Полный текст (5 943 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.
стр. 5426
من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد. وأفاض من طريق المأزمين.
وفي رواية ابن عباس أنه ﵊ سمع وراءه زجرا شديدا، وضربا للإبل فأشار بسوطه وقال: "أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع"، يعني بالإسراع.
وفي رواية أبي داود: أفاض من عرفة، وعليه السكينة، ورديفه أسامة، فقال:
الحواشي
(١) قطعة من جلد محشوة شبه المخدة تجعل في مقدم الرحل يضع الراكب رجليه عليها متوركا ليستريح من وضعهما في الركاب، فأراد بذلك أنه بالغ في جذب رأسها إليه ليكفها عن السير ورحله بفتح الراء وحاء مهملة، قال المصنف، وفي نسخة من مسلم: رجله بكسر الراء بعدها جيم.
"ويقول" أي: يشير "بيده اليمنى: "أيها الناس" الزموا "السكينة" الزموا "السكينة" مرتين، الرفق والوقار والطمأنينة وعدم الزحمة بالنصب على الإغراء "وكلما أتى حبلا من الحبال" بحاء مهملة مكسورة: جمع حبل التل اللطيف من الرمل الضخم "أرخى لها" للقصواء الزمام "قليلا حتى تصعد" روي بضم الفوقية رباعيا وفتحها ثلاثيا كما قال عياض، والنووي: وفي أمره بالسكينة الرفق بالناس والدواب والأمن من الإذابة خلاف العجلة، كما أن في إرخائه للقصواء الرفق بالدواب لئلا يجتمع عليها مشقة الصعود، ومشقة الشنق صلوات الله وسلامه عليه ما أرأفه وأرحمه، ثم فصل المصنف حديث جابر بجمل، فقال: "وأفاض من طريق المأزمين" بفتح الميم وإسكان الهمزة وكسر الزاي فميم فتحتية فنون تثنية مأزم: موضع معروف بين عرفة والمشعر وهو في الأصل المضيق في الجبال حيث يلتقي بعضها ببعض ويتسع ما وراءه والميم زائدة، وكأنه من الأزم وهو القوة والشدة.
"وفي رواية" البخاري من أفراده عن "ابن عباس أنه ﵊ سمع" لفظ البخاري: دفع مع النبي ﷺ يوم عرفة، فسمع ﷺ "وراءه زجرا" بفتح الزاي وسكون الجيم بعدها راء أي: صياحا "شديدا" لحث الإبل "وضربا للإبل، فاشار بسوطه" إليهم "وقال: "أيها الناس عليكم بالسكينة" في السير برفق وعدم المزاحمة "فإن البر" أي: ما يتقرب به "ليس بالإيضاع" بكسر الهمزة وسكون التحتية المنقلبة عن الواو، وبالضاد المعجمة وآخره عين مهملة "يعني بالإسراع"، أي: السير السريع، ومن هذا أخذ عمر بن عبد العزيز قوله: لما خطب بعرفة ليس السابق من سبق بعيره وفرسه ولكن السابق من غفر له.
قال المهلب: إنما نهاهم عن الإسراع إبقاء عليهم لئلا يجحفوا بأنفسهم مع بعد المسافة.
"وفي رواية أبي داود" عن ابن عباس، قال: "أفاض" ﷺ "من عرفة وعليه السكينة"стр. 5427
"أيها الناس، عليكم بالسكينة فإن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل"، فما رأيتها رافعة يديها عادية حتى أتى جمعا.
وفي رواية أسامة بن زيد عند الشيخين: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص. قال هشام: والنص فوق العنق.
الحواشي
(١) الوقار والطمأنينة "ورديفه أسامة" بن زيد "فقال" ﷺ حين سمع الزجر وضرب الإبل: "أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر" أي: ما يتقرب به "ليس بإيجاف" إتعاب "الخيل والإبل" بضربها والسير السريع "فما رأيتها رافعة" بالراء، وفي رواية: بالدال وهما في أبي داود "يديها بالتثنية "عادية" بمهملتين من العدو، أي: ماشية بسرعة "حتى أتى جمعا" أي: المزدلفة، ومن قرأ غادية بإعجام الغين وقال: هذا بناء على استعماله في مطلق الذهاب وإلا فأصله الذهاب بعد الصبح وقبل الشم فقد صحفه وتعسف توجيهه، فإنما هو في أبي داود بالمهملة، وبه ضبطه شارحه ومعناه صحيح بلا تكلف، وقد حمله ابن خزيمة على حال الزحام دون غيره.
"و" استدل لذلك بقوله "في رواية أسامة بن زيد" ﵄ "عند الشيخين" وأبي داود والنسائي وابن ماجه من طريق مالك وغيره عن هشام عن أبيه عروة، قال: سئل أسامة وأنا جالس: كيف كان ﷺ يسير في حجة الوداع حين دفع؟، قال: "كان يسير العنق" بتفح المهملة والنون سير بين الإبطاء والإسراع.
قال في المشارق: هو سير سهل في سرعة، وقال القزاز: سير سريع، وقيل: المشي الذي يتحرك به عنق الدابة وانتصب العنق على المصدر المؤكد من معنى الفعل "فإذا وجد فجوة" بفتح الفاء وسكون الجيم وفتح الواو، أي: مكانا واسعا، هكذا رواه ابن القاسم وابن وهب والقعنبي والتنيسي وطائفة عن مالك، ورواه يحيى الأندلسي وأبو مصعب ويحيى بن بكير وغيرهم عن مالك، فجوة بضم الفاء وفتحها وسكون الواو وجيم.
قال ابن عبد البر وغيره: هو بمعنى فجوة.
"نص" بفتح النون والصاد المهملة الثقيلة، أي: أسرع.
قال أبو عبيد: النص تحريك الدابة حتى يستخرج به أقصى ما عندها وأصله غاية الشيء، يقال: نصصت الشيء رفعته، قال الشاعر:
ونص الحديث إلى أهله ... فإن الوثيقة في نصه
أي: ارفعه إليهم وانسبه، ثم استعمل في ضرب سريع من السير.
"قال هشام" بن عروة: "والنص فوق العنق" أي: ارفع منه في السرعة.
قال ابن عبد البر: في هذا الحديث كيفية السير في الدفع من عرفة إلى المزدلفة وهو مماстр. 5428
وأخرج الطبراني في المعجم عن سالم بن عبد الله عن أبيه: أن رسول الله ﷺ أفاض من عرفات وهو يقول:
"إليك تعدو قلقا وضينها ... مخالف دين النصاري دينها"
قال في النهاية: والحديث مشهور بابن عمر من قوله.
والقلق: الانزعاج.
والوضين: بالضاد المعجمة، حزام الرحل.
ولما كان ﷺ في أثناء الطريق نزل فبال وتوضأ وضوءا خفيفا، فقال له أسامة: الصلاة يا رسول الله؟ قال: "الصلاة أمامك".
الحواشي
(١) يلزم إثمة الحاج، فمن دونهم فعله لأجله الاستعجال للصلاة؛ لأن المغرب لا تصلى إلا مع العشاء بالمزدلفة، فيجمع بين المصلحتين الوقار والسكينة عند الزحمة وبين الإسراع عند عدمها لأجل الصلاة.
"وأخرج الطبراني في المعجم عن سالم بن عبد الله" بن عمر أحد الفقهاء "عن أبيه؛ أن رسول الله ﷺ أفاض من عرفات وهو يقول:"
"إليك تعدو قلقا وضينها ... مخالف دين النصارى دينها"
تعدو بالعين والدال المهملتين، قال في المصباح: عدا في مشيه عدوا من باب قال: قارب الهرولة وهو دون الجري، وله عدوة شديدة وقلقا بفتح القاف وكسر اللام فقاف.
"قال في النهاية: والحديث مشهور بابن عمر من قوله: القلق والانزعاج والوضين" بفتح الواو و"بالضاد المعجمة" المكسورة وتحتية ساكنة ونون بمعنى الموضون كقتيل بمعنى مقتول، قاله أبو عبيدة "حزام الرحل" وقال الجوهري: الوضين للهودج بنزلة البطان للقتب والتصدير للرحل والحزام للسرج، وهما كالتسع إلا أنهما من السيور إذا نسج نساجه بعضه على بعض مضاعفا "ولما كان ﷺ في أثناء الطريق" وهو الشعب الذي دون المزدلفة كما في رواية للشيخين وهو شعب الأذخر بهمزة فمعجمة مفتوحتين فألف فمعجمة مكسورة فراء موضع بين المأزمين على يسار الطريق "نزل" رسول الله ﷺ "فبال وتوضأ" بماء زمزم، كما رواه عبد الله بن أحمد في زوائد مسند أبيه عن علي بإسناد حسن "وضوءا خفيفا" قيل: معناه توضأ مرة مرة، وقيل: خفف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عادته، وفي رواية: فتوضأ وضوء ليس بالبالغ، وفي أخرى: فلم يسبغ الوضوء "فقال له أسامة: الصلاة" بالنصب على الإغراء أو بتقدير أتذكر، أو تريد.
ويؤيده رواية للشيخين: أتصلي "يا رسول الله" ويجوز الرفع بتقدير حضرت الصلاة مثلاстр. 5429
فركب حتى أتى مزدلفة، وهي المسماة بـ"جمع" بفتح الجيم وسكون الميم، وسميت جمعا؛ لأن آدم اجتمع فيها مع حواء فازدلف إليها، أي دنى منها، وعن قتادة: إنما سميت جمعا؛ لأنه يجمع فيها بين صلاتين، وقيل: لأن الناس يجتمعون فيها ويزدلفون إلى الله تعالى، أي يتقربون إليه بالوقوف بها.
فصلى رسول الله ﷺ بها المغرب والعشاء، كل واحدة منهما بإقامة، ولا صلى أثر كل واحدة منهما.
وفي رواية: فأقام المغرب، ثم أناخ الناس في منازلهم ولم يحلوا حتى أقام
الحواشي
(١) "فقال: "الصلاة" مبتدأ خبره "أمامك" بفتح الهمزة والنصب ظرف، أي: موضع هذه الصلاة قدامك، وهو المزدلفة فهو من ذكر الحال وإرادة المحل، أو التقدير وقت الصلاة قدامك، فحذف المضاف، إذ الصلاة نفسها لا توجد قبل إيجادها، وإذا وجدت لا تكون أمامه، أو معنى أمامك لا تفوتك وستدركها وفيه تذكير التابع ما تركه متبوعه ليفعله، أو يتعذر عنه أو يبين له وجه صوابه "فركب" القصواء "حتى أتى مزدلفة" موضع بين عرفة ومنى وكلها من الحرم "وهي المسماة بجمع بفتح الجيم وسكون الميم" وعين مهملة "وسميت جميعا؛ لأن آدم اجتمع فيها مع حواء فازدلف إليها، أي: دنا" قرب "منها".
"وعن قتادة: إنما سميت جمعا؛ لأنه يجمع فيها بين صلاتين" المغرب والعشاء "وقيل: لأن الناس يجتمعون فيها" فسميت جمعا "ويزدلفون إلى الله تعالى، أي: يتقربون إليه بالوقوف بها" فسميت مزدلفة "فصلى رسول الله ﷺ بها المغرب والعشاء كل واحدة منهما بإقامة" كما في حديث أسامة في الصحيحين، زاد في نسخ: "ولا صلى أثر كل واحدة منهما"، وظاهره أنه لم يؤذن لهما لاقتصاره على الإقامة، وبه قال الشافعي في الجديد وأحمد في رواية.
وفي حديث جابر عند مسلم: بأذان واحد وإقامتين.
وبه قال الشافعي في القديم وابن الماجشون واختاره الطحاوي.
وعند البخاري والنسائي عن ابن مسعود: بأذانين وإقامتين.
وروى الطحاوي بإسناد صحيح؛ أن عمر كان يفعل ذلك، وبه أخذ مالك واختاره البخاري وقواه ابن عبد البر من جهة النظر؛ بأنه ﷺ جعل الوقت لهما جميعا، وكل صلاة صليت في وقتها يسن الأذان لها، إذ ليست واحدة منهما فائتة تقضي.
"وفي رواية" لمسلم: فركب حتى جئنا المزدلفة "فأقام المغرب ثم أناخ الناس" رواحلهم "في منازلهم ولم يحلوا" بفتح الياء وضمها وكسر الحاء رحالهم من على رواحلهمстр. 5430
العشاء الآخرة فصلى ثم حلوا.
وترك ﵇ قيام الليل تلك الليلة، ونام حتى أصبح، لما تقدم له من الأعمال بعرفة من الوقوف من الزوال إلى بعد الغروب، واجتهاده ﵇ في الدعاء، وسيره بعد الغروب إلى المزدلفة، واقتصر فيها على صلاة المغرب والعشاء قصرا، ورقد بقية ليلته مع كونه ﵇ كان يقوم الليل حتى تورمت قدماه، ولكنه أراح نفسه الشريفة لما تقدم في عرفة، ولما هو بصدده يوم النحر بيده الشريف المبارك ثلاثا وستين بدنة، وذهب إلى مكة لطواف الإفاضة، ورجع إلى منى. كما نبه عليه في شرح تقريب الأسانيد.
وعن عباس بن مرداس أن رسول الله ﷺ دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة، فأجيب: "إني قد غفرت لهم ما خلا الظالم، فإني آخذ للمظلوم منه"، قال: "أي رب إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة وغفرت للظالم"، فلم يجب عشيته، فلما
الحواشي
(١) "حتى أقام العشاء الآخرة فصلى" بالناس "ثم حلوا" رحالهم عن رواحلهم "وترك ﵇ قيام الليل تلك الليلة ونام حتى أصبح لما تقدم له من الأعمال بعرفة من الوقوف من الزوال إلى بعد الغروب واجتهاده ﵇ في الدعاء وسيره بعد الغروب إلى المزدلفة، واقتصر فيها على صلاة المغرب والعشاء قصرًا" لها وجمعا لهما جمع تأخير "ورقد بقية ليلته مع كونه ﵇ كان يقوم الليل حتى تورمت قدماه، ولكنه أراح نفسه الشريفة لما تقدم في عرفة" من التعب، وقد قال: "إن لجسدك عليك حقا" "ولما هو بصدده يوم النحر من كونه نحر بيده الشريفة المباركة ثلاثا وستين بدنة" وباقي المائة نحره علي "وذهب إلى مكة لطواف الإفاضة، ورجع إلى منى كما نبه عليه" الولي العراقي "في شرح تقريب الأسانيد" للنووي.
"وعن عباس بن مرداس" بكسر الميم وسكون الراء ودال وسين مهملتين السلمي، أسلم بعد يوم الأحزاب، وسكن البصرة بعد ذلك؛ "أن رسول الله ﷺ دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة" زاد في رواية ابن أحمد: والرحمة فأكثر الدعاء "فأجيب" في رواية ابن أحمد: فأجابه الله "إني قد غفرت لهم ما خلا الظالم، فإني آخذ للمظلوم منه" وفي رواية ابن أحمد: فأجابه الله "أن قد فعلت وغفرت لأمتك إلا من ظلم بعضهم بعضا".
زاد الطبراني: "فأما ما بيني وبينهم فقد غفرتها" "قال: "أي رب" عبر به لاقتضاء المقام لذلك لمزيد الاستعطاف، كما عبر بأي نداء للقريب؛ لأنه سبحانه قريب، كما قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] "إن شئت أعطيت المظلومстр. 5431
أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء فأجيب إلى ما سأل، قال: فضحك ﷺ ، أو قال: تبسم، فقال أبو بكر وعمر ﵄: بأبي أنت وأمي، إن هذه لساعة ما كنت تضحك فيها، فما الذي أضحكك، أضحك الله سنك؟، قال: "إن عدو الله إبليس لما علم أن الله قد استجاب دعائي وغفر لأمتي أخذ التراب فجعل يحثوه على رأسه ويدعو بالويل والثبور، فأضحكني ما رأيت من جزعه". رواه ابن ماجه.
الحواشي
(١) "من" بعض "الجنة وغفرت للظالم" فلم يجب عشيته".
وفي رواية عبد الله بن أحمد: فقال: "يا رب إنك قادر أن تغفر للظالم وتثيب المظلوم خيرا من مظلمته"، فلم يكن تلك العشية إلا ذا "فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء، فأجيب إلى ما سأل".
روى ابن جرير عن ابن عمر: خطبنا رسول الله ﷺ عشية عرفة، فقال: "أيها الناس إن الله تطول عليكم في مقامكم هذا، فقبل من محسنكم وأعطى لمحسنكم ما سأل، ووهب مسيئكم لمحسنكم إلا التبعات فيما بينكم، أفيضوا على اسم الله"، فلما كان غداة جمع، قال: "يا أيها الناس قد تطول عليكم في مقامكم هذا، فقبل محسنكم ووهب مسيئكم لمحسنكم والتبعات بينكم عوضها من عنده، أفيضوا على اسم الله تعالى"، فقال أصحابه: يا رسول الله أفضت بنا بالأمس كئيبا حزينا، وأفضت بنا اليوم فرحا مسرورا، فقال -صلى الله عليه ولم: "إني سألت ربي بالأمس شيئا فلم يجد لي به، سألته التبعة فأبى علي، فلما كان اليوم أتاني جبريل، فقال: إن ربك يقرئك السلام ويقول: ضمنت التبعات وضمنتها من عندي "قال: فضحك ﷺ ، أو قال: تبسم" بالشك من الراوي.
وفي رواية ابن أحمد والطبراني: فتبسم بالجزم، وفي أبي داود: ضحك بالجزم، والظاهر أنه زاد على التبسم قليلا، فتارة غلب الراوي قربه من التبسم فأطلقه عليه، وتارة قربه من الضحك فسماه به، وتارة تردد لكونه ليس تبسما صرفا ولا ضكا.
"فقال أبو بكر وعمر ﵄: بأبي أنت وأمي إن هذه لساعة ما كنت تضحك فيها" أي: في مثلها "فما الذي أضحكك، أضحك الله سنك؟ " دعاء له بالفرح والسرور "قال: "إن عدو الله إبليس لما" حين "علم أن الله قد استجاب دعائي وغفر لأمتي" ولابن أحمد: قد استجاب لي في أمتي وغفر للظالم "أخذ التراب فجعل يحثوه" بمثلثة: يلقي "على رأسه" غيظا "ويدعو بالويل" حلول الشر به "والثبور" الهلاك "فأضحكني ما رأيت من جزعه".
وفي رواية ابن أحمد: "فتبسمت لما يصنع من جزعه"، وفي أخرى: "فضحكت لما رأيت من جزعه" "رواه ابن ماجه ورواه أبو داود من الوجه" أي الطريق "الذي رواه به ابن ماجه ولمстр. 5432
ورواه أبو داود من الوجه الذي رواه به ابن ماجه ولم يضعفه.
وقد جاء في بعض الروايات عن غير العباس بن مرداس: ما يبين أن المراد من "الأمة" من وقف بعرفة.
الحواشي
(١) يضعفه"أي: سكت عليه، فهو عنده صالح للحجة، وقد أخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي في الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين من طرق.
وقد صنف الحافظ ابن حجر فيه كراسا سماه قوة الحجاج في عموم المغفرة للحجاج، قال في أوله: إنه سئل عن حال هذا الحديث هل هو صحيح، أو حسن، أو ضعيف، أو منكر، أو موضوع، قال: فأجبت بأنه جاء من طرق أشهرها حديث العباس بن مرداس، فإنه مخرج في مسند أحمد.
وأخرج أبو داود طرقا منه وسكت عليه على رأي ابن الصلاح ومن تبعه حسن، وعلى رأي الجمهور كذلك، لكن باعتبار انضمام الطرق الأخرى إليه.
ثم قال الحافظ أثناء كلامه حديث العباس بمفرده يدخل في حد الحسن على رأي الترمذي، ولا سيما بالنظر إلى مجموع هذه الطرق لطرق ذكرها، قال: وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من حديث ابن مرداس، وقال فيه كنانة: منكر الحديث جدا، ولا أدري التخليط منه أو من ولده، وهذا لا ينهض دليلا على أنه موضوع، فقد اختلف قوله ابن حبان في كنانة، فذكره في الثقات وفي الضعفاء.
وذكر ابن منده: أنه قيل: إن له رؤية منه ﷺ ، وأما ولده عبد الله بن كنانة ففيه كلام ابن حبان أيضا، وكل ذلك لا يقتضي وضعه، بل غايته أن يكون ضعيفا ويعتضد بكثرة طرقه، وأورد حديث ابن عمر في الموضوعات أيضًا وقال فيه عبد العزيز بن أبي رواد، تفرد به عن نافع عن ابن عمر.
قال ابن حبان: كان يحدث على التوهم والحسبان وهو مردود، فإنه لا يقتضي أنه موضوع مع أنه لم ينفرد به، بل له متابع عند ابن حبان في كتاب الضعفاء، هذا كلام الحافظ ملخصًا، وهو كلام متقن إمام في الفن، فلا عليك ممن أطلق عليه اسم الضعيف الذي لا يحتج به.
"وقد جاء في بعض الروايات عن غير العباس بن مرداس: ما بين أن المراد من الأمة من وقف بعرفة" إلى آخر الدهر لا خوص الواقفين معه ﷺ .
أخرج ابن منيع عن أنس: وقف ﷺ ، فقال: "معاشر الناس أتاني جبريل آنفا فأقرأني من ربي السلام وقال: إن الله قد غفر لأهل عرفات وأهل المشعر وضمن عنهم التبعات"، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله هذا لنا خاصة؟، قال: "هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إلىстр. 5433
وقال الطبري: إنه محمول بالنسبة إلى المظالم على من تاب وعجز عن وفائها.
وقد رواه البيهقي بنحو رواية ابن ماجه ثم قال: وله شواهد كثيرة، فإن صح بشواهده ففيه الحجة، وإن لم يصح فقد قال الله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وظلم بعضهم بعضا دون الشرك. انتهى.
وقال الترمذي في الحديث الصحيح: "من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج
الحواشي
(١) يوم القيامة"، فقال عمر: كثر خير الله وطاب.
قال الحافظ: إن صح سنده إلى ابن المبارك فهو على شرط الصحيح، وقد أخرجه مسدد بن مسرهد في مسنده من وجه مرسل رجاله ثقات لكن ليس بتمامه.
"وقال الطبري" محمد بن جرير بعد روايته حديث ابن عمر. "أنه محمول بالنسبة إلى المظالم على من تاب وعجز عن وفائها" مع العزم على أنه يوفي إذا قدر ما يمكن توفيته "وقد رواه" أي: حديث العباس بن مرداس "البيهقي" في السنن الكبرى "بنحو رواية ابن ماجه" السابقة، وكذا الطبراني في الكبير وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند لأبيه وابن عدي، وصححه الضياء كما مر وقد قالوا: إن تصحيحه أعلى من تصحيح الحاكم "ثم قال" البيهقي: "وله شواهد كثيرة" فأخرجه عبد الرزاق والطبراني من حديث عبادة بن الصامت وأبو يعلى وابن منيع من حديث أنس وابن جرير، وأبو نعيم وابن حبان من حديث ابن عمر، والدارقطني وابن حبان من حديث أبي هريرة، وابن منده من حديث عبد الله بن زيد، ذكر رواياتهم الحافظ في مؤلفه بنحو حديث عباس بن مرداس.
"فإن صح بشواهده ففيه الحجة وإن لم يصح" فنحن في غنية عن تصحيحه" فقد قال الله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وظلم بعضهم بعضا دون الشرك" فيدخل في الآية. "انتهى" وهو حسن.
"وقال الترمذي في الحديث الصحيح" الذي رواه هو والباري ومسلم وغيرهم عن أبي هريرة: سمعت النبي ﷺ يقول: "من حج" زاد في رواية: "لله"، وفي أخرى: "من حج هذا البيت"، وهما في البخاري، ولمسلم: "من أتى هذا البيت" وهو يشمل الحج والعمرة، وللدارقطني بإسناد فيه مقال: "من حج أو اعتمر" "فلم يرفث" بثليث الفاء في المضارع والماضي، لكن الأفصح فيه الفتح، وفي المضارع الضم، والرفث والجماع ويطلق على التعريض به وعلى الفحش في القول.
وقال الأزهري: اسم جامع لكل ما يريده الرجل من المرأة، وخصه ابن عاس بما خوطب بهстр. 5434
من ذنوبه كيوم ولدته أمه".
وهو مخصوص بالمعاصي المتعلقة بحقوق الله تعالى خاصة دون العباد، ولا تسقط الحقوق أنفسها، فمن كان عليه صلاة أو كفارة ونحوها من حقوق الله تعالى لا تسقط عنه؛ لأنها حقوق لا ذنوب، إنما الذنب تأخيرها، فنفس التأخير يسقط بالحج لا هي نفسها، فلو أخره بعده تجدد إثم آخر، فالحج المبرور يسقط إثم المخالفة لا الحقوق.
الحواشي
(١) النساء.
وقال عياض: هذا من قول الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧] والجمهور على أن المراد به في الآية الجماع.
قال الحافظ: والظاهر أن المراد به في الحديث ما هو أعم من ذلك، وإليه نحا القرطبي وهو المراد بقوله: "فإذا كان صوم أحدكم فلا يرفث" "ولم يفسق" أي: لم يأت بسيئة ولا معصية "رجع كيوم ولدته أمه" أي: صار بلا ذنب، وظاهره غفران الصغائر والكبائر والتبعات وهو من أقوى الشواهد لحديث العباس بن مرداس المصرح بذلك، وله شاهد من حديث ابن عمر في تفسير الطبري، قاله في فتح الباري "وهو مخصوص بالمعاصي المتعلقة بحقوق الله تعالى خاصة دون العباد".
قال شيخنا المعتمد: لا فرق بينهما في سقوط الإثم دون الحق "ولا تسقط الحقوق أنفسها، فمن كان عليه صلاة" أو صيام أو زكاة "أو كفارة" ليمين وغيرها "ونحوها:" كنذر "من حقوق الله لا تسقط عنه؛ لأنها حقوق لا ذنوب، إنما الذنب تأخيرها، فنفس التأخير يسقط بالحج لا هي نفسها، فلو أخره بعده" أي: الحج "تجدد إثم آخر، فالحج المبرور يسقط إثم المخالفة لا الحقوق".
قال ابن خالويه: المبرور: المقبول.
وقال غيره: الذي لا يخالطه شيء من الإثم، ورجحه النووي.
وقال القرطبي: الأقوال في تفسيره متقاربة، وهي أنه الحج الذي وفيت أحكامه ووقع موقعًا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل وتظهر علامته بآخره، فإن رجع خيرًا مما كان علم أنه مبرور.
ولأحمد والحاكم عن جابر، قالوا: يا رسول الله ما بر الحج؟ قال: "إطعام الطعام وإفشاء السلام".
قال الحافظ: في إسناده ضعف، فلو ثبت لكان هو المتعين دون غيره.стр. 5435
وقال ابن تيمية: من اعتقد أن الحج يسقط ما وجب عليه من الحقوق كالصلاة يستتاب وإلا قتل، ولا يسقط حق الآدمي بالحج إجماعًا. والله أعلم.
واستأذنت سودة رسول الله ﷺ ليلة جمع، وكانت ثقيلة ثبطة فأذن لها، فقالت عائشة: فليتني كنت استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنته سودة.
وفي رواية: فاستأذنته سودة أن تدفع قبل حطمة الناس، وكانت امرأة بطيئة، فأذن لها أن تدفع قبل حطمة الناس، قالت عائشة: فلأن أكون استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنت سودة أحب إلي من مفروح به. رواه البخاري.
الحواشي
(١) "وقال ابن تيمية: من اعتقد أن الحج يسقط ما وجب عليه من الحقوق" لله "كالصلاة" أو لخلقه "يستتاب" فإن تاب "وإلا قتل" فجعله مرتدا بهذا الاعتقاد "ولا يسقط حق الآدمي بالحج إجماعا، والله أعلم" بالحكم هل تسقط التبعات أم لا؟
"و" عن عائشة قالت: "استأذنت سودة" أم المؤمنين "رسول الله ﷺ ليلة جمع" أي: المزدلفة عند السحر "وكانت ثقيلة" أي: من عظم جسمها "ثبطة" بفتح المثلثة وكسر الموحدة وطاء مهملة خفيفة، أي: بطيئة الحركة كأنها تثبط الأرض، أي: تثبت "فأذن لها، فقالت عائشة: فليتني كنت استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنت سودة" أي: كاستئذانها، فما مصدرية، ولم يذكر في هذه الرواية بيان ما استأذنته فيه، ولذا عقبها بقوله.
"وفي رواية" عن عائشة: نزلنا المزدلفة "فاستأذنته" ﷺ "سودة أن تدفع" أي: تتقدم إلى منى "قبل حطمة الناس" بفتح الحاء وسكون الطاء المهملتين، أي: زحمتهم؛ لأن بعضهم يحطم بعضا من الزحام "وكانت امرأة بطيئة، فأذن" ﷺ "لها أن تدفع".
لفظ الباري: فدفعت "قبل حطمة الناس" زحمتهم، وحذف من هذه الرواية وأقمنا حتى أصبحنا نحن، ثم دفعنا بدفعه ﷺ "قالت عائشة: فلأن" بفتح اللام مبتدأ "أكون استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنت سودة" جملة معترضة بين المبتدأ وبين خبره وهو "أحب إلي من مفروح به" أي: ما يفرح به من كل شيء.
قال القرطبي: هو كل شيء معجب له بال بحيث يفرح به كما في الحديث الآخر: أحب إلي من حمر النعم.
وقال الأبي: الشائع من كلام الفخر والأصوليين أن ذكر الحكم عقب الوصف المناسب يشعر بكونه علة فيه، وقول عائشة هذا لا يشعر بأنه علة، إذ لو أشعرته لم ترد ذلك لاختصاص سودة بذلك الوصف إلا أن يقال: إن عائشة لمحت المناط ورأت أن العلة إنما هي لرد الضعف، وهو أعم من كونه لثقل جسم أو غيره، كما قال: أذن لضعفة أهله، ويحتمل أنها قالت ذلك؛ لأنهاстр. 5436
وفي رواية أبي داود والنسائي: أرسل النبي ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت. فكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون رسول الله ﷺ ، تعني عندها.
وعند مسلم: بعث أم حبيبة من جمع بليل.
وفي رواية البخاري ومسلم والنسائي عن ابن عباس قال: أرسلني رسول الله ﷺ مع ضعفة أهله فصلينا الصبح بمنى ورمينا الجمرة.
الحواشي
(١) شركتها في الوصف لما روي أنها قالت: سابقته ﷺ فسبقته، فلما ربيت اللحم سبقني "رواه" أي: المذكور من الروايتين "البخاري" ومسلم وغيرهما.
"وفي رواية أبي داود والنسائي" مخالف لقول الولي العراقي: انفرد به أبو داود من بين الأئمة الستة، وأخرجه الحاكم وقال: على شرطهما ولم يخرجاه عن عائشة أنها قالت: "أرسل النبي ﷺ بأم سلمة" بحذف المفعول، أي: ناسا بأم سلمة، أي: أنها ذهبت مع غيرها، أو الباء زائدة، أي: أرسل أم سلمة، قاله الولي العراقي "ليلة النحر فرمت الجمرة" أي: جمرة العقبة "قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت:" طافت طواف الإفاضة "فكان ذلك اليوم" اسم كان، وخبرها "اليوم الذي يكون رسول الله ﷺ تعني: عندها" كأن عائشة حذفت ذكر الخبر اعتمادا على العلم به، فاستعان بعض الرواة في إثباته بتعني، ويحتمل أنها ذكرته فسقط من أصله أو خفي عليه لبعده، أو نحو ذلك، قاله الولي.
وفي رواية للبيهقي: كان يومها فأحب أن توافقه أو توافيه، واحتج به الشافعي ومن وافقه على دخول وقت الرمي بنصف الليل؛ لأن في رواية أمرها أن توافي صلاة الصبح بمكة، ولا يمكن ذلك إلا إذا وقع الرمي في أوائل النصف الثاني.
وقال غيره: لا يدخل إلا بطلوع الفجر، وإنما هذا رخصة لأم سلمة خاصة، فلا يجوز لغيرها أن يرمي قبل الفجر، قاله الخطابي، ويؤيده كون ذلك اليوم يوم نوبتها منه ﷺ ، وله: أن يخص من شاء بما شاء.
"وعند مسلم: بعث أم حبيبة" رملة أم المؤمنين، ولفظ مسلم عن شوال: أنه دخل على أم حبيبة، فأخبرته أن النبي ﷺ بعث بها "من جمع" مزدلفة "بليل" ولمسلم أيضا عنها: كنا نغلس من جمع إلى منى.
"وفي رواية البخاري ومسلم" بمعناه "والنسائي" واللفظ له "عن ابن عباس، قال: أرسلني رسول الله ﷺ " زاد في رواية لمسلم: بسحر "مع ضعفة" جمع ضعيف "أهله" أي:стр. 5437
وفي الموطأ والصحيحين والنسائي عن أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت تصلي ساعة ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: لا، ثم صلت ساعة ثم قالت: هل غاب القمر؟ فقلت: نعم، قالت: فارتحلوا، إن رسول الله ﷺ قد أذن للظعن والظعن -بالضم: النساء في الهوادج.
وقد اختلف السلف في ترك المبيت بالمزدلفة؛ فقال علقمة والنخعي والشعبي: من تركه فاته الحج، وقال عطاء والزهري وقتادة والشافعي والكوفيون
الحواشي
(١) النساء والصبيان "فصلينا الصبح بمنى ورمينا الجمرة".
وعند الطحاوي عن ابن عباس، قال ﷺ للعباس ليلة المزدلفة: "اذهب بضعفائنا ونسائنا فليصلوا الصبح بمنى ويرموا جمرة العقبة قبل أن يصيبهم دفعة الناس".
"وفي الموطأ" بمعناه "والصحيحين والنسائي" عن عبد الله مولى أسماء "عن أسماء" بنت أبي بكر الصديق "أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة" في حجة حجتها بعد النبي ﷺ "فقامت تصلي" فصلت "ساعة" من الليل "ثم قالت: يا بني" تصغير تحبيب لمولاها عبد الله بن كيسان راوي الحديث "هل غاب القمر؟ " قال الأبي: الظاهر أن سؤالها عن مغيبه لطلب الستر؛ لأنه وإن لم يدفع الناس فقد يحضر الموسم من ليس بحاج، ويحتمل أنه لتعلم ما بقي من الليل لتدفع في آخره "قلت: لا، فصلت ساعة، ثم قالت: هل غاب القمر؟، قلت: نعم" غاب "قالت: فارتحلوا" بكسر الحاء أمر من الارتحال.
وفي رواية مسلم: قالت: ارحل بي، وأسقط من الحديث: فارتحلنا ومضينا حتى رمت الجمرة، ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها، فقلت لها: يا هنتاه ما أرانا إلا قد غلسنا، قالت: يا بني "إن رسول الله ﷺ قد أذن للظعن" كذا رواه البخاري بالظن في قوله: أرانا بضم الهمزة، أي: أظننا، ورواه مسلم: لقد غلسنا بالجزم.
وفي رواية مالك: لقد جئنا منى بغلس، فقالت: قد كنا نصنع ذلك مع من هو خير منك "والظعن بالضم" للظاء المعجمة والعين المهملة وقد تسكن: جمع ظعينة "النساء في الهوادج" ثم أطلق على المرأة مطلقا قاله الحافظ.
وفي شرح المصنف لمسلم: أصل الظعينة الهودج تكون فيه المرأة على البعير، سميت المرأة به مجازا واشتهر هذا المجاز حتى غلب وخفيت الحقيقة وظعينة الرجل امرأته، وفيه دلالة على أنه لا يجب البيات بالمزدلفة، إذ لو وجب لم يسقط بالعذر كوقوف عرفة.
"وقد اختلف السلف في ترك المبيت بها، فقال علقمة والنخعي" إبراهيم "والشعبي" عامر، والثلاثة من التابعين: "من تركه فاته الحج" قالوا: ويجعل إحرامه عمرة كما في الفتح.стр. 5438
وإسحاق: عليه دم، ومن بات بها لم يجز له الدفع قبل النصف.
وقال مالك: إن مر بها فلم ينزل فعليه دم، وإن نزل فلا دم عليه متى دفع. انتهى.
ولما طلع الفجر صلى النبي ﷺ الفجر حين تبين الصبح بأذان وإقامة.
وفي سنن البيهقي والنسائي صحيح على شرط مسلم أنه ﷺ قال للفضل بن العباس غداة يوم النحر: التقط لي حصى، فالتقط له حصيات مثل
الحواشي
(١) "وقال عطاء والزهري وقتادة" التابعيون "والشافعي والكوفيون وإسحاق" بن راهويه: "عليه دم ومن بات بها لم يجز له الدفع قبل" مضي "النصف" الأول من الليل.
"وقال مالك:" البيات بها مستحب، و"إن مر بها فلم ينزل فعليه دم: وإن نزل" ولو بقدر حط الرحل "فلا دم عليه متى دفع. انتهى"، وحجت حديث أسماء كما علم.
"ولما طلع الفجر" صبيحة المزدلفة "صلى النبي ﷺ الفجر" أي: الصبح "حين تبين" أي: ظهر "الصبح" كما في مسلم في حديث جابر، ولفظه: وصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما، ثم اضطجع ﷺ حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح "بأذان وإقامة" وما في الصحيحين وأبي داود والنسائي عن ابن مسعود: ما رأيت النبي ﷺ صلى صلاة إلا لميقاتها إلا صلاتين صلاة المغرب والعشاء بجمع وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها.
فقال العلماء: معناه قبل وقتها المعتاد في كل يوم مبالغة في التبكير ليتسع الوقت لفعل ما يستقبل من المناسك؛ لأنه كان يؤخرها في غير هذا اليوم حتى يأتيه بلالا، وليس المراد أنه صلاها قبل طلوع الفجر، فإنه لا يجوز بإجماع، ويدل على ذلك رواية للبخاري عقب هذه عن ابن مسعود نفسه، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر.
وله وللنسائي: حين بزغ الفجر، وكذا قوله: إلا بجمع أراد الوقت المعتاد؛ فإنه لما أخر المغرب فصلاها مع العشاء كان وقت العشاء وقتا لها، فلم يصلها إلا بوقتها إلا أنه غير الوقت المعتاد، وقوله: إلا بجمع.
قال الولي: وكذا بعرفات أيضا في الظهرين كما عند النسائي عن ابن مسعود: ما رأيت النبي ﷺ صلى صلاة إلا لوقتها إلا بجمع وعرفات، فلم يحفظ راوي هذه الرواية ذكر عرفات وحفظه غيره، والحافظ حجة على الناس. انتهى.
"وفي سنن البيهقي والنسائي بإسناد صحيح على شرط مسلم" ولذا أخرجه الحاكم في المستدرك، كلهم عن عبد الله بن عباس "أنه ﷺ قال للفضل بن عباس" أكبر ولده، وبهстр. 5439
حصى الخذف. -وهو بالمعجمتين- ولم يكسرها كما يفعل من لا علم عنده.
وفي رواية للنسائي قال ﷺ لابن عباس، غداة النحر وهو ﵇ على راحلته: "هات إلقط لي"، فلقط حصيات مثل حصى الخذف، فلما وضعهن في يده قال: "بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين".
قال العلماء: وفي هذا الحديث دليل على استحباب أخذ الحصيات بالنهار، وهو رأي البغوي؛ قال: ويكون ذلك بعد صلاة الصبح، ونص عليه الشافعي في
الحواشي
(١) كان يكنى "غداة" ظرف لقال، أي: قال له أول "يوم النحر: التقط لي حصى، فالتقط له حصيات مثل حصى الخذف وهو بالمعجمتين" الأولى وهي الخاء مفتوحة والثانية ساكنة وآخره فاء، وروي بحاء مهملة وهو الرمي بالحصى بالأصابع، كانت العرب ترمي بها في الصغر لعبا تجعلها بين السبابة والإبهام من اليد اليسرى ثم تقذف بسبابة اليمنى.
وقيل: تجعلها بين السبابتين وفي أن قدرها فولة أو نواة أو دون الأنملة طولا وعرضا خلاف "ولم يكسرها" من الجبل "كما يفعل من لا علم عنده" بالسنة "من لقطها".
"وفي رواية النسائي" عن عبد الله بن عباس: "قال ﵇ لابن عباس" أي: الفضل: "غداة النحر وهو ﵇ على راحلته" ناقته القصواء "هات" بكسر التاء، أي: أعطني هذا أصله، لكن المراد هنا "ألقط" بضم الهمزة والقاف من باب نصر وناولني ما تلقطه "فلقط حصيات مثل حصى الخذف، فلما وضعت في يده" ﷺ "قال: "بأمثال هؤلاء" فارموا "وإياكم والغلو" بمعجمة مضمومة "في الدين" أي: بالتشديد فيه، ومجاوزة الحد والعبث عن غوامض الأشياء والكشف عن عللها وغوامض متعبداتها "فإنما هلك من كان قبلكم" من الأمم "بالغلو في الدين" والسعيد من اتعظ بغيره، وهذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، والغلو مجاوزة الحد بأن يزاد في مدح الشيء، أو ذمه على ما يستحقه، ونحو ذلك، والنصارى أكثر غلوا في الاعتقاد والعمل من سائر الطوائف وإياهم نهى الله بقوله: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] ، وسبب هذا النهي رمي الجمار وهو داخل فيه مثل الرمي بالحجارة الكبار بناء على أنه بلغ من الصغار، ثم عله بما يقتضي أن مجانبة هديهم مطلقا أبعد عن الوقوع فيما به هلكوا، وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه الهلاك، قاله بعض العلماء.
"قال العلماء: وفي هذا الحديث دليل على استحباب أخذ الحصيات بالنهار، وهو رأي البغوي قال: ويكون ذلك بعد صلاة الصبح" عملا بظاهر هذا الحديث.стр. 5440
"الأم" و"الإملاء" لكن الجمهور كما قال الرافعي: على استحباب الأخذ بالليل لفراغهم فيه، وهل يستحب أن يلتقط جميع ما يرمي به في الحج، وبه جزم في "التنبيه" وأقره عليه النووي في تصحيحه. لكن الأكثرون كما قال الرافعي، على استحباب الأخذ ليوم النحر خاصة، ونص عليه الشافعي أيضا، قال في شرح "المهذب". والاحتياط أن يزيد فربما سقط منه شيء. انتهى.
ثم ركب النبي ﷺ القصواء، حتى أتى المشعر الحرام، فرقى عليه فاستقبل القبلة، فحمد الله وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس.
الحواشي
(١) "ونص عليه الشافعي في الأم والإملاء، لكن الجمهور كما قال الرافعي على استحباب الأخذ بالليل لفراغهم فيه" أي: عدم شغلهم بشيء "وهل يستحب أن يلتقط جميع ما يرمى به في الحج، وبه جزم في التنبيه وأقره النووي في تصحيحه" هو من تتمة السؤال، فحاصله هل هو الراجح أو غيره.
وفي نسخة: به جزم لا واو فهي جواب السؤال "لكن الأكثرون كما قال الرافعي على استحباب الأخذ ليوم النحر خاصة، ونص عليه الشافعي أيضا، قال في شرح المهذب: والاحتياط أن يزيد" على ما يأخذ ليوم النحر "فربما سقط منه شيء. انتهى".
ثم عاد المصنف لحديث مسلم عن جابر فقال عقب قوله سابقا: حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة. "ثم ركب النبي ﷺ القصواء" لا يخالف بين هذا وبين قوله سابقا، وهو على راحلته هات؛ لأن ركوبه كان بعد الصبح، فلما ركب قال للفضل: هات ... إلخ، فلم يذكره جابر، كما أن ابن عباس لم يذكر وقت ركوبه فذكر كل واحد منهما ما لم يذكر الآخر "حتى أتى المشعر الحرام" بفتح الميم والعين كما في القرآن، وحكى الجوهري كسر الميم، وقيل: إنه لغة جميع العرب، وقال ابن قرقول: كسرها لغة لا رواية قبل لم يقرأ بها شاذا، وقيل: قرئ سمي المشعر؛ لأنه معلم للعبادة والحرام؛ لأنه من الحرم أو لحرمته وهو جبل من جبال المزدلفة "فرقى عليه فاستقبل القبلة، فحمد الله وكبره وهلله ووحده" فهو أحق من يعمل بقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] "فلم يزل واقفا حتى أسفر" الفجر "جدا" حال، أي: مبالغا، أو صفة مصدر محذوف، أي: إسفارا بليغا "فدفع قبل أن تطلع الشمس".
"وفي رواية غير جابر" وهو عمر بن الخطاب: كما رواه ابن جرير الطبري عن عمرو بنстр. 5441
وفي رواية غير جابر: وكان المشركون لا ينفرون حتى يطلع الشمس، وإن رسول الله ﷺ كره ذلك، فنفر قبل طلوع الشمس.
وفي حديث علي عند الطبري: لما أصبح ﷺ بالمزدلفة غدا فوقف على قزح وأردف الفضل ثم قال: "هذا الموقف وكل المزدلفة موقف"، حتى إذا أسفر دفع.
وفي رواية جابر: وأردف ﷺ الفضل بن العباس، قال: وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما، فلما دفع ﷺ مرت ظعن يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن،
الحواشي
(١) ميمون، قال: شهدت عمر صلى بجمع الصبح، ثم قال: "وكان المشركون لا ينفرون حتى تطلع الشمس، وأن رسول الله ﷺ كره ذلك فنفر قبل طلوع الشمس".
ولابن جرير أيضًا: فدفع بعد صلاة القوم المغلسين بصلاة الغداة، والحديث في البخاري عن عمرو بن ممون: شهدت عمر صلى بجمع الصبح، ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير وأن النبي ﷺ خالفهم، ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس، وعدل عنه المصنف للفظ الذي ذكره لصراحته، فإن قوله: ثم أفاض يحتمل عمر ويحتمل النبي عطفا على خالفهم، وهو المعتمد بدليل روايتي ابن جرير: وأشرق بفتح فسكون أمر من الإشراق وثبير منادى اسم جبل.
"وفي حديث علي عند الطبري: لما أصبح ﷺ بالمزدلفة غدا فوقف على قزح" بضم القاف وفتح الزاي وحاء مهملة جبل صغير بالمزدلفة لا ينصرف للعدل والعلمية كعمر، صرح به في النهاية وهو المشعر الحرام "وأردف الفضل" بن عباس "ثم قال: هذا الموقف" الأفضل الذي وقفت فيه "وكل المزدلفة موقف حتى إذا أسرف دفع" من قزح إلى منى، فهذا أيضا صريح في أنه دفع قبل طلوع الشمس، وبهذه الأخبار أخذ الجمهور باستحباب الوقوف إلى الإسفار واستحبه مالك قبله، واحتج له بعض أصحابه بأنه -صلى اله عليه وسلم- لم يعجل الصلاة إلا ليدفع قبل الشمس، فكل من بعد دفعه من طلوعها كان أولى.
"وفي رواية جابر" في حديثه الطويل في الحجة النبوية عند مسلم وغيرها، تلو قوله آنفا: قبل أن تطلع الشمس "وأردف ﷺ الفضل بن العباس، وكان رجلا" هكذا ثبت لفظ رجلا في مسلم وأبي داود "حسن الشعر أبيض وسيما" بفتح الواو وكسر المهملة حسنا وضيئا، فوصفه بوصف من يفتن به "فلما دفع ﷺ " من المزدلفة "مرت ظعن" بضمتين نساء "يجرين" قال المصنف: بفتح الياء وضمها وسكون الجيم "فطفق:" شرع "الفضل ينظر إليهن، فوضعстр. 5442
فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل، فصرف وجهه من الشق الآخر ينظر.
وفي رواية: كان الفضل رديف رسول الله ﷺ فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: "نعم". وذلك في حجة الوداع، رواه الشيخان وغيرهما.
الحواشي
(١) رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل" ليمنعه من النظر إليهن وخوفا عليه وعليهن من الفتنة "فحول الفضل وجهه إلى الشق" بكسر المعجمة "الآخر ينظر" إليهن "فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل، فصرف وجهه من الشق الآخر ينظر" من غلبة الطبع.
"وفي رواية: كان الفضل رديف رسول الله ﷺ " زاد في رواية للبخاري: على عجز راحلته "فجاءته امرأة" قال الحافظ: لم تسم "من خثعم" بفتح المعجمة وسكون المثلثة وفتح المهملة غير مصروف للعلمية والتأنيث باعتبار القبيلة "تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر" المرأة "إليه".
قال القرطبي: هذا النظر بمقتضى الطباع فإنها مجبولة على النظر إلى الصورة الحسنة.
"فجعل ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر" الذي ليس فيه المرأة منعا له عن مقتضى الطبع وردا إلى مقتضى الشرع.
قال الأبي: الأظهر أن صرفه ليس للوقوع في المحرم كما يعطيه كلام عياض والنووي، وإنما هو لخوف الوقوع كما يعطيه كلام القرطبي وبين استفتاءها، بقوله: "إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي" لم يسم أيضا "شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة" صفة بعد صفة أو من الأحوال المتداخلة أو شيخا بدل؛ لأنه موصوف، أي: وج عليه الحج وحصل له المال في هذه الحال والأول أوجه، قاله الطيبي: "أفأحج" أي أيصح أن أنوب فأحج "عنه؟، قال: نعم" حجي عنه "وذلك في حجة الوداع".
وفي رواية للبخاري: يوم النحر.
وفي الترمذي وأحمد ما يدل على أن السؤال وقع عند المنحر بعد الفراغ من الرمي "رواه الشيخان وغيرهما" كأبي داود والنسائي من طرق كلها عن الزهري عن سليمان بن يسار عنстр. 5443
وقد روي أيضا من حديث عبد الله بن عباس، لكن رجح البخاري رواية الفضل؛ لأنه كان رديف النبي ﷺ حينئذ، وكان عبد الله بن عباس تقدم إلى منى مع الضعفة، فكأن الفضل حدث أخاه بما شاهد في تلك الحالة، ويحتمل أن يكون سؤال الخثعمية وقع بعد رمي جمرة العقبة، فحضره عبد الله بن عباس، فنقله تارة عن أخيه لكونه صاحب القصة، وتارة عما شاهده، ويؤيده ما في الترمذي: أن السؤال المذكور وقع عند المنحر، بعد الفراغ من الرمي، وأن العباس كان شاهدا.
وفيه: أنه ﵇ لوى عنق الفضل، فقال العباس: يا رسول الله، لويت عنق ابن عمك، قال: "رأيت شابا وشابة فلم آمن عليهما من الشيطان".
الحواشي
(١) عبد الله بن يسار، ثم اختلف أصحاب الزهري، فقال شعيب عنه، عن سليمان، عن ابن عباس، عن الفضل: أن امرأة.... فذكره، أخرجه الشيخان فجعله شعيب من مسند الفضل تابعه معمر عن الزهري.
"وقد روي" لعله رويا بالتثنية عائدة على الشيخين، وإلا بالتعبير بروي يوهم ضعفه وأنهما لم يروياه لقوله: قبل رواه الشيخان مع أنهما روياه "أيضا" في الصحيحين "من حديث" مالك وابن عيينة وأكثر أصحاب ابن شهاب عنه عن سليمان عن "عبد الله بن عباس" قال: كان الفضل ... فذكره فجعلوه من مسند عبد الله.
"لكن رجح البخاري" فيما نقله عنه الترمذي "رواية الفضل" أي: أنه من مسنده "لأنه" ظاهره أن التعليل من الترمذي وليس كذلك، فقد قال الحافظ: وكأنه رجح هذا؛ لأنه "كان رديف النبي ﷺ حينئذ، وكان" أخوه "عبد الله بن عباس تقدم إلى منى مع الضعفة، فكأن" بالتشديد "الفضل حدث أخاه بما شاهده في تلك الحالة" ومن المعلوم أن هذا اختلاف لا يضر، ولذا أخرجه الشيخان من الوجهين، إذ محصله أنه أسنده تارة وأرسله أخرى، ومرسل الصحابي له حكم الوصل.
"و" لكن ليس هذا بمتعين، فإنه "يحتمل أن يكون سؤال الخثعمية وقع بعد رمي جمرة العقبة، فحضره عبد الله بن عباس، نقله تارة عن أخيه" الفضل لكونه صاحب القصة، وتارة عما شاهده" وهذا أوجه.
"ويؤيده ما في الترمذي" من حديث جابر "أن السؤال المذكور" من الخثعمية "وقع عند المنحر بعد الفراغ من الرمي" لجمرة العقبة "وأن العباس" والدهما "كان شاهدًا" حاضرا "وفيه؛ أنه ﵇ لوى عنق الفضل، فقال العباس: يا رسول الله لويت عنق ابن عمك" أي: لم، فهو استفهام حقيقي عن حكمة ذلك "قال: "رأيت شابا وشابة فلم آمن عليهماстр. 5444
وظاهر هذا أن العباس كان حاضرا لذلك، فلا مانع أن يكون ابنه عبد الله أيضا كان معه.
وفي هذا الحديث دلالة على جواز النيابة في الحج عمن لا يستطيع من الأحياء، خلافا مالك في ذلك، ولمن قال: لا يحج عن أحد مطلقا كابن عمر، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أنه لا يجوز أن يستنيب من يقدر على الحج بنفسه في الحج الواجب، وأما النفل فيجوز عند أبي حنيفة خلافا للشافعي. وعن أحمد روايتان. انتهى.
وفي رواية ابن عباس: أن أسامة قال: كنت ردف النبي ﷺ من عرفة إلى
الحواشي
(١) الشيطان".
قال النووي: هذا يدل على أن وضع يده الشريفة على وجه الفضل كان لدفع الفتنة عنه وعنها. انتهى.
وبه رد الولي قول النووي نفسه في حديث مسلم السابق وحرمة النظر إلى الأجنبية وتغيير المنكر باليد لمن قدر عليه، فقال: إن أراد عند خوف الفتنة فهو محل وفاق، وإن أراد الأعم من خوفها وأمنها، ففي حالة أمنها خلاف مشهور للعلماء ولا يصح الاستدلال بالحديث على التحريم لاحتماله لكل منهما.
"وظاهر هذا أن العباس كان حاضرا لذلك، فلا مانع أن يكون ابنه عبد الله أيضا كان معه" فحدث عن مشاهدة لا أنه أرسل الحديث.
"وفي هذا الحديث دلالة على جواز النيابة في الحج عمن لا يستطيع من الأحياء، خلافا لمالك في" كراهة "ذلك".
قال عياض: ولا حجة فيه على الوجوب؛ لأن قولها: إن فريضة الله لا توجب دخول أبيها في ذلك الفرض إنما ظاهر الحديث أنها أخبرت أن فرض الحج مع الاستطاعة نزل وأبوها غير مستطيع، فسألت: هل لها أن تحج عنه ويكون له في ذلك أجر؟، ولا يخالفه قوله: نعم، وفي رواية: فحجي عنه؛ لأنه ندب وإرشاد ورخصة لها أن تفعل لما رأى من حرصها على تحصيل الخير لأبيها "و" خلافا "لمن قال: لا يحج عن أحد مطلقا كابن عمر" عبد الله.
"ونقل ابن المنذر وغيره: الإجماع على أنه لا يجوز" أي: يحرم "أن يستنيب من يقدر على الحج بنفسه في الحج الواجب، وأما النفل فيجوز عند أبي حنيفة خلافا للشافعي، وعن أحمد روايتان" كالمذهبين.
"وفي رواية ابن عباس" عبد الله "أن أسامة" ابن زيد "قال: كنت ردف" بكسر الراءстр. 5445
المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، فكلاهما قال: لم يزل النبي ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة. رواه الشيخان وغيرهما.
وفي رواية جابر: فلما أتى ﷺ بطن محسر حرك ناقته وأسرع السير قليلا.
قال الأسنوي: سببه أن النصارى كانت تقف فيه، كما قاله الرافعي، أو العرب، كما قاله في الوسيط، فأمرنا بمخالفتهم. قال: وظهر لي فيه معنى آخر، وهو أنه مكان نزل فيه العذاب على أصحاب الفيل القاصدين هدم البيت، فاستحب فيه
الحواشي
(١) وسكون الدال "النبي ﷺ " على عجز ناقته "من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف" النبي ﷺ "الفضل" بن عباس "من المزدلفة إلى منى، فكلاهما" أي: أسامة والفضل "قال: لم يزل" أي: استمر "النبي ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة" أي: أتم رميها، لما رواه ابن خزيمة عن الفضل: أفضت مع النبي ﷺ من عرفات، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة يكبر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة.
قال ابن خزيمة: هذا حديث صحيح مفسر لما أبهم في الرواية الأخرى، وأن المراد بقوله: حتى رمى جمرة العقبة، أي: أتم رميها.
وقال أبو حنيفة والشافعي: والأكثر يقطعها عند رمي أول حصاة.
وعن أحمد: روايتان.
وقال مالك: يقطعها إذا راح إلى مصلى عرفة.
قال ابن القاسم: وذلك بعد الرواح، وراح يريد الصلاة، وإليه ذهب علي وعائشة وسعد بن أبي وقاص، رواه عنهم ابن المنذر وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة وقاله الأوزاعي والليث.
قال الحافظ في ذكر أسامة: إشكال لما في مسلم عنه، وانطلقت أنا في سباق قريش على رحلي، فإن مقتضاه أن أسامة سبق إلى رمي الجمرة فيكون إخباره بالتلبية مرسلًا، لكن لا مانع أنه يرجع مع النبي ﷺ إلى الجمرة أو يقيم بها حتى يأتي النبي ﷺ وأيد ذلك بحديث أم الحصين الآتي "رواه الشيخان وغيرهما".
"وفي رواي جابر" في حديثه الطويل: "فلما" لفظه حتى "أتى بطن محسر" بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين المشددة المهملتين موضع بين مزدلفة ومنى "حرك ناقته وأسرع السير قليلا".
"قال الإسنوي: سببه" أي: الإسراع "أن النصارى كانت تقف فيه كما قاله كما قاله الرافعي، أو العرب كما قاله في الوسيط فأمرنا بمخالفتهم، قال: وظهر ليس فيه معنى آخر" في حكمته "وهو أنه مكان نزل فيه العذاب على أصحاب الفيل القاصدين هدم البيت" في قول الأصحстр. 5446
الإسراع لما ثبت في الصحيح أمره المار على ديار ثمود ونحوهم بذلك. وقال غيره: وهذه كانت عادته ﷺ في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه، وسمي وادي محسر؛ لأن الفيل حسر فيه، أي أعيى وانقطع عن الذهاب. انتهى.
ثم سلك ﷺ الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. رمى من بطن الوادي، وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، واستقبل الجمرة، وكان رميه ﷺ يوم النحر ضحى، كما قاله جابر في رواية مسلم، والترمذي، وأبي داود، والنسائي.
الحواشي
(١) خلافه وأنهم لم يدخلوا الحرم، وإنما أهلكوا قرب أوله وأن رجلا اصطاد، ثم فنزلت نار فأحرقته، ولذا تسميه أهل مكة وادي النار، قاله في التحفة: "فاستحب فيه الإسراع لما ثبت في الصحيح أمره المار على ديار ثمود ونحوهم بذلك، قال غيره: وهذه كانت عادته ﷺ في المواضع التي نزل فيها بأس الله" تعالى: عذابه ونقمت "بأعدائه" الكافرين "وسمي وادي محسر؛ لأنه الفيل حسر فيه، أي: أعيا" وكل وتعب "وانقطع عن الذهاب. انتهى".
"ثم سلك ﷺ الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى:" جمرة العقبة، وهذا معنى قول الأصحاب: يذهب إلى عرفات في طريق ضب ويرجع في طريق الملزمين ليخالف الطريق تفاؤلا بتغيير الحال، قاله المصنف: "حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة" هذا يدل على أنه كان هناك شجرة كما في الفتح "فرماها بسبع حصيات:" بسين فموحدة "يكبر مع كل حصاة" أسقط من مسلم منها حصي الخذف.
قال المصنف: كذا في معظم الروايات، ونقله عياض عن أكثر الأصول، لكنه قال: صوابه مثل حصي الخذف، بإثبات لفظة مثل، وكذا رواه غير مسلم وهو الذي في أصل ابن عيسى.
وأجاب النووي بأن حصي الخذف متصل بحصيات، أي: رماا بسبع حصيات حصي الخذف، واعترض بينهما بقوله: يكبر مع كل حصاة منها.
قال الأبي: يريد النووي. إن حصى الخذف بدل من حصيات، والإضافة في حصى الخذف للبيان بمعنى من مثلها في خاتم حديد، وتعقبه الهروي بأن حصى الخذف وقع مشبها به، أي: كحصى أو مثل حصى، وحذف أداة التشبيه سائغ ولم يقل أحد أنه خطأ، أو أنه يحصل منه لبس، بل قال أهل البيان: إنه أبلغ "رمى من بطن الوادي وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، واستقبل الجمرة" حين رماها "وكان رميه ﷺ يوم النحر ضحى، كما قاله جابر في رواية مسلم والترمذي وأبي داود والنسائي".стр. 5447
وفي رواية أم الحصين، عند أبي داود: رأيت أسامة وبلالا أحدهما آخذ بخطام ناقة رسول الله ﷺ والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة.
وفي رواية النسائي: ثم خطب فحمد الله وأثنى عليه، وذكر قولا كثيرا.
وعن أم جندب: رأيته ﵊ يرمي الجمرة من بطن الوادي، وهو راكب، يكبر مع كل حصاة، ورجل من خلفه يستره، فسألت عن الرجل فقالوا: الفضل بن العباس. وازدحم الناس فقال النبي ﷺ : "يا أيها الناس، لا يقتل بعضكم بعضا، وإذا رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخذف".
الحواشي
(١) "وفي رواية أم الحصين:" بمهملتين مصغر الأحمسية الصحابية لم تسم، وسمى بعض الرواة أباها إسحاق، قال أبو عمر: لم أر لغيره "عند أبي داود" ومسلم، فالعزو له أولى، فإنه رواه من طريق يحيى بن الحصين عن أم الحصين جدته، قالت: حججت مع النبي ﷺ حجة الوداع، فـ"رأيت أسامة وبلالا وأحدهما آخذ" بالمد اسم فاعل "بخطام" بكسر المعجمة: "ناقة رسول الله ﷺ والآخر رافع ثوبه يستره" ﷺ "من الحر".
وفي رواية لمسلم: من الشمس "حتى رمى جمرة العقبة".
"وفي رواية النسائي" عنها: "ثم خطب فحمد الله وأثنى عليه وذكر قولا كثيرا" كأنها لم تحفظه أو لم ترد التحديث به، وهو في مسلم أيضا قبل هذه بلفظ: قالت: فقال رسول الله ﷺ قولا كثيرا، ثم سمعته يقول: إن أمر عليكم عبد مجدع، حسبتها قالت: أسود يقودكم بكتاب الله تعالى فاسمعوا له وأطيعوا.
"وعن أم جندب" الأزدية: لم تسم وهي أم سليمان بن عمرو بن الأحوص.
روى أحمد وأبو داود وابن ماجه وغيرهم عنها أنها قالت: "رأيته ﵊ يرمي الجمرة من بطن الوادي وهو راكب" ناقته "يكبر مع كل حصاة ورجل:" مبتدأ للوصف بقوله: "من خلفه يستره" خبر، أي: من الحر.
قال الولي: أو من حصاة تقع عليه، أو ممن يزاحمه وهو لا يعرفه لكثرة الناس.
"فسألت عن الرجل، فقالوا: الفضل بن العباس" ووقع في رواي لابن سعد: العباس بن عبد المطلب، والصواب الأول كما في الإصابة.
ولابن سعد عن بعض الصحابة: أن الذي كان يظلله بلال، وجمع باحتمال أنهما كانا يتناوبان.
"وازدحم الناس، فقال النبي ﷺ : "يا أيها الناس لا يقتل بعضكم بعضا" بالازدحام، ولمстр. 5448
وفي هذا دليل على جواز استظلال المحرم بالمحل ونحوه، وقد مر أنه ﷺ ضربت له قبة من شعر بنمرة.
وفي رواية جابر عند مسلم وأبي داود قال: رأيته ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر، وهو يقول: "خذوا عني مناسككم لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه".
وفي رواية قدامة عند الترمذي رأيته يرمي الجمار على ناقة له صهباء، ليس
الحواشي
(١) يقصد حقيقة القتل، إذ لم يكونوا ليفعلوه، إنما أراد أذى بعضهم لبعض بالمزاحمة، فسماه قتلا مجازا بقرينة قول الراوي أولا، وازحم الناس، لكن قوله: "وإذا رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخذف" قد يدل على النهي عن القتل الحقيقي، بأن يرموا بحجارة كبار إذا أصابت شخصا قتلته، ولعل المراد الأمر؛ أن بناء على استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، قاله الولي وأمرهم مع رميه بمثلها؛ لأنهم كلهم لم يروا رميه لكثرتهم.
"وفي هذا دليل على جواز استظلال المحرم بالمحمل ونحوه، وقد مر أنه ﷺ ضربت له قبة:" خيمة "من شعر بنمرة" بفتح النون وكسر الميم الاستظلال بالخيمة والسقف مجمع على جوازه كاستظلاله بيده، إنما الخلاف في تظليله بنحو الثوب على رأسه بلا مماساة فأجازه الشافعي راكبا أو ماشيا.
وقال مالك وأحمد: لا يجوز، وأجابوا عن حديث أم الحصين ونحوه: بأنه استظلال خفيف لا يكاد يدوم.
"وفي رواية جابر عند مسلم وأبي داود، قال: رأيته ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر" ففيه استحباب رميها حين وصوله على الحالة التي وصلها عليها، إن راكبا فراكب، وإن ماشيا فماش، وقاله مالك والشافعي "وهو يقول: "خذوا عني منسككم".
وفي رواية: "لتأخذوا" بلام مكسورة بعدها فوقية، قال النووي: هذه لام الأمر ومعناها: خذوا، وتقديره هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال والأفعال والهيئات هي أمور الحج وهي مناسككم، فخذوها عني واقبلوها واحفظوها واعملوا بها وعلموها الناس، فإني "لا أدري" ما يفعل بي "لعلي" مستأنف، أي: أظن أني "لا أحج بعد حجتي هذه" ويحتمل أن لعل للتحقيق كما يقع في كلام الله تعالى كثيرا.
وقال النووي: فيه إشارة إلى توديعهم وإعلامهم بقرب وفاته وحثهم على الاعتناء بالأخذ عنه وانتهاز الفرصة من ملازمته، وتعلم أمور الدين، وبهذا سميت حجة الوداع.
"وفي رواية قدامة" بضم القاف والتخفيف ابن عبد الله بن عمار العامري الكلابي صحابي قليل الحديث، قال البغوي: سكن مكة، وقال ابن السكن: أسلم قديما، ولم يهاجر،стр. 5449
ضرب ولا طرد ولا إليك إليك.
ثم انصرف ﷺ إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بدنة، ثم أعطى عليا فنحر
الحواشي
(١) وكان يسكن نجدا وشهد حجة الوداع.
"عند الترمذي" قال: "رأيته ﷺ "يرمي الجمار على ناقة له صهباء" بفتح المهملة وإسكان الهاء فموحدة فألف وبالمد حمراء يعلوها سواد، ولعل هذا لون القصواء التي كان عليها "ليس ضرب" للناس عنده "ولا طرد" للناس ليتنحوا عنه "ولا" قول "إليك إليك" كما يفعل عند المتكبرين "ثم انصرف ﷺ إلى المنحر" موضع معروف بمنى وكلها منحر كما في الحديث.
قال ابن التين: منحر النبي ﷺ عند الجمرة الاولى التي تلي المسجد، فللنحر فيه فضيلة على غيره لقوله: هذا المنحر وكل منى منحر.
"فنحر ثلاثا وستين بدنة" واحدة بدن، كذا رواه ابن ماهان في مسلم، ورواه غيره بيده.
قال عياض: وكل صواب وبيده أصوب.
وقال النووي: كل جرى فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده الشريفة "ثم أعطى عليا فنحر ما غبر" بفتح المعجمة والموحدة والراء، أي: ما بقي من البدن وكانت مائة.
وفي أبي داود عن علي: لما نحر ﷺ بدنة نحر ثلاثين بيده وأمرني فنحرت سائرها، وفيه أيضا عن غرفة بن الحارث الكندي: شهدت مع رسول الله ﷺ وأتى البدن، فقال: "ادعوا لي أبا حسن"، فدعي له علي، فقال: "خذ بأسفل الحربة"، وأخذ ﷺ بأعلاها، ثم طعنا بها البدن، فلما فرغ ركب وأردف عليا، وجمع الحافظ ولي الدين باحتمال أنه ﷺ انفرد بنحر ثلاثين بدنة، وهي التي ذكرت في ديث علي، واشترك هو وعلي في نحر ثلاث وثلاثين بدنة وهي المذكورة في حديث غرفة بغين معجمة مفتوحة، وقيل: مهملة، وقول جابر: نحو ثلاثا وستين، مراده: كل ما له دخل في نحره إما منفردا به أو مع مشاركة علي، وجمع الحافظ بين حديثي علي وجابر بأنه ﷺ نحر ثلاثين ثم أمر عليا أن ينحر فنحر سبعا وثلاثين، ثم نحر ﷺ ثلاثا وثلاثين، قال: فإن ساغ هذا وإلا فما في الصحيح أصح، أي: مع مشاركة على ليتئم مع حديث غرفة وإن لم يذكره.
وذكر بعضهم أن حكمة نحره ثلاث وستين بدنة بيده أنه قصد بها سني عمره، وهي ثلاث وستون عن كل سنة بدنة، نقله عياض ثم قال: والظاهر أنه ﷺ نحر البدن التي جاءت معه من المدينة وكانت ثلاثا وستين كما رواه الترمذي، وأعطى عليا البدن التي جاءت معه من اليمن وهي تمام المائة. انتهى.
وما في الصحيحين عن أنس: نحر النبي ﷺ بيده سبعة بدن، فلعلها التي اطلع هو عليها،стр. 5450
ما غبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها.
وفي رواية جابر عند مسلم: نحر ﵇ عن نسائه بقرة.
وقالت عائشة: نحر ﷺ عن آل محمد في حجة الوداع بقرة واحدة. رواه أبو داود.
الحواشي
(١) ووجهت أيضا بأنه أراد سبعة أبعرة، ولذا ألحق بها الهاء، وهذا خبر من احتمال أنه ما نحر بيده إلا سبعا؛ لأن أحاديث جابر وعلي وغرفة مصرحة بخلاف.
"وأشركه" أي: عليا "في هديه" في نفس الهدي، ويحتمل في نحره: "ثم أمر من كل بدنة" من المائة "ببضعة" بفتح الموحدة وتضم وتكسر بقطعة من لحمها "فجعلت في قدر فطبخت فأكلا" أي: النبي وعلي "من لحمها وشربا من مرقها".
قال المظهري: الضمير المؤنث يعود إلى القدر؛ لأنها مؤنث سماعي.
قال الطيبي: ويحتمل عوده إلى الهدايا.
قال النووي: قالوا: لما كان الأكل من كل واحدة سنة، وفي الأكل من جميعها كلفة ومشقة، جعلت في قدر ليكون تناوله من المرق كالأكل من جميعها، واتفقوا على أن الأكل من الهدي والضحية ليس بواجب. انتهى.
ونحرها قائمة، كما يدل عليه ما في الصحيحين عن زياد بن جبير: رأيت ابن عمر أتى على رجل قد أناخ بدنته ينحرها، قال: ابعثها قياما مقيدة سنة محمد ﷺ ، وهذا مرفوع لقوله: سنة.
"وفي رواية جابر عند مسلم: نحر ﵇ عن نسائه بقرة" أي: جنس بقرة لا بعير ولا غنم، فلا يخالف ما رواه النسائي عن عائشة، قالت: ذبح عنا ﷺ يوم حجنا بقرة بقرة.
"وقالت عائشة: نحر ﷺ عن آل محمد في حجة الوداع بقرة واحدة، رواه أبو داود" من طريق يونس عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة، وأعلها إسماعيل القاضي بأن يونس تفرد بقوله واحدة، وخالفه غيره، وتعقبه الحافظ بأن يونس ثقة حافظ وتابعه معمر عند النسائي، بلفظ: ما ذبح عن آل محمد في حجة الوداع إلا بقرة.
وما روي عن النسائي عن عمار الدهني عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، عن عائشة: ذبح عنا ﷺ يوم حجنا بقرة بقرة، فشاذ مخالف لما تقدم. انتهى.
ولا شذوذ فيه، فإن عمار الدهني بضم المهملة وإسكان الهاء ونون ثقة من رجال مسلمстр. 5451
ثم أتى رسول الله ﷺ منزله بمنى، ثم قال للحلاق: "خذ"، وأشار بيده إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس. وفي رواية: أنه قال لحلاق: "ها"، وأشار بيده إلى الجانب الأيمن، فقسم شعره بين من يليه، ثم أشار إلى الحلاق إلى الجانب الأيسر فحلقه وأعطاه أم سليم. وفي أخرى: فبدأ بالشق الأيمن فوزعه
الحواشي
(١) والأربعة فزيادته مقبولة، فإنه قد حفظ ما لم يحفظ غيره وزيادته ليست مخالفة لغيره، فإن رواية معمر: ما ذبح إلا بقرة أريد بها الجنس، أي: لا بعير ولا غنم حتى لا تخالف الرواية الصريحة أن عن كل واحدة بقرة، فمن شرط الشذوذ أن يتعذر الجمع، وقد أمكن فلا تأييد فيها لرواية يونس التي حكم القاضي بشذوذها؛ لأنه انفرد بقوله واحدة، وإسماعيل من الحفاظ لا يجهل أن يونس ثقة حافظ، وإنما حكم بشذوذ روايتيه ومخالفة غيره له على القاعدة؛ أن الشاذ ما خالف الثقة فيه الملأ، بل اكتفى الحاكم بالتفرد وإن لم يخالف كما في متن الألفية.
وقد رواه البخاري في الأضاحي ومسلم من طريق ابن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: ضحى ﷺ عن نسائه بالبقرة، ورواه مسلم أيضا عن عبد العزيز الماجشون عن عبد الرحمن بسنده، بلفظ: أهدى.
قال الحافظ: والظاهر أن التصرف من الرواة؛ لأنه ثبت في الحديث ذكر النحو فحمله بعضهم على الأضحية، لكن رواية أبي هريرة صريحة في أنه كان عمن اعتمر من نسائه، فقويت رواية من رواه بلفظ: أهدى، وبان أنه للتمتع، فلا حجة فيه على قول: مالك لا ضحايا على أهل منى.
"ثم أتى رسول الله ﷺ " بعد رمي الجمرة إلى "منزله" الذي نزل فيه "بمنى" ونحر، كما في هذه الرواية: "ثم قال للحلاق: "خذ" وأشار بيده إلى جانبه الأيمن" لأن الحلق هنا عبادة والتيامن فيها مستحب "ثم الأيسر".
وعن أبي حنيفة: يقدم الأيسر، وأن اليمين هنا يمين الحلاق؛ لأنه من باب النزع فيبدأ فيه بالأيسر.
قال الأبي: ولا يخفى عليك أنه ليس من باب النزع بل هو عبادة، وفي بعض الطرق: أضاف اليمين إلى النبي ﷺ كما هو ظاهر أحاديث الباب.
"ثم جعل" ﷺ "يعطيه" أي: شعره "الناس" للتبرك به واستشفاعًا إلى الله بما هو منه وتقربا بذلك إليه.
"وفي رواة: أنه" ﵇ "قال للحلاق: "ها" بألف بلا همز "وأشار بيده" الكريمة "إلى الجانب الأيمن" فيه حذف تقديره احلق فحلق "فقسم شعره بين من يليه" من الصحابة "ثم أشار إلى الحلاق إلى الجانب الأيسر فحلقه وأعطاه" أي: شعره "أم سليم" بنت ملحانстр. 5452
الشعرة والشعرتين بين الناس، ثم قال بالأيسر، فصنع مثل ذلك، م قال: "ها هنا أبو طلحة"؟ فدفعه إليه. وفي أخرى: رمى جمرة العقبة ثم انصرف إلى البدن فنحرها والحجام جالس، وقال بيده عن رأسه، فحلق الشق الأيمن فقسمه بين من يليه، ثم قال: "احلق الشق الآخر "، فقال: "أين أبو طلحة"؟ فأعطاه إياه. رواه الشيخان.
وعند الإمام أحمد: أنه استدعى الحلاق فقال له وهو قائم على رأسه
الحواشي
(١) والدة أنس.
"وفي أخرى: فبدأ بالشق الأيمن" فحلقه "فوزعه الشعرة والشعرتين بين الناس، ثم قال: بالأيسر، فصنع مثل ذلك، ثم قال: "ههنا" بتقدير همزة الاستفهام "أبو طلحة" زيد بن سهل الأنصاري "فدفعه" أي: الشعر "إليه".
"وفي أخرى:" أن رسول الله ﷺ "رمى جمرة العقبة، ثم انصرف إلى البدن" بضم فسكون "فنحرها والحجام جالس، وقال" أي: أشار "بيده عن رأسه" احلق "فحلق شقه الأيمن، فقسمه بين من يليه" من الناس "ثم قال: احلق الشق الآخر" الأيسر، فحلقه "فقال: "أين أبو طلحة؟ فأعطاه إياه" أي: المحلوق من الشق الأيسر "رواه" أي: المذكور من هذه الروايات "الشيخان" من طرق مدارها على محمد بن سيرين، عن أنس.
وفي مسلم أيضا: تلو هذه الروايات عن أنس، قال: لما رمى ﷺ الجمرة ونحر نسكه وحلق، ناول الحالق شقه الأيمن، فحلق ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه، ثم ناوله الشق الأيسر، فقال: "احلق" فحلقه فأعطاه أبا طلحة، فقال: "اقسمه بين الناس"، قال أبو عبد الله الأبي: إعطاؤه لأبي طلحة ليس بمخالف لقوله: "اقسمه بين الناس"، لاحتمال أن يكون أعطاه له ليفرقه ويبقى النظر في اختلاف الروايات في الجانب الأيسر، ففي الأولى؛ أنه فرقه كالأيمن، وفي الثاني؛ أنه أعطاه أم سليم، وفي الثالثة؛ أنه أعطاه أبا طلحة، وفي الرابعة؛ أنه أعطى شعر الشقين لأبي طلحة، فيحتمل أنه أعطاه أم سليم لتعطيه لزوجها أبي طلحة ليفرقه.
ويحتمل أنه أعطى الشعر لأبي طلحة على أن يعطيه أبو طلحة لأم سليم لتفرقه على النساء، وذكر الشعر والشعرتين يدل على كثرة الحاضرين، وفيه التبرك بآثار الصالحين. انتهى.
وليس في جمعه المذكور شفاء وإنما قسم شعره في أصحابه ليكون بركة باقية بينهم وتذكرة لهم، وكأنه أشار بذلك إلى اقتراب الأجل، وخص أبا طلحة بالقسمة التفاتا إلى هذا المعنى؛ لأنه هو الذي حفر قبره ولحد له وبنى فيه اللبن، وفيه تخصيص الإمام الكبير بما يفرقه عليهم من عطاء وهدية ونحوهما.
"وعند الإمام أحمد أنه" ﷺ "استدعى الحلاق، فقال له وهو قائم على رأسهстр. 5453
بالموسى، ونظر في وجهه، وقال: "يا معمر، أمكنك رسول الله ﷺ من شحمة أذنه وفي يدك الموسى"، قال: فقلت له: أما والله يا رسول الله، إن ذلك لمن نعم الله علي ومنه؟، قال: "أجل".
وقال البخاري: وزعموا أن الذي حلق للنبي ﷺ معمر بن عبد الله بن نضلة بن عوف. انتهى. وهو عند ابن خزيمة في صحيحه.
وعند الإمام أحمد: وقلم ﷺ أظفاره وقسمها بين الناس.
وعنده أيضا: من حديث محمد بن زد، أن أباه حدثه، أنه شهد النبي ﷺ عند المنحر ورجل من قريش وهو يقسم أضاحي، فلم يصبه شيء ولا صاحبه،
الحواشي
(١) بالموسى ونظر في وجهه" ولفظ أحمد عن معمر: كنت أرجل لرسول الله ﷺ في حجة الوداع ... الحديث، وفيه فلما نحر ﷺ هديه بمنى أمرني أن أحلقه، فأخذت الموسى فقمت على رأسه فنظر ﷺ في وجهي "وقال: "يا معمر أمكنك رسول الله ﷺ من شحمة أذنه وفي يدك الموسى" عبر بالاسم الظاهر تشريفا له بالرسالة والاستفهام تعجبي.
"قال" معمر: "فقلت له" ﵇: "أما" بالفتح والتخفيف "والله يا رسول الله إن ذلك لمن نعم الله علي، ومنه؟ قال: "أجل" أي: نعم، وبقية خبر أحمد، قال ﷺ : "إذا أقر لك"، قال: ثم حلقت لرسول الله ﷺ وأقر بقاف وشد الراء، أي: أثبت لك حتى تحلق.
"وقال البخاري: وزعموا أن الذي حلق للنبي ﷺ " وفي نسخة: النبي، أي: شعر رأس النبي، فحذف المضاف وأقم المضاف إليه مقامه "معمر بن عبد الله" بن مالك "بن نضلة" بفتح النون وإسكان المعجمة "ابن عوف" العدوي، صحابي كبير من مهاجرة الحبشة. "انتهى".
"وهو عند ابن خزيمة في صحيحه" وأحمد من حديث معمر كما علم، ورواه الطبراني عن أم سلمة، قالت: حلق رأس رسول الله ﷺ يوم النحر معمر بن عبد الله العدوي، وقيل: الذي حلقه خراش بن أمية بن ربيعة الخزاعي، ثم الكلبي بموحدة مصغر نسبة إلى جد له اسمه كليب، والمشهور الأول، فقد قال ابن السكن الخراش بن أمية: حديث واحد، وهو قوله: أنا حلقت رأس رسول الله ﷺ عند المروة في عمرة القضية، وقال ابن الكلبي: حلقه فيها أو في الحديبية.
"وعند الإمام أحمد: وقلم ﷺ أظفاره" بعدما حل "وقسمها بين الناس" للتبرك.
"وعنده أيضا من حديث محمد بن زيد: أن أباه حدثه أنه شهد النبي ﷺ عند المنحر ورجل من قريش وهو" ﷺ "يقسم أضاحي، فلم يصبه" أي: زيدا "شيء" منстр. 5454
فحلق رسول الله ﷺ رأسه في ثوبه فأعطاه شعره، فقسم منه على رجال وقلم أظفاره وأعطاه صاحبه، وكان يخضب بالحناء والكتم.
وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: يا رسول الله، وللمقصرين، قال: "اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: يا رسول الله، وللمقصرين، قال: "اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: يا رسول الله، وللمقصرين؟ قال: "وللمقصرين"، رواه الشيخان.
وليس فيه تعيين: هل قاله ﷺ في الحديبية أو في حجة الوداع؟
قالوا: ولم يقع في شيء من طرقه التصريح بسماعه لذلك من النبي ﷺ ، ولو وقع لقطعنا بأنه كان في حجة الوداع؛ لأنه شهدها ولم يشهد الحديبية.
الحواشي
(١) الأضاحي "ولا صاحبه" القرشي لم يصبه شيء "فحلق رسول الله ﷺ رأسه" وجعل شعره "في ثوبه، فأعطاه" أي: زيدا "شعره" أي: بعضه "فقسم منه على رجال" وبحمله على بعضه لا يخالف الأحاديث قبله، فإن ساغ هذا وإلا فما في الصحيح أصح "وقلم أظفاره وأعطاه صاحبه" القرشي "وكان يخضب" بكسر الضاد "بالحناء" بالمد "والكتم" بفتحتين نبت فيه حمرة يخلط بالوسمة ويخضب به للسواد، والوسمة بفتح الواو وكسر السين المهملة أفصح من سكونها، نبت يخض بورقه كما في المصباح.
"وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم اغفر للمحلقين، قالوا" أي: اصحابة، قال الحافظ: لم أقف في شيء من الطرق على الذي تولى السؤال في ذلك بعد البحث الشديد "يا رسول الله" قل "و" اغفر "للمقصرين" فالعطف على محذوف يسمى العطف التلقيني، كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] ، قال: ومن ذريتي؟ "قال: "اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: يا رسول الله وللمقصرين؟، قال: "اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: يا رسول الله وللمقصرين؟، قال:" بعد الثالثة" "وللمقصرين"؟ فيه إعطاء المعطوف حكم المعطوف عليه، ولو تخلل بينهما السكوت بلا عذر "رواه الشيخان" وروياه أيضا من حديث ابن عمر بطرق، إلا أن لفظه: "اللهم ارحم المحلقين" بدل اغفر، والمعنى واحد "وليس فيه تعيين هل قاله ﷺ في الحديبية" كما قاله ابن عبد البر "أو في حجة الوداع، قالوا: ولم يقع في شيء من طرقه" أي: حديث أبي هريرة "التصريح" بالموضوع ولا التصريح "بسماعه ذلك من النبي ﷺ ، ولو وقع لقطعنا بأنه كان في حجة الوداع؛ لأنه شهدها، ولم يشهد الحديبية" لأنه إنما جاء بعدها "وقد وقع تعيين الحديبية من حديث جابر عند أبي قرة" بضم القاف وشدстр. 5455
وقد وقع تعيين الحديبية من حديث جابر عند أبي قرة في "السنن" ومن طريقه الطبراني في الأوسط، ومن حديث المسور بن مخرمة عند ابن إسحاق في المغازي.
وورد تعيين حجة الوداع من حديث أبي مريم السلولي عند أحمد وابن أبي شيبة، ومن حديث أم الحصين عند مسلم، ومن حديث قارب بن الأسود الثقفي عند أحمد وابن أبي شيبة، ومن حديث أم عمارة عند الحارث.
فالأحاديث التي فيها تعيين حجة الوداع أكثر عددا، وأصح إسنادا، ولهذ قال النووي عقب أحاديث ابن عمر وأبي هريرة وأم الحصين: هذه أحاديث تدل
الحواشي
(١) الراء "في" كتاب "السنن" له.
"ومن طريقه الطبراني في" معجمه "الأوسط، ومن حديث المسور" بكسر فسكون "ابن مخرمة" بفتح فسكون.
"عند ابن إسحاق" محمد "في المغازي" ومن حديث أبي سعيد عند أحمد وابن أبي شيبة والطيالسي والطحاوي وابن عبد البر، بلفظ: سمعت رسول الله ﷺ يستغفر لأهل الحديبية للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة، ومن حديث ابن عباس عند أحمد وابن ماجه وغيرهما.
"وورد تعيين حجة الوداع من حديث أبي مريم" مالك بن ربيعة "السلولي" بفتح المهملة وضم اللام الخفيفة، صحابي دعا له النبي ﷺ أن يبارك له في ولده، فولد له ثمانون ولدا، رواه ابن منده.
"عند أحمد وابن أبي شيبة: ومن حديث أم الحصين" السلولية "عند مسلم" أنها سمعت النبي ﷺ في حجة الوداع: دعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة واحدة.
"ومن حديث قارب بن الأسود الثقفي عند أحمد وابن أبي شيبة، ومن حديث أم عمارة" بضم العين الأنصارية "عند الحارث" بن أبي أسامة.
ومن حديث ابن عمر، قال: حلق ﷺ في حجة الوداع وأناس من أصحابه، وقصر بعضهم فقال: $"اللهم ارحم المحلقين"، الحديث رواه البخاري هكذا في المغازي من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر.
"فالأحاديث التي فيها تعيين حجة الوداع أكثر عددا" لأنهم خمسة من الذين عينوا الحديبية؛ لأنهم أربعة "وأصح إسنادا" لأن بعضها في الصحيحين بخلاف الحديبية، فليس شيء منها في واحد منهما.
"ولهذا قال النووي عقب أحاديث ابن عمر وأبي هريرة وأم الحصين: هذه الأحاديثстр. 5456
على أن هذه الواقعة كانت في حجة الوداع: قال: وهو الصحيح المشهور، وقيل: كانت في الحديبية، وجزم إمام الحرمين في النهاية أن ذلك كان في الحديبية، ثم قال النووي: ولا يبعد أن يكون ذلك وقع في الموضعين. انتهى.
وكذا قال ابن دقيق العيد: إنه الأقرب.
قال في فتح الباري: بل هو المتعين لتظافر الروايات بذلك في الموضعين، إلا أن السبب في الموضعين مختلف، فالذي في الحديبية كان بسبب توقف من توقف من الصحابة عن الإحلال، لما دخل عليهم من الحزن، لكونهم منعوا من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم في أنفسهم على ذلك، فخالفهم النبي ﷺ وصالح قريشا على أن يرجع من العام المقبل، فلما أمرهم بالإحلال توقفوا، فأشارت أم سلمة أن يحل هو ﷺ قبلهم ففعل، فتبعوه فحلق بعض وقصر بعض،
الحواشي
(١) تدل على أن هذه الواقعة كانت في حجة الوداع" لكن الذي يدل منها إنما هو حديث أم الحصين.
أما حديث ابن عمر وأبي هريرة عند مسلم فليس فيهما تصريح بموضع، وقد صرح في فتح الباري؛ بأنه ليس في رواية أبي هريرة تعيين الموضوع، وعين في بعض طرق حديث ابن عمر عند البخاري ولم يذكر هذه الطريق مسلم.
"قال: وهو الصحيح المشهور، وقيل: كانت في الحديبية، وجزم إمام الحرمين في النهاية" وكذا ابن عبد البر "أن ذلك كان في الحديبية، ثم قال النووي: ولا يبعد أن يكون ذلك وقع في الموضعين. انتهى".
وقال عياض: كان في الموضعين، هكذا في الفتح قبل قوله.
"وكذا قال ابن دقيق العيد: إنه الأقرب، قال في فتح الباري: بل هو المتعين لتظافر الروايات بذلك في الموضعين" وكلها صحيحة وإن كان بعضها أصح وأكثر، فلا يقتضي طرح غيره مع إمكان الجمع بالتعدد "إلا أن السبب في الموضعين مختلف، فالذي في الحديبية كان بسبب توقف من توقف الصحابة عن الإحلال لما دخل عليهم من الحزن لكونهم منعوا من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم في أنفسهم على ذلك" أي: الوصول إليه بالقتال "فخالفهم النبي ﷺ ، وصالح قريشا على أن يرجع من العام المقبل، فلما أمرهم بالإحلال" من العمرة "توقفوا، فأشارت أم سلمة" لما دخل عليها النبي ﷺ وأخبرها بتوقفهم وخوفه عليهم من التوقف "أن يحل هو ﷺ قبلهم" فقالت: اخرج ولا تكلم أحدا منهم وادع الحلاق يحلقстр. 5457
فكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر، ممن اقتصر على التقصير، وقد وقع التصريح بهذا السبب في حديث ابن عباس، فإن في آخره عند ابن ماجه وغيره أنهم قالوا: يا رسول الله، ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالترحم؟ قال: "لأنهم لم يشكوا".
وأما السبب في تكرير الدعاء للمحلقين في حجة الوداع، فقال ابن الأثير في "النهاية": كان أكثر من حج معه ﷺ لم يسق الهدي، فلما أمرهم أن يفسخوا الحج إلى العمرة ثم يتحللوا منها، ويحلقوا رؤوسهم، شق عليهم، ثم لما لم يكن لهم بد من الطاعة كان التقصير في أنفسهم أخف من الحلق، ففعله أكثرهم، فرجع ﷺ فعل من لكونه أبين في امتثال الأمر. انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: وفيما قاله نظر، وإن تابعه عليه غير واحد؛ لأن المتمتع يستحب في حقه أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج إذا كان ما بين النسكين متقاربا، وقد كان ذلك في حقهم كذلك، والأولى ما قاله الخطابي
الحواشي
(١) لك فإنهم يفعلون "ففعل فتبعوه" وحلوا "فحلق بعض وقصر بعض".
في رواية الطيالسي وابن سعد لحديث أبي سعيد: إن الصحابة حلقوا يوم الحديبية إلا عثمان وأبا قتادة فقصرا ولم يحلقا.
قال الجلال البلقيني: فيحتمل أنهما اللذان قالا: والمقصرين "فكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر ممن اقتصر على التقصير، وقد وقع التصريح بهذا السبب في حديث ابن عباس، فإن في آخره عند ابن ماجه وغيره أنهم قالوا: يا رسول الله ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالترحم" أي: ذكرته ثلاث مرات "قال: "لأنهم لم يشكوا" في أن ما فعلته أحسن مما قام في أنفسهم.
"وأما السبب في تكرير الدعاء للمحلقين في حجة الوداع فقال ابن الأثير في النهاية: كان أكثر من حج معه ﷺ لم يسق الهدي، فلما أمرهم أن يفسخوا الحج إلى العمرة، ثم يتحللوا منها ويحلقوا رؤوسهم شق عليهم، ثم لما لم يكن لهم بد من الطاعة" لأمره "كان التقصير في أنفسهم أخف من الحق ففعله أكثرهم، فرجح -صلى الله عليه سلم- فعل من لكونه أبين في امتثال الأمر. انتهى".
"قال الحافظ ابن حجر وفيما قاله نظر وإن تاعه" وافقه "عليه غير واحد؛ لأن المتمتع يستحب في حقه أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج إذا كان ما بين النسكين متقاربا"стр. 5458
وغيره: إن عادة العرب أنها كانت تحب توفير الشعور والتزين بها، وكان الحلق فيهم قليلا، وربما كانوا يرونه من الشهرة ومن فعل الأعاجم، فلذلك كرهوا الحلق واقتصروا على التقصير. انتهى.
وفي رواية عبد الله بن عمرو بن العاصي: وقف رسول الله ﷺ في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاء رجل فقال: يا رسول الله، لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر؟ فقال: "اذبح ولا حرج"، ثم جاء رجل آخر فقال: يا رسول الله لم اشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ فقال: "ارم ولا حرج". قال: فما سئل عن شيء قدم أو أخر
الحواشي
(١) ليبقى له شعر يحلقه في الحج "وقد كان ذلك في حقهم كذلك" فكان الأولى التقصير "والأولى ما قاله الخطابي وغيره؛ إن عادة العرب أنها كانت تحب توفير الشعور والتزين بها، وكان الحلق فيهم قليلا، وربما كانوا يرونه من اشهرة ومن فعل" وفي نسخة: زي "الأعاجم، فلذلك كرهوا الحلق واقتصروا على التقصير. انتهى" كلام الحافظ.
"وفي رواية عبد الله بن عمرو بن العاصي" أنه قال: "وقف رسول الله ﷺ " على ناقته كما في رواية للبخاري، ولمسلم: على راحلته "في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه" وأما رواية: من روى جلس في حجة الوداع فقام رجل، فمحمولة على أنه ركب ناقته وجلس عليها فلا تخالف "فجاء رجل" قال الحافظ: لم أقف على اسمه بعد البحث الشديد ولا على اسم أحد ممن سأل في هذه القصة، وكانوا جماعة، لكن في حديث أسامة بن شريك عند الطحاوي وغيره: كان الأعراب يسألونه، فكان هذا هو السبب في عدم ضبط أسمائهم "فقال: يا رسول الله لم أشعر" بضم العين، أي: أفطن، يقال: شعرت بالشيء شعورا إذا فطنت له، وقيل: الشعور العلم، ولم يفصح في هذه الرواية بمتعلق اشعور، وصرح به في رواية لمسلم، بلفظ: لم أشعر أن الرمي قبل الحلق "فحلقت" شعر رأسي "قبل أن أنحر" والفاء سببية، جعل الحلق مسببا عن عدم الشعور كأنه يعتذر لتقصير "فقال" ﷺ : "اذبح" وفي رواية: انحر "ولا حرج" أي: لا إثم عليك.
قال عياض: ليس أمرا بالإعادة وإنما هو إباحة لما فعل؛ لأنه سأل عن أمر فرغ منه، فالمعنى افعل ذلك متى شئت، قال: ونفى الحرج بين في نفي الفدية عن العامد والساهي، وفي رفع الإثم عن الساهي، وأما العامد بالأصل أن تارك السنة عمدا لا يأثم إلا أن يتهاون فيأثم للتهاون لا للترك.
"ثم جاء رجل آخر، فقال: يا رسول الله لم أشعر" زاد في رواية لمسلم: أن الرمي قبل النحر "فنحرت" الهدي "قبل أن أرمي" الجمرة "قال: "ارم ولا حرج"، قال" عبد الله بن عمرو:стр. 5459
إلا قال: "فعل ولا حرج". رواه مسلم.
وفي رواية: حلقت قبل أن أرمي، وفي رواية: وقف ﷺ على راحلته فطفق ناس يسألونه، فيقول القائل منهم: يا رسول الله إني لم أكن أشعر أن الرمي قبل النحر، فنحرت قبل الرمي فقال ﷺ : "فارم ولا حرج"، قال: فما سمعته يسأل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض وأشباهها
الحواشي
(١) "فما سئل" ﷺ "عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: "افعل ولا حرج" لا ضيق عليك "رواه مسلم" عن يحيى بن يحيى، والبخاري في العلم عن إسماعيل.
وفي الحج عن عبد الله بن يوسف، الثلاثة عن مالك عن ابن شهاب عن عيسى بن طلحة عن عبد الله بن عمر، وبهذا اللفظ ورواه البخاري ومسلم أيضا من وجوه عن ابن شهاب بنحوه، فما هذا الإيهام من المصنف أن البخاري لم يروه مع أنه رواه في مواضع.
"وفي رواية" عند مسلم من طريق محمد بن أبي حفصة عن الزهري بإسناده: "حلقت قبل أن أرمي" وقال آخر: أفضت إلى البيت قبل أن أرمي.
وقال مالك في الأول: الفدية لإلقاء التفث قبل شيء من التحلل، وفي تقديم الإفاضة على الرمي الدم؛ لأنه خلاف الواقع منه ﷺ ، وقد قال: "خذوا عني مناسككم"، فخص هاتين الصورتين من عموم قول الصحابي: فما سئل عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: "افعل ولا حرج"، ولم يثبت عنده زيادتهما في الحديث، فلا يلزم بزيادة غيره لا سيما وهو أثبت الناس في ابن شهاب ومحل قبول زيادة الثقة ما لم يكن من لم يزدها أوثق كما تقرر في علوم الحديث وابن أبي حفصة الذي زادهما وإن كان صدوقا، وروى له الشيخان لكنه يخطئ، بل ضعفه النسائي.
واختلف قول ابن معين في تضعيفه وتكلم فيه يحيى القطان فبطل، تعجب الطبري من مالك في حمل الحرج على نفي الإثم فقط، ثم يخص ذلك ببعض الأمور دون بعض، فإن وجب الترتيب ففي الجميع وإلا فما وجه تخصيص بعض دون بعض مع تعميم الشارع الجميع بنفي الحرج، كذا قال وقد علم وجهه.
"وفي رواية" لمسلم من طريق يونس عن ابن شهاب عن عيسى؛ أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: "وقف ﷺ على راحلته فطفق" بكسر الفاء وفتحها شرع "ناس يسألونه، فيقول القائل منهم: يا رسول الله إني لم أكن أشعر أن الرمي قبل النحر" فذكر متعلق الشعور "فنحرت قبل الرمي" للجمرة، والجملة معمولة للقول التقدير نحرت قبل الرمي ولم أشعر، ولكنه قدم ما يدفع عنه اللوم ويقيم له العذر وهو عدم الشعور، ولذا عبر بفاء السببية "فقال ﷺ : "فارم ولا حرج"، فما سأله سائل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبلстр. 5460
إلا قال ﷺ : "افعلوا ذلك ولا حرج".
وفي رواية: أن النبي ﷺ بينا هو قائم يخطب يوم النحر، فقام إليه رجل فقال: ما كنت أحسب أن كذا وكذا، قبل كذا وكذا، وفي رواية: حلقت قبل أنحر، نحرت قبل أن أرمي وأشباه ذلك.
وفي رواية: حلقت قبل أن أذبح، ذبحت قبل أن أرمي.
ومن المعروف أن الترتيب أولى، وذلك أن وظائف يوم النحر بالاتفاق أربعة
الحواشي
(١) بعض وأشباهها إلا قال ﷺ : "افعلوا ذلك ولا حرج" ولذا أجمعوا على الإجزاء في جميع الصور كما يأتي.
"وفي رواية" للبخاري ومسلم من طريق ابن جريج عن الزهري، عن عيسى، عن ابن عمرو "أن النبي ﷺ بينما هو قائم يخطب" لفظ مسلم، ولفظ البخاري: أنه شهد النبي ﷺ يخطب "يوم النحر" بمنى على راحلته "فقام إليه رجل فقال: ما كنت أحسب" أظن "أن كذا وكذا قبل كذا وكذا" بكاف التشبيه وذا اسم إشارة "حلقت قبل أن أنحر، نحرت قبل أن أرمي، وأشباه ذلك" من الأشياء التي ظن أنها على خلاف الأصل.
"وفي رواية" لمسلم من طريق ابن عيينة عن الزهري بسنده، فقال رجل: "حلقت قبل أن أذبح" قال: "اذبح ولا حرج"، قال: "ذبحت قبل أن أرمي" قال: "ارم ولا حرج"، فحاصل ما في حديث عبد الله بن عمرو السؤال من أربعة أشياء: الحلق قبل الذبح، النحر قبل الرمي، الحلق قبل الرمي، الإفاضة قبل الرمي، والأوليان في حديث ابن عباس أيضا في الصحيح.
وللدارقطني من حديثه أيضا: السؤال عن الحلق قبل الرمي، وكذا في حديث جابر وأبي سعيد عند الطحاوي.
وفي حديث علي عند أحمد: السؤال عن الإفاضة قبل الحلق.
وفي حديثه عند الطحاوي: السؤال عن الرمي والإفاضة معا قبل الحلق.
وفي حديث جابر عند ابن حبان وغيره: السؤال عن الإفاضة قبل الذبح.
وفي حديث أسامة بن شريك: السؤال عن السعي قبل الطواف وهو محمول على من سعى بعد طواف القدوم، ثم طاف طواف الإفاضة؛ فإنه يصدق عليه أنه سعى قبل الطواف، أي: الركن، فهذا ما تحرر من مجموع الأحاديث، وبقيت عدة صور لم يذكرا الرواة إما اختصارا وإما؛ لأنها لم تقع، وبلغت بالتقسيم أربعا وعشرين صورة، أفاده الحافظ.
"ومن المعروف أن الترتيب أولى، وذلك أن وظائف يوم النحر بالاتفاق أربعة أشياء:стр. 5461
أشياء: رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة مع السعي بعده.
وقد تقدم أنه ﷺ رمى جمرة العقبة ثم نحر ثم حلق.
وقد أجمع العلماء على مطلوبية هذا الترتيب، وأجمعوا أيضا على جواز تقديم بعضها على بعض، إلا أنهم اختلفوا في وجوب الدم في بعض المواضع.
ومذهب الشافعي وجمهور السلف والعلماء وفقهاء الحديث: الجواز وعدم جوب الدم لقوله ﵊ للسائل: "لا حرج"، فهو ظاهر في رفع الإثم والفدية معا؛ لأن اسم الضيق يشملهما.
وقال الطحاوي: ظاهر الحديث يدل على التوسعة في تقديم بعض هذه الأشياء على بعض، إلا أنه يحتمل أن يكون قوله: "لا حرج" أي لا إثم في ذلك الفعل، وهو كذلك لمن كان ناسيا أو جاهلا، وأما من تعمد المخالفة فتجب عليه
الحواشي
(١) رمى جمرة العقبة، ثم نحر الهدي أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة مع السعي بعده" لمن لم يكن سعى بعد طواف القدوم.
"وقد تقدم أنه ﷺ رمى جمرة العقبة ثم نحر ثم حلق" ثم طاف طواف الإفاضة.
"وقد أجمع العلماء على مطلوبية هذا الترتيب" وإنما اختلفوا هل هو مستحب أو واجب "وأجمعوا أيضا على جواز تقديم بعضها على بعض" أراد بالجواز الإجزاء، وبه عبر في شرحه للبخاري، إذ هو المجمع عليه، أما الجواز فمختلف فيه "إلا أنهم اختلفوا في وجوب الدم في بعض المواضع".
فقال مالك: يجب في موضع واحد وهو تقديم الإفاضة على الرمي، وأما تقديم الحلق على الرمي، فقال: فيه فدية صيام أو إطعام أو نسك.
وقال أبو حنيفة: الترتيب في الأربع واجب، فمن قدم أو أخر فعليه الدم.
"ومذهب الشافعي" وأحمد في أحد قوليه.
"وجمهور السلف والعلماء وفقهاء الحديث الجواز" أي: الإباحة "وعدم وجوب الدم لقوله ﵊ للسائل لا حرج، فهو ظاهر في رفع الإثم والفدية معا؛ لأن اسم الضيق" الذي هو معنى الحرج المنفي "يشملهما".
"وقال الطحاوي: ظاهر الحديث يدل على التوسعة في تقديم بعض هذه الأشياء على بعض إلا أنه يحتمل أن يكون قوله: لا حرج، أي: لا إثم في ذلك الفعل، وهو كذلك لمنстр. 5462
الفدية.
وتعقب: بأن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل، ولو كان واجبا لبينه ﷺ حينئذ؛ لأنه وقت الحاجة فلا يحوز تأخير عنه.
وتمسك الإمام أحمد بقوله في الحديث: "لم أشعر" وبما في رواية يونس عند مسلم، وصالح عند أحمد: "فما سمعته يومئذ يساله عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقدم بعض الأمور قبل بعضها إلا قال: "افعل ولا حرج" بأنه إن كان ناسيا أو جاهلا فلا شيء عليه وإن كان عالمًا فلا.
قال ابن دقيق العيد: ما قاله أحمد قوي من جهة أن الدليل دل على وجوب ابتاع الرسول في الحج لقوله: "خذوا عني مناسككم" وهذه الأحاديث المرخصة في تقديم ما وقع عنه تأخيره قد قرنت بقول السائل: "لم أشعر" فيختص الحكم بهذه الحالة، وتبقى حالة العمد على أصل وجوب الاتباع في الحج. انتهى.
الحواشي
(١) كان ناسيا أو جاهلا، وأما من تعمد المخالفة فتجب عليه الفدية" مع الإثم.
"وتعقب بأن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل ولو كان واجبا لبينه ﷺ حينئذ؛ لأنه وقت الحاجة، فلا يجوز تأخيره" عن وقتها، وقد احتج الطحاوي بقول ابن عباس: من قدم شيئا من نسكه، أو أخره، فليهرق لذلك دما، قال: وهو أحد من روي أنه لا حرج، فدل على أن المراد نفي الإثم فقط، وأجيب بأن الطريق إلى ابن عباس رواها ابن أبي شيبة وفيها إبراهيم بن المهاجر وفيه مقال.
"وتمسك الإمام أحمد بقوله في الحديث: لم أشعر، وفي رواية يونس عند مسلم وصالح" بن كيسان "عند أحمد" كلاهما عن الزهري بإسناده: "فما سمعته يومئذ يسأل عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعضها إلا قال: "افعل ولا حرج" ومر هذا قريبا وأعاده لحكاية تمسك أحمد به لقوله الآخر الذي حكاه صاحب المغني عن الأثرم عنه "أنه إن كان ناسيا أو جاهلا فلا شيء عليه" أي: لا لوم "وإن كان عالما فلا" ينتفي عنه اللوم وهو الكراهة كما في الإقناع.
"قال ابن دقيق العيد: ما قاله أحمد قوي من جهة أن الدليل دل على وجوب اتباع الرسول في الحج، لقوله: "خذوا عني مناسككم"، وهذه الأحاديث المرخصة في تقديم ما" أي: شيء من الأربع التي تفعل يوم النحر "وقع عنه" ﷺ "تأخيره" عما قدمه السائل: "قد قرنت بقول السائل: لم أشعر فيختص الحكم بهذه الحالة" أي: عدم الشعور "وتبقى حالة العمد على أصل وجوب الاتباع في الحج. انتهى" ما نقله من كلام ابن دقيق العيد، وبقيته كما فيстр. 5463
وعن أبي بكرة قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر فقال: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة، والمحرم،
الحواشي
(١) الفتح، وأيضا فالحكم إذا رتب على وصف يمكن أن يكون معتبرا لم يجز اطراحه، ولا شك أن عدم الشعور وصف مناسب لعدم المؤاخذة وقد علق به الحكم، فلا يمكن اطراحه بإلحاق العمد به، إذ لا يساويه، وأما التمسك بقول الراوي فما سئل ... إلخ، لإشعاره بأن الترتيب مطلقا غير مراعى، فجوابه أن هذا الإخبار من الراوي تعلق بما وقع السؤال عنه، وهو مطلق بالنسبة إلى حالة السائل، والملطق لا يدل على أحد الخاصين، فلا يبقى حجة في حالة العمد. انتهى.
"وعن أبي بكرة" نفيع بنون وفاء مصغر ابن الحارث الثقفي "قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر" بمنى عند الجمرة "فقال: "إن الزمان" اسم لقليل الوقت وكثيره، والمراد هنا السنة "قد استدار" استدارة "كهيئته" أي: مثل حالته، فالكاف صفة مصدر محذوف.
قال الحافظ: والمراد باستدارته وقوع تاسع الحجة في الوقت الذي حلت فيه الشمس برج الحمل حيث يستوي الليل والنهار، وفي حديث ابن عمر عند ابن مردويه: أن الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئته "يوم خلق الله السماوات والأرض" وعاد الحج إلى ذي الحجة وبطل النسيء وهو تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر، وذلك أنهم كانوا يستحلون القتال في محرم لطول مدة التحريم بتوالي ثلاثة أشهر حرام، ثم يحرمون صفر مكانه، فكأنهم يقترضونه ثم يوفونه، وقيل: كانوا يحلون المحرم مع صفر من عام ويسمونهما صفرين ثم يحرمونهما من عام قابل ويسمونهما محرمين، وقيل: بل كانوا ربما احتاجوا إلى صفر أيضا، فأحلوه وجعلوا مكانه ربيعا، ثم يدور كذلك التحريم والتحليل بالتأخير على السنة كلها إلى أن جاء الإسلام، فوافق حجة الوداع رجوع التحريم إلى المحرم الحقيقي، واختص الحج بوقت معين، واستقام حساب السنة ورجع إلى الأصل الموضوع يوم خلق الله السماوات والأرض "السنة" العربية الهلالية "اثنا عشر شهرا".
ذكر الطبري في سبب ذلك عن أبي مالك، قال: كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرا، ومن وجه آخر: كانوا يجعلون السنة اثني عشر شهرا وخمسة وعشرين يوما، فتدور الأيام والشهور لذلك، وإنما جعل الله الاعتبار بالقمر؛ لأن ظهوره في السماء لا يحتاج إلى حساب ولا كتاب، بل هو ظاهر مشاهد بالبصر بخلاف سير الشمس فتحتاج معرفته إلى حساب، فلم يحوجنا إلى ذلك كما قال ﷺ : "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا".
"منها أربعة حرم" لعظم حرمتها وحرمة الذنب فيها، أو لتحريم القتال فيها وفسرها بقوله: "ثلاث متواليات" أي: متتابعات.стр. 5464
ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان". وقال: "أي شهر هذا"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أليس ذا الحجة"؟ قلنا:
الحواشي
(١) قال ابن التين: الصواب ثلاثة متوالية، يعني: لأن المميز الشهر، قال: ولعله أعاد على المعنى، أي: ثلاث مدد متواليات. انتهى، أو باعتبار العدة مع أن الذي لا يذكر التمييز معه جائز فيه التذكير والتأنيث "ذو القعدة وذو الحجة" بفتح القاف والحاء قاله المصنف، ولعله الرواية "والمحرم ورجب مضر" عطف على ثلاث لا على المحرم، وأضافه إلى مضر؛ لأنها كانت تحافظ على تحريمه أشد من محافظة سائر العرب ولم يكن يستحله أحد من العرب، كذا قال المصنف.
وفي فتح الباري أضافه إليهم؛ لأنهم كانوا يتمسكون بتعظيمه بخلاف غيرهم، فيقال: كانت ربيعة تجعل بدله رمضان، وكان من العرب من يجعل في رجل وشعبان ما ذكر في المحرم وصفر فيحلون رجبا ويحرمون شعبان، ووصفه بقوله: "الذي بين جمادى وشعبان" تأكيدا وإزاحة للريب الحادث فيه من النسيء، وقيل: الأشبه أنه تأسيس؛ لأنهم كانوا يؤخرون الشهر عن موضعه إلى شهر آخر فينتقل عن وقته الحقيقي، فالمعنى لا رجب الذي هو عندكم وقد أنسأتموه.
قال الحافظ: وذكرها من سنتين لمصلحة توالي الثلاثة، إذ لو بدأ بالمحرم لفات مقصود التوالي، قال: وأبدى بعضهم لما استقر عليه الحال من ترتيب هذه الأشهر الحرم مناسبة لطيفة حاصلها أن لها مزية على ما عداها، فناسب أن يبدأ بها العام ويتوسطه ويختم بها، وإنما ختم بشهرين لوقوع الحج ختام الأركان الأربع لاشتمالها على عمل مال محض، وهو الزكاة وعمل بدن محض، وذلك تارة بالجوارح وهو الصلاة، وتارة بالقلب وهو الصوم؛ لأنه كف عن المفطرات، وتارة عمل مركب من مال وبدن وهو الحج، فلما جمعهما ناسب أن يكون له ضعف ما لواحد منها، فكان له من الأربعة الحرم شهران.
"وقال: "أي شهر هذا"؟ قال البيضاوي: يريد تذكيرهم حرمة الشهر وتقريرها في نفوسهم ليبني عليها ما أراد تقريره، وقولهم: "قلنا: الله ورسوله أعلم" مراعاة للأدب، وتحرز عن التقدم بين دي الله ورسوله، وتوقف فيما لا يعلم الغرض من السؤال عنه، وذلك من حسن أدبهم؛ لأنهم علموا أنه لا يخفى عليه ما يعرفونه من الجواب، وأنه ليس مراده مطلق الإخبار مما يعرفونه، ولذا قالوا: "فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه" إشارة إلى تفويض الأمور كلها إليه "قال: "أليس ذا الحجة" بالنصب خبر ليس، وفي رواية: ذو بالرفع اسمها والخبر محذوف، أي: أليس ذو الحجة هذا الشهر "قلنا: بلى" هو ذو الحجة "قال: "أي بلد هذا"؟ بالتذكير "قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أليس البلد الحرام" مكة.стр. 5465
بلى، قال: "أي بلد هذا"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أليس البلد الحرام"؟ قلنا: بلى، قال: "فأي يوم هذا"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أليس يوم النحر"؟ قلنا: بلى، قال: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم
الحواشي
(١) ولفظ البخاري: في الحج، قال: "أليس بالبلدة الحرام"؟، ولفظه في الأضاحي، قال: "أليس البلدة" بالتأنيث، أي: مكة "قلنا: بلى، قال: "فأي يوم هذا"؟، قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: "أليس" هو "يوم النحر" الذي ينحر فيه الأضاحي في سائر الأقطار والهدايا بمنى، فيوم بالنصب خبر ليس، ويجوز رفعه اسمها وحذف الخبر، أي: هذا اليوم "قلنا: بلى" حرف مختص بالنفي ويفيد إبطاله، وتمسك به من خص النحر بيوم العيد لإضافته اليوم إلى جنس النحر؛ لأن اللام هنا جنسية فتعم، فلا يبقى نحر إلا في ذلك اليوم، وأجاب الجمهور: بأن المراد النحر الكامل المفضل وأل كثيرًا ما تستعمل للكمال نحو، ولكن البر وإنما الشديد الذي يملك نفسه.
قال القرطبي: والتمسك بإضافة النحر إلى اليوم الأول ضعيف مع قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨] ، وفي حديث أبي بكرة: هذا أنهم قالوا: الله ورسوله أعلم، وسكتوا حتى أخبرهم.
وفي البخاري عن ابن عباس، أنه ﷺ خطب الناس يوم النحر، فقال: "أي يوم هذا"؟، قالوا: يوم حرام، قال: "أي بلد هذا"؟، قالوا: "بلد حرام" قال: "فأي شهر هذا"؟، قالوا: شهر حرام.. الحديث، وظاهرهما التعارض، وأجيب بأن الطائفة الذين كان فيهم ابن عباس، أجابوا: والذين كان فيهم أبو بكرة ردوا العلم لله ورسوله، وسكتوا حتى أخبر، فقالوا: بلى، وبأن في حديث ابن عباس اختصارا، ورواية بالمعنى، فإن بلى بمعنى يوم حرام بالاستلزام، ونقل أبو بكرة السياق بتمامه، واختصره ابن عباس وكان ذلك بسبب قرب أبي بكرة منه؛ لأنه كان آخذا بخطام الناقة كما في رواية الإسماعيلي، وباحتمال تعدد السؤال في الخطبة مرتين.
ففي حديث أبي بكرة فخامة ليست في حديث ابن عباس لزيادة لفظة: "أتدرون"، فلذا سكتوا وفوضوا إليه، وأجابوا في السؤال الآخر العاري عن قوله: "أتدرون"، وأما احتمال أنه خطب مرتين يوم النحر، فتعقب بأنه إنما خطب مرة واحدة كما دل عليه صريح الأحاديث.
قال القرطبي: سؤاله ﷺ عن الثلاثة وسكوته بعد كل سؤال منها كان لاستحضار فهو مهم، وليقبلوا عليه بكليتهم ويستشعروا عظمة ما يخبرهم عنه، ولذا قال بعده: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم": جمع عرض بكسر العين موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان فيследующие страницы →