Полный текст (5 943 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.
стр. 5461
أشياء: رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة مع السعي بعده.
وقد تقدم أنه ﷺ رمى جمرة العقبة ثم نحر ثم حلق.
وقد أجمع العلماء على مطلوبية هذا الترتيب، وأجمعوا أيضا على جواز تقديم بعضها على بعض، إلا أنهم اختلفوا في وجوب الدم في بعض المواضع.
ومذهب الشافعي وجمهور السلف والعلماء وفقهاء الحديث: الجواز وعدم جوب الدم لقوله ﵊ للسائل: "لا حرج"، فهو ظاهر في رفع الإثم والفدية معا؛ لأن اسم الضيق يشملهما.
وقال الطحاوي: ظاهر الحديث يدل على التوسعة في تقديم بعض هذه الأشياء على بعض، إلا أنه يحتمل أن يكون قوله: "لا حرج" أي لا إثم في ذلك الفعل، وهو كذلك لمن كان ناسيا أو جاهلا، وأما من تعمد المخالفة فتجب عليه
الحواشي
(١) رمى جمرة العقبة، ثم نحر الهدي أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة مع السعي بعده" لمن لم يكن سعى بعد طواف القدوم.
"وقد تقدم أنه ﷺ رمى جمرة العقبة ثم نحر ثم حلق" ثم طاف طواف الإفاضة.
"وقد أجمع العلماء على مطلوبية هذا الترتيب" وإنما اختلفوا هل هو مستحب أو واجب "وأجمعوا أيضا على جواز تقديم بعضها على بعض" أراد بالجواز الإجزاء، وبه عبر في شرحه للبخاري، إذ هو المجمع عليه، أما الجواز فمختلف فيه "إلا أنهم اختلفوا في وجوب الدم في بعض المواضع".
فقال مالك: يجب في موضع واحد وهو تقديم الإفاضة على الرمي، وأما تقديم الحلق على الرمي، فقال: فيه فدية صيام أو إطعام أو نسك.
وقال أبو حنيفة: الترتيب في الأربع واجب، فمن قدم أو أخر فعليه الدم.
"ومذهب الشافعي" وأحمد في أحد قوليه.
"وجمهور السلف والعلماء وفقهاء الحديث الجواز" أي: الإباحة "وعدم وجوب الدم لقوله ﵊ للسائل لا حرج، فهو ظاهر في رفع الإثم والفدية معا؛ لأن اسم الضيق" الذي هو معنى الحرج المنفي "يشملهما".
"وقال الطحاوي: ظاهر الحديث يدل على التوسعة في تقديم بعض هذه الأشياء على بعض إلا أنه يحتمل أن يكون قوله: لا حرج، أي: لا إثم في ذلك الفعل، وهو كذلك لمنстр. 5462
الفدية.
وتعقب: بأن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل، ولو كان واجبا لبينه ﷺ حينئذ؛ لأنه وقت الحاجة فلا يحوز تأخير عنه.
وتمسك الإمام أحمد بقوله في الحديث: "لم أشعر" وبما في رواية يونس عند مسلم، وصالح عند أحمد: "فما سمعته يومئذ يساله عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقدم بعض الأمور قبل بعضها إلا قال: "افعل ولا حرج" بأنه إن كان ناسيا أو جاهلا فلا شيء عليه وإن كان عالمًا فلا.
قال ابن دقيق العيد: ما قاله أحمد قوي من جهة أن الدليل دل على وجوب ابتاع الرسول في الحج لقوله: "خذوا عني مناسككم" وهذه الأحاديث المرخصة في تقديم ما وقع عنه تأخيره قد قرنت بقول السائل: "لم أشعر" فيختص الحكم بهذه الحالة، وتبقى حالة العمد على أصل وجوب الاتباع في الحج. انتهى.
الحواشي
(١) كان ناسيا أو جاهلا، وأما من تعمد المخالفة فتجب عليه الفدية" مع الإثم.
"وتعقب بأن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل ولو كان واجبا لبينه ﷺ حينئذ؛ لأنه وقت الحاجة، فلا يجوز تأخيره" عن وقتها، وقد احتج الطحاوي بقول ابن عباس: من قدم شيئا من نسكه، أو أخره، فليهرق لذلك دما، قال: وهو أحد من روي أنه لا حرج، فدل على أن المراد نفي الإثم فقط، وأجيب بأن الطريق إلى ابن عباس رواها ابن أبي شيبة وفيها إبراهيم بن المهاجر وفيه مقال.
"وتمسك الإمام أحمد بقوله في الحديث: لم أشعر، وفي رواية يونس عند مسلم وصالح" بن كيسان "عند أحمد" كلاهما عن الزهري بإسناده: "فما سمعته يومئذ يسأل عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعضها إلا قال: "افعل ولا حرج" ومر هذا قريبا وأعاده لحكاية تمسك أحمد به لقوله الآخر الذي حكاه صاحب المغني عن الأثرم عنه "أنه إن كان ناسيا أو جاهلا فلا شيء عليه" أي: لا لوم "وإن كان عالما فلا" ينتفي عنه اللوم وهو الكراهة كما في الإقناع.
"قال ابن دقيق العيد: ما قاله أحمد قوي من جهة أن الدليل دل على وجوب اتباع الرسول في الحج، لقوله: "خذوا عني مناسككم"، وهذه الأحاديث المرخصة في تقديم ما" أي: شيء من الأربع التي تفعل يوم النحر "وقع عنه" ﷺ "تأخيره" عما قدمه السائل: "قد قرنت بقول السائل: لم أشعر فيختص الحكم بهذه الحالة" أي: عدم الشعور "وتبقى حالة العمد على أصل وجوب الاتباع في الحج. انتهى" ما نقله من كلام ابن دقيق العيد، وبقيته كما فيстр. 5463
وعن أبي بكرة قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر فقال: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة، والمحرم،
الحواشي
(١) الفتح، وأيضا فالحكم إذا رتب على وصف يمكن أن يكون معتبرا لم يجز اطراحه، ولا شك أن عدم الشعور وصف مناسب لعدم المؤاخذة وقد علق به الحكم، فلا يمكن اطراحه بإلحاق العمد به، إذ لا يساويه، وأما التمسك بقول الراوي فما سئل ... إلخ، لإشعاره بأن الترتيب مطلقا غير مراعى، فجوابه أن هذا الإخبار من الراوي تعلق بما وقع السؤال عنه، وهو مطلق بالنسبة إلى حالة السائل، والملطق لا يدل على أحد الخاصين، فلا يبقى حجة في حالة العمد. انتهى.
"وعن أبي بكرة" نفيع بنون وفاء مصغر ابن الحارث الثقفي "قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر" بمنى عند الجمرة "فقال: "إن الزمان" اسم لقليل الوقت وكثيره، والمراد هنا السنة "قد استدار" استدارة "كهيئته" أي: مثل حالته، فالكاف صفة مصدر محذوف.
قال الحافظ: والمراد باستدارته وقوع تاسع الحجة في الوقت الذي حلت فيه الشمس برج الحمل حيث يستوي الليل والنهار، وفي حديث ابن عمر عند ابن مردويه: أن الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئته "يوم خلق الله السماوات والأرض" وعاد الحج إلى ذي الحجة وبطل النسيء وهو تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر، وذلك أنهم كانوا يستحلون القتال في محرم لطول مدة التحريم بتوالي ثلاثة أشهر حرام، ثم يحرمون صفر مكانه، فكأنهم يقترضونه ثم يوفونه، وقيل: كانوا يحلون المحرم مع صفر من عام ويسمونهما صفرين ثم يحرمونهما من عام قابل ويسمونهما محرمين، وقيل: بل كانوا ربما احتاجوا إلى صفر أيضا، فأحلوه وجعلوا مكانه ربيعا، ثم يدور كذلك التحريم والتحليل بالتأخير على السنة كلها إلى أن جاء الإسلام، فوافق حجة الوداع رجوع التحريم إلى المحرم الحقيقي، واختص الحج بوقت معين، واستقام حساب السنة ورجع إلى الأصل الموضوع يوم خلق الله السماوات والأرض "السنة" العربية الهلالية "اثنا عشر شهرا".
ذكر الطبري في سبب ذلك عن أبي مالك، قال: كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرا، ومن وجه آخر: كانوا يجعلون السنة اثني عشر شهرا وخمسة وعشرين يوما، فتدور الأيام والشهور لذلك، وإنما جعل الله الاعتبار بالقمر؛ لأن ظهوره في السماء لا يحتاج إلى حساب ولا كتاب، بل هو ظاهر مشاهد بالبصر بخلاف سير الشمس فتحتاج معرفته إلى حساب، فلم يحوجنا إلى ذلك كما قال ﷺ : "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا".
"منها أربعة حرم" لعظم حرمتها وحرمة الذنب فيها، أو لتحريم القتال فيها وفسرها بقوله: "ثلاث متواليات" أي: متتابعات.стр. 5464
ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان". وقال: "أي شهر هذا"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أليس ذا الحجة"؟ قلنا:
الحواشي
(١) قال ابن التين: الصواب ثلاثة متوالية، يعني: لأن المميز الشهر، قال: ولعله أعاد على المعنى، أي: ثلاث مدد متواليات. انتهى، أو باعتبار العدة مع أن الذي لا يذكر التمييز معه جائز فيه التذكير والتأنيث "ذو القعدة وذو الحجة" بفتح القاف والحاء قاله المصنف، ولعله الرواية "والمحرم ورجب مضر" عطف على ثلاث لا على المحرم، وأضافه إلى مضر؛ لأنها كانت تحافظ على تحريمه أشد من محافظة سائر العرب ولم يكن يستحله أحد من العرب، كذا قال المصنف.
وفي فتح الباري أضافه إليهم؛ لأنهم كانوا يتمسكون بتعظيمه بخلاف غيرهم، فيقال: كانت ربيعة تجعل بدله رمضان، وكان من العرب من يجعل في رجل وشعبان ما ذكر في المحرم وصفر فيحلون رجبا ويحرمون شعبان، ووصفه بقوله: "الذي بين جمادى وشعبان" تأكيدا وإزاحة للريب الحادث فيه من النسيء، وقيل: الأشبه أنه تأسيس؛ لأنهم كانوا يؤخرون الشهر عن موضعه إلى شهر آخر فينتقل عن وقته الحقيقي، فالمعنى لا رجب الذي هو عندكم وقد أنسأتموه.
قال الحافظ: وذكرها من سنتين لمصلحة توالي الثلاثة، إذ لو بدأ بالمحرم لفات مقصود التوالي، قال: وأبدى بعضهم لما استقر عليه الحال من ترتيب هذه الأشهر الحرم مناسبة لطيفة حاصلها أن لها مزية على ما عداها، فناسب أن يبدأ بها العام ويتوسطه ويختم بها، وإنما ختم بشهرين لوقوع الحج ختام الأركان الأربع لاشتمالها على عمل مال محض، وهو الزكاة وعمل بدن محض، وذلك تارة بالجوارح وهو الصلاة، وتارة بالقلب وهو الصوم؛ لأنه كف عن المفطرات، وتارة عمل مركب من مال وبدن وهو الحج، فلما جمعهما ناسب أن يكون له ضعف ما لواحد منها، فكان له من الأربعة الحرم شهران.
"وقال: "أي شهر هذا"؟ قال البيضاوي: يريد تذكيرهم حرمة الشهر وتقريرها في نفوسهم ليبني عليها ما أراد تقريره، وقولهم: "قلنا: الله ورسوله أعلم" مراعاة للأدب، وتحرز عن التقدم بين دي الله ورسوله، وتوقف فيما لا يعلم الغرض من السؤال عنه، وذلك من حسن أدبهم؛ لأنهم علموا أنه لا يخفى عليه ما يعرفونه من الجواب، وأنه ليس مراده مطلق الإخبار مما يعرفونه، ولذا قالوا: "فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه" إشارة إلى تفويض الأمور كلها إليه "قال: "أليس ذا الحجة" بالنصب خبر ليس، وفي رواية: ذو بالرفع اسمها والخبر محذوف، أي: أليس ذو الحجة هذا الشهر "قلنا: بلى" هو ذو الحجة "قال: "أي بلد هذا"؟ بالتذكير "قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أليس البلد الحرام" مكة.стр. 5465
بلى، قال: "أي بلد هذا"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أليس البلد الحرام"؟ قلنا: بلى، قال: "فأي يوم هذا"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أليس يوم النحر"؟ قلنا: بلى، قال: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم
الحواشي
(١) ولفظ البخاري: في الحج، قال: "أليس بالبلدة الحرام"؟، ولفظه في الأضاحي، قال: "أليس البلدة" بالتأنيث، أي: مكة "قلنا: بلى، قال: "فأي يوم هذا"؟، قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: "أليس" هو "يوم النحر" الذي ينحر فيه الأضاحي في سائر الأقطار والهدايا بمنى، فيوم بالنصب خبر ليس، ويجوز رفعه اسمها وحذف الخبر، أي: هذا اليوم "قلنا: بلى" حرف مختص بالنفي ويفيد إبطاله، وتمسك به من خص النحر بيوم العيد لإضافته اليوم إلى جنس النحر؛ لأن اللام هنا جنسية فتعم، فلا يبقى نحر إلا في ذلك اليوم، وأجاب الجمهور: بأن المراد النحر الكامل المفضل وأل كثيرًا ما تستعمل للكمال نحو، ولكن البر وإنما الشديد الذي يملك نفسه.
قال القرطبي: والتمسك بإضافة النحر إلى اليوم الأول ضعيف مع قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨] ، وفي حديث أبي بكرة: هذا أنهم قالوا: الله ورسوله أعلم، وسكتوا حتى أخبرهم.
وفي البخاري عن ابن عباس، أنه ﷺ خطب الناس يوم النحر، فقال: "أي يوم هذا"؟، قالوا: يوم حرام، قال: "أي بلد هذا"؟، قالوا: "بلد حرام" قال: "فأي شهر هذا"؟، قالوا: شهر حرام.. الحديث، وظاهرهما التعارض، وأجيب بأن الطائفة الذين كان فيهم ابن عباس، أجابوا: والذين كان فيهم أبو بكرة ردوا العلم لله ورسوله، وسكتوا حتى أخبر، فقالوا: بلى، وبأن في حديث ابن عباس اختصارا، ورواية بالمعنى، فإن بلى بمعنى يوم حرام بالاستلزام، ونقل أبو بكرة السياق بتمامه، واختصره ابن عباس وكان ذلك بسبب قرب أبي بكرة منه؛ لأنه كان آخذا بخطام الناقة كما في رواية الإسماعيلي، وباحتمال تعدد السؤال في الخطبة مرتين.
ففي حديث أبي بكرة فخامة ليست في حديث ابن عباس لزيادة لفظة: "أتدرون"، فلذا سكتوا وفوضوا إليه، وأجابوا في السؤال الآخر العاري عن قوله: "أتدرون"، وأما احتمال أنه خطب مرتين يوم النحر، فتعقب بأنه إنما خطب مرة واحدة كما دل عليه صريح الأحاديث.
قال القرطبي: سؤاله ﷺ عن الثلاثة وسكوته بعد كل سؤال منها كان لاستحضار فهو مهم، وليقبلوا عليه بكليتهم ويستشعروا عظمة ما يخبرهم عنه، ولذا قال بعده: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم": جمع عرض بكسر العين موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان فيстр. 5466
"هذا في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي كفارا ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت"؟ قالوا:
الحواشي
(١) نفسه أو سلفه.
وقال التوربشتي: أنفسكم وأحسابكم، فإن العرض يقال للنفس والحسب، يقال: فلان نفى العرض، أي: بريء أن يعاب، ورد بأنه لو أريد النفوس لتكرر مع الدماء، إذ المراد بها النفوس.
وقال الطيبي: الظاهر أن المراد لأخلاق النفسانية، ثم قال: والتحقيق ما في النهاية أن العرض موضع المدح والذم من الإنسان، ولذا قيل: العرض النفس إطلاقًا للمحل على الحال. انتهى، وهو على حذف مضاف، أي سفك دمائكم وأخذ أموالكم وثلب أعراضكم، كذا قال الزركشي وتبعه الحافظ وغيره، وتعقبه الدماميني؛ بأن كل ذلك إنما يحرم إذا كان بغير حق، فالإفصاح به متعين والأولى أن يقدر في الثلاثة كلمة واحدة وهي لفظة انتهاك التي موضوعها تناول شيء بغير حق كما نص عليه القاضي، فكأنه قال: فإن انتهاك دمائكم وأموالكم وأعراضكم ولا حاجة إلى تقدير مع كل واحد من الثلاثة لصحة انسحابه على الجميع، وعدم احتياجه إلى التقييد بغير الحقية. "عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا" زاد في بعض روايات البخاري: إلى يوم تلقون ربكم.
قال المصنف: بحر يوم من غير تنوين، ويجوز فتحه وكسره مع التنوين، والأول هو المروي. انتهى، ومناط التشبيه أن تحريم هذه الثلاثة كان ثابتا في نفوسهم مقررا عندهم عادة لسلفهم، ولذا قدم السؤال عنها مع شهرتها بخلاف الأنفس والأموال والأعرض، فكانا في الجاهلية يستبيحونها، فطرأ الشرع عليهم بأن تحريم دم المسلم وماله وعرضه أعظم من البلد والشهر واليوم، فلا يرد أن المشبه أخفض رتبة من المشبه به؛ لأن الخطاب إنما وقع بالنسبة لما اعتاده المخاطبون قبل تقرير الشرع.
"وستلقون ربكم" يوم القيامة "فيسألكم عن أعمالكم" فيجازيكم عليها "ألا" بالفتح والتخفيف "لا ترجعوا بعدي" بعد فراقي من موقفي هذا، أو بعد حياتي، وفيه استعمال رجع كصار معنى وعملا.
قال ابن مالك: وهو مما خفي على أكثر النحاة، أي: لا تصيروا بعدي "كفارا" أي: كالكفار، أو لا يكفر بعضكم بعضا فتستحلوا القتال، أو لا تكن أفعالكم شبيهة أفعال الكفار، وفي رواية: "ضلالا": جمع ضال، والمعنى واحد "يضرب بعضكم رقاب بعض" برفع بضرب جملة مستأنفة مبينة لقوله: "لا ترجعوا بعدي كفارا"، ويجوز الجزم.
قال أبو البقاء على تقدير شرط مضمر، أي: أن ترجعوا بعدي "ألا هل بلغت" وفي رواية:стр. 5467
نعم، قال: "اللهم اشهد" فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع". رواه الشيخان.
وفي رواية للبخاري: "فودع الناس".
ووقع في طريق ضعيفة عند البيهقي من حديث ابن عمر سبب ذلك، ولفظه: أنزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ على رسول الله ﷺ في وسط أيام التشريق، وعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فرحلت له فركب ووقف بالعقبة
الحواشي
(١) "هل بلغت" مرتين "قالوا: نعم" بلغت "قال: "اللهم اشهد" أني أديت ما فرضته علي من التبليغ "فليبلغ الشاهد" الحاضر هذا المجلس "الغائب" عنه ما ذكر فيه أو جميع الأحكام التي سمعها "فرب مبلغ" بفتح اللام مشددة اسم مفعول بلغه كلامي "أوعى" أفهم لمعنى كلامي "من سامع" له مني.
قال الحافظ: رب للتقليل، وقد ترد للتكثير، ومبلغ بفتح اللام وأوعى نعت له، والذي تتعلق به رب محذوف تقديره يوجد أو يكون، ويجوز على مذهب الكوفيين في أن رب اسم أن يكون هي مبتدأ وأوعى الخبر فلا حذف ولا تقدير، والمراد رب مبلغ عني أوعى، أي: أفهم من سامع، وصرح بذلك في رواية ابن منده بلفظ: "فإنه عسى أن يكون بعض من لم يشهد أوعى لما أقول من بعض من شهد". انتهى.
وقال المهلب: فيه أنه يأتي في الآخر من يكون له من الفهم في العلم ما ليس لمن تقدم إلا أن ذلك قليل؛ لأن رب موضوعة للتقليل. انتهى، أي: عند الأكثرين.
وقال جماعة: موضوعة للتكثير، واختار في المغني أنها ترد للتكثير كثيرا وللتقليل قليلا، لكن الظاهر أنها في الحديث هنا للتقليل بقوله في رواية للبخاري: فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه، ولرواية ابن منده المذكورة "رواه الشيخان" البخاري في مواضع تاما ومختصرا، ومسلم في الديات.
"وفي رواية البخاري" تعليقا، ووصله أبو داود وابن ماجه وغيرهما في آخر حديث عن ابن عمر، فطفق النبي ﷺ يقول: "اللهم اشهد" "فودع الناس" لأنه علم أنه لا يتفق له ذلك في وقعة أخرى ولا اجتماع آخر مثل ذلك، وبقية الحديث: فقالوا: هذه حجة الوداع.
"ووقع في طريق ضعيفة عند البيهقي من حديث ابن عمر سبب ذلك" الوداع "ولفظه: أنزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ على رسول الله ﷺ في وسط أيام التشريق وعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فرحلت له" وجعل عليها الرحل "فركب ووقف بالعقبة واجتمعстр. 5468
واجتمع إليه الناس فقال: يا أيها الناس فذكر الحديث.
وفيه دلالة على مشروعية الخطبة يوم النحر بمنى، وبه قال الشافعي ومن تبعه.
وخالف ذلك المالكية والحنفية، فقالوا: خطب الحج ثلاثة: سابع ذي الحجة، ويوم عرفة، وثاني يوم النحر بمنى.
ووافقهم الشافعي إلا أنه قال: بدل ثاني النحر ثالثه؛ لأنه أول النفر، وزاد خطبة رابعة وهي يوم النحر، قال: وبالناس حاجة إليها ليعلموا أعمال ذلك اليوم من الرمي والذبح والحلق والطواف.
وتعقبه الطحاوي: بأن الخطبة المذكورة ليست من متعلقات الحج؛ لأنه لم يذكر فيها شيئا من أمور الحج، وإنما ذكر فيها وصايا عامة، ولم ينقل أحد أنه علمهم فيها شيئا من الذي يتعلق بيوم النحر، فعلمنا أنها لم تقصد لأجل الحج.
وقال ابن بطال: إنما فعل ﷺ ذلك من أجل تبليغ ما ذكره لكثرة الجمع الذي اجتمع من أقاصي الدنيا، فظن الذي رآه أنه يخطب. قال: وأما ما ذكره الشافعي: أن بالناس حاجة إلى تعليمهم أسباب التحلل المذكورة فليس بمتعين؛ لأن
الحواشي
(١) إليه الناس، فقال: "أيها الناس"..... فذكر الحديث" بنحوه "وفيه دلالة على مشروعية الخطبة يوم النحر بمنى، وبه قال الشافعي ومن تبعه، وخالف ذلك المالكية والحنفية، فقالوا: خطب الحج ثلاثة سابع ذي الحجة" بمكة "ويوم عرفة بها وثاني يوم النحر بمنى، ووافقهم الشافعي إلا أنه قال بدل ثاني النحر ثالثه؛ لأنه أول يوم النفر" بفتح النون وإسكان الفاء "وزاد خطبة رابعة وهي يوم النحر" أي: يوم العيد "قال: وبالناس حاجة إليها ليعلموا أعمال ذلك اليوم من الرمي والذبح والحلق والطواف" للإفاضة.
"وتعقبه الطحاوي بأن الخطبة المذكورة ليست من متعلقات الحج؛ لأنه لم يذكر فيها شيئا من أمور الحج، وإنما ذكر فيها وصايا عامة ولم ينقل أحد" من رواتها كابن عمر وابن عباس وأبي بكرة؛ "أنه علمهم فيها شيئا من الذي يتعلق بيوم النحر، فعلمناه أنها لم تقصد لأجل الحج".
"وقال ابن بطال: إنما فعل ﷺ ذلك" أي: خطبة يوم النحر "من أجل تبليغ ما ذكره لكثرة الجمع الذي اجتمع من أقاصي الدنيا، فظن الذي رآه أنه يخطب" فأطلق عليها اسم الخطبة "قال: وأما ما ذكره الشافعي أن بالناس حاجة إلى تعليمهم أسباب التحلل المذكورةстр. 5469
الإمام يمكنه أن يعلمهم إياها يوم عرفة: انتهى.
وأجيب: بأنه ﷺ نبه في الخطبة المذكورة على تعظيم يوم النحر، وعلى تعظيم ذي الحجة، وعلى تعظيم البلد الحرام، وقد جزم الصحابة المذكورون بتسميتها خطبة، فلا يلتفت لتأويل غيرهم، وما ذكره من إمكان تعليم ما ذكره يوم عرفة، يعكر عليه في كونه يرى مشروعية الخطبة ثاني يوم النحر، وكان يمكن أن يعلموا ذلك يوم عرفة، بل يمكن أن يعلموا يوم التروية جميع ما يؤتى به من أعمال الحج، لكن لما كان في كل يوم أعمال ليست في غيره شرع تجديد التعليم بحسب تجديد الأسباب. وأما قول الطحاوي: "إنه لم ينقل أنه علمهم شيئا من
الحواشي
(١) فليس بمتعين؛ لأن الإمام يمكنه أن يعلمهم إياها يوم عرفة" في خطبتها، وقد ذكر المالكية الأمور الأربع في جملة ما يخبرهم به في خطبة يوم عرفة. "انتهى".
"وأجيب بأنه ﷺ نبه في الخطبة المذكورة على تعظيم يوم النحر وعلى تعظيم ذي الحجة وعلى تعظيم البلد الحرام، وقد جزم الصحابة المذكورون" ابن عباس وأبو بكرة وابن عمر "بتسميتها خطبة فلا يلتفت لتأويل غيرهم" هذا واضح في رد قول ابن بطال: ظن الذي رآه أنه يخطب ولك أن تقول: هي خطبة، لكن ليست من خطب الحج المشروعة، إنما هي وصايا وتوديع كما أشار إليه أولا، إذ لا يصلح للخطيب المخبر بمناسك الحج أن يقول شيئًا مما ذكر في هذه الخطبة أتدرون، أي: بلد.... إلخ ونحوه.
"وما ذكره من إمكان تعليم ما ذكره يوم عرفة يعكر عليه في كونه يرى مشروعية الخطبة ثاني يوم النحر، وكان يمكن أن يعلموا ذلك يوم عرفة" له أن يقول: إن المناسك الأربع التي تفعل يوم النحر استغنى بتعليمهم إياها يوم عرفة؛ لأنه يتعسر خطبة تعلمهم ذلك يوم النحر، إذ المطلوب ساعة الوصول إلى الجمرة رميها عقب وصوله على أي حالة راكبا أو ماشيا، ثم النحر، ثم الحلق، ثم الطواف، وكل ذلك قبل الزوال فهو يوم عمل وسفر لا يمكن بسهولة خطبة لتعليم فعل ذلك على الوجه الأكمل، فاكتفى بتعليم ذلك في يوم عرفة بخلاف ثاني يوم، فيوم قرار بمنى فشرع فيه تجديد التعليم.
"بل يمكن أن يعلموا يوم التروية جميع ما يؤتى به من أعمال الحج، لكن" حكمة ذلك أنه "لما كان في كل يوم أعمال ليست في غيره شرع تجديد التعليم بحسب تجديد الأسباب" بعد هذا في الفتح، وقد بين الزهري وهو عالم أهل زمانه؛ أن الخطبة ثاني يوم النحر، نقلت من خطبة يوم النحر وأن ذلك من عمل الأمراء، يعني بني أمية.
قال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع، عن سفيان هو الثوري، عن ابن جريج، عن الزهري، قال:стр. 5470
أسباب التحلل" فلا ينفي وقوع ذلك أو شيء منه في نفس الأمر، بل قد ثبت من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه شهد النبي ﷺ يخطب يوم النحر، وذكر فيه السؤال عمن يقدم بعض المناسك على بعض، فكيف ساغ للطحاوي هذا النفي المطلق. انتهى.
وقد روى أبو داود والنسائي عن عبد الرحمن بنمعاذ التيمي قال: خطبنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى، ففتحت أسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا، فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار، فوضع أصبعيه السبابتين ثم قال
الحواشي
(١) كان النبي ﷺ يخطب يوم النحر، فشغل الأمراء فأخروه إلى الغد، وهذا وإن كان مرسلا لكنه يعتضد بما سبق، وبأن به أن السنة يوم النحر لا ثانيه. انتهى.
وكان المصنف تركه؛ لأنه قد لا يسلم له أن المراد بالأمراء بنو أمية كما ذكره بقوله، يعني بني أمية، إذ ليس ذلك في سياق الحديث، فكأنهم تركوه لفهمهم أن النبي ﷺ لم يقصد به أنه من خطب الحج المشروعة للتعليم، وإنما هي وصايا؛ ولأنه يعكر على حكمته التي أبداها من شرع تجديد التعليم بتجدد الأسباب، إذ هو لا يقول بخطبة ثاني يوم مع أن فيه تجديدًا.
"وأما قول الطحاوي إنه لم ينقل أنه علمهم شيئا من أسباب التحلل فلا ينفي وقوع ذلك، أو شيء منه في نفس الأمر" لاحتمال أنه وقع، ولم ينقله الراوي اعتناء بما نقله من أمر الوصية، وغاية ما يفيده هذا الاحتجاج بالاحتمال والطحاوي إنما قال لم ينقل، وإنما يرد عليه بأنه قد نقل "بل" إضراب انتقالي "قد ثبت في حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه شهد النبي ﷺ يخطب يوم النحر، وذكر فيه السؤال عمن يقدم بعض المناسك على بعض، فكيف ساغ للطحاوي هذا النفي المطلق" مع روايته لحديث ابن عمرو. "انتهى".
والجواب أنه ساغ له ذلك؛ لأنه ليس فيه أنه علمهم ذلك ابتداء في تلك الخطبة، وإنما أجاب السائلين بقوله: "افعل ولا حرج"، وجواب السائل متعين في مثل ذلك.
"وقد روى أبو داود والنسائي عن عبد الرحمن بن معاذ" بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشي "التيمي" نسبة إلى جده تيم المذكور، صحابي شهد فتح مكة، وهو ابن عم طلحة بن عبد الله "قال: خطبنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى ففتحت" بالتخفيف، وضبطه بعضهم بالتشديد "أسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا" معجزة ظاهرة له ﷺ "فطفق" بكسر الفاء وفتحها، أي: أخذ "يعلمهم مناسكهم" جمع منسك بفتح السين وكسرها وهو المعبد ويقع على المصدر والزمان والمكان، ثم سميت أمور الحج كلها مناسك "حتى بلغ الجمار" أي: وصل إلى ذكر حكمها، وكأنه ذكر المناسك على ترتيب وقوعهاстр. 5471
بحصى الخذف، ثم أمر المهاجرين فنزلوا في مقدم المسجد وأمر الأنصار أن ينزلوا من وراء المسجد، قال: ثم نزل الناس بعد ذلك.
وفي رواية عن عبد الرحمن بن معاذ عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: خطب النبي ﷺ الناس بمنى ونزلهم منازلهم فقال: "لينزل المهاجرون ههنا"، وأشار إلى ميمنة القبلة، "والأنصار ههنا" وأشار إلى ميسرة القبلة، ثم قال: "لينزل الناس حولهم".
وعن ابن أبي نجيح عن أبيه عن رجلين من بني بكر قالا: رأينا رسول الله ﷺ يخطب بين أوسط أيام التشريق، ونحن عند راحلته، وهي خطبة
الحواشي
(١) وفعلها والجمار الأحجار الصغار، سميت حمار الحج بذلك للحصى التي يرمي بها "فوضع أصبعيه السبابتين" اليمنى واليسرى "ثم قال:" "ارموا" "بحصى الخذف" أي: الحصى اصغار، أي: مثله، والخذف أن يؤخذ حصاة بين السبابتن ويرمي بها "ثم أمر المهاجرين فنزلوا بمقدم المسجد، وأمر الأنصار أن ينزلوا من" هكذا في أبي داود، لفظ: من "وراء المسجد، قال: ثم نزل الناس بعد ذلك" ففيه تقريب أهل الفضل والعلم على حسب مراتبهم في ذلك.
قال الولي العراقي: قد يسأل عن الجمع بين هذا الحديث وبين قوله ﵊: "منى مناخ من سبق"، فإنه دال على استحقاق السابق لبقعة للنزول فيها ولو كان غيره أفضل، وهو مخالف لتعيينه للمهاجرين بقعة وللأنصار بقعة، هكذا سأل وبيض للجواب.
"وفي رواية عبد الرحمن بن معاذ" الصحابي المذكور فيما قبله عند أبي داود أيضا "عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: خطب النبي ﷺ الناس بمنى ونزلهم منازلهم، فقال: "لينزل" بلام الأمر، كما في أبي داود "المهاجرون ههنا، وأشار إلى ميمنة القبلة والأنصار ههنا، وأشار إلى ميسرة القبلة، ثم قال: "لينزل الناس حولهم"" وفي الرواية الأولى: أنزل المهاجرين في مقدم المسجد والأنصار وراء المسجد.
قال الولي العراقي: وظاهرهما التنافي، فيحتاج إلى الجمع إن أمكن وإلا تعين الترجيح، ويمكن الجمع بأنه أنزل المهاجرين في ميمنة القبلة في مقدم المسجد، وأنزل الأنصار في ميسرة القبلة وراء المسجد، ويلزم عليه أن يخلو من المسجد ميسرته بكمالها ومؤخر ميمنته، فيحصل أنه ﷺ أخلى ذلك لنفسه.
"وعن ابن أبي نجيح" الابن هو عبد الله المكي أبو يسار الثقفي، مولاهم ثقة من رجال الجميع، ورمي بالقدر، وربما دلس "عن أبيه" أبي نجيح، واسمه يسار المكي مولى ثقيف مشهور بكنيته وهو ثقة، روى له مسلم والسنن الثلاثة "عن رجلين من بني بكر، قالا: رأينا رسول الله ﷺ يخطب بين أوسط أيام التشريق" ظاهره مشكل، فالجمع بين أوسط.стр. 5472
رسول الله ﷺ التي خطب بمنى. رواه أبو داود.
وعن رافع بن عمرو المزني قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى، حين ارتفع الضحاء على بغلة شهباء، وعلي يعبر عنه، والناس بين قائم وقاعد. رواه أبو داود أيضا.
الحواشي
(١) ممتنع، فإما أنه وهم كان في بعض الأصول بين، وفي آخر أوسط، فجمع بينهما بعض الرواة وهما: لكن فيه أن الحكم على الإثبات بالخطأ يحتاج لدليل، وبأنه لا يصح أن يقال بين أيام التشريق لاقتضائه أن زمن الخطبة متخلل بينها لا منها وإنما يكون ذلك ليلا، ولم تقع الخطبة ليلا، وإما أن أوسط بدل من بين فهو نصب ظرفا لا مخفوض بالإضافة، ويرد هذا بالثاني مما رد به مما قبله، وإما أن المراد خطبهم في وسط أوسط أيام التشريق، أي: أن خطبته وقعت في الأوسط من أيام التشريق وكان ذلك بينه، أي: في أثنائه لا في أول النهار ولا في آخره، وفيه نظر؛ لأنه إذا خطب أثناءه صدق أنه خطب في أيام التشريق فلا يقال: خطب بينهما، قاله الولي العراقي.
"ونحن عند راحلته" مثلث العين ومعناه حضرة الشيء "وهي خطبة رسول الله ﷺ التي خطب بمنى" كأنهما لم يطلعا على خطبته يوم النحر أو اطلعا ولم تكن عندهما خطبة تتعلق بالحج "رواه أبو داود" وسكت عليه فهو عنده صالح، وكذا سكت عليه عبد الحق في الأحكام، وتعقبه ابن القطان ورد تعقبه.
"وعن رافع بن عمرو" بفتح العين ابن هلال "المزني" صحابي ابن صحابي، سكن البصرة وعاش إلى خلافة معاوية "قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحاء" بفتح المعجمة ممدود إذا علت الشمس إلى ربع السماء فما بعده كما في النهاية، نقله الولي "على بغلة" أنثى البغال "شهباء" أي: بيضاء غلب بياضها على السواد، زاد في رواية لأبي داود في اللباس: وعليه برد أحمر "وعلي" بن أبي طالب "يعبر" بضم أوله وبالتشديد، أي: يبلغ "عنه".
قال الجوهري: عبرت عن فلان إذا تكلمت عنه واللسان يعبر عما في الضمير، أو المراد يفسر عبارته ويشرحها مأخوذ من عبارة الرؤيا وهو تفسيرها، أو المراد يفهمها للناس من عبرت الكتاب أعبره، والأول هو الظاهر المتعين وفيه منقبة لعلي، ولا يخالف قوله: ففتحت أسماعنا الحديث السابق لاحتمال أن هذه خطبة غير تلك؛ لأنه خطب بمنى غير مرة، أو المعجزة إنما هي في حق من لم يحضر المجلس، فأما من حضره فكان يسمع السمع المعتاد، فربما يخفى عليه كلمة ونحوها لشغل أو ثقل سمع أو جهل بتلك اللغة التي خاطبهم بها ﷺ ؛ لأنهم خلق كثيرстр. 5473
وعن ربيعة بن عبد الرحمن بن حصن قال: حدثتني جدتي سراء بنت نبهان، وكانت ربة بيت في الجاهلية، قالت: خطبنا النبي ﷺ يوم الرءوس فقال: أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "أليس أوسط أيام التشريق"؟ وفي رواية: خطب أوسط أيام التشريق. رواه أبو داود أيضا.
الحواشي
(١) من قبائل شتى، وهذه الخطبة غير المذكورة قبلها لقوله: على راحلته وهنا على بغلة، قاله الولي العراقي ملخصًا.
"والناس بين قائم وقاعد" لكثرتهم، فكان البعيد يقف ليراه ويسمع كلامه ﷺ "رواه أبو داود أيضا" ورواه النسائي والبغوي والطبراني وغيرهم عنه مطولًا، قال: أقبلت مع أبي وأنا غلام وصيف أو فوق ذلك في حجة الوداع، فإذا رسول الله ﷺ يخطب الناس على بغلة شهباء، وعلي بن أبي طالب يعبر عنه والناس من بين جالس وقائم، فجلس أبي وتخللت الركاب حتى أتيت البغلة، فأخذت بركاته ووضعت يدي على ركبته، فمسحت حتى الساق حتى بلغت بها القدم، ثم أدخلت كفي بين النعل والقدم فيخيل إلي الساعة أني أجد برد قدمه على كفي.
"وعن ربيعة بن عبد الرحمن بن حصن" الغنوي بفتح الغين المعجمة والنون، ذكره ابن حبان في الثقات "قال: حدثتني جدتي سراء" بفتح السين المهملة وشد الراء مع المد، وقيل: القصر كما في التقريب، وفي الإصابة بتشديد الراء مقصورة، ويقال: بالمد، قاله ابن الأثير "بنت نبهان" بفتح النون وسكون الموحدة ابن عمرو الغنوية الصحابية، وروت عنها أيضا ساكنة بنت الجعد حديثا آخر، رواه ابن سعد وقال: روت أحاديث بهذا الإسناد "وكانت ربة" أي: صاحبة "بيت" ومنزل "في الجاهلية" ما قبل الإسلام، والمراد أنها كبيرة السن، أدركت الجاهلية منفردة ببيت قاله الولي العراقي.
وقال ابن رسلان: ربة بيت، أي: قائمة على الضيم في الجاهلية. ا. هـ، فإن كان ذلك الواقع وإلا فالصواب ما قال الولي.
"قالت: خطبنا النبي ﷺ يوم الرؤوس" بضم الراء والهمز، سمي بذلك حادي عشر الحجة؛ لأنهم كانوا يذبحون يوم النحر ثم يطبخون الرؤوس تلك الليلة فيبكرون على أكلها "فقال: "أي يوم هذا"؟، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "أليس أوسط أيام التشريق"؟ وفيه أدب الصحابة معه وسكوتهم عن الجواب فيما يشكل عليهم.
"وفي رواية: خطب أوسط أيام التشريق، رواه أبو داود أيضا" أي: المذكور من الروايتين، وسكت عليه إلا أن الأولى عنده مسندة، وأما الثانية فمعلقة، ولفظه عقب المسند، قال أبو داود: وكذلك عم أبي حرة الرقاشي أنه خطب أوسط أيام التشريق.стр. 5474
ثم ركب ﷺ قبل الظهر فأفاض إلى البيت فطاف طواف الإفاضة، وهو طواف الزيارة والركن والصدر.
وفي البخاري: ويذكر عن أبي حسان عن ابن عباس، أن النبي ﷺ كان يزور البيت أيام منى.
وصله الطبراني من طريق قتادة عن أبي حسان. وقال ابن المديني في "العلل": روى قتادة حديثا غريبا لا نحفظه عن أحمد من أصحاب قتادة إلا من حديث هشام. فنسخته من كتاب ابنه معاذ بن هشام، ولم أسمعه منه، عن أبيه عن قتادة حدثني أبو حسان عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يزور البيت كل ليلة ما أقام بمنى الحديث.
الحواشي
(١) قال الولي: أخرجه أحمد عن أبي حرة الرقاشي، عن عمه قال: كنت آخذا بزمام ناقة النبي ﷺ إذ ودعته الناس، فذكر حديثا طويلا في خطبته وأبو حرة بضم المهملة وشد الراء المفتوحة وتاء تأنيث اسمه حنيفة، ذكره أبو حاتم وغيره، ضعفه ابن معين ووثقه أبو داود وعمه صحابي.
قال البغوي: بلغني أن اسمه خزيم بن حنيفة. ا. هـ، وقيل: عمر بن حمزة، أفاده ابن فتحون. "ثم ركب ﷺ " من منى "قبل الظهر فأفاض" أي: رجع "إلى البيت فطاف طواف الإفاضة" أي: طواف الرجوع من منى إلى مكة "وهو طواف الزيارة" أي: زيارة الحاج البيت "والركن" الذي لا يجبر تركه بشيء "والصدر" بصاد ودال مهملتين مفتوحتين، قال الرافعي: والأشهر أن طواف الصدر طواف الوداع.
"وفي البخاري يذكر" بضم أوله وفتح ثالثه "عن أبي حسان" بالصرف وعدمه مسلم بن عبد الله العدوي البصري، صدوق، رمي برأي الخوارج، قتل سنة ثلاثين ومائة، روى له مسلم حديثين عن ابن عباس غير هذا، وروى له الأربعة وعلق له البخاري.
"عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يزور البيت أيام منى" قال الحافظ: "وصله الطبراني من طريق قتادة عن أبي حسان".
"وقال ابن المديني في العلل: روى قتادة حديثا غريبا لا نعرفه عن أحمد من أصحاب قتادة إلا من حديث هشام، فنسخته من كتاب ابنه معاذ بن هشام ولم أسمعه منه، عن أبيه، عن قتادة: حدثني أبو حسان عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يزور البيت كل ليلة ما أقام بمنى".
وقال الأثرم: قلت لأحمد: تحفظ عن قتادة هذا "الحديث"، فقال: اكتبوه من كتابстр. 5475
وأتى ﷺ زمزم، وبنو عبد المطلب يسقون عليها، فقال: "انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم"، فناولوه دلوا منها فشرب منه.
وفي رواية ابن عباس: فشرب وهو قائم، وفي رواية: فحلف عكرمة: ما كان يومئذ إلا على بعير، لكن لم يعين فيها حجة الوداع ولا غيرها، إنما التعيين في
الحواشي
(١) قلت: فإن هنا إنسانا زعم أنه سمعه من معاذ فأنكر ذلك، وأشار الأثرم بذلك إلى إبراهيم بن محمد بن عرعرة، فإن من طريقه أخرجه الطبراني بهذا الإسناد، ولرواية أبي حسان ليس هو من شرط البخاري شاهد مرسل، أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عيينة، حدثنا ابن طاوس عن أبيه أن النبي ﷺ كان يفيض كل ليلة "وأتى ﷺ " بعد فراغه من طواف الإفاضة "زمزم وبنو عبد المطلب يسقون عليها" أي: يفرقون منها بالدلاء ويصبونه في الحياض ويسقونه الناس "فقال:" لهم "انزعوا" بكسر الزاي، يقال: نزع بالفتح ينزع بالكسر، والأصل في فعل الذي عينه أو لامه حرف حلق فتح مضارعه، ولم يأت الكسر إلا في نزع ينزع والنزع الاستقاء أي: اسقوا "بني عبد المطلب، فلولا" خوفي "أن يغلبكم الناس على سقايتكم" بأن يزدحموا على النزع بحيث يغلبونكم ويدفعونكم لاعتقادهم أن النزع والاستقاء من مناسك الحج "لنزعت معكم" لكثرة فضيلة ذلك.
وقيل: قال ذلك شفقة على أمته من الحرج والمشقة، والأول أظهر وفيه بقاء هذه التكرمة لبني العباس، كبقاء الحجابة لبني شيبة، إذ لو استعمله الناس معهم لخرج عن اختصاصه بهم "فناولوه" ﷺ "دلوا منها فشرب منه" يستحب الشرب منها والإكثار، وقد صح مرفوعا ماء زمزم لما شرب له وشربه جماعة من العلماء لمآب فوجدوها.
قال ابن العربي: شربناه للعلم، فليتنا شربناه للورع، وأولى ما يشرب لتحقيق التوحيد والموت عليه.
"وفي رواية ابن عباس" عند البخاري من طريق عاصم عن الشعبي أن ابن عباس حدثه، قال: سقيت رسول الله ﷺ من زمزم "فشرب وهو قائم" ففيه جواز الشرب قائما، وقوله: "وفي رواية" حشو موهم أنها رواية أخرى مع أنه من جملة حديث البخاري، عقب قوله: وهو قائم، قال عاصم: "فحلف عكرمة" بالله "ما كان" ﷺ "يومئذ" أي: يوم سقاه ابن عباس من زمزم "إلا على بعير" فكيف يكون قائما.
وعند ابن ماجه عن عاصم، فذكرت ذلك لعكرمة بالله ما فعل، أي: ما شرب قائما؛ لأنه كان حينئذ راكبا، وإنما حلف؛ لأنه خلاف ما رواه، أعني: عكرمة عن ابن عباس أنه ﷺ أتىстр. 5476
رواية جابر عند مسلم.
واختلف أين صلى ﷺ الظهر يومئذ؟، ففي رواية جابر عند مسلم: أنه ﵇ صلى بمكة، وكذا قالت عائشة.
وفي حديث ابن عمر -في الصحيحين- أنه ﷺ أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى.
فرجح ابن حزم في كتاب حجة الوداع له قول عائشة وجابر، وتبعه على ذلك جماعة؛ لأنهما اثنان، وهما أولى من الواحد؛ ولأن عائشة أخص الناس به، ولها من القرب والاختصاص ما ليس لغيرها؛ ولأن سياق الناس به، ولها من القرب والاختصاص ما ليست لغيره؛ ولأن سياق جابر لحجته ﷺ من أولها إلى آخرها أتم سياق، وأحفظ للقصة وضبطها، حتى ضبط جزئياتها، حتى أقر منها ما لا يتعلق
الحواشي
(١) زمزم وهم يسقون ويعملون فيها، فقال: اعملوا فإنكم على عمل صالح، ثم قال: لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه، يعني: عاتقه، وأشار إلى عاتقه، رواه البخاري، وأجيب بأنه قد روي أبو داود عن عكرمة نفسه، عن ابن عباس أنه ﷺ أناخ فصلى ركعتين، فلعل شربه من زمزم كان بعد ذلك، ولعل عكرمة إنما أنكره لنهيه عنه، لكن في البخاري عن علي أنه ﷺ شرب قائما "لكن لم يعين فيها" أي: رواية ابن عباس لا من طريق عكرمة ولا من طريق الشعبي "حجة الوداع ولا غيرها" فتح مكة "إنما التعيين في رواية جابر عند مسلم" يعني: فلولاها لأمكن الجمع بأنه في إحداهما شرب وهو على البعير، وفي الأخرى قائما، وقد علم الجمع بإمكان أنه لما نزل وصلى شرب قائما فلا خلاف.
"واختلف أين صلى؟ " النبي ﷺ الظهر يومئذ" أي: يوم النحر "ففي رواية جابر عند مسلم، أنه ﵇ صلى بمكة" ولفظه: فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر، وكذا قالت عائشة عند أبي داود وغيره.
"وفي حديث ابن عمر في الصحيحين؛ أنه ﷺ أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى" فهذا تعارض "فرجح ابن حزم في كتاب حجة الوداع له" أي: مؤلة فيها "قول عائشة وجابر وتبعه على ذلك جماعة" بأربعة أوجه "لأنهما اثنان وهما أولى من الواحد، و" ثانيها "لأن عائشة أخص الناس به ولها من القرب والاختصاص ما ليس لغيرها، و" ثالثها: "لأن سياق جابر لحجته ﷺ من أولها إلى آخرها أتم سياق و" هو "أحفظ للقصة، وضبطها حتى ضبط جزئياتها حتى أقر" بقاف وراء ثقيلة، أي: أثبت "منها ما لا يتعلق بالمناسك".стр. 5477
بالمناسك، وهو نزوله في الطريق فبال عند الشعب وتوضأ وضوءا خفيفا، فمن ضبط هذا القدر فهو لضبط مكان صلاته الظهر يوم النحر أولى، وأيضا: فإن حجة الوداع كانت في "آذار" وهو تساوي الليل والنهار، وقد دفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى، وخطب بها الناس، ونحر بها بدنة وقسمها، وطبخ له من لحمها وأكل منه، ورمى الجمرة، وحلق رأسه وتطيب ثم أفاض، وطاف وشرب من ماء زمزم، ووقف عليهم وهم يسقون، وهذه أعمال يظهر ممنها أنها لا تنقضي في مقدار يمكن معه الرجوع إلى منى بحيث يدرك الظهر في فصل آذار.
ورجحت طائفة أخرى قول ابن عمر: بأنه لا يحفظ عنه في حجته ﷺ أنه صلى الفرض بجوف مكة، بل إنما كان يصلي بمنزله بالمسلمين مدة مقامه بمكة، وبأن حديث ابن عمر متفق عليه، وحديث جابر من إفراد مسلم، فحديث ابن عمر أصح منه، فإن رواته أحفظ وأشهر، وبأن حديث عائشة قد اضطرب في وقت طوافه، فروي عنها أنه طاف نهارا، وفي رواية عنها: أن أخر الطواف إلى الليل، وفي رواية عنها: أنه أفاض من آخر يومه، فلم تضبط فيه وقت الإفاضة، ولا مكان الصلاة.
الحواشي
(١) وفي نسخة: حتى أمرا منها، أي: حتى ضبط أمرا لا يتعلق بالمناسك "وهو نزوله في الطريق، فبال عند الشعب وتوضأ وضوءا خفيفا، فمن ضبط هذا القدر فهو يضبط صلاته الظهر يوم النحر أولى و" رابعها "أيضا، فإن حجة الوداع كانت في آذار وهو تساوي الليل والنهار، وقد دفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى، وخطب بها الناس ونحر بها بدنة" المائة "وقسمها وطبخ له من لحمها وأكل منه ورمى الجمرة وحلق رأسه وتطيب، ثم أفاض وطاف وشرب من ماء زمزم ووقف عليهم وهم يسقون، وهذه أعمال يظهر منها أنها لا تنقضي في مقدار يمكن معه الرجوع إلى مني بحيث يدرك الظهر في فصل آذار" بهمزتين فذال معجمة فألف فراء.
قال في القاموس: الشهر الادس من الشهور الرومية "ورجحت طائفة أخرى قول ابن عمر" بأمور أربعة: أحدهما: "بأنه لا يحفظ عنه في حجته ﷺ ؛ أنه صلى الفرض بجوف مكة، بل إنما كان يصلي بمنزله بالمسلمين مدة مقامه بمكة، و" الثاني: "بأن حديث ابن عمر متفق عليه" أي: رواه البخاري ومسلم "وحديث جابر من إفراد مسلم" التي انفرد بها عن البخاري فحديث ابن عمر أصح منه: فإن رواته أحفظ وأشهر" ولاتفاق الشيخين عليه. "و" الثالث: "بأن حديث عائشة قد اضطرب في وقت طوافه، فروي عنها أنه طاف نهارا".
"وفي رواية" لأحمد وأبي داود والترمذي "عنها: أنه" ﷺ "أخر الطواف إلى الليل،стр. 5478
وأيضا: فإن حديث ابن عمر أصح منه بلا نزاع؛ لأن حديث عائشة من رواية محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، وابن إسحاق مختلف في الاحتجاج به، ولم يصرح بالسماع، بل عنعنه، فلا يقدم على حديث عبد الله بن عمر. انتهى.
ثم رجع ﷺ إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى
الحواشي
(١) وفي رواية" عند أبي داود "عنها: أنه" ﷺ "أفاض" أي: طاف طواف الإفاضة "من آخر يومه" والجمع وإن أمكن بين رواياتها الثلاث بأن قولها إلى الليل، أي: إلى قربه بدليل قولها في الرائية الثانية من آخر يومه وذلك بالنهار، وهو الرواية الأولى " فلم تضبط فيه وقت الإفاضة ولا مكان الصلاة" فتقدم رواية من ضبط.
"و" الرابع: "أيضا بأن حديث ابن عمر أصح منه بلا نزاع؛ لأن حديث عائشة من رواية محمد بن إسحاق" بن يسار "عن عبد الرحمن بن القاسم" بن محمد، عن أبيه، عنها "وابن إسحاق مختلف في الاحتجاج به" أي: بروايته، فمنهم من لم يحتج به وطعن فيه كثير من الأئمة، ومنهم من احتج به بشرط أن يصح بالسماع؛ لأنه مدلس، فهنا لا حجة به اتفاقا "و" ذلك أنه "لم يصرح به بالسماع، بل عنعنه" أي: الحديث، فقال عن عبد الرحمن بن القاسم: "فلا يقدم على حديث عبد الله بن عمر" لأن رواته ثقات حفاظ مشاهير. "انتهى".
وقد جمع النووي بين الحديثين أي: حديث جابر وابن عمر باحتمال أنه صلى الظهر بمكة أول الوقت، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك، فيكون متنفلا بالظهر الثانية التي بمنى، كذا قال بناء على مذهبه من صحة اقتداء المفترض بالمتنفل، ثم ذكر أنه طاف قبل الزوال، قال: وما ورد عن عائشة وغيرها أنه أخر الزيارة إلى الليل فمحمول على أنه عاد للزيارة مع نسائه لا لطواف الإفاضة، قال: ولا بد من هذا التأويل للجمع بين الأحاديث.
وتعقبه الولي بأن ظاهر حديث أبي داود، عنها: أفاض من آخر يومه حين صلى الظهر أنه طاف بعد صلاة الظهر، أي: حين فرغمنها لا حين شرع فيها، إذ لا يجمع بين الصلاة والطواف في زمن واحد.
"ثم رجع ﷺ إلى منى فمكث" بفتح الكاف وضمها "بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة" أي: جنسها، إذ المراد الثلاث جمرات كما صرح به بعد "إذا زالت الشمس" فورا، زاد ابن ماجه: قدر ما إذا فرغ رميه صلى الظهر.
قال الولي: فذكر مكثه الليالي ورميه الجمرة بالنهار، فكان ينبغي أن يقول ليالي أيامстр. 5479
والثانية، فيطيل القيام فيهما ويتضرع، ويرمي الثالثة فلا يقف عندها. رواه أبو داود من حديث عائشة.
وعن ابن عمر -عند الترمذي: كان ﷺ إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهبا وراجعا.
وفي رواية أبي داود: وكان يستقبل القبلة في الجمرتين الدنيا والوسطى، ويرمي جمرة العقبة من بطن الوادي الحديث.
واستأذنه ﷺ العباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى، من أجل
الحواشي
(١) التشريق وأيامها، والجواب أنه إنما اقتصر على الليالي؛ لأن بها يقع التاريخ، وأيضا؛ فإنه أتم الليالي الثلاث بخلاف الأيام فلم يتمها، بل ارتحل في أثناء اليوم الثالث "كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة".
وفي الصحيح عن ابن عمر: يكبر على أثر كل حصاة "ويقف عند الأولى" التي تلي مسد الخيف "والثانية: فيطيل القايم فيهما" إلا أنه في الأولى أكثر، ولابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عطاء، قال: كان ابن عمر يقوم عند الجمرتين مقدار ما يقرأ سورة البقرة "ويتضرع" يبتهل إلى الله تعالى بالدعاء، وفي الصحيح عن ابن عمر: ويدعو "ويرمي الثالثة" جمرة العقبة "فلا يقف عندها" قيل: لضيق المكان بالجبل، وقيل وهو الأصح: أن دعاءه كان في نفس العبادة قبل الفراغ منها، فلما رمى الثالثة فرغت العبادة، والدعاء فيها أفضل منه بعد فراغها "رواه أبو داود من حديث عائشة" قالت: أفاض ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فذكره، وفيه ابن إسحاق، لكن المنكر منه إنما هو أوله كما مر، وأما بقيته فله شواهد في الصحيحين من حديث ابن مسعود وابن عمر.
"وعن ابن عمر عند الترمذي: كان ﷺ إذا رمى الجمار" الثلاث "مشى إليها ذاهبا وراجعا"، فأما الجمرة الت ترمى وحدها يوم النحر فرماها وهو راكب كما عند أحمد وغيره.
"وفي رواية أبي داود" عن ابن عمر: "وكان يستقبل القبلة في الجمرتين الدنيا" قال الحافظ: بضم الدال وكسرها، أي: القريبة إلى جهة مسجد الخيف وهي أول الجمرات التي ترمى من ثاني يوم النحر "والوسطى ويرمي جمرة العقبة من بطن الوادي".
وكذا رواه ابن مسعود في الصحيحين، ولابن أبي شيبة وغيره عن عطاء، أن النبي ﷺ كان يعلو إذا رمى الجمرة وجمع الحافظ بينهما بإمكان أن التي ترمى من بطن الوادي هي جمرة العقبة؛ لأنها عند الوادي بخلاف الجمرتين الأخيرتين، ويوضحه قوله في حديث بن مسعود: حين رمى جمرة العقبة استبطن الوادي ... "الحديث" وهو في البخاري مطولا.
"واستأذنه ﷺ العباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى" ليلة الحادي عشرстр. 5480
السقاية فأذن له، رواه البخاري ومسلم من رواية ابن عمر، وفي رواية الإسماعيلي: رخص رسول الله ﷺ للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته.
وفيه دليل على وجوب المبيت بمنى، وأنه من مناسك الحج؛ لأن التعبير بـ"الرخصة" يقتضي أن يقابلها: العزيمة، وأن الإذن وقع للعلة المذكورة، وإذا لم توجد أو ما في معناها لم يحصل الإذن وبالوجوب قال الجمهور:
وفي قول للشافعي، وهو رواية عن أحمد، وهو مذهب الحنفية: أنه سنة.
ووجوب الدم بتركه مبني على هذا الخلاف.
ولا يحصل المبيت إلا بمعظم الليل، وهل يختص الإذن بالسقاية، وبالعباس؟ الصحيح العموم، والعلة في ذلك إعداد الماء للشاربين.
الحواشي
(١) والليلتين بعدها، ووقع عند أحمد أن يبيت تلك الليلة بمنى وكأنه عنى ليلة الحادي عشر؛ لأنها تعقب يوم الإفاضة، قاله الحافظ: "من أجل السقاية" أي: سقايته المعروفة بالمسجد الحرام "فأذن له" ففيه استئذان الأمراء والكبراء في المصالح الطارئة وبدار من استؤذن إلى الإذن عند ظهر المصلحة "رواه البخاري ومسلم" وغيرهما "من حديث ابن عمر" عبد الله.
"وفي رواية الإسماعيلي" عنه: "رخص رسول الله ﷺ للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته" فعبر برخص "وفيه دليل على وجوب المبيت بمنى وأنه من مناسك الحج؛ لأن التعبير بالرخصة يقتضي أن مقابلها عزيمة" فيدل على الوجوب "وأن الإذن وقع للعلة المذكورة" السقاية "وإذا لم توجد، أو ما في معناها" كالرعاء "لم يحصل الإذن" لأن الحكم يدور مع العلة "وبالوجوب".
"قال الجمهور" ومنهم مالك والشافعي وأحمد في رواية "وفي قول للشافعي وهو رواية عن أحمد" وهي الصحيحة في مذهبه "وهو مذهب الحنفية أنه سنة" واستدلوا بأنه لو كان واجبا لما رخص للعباس وفيه نظر كما علم "ووجوب الدم بتركه مبني على هذا الخلاف" فمن أوجبه أوجب الدم ومن لم يوجبه فلا "ولا يحصل المبيت إلا بمعظم الليل" وإنما اكتفى بساعة ليلة المزلفة لكثرة المشقة التي قبلها والتي بعدها، فسومح في التخفيف للمشقة "وهل يختص الإذن بالسقاية وبالعباس" فلو عمل غيره سقاية لم يرخص له في المبيت لأجلها كما قيل به وهو جمود، وقيل: يدخل معه آلة، وقيل: فريقه وهم بنو هاشم "الصحيح العموم" فلا يختص بالعباس "والعلة في ذلك إعداد الماء للشاربين" قال الحافظ: وهل يختص ذلك بالماء أو يلحق به ما في معناه من الأكل وغيره محل احتمال.стр. 5481
وجزم الشافعي، بإلحاق من له مال يخاف ضياعه، أو أمر يخاف فوته، أو مريض يتعهده، بأهل السقاية، كما جزم الجمهور: بإلحاق الرعاء خاصة، وهو قول أحمد.
قالوا: ومن ترك المبيت لغير عذر وجب عليه دم عن كل ليلة.
ثم أفاض ﷺ بعد ظهر يوم الثلاثاء -بعد أن أكمل رمي أيام التشريق، ولم يتعجل في يومين- إلى المحصب، وهو الأبطح، وحده: ما بين الجبلين إلى
الحواشي
(١) "وجزم الشافعي بإلحاق من له مال يخاف ضياعه أو أمر يخاف فوته أو مريض يتعهده بأهل السقاية" فلا دم عليهم في ترك المبيت؛ لأنهم أصحاب أعذار فأشبهوا أهل السقاية "كما جزم الجمهور بإلحاق الرعاء" بكسر الراء والمد: جمع راع "خاصة" دون أولئك، لكنهم لم يجزموا بذلك بالإلحاق، إنما هو بالنص الذي رواه مالك وأصحاب السنن الأربع.
وقال الترمذي: حسن صحيح عن عاصم بن عدي أن رسول الله ﷺ أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى يرمون النحر، ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر.
وفي لفظ لأبي داود أن النبي ﷺ رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما "وهو قول أحمد" واختيار ابن المنذر.
وقال المالكية: يجب الدم في المذكورات سوى الرعاء والسقاية، كما جزم به في الطراز المذهب؛ لأنهما الوارد فيهما الرخصة، وأما الخائف ومن بعده فلا إثم عليهم للعذر، وأما الدم فعليهم كمن حلق رأسه وهو محرم للعذر فلا إثم عليه، وعليه الفدية والعذر إنما يرفع الإثم لا الدم إلا فيما ورد النص فيه.
"قالوا" ضمير للمالكية، فأصل العبارة في فتح الباري.
وقال المالكية: يجب الدم في المذكورات سوى الرعاء.
قالوا: "ومن ترك المبيت لغير عذر" خاص وهو الرعاية والسقاية "وجب عليه دم عن كل ليلة".
وقال الشافعي: عن كل ليلة إطعام مسكين، وقيل: عنه التصدق بدرهم، وعن الثلاث دم وهو رواية عن أحمد، والمشهور عنه.
وعن الحنفية: لا شيء عليه، هذا بقية كلام الفتح "ثم أفاض" دفع " ﷺ بعد ظهر يوم الثلاثاء بعد أن أكمل رمي أيام التشريق ولم يتعجل في يومين" لأنه الأفضل "إلى المحصب" بضم الميم وفتح الحاء والصاد الثقيلة مهملتين وموحدة "وهو الأبطح" ويقال له: البطحاء أيضا وهو مكان متسع بين مكة ومنى وهو إليها أقرب "وحده ما بين الجبلين إلى المقبرة وهوстр. 5482
المقبرة، وهو خيف بني كنانة، فوجد أبا رافع قد ضرب قبته هناك، وكان على ثقله، قال أبو رافع: لم يأمرني ﷺ أن أنزل الأبطح حين خرج من منى، ولكني جئت فضربت فيه قبته فجاء فنزل: رواه مسلم.
وفيه وفي البخاري، عن أنس أنه ﵇ صلى الظهر والعصر يوم النفر بالأبطح.
وفيهما من حديث أبي هريرة: أنه ﷺ قال: "من الغد يوم النحر"، وهو بمنى: "نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة"، حيث تقاسموا على الكفر، يعني بذلك
الحواشي
(١) خيف بني كنانة".
قال عياض: وإلى منى يضاف، ودليله قول الشافعي وهو عالم مكة وأحوازها:
يا راكبا قف بالمحصب من منى ... واهتف بقاطن خيفها والناهض
قال الأبي: وإنما يصح الاحتجاج به إذا جعل من منى في موضع الصفة للمحصب، أما إذا علق براكبا فلا حجة فيه، وأبين منه قول مجنون بني عامر:
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى ... فهيج لوعات الفؤاد وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلى طائرا كان في صدري
قال: وظاهر قول مالك في المدونة إذا رحلوا من منى نزلوا بأبطح مكة وصلوا ... إلخ، أنه ليس من منى "فوجد" مولاه "أبا رافع" اسمه أسلم في أشهر الأقوال العشرة "قد ضرب قبته" خيمته وكانت من شعر كما مر "وكان" أبو رافع "على ثقله" بفتح المثلثة والقاف، أي: متاعه "قال أبو رافع: لم يأمرني ﷺ أن أنزل الأبطح حين خرج من منى، ولكني جئت فضربت فيه قبته" توفيقا من الله "فجاء فنزل، رواه مسل" وأبو داود وغيرهما.
"وفيه" أي: مسلم.
"وفي البخاري عن أنس؛ أنه ﵇ صلى الظهر والعصر يوم النفر" بفتح النون وإسكان الفاء الانصراف من منى "بالأبطح".
قال الحافظ: لا ينافي أنه لم يرم إلا بعد الزوال؛ لأنه رمى فنفر ونزل المحصب فصلى الظهر به.
"وفيهما" أي: الصحيحين "من حديث" الأوزاعي عن الزهري، عن أبي سلمة، عن "أبي هريرة أنه ﷺ قال: "من الغد يوم النحر" نصب على الظرفية "وهو بمنى" أي: قال: في غداة يوم النحر حال كونه بمنى، ومقوله: "نحن نازلون غدا خيف".стр. 5483
المحصب. وذلك أن قريشا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي ﷺ .
وعن ابن عباس قال: ليس التحصيب بشيء، إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ ، أي: ليس التحصيب من أمر المناسك الذي يلزم فعله، لكن لما نزل به ﷺ كان
الحواشي
(١) وفي رواية: بخيف "بني كنانة" والمراد بالغد هنا ثالث عشر ذي الحجة؛ لأنه يوم النزول بالمحصب فهو مجاز في إطلاقه كما يطلق أمس على الماضي مطلقا، وإلا فثاني العيد هو الغد حقيقة وليس مرادًا، قاله الكرماني "حيث تقاسموا:" تحالفوا "على الكفر" حال من فاعل تقاسموا، أي: في حال كفرهم "يعني بذلك المحصب" بوزن محمد "وذلك أن قريشا وكنانة" فيه إشعار بأن كنانة من ليس قرشيا، إذ العطف يقتضي المغايرة، فيترجع القول بأن قريشًا من ولد فهر بن مالك على القول بأنهم من ولد كنانة.
نعم لم يعقب النضر غير مالك ولا مالك غير فهر، فقريش ولد النضر بن كنانة، وأما كنانة فأعقب من غير النضر، فلذا وقعت المغايرة، قاله الحافظ.
"تحالفت" بحاء مهملة، والقياس تحالفوا، لكن أتى بصيغة المفرد المؤنث باعتبار الجماعة "على بني هاشم وبني المطلب" أخي هاشم؛ "أن لا يناكحوهم" فلا تتزوج قريش وكنانة امرأة من بني هاشم وأخيه، ولا يزوجوا امرأة من نسائهم لأولاد أحد من الأخوين "ولا يبايعوهم" لا يبيعوا لهم ولا يشتروا منهم، ولأحمد: ولا يخالطوهم، وللإسماعيلي ولا يكون بينهم وبنه شيء وهي أعم "حتى يسلموا" بضم فسكون فكسر مخففا "إليهم النبي ﷺ ".
قال الحافظ: يختلج في خطري أن قوله، يعني: المحصب، إلى هنا من قول الزهري أدرجه في الخبر، فقد رواه شعيب في هذا الباب، يعني باب نزول النبي ﷺ مكة من كتاب الحج وإبراهيم ابن سعد كما للبخاري في السيرة، ويونس عنده في التوحيد، كلهم عن ابن شهاب مقتصرين على المرفوع منه إلى قوله: على الكفر، ومن ثم لم يذكر مسلم في روايته شيئا من ذلك. ا. هـ، وبه تعلم تسامح المصنف في العزو لهما.
"و" في الصحيحين أيضا "عن ابن عباس، قال: ليس التحصيب" النزول في المحصب "بشيء إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ ، أي: ليس التحصيب من أمر المناسك الذي يلزم فعله" إنما هو منزل نزله للاستراحة بعد الزوال، فصلى به الظهرين والعشاءين.
وفي الصحيحين أيضًا عن عائشة: نزل الأبطح ليس بسنة إنما نزله ﷺ ؛ لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج، أي: أسهل لتوجهه إلى المدينة ليستوعب في ذلك البطيء والمتعذر، ويكون مبيتهم وقيامهم في السحر ورحيلهم بأجمعهم إلى المدينة.стр. 5484
النزول به مستحبا اتباعا له، لتقريره على ذلك. وقد فعله الخلفاء بعده، كما في مسلم.
وعن أنس أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به، رواه البخاري.
وهذا هو طواف الوداع، ومذهب الشافعي أنه واجب يلزم بتركه دم على الصحيح: وهو قول أكثر العلماء.
وقال مالك وداود: هو سنة لا شيء بتركه.
واختلف في المرأة إذا حاضت بعدما طافت طواف الإفاضة، هل عليها طواف الوداع أم لا؟ وكان ابن عباس يرخص لها أن تنفر إذا أفاضت وكان ابن
الحواشي
(١) "لكن لما نزل ﷺ به كان النزول به مستحبا اتباعا له لتقريره" أبا رافع "على ذلك، وقد فعله الخلفاء بعده كما في مسلم" عن ابن عمر: كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر ينزلون الأبطح، وفيه أيضا عن ابن عمر أنه كان يرى التحصيب سنة.
قال نافع: وقد فعله رسول الله ﷺ والخلفاء بعده.
قال الحافظ: فالحاصل أن من نفى أنه سنة كعائشة وابن عباس أراد أنه ليس من المناسك، فلا يلزم بتركه شيء، ومن أثبته كابن عمر أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله ﷺ لا الإلزام بذلك.
"وعن أنس: أن النبي ﷺ -صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب" متعلق بقوله: صلى، وقوله: ثم رقد، عطف عليه "ثم ركب إلى البيت فطاف به" للوداع، فيستحب أن يصلي به الأربع صلوات ثم يرقد بعض الليل وإن لم يكن ذلك من المناسك، إذ لا يخلو شيء من أفعاله ﷺ عن حكمة "رواه البخاري".
وعنده نحوه من حديث ابن عمر: "وهذا هو طواف الوداع" بفتح الواو ويسمى طواف الصدر بفتح الدال؛ لأنه يصدر عن البيت، أي: يرجع إليه.
"ومذهب الشافعي أنه واجب يلزم بتركه دم على الصحيح وهو قول أكثر العلماء، وقال مالك وداود: هو سنة لا شيء" يلزم "بتركه" لا دم ولا غيره.
"واختلف في المرأة إذا حاضت بعد ما طافت طواف الإفاضة" الذي هو الركن "هل عليها طواف الوداع أم لا؟ " وإذا وجب هل يجبر بدم أم لا؟، كما في الفتح.
وفي البخاري ومسلم عن ابن عباس: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خففстр. 5485
عمر يقول في أول أمره: إنها لا تنفر، ثم قال في آخر أمره: إن رسول الله ﷺ رخص لهن. رواه الشيخان.
وعن عائشة: أن صفية بنت حيي حاضت بعد أن أفاضت، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ
الحواشي
(١) عن الحائض.
وفي مسلم عن ابن عباس: كان الناس ينصرفون من كل وجه، فقال ﷺ : "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت".
"وكان ابن عباس يرخص لها" لفظ الصحيحين عن طاوس عن ابن عباس، قال: رخص للحائض.
وفي النسائي عنه: رخص رسول الله ﷺ للحائض "أن تنفر" بكسر الفاء "إذا أفاضت:" طافت للإفاضة قبل أن تحيض.
"وكان ابن عمر يقول في أول أمره: أنها لا تنفر" حتى تطهر وتطوف للوداع "ثم قال في آخر أمره" قبل موته بعام، وهذا نقل بالمعنى، فلفظ الصحيح قال، أي طاوس: وسمعت ابن عمر يقول: إنها لا تنفر، ثم سمعته يقول بعد: "إن رسول الله ﷺ رخص لهن، رواه الشيخان".
قال الحافظ: هذا من مراسيل الصحابة، فإن ابن عمر لم يسمعه من النبي ﷺ يوضح ذلك ما رواه النسائي والطحاوي عن طاوس؛ أنه سمع ابن عمر يسأل عن النساء إذا حضن قبل النفر وقد أفضن يوم النحر، فقال: إن عائشة كانت تذكر أن رسول الله ﷺ رخص لهن وذلك قبل موته بعام.
"وفي رواية الطحاوي: قبل موت ابن عمر بعام".
"ولابن أبي شيبة؛ أن ابن عمر كان يقيم على الحائض سبعة أيام حتى تطوف طواف الوداع".
قال الشافعي: كأن ابن عمر سمع الأمر بالوداع ولم يسمع بالرخصة أولا، ثم سمع الرخصة فعمل بها".
"وعن عائشة: أن صفية بنت حيي" أم المؤمنين "حاضت" في أيام منى ليلة النفر من منى كما في رواية للشيخين عن عائشة، وذلك "بعد أن أفاضت" يوم النحر، كما في رواية البخاري.
"فذكر" كذا في النسخ بالبناء للمفعول، وفي الصحيح: فذكرت بسكون الراء وضم التاء، أي قالت عائشة: فذكرت "ذلك لرسول الله ﷺ " ففي رواية للبخاري: فقلت: يا رسول الله إنها حائض "فقال: "أحابستنا هي"؟ بهمزة الاستفهام "فقالوا" ولفظ الموطأ: فقيل: "إنها قدстр. 5486
فقال: "أحابستنا هي"؟ قالوا: إنها قد أفاضت، قال: "فلا إذا".
ومعنى: "أحابستنا هي"؟ أي أمانعتنا من التوجه من مكة في الوقت الذي أردنا التوجه فيه؟ ظنا منه ﷺ أنها ما طافت طواف الإفاضة، وإنما قال ذلك؛ لأنه كان لا يتركها ويتوجه ولا يأمرها بالتوجه معه وهي باقية على إحرامها، فيحتاج إلى أن يقيم حتى تطهر وتطوف وتحل الحل الثاني.
وفي رواية: فحاضت صفية، فأراد النبي ﷺ منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول الله إنها حائض. فقال: "أحابستنا هي"؟ الحديث.
وهذا مشكل؛ لأنه ﷺ إن كان علم أنها طافت طواف الإفاضة فكيف يقول: "أحابستنا هي"؟ ٠ وإن كان ما علم، فكيف يريد وقاعها قبل التحلل الثاني؟
الحواشي
(١) أفاضت" قائل ذلك نساؤه، كما في رواية للشيخين عن عائشة، أنها قالت للنبي ﷺ : إن صفية حاضت، فقال: "لعلها تحبسنا ألم تكن طافت معكن"؟، قلن: بلى، ومنهن صفية كما للشيخين أيضًا عن عائشة أنه ﷺ قال لصفية: "إنك لحابستنا أما كنت طفت يوم النحر"؟، قالت: بلى "قال: "فلا" حبس علينا "إذا" بالتنوين، أي: إذا أفاضت؛ لأنها فعلت ما وجب عليها، فهذا نص في أنه ليس على الحائض طواف وداع.
وما في أبي داود والنسائي مرفوعا، أنه عليها، أجاب عنه الطحاو بأنه منسوخ بحديث عائشة هذا وهو في الصحيحين وغيرهما بطرق عديدة.
وبحديث أم سليم في الصحيحين أيضا "ومعنى: "أحابستنا هي"؟، أي: أمانعتنا؟ " لأن الحبس لغة المنع "من التوجه من مكة في الوقت الذي أردنا التوجه فيه ظنا منه ﷺ أنها ما طافت طواف الإفاضة، وإنما قال ذلك؛ لأنه كان لا يتركها ويتوجه" للمدينة "ولا يأمرها بالتوجه معه وهي باقية على إحرامها" جملة حالية "فيحتاج إلى أن يقيم حتى تطهر" بضم الهاء وفتحها "وتطوف وتحل الحل الثاني" بالطواف، ففيه أن أمير الحاج يلزمه تأخير الرحيل لأجل الحائض، وقيده مالك بيومين فقط، وفيه إكرام صفية بالاحتباس لها كما احتبس بالناس على عقد عائشة.
"وفي رواية" للبخاري عن عائشة: حججنا فأفضنا يوم النحر "فحاضت صفية، فأراد النبي ﷺ منها ما يريد الرجل من أهله" أي: الجماع وفيه حسن أدب عائشة في العبارة "فقلت" بضم تاء المتكلم: وهو عائشة: "يا رسول الله إنها حائض، فقال: "أحابستنا هي"؟ ... الحديث، وهذا مشكل؛ لأنه ﷺ إن كان علم أنها طافت طواف الإفاضة فكيف يقول:стр. 5487
ويجاب عنه: بأنه ﷺ ما أراد ذلك منها إلا بعد أن استأذنه نساؤه في طواف الإفاضة فأذن لهن، فكان بانيا على أنها قد حلت، فلما قيل له: إنها حائض جوز أن يكون وقع لها قبل ذلك حتى منعها من طواف الإفاضة، فاستفهم عن ذلك، فأعلمته عائشة أنها طافت معهن، فزال عنه ما خشيه من ذلك. انتهى.
وقالت عائشة: يا رسول الله، أتنطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحج؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج. رواه الشيخان.
وفي رواية لمسلم أنها وقفت المواقف كلها، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال لها -يعني رسول الله ﷺ : "قد حللت من حجك وعمرتك جميعا"، فقالت: يا رسول الله، إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت
الحواشي
(١) "أحابستنا هي"؟ وقد قال: فلا إذا "وإن كان ما علم فكيف يريد وقاعها قبل التحلل الثاني" إذ هو لا يجوز "ويجاب عنه بأنه ﷺ ما أراد ذلك" أي: الوقاع "منها إلا بعد أن استأذنه نساؤه في طواف الإفاضة فأذن لهن".
وفي نسخة لها: أي لنسائه ومنهن صفية "فكان بانيا على أنها قد حلت" فلذا أراد وقاعها "فلما قيل له: إنها حائض، جوز أن يكون وقع لها قبل ذلك حتى منعها من طواف الإفاضة، فاستفهم عن ذلك" من نسائه ومنهن صفية "فأعلمته عائشة أنها طافت معهن، فزال عنه ما خشيه من ذلك. انتهى" وهذا من الفتح.
"وقالت عائشة: يا رسول الله أتنطلقون بحج؟ " منفردة عن عمرة "وعمرة" منفردة عن حج "وأنطلق" أنا "بحج" غير مفرد، وإلا فهي كانت قارنة على الأصح كا سبق "فأمر" أخاها "عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم" تطييبا لقلبها "فاعتمرت" منه "بعد الحج" في ذي الحجة "رواه الشيخان" من حديث جابر.
"وفي رواية لمسلم" عن جابر "أنها" أهلت بعمرة حتى إذا كانت بسرف حاضت، فقال لها النبي ﷺ : "أهلي بالحج"، ففعلت و"وقفت المواقف كلها حتى إذا طهرت" فتح الهاء وضمها وسكون التاء "طافت بالكعبة و" سعت بين "الصفا والمروة" أو سماه طوافا مجازا "ثم قال لها، يعني: رسول الله ﷺ : "قد حللت من حجك وعمرتك جميعا" فهذا صريح في أن عمرتها لم تبطل، وأنها لم تخرج منها بل صارت قارنة "فقالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي" حرجا من أجل "أني لم أطف بالبيت حتى حججت" فأتيت بطواف واحد "قال:стр. 5488
حتى حججت، قال: "فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم"، وذلك ليلة الحصبة.
زاد في رواية: وكان ﷺ رجلا سهلا، إذا خويت شيئا تابعها عليه.
وقد كانت عائشة قارنة؛ لأنها كانت قد أهلت بالعمرة، فحاضت فأمرها فأدخلت عليها الحج، وصارت قارنة، وأخبرها أن طوافها بالبيت وبين الصفا والمروة قد وقع عن حجها وعمرتها، فوجدت في نفسها أن يرجع صواحباتها بحج وعمرة مستقلتين، فإنهن كن متمتعات ولم يحضن ولم يقرن، وترجع هي بعمرة في ضمن حجتها، فأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم تطييبا لقلبها.
ثم ارتحل ﷺ راجعا إلى المدينة، فخرج من كدى -بضم الكاف مقصورا- وهي عند باب شبيكة، بقرب شعب الشاميين من ناحية قعيقعان.
الحواشي
(١) "فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم"، وذلك ليلة الحصبة" بفتح الحاء وسكون الصاد المهملتين وفتح الموحدة، أي: ليلة المبيت بالمحصب.
"زاد في رواية" لمسلم عن جابر: "وكان ﷺ رجلا سهلا" قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] "إذا هويت" بفتح فكسر ففتح أحبت "شيئا" ولا نقض فيه من جهة الدين كطلبها الاعتمار "تابعها" أي: وافقها "عليه" حسن عشرة "وقد كانت" أي: صارت "عائشة قارنة؛ لأنها كانت قد أهلت بعمرة فحاضت" بسرف "فأمرها فأدخلت عليها الحج وصارت قارنة، وأخبرها أن طوافها بالبيت و" سعيها "بين الصفا والمروة قد وقع عن حجها وعمرتها" بقوله: "قد حللت من حجك وعمرتك جميعا" "فوجدت في نفسها أن يرجع صواحباتها:" ضرائرها "بحج وعمرة مستقلتين" كما قال في بعض طرق الحديث: أيرجع صواحبي بحجة وعمرة وأرجع أنا بحجة؟ "فإنهن كن متمتعات ولم يحضن ولم يقرن وترجع هي بعمرة في ضمن حجتها" ليس لها عمل ظاهر "فأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم تطييبا لقلبها" لا عوضا عن عمرتها "ثم ارتحل ﷺ راجعا إلى المدينة، فخرج من كدى -بضم الكاف مقصورًا- وهي عند باب شبيكة بقرب شعب الشاميين من ناحية قعيقعان" لجبل المعروف، زاد الفتح: وكان نشأ هذا الباب عليها في القرن السابع، وقد اختلف في ضبط كدي وكداء، فالأكثر على أن العليا التي دخل منها بالفتح والمد، والسفلى التي خرج منها بالضم والقصر، وقيل: بالعكس.
قال النووي: وهو غلط.стр. 5489
واختلف في المعنى الذي لأجله خالف ﷺ بين طريقيه، فقيل: ليتبرك به كل من في طريقته، وقيل: الحكمة في ذلك المناسبة لجهة العلو عند الدخول لما فيه من تعظيم المكان، وعكسه الإشارة إلى فراقه، وقيل: لأن إبراهيم لما دخل مكة دخل منها. وقيل غير ذلك.
وفي صحيح مسلم وغيره، من حديث ابن عباس: أنه ﷺ لقي ركبا
الحواشي
(١) وحكى الحميد عن أبي العباس العذري أن بمكة موضعا ثالثا يقال له: كدى بالضم والتصغير يخرج منه إلى جهة اليمن.
قال المحب الطبري: حققه العذري عن أهل اليمن بمكة، قال: وقد بني عليها باب مكة الذي يدخل منه أهل اليمن.
"واختلف في المعنى الذي لأجله خالف ﷺ بين طريقيه" حيث دخل من العليا التي هي كداء بالفتح والمد، وخرج من السفلى التي هي كدي بالضم والقصر كما في الصحيحين وغيرهما.
"فقيل: ليتبرك به كل من في طريقيه" بالتثنية "وقيل: الحكمة في ذلك المناسبة لجهة العلو عند الدخول لما فيه من تعظيم المكان" المدخول إليه "وعكسه" في الخروج "الإشارة إلى فراقه، وقيل: لأن إبراهيم لما دخل مكة دخل منها، وقيل: غير ذلك" فقيل: لأنه ﷺ خرج منها مختفيا في الهجرة، فأراد أن يدخلها ظاهرا، وقيل: لأن من جاء منها كان مستقبلا للبيت ويحتمل؛ لأنه دخل منها يوم الفتح فاستمر على ذلك، وسبب ذلك قول أبي سفيان بن حرب: لا أسلم حتى أرى النخيل تطلع من كداء، قال العباس: فقلت له: ما هذا؟، قال: شيء طلع بقلبي أن الله لا يطلع الخيل هناك أبدا، قال: فذكرت أبا سفيان بذلك لما دخل ﷺ من كداء، فذكره.
وللبيهقي عن ابن عمر قال ﷺ لأبي بكر: "كيف قال حسان؟ "، فأنشد:
عدمت بنيتي إن لم تروها ... تثير النقع مطلعها كداء
فتبسم وقال: "أدخلوها من حيث قال حسان"، قاله في الفتح.
"وفي صحيح مسلم وغيره" كأبي داود والنسائي "من حديث ابن عباس أنه ﷺ لقي ركبا بالروحاء" بفتح الراء وسكون الواو وحاء مهملة ممدودة.
قال عياض في المشارق: من عمل الفرع بينها وبين المدينة نحو أربعين ميلا، وفي مسلم: ستة وثلاثون، وفي كتاب ابن أبي شيبة: ثلاثون ميلا، زاد في رواية أبي دود: فسلم عليهم قبلстр. 5490
بالروحاء، فقال: من القوم؟ فقالوا: المسلمون فقالوا: من أنت قال: "رسول الله"، فرفعت امراة صبيا لها من محفة فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: "نعم ولك أجر".
ولما وصل ﷺ لذي الحليفة بات بها. قال بعضهم: إن نزوله لم يكن قصدا، وإنما كان اتفاقيا، حكاه القاضي إسماعيل في أحكامه عن محمد بن الحسن وتعقبه. والصحيح أنه كان قصدا لئلا يدخل المدينة ليلا.
فلما رأى المدينة كبر ثلاثا وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون، لربنا
الحواشي
(١) قوله: "فقال: "من القوم"؟، فقالوا:" نحن "المسلمون، فقالوا: من أنت؟، قال: "رسول الله" هكذا في مسلم وغيره، فما في نسخ: نحن المسلمون يا رسول الله خطأ نشأ عن سقط.
قال عياض: يحتمل أن هذا اللقاء كان ليلا فلم يعرفوه ﷺ ، ويحتمل كونه نهارا لكونهم لم يروه قبل ذلك، فأسلموا في بلادهم ولم يهاجروا قبل ذلك "فرفعت امرأة صبيا لها من محفة" بكسر الميم كما جزم به النووي وغيره.
وحكى عياض عن المشارق الكسر والفتح بلا ترجيح شبه الهودج إلا أنه لا قبة عليها.
"فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟، قال: "نعم" له حج، وزادها على السؤال: "ولك أجر" ترغيبا لها.
قال عياض: وأجرها فيما تتكلفه من أمره في ذلك وتعليمه وتجنيبه ما يجتنب المحرم.
وقال عمر: وكثيرون يثاب الصبي وتكتب حسناته دون السيئات.
"ولما وصل ﷺ لذي الحليفة بات بها" حتى يصبح فيدخل المدينة كما في الصحيح.
عن ابن عمر: كان ﷺ إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة، وإذا رجع صلى بذي الحلفة ببطن الوادي وبات حتى يصبح.
"قال بعضهم: إن نزوله لم يكن قصدًا، وإنما كان اتفاقيا، حكاه القاضي إسماعيل في أحكامه عن محمد بن الحسن" الشيباني "وتعقبه" بأنه ليس اتفاقيا "والصحيح أنه كان قصدا لئلا يدخل المدينة ليلا" فيفجأ الناس أهاليهم على أهبة، فقد يرى منها ما يقبح عند اطلاعه فيكون سببا إلى بغضها وفراقها، وقد جاء أنه ﷺ نهى أن يطرقوا النساء ليلا، فطرق رجلان أهلهما فكلاهما وجد ما يكره.
"ولما رأى المدينة كبر ثلاثا وقال: "لا إله إلا الله وحده" حال، أي: منفرد "لا شريك له" تأكيد لوحده، إذ المتصف بها لا شريك له "له الملك" السلطان والقدرة وأصنافстр. 5491
"حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده".
ثم دخل المدينة نهارًا من طريق المعرس -بفتح الراء المشددة وبالمهملتين- وهو مكان معروف، وكل من المعرس والشجرة التي بات بها ﷺ في ذهابه إلى مكة على ستة أميال من المدينة. انتهى ملخصا من فتح الباري وغيره، والله أعلم.
وأما عمره ﷺ والعمرة في اللغة: الزيارة.
ومذهب الشافعي وأحمد وغيرهما: أنها واجبة كالحج، والمشهور عن
الحواشي
(١) المخلوقات "وله الحمد" زاد في رواية للطبراني: "يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير" "وهو على كل شيء قدير آيبون" بالرفع خبر محذوف، أي: نحن راجعون إلى الله، وليس المراد الإخبار بمحض الرجوع فإنه تحصيل الحاصل، بل الرجوع في حالة مخصوصة وهي تلبسهم بالعبادة المخصوصة والاتصاف بالأوصاف المذكورة "تائبون" من التوبة وهي الرجوع عما يذم شرعًا، إلى ما يحمد شرعا قاله تواضعا أو تعليما لأمته، نحن "عابدون" نحن "ساجدون لربنا حامدون" كلها رفع بتقدير المبتدأ.
وقوله: لربنا متعلق بساجدون أو بجميع الصفات على طريق التنازع "صدق الله وعده" فيما وعد من إظهار دينه وغير ذلك، وهذا في سفر العزو ومناسبته للحج والعمرة قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧] "ونصر عبده" محمدا ﷺ "وهزم الأحزاب وحده" من غير سب من الآدميين، هذا معنى الحقيقة، فإن العبد وفعله خلق لربه والكل منه وإليه، ولو شاء أن يبيد الكفار بلا قتال لفعل "ثم دخل المدينة نهارا من طريق المعرس -بفتح الراء المشددة وبالمهملتين-" العين والسين "وهو مكان معروف" على طريق من أراد الوصول إلى مكة من المدينة وهو أسفل من ذي الحليفة، فهو أقرب إلى المدينة منها "وكل من المعرس والشجرة التي بات بها رسول الله ﷺ في ذهابه إلى مكة على ستة أميال من المدينة" لكن المعرس أقرب كما في الفتح. "انتهى ملخصًا من فتح الباري".
"وغيره" جميع ما ذكره في مبحث الحج والذي من غيره قليل بالنسبة لما جاء به منه "والله أعلم" بالحق فيما اختلف فيه من أمور الحج.
"وأما عمره" بضم ففتح: جمع عمرة " ﷺ " فأربع، فترك جواب أما اكتفاء بما بعده "والعمرة" بضم العين مع ضم الميم وإسكانها وبفتح العين، وإسكان الميم "في اللغة الزيارة" وقيل: إنها مشتقة من عمارة المسجد الحرام، وقيل: هي لغة القصد إلى مكان عامر.
"ومذهب الشافعي وأحمد وغيرهما" من أهل الأثر "أنها واجبة كالحج" مرة في العمر،стр. 5492
المالكية أنها تطوع وهو قول الحنفية.
وقد اعتمر ﷺ أربع عمر، ففي الصحيحين وسنن الترمذي وأبي داود عن قتادة قال: سألت أنسا: كم حج رسول الله ﷺ ؟ قال: حج حجة واحدة، واعتمر أربع عمر، عمرة في ذي القعدة، وعمرة الحديبية، وعمرة مع حجته، وعمرة
الحواشي
(١) لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
قال ابن عباس: إنها لقرينتها في كتاب الله، أي: الفريضة، وكان الأصل قرينته، أي: الحج، وأجيب بأن دلالة الاقتران ضعيفة، وبأن المراد الإتمام بعد الشروع ولا نزاع فيه، وبأن الشعبي قرأ: والعمرة بالرفع، ففصل عطف العمرة على الحج فارتفع الإشكال.
وأما حديث زيد بن ثابت مرفوعا: "الحج والعمرة فريضتان"، راه الدارقطني والحاكم.
وقال الصحيح عن زيد بن ثابت من قوله: فضعيف فيه إسماعيل بن مسلم ضعفوه.
"والمشهور عن المالكية أنها تطوع" أي: سنة مؤكدة "وهو قول الحنفية" لحديث الحجاج بن أرطأة عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: سئل رسول الله ﷺ عن العمرة أواجبة هي؟، قال: لا وأن تعتمر فهو أفضل، أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح.
وانتقد بأن الحجاج ضعيف، وأجاب الكمال بن الهمام بأنه لا ينزل عن درجة الحسن وهو حجة اتفاقا، وإن قال الدارقطني: لا يحتج بالحجاج، فقد اتفقت الروايات عن الترمذي على تحسين حديثه هذا ولم ينفرد به، فقد رواه ابن جريج عن ابن المنكدر عن جابر وله طريق آخر عن جابر عند الطبراني في الصغير والدارقطني، وضعفه يحيى بن أيوب، وله شاهد عن أبي هريرة مرفوعا: الحج جهاد والعمرة تطوع، وأخرجه ابن قانع.
وقال ابن مسعود: الحج فريضة والعمرة تطوع، أخرجه ابن أبي شيبة. انتهى ملخصا.
"وقد اعتمر -صلى الله عليه سلم- أربع عمر" هذا دليل جواب أما، ولو عبر بالفاء كان الجواب.
"ففي الصحيحين وسنن الترمذي وأبي داود عن قتادة، قال: سألت أنسا كم حج رسول الله ﷺ ؟، قال: حجة واحدة" أي: بعد الهجرة، وأما قبلها فحج مرات كما أول الحج "واعتمر أربع عمر عمرة في ذي القعدة" التي تسمى عمرة القضاء "وعمرة الحديبية" التي صد عنها باتفاق، وكان في ذي القعدة أيضا كما في الصحيحين بطرق عن أنس، لفظ بعضها: أربع عمرة الحديبية في ذي القعدة حيث صده المشركون وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة حيث صالحهم وعجبت ممن وقف على هذا، وقال: قوله: عمرة في ذي القعدة هي التي صد عنها فإنه يكون عين قوله بعده وعمرة الحديبية، إذ هي التي صد عنها باتفاق "وعمرة مع حجته وعمرة الجعرانة" بكسر الجيم وسكون المهملة وخفة الراء وبكسر العين وشد الراء "إذ" أي:стр. 5493
الجعرانة إذ قسم غنيمة حنين، هذا لفظ رواية الترمذي وقال: حسن صحيح.
وفي رواية الصحيحين: اعتمر أربع عمر، كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته: عمرة الحديبية -أو زمن الحديبية- في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته.
وعن محرش الكعبي: أنه ﷺ خرج من الجعرانة ليلا معتمرا، فدخل مكة ليلا فقضى عمرته ثم خرج من ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت، فلما زالت الشمس
الحواشي
(١) حين "قسم غنيمة" بالنصب معمول قسم من غير تنوين لإضافته إلى "حنين، هذا لفظ رواية الترمذي وقال: حسن صحيح".
"وفي رواية الصحيحين" عن قادة أن أنس بن مالك أخبره أن رسول الله ﷺ "اعتمر أربع عمر، كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته عمرة الحديبية أو زمن الحديبية" شك بعض الرواة في اللفظ الذي قاله، وإن اتحد المعنى "في ذي القعدة" وهي التي صد عنها، ويأتي وجه تسميتها عمرة للمصنف "وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة" هي عمة القضاء التي بدأ بها في رواية الترمذي "وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة و" الرابعة "عمرة مع حجته" في ذي الحجة، واستشكل قوله: إلا التي مع حجته، بأن الصواب حذفه؛ لأنه عد التي مع حجته فكيف يستثنيها، وأجاب عياض بأن الرواية صواب، وكأنه قال في ذي القعدة منها ثلاث، والرابعة عمرة في حجته، أو المعنى كلها في ذي القعدة إلا التي في حجته كانت في ذي الحجة.
"وعن محرش" بضم الميم وفتح المهملة، وقيل: إنها معجمة وكسر الراء بعدها معجمة، قال في الإصابة بكسر الراء الثقيلة، وضبطه ابن ماكولا تبعا لهشام بن يوسف ويحيى بن معين، ويقال: بسكون الحاء المهملة وفتح الراء، وصوبه ابن السكن تبعا لابن المديني وهو ابن سويد ابن عبد الله بن مرة الخزاعي الكعبي عداده في أهل مكة.
وقال عمرو بن علي الفلاس: أنه لقي شيخا بمكة اسمه سالم، فاكترى منه بعيرا إلى منى، فسمعته يحدث بحديث محرش، فقال: هو جدي وهو محرش بن عبد الله الكعبي، فقلت له ممن سمعته، فقال: حدثني به أبي وأهلنا. انتهى.
وقد تحرر بجمعه الخزاعي "الكعبي" أنه منسوب إلى كعب بن عمرو بطن من خزاعة "أنه ﷺ خرج من الجعرانة ليلا معتمرًا" زاد في رواية النسائي: فنظرت إلى ظهره كأنه سبيكة فضة "فدخل مكة ليلا فقضى عمرته" أي: فعلها وأتمها نحو: فإذا قضيت الصلاة "ثم خرج منстр. 5494
من الغد، خرج في بطن سرف، حتى جاء مع الطريق، طريق جمع ببطن سرف، فمن أجل ذلك خفيت عمرته على الناس، رواه الترمذي وقال: حديث غريب.
وعن ابن عمر قال: اعتمر النبي ﷺ قبل أن يحج، رواه أبو داود.
وعن عروة بن الزبير قال: كنت أنا وابن عمر مستندين إلى حجرة عائشة، وإنا لنسمع ضربها بالسواك تستن، قال: فقلت: يا أبا عبد الرحمن، اعتمر النبي ﷺ في رجب؟ قال: نعم، فقلت لعائشة: أي أمتاه، ألا تسمعين ما يقول أبو
الحواشي
(١) ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت، فلما زالت الشمس من الغد" لليلة المذكورة "خرج في بطن سرف حتى جاء مع الطريق طريق جمع بدل من الطريق "ببطن سرف" بفتح فكسر ففاء "فمن أجل ذلك خفيت عمرته" هذه "على الناس" وكانت سنة فتح مكة "رواه الترمذي وقال: حديث غريب" في الإصابة.
قال الترمذي: حسن غريب ولا يعرف لمحرش عن النبي ﷺ غيره وهو عند أبي داود والنسائي وغيرهما بسند حسن.
"وعن ابن عمر قال: اعتمر النبي ﷺ " زاد في رواية أحمد: عمرة كلها "قبل أن يحج، رواه أبو داود" وهو في صحيح البخاري عن عكرمة بن خالد أنه سأل ابن عمر عن العمرة قبل الحج، فقال: لا بأس.
قال عكرمة: قال ابن عمر: اعتمر النبي ﷺ قبل أن يحج، ولا خلاف في جواز ذلك، قاله أبو عمر.
"وعن عروة بن الزبير، قال: كنت أنا وابن عمر" زاد في رواية: في المسجد "مستندين إلى حجرة عائشة وإنا لنسمع ضربها بالسواك تستن" تتسوك "قال:" عروة: "فقلت: يا أبا عبد الرحمن" كنية ابن عمر "اعتمر النبي ﷺ في رجب؟، قال: نعم" اعتمر فيه.
وفي رواية للشيخين أيضا عن مجاهد، قال: دخلت أنا وعروة المسجد، فإذا ابن عمر جالس إلى حجرة عائشة والناس يصلون الضحى في المسجد، فسألناه عن صلاتهم، فقال: بدعة، فقال له عروة: يا أبا عبد الرحمن كم اعتمر ﷺ ؟، فقال: أربع عمر، إحداهن في رجب، فكرهنا أن نكذبه ونرد عليه، وسمعنا استنان عائشة في الحجرة، قال عمرة "فقلت لعائشة: أي" نداء للقريب "أمتاه" بضم الهمزة وشد الميم ففوقية فألف فهاء مضمومة وهذا لفظ مسلم.
وفي البخاري: يا أماه، قال الحافظ: كذا للأكثر بسكون الهاء، ولأبي ذر: يا أمه بسكون الهاء أيضا بغير ألف، وهذا بالمعنى الأخص؛ لأنها خالته، وبالمعنى الأعم؛ لأنها أم المؤمنين "ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟، قالت" عائشة: "وما يقول؟، قلت: يقول: اعتمر النبي -صلى الله عليه وسلمстр. 5495
عبد الرحمن؟ قالت: وما يقول؟ قلت: يقول: اعتمر النبي ﷺ في رجب، فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لعمري ما اعتمر في رجب، وما اعتمر من عمرة إلا وأنا معه. قال عروة: وابن عمر يسمع، فما قال: لا ولا نعم، سكت.
وفي رواية أبي داود عن عروة عن عائشة قالت: إن رسول الله ﷺ اعتمر عمرتين في ذي القعدة، وعمرة في شوال.
وفي رواية له عن مجاهد قال: سئل ابن عمر: كم اعتمر النبي ﷺ قال:
الحواشي
(١) في رجب" وهذا يدل على أن عندهم علمًا، فسؤالهم امتحان ففيه جواز الامتحان، لكنه مذهب صحابي، وفي الاحتجاج به خلاف، وكان مالك إذا عرف أنه سؤال امتحان لا يجيب، ولا يحتج له بحديث أخبروني بشجرة لا يسقط ورقها؛ لأن ذلك من الشارع تعليم لما اشتمل عليه من الأحكام، وترجم عليه أبو نعيم باب إلقاء العالم المسألة على طلبته ليختبر أذهانهم، قاله أبو عبد الله الأبي، لكن في قوله: مذهب صحابي نظر، إذ هو كما رأيت إنما فعله عروة ومجاهد وهما تابعيان اتفاقا فلا حجة فيه بلا خلاف "فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن" ذكرته بكنيته تعظيما له، ودعت له إشارة إلى أنه نسي "لعمري ما اعتمر" ﷺ "في رجب" بالتنوين.
"وما اعتمر من عمرة إلا وأنه" أي: ابن عمر "لمعه" حاضر.
وفي رواية للبخاري: ما اعتمر إلا وهو شاهده، وما اعتمر في رجب قط، وقالت ذلك مبالغة في نسبته إلى النسيان، وإنما أنكرت عليه قوله: إحداهن في رجب "وابن عمر يسمع" كلامها "فما قال: لا، ولا نعم سكت" وسكوته يدل على أنه اشتبه عليه أو نسي أو شك، وبهذا أجيب عما استشكل من تقديم قول عائشة النافي على قول ابن عمر المثبت، وهو خلاف القاعدة المقررة، وهذا الحديث في الصحيحين واللفظ لمسلم.
"وفي رواية أبي داود عن عروة، عن عائشة" أنها "قالت: إن رسول الله ﷺ اعتمر عمرتين في ذي القعدة" هما عمرة القضية والتي قبلها "وعمرة في شوال" يعني: عمرة الجعرانة، فهذا مخالف لقول أنس: كلهن في ذي القعدة، وجمع الحافظ بأن ذلك وقع في آخر شوال وأول ذي القعدة، قال: ويؤيده ما رواه ابن ماجه بإسناد صحيح عن مجاهد عن عائشة: لم يعتمر النبي ﷺ إلا في ذي القعدة.
"وفي رواية له" أي: لأبي داود وكذا لأحمد "عن مجاهد قال: سئل ابن عمر: كم اعتمر النبي ﷺ ؟، قال: عمرتين، فبلغ ذلك عائشة، فقالت: لقد علم أن رسول الله ﷺ اعتمر ثلاثا سوى التي قرنها بحجة الوداع" ففي هذا أن اختلافهما في عدد العمرة وفي السابقстр. 5496
عمرتين، فبلغ ذلك عائشة، فقالت: لقد علم أن رسول الله ﷺ اعتمر ثلاثا سوى التي قرنها بحجة الوداع.
وقد ذكرت الاختلاف فيما كان ﵇ محرما به في حجة الوداع. والجمع بين ما اختلف فيه من ذلك.
والمشهور عن عائشة أنه ﵇ كان منفردا، وحديثها هذا قد يشعر بأنه كان قارنا، وكذا ابن عمر قد أنكر على أنس لكونه قال: إنه ﵇ كان قارنا مع أن حديثه هذا المتقدم يدل على أنه كان قارنا؛ لأنه لم ينقل أنه ﷺ اعتمر مع حجته، ولم يكن متمتعا؛ لأنه ﷺ اعتذر عن ذلك بكونه ساق الهدي.
واحتاج بعضهم إلى تأويل ما وقع عن عائشة وابن عمر هنا فقال: إنما يجوز نسبة العمرة الرابعة إليه ﷺ باعتبار أنه أمر الناس بها وعملت بحضرته، لا أنه ﷺ اعتمرها بنفسه.
الحواشي
(١) في الشهر.
قال الحافظ: ويمكن تعدد السؤال بأن يكون ابن عمر سئل أولا عن العدد، فأجاب، فردت عليه عائشة فرجع إليها، فسئل مرة ثانية، فأجاب بموافقتها، ثم سئل عن الشهر، فأجاب بما في ظنه.
"وقد ذكرت الاختلاف فيما كان ﵇ محرما به في حجة الوداع والجمع بين ما اختلف فيه من ذلك، والمشهور عن عائشة أنه ﵇ كان مفردا وحديثها هذا قد يشعر بأنه كان قارنا" لا سيما قولها سوى التي قرنها بحجة الوداع، "وكذا ابن عمر قد أنكر على أنس لكونه" بزيادة اللام في المفعول "قال: إنه ﵇ كان قارنا مع أن حديثه هذا المتقدم" لم يقدم المصنف، ذكر عن ابن عمر صريحا، وقد قدمته عن الصحيحين، بلفظ: اعتمر أربع عمر، والمصنف أخذ هذا من الفتح والإشارة في لامه عائدة لمذكور في البخاري الذي يتكلم عليه.
أما المصنف فلم يذكره وذكر كلام الفتح فأوهم، وإنما دل حديث ابن عمر على أنه قارن "لأنه لم ينقل أنه ﵇ اعتمر بعد حجته، ولم يكن متمتعا؛ لأنه اعتذر عن ذلك بكونه ساق الهدي" فلم يبق إلا أنه قارن "واحتاج بعضهم" هو ابن بطال كما في الفتح "إلى تأويل ما وقع عن عائشة وابن عمر هنا، فقال: إنما يجوز نسبة العمرة الرابعة إليه -صلى الله عليه وسم- باعتبار أنه أمر الناس بها وعملت بحضرته، لا أنه ﷺ اعتمرها بنفسه" وهذا بناء على الأصح عند مالكстр. 5497
وأنت إذا تأملت ما تقدم من أقوال الأئمة في حجته ﷺ من الجمع استغنيت عن هذا التأويل المتعسف.
قال بعض العلماء المحققين: وفي عدهم عمرة الحديبية التي صد عنها ﷺ ما يدل على أنها عمرة تامة. وفيه إشارة إلى حجة قول الجمهور: أنه لا يجب القضاء على من صد عن البيت خلافا للحنفية، ولو كانت عمرة القضية بدلا عن عمرة الحديبية لكانتا واحدة، وإنما سميت عمرة القضية والقضاء؛ لأن النبي ﷺ قاضى قرشيا فيها، لا أنها وقعت قضاء عن العمرة التي صد عنها، إذ لو كان كذلك لكانتا عمرة واحدة.
وأما حديث أبي داود عن عائشة: أنه اعتمر في شوال، فإن كان محفوظا فلعله يريد عمرة الجعرانة حين خرج في شوال، ولكن إنما أحرم في ذي القعدة.
الحواشي
(١) والشافعي أنه كان مفردًا "وأنت إذا تأملت ما تقدم من أقوال الأئمة في حجته ﷺ من الجمع" بأن الإفراد إخبار عن أول أمره والقران إخبار عما استقر عليه "استغنيت عن هذا التأويل المتعسف" لأن خلاف الظاهر، لكنه مبني على الأصح عند الشافعية، والمالكية أنه حج مفردا، ومر أن الإمام الشافعي أول ما ورد بخلافه على أمره لغيره كبني الأمير المدينة، فما هنا عن عائشة وابن عمر من ذلك فلا تعسف فيه.
"قال بعض العلماء المحققين" هو ابن التين كما في الفتح "وفي عدهم" أي: الصحابة عائشة وأنس وابن عمر "عمرة الحديبية التي صد عنها ﷺ " خبر مقدم على المبتدأ، وهو "ما يدل على أنها عمرة تامة" لعل المراد من حيث الثواب؛ لأنه لم يأت من أعمالها بشيء سوى الإحرام، قاله شيخنا "وفيه إشارة إلى حجة قول الجمهور أنه لا يجب القضاء على من صد عن البيت خلافا للحنفية" زاعمين بأن عمرة القضاء إنما سميت بذلك لكونها قضاء عن التي صد عنها ولا يصح ذلك "فلو كانت عمرة القضية بدلا عن عمرة الحديبية لكانتا واحدة" والصحابة الفقهاء الفهماء عدوهما ثنتين "وإنما سميت عمر القضية والقضاء؛ لأن النبي ﷺ قاضى قريشا فيها" على أن يأتي من العام القابل يعتمر ويقيم ثلاثة أيام "لا أنها وقعت قضاء عن العمرة التي صد عنها، إذ لو كان كذلك كانتا عمرة واحدة" وقد عدهما الصحابة اثنتين.
"وأما حديث أبي داود عن عائشة أنه اعتمر في شوال" السابق آنفا "فإن كان محفوظا فلعله" أي: الراوي عائشة "يريد عمرة الجعرانة حين خرج في شوال، ولكنه إنما أحرم في ذيстр. 5498
وأنكر ابن القيم أن يكون ﷺ اعتمر في رمضان، نعم قد أخرج الدارقطني من طريق العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود بن زيد عن أبيه عن عائشة قالت: خردت مع رسول الله ﷺ في عمرة في رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتممت، وقال: إن إسناده حسن. لكن يمكن حمله على أن قولها: "في رمضان" متعلق بقولها: خرجت، ويكون المراد سفر فتح مكة، فإنه كان في رمضان، واعتمر ﷺ في تلك السنة من الجعرانة، لكن في ذي القعدة كما تقدم.
وأما قول ابن القيم -في الهدي أيضًا-: ولم يكن في عمره ﷺ عمرة واحدة خارجًا من مكة كما يفعله كثير من الناس اليوم، وإنما كانت عمره كلها داخلا إلى مكة. وقد أقام بمكة بعد الوحي ثلاث عشرة سنة لم ينقل عنه أحد أنه
الحواشي
(١) القعدة" حتى لا يخالف ما صح عنها وعن غيرها، أن عمره كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته، وقدمت نحو هذا الجمع عن الحافظ.
"وأنكر بن القيم أن يكون ﷺ اعتمر في رمضان. نعم قد أخرج الدارقطني من طريق العلاء بن زهير" بن عبد الله الأزدي الكوفي ثقة، روى له النسائي "عن عبد الرحمن بن الأسود بن زيد" بن قيس النخعي من رجال الجميع "عن أبيه" الأسود الفقيه المخضرم، المكثر، التابعي الكبير، مات سنة أربع أو خمس وسبعين "عن عائشة، قالت: خرجت مع رسول الله ﷺ في عمرة في رمضان، فأفطر وصمت وقصر وأتممت" الرباعية، فلم ينهني، فدل على جواز الإتمام والصوم في السفر.
"وقال" الدارقطني: "إن إسناده حسن".
وقال ابن القيم: إنه غلط؛ لأنه ﷺ يعتمر في رمضان، نقله الحافظ وأجاب، وتبعه المصنف بقوله: "لكن يمكن حمله على أن قولها: في رمضان متعلق بقولها: خرجت، ويكون المراد سفر فتح مكة، فإنه كان في رمضان، واعتمر ﵇ في تلك السنة من الجعرانة" بعد الفتح بعدما غزا حنينا والطائف، ثم قسم غنائم حنين ثم اعتمر "لكن في ذي القعدة كما تقدم" قريبا، زاد الحافظ: وقد رواه الدارقطني بإسناد آخر إلى العلاء بن زهير، فلم يقل في الإسناد عن أبيه ولا قال فيه في رمضان. انتهى.
"وأما قول ابن القيم في الهدي أيضا: لم يكن في عمره ﷺ عمرة واحدة" حال كونه "خارجا من مكة" إلى الحل، ثم يدخل مكة بعمرة "كما يفعله كثير من الناس اليوم، وإنما كانت عمره كلها" حال كونه "داخلا إلى مكة، وقد أقام بمكة بعد الوحي ثلاث عشرةстр. 5499
اعتمر خارجا من مكة في تلك المدة أصلا، فالعمرة التي فعلها وشرعها هي عمرة الداخل إلى مكة لا عمرة من كان بها، فيخرج إلى الحل ليعتمر. ولم يفعل هذا على عهده أحد قط إلا عائشة وحدها. انتهى.
فيقال عليه: بعد أن فعلته عائشة بأمره، فدل على مشروعيته.
وروى الفاكهي وغيره من طريق محمد بن سرين قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ وقت لأهل مكة التنعيم.
ومن طريق عطاء قال: من أراد العمرة ممن هو من أهل مكة أو غيرها، فليخرج إلى التنعيم أو إلى الجعرانة فليحرم منها. فثبت بذلك أن ميقات مكة للعمرة الحل وأن التنعيم وغيره في ذلك سواء. والله أعلم.
الحواشي
(١) سنة لم ينقل عنه أحد أنه اعتمر خارجا من مكة" إلى الحل "في تلك المدة أصلا، فالعمرة التي فعلها وشرعها هي عمرة الداخل إلى مكة، لا عمرة من كان بها فيخرج إلى الحل ليعتمر" أي: يحرم، ثم يدخل مكة فيأتي بأفعال العمرة "ولم يفعل هذا على عهده أحد قط إلا عائشة. انتهى، فيقال عليه بعد أن فعلته عائشة بأمره، فقد دل على مشروعيته" فلا معنى لهذا الكلام.
"وروى الفاكهي وغيره من طريق محمد بن سيرين، قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ وقت لأهل مكة التنعيم، ومن طريق عطاء" بن أبي رباح "قال: "من أراد العمرة ممن هو من أهل مكة أو غيرها فليخرج إلى التنعيم أو الجعرانة فليحرم منها" وأفضل ذلك أن يأتي وقتا، أي: ميقاتا من مواقيت الحج، هذا بقية المروي عن عطاء.
قال الطحاوي: ذهب قوم إلى أنه لا ميقات للعمرة لمن كان بمكة إلا التنعيم، فلا يجاوز كما لا تجاوز مواقيت الحج، أي: تعلقا بحديث ابن سيرين المذكور، قال: وخالفهم آخرون، فقالوا: ميقات العمرة الحل، وإنما أمر النبي ﷺ عائشة بالإحرام من التنعيم؛ لأنه أقرب الحل إلى مكة، ثم روي من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة في حديثها، قالت: فكان أدنانا من الحرم التنعيم، فاعتمرت منه.
قال الطحاوي عقب هذا: "فثبت بذلك أن ميقات مكة للعمرة الحل، وأن التنعيم وغيره في ذلك سواء" في جواز الإحرام منه، وإن كان الأفضل التنعيم لأمره لعائشة به بعد الجعرانة لإحرامه ﷺ منها، "والله" تعالى "أعلم".стр. 5500
الفهرس:
٣ الباب الرابع في صلاته ﷺ الوتر
١٦ الباب الخامس في ذكر صلاته ﷺ الضحى
٣٦ القسم الثاني في صلاته ﷺ النوافل وأحكامها
٣٦ الفصل الأول في رواتب الصلوات الخمس والجمعة
٣٦ الفرع الأول في أحاديث جامعة لرواتب مشتركة
٣٩ الفرع الثاني في ركعتي الفجر
٤٦ الثالث في راتبة الظهر
٤٨ الرابع في سنة العصر
٥٢ الخامس في راتبة المغرب
٥٧ السادس في راتبة العشاء
٥٧ السابع في راتبة الجمعة
٦٢ الفصل الثاني في صلاته ﵊ العيدين
٦٢ الأول في عدد الركعات
٦٣ الثاني في عدد التكبير
٦٤ الثالث في الوقت والمكان
٦٥ الرابع في الأذان والإقامة
٦٦ الخامس في قراءته ﷺ في صلاتي العيدين
٦٧ السادس في خطبته ﷺ وتقديمه صلاة العيدين عليها
٧٢ السابع في أكله ﷺ يوم الفطر قبل خروجه إلى صلاة العيد
٨٦ الباب الثاني في النوافل المقرونة بالأسباب -الفصل الأول في صلاته ﷺ الكسوف
١١٢ القسم الثاني في صلاته ﷺ صلاة الاستسقاء
١٥٣ القسم الثالث في ذكر صلاته ﷺ -في السفر
الفصل الأول في قصره ﷺ الصلاة فيه وأحكامه -الفرع الأول في كم
١٥٣ كان ﵊ يقصر الصلاة
следующие страницы →