصلاة يا رسول الله؟ قال: "الصلاة أمامك".

стр. 5429

فركب حتى أتى مزدلفة، وهي المسماة بـ"جمع" بفتح الجيم وسكون الميم، وسميت جمعا؛ لأن آدم اجتمع فيها مع حواء فازدلف إليها، أي دنى منها، وعن قتادة: إنما سميت جمعا؛ لأنه يجمع فيها بين صلاتين، وقيل: لأن الناس يجتمعون فيها ويزدلفون إلى الله تعالى، أي يتقربون إليه بالوقوف بها. فصلى رسول الله ﷺ بها المغرب والعشاء، كل واحدة منهما بإقامة، ولا صلى أثر كل واحدة منهما. وفي رواية: فأقام المغرب، ثم أناخ الناس في منازلهم ولم يحلوا حتى أقام

стр. 5430

العشاء الآخرة فصلى ثم حلوا. وترك ﵇ قيام الليل تلك الليلة، ونام حتى أصبح، لما تقدم له من الأعمال بعرفة من الوقوف من الزوال إلى بعد الغروب، واجتهاده ﵇ في الدعاء، وسيره بعد الغروب إلى المزدلفة، واقتصر فيها على صلاة المغرب والعشاء قصرا، ورقد بقية ليلته مع كونه ﵇ كان يقوم الليل حتى تورمت قدماه، ولكنه أراح نفسه الشريفة لما تقدم في عرفة، ولما هو بصدده يوم النحر بيده الشريف المبارك ثلاثا وستين بدنة، وذهب إلى مكة لطواف الإفاضة، ورجع إلى منى. كما نبه عليه في شرح تقريب الأسانيد. وعن عباس بن مرداس أن رسول الله ﷺ دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة، فأجيب: "إني قد غفرت لهم ما خلا الظالم، فإني آخذ للمظلوم منه"، قال: "أي رب إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة وغفرت للظالم"، فلم يجب عشيته، فلما

стр. 5431

أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء فأجيب إلى ما سأل، قال: فضحك ﷺ ، أو قال: تبسم، فقال أبو بكر وعمر ﵄: بأبي أنت وأمي، إن هذه لساعة ما كنت تضحك فيها، فما الذي أضحكك، أضحك الله سنك؟، قال: "إن عدو الله إبليس لما علم أن الله قد استجاب دعائي وغفر لأمتي أخذ التراب فجعل يحثوه على رأسه ويدعو بالويل والثبور، فأضحكني ما رأيت من جزعه". رواه ابن ماجه.

стр. 5432

ورواه أبو داود من الوجه الذي رواه به ابن ماجه ولم يضعفه. وقد جاء في بعض الروايات عن غير العباس بن مرداس: ما يبين أن المراد من "الأمة" من وقف بعرفة.

стр. 5433

وقال الطبري: إنه محمول بالنسبة إلى المظالم على من تاب وعجز عن وفائها. وقد رواه البيهقي بنحو رواية ابن ماجه ثم قال: وله شواهد كثيرة، فإن صح بشواهده ففيه الحجة، وإن لم يصح فقد قال الله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وظلم بعضهم بعضا دون الشرك. انتهى. وقال الترمذي في الحديث الصحيح: "من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج

стр. 5434

من ذنوبه كيوم ولدته أمه". وهو مخصوص بالمعاصي المتعلقة بحقوق الله تعالى خاصة دون العباد، ولا تسقط الحقوق أنفسها، فمن كان عليه صلاة أو كفارة ونحوها من حقوق الله تعالى لا تسقط عنه؛ لأنها حقوق لا ذنوب، إنما الذنب تأخيرها، فنفس التأخير يسقط بالحج لا هي نفسها، فلو أخره بعده تجدد إثم آخر، فالحج المبرور يسقط إثم المخالفة لا الحقوق.

стр. 5435

وقال ابن تيمية: من اعتقد أن الحج يسقط ما وجب عليه من الحقوق كالصلاة يستتاب وإلا قتل، ولا يسقط حق الآدمي بالحج إجماعًا. والله أعلم. واستأذنت سودة رسول الله ﷺ ليلة جمع، وكانت ثقيلة ثبطة فأذن لها، فقالت عائشة: فليتني كنت استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنته سودة. وفي رواية: فاستأذنته سودة أن تدفع قبل حطمة الناس، وكانت امرأة بطيئة، فأذن لها أن تدفع قبل حطمة الناس، قالت عائشة: فلأن أكون استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنت سودة أحب إلي من مفروح به. رواه البخاري.

стр. 5436

وفي رواية أبي داود والنسائي: أرسل النبي ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت. فكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون رسول الله ﷺ ، تعني عندها. وعند مسلم: بعث أم حبيبة من جمع بليل. وفي رواية البخاري ومسلم والنسائي عن ابن عباس قال: أرسلني رسول الله ﷺ مع ضعفة أهله فصلينا الصبح بمنى ورمينا الجمرة.

стр. 5437

وفي الموطأ والصحيحين والنسائي عن أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت تصلي ساعة ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: لا، ثم صلت ساعة ثم قالت: هل غاب القمر؟ فقلت: نعم، قالت: فارتحلوا، إن رسول الله ﷺ قد أذن للظعن والظعن -بالضم: النساء في الهوادج. وقد اختلف السلف في ترك المبيت بالمزدلفة؛ فقال علقمة والنخعي والشعبي: من تركه فاته الحج، وقال عطاء والزهري وقتادة والشافعي والكوفيون

стр. 5438

وإسحاق: عليه دم، ومن بات بها لم يجز له الدفع قبل النصف. وقال مالك: إن مر بها فلم ينزل فعليه دم، وإن نزل فلا دم عليه متى دفع. انتهى. ولما طلع الفجر صلى النبي ﷺ الفجر حين تبين الصبح بأذان وإقامة. وفي سنن البيهقي والنسائي صحيح على شرط مسلم أنه ﷺ قال للفضل بن العباس غداة يوم النحر: التقط لي حصى، فالتقط له حصيات مثل

стр. 5439

حصى الخذف. -وهو بالمعجمتين- ولم يكسرها كما يفعل من لا علم عنده. وفي رواية للنسائي قال ﷺ لابن عباس، غداة النحر وهو ﵇ على راحلته: "هات إلقط لي"، فلقط حصيات مثل حصى الخذف، فلما وضعهن في يده قال: "بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين". قال العلماء: وفي هذا الحديث دليل على استحباب أخذ الحصيات بالنهار، وهو رأي البغوي؛ قال: ويكون ذلك بعد صلاة الصبح، ونص عليه الشافعي في

стр. 5440

"الأم" و"الإملاء" لكن الجمهور كما قال الرافعي: على استحباب الأخذ بالليل لفراغهم فيه، وهل يستحب أن يلتقط جميع ما يرمي به في الحج، وبه جزم في "التنبيه" وأقره عليه النووي في تصحيحه. لكن الأكثرون كما قال الرافعي، على استحباب الأخذ ليوم النحر خاصة، ونص عليه الشافعي أيضا، قال في شرح "المهذب". والاحتياط أن يزيد فربما سقط منه شيء. انتهى. ثم ركب النبي ﷺ القصواء، حتى أتى المشعر الحرام، فرقى عليه فاستقبل القبلة، فحمد الله وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس.

стр. 5441

وفي رواية غير جابر: وكان المشركون لا ينفرون حتى يطلع الشمس، وإن رسول الله ﷺ كره ذلك، فنفر قبل طلوع الشمس. وفي حديث علي عند الطبري: لما أصبح ﷺ بالمزدلفة غدا فوقف على قزح وأردف الفضل ثم قال: "هذا الموقف وكل المزدلفة موقف"، حتى إذا أسفر دفع. وفي رواية جابر: وأردف ﷺ الفضل بن العباس، قال: وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما، فلما دفع ﷺ مرت ظعن يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن،

стр. 5442

فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل، فصرف وجهه من الشق الآخر ينظر. وفي رواية: كان الفضل رديف رسول الله ﷺ فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: "نعم". وذلك في حجة الوداع، رواه الشيخان وغيرهما.

стр. 5443

وقد روي أيضا من حديث عبد الله بن عباس، لكن رجح البخاري رواية الفضل؛ لأنه كان رديف النبي ﷺ حينئذ، وكان عبد الله بن عباس تقدم إلى منى مع الضعفة، فكأن الفضل حدث أخاه بما شاهد في تلك الحالة، ويحتمل أن يكون سؤال الخثعمية وقع بعد رمي جمرة العقبة، فحضره عبد الله بن عباس، فنقله تارة عن أخيه لكونه صاحب القصة، وتارة عما شاهده، ويؤيده ما في الترمذي: أن السؤال المذكور وقع عند المنحر، بعد الفراغ من الرمي، وأن العباس كان شاهدا. وفيه: أنه ﵇ لوى عنق الفضل، فقال العباس: يا رسول الله، لويت عنق ابن عمك، قال: "رأيت شابا وشابة فلم آمن عليهما من الشيطان".

стр. 5444

وظاهر هذا أن العباس كان حاضرا لذلك، فلا مانع أن يكون ابنه عبد الله أيضا كان معه. وفي هذا الحديث دلالة على جواز النيابة في الحج عمن لا يستطيع من الأحياء، خلافا مالك في ذلك، ولمن قال: لا يحج عن أحد مطلقا كابن عمر، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أنه لا يجوز أن يستنيب من يقدر على الحج بنفسه في الحج الواجب، وأما النفل فيجوز عند أبي حنيفة خلافا للشافعي. وعن أحمد روايتان. انتهى. وفي رواية ابن عباس: أن أسامة قال: كنت ردف النبي ﷺ من عرفة إلى

стр. 5445

المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، فكلاهما قال: لم يزل النبي ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة. رواه الشيخان وغيرهما. وفي رواية جابر: فلما أتى ﷺ بطن محسر حرك ناقته وأسرع السير قليلا. قال الأسنوي: سببه أن النصارى كانت تقف فيه، كما قاله الرافعي، أو العرب، كما قاله في الوسيط، فأمرنا بمخالفتهم. قال: وظهر لي فيه معنى آخر، وهو أنه مكان نزل فيه العذاب على أصحاب الفيل القاصدين هدم البيت، فاستحب فيه

стр. 5446

الإسراع لما ثبت في الصحيح أمره المار على ديار ثمود ونحوهم بذلك. وقال غيره: وهذه كانت عادته ﷺ في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه، وسمي وادي محسر؛ لأن الفيل حسر فيه، أي أعيى وانقطع عن الذهاب. انتهى. ثم سلك ﷺ الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. رمى من بطن الوادي، وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، واستقبل الجمرة، وكان رميه ﷺ يوم النحر ضحى، كما قاله جابر في رواية مسلم، والترمذي، وأبي داود، والنسائي.

стр. 5447

وفي رواية أم الحصين، عند أبي داود: رأيت أسامة وبلالا أحدهما آخذ بخطام ناقة رسول الله ﷺ والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة. وفي رواية النسائي: ثم خطب فحمد الله وأثنى عليه، وذكر قولا كثيرا. وعن أم جندب: رأيته ﵊ يرمي الجمرة من بطن الوادي، وهو راكب، يكبر مع كل حصاة، ورجل من خلفه يستره، فسألت عن الرجل فقالوا: الفضل بن العباس. وازدحم الناس فقال النبي ﷺ : "يا أيها الناس، لا يقتل بعضكم بعضا، وإذا رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخذف".

стр. 5448

وفي هذا دليل على جواز استظلال المحرم بالمحل ونحوه، وقد مر أنه ﷺ ضربت له قبة من شعر بنمرة. وفي رواية جابر عند مسلم وأبي داود قال: رأيته ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر، وهو يقول: "خذوا عني مناسككم لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه". وفي رواية قدامة عند الترمذي رأيته يرمي الجمار على ناقة له صهباء، ليس

стр. 5449

ضرب ولا طرد ولا إليك إليك. ثم انصرف ﷺ إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بدنة، ثم أعطى عليا فنحر

стр. 5450

ما غبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها. وفي رواية جابر عند مسلم: نحر ﵇ عن نسائه بقرة. وقالت عائشة: نحر ﷺ عن آل محمد في حجة الوداع بقرة واحدة. رواه أبو داود.

стр. 5451

ثم أتى رسول الله ﷺ منزله بمنى، ثم قال للحلاق: "خذ"، وأشار بيده إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس. وفي رواية: أنه قال لحلاق: "ها"، وأشار بيده إلى الجانب الأيمن، فقسم شعره بين من يليه، ثم أشار إلى الحلاق إلى الجانب الأيسر فحلقه وأعطاه أم سليم. وفي أخرى: فبدأ بالشق الأيمن فوزعه

стр. 5452

الشعرة والشعرتين بين الناس، ثم قال بالأيسر، فصنع مثل ذلك، م قال: "ها هنا أبو طلحة"؟ فدفعه إليه. وفي أخرى: رمى جمرة العقبة ثم انصرف إلى البدن فنحرها والحجام جالس، وقال بيده عن رأسه، فحلق الشق الأيمن فقسمه بين من يليه، ثم قال: "احلق الشق الآخر "، فقال: "أين أبو طلحة"؟ فأعطاه إياه. رواه الشيخان. وعند الإمام أحمد: أنه استدعى الحلاق فقال له وهو قائم على رأسه

стр. 5453

بالموسى، ونظر في وجهه، وقال: "يا معمر، أمكنك رسول الله ﷺ من شحمة أذنه وفي يدك الموسى"، قال: فقلت له: أما والله يا رسول الله، إن ذلك لمن نعم الله علي ومنه؟، قال: "أجل". وقال البخاري: وزعموا أن الذي حلق للنبي ﷺ معمر بن عبد الله بن نضلة بن عوف. انتهى. وهو عند ابن خزيمة في صحيحه. وعند الإمام أحمد: وقلم ﷺ أظفاره وقسمها بين الناس. وعنده أيضا: من حديث محمد بن زد، أن أباه حدثه، أنه شهد النبي ﷺ عند المنحر ورجل من قريش وهو يقسم أضاحي، فلم يصبه شيء ولا صاحبه،

стр. 5454

فحلق رسول الله ﷺ رأسه في ثوبه فأعطاه شعره، فقسم منه على رجال وقلم أظفاره وأعطاه صاحبه، وكان يخضب بالحناء والكتم. وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: يا رسول الله، وللمقصرين، قال: "اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: يا رسول الله، وللمقصرين، قال: "اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: يا رسول الله، وللمقصرين؟ قال: "وللمقصرين"، رواه الشيخان. وليس فيه تعيين: هل قاله ﷺ في الحديبية أو في حجة الوداع؟ قالوا: ولم يقع في شيء من طرقه التصريح بسماعه لذلك من النبي ﷺ ، ولو وقع لقطعنا بأنه كان في حجة الوداع؛ لأنه شهدها ولم يشهد الحديبية.

стр. 5455

وقد وقع تعيين الحديبية من حديث جابر عند أبي قرة في "السنن" ومن طريقه الطبراني في الأوسط، ومن حديث المسور بن مخرمة عند ابن إسحاق في المغازي. وورد تعيين حجة الوداع من حديث أبي مريم السلولي عند أحمد وابن أبي شيبة، ومن حديث أم الحصين عند مسلم، ومن حديث قارب بن الأسود الثقفي عند أحمد وابن أبي شيبة، ومن حديث أم عمارة عند الحارث. فالأحاديث التي فيها تعيين حجة الوداع أكثر عددا، وأصح إسنادا، ولهذ قال النووي عقب أحاديث ابن عمر وأبي هريرة وأم الحصين: هذه أحاديث تدل

стр. 5456

على أن هذه الواقعة كانت في حجة الوداع: قال: وهو الصحيح المشهور، وقيل: كانت في الحديبية، وجزم إمام الحرمين في النهاية أن ذلك كان في الحديبية، ثم قال النووي: ولا يبعد أن يكون ذلك وقع في الموضعين. انتهى. وكذا قال ابن دقيق العيد: إنه الأقرب. قال في فتح الباري: بل هو المتعين لتظافر الروايات بذلك في الموضعين، إلا أن السبب في الموضعين مختلف، فالذي في الحديبية كان بسبب توقف من توقف من الصحابة عن الإحلال، لما دخل عليهم من الحزن، لكونهم منعوا من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم في أنفسهم على ذلك، فخالفهم النبي ﷺ وصالح قريشا على أن يرجع من العام المقبل، فلما أمرهم بالإحلال توقفوا، فأشارت أم سلمة أن يحل هو ﷺ قبلهم ففعل، فتبعوه فحلق بعض وقصر بعض،

стр. 5457

فكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر، ممن اقتصر على التقصير، وقد وقع التصريح بهذا السبب في حديث ابن عباس، فإن في آخره عند ابن ماجه وغيره أنهم قالوا: يا رسول الله، ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالترحم؟ قال: "لأنهم لم يشكوا". وأما السبب في تكرير الدعاء للمحلقين في حجة الوداع، فقال ابن الأثير في "النهاية": كان أكثر من حج معه ﷺ لم يسق الهدي، فلما أمرهم أن يفسخوا الحج إلى العمرة ثم يتحللوا منها، ويحلقوا رؤوسهم، شق عليهم، ثم لما لم يكن لهم بد من الطاعة كان التقصير في أنفسهم أخف من الحلق، ففعله أكثرهم، فرجع ﷺ فعل من لكونه أبين في امتثال الأمر. انتهى. قال الحافظ ابن حجر: وفيما قاله نظر، وإن تابعه عليه غير واحد؛ لأن المتمتع يستحب في حقه أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج إذا كان ما بين النسكين متقاربا، وقد كان ذلك في حقهم كذلك، والأولى ما قاله الخطابي

стр. 5458

وغيره: إن عادة العرب أنها كانت تحب توفير الشعور والتزين بها، وكان الحلق فيهم قليلا، وربما كانوا يرونه من الشهرة ومن فعل الأعاجم، فلذلك كرهوا الحلق واقتصروا على التقصير. انتهى. وفي رواية عبد الله بن عمرو بن العاصي: وقف رسول الله ﷺ في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاء رجل فقال: يا رسول الله، لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر؟ فقال: "اذبح ولا حرج"، ثم جاء رجل آخر فقال: يا رسول الله لم اشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ فقال: "ارم ولا حرج". قال: فما سئل عن شيء قدم أو أخر

стр. 5459

إلا قال: "فعل ولا حرج". رواه مسلم. وفي رواية: حلقت قبل أن أرمي، وفي رواية: وقف ﷺ على راحلته فطفق ناس يسألونه، فيقول القائل منهم: يا رسول الله إني لم أكن أشعر أن الرمي قبل النحر، فنحرت قبل الرمي فقال ﷺ : "فارم ولا حرج"، قال: فما سمعته يسأل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض وأشباهها

стр. 5460

إلا قال ﷺ : "افعلوا ذلك ولا حرج". وفي رواية: أن النبي ﷺ بينا هو قائم يخطب يوم النحر، فقام إليه رجل فقال: ما كنت أحسب أن كذا وكذا، قبل كذا وكذا، وفي رواية: حلقت قبل أنحر، نحرت قبل أن أرمي وأشباه ذلك. وفي رواية: حلقت قبل أن أذبح، ذبحت قبل أن أرمي. ومن المعروف أن الترتيب أولى، وذلك أن وظائف يوم النحر بالاتفاق أربعة

стр. 5461

أشياء: رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة مع السعي بعده. وقد تقدم أنه ﷺ رمى جمرة العقبة ثم نحر ثم حلق. وقد أجمع العلماء على مطلوبية هذا الترتيب، وأجمعوا أيضا على جواز تقديم بعضها على بعض، إلا أنهم اختلفوا في وجوب الدم في بعض المواضع. ومذهب الشافعي وجمهور السلف والعلماء وفقهاء الحديث: الجواز وعدم جوب الدم لقوله ﵊ للسائل: "لا حرج"، فهو ظاهر في رفع الإثم والفدية معا؛ لأن اسم الضيق يشملهما. وقال الطحاوي: ظاهر الحديث يدل على التوسعة في تقديم بعض هذه الأشياء على بعض، إلا أنه يحتمل أن يكون قوله: "لا حرج" أي لا إثم في ذلك الفعل، وهو كذلك لمن كان ناسيا أو جاهلا، وأما من تعمد المخالفة فتجب عليه

стр. 5462

الفدية. وتعقب: بأن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل، ولو كان واجبا لبينه ﷺ حينئذ؛ لأنه وقت الحاجة فلا يحوز تأخير عنه. وتمسك الإمام أحمد بقوله في الحديث: "لم أشعر" وبما في رواية يونس عند مسلم، وصالح عند أحمد: "فما سمعته يومئذ يساله عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقدم بعض الأمور قبل بعضها إلا قال: "افعل ولا حرج" بأنه إن كان ناسيا أو جاهلا فلا شيء عليه وإن كان عالمًا فلا. قال ابن دقيق العيد: ما قاله أحمد قوي من جهة أن الدليل دل على وجوب ابتاع الرسول في الحج لقوله: "خذوا عني مناسككم" وهذه الأحاديث المرخصة في تقديم ما وقع عنه تأخيره قد قرنت بقول السائل: "لم أشعر" فيختص الحكم بهذه الحالة، وتبقى حالة العمد على أصل وجوب الاتباع في الحج. انتهى.

стр. 5463

وعن أبي بكرة قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر فقال: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة، والمحرم،

стр. 5464

ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان". وقال: "أي شهر هذا"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أليس ذا الحجة"؟ قلنا:

стр. 5465

بلى، قال: "أي بلد هذا"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أليس البلد الحرام"؟ قلنا: بلى، قال: "فأي يوم هذا"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أليس يوم النحر"؟ قلنا: بلى، قال: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم
следующие страницы →