Полный текст (5 943 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.
стр. 5496
عمرتين، فبلغ ذلك عائشة، فقالت: لقد علم أن رسول الله ﷺ اعتمر ثلاثا سوى التي قرنها بحجة الوداع.
وقد ذكرت الاختلاف فيما كان ﵇ محرما به في حجة الوداع. والجمع بين ما اختلف فيه من ذلك.
والمشهور عن عائشة أنه ﵇ كان منفردا، وحديثها هذا قد يشعر بأنه كان قارنا، وكذا ابن عمر قد أنكر على أنس لكونه قال: إنه ﵇ كان قارنا مع أن حديثه هذا المتقدم يدل على أنه كان قارنا؛ لأنه لم ينقل أنه ﷺ اعتمر مع حجته، ولم يكن متمتعا؛ لأنه ﷺ اعتذر عن ذلك بكونه ساق الهدي.
واحتاج بعضهم إلى تأويل ما وقع عن عائشة وابن عمر هنا فقال: إنما يجوز نسبة العمرة الرابعة إليه ﷺ باعتبار أنه أمر الناس بها وعملت بحضرته، لا أنه ﷺ اعتمرها بنفسه.
الحواشي
(١) في الشهر.
قال الحافظ: ويمكن تعدد السؤال بأن يكون ابن عمر سئل أولا عن العدد، فأجاب، فردت عليه عائشة فرجع إليها، فسئل مرة ثانية، فأجاب بموافقتها، ثم سئل عن الشهر، فأجاب بما في ظنه.
"وقد ذكرت الاختلاف فيما كان ﵇ محرما به في حجة الوداع والجمع بين ما اختلف فيه من ذلك، والمشهور عن عائشة أنه ﵇ كان مفردا وحديثها هذا قد يشعر بأنه كان قارنا" لا سيما قولها سوى التي قرنها بحجة الوداع، "وكذا ابن عمر قد أنكر على أنس لكونه" بزيادة اللام في المفعول "قال: إنه ﵇ كان قارنا مع أن حديثه هذا المتقدم" لم يقدم المصنف، ذكر عن ابن عمر صريحا، وقد قدمته عن الصحيحين، بلفظ: اعتمر أربع عمر، والمصنف أخذ هذا من الفتح والإشارة في لامه عائدة لمذكور في البخاري الذي يتكلم عليه.
أما المصنف فلم يذكره وذكر كلام الفتح فأوهم، وإنما دل حديث ابن عمر على أنه قارن "لأنه لم ينقل أنه ﵇ اعتمر بعد حجته، ولم يكن متمتعا؛ لأنه اعتذر عن ذلك بكونه ساق الهدي" فلم يبق إلا أنه قارن "واحتاج بعضهم" هو ابن بطال كما في الفتح "إلى تأويل ما وقع عن عائشة وابن عمر هنا، فقال: إنما يجوز نسبة العمرة الرابعة إليه -صلى الله عليه وسم- باعتبار أنه أمر الناس بها وعملت بحضرته، لا أنه ﷺ اعتمرها بنفسه" وهذا بناء على الأصح عند مالكстр. 5497
وأنت إذا تأملت ما تقدم من أقوال الأئمة في حجته ﷺ من الجمع استغنيت عن هذا التأويل المتعسف.
قال بعض العلماء المحققين: وفي عدهم عمرة الحديبية التي صد عنها ﷺ ما يدل على أنها عمرة تامة. وفيه إشارة إلى حجة قول الجمهور: أنه لا يجب القضاء على من صد عن البيت خلافا للحنفية، ولو كانت عمرة القضية بدلا عن عمرة الحديبية لكانتا واحدة، وإنما سميت عمرة القضية والقضاء؛ لأن النبي ﷺ قاضى قرشيا فيها، لا أنها وقعت قضاء عن العمرة التي صد عنها، إذ لو كان كذلك لكانتا عمرة واحدة.
وأما حديث أبي داود عن عائشة: أنه اعتمر في شوال، فإن كان محفوظا فلعله يريد عمرة الجعرانة حين خرج في شوال، ولكن إنما أحرم في ذي القعدة.
الحواشي
(١) والشافعي أنه كان مفردًا "وأنت إذا تأملت ما تقدم من أقوال الأئمة في حجته ﷺ من الجمع" بأن الإفراد إخبار عن أول أمره والقران إخبار عما استقر عليه "استغنيت عن هذا التأويل المتعسف" لأن خلاف الظاهر، لكنه مبني على الأصح عند الشافعية، والمالكية أنه حج مفردا، ومر أن الإمام الشافعي أول ما ورد بخلافه على أمره لغيره كبني الأمير المدينة، فما هنا عن عائشة وابن عمر من ذلك فلا تعسف فيه.
"قال بعض العلماء المحققين" هو ابن التين كما في الفتح "وفي عدهم" أي: الصحابة عائشة وأنس وابن عمر "عمرة الحديبية التي صد عنها ﷺ " خبر مقدم على المبتدأ، وهو "ما يدل على أنها عمرة تامة" لعل المراد من حيث الثواب؛ لأنه لم يأت من أعمالها بشيء سوى الإحرام، قاله شيخنا "وفيه إشارة إلى حجة قول الجمهور أنه لا يجب القضاء على من صد عن البيت خلافا للحنفية" زاعمين بأن عمرة القضاء إنما سميت بذلك لكونها قضاء عن التي صد عنها ولا يصح ذلك "فلو كانت عمرة القضية بدلا عن عمرة الحديبية لكانتا واحدة" والصحابة الفقهاء الفهماء عدوهما ثنتين "وإنما سميت عمر القضية والقضاء؛ لأن النبي ﷺ قاضى قريشا فيها" على أن يأتي من العام القابل يعتمر ويقيم ثلاثة أيام "لا أنها وقعت قضاء عن العمرة التي صد عنها، إذ لو كان كذلك كانتا عمرة واحدة" وقد عدهما الصحابة اثنتين.
"وأما حديث أبي داود عن عائشة أنه اعتمر في شوال" السابق آنفا "فإن كان محفوظا فلعله" أي: الراوي عائشة "يريد عمرة الجعرانة حين خرج في شوال، ولكنه إنما أحرم في ذيстр. 5498
وأنكر ابن القيم أن يكون ﷺ اعتمر في رمضان، نعم قد أخرج الدارقطني من طريق العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود بن زيد عن أبيه عن عائشة قالت: خردت مع رسول الله ﷺ في عمرة في رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتممت، وقال: إن إسناده حسن. لكن يمكن حمله على أن قولها: "في رمضان" متعلق بقولها: خرجت، ويكون المراد سفر فتح مكة، فإنه كان في رمضان، واعتمر ﷺ في تلك السنة من الجعرانة، لكن في ذي القعدة كما تقدم.
وأما قول ابن القيم -في الهدي أيضًا-: ولم يكن في عمره ﷺ عمرة واحدة خارجًا من مكة كما يفعله كثير من الناس اليوم، وإنما كانت عمره كلها داخلا إلى مكة. وقد أقام بمكة بعد الوحي ثلاث عشرة سنة لم ينقل عنه أحد أنه
الحواشي
(١) القعدة" حتى لا يخالف ما صح عنها وعن غيرها، أن عمره كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته، وقدمت نحو هذا الجمع عن الحافظ.
"وأنكر بن القيم أن يكون ﷺ اعتمر في رمضان. نعم قد أخرج الدارقطني من طريق العلاء بن زهير" بن عبد الله الأزدي الكوفي ثقة، روى له النسائي "عن عبد الرحمن بن الأسود بن زيد" بن قيس النخعي من رجال الجميع "عن أبيه" الأسود الفقيه المخضرم، المكثر، التابعي الكبير، مات سنة أربع أو خمس وسبعين "عن عائشة، قالت: خرجت مع رسول الله ﷺ في عمرة في رمضان، فأفطر وصمت وقصر وأتممت" الرباعية، فلم ينهني، فدل على جواز الإتمام والصوم في السفر.
"وقال" الدارقطني: "إن إسناده حسن".
وقال ابن القيم: إنه غلط؛ لأنه ﷺ يعتمر في رمضان، نقله الحافظ وأجاب، وتبعه المصنف بقوله: "لكن يمكن حمله على أن قولها: في رمضان متعلق بقولها: خرجت، ويكون المراد سفر فتح مكة، فإنه كان في رمضان، واعتمر ﵇ في تلك السنة من الجعرانة" بعد الفتح بعدما غزا حنينا والطائف، ثم قسم غنائم حنين ثم اعتمر "لكن في ذي القعدة كما تقدم" قريبا، زاد الحافظ: وقد رواه الدارقطني بإسناد آخر إلى العلاء بن زهير، فلم يقل في الإسناد عن أبيه ولا قال فيه في رمضان. انتهى.
"وأما قول ابن القيم في الهدي أيضا: لم يكن في عمره ﷺ عمرة واحدة" حال كونه "خارجا من مكة" إلى الحل، ثم يدخل مكة بعمرة "كما يفعله كثير من الناس اليوم، وإنما كانت عمره كلها" حال كونه "داخلا إلى مكة، وقد أقام بمكة بعد الوحي ثلاث عشرةстр. 5499
اعتمر خارجا من مكة في تلك المدة أصلا، فالعمرة التي فعلها وشرعها هي عمرة الداخل إلى مكة لا عمرة من كان بها، فيخرج إلى الحل ليعتمر. ولم يفعل هذا على عهده أحد قط إلا عائشة وحدها. انتهى.
فيقال عليه: بعد أن فعلته عائشة بأمره، فدل على مشروعيته.
وروى الفاكهي وغيره من طريق محمد بن سرين قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ وقت لأهل مكة التنعيم.
ومن طريق عطاء قال: من أراد العمرة ممن هو من أهل مكة أو غيرها، فليخرج إلى التنعيم أو إلى الجعرانة فليحرم منها. فثبت بذلك أن ميقات مكة للعمرة الحل وأن التنعيم وغيره في ذلك سواء. والله أعلم.
الحواشي
(١) سنة لم ينقل عنه أحد أنه اعتمر خارجا من مكة" إلى الحل "في تلك المدة أصلا، فالعمرة التي فعلها وشرعها هي عمرة الداخل إلى مكة، لا عمرة من كان بها فيخرج إلى الحل ليعتمر" أي: يحرم، ثم يدخل مكة فيأتي بأفعال العمرة "ولم يفعل هذا على عهده أحد قط إلا عائشة. انتهى، فيقال عليه بعد أن فعلته عائشة بأمره، فقد دل على مشروعيته" فلا معنى لهذا الكلام.
"وروى الفاكهي وغيره من طريق محمد بن سيرين، قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ وقت لأهل مكة التنعيم، ومن طريق عطاء" بن أبي رباح "قال: "من أراد العمرة ممن هو من أهل مكة أو غيرها فليخرج إلى التنعيم أو الجعرانة فليحرم منها" وأفضل ذلك أن يأتي وقتا، أي: ميقاتا من مواقيت الحج، هذا بقية المروي عن عطاء.
قال الطحاوي: ذهب قوم إلى أنه لا ميقات للعمرة لمن كان بمكة إلا التنعيم، فلا يجاوز كما لا تجاوز مواقيت الحج، أي: تعلقا بحديث ابن سيرين المذكور، قال: وخالفهم آخرون، فقالوا: ميقات العمرة الحل، وإنما أمر النبي ﷺ عائشة بالإحرام من التنعيم؛ لأنه أقرب الحل إلى مكة، ثم روي من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة في حديثها، قالت: فكان أدنانا من الحرم التنعيم، فاعتمرت منه.
قال الطحاوي عقب هذا: "فثبت بذلك أن ميقات مكة للعمرة الحل، وأن التنعيم وغيره في ذلك سواء" في جواز الإحرام منه، وإن كان الأفضل التنعيم لأمره لعائشة به بعد الجعرانة لإحرامه ﷺ منها، "والله" تعالى "أعلم".стр. 5500
الفهرس:
٣ الباب الرابع في صلاته ﷺ الوتر
١٦ الباب الخامس في ذكر صلاته ﷺ الضحى
٣٦ القسم الثاني في صلاته ﷺ النوافل وأحكامها
٣٦ الفصل الأول في رواتب الصلوات الخمس والجمعة
٣٦ الفرع الأول في أحاديث جامعة لرواتب مشتركة
٣٩ الفرع الثاني في ركعتي الفجر
٤٦ الثالث في راتبة الظهر
٤٨ الرابع في سنة العصر
٥٢ الخامس في راتبة المغرب
٥٧ السادس في راتبة العشاء
٥٧ السابع في راتبة الجمعة
٦٢ الفصل الثاني في صلاته ﵊ العيدين
٦٢ الأول في عدد الركعات
٦٣ الثاني في عدد التكبير
٦٤ الثالث في الوقت والمكان
٦٥ الرابع في الأذان والإقامة
٦٦ الخامس في قراءته ﷺ في صلاتي العيدين
٦٧ السادس في خطبته ﷺ وتقديمه صلاة العيدين عليها
٧٢ السابع في أكله ﷺ يوم الفطر قبل خروجه إلى صلاة العيد
٨٦ الباب الثاني في النوافل المقرونة بالأسباب -الفصل الأول في صلاته ﷺ الكسوف
١١٢ القسم الثاني في صلاته ﷺ صلاة الاستسقاء
١٥٣ القسم الثالث في ذكر صلاته ﷺ -في السفر
الفصل الأول في قصره ﷺ الصلاة فيه وأحكامه -الفرع الأول في كم
١٥٣ كان ﵊ يقصر الصلاة
стр. 5501
١٥٧ الفرع الثاني في القصر مع الإقامة
١٦١ الفصل الثاني في الجمع الفرع الأول في جمعه ﷺ
١٦٤ الفرع الثاني في جمعه ﷺ بجمع ومزدلفة
١٦٥ الفصل الثالث في صلاته ﷺ النوافل في السفر
١٧٠ الفصل الرابع في صلاته ﷺ التطوع في السفر على الدابة
١٧٤ القسم الرابع في ذكر صلاته ﷺ الخوف
١٨٠ القسم الخامس في ذكر صلاته ﷺ على الجنازة الفرع الأول في عدد التكبيرات
١٨١ الفرع الثاني في القراءة والدعاء
١٨٥ الفرع الثالث في صلاته ﷺ على القبر
١٨٩ الفرع الرابع في صلاته ﷺ على الغائب
١٩٦ النوع الثالث في ذكر سيرته ﷺ في الزكاة
٢٠٩ النوع الرابع في ذكر صيامه ﷺ
٢١٦ القسم الأول في صيامه ﷺ شهر رمضان الفصل الأول في تخصيصه رمضان بأنواع العبادات
٢٢٤ الفصل الثاني في صيامه ﵇ برؤية الهلال
٢٢٧ الفصل الثالث في صومه ﷺ بشهادة العدل الواحد
٢٢٩ الفصل الرابع فيما كان يفعله ﷺ وهو صائم
٢٣٧ الفصل الخامس في وقت إفطاره ﵊
٢٣٩ الفصل السادس فيما كان ﷺ يفطر عليه
٢٤٠ الفصل السابع فيما كان يقوله ﷺ عند الإفطار
٢٤٢ الفصل الثامن في وصاله ﷺ
٢٥٤ الفصل التاسع في سحوره ﷺ
٢٥٧ الفصل العاشر في إفطاره ﷺ في رمضان في السفر وصومه
٢٦٢ القسم الثاني في صومه ﷺ غير شهر رمضان الفصل الأول في سرده ﵊ صوم أيام من الشهر وفطره أياما
٢٦٤ الفصل الثاني في صومه ﷺ عاشوراء
٢٨٢ الفصل الثالث في صيامه ﷺ شعبان
٢٩٠ الفصل الرابع في صومه ﷺ عشر ذي الحجة
стр. 5502
٢٩٥ الفصل الخامس في صومه ﷺ أيام الأسبوع
٣٠٢ الفصل السادس في صومه ﷺ الأيام البيض
٣٠٦ النوع الخامس في ذكر اعتكافه ﷺ واجتهاده في العشر الأخير من رمضان وتحريه ليلة القدر
٣٢٢ النوع السادس في ذكر حجه وعمره ﷺ -
стр. 5503
المجلد الثاني عشر
تابع المقصد التاسع: في لطيفة من لطائف عباداته ﷺ
النوع السابع: من عباداته ﵊ في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
النَّوع السابع: من عباداته ﵊ في نبذة من أدعيته وذكره وقراءته
اختلف هل الدعاء أفضل, أم تركه والاستسلام للقضاء أفضل؟
فقال الجمهور: الدعاء أفضل، وهو من أعظم العبادة، ويؤيده ما أخرجه الترمذي من حديث أنس رفعه: "الدعاء مخّ العبادة" , وقد تواترت الأخبار عنه ﷺ بالترغيب في الدعاء والحثّ عليه. وأخرج الترمذي وصحَّحه ابن حبان والحاكم
الحواشي
(١) "النوع السابع: من عباداته ﵊ في نبذة"
بضم النون- شيء قليل "من أدعيته" جمع دعاء, "وذكره" ظاهره تغايرهما، وفي التحفة: الذكر لغةً كل مذكور، وشرعًا قول سيق لثناء أو دعاء، وقد يستعمل شرعًا أيضًا لكل قول يثاب قائله, "وقراءته" القرآن الكريم "اختلف هل الدعاء أفضل أم تركه والاستسلام للقضاء أفضل؟ فقال الجمهور: الدعاء أفضل وهو من أعظم العبادة".
"ويؤيده ما أخرجه الترمذي" في الدعوات، وقال: غريب لا نعرفه إلّا من حديث ابن لهيعة "من حديث أنس، رفعه" أي: قال: قال ﷺ : "الدعاء مخ العبادة" أي: خالصها؛ لأن الداعي يدعو الله عند انقطاع أمله عمَّا سواه، وذلك حقيقة التوحيد والإخلاص, ولا عبادة فوقها, فكان مخها بهذا لاعتبار، وأيضًا لما فيه من إظهار الافتقار والتبري من الحول والقوة وهو سمة العبودية, واستشعار ذلة البشرية, ومتضمّن للثناء على الله, وإضافة الكرم والجود إليه.
"وقد تواترت الأخبار عنه ﷺ بالترغيب في الدعاء والحثّ عليه" كقوله -صلى الله عله وسلم: "الدعاء هو العبادة" ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] .
رواه الأربعة وقال الترمذي: حسن صحيح, وصحَّحه أيضًا ابن حبان والحاكم عن النعمان بن بشير، وقوله: "الدعاء مفتاح الرحمة, ويدر لكم أرزاقكم، تدعون الله في ليلكم ونهاركم، فإن الدعاء سلاح المؤمن, وعماد الدين, ونور السماوات والأرض"، ولأبي الشيخ والديلمي من حديث أبي موسى: "الدعاء جند من أجناد الله، يردّ القضاء بعد أن يبرم"، وللترمذي والحاكم من حديث ابن عمر: "الدعاء ينفع مما نزل وما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء" وسنده ليّن، ومع ذلك صحّحه الحاكم، كما قاله الحافظ, والأحاديث كثيرة جدًّا.
"وأخرج الترمذي" وابن ماجه وأحمد, والبخاري في الأدب المفرد, والبزار "وصحَّحه ابن حبان والحاكم" كلهم من رواية أبي صالح الخوزي -بضم الخاء المعجمة وسكون الواو، ثمстр. 5504
عنه ﷺ : "من لم يسأل الله يغضب عليه" , وقال عمر بن الخطاب ﵁: إني لا أحمل هَمّ الإجابة, ولكن هَمّ الدعاء، فإن أتممت الدعاء علمت أن الإجابة معه. وفي هذا يقول القائل:
لو لم ترد نيل ما أرجو وآمله ... من جود كفك ما عوَّدتني الطلبا
فالله سبحانه يحب تذلل عبيده بين يديه، وسؤالهم إياه، وطلبهم حوائجهم منه، وشكواهم منه إليه، وعياذتهم به منه، وفرارهم منه إليه. كما قيل:
الحواشي
(١) زاي- عن أبي هريرة, والخوزي مختلف فيه, ضعَّفه ابن معين، وقوَّاه أبو زرعة, وظنَّ ابن كثير أنه أبو صالح السمّان وليس كما قال، فقد جزم شيخه المزي بأنه الخوزي، قاله الحافظ "عنه ﷺ : "من لم يسأل" لفظ الترمذي: "إنه من لم يسأل" والضمير للشأن، أي: إنَّ الحال من لم يطل "الله" من فضله "يغضب عليه"؛ لأنه إمَّا قانط أو مستكبر, وكلّ موجب للغضب، قال الطيبي: معناه إنَّ مَنْ لم يسأله يبغضه, والمبغوض مغضوب عليه, والله يحب أن يُسْأَل. وقال ابن القيم: هذا يدل على أنَّ رضاه في مسألته وطاعته، وإذا رضي تعالى فكل خير في رضاه، كما أنَّ كل بلاء ومصيبة في غضبه, والدعاء عبادة، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] ، فهو تعالى يغضب على من لم يسأله، كما أن ابن آدم يغضب على من سأله:
الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبنى آدم حين يُسْأَل يغضب
فشتان ما بين هذين، وسحقًا لمن علق بالأثر وبعد عن العين، قال الحليمي: لا ينبغي أن يُخَلَّى يوم وليلة عن الدعاء؛ لأن الزمن يوم وليلة, وما وراءهما تكرار، فإذا كان ترك الدعاء أصلًا يوجب الغضب، فأدنى ما في تركه يومًا وليلة أن يكون مكروهًا.
"وقال عمر بن الخطاب ﵁: إني لا أحمل هَمَّ الإجابة ولكن هَمَّ الدعاء" لاحتياجه إلى الإخلاص والخضوع والذلة، وذلك لا يتيسر في كل وقت, "فإذا أتممت الدعاء" أتيت به على الوجه التام "علمت أن الإجابة معه" بوعد من لا يخلف الميعاد "وفي هذا يقول القائل: لو لم ترد نيل ما أرجو وآمله" بمد الهمزة وضم اللام- أرجو, "من جود كفِّك ما عودتني الطلبا" يعني: إنه اعتاد منه العطاء والإحسان متى قصده، فعلم أنه لا يريد منعه متى أتاه؛ إذ لو أراده ما أعطاه كلما أتاه, "فالله سبحانه يحب تذلل عبيده بين يديه, وسؤالهم إياه, وطلبهم حوائجهم منه, وشكواهم منه" تعالى؛ إذ هو الفاعل لما أصابهم من المكروه "إليه" سبحانه لا إلى غيره، فكأنهم يقولون: يا ربنا, أنت أصبتنا بما تعلمه، فأزله عنا "وعياذتهم:" التجاءهم واعتصامهم "به" "منه" تعالى, "وفرارهم منه إليه" ألفاظ متقاربة المعنى "كما قيل:стр. 5505
قالوا أتشكوا إليه ... ما ليس يخفى عليه
فقلت ربي يرضى ... ذل العبيد لديه
وقالت طائفة: الأفضل ترك الدعاء والاستسلام للقضاء، وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم﴾ [فاطر: ٦٠] بأنَّ آخرها دلَّ على أنَّ المراد بالدعاء هو العبادة.
قال الشيخ تقي الدين السبكي: الأَوْلَى حمل الدعاء في الآية على ظاهره.
وأما قوله تعالى بعد ذلك ﴿عَنْ عِبَادَتِي﴾ فوجه الربط أنَّ الدعاء أخص من العبادة، فمن استكبر عن العبادة استكبر عن الدعاء، وعلى هذا: فالوعيد فيه إنما هو في حق من ترك الدعاء استكبارًا، ومن فعل ذلك كفر، وأمَّا من تركه لمقصد من المقاصد فلا يتوجه إليه الوعيد المذكور، وإن كنَّا نرى أن ملازمة الدعاء والاستكثار منه أرجح من الترك لكثرة الأدلة الواردة فيه.
الحواشي
(١) قالوا: أتشكو إليه ... ما ليس يخفى عليه
فقلت ربي يرضى ... ذل العبيد لديه
ومعنى البيتين ظاهر "وقالت طائفة: الأفضل ترك الدعاء والاستسلام للقضاء، وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] "بأنَّ آخرها دلَّ على أن المراد" وفي نسخة: بدون على، أي: أفهم أن المراد "بالدعاء هو العبادة", فكأنه قال: اعبدوني أثبكم، وأجاب الأولون بأن هذا ترك للظاهر.
"و" لذا قال الشيخ تقي الدين السبكي: الأَوْلَى حمل الدعاء في الآية على ظاهره" من السؤال والطلب "وأما قوله بعد ذلك ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ فوجه الربط أنَّ الدعاء أخص من العبادة، فمن استكبر عن العبادة استكبر عن الدعاء، وعلى هذا: فالوعيد فيه بقوله: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ "إنما هو في حق من ترك الدعاء استكبارًا، ومن فعل ذلك كفر، وأمَّا من تركه لمقصد من المقاصد" كالتسليم للقضاء, "فلا يتوجّه إليه الوعيد المذكور وإن كنَّا نرى أن ملازمة الدعاء والاستكثار منه أرجح من الترك لكثرة الأدلة الواردة فيه".
زاد الحافظ: ودلَّ قوله تعالى بعد ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين﴾ [غافر: ٦٥] أنَّ الإجابة منوطة بالإخلاص، وقال الطيبي في حديث الدعاء: هو العبادة، ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ، يمكن أن تحمل العبادة على المعنى اللغوي: أي: الدعاء ليس إلّا إظهار غايةстр. 5506
وقال القشيري في "الرسالة" اختلف أي الأمرين أَوْلَى, الدعاء أو السكوت والرضى؟ فقيل: الدعاء، وهو الذي ينبغي ترجيحه لكثرة الأدلة، ولما فيه من إظهار الخضوع والافتقار، وقيل: السكوت والرضى أَوْلَى لما في التسليم من الفضل. انتهى.
وشبهتهم: إنَّ الداعي لا يعرف ما قُدِّرَ له، فدعاؤه إن كان على وفق القدرة فهو تحصيل الحاصل، وإن كان على خلافه فهو معاند.
وأجيب بأنَّه إذا اعتقد أنه لا يقع إلّا ما قدَّره الله تعالى كان إذعانًا لا معاندة, وفائدة الدعاء تحصيل الثواب بامتثال الأمر، ولاحتمال أن يكون المدعو به
الحواشي
(١) التذلُّل والافتقار والاستكانة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] ، الجملتان واردتان على الحصر، وما شرعت العبادة إلّا للخضوع للباري وإظهار الافتقار إليه، ولهذا ختم الآية بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠] حيث عَبَّر عن عدم التذلل والخضوع بالاستكبار، ووضع عبادتي موضع دعائي, وجعل جزاء ذلك الاستكبار الصغار والهوان. انتهى، وفيه تجاسر على القرآن بقوله: عَبَّر، وبقوله: وضع, بمجرَّد احتمالٍ لاح له, فالأَوْلَى ما قبله عن السبكي.
وقال البيضاوي في شرح المصابيح: لما حكم بأن الدعاء هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمَّى عبادته م حيث دلالته على أنَّ فاعله مقبل على الله, معرض عمَّا سواه, لا يرجو غيره, ولا يخاف إلّا منه, استدلَّ عليه بالآية، فإنها تدل على أنه أمر مأمور به إذا أتى به المكلّف قَبِلَ منه لا محالة وترتَّب عليه المقصود, وترتَّب الجزاء على الشرط, والمسبَّب على السبب, "وقال القشيري في الرسالة: اختلف، أي: الأمرين أَوْلَى الدعاء أو السكوت والرضا" وثالثها: إن وجد في نفسه باعثًا استحبَّ الدعاء وإلّا فلا، ورابعها: إن جمع غيره معه استحب, وإن خص نفسه فلا, "فقيل: الدعاء، وهو الذي ينبغي ترجيحه لكثرة الأدلة" وسبق بعضها "ولما فيه من إظهار الخضوع والافتقار"؛ ولأنه سنته ﷺ المتواترة عنه تواترًا معنويًّا، وقيل: السكوت والرضا أَوْلَى لما في التسليم من الفضل. انتهى".
وشبهتهم" كما قال الحافظ: "إن الداعي لا يعرف ما قُدِّرَ له، فدعاؤه إن كان على وفق القدرة" التي قدَّرها الله "فهو تحصيل الحاصل، وإن كان على خلافه فهو معاند" وكلاهما لا يجوز, "وأجيب بأنه إن اعتقد أنه لا يقع إلّا ما قدره الله تعالى كان" اعتقاده "إذعانًا لا معاندة فائدة الدعاء" حينئذ "تحصيل الثواب بامتثال الأمر" بالدعاء في الكتاب والسنة "ولاحتمال أنстр. 5507
موقوفًا على الدعاء؛ لأن الله تعالى خلق الأسباب ومسبباتها. انتهى.
وقد أرشد ﷺ أمته لكيفية الدعاء فقال: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، وليصل على النبي ﷺ ، ثم ليدع بما شاء"، رواه الترمذي من حديث فضالة بن عبيد.
وقال ﵇ في رجل يدعو: "أوجب إن ختم بآمين" رواه أبو داود.
الحواشي
(١) يكون المدعو به موقوفًا على الدعاء؛ لأن الله تعالى خلق الأسباب ومسبباتها. انتهى".
ما جاء به من الفتح بلا عزوٍ فيه أيضًا عن القشيري، وقالت طائفة: ينبغي أن يكون داعيًا بلسانه راضيًا بقلبه، قال: والأَوْلَى أن يقال: إذا وجد في قلبه إشارة إلى الدعاء, فالدعاء أفضل وبالعكس، قلت: القول الأَوَّل أعلى المقامات، وهو أن يدعو بلسانه ويرضى بقلبه, ولا يتأتَّى من كلّ أحد، بل ينبغي أن يخص به الكمَّل. قال القشيري: ويصح أن يقال: ما كان لله أو للمسلمين فيه نصيب فالدعاء أفضل، وما كان للنفس فيه حظّ فالسكوت أفضل. وعبَّر ابن بطال عن هذا القول لما حكاه بقوله: يستحب أن يدعو لغيره ويترك لنفسه، وعمدة من أَوَّلَ الدعاء في الآية بالعبادة أو غيرها قوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء﴾ [الأنعام: ٤١] وإن كثيرًا من الناس يدعو فلا يستجاب له، فلو كانت على ظاهرها لم يتخلف، والجواب: إن كل داعٍ يستجاب له, لكن تتنوع الإجابة، فتارة تقع بعين ما دعا به, وتارة بعوضه.
وقد ورد في ذلك حديث صحيح أخرجه الترمذي والحاكم عن عبادة بن الصامت رفعه: "ما على الأرض مسلم يدعو بدعوة إلّا آتاه الله إياها, أو صرف عنه من السوء مثلها"، ولأحمد من حديث أبي هريرة: "إما أن يعجّلها له وإمّا أن يدّخرها له"، وله عن أبي سعيد رفعه: "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلّا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجّل له دعوته, وإمّا أن يدخرها له في الآخرة، وإمّا أن يصرف عنه من السوء مثلها" وصحَّحه الحاكم, وهذا شرط ثانٍ للإجابة، ولها شروط أخرى، منها: أن يكون طيب المطعم والملبس؛ لحديث: "فأنى يستجاب لذلك" انتهى.
"وقد أرشد ﷺ لكيفية الدعاء، فقال: "إذا صلى" أي: دعا "أحدكم, فليبدأ بحمد الله" وفي رواية: "بتحميد ربه" والحمد: الثناء بالجميل على الجميل، والتحميد حمد الله مرة بعد أخرى والثناء عليه" بما يتضمَّن ذلك، فهو عطف عام على خاص، فالثناء فعل يشعر بالتعظيم، كذا قاله بعضهم: وقال شيخنا: عطف تفسير, "وليصلّ على النبي ﷺ , ثم ليدع بما شاء" من الدين والدنيا بما يجوز طلبه "رواه الترمذي" وأبو داود وصحَّحه ابن حبان والحاكم "من حديث فضالة" بفتح الفاء وتضم "ابن عبيد" بضم العين- الأنصاري الأوسيّ, "وقال ﵇ فيстр. 5508
وقال: "لا يقل أحدكم إذا دعا: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ولكن ليعزم المسألة, فإن الله تعالى لا مكره له" رواه البخاري وغيره.
ومعنى الأمر بالعزم: الجدّ فيه، وأن يجزم بوقوع مطلوبه، ولا يعلّق ذلك بمشيئة الله تعالى، وإن كان مأمور في جميع ما يريد فعله أن يعلقه بمشيئة الله تعالى، وقيل: معنى العزم أن يحسن الظنَّ بالله في الإجابة، فإنه يدعو كريمًا، وقد قال ابن عيينة: لا يمنعنَّ أحدكم لدعاء ما يعلم من نفسه، يعني: من التقصير، فإنَّ الله تعالى قد استجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال: ﴿أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤] .
وقال ﵇: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم
الحواشي
(١) رجل يدعو: "أوجب إن ختم بآمين" قال الحافظ في أماليه، أي: عمل عملًا وجبت له به الجنة.
وقال السيوطي: الظاهر أنَّ معناه فعل ما تجب له به الإجابة "رواه أبو داود" عن أبي زهير النمري، قال: خرجنا مع النبي ﷺ ذات ليلة, فأتينا على رجل قد ألحَّ في المسألة، فوقف ﷺ يستمع منه، فقال: "أوجب إن ختم"، فقال رجل: بأي شيء يختم؟ فقال: "بآمين، فإنه إن ختم بآمين فقد أوجب"، فانصرف الرجل الذي سأل النبي ﷺ ، فأتى الرجل، فقال: "اختم يا فلان بآمين وأبشر" "وقال" ﷺ : "لا يقل أحدكم إذا دعا" طلب من الله "اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت".
زاد في رواية البخاري: "اللهم ارزقني إن شئت"؛ لأنَّ التعليق بالمشيئة إنما يحتاج إليه إذا تأتَّى إكراه المطلوب منه، فيعلمه أنه إنما يطلبه برضاه, والله منَزَّه عن ذلك، وقيل: لأنَّ فيه صورة استغناء عن المطلوب والمطلوب منه, والأَوَّل أَوْلَى, "ولكن ليعزم المسألة, فإن الله تعالى لا مكره" بكسر الراء "له" رواه البخاري وغيره" كأبي داود عن أبي هريرة, وهو في الصحيحين من حديث أنس بنحوه, "ومعنى الأمر بالعزم الجدّ فيه" بفتح الجيم- أي: الاجتهاد, "وأن يجزم بوقوع مطلوبه, ولا يعلق ذلك بمشيئة الله تعالى" أي: يكره كما قال النووي وهو أَوْلَى، وظاهر كلام ابن عبد البر أنه نهي تحريم وهو الظاهر، قاله الحافظ: "وإن كان مأمورًا في جميع ما يريد فعله أن يعلّقه بمشيئة الله تعالى" لأن هذا مقام غير مقام الدعاء والطلب من الله.
"وقيل: معنى العزم: أن يحسن الظنَّ بالله في الإجابة, فإنه يدعو كريمًا، وقد قال ابن عيينة" سفيان: لا يمنعنَّ أحدكم لدعاء" بنصب أحد مفعول فاعله "ما يعلم من نفسه -يعني: من التقصير- فإنَّ الله تعالى قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس, حين قال: ﴿أَنْظِرْنِي﴾ أخِّرني ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥] وقال ﵇: يستجابстр. 5509
يستجب لي" رواه الشيخان وغيرهما.
وكان ﵇ يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك، رواه أبو داود من حديث عائشة.
والجوامع: التي تجمع الأغراض الصالحة والمقاصد الصحيحة، أو تجمع الثناء على الله تعالى وآداب المسألة.
وكان ﷺ يقول في دعائه: "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل
الحواشي
(١) لأحدكم ما لم يعجل" بفتح التحتية والجيم بينهما عين ساكنة- من الاستجابة بمعنى الإجابة، قال الشاعر:
فلم يستجبه عند ذاك مجيب
أي: يجاب دعاء كل واحد منكم؛ لأن الاسم المضاف يفيد العموم على الأصحّ "يقول: دعوت فلم يستجب لي" بضم التحتية وفتح الجيم- بيان لقوله: "ما لم يعجل"، فمن مَلّ الدعاء لم يقبل دعاؤه؛ لأنه عبادة، أجيب أم لا, فمن أكثر منه أوشك أن يستجاب له.
"رواه الشيخان وغيرهما" كأبي داود والترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة: "وكان ﵇ يستحب", وللحاكم: كان يعجبه "الجوامع من الدعاء, ويَدَع" يترك "ما سوى ذلك، رواه أبو داود" بإسناد جيد "من حديث عائشة" وصحَّحه الحاكم وأقَرَّه الذهبي, "والجوامع" الكلمات "التي تجمع الأغراض الصالحة والمقاصد الصحيحة" عطف تفسير "أو" التي "تجمع الثناء على الله تعالى، وآداب المسألة" أي: السؤال، وقيل: هي ما جمع مع الوجازة خيري الدنيا والآخرة نحو: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة﴾ [البقرة: ٢٠١] قيل: وهو أوجه، لكن عليه يحم قوله: ويَدَع ما سوى ذلك, على أغلب الأحوال لا كلها، فقد قال المنذري: كان يجمع في الدعاء تارة ويفصّل أخرى, "وكان ﷺ يقول في دعائه" ليس في مسلم لفظ في دعائه: "اللهمَّ أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري" الحافظ لجميع أموري، فإنَّ من فسد دينه فسدت جميع أموره, وخاب وخسر في الدنيا والآخرة, "وأصلِح لي دنياي التي فيها معاشي" بإعطاء الكفاف فيما يحتاج إليه, وكونه حلالًا معينًا على طاعة "وأصلح لي آخرتي التي إليها" كذا في النسخ, والذي رأيته في مسلم، وكذا نقله عنه السيوطي وغيره: "التي فيها معادي".
قال ابن الأثير وغيره، أي: ما أعود إليه يوم القيامة, وهو إمَّا مصدر ميمي أي: عودي أوстр. 5510
الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر" رواه مسلم من حديث أبي هريرة.
وكان يقول: "اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا، الحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار" رواه الترمذي من حديث أبي هريرة.
الحواشي
(١) ظرف مكان من عاد إذا رجع، وقال الطيبي: إصلاح المعاد: اللطف والتوفيق إلى طاعة الله وعبادته. وقال الحراني: جمع في هذه الثلاثة أصول مكارم الأخلاق التي بُعِثَ لإتمامها؛ فإصلاح الدين بالتوفيق لإظهار خطاب ربه من جهة أحوال قلبه وأخلاق نفسه وأعمال بدنه فيما بينه وبين الله من غير التفات لغرض النفس في عاجل الدنيا ولا آجلها, وإصلاح الدنيا بتجنّب الحرام الذي لا تصلح النفس والبدن إلا بالتطهر منه واستعمال الحلال الذي يصلح النفس والبدن عليه؛ لموافقته لتقويمها, وإصلاح المعاد بخوف الزجر والنهي الذي لا تصلح الآخرة إلّا بالتطهر منه لبعده عن حسناها, وخوف الأمر الذي تصلح الآخرة عليه لتقاضيه لحسناها, والمقصود بالزجر والنهي: الردع عمَّا يضر في المعاد, إلّا أنَّ الردع على وجهين: خطاب لمعرض ويسمَّى زجرًا، وخطاب مقبل على التفهّم ويسمى: نهيًا, فكان الزجر يزيغ الطبع, والنهي يزيغ العقل, "واجعل الحياة زيادة لي في كل خير" أي: اجعل حياتي سبب زيادة طاعتي, "واجعل الموت راحة لي من كل شر" أي: اجعل موتي سبب خلاصي من مشقة الدنيا والتخلص من غمومها وهمومها لحصول الراحة. قال الطيبي: وهذا الدعاء من جوامع الكلم.
"رواه مسلم" في الدعوات "من حديث أبي هريرة" ولم يخرجه البخاري "وكان" ﷺ "يقول: "اللهم انفعني بما علمتني" بالعمل بمقتضاه خالصًا لك, "وعلمني ما ينفعني" أرتقى منه إلى عمل زائد على ذلك, "وزدني علمًا" مضافًا إلى ما علمتنيه، وهذا إشارة إلى طلب المزيد في السير والسلوك إلى أن يوصله إلى محل الوصال، وبه ظهر أنَّ العلم وسيلة للعمل وهما متلازمان، ولذا قالوا: ما أمر الله رسوله بطلب الزيادة في شيء إلّا في العلم, "الحمد لله على كل حال" من أحوال السراء والضراء، وكم يترتب على الضراء من عواقب حميدة ومواهب كريمة يستحق الحمد عليها، ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ "وأعوذ بالله من حال أهل النار" في النار وغيرها، قال الطيبي: ما أحسن موقع الحمد في هذا المقام، ومعنى المزيد فيه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ وموقع الاستعاذة من الحال المضاف إلى أهل النار تلميحًا إلى القطيعة والبعد، وهذا الدعاء من جوامع الكلم التي لا مطمح وراءها "رواه الترمذي" وقال: غريب, وابن ماجه والحاكم "من حديث أبي هريرة" وفيه موسى بن عبيدة، ضعَّفه النسائي وغيره, ومحمد بن ثابتстр. 5511
وكان يقول: "اللهم متّعنى بسمعي وبصري, واجعلهما الوارث مني، وانصرني على من ظلمني، وخذ منه بثأري" رواه الترمذي من حديث أبي هريرة أيضًا.
وكان أكثر دعائه: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" رواه الشيخان من حديث أنس.
وكان يقول: "رب أعنِّي ولا تعن عليَّ، وانصرني ولا تنصر عليَّ، وامكر لي
الحواشي
(١) لم يرو عنه غير موسى, فهو مجهول العين "وكان يقول: "اللهم متّعني" أي: انفعني، زاد في رواية البيهقي: من الدنيا "بسمعي وبصري" الجارحتين المعروفتين، وقيل: أبي بكر وعمر؛ لحديث: "هذان السمع والبصر"، واستبعد بزيادة البيهقي عقب: وبصري وعقلي, "واجعلهما الوارث مني" استعارة من وارث الميت؛ لأنه يبقى بعده, "وانصرني على من ظلمني" تعدَّى وبغى عليّ, "وخذ منه بثأري" بالهمز، ويجوز إبداله تخفيفًا، أي: بحقي بأن تهلكه، وأشار به إلى قوة المخالفين حثًّا على تصحيح الالتجاء والصدق في الرغبة.
"رواه الترمذي" والحاكم "من حديث أبي هريرة", ورواه البيهقي: "وكان أكثر دعائه ﷺ : "ربنا" وفي رواية: اللهم ربنا "آتنا في الدنيا حسنة" كصحة وعفاف وكفاف وتوفيق للخير, "وفي الآخرة حسنة" ثوابًا ورحمةً, "وقنا" بالعفو والمغفرة "عذاب النار" الذي استحقيناه بسوء أعمالنا، وقول عليٍّ -كرَّم الله وجهه: الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة, وفي الآخرة الحور، وعذاب النار امرأة السوء، وقول الحسن البصري: الحسنة في الدنيا العلم والعبادة, وفي الآخرة الجنة، "وقنا عذاب النار" احفظنا من كل ذنب يجر إليها أمثلة المراد بها.
قال ابن كثير: جمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا وصرفت كل شر، فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ورزق واسع وعلم نافع وعمل صالح, إلى غير ذلك، وأمَّا الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة, وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات وتيسير الحساب وغير ذلك، وأما النجاة من النار فهو متقضى تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات. انتهى.
ولا يرد عليه أن أعلاها: رؤية الله تعالى؛ لأنَّ كلامه فيما قبل دخوله الجنة، وسبب الاختلاف في التفسير، أن حسنة نكرة في الإثبات فلا تعمّ "رواه الشيخان من حديث أنس بن مالك: "وكان" ﷺ يقول: "رب أعني ولا تعن عليَّ، وانصرني" ظفرني "ولا تنصر عليَّ" أعداء الدين، قال الراغب: النصر من الله معونة الأنبياء والأولياء وصالحي العباد بما يؤدي إلى صلاحهم عاجلًا وآجلًا، وذلك تارةً يكون من خارج بمن يقيضه الله فيعينه، وتارةً من داخل بأنстр. 5512
ولا تمكر عليّ، واهدني وانصرني على من بغى عليّ، رب اجعلني لك شاكرًا، لك ذاكرًا، لك راهبًا، مطواعًا لك، مخبتًا إليك، أواهًا منيبًا، رب تَقَبَّل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبّت حُجَّتي، وسدِّد لساني، واهد قلبي، واسلل سخيمة صدري". رواه الترمذي.
وكان يقول: "اللهم لك أسلمت، وبك أمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت، أن تضلني، أنت
الحواشي
(١) يقوي قلب الأنبياء والأولياء, أو يلقي الرعب في قلوب الأعداء، وعليه قوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ "وامكر لي" جاز لأجلي, مَنْ فَعَل بي ما يستحق ما يجازى عليه بأن فعل بي سوءًا, "ولا تمكر عليَّ" أي: اعف عني, فلا تؤاخذني بما صدر مني، قال في النهاية: مكر الله إيقاع بلائه بأعدائه دون أوليائه، وقيل: هو استدراج العبد بالطاعات فيتوهّم أنها مقبولة وهي مردودة، والمعنى: ألحق مكرك بأعدائي لا بي، وأصل المكر الخداع. انتهى.
ولا يسند إلى الله على سبيل المقابلة والازدواج, والمقابلة هنا مقدَّرة؛ لأن قوله: "امكر لي" معناه: جَازِ من مكر عليّ, "واهدني" لصالح الأعمال والأخلاق، فإنه لا يهدي لصالحها, ولا يصرف سيئها إلا أنت كما في حديث آخر.
وفي رواية: فاهدني ويسر هداي إليّ, "وانصرني" ظفرني "على من بغى عليّ" جار واعتدى بأن تهلكه, "رب اجعلني لك شاكرًا" أي: وفِّقني له لأقوم بما وجب عليّ من شكر نعمائك التي لا تحصى, "لك ذاكرًا" بقلبي ولساني, "لك راهبًا" خائفًا منك, "مطواعا لك" في جميع أوامرك, "مخبتًا" خاشعًا متواضعًا "إليك أوَّاهًا" كثير التأوّه من الذنوب والتأسُّف على الناس, "منيبًا" راجعًا إليك، "رب تَقَبَّل توبتي واغسل حوبتي" بفتح المهملة- أي: خطيئتي, "وأجب دعوتي, وثبّت حجتي, وسدّد لساني, واهد قلبي" خصَّه مع دخوله في قوله أولًا: "واهدني" اهتمامًا به؛ لأنه الرئيس الذي إذا صلح صلح الجسد كله, "واسلل" بمهملة ولا مين- انزع وخَرِّج برفق "سخيمة" بفتح المهملة وكسر المعجمة- أي: حقد "صدري" , وفي رواية: قلبي.
"رواه الترمذي" وأبو داود والنسائي وابن ماجه, وصحَّحه الحاكم، كلهم عن ابن عباس: "وكان" ﷺ "يقول: "اللهم لك أسلمت" أي: أنقذت, "وبك آمنت" أي: صدَّقت، قال النووي: فيه إشارة إلى الفرق بين الإسلام والإيمان, "وعليك" لا على غيرك "توكلت" اعتمدت في تفويض جميع أموري, "وإليك أنبت" رجعت وأقبلت بهِمَّتِي, "وبك خاصمت" أعدائي, "اللهمَّ إني أعوذ" أعتصم "بعزتك -لا إله إلا أنت- أن تضلني" بعدم التوفيق للرشد, والتوقيف على طريق الهداية والسداد، وهو متعلق بأعوذ، أي: من أن تضلني، وكلمة التهليل معترضة لتأكيدстр. 5513
الحي الذي لا تموت، والجنّ والإنس يموتون" رواه الشيخان عن ابن عباس.
وكان يقول: "اللهم إنِّي أسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغِنَى". رواه مسلم والترمذي من حديث ابن مسعود.
وكان يقول: "اللهمَّ اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به منِّي، اللهم اغفر لي جَدِّي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي،
الحواشي
(١) العزة, "أنت الحي لا تموت" بلفظ الخطاب، أي: الحياة الحقيقية التي لا يجامعها الموت بحال.
وفي رواية: "أنت الحي القيوم الذي لا يموت" بلفظ الغائب, "والجن والإنس يموتون" عند انقضاء آجالهم، والمراد: الخلق كلهم، لكنَّ التنصيص لإفادة الخطاب جرى مجرى الغالب من تقابلهما، يعني: وأنا أموت لأني من الإنس، ولم ينصّ على مَنْ عداهم لما ذُكِرَ, ولا حجة فيه لمن احتجَّ به على عدم موت الملائكة, مع أنه لا مانع من دخولهم في مسمَّى الجن بجامع ما بينهم من الاجتنان عن عيون الإنس، كيف وقد قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوِْ﴾ [القصص: ٨٨] .
"رواه الشيخان" البخاري في التوحيد, ومسلم في الدعوات, "عن ابن عباس", وقصر من عزاه لمسلم وحده, "وكان ﷺ يقول: "اللهم إني أسألك الهدى" أي: الهداية إلى الصراط المستقيم "والتّقى" الخوف من الله, والحذر من مخالفته, "والعفاف" الصيانة عن مطامع الدنيا, "والغنى" غنى النفس والاستغناء عن الناس.
قال الطيب: أطلق الهدى والتقى ليناول كل ما ينبغي أن يهدى إليه من أمر المعاش والمعاد ومكارم الأخلاق, وكل ما يجب أن يتَّقى منه من شركٍ ومعصية وخلق رديء.
"رواه مسلم والترمذي" وابن ماجه، كلهم في الدعوات "من حديث ابن مسعود" ولم يخرّجه البخاري: "وكان ﷺ "يقول: "اللهم" وفي رواية للبخاري: رب بدل اللهم "اغفر لي خطيئتي" ذنبي, "وجهلي" ضد العلم، وقال الكرماني: الجهل ما يجهل به، كما قالوه في الصائم لا يجهل أي: لا يرتكب ما يوقع في الجهل. انتهى.
أي: لا يفعل ما يوصف معه بالجهل وإن لم يذنب به, "وإسرافي" تجاوزي الحدّ, "في أمري" كله, "وما أنت أعلم به مني" مما علمته وما لم أعلمه، بأنّ صدر سهوًا, "اللهم اغفر لي جدي" بكسر الجيم ضد الهزل, "وهزلي" بفتح الهاء ضد الجد, "وخطئي" بالهمز ضد العمد, "وعمدي" ضد السهو.
ووقع في رواية للبخاري: "اللهم اغفر لي خطاياي وعمدي" جمع خطيئة وعطف العمدстр. 5514
اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخَّرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدّم وأنت المؤخِّر, وأنت على كل شيء قدير" رواه الشيخان من حديث أبي موسى.
وكان أكثر دعائه: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" رواه الترمذي من حديث أم سلمة.
الحواشي
(١) عليها, خاصّ على عام، باعتبار أن الخطايا أعمّ من المعتمد, أو من عطف أحد المتقابلين على الآخر, يحمل الخطايا على ما وقع على سبيل الخطأ, "وكل ذلك" المذكور "عندي" موجود, كالتذييل للسابق، أي: أنا متَّصف بهذه الأشياء فاغفرها لي، قاله تواضعًا وهضمًا لنفسه، أو عَدَّ فوات الكمال وترك الأَوْلَى ذنوبًا, "اللهم اغفر لي ما قدَّمت وما أخَّرت" وهذان شاملان لجميع ما سبق؛ كقوله: "وما أسررت" أخفيت, "وما أعلنت" أظهرت، أي: ما حدثت به نفسي وما تحرك به لساني، قاله تواضعًا وإجلالًا لله, أو تعليمًا لأمته.
وتعقَّبه الحافظ بأنه لو كان للتعليم فقط كفَى أن يأمرهم بأن يقولوا, فالأَوْلَى أنه للكل, "وما أنت أعلم به مني، أنت المقدِّم" لمن تشاء من خلقك بتوفيقه إلى رحمتك, "وأنت المؤخِّر" لمن تشاء عن ذلك, "وأنت على كلِّ شيء قدير" جملة مؤكدة لمعنى ما قبلها, وعلى كل شيء متعلق بقدير فعيل بمعنى فاعل, مشتق من القدرة وهي القوة والاستطاعة, وهل يطلق الشيء على المستحيل والمعدوم خلاف.
"رواه الشيخان" في الدعوات "من حديث أبي موسى" عبد الله بن قيس الأشعري, "وكان أكثر دعائه ﷺ : "يا مقلب القلوب" بتقليب أعراضها وأحوالها لا ذواتها, "ثبِّت قلبي على دينك" بكسر الدال.
قال البيضاوي: إشارةً إلى شمول ذلك للعباد حتى الأنبياء، ودفع توهّم أنهم يستثنون. وقال الطيبي: أضاف القلب إلى نفسه تعريضًا بأصحابه؛ لأنه مأمون العاقبة، فلا يخاف على نفسه لاستقامته؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ٢-٣] ، وفيه: أن أعراض القلوب من إرادة وغيرها يقع بخلق الله, وجواز تسمية الله بما ثبت في الحديث وإن لم يتواتر, وجواز اشتقاق الاسم له من الفعل الثابت, وبقية الحديث: فقيل له في ذلك، فقال: "إنه ليس آدميّ إلّا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام, ومن شاع أزاغ"، زاد في رواية أحمد: "فنسأل الله أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا, ونسأل الله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب".
"رواه الترمذي من حديث أم سلمة" هند أم المؤمنين، قال الغزالي: إنما كان هذا أكثر دعائه لاطِّلاعه على عظيم صنع الله في عجائب القلب وتقلبه، فإنه هدف يصاب على الدوام منстр. 5515
وكان يقول: "اللهم عافني في جسدي، وعافني في سمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني، لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين" رواه الترمذي.
وكان يقول: "اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس" رواه النسائي.
وكان يقول: "اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب
الحواشي
(١) كل جانب، فإذا أصابه شيء وتأثَّر أصابه من جانب آخر ما يضاده فتغيّر وصفه، وعجيب صنع الله في تقلبه لا يهتدي إليه إلا المراقبون بقلوبهم, والمراعون لأحوالهم مع الله, "وكان ﷺ "يقول: "اللهم عافني" سلِّمني من المكاره, "في جسدي"؛ لئلَّا يشغلني شاغل أو يعوقني عائق عن كمال القيام بعبادتك, "وعافني في سمعي وبصري" كذلك, "واجعلهما الوارث مني" بأن يلازماني عند الموت لزوم الوارث لمورثه، أي: أبقهما صحيحين سليمين إلى أن أموت، أو أراد بقاء قوتهما عند الكبر وانحلال القوى، أو أراد: اجعل تمتعي بهما في مرضاتك باقيًا، أذكر به بعد اموت, "لا إله إلا الله الحليم الكريم, سبحان الله رب العرش العظيم, والحمد لله رب العالمين" أي: الوصف بجميع صفات الكمال وسائر نعوت الجلال وحده على كل حال "رواه الترمذي" والحاكم، والبيهقي كلهم في الدعوات من حديث عائشة: "وكان" ﷺ يقول: "رب اغسل" أزل "خطاياي" جمع خطيئة, "بماء الثلج والبرد" بفتحتين- حب الغمام، أي: بالماء المنحل منهما، فالإضافة ليست بيانية، وخصَّهما لأنهما ماءان طاهران لم تمسَّهما الأيدي, ولم يمتهنهما الاستعمال، فكان ذكرهما آكد هنا, وإن كان الماء الجاري أبلغ عادة في إزالة الوسخ، أشار إليه الخطّابي, وقال الكرماني: جعل الخطايا بمنزلة النار؛ لأنها تؤدي إليها، فعبَّر عن إطفاء حرارتها بالغسل تأكيدًا في إطفائها، وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيًا عن الماء إلى أبرد منه وهو الثلج، ثم إلى أبرد منه وهو البرد؛ لأنه يجمد ويصير جليدًا بخلاف الثلج فيذوب. انتهى.
ومَرَّ لذلك مزيد في الصلاة, "ونَقِّ" بفتح النون وشد القاف, "قلبي" الذي بمنزلة ملك الأعضاء واستقامتها باستقامته, "من الخطايا" الذنوب, وهذا تأكيد للسابق, ومجاز عن إزالة الذنوب ومحو آثارها, "كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس" بفتح الدال والنون- أي: الوسخ، وخصَّ الأبيض لظهور النقاء فيه أقوى من غيره.
"رواه النسائي" والحاكم وغيرهما من حديث عائشة, وهو بعض حديث طويل في الصحيحين: "وكان ﷺ "يقول: "اللهم إني أسألك" أطلب منك "فعل الخيرات" المأمورات،стр. 5516
المساكين، وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون" رواه في الموطأ.
وكان يدعو: "اللهم فالق الإصباح، وجاعل الليل سكنًا، والشمس والقمر حسبانًا، اقض عني الدين وأغنني من الفقر، وأمتعني بسمعي وبصري وقوتي، وتوفَّني في سبيلك" رواه في الموطأ.
الحواشي
(١) أي: الإقدار على فعلها والتوفيق له, "وترك المنكرات" أي: المنهيات, "وحب المساكين" يحتمل إضافته إلى الفاعل, وإلى المفعول وهو أنسب بما قبله، قال الباجي: وهو من فعل القلب، ومع ذلك فيختص بالتواضع، وفيه: إن فعل الثلاثة إنما هو بفضل الله وتوفيقه, "وإذا أردت" بتقديم الدال على الراء من الإدارة، أي: أوقعت.
وفي رواية: بتقديم الراء على الدال من الإرادة, "بقوم" لفظ الموطأ: في الناس, "فتنة" بلايا ومحننًا, "فاقبضني إليك غير مفتون" فيه إشارة إلى طلب العافية واستدامة السلامة إلى حسن الخاتمة.
"رواه في الموطأ" بلاغًا، قال ابن عبد البر: هو حديث صحيح ثابت من حديث عبد الرحمن بن عابس وابن عباس، وثوبان، وأبي أمامة, "وكان" ﷺ "يدعو: "اللهم فالق الإصباح" خالقه ومظهره, "وجاعل الليل سكنًا" يسكن فيه, "والشمس والقمر" منصوبان على محل الليل، ويجوز جرهما عطفًا على لفظه, "حسبانًا" قال ابن عبد البر: أي: حسبانًا، أي: بحساب معلوم، وقد يكون جمع حساب كشهاب وشهبان.
وقال الباجي: أي يحسب بهما الأيام والشهور والأعوام، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥] "اقض عني الدَّيْن" قال ابن عبد البر: الأظهر فيه دين الناس, ويدخل فيه دين الله بالأَوْلَى، وفي الحديث: "دين الله أحقّ أن يقضى" , "واغتنى من الفقر" وهو ما لا يدرك معه القوت، وقد أغناه كما قال: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨] ، ولم يكن غناه أكثر من اتخاذه قوت سنة لعياله, والغنى كله في قلبه ثقة بربه, "وأمتعني بسمعي" لما فيه من التنعم بسماع الذكر وما يسر, "وبصري" لما فيه من التدبر برؤية مخلوقات الله, "و" أمتعنى "قوتي" بفوقية قبل الياء واحدة القوى.
وروي: وقوني -بنون بدل الفوقية، قال ابن عبد البر: والأوَّل أكثر عند الرواة, "وتوفني في سبيلك" الجهاد أو جميع أعمال البر؛ من تبليغ الرسالة وغيرها، فذلك كله سبيل الله، قاله الباجي "رواه في الموطأ" عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه بلغه فذكره, "وكان ﷺ يتعوَّذ فيقول: "стр. 5517
وكان ﷺ يتعوّذ فيقول: "اللهم إنِّي أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم والبخل، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات" رواه الشيخان من حديث أنس، وفي رواية أبي داود: "اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزن وضلع الدَّيْن وغلبة الرجال".
وكان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الجذام والبرص والجنون، وسيء
الحواشي
(١) وفي لفظ للبخاري عن أنس: كنت أسمعه يكثر أن يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجر" بسكون الجيم- وأصله: التأخر عن الشيء, مأخوذ من العجز وهو مؤخر الشيء، وللزوم الضعف والقصور عن الإتيان بالشيء، استعمل في مقابله القدرة واشتُهِرَ فيها, "والكسل" التثاقل عن الشيء مع القدرة عليه الداعية إليه, "والجبن" خلاف الشجاعة, "والهرم" وهو أقصى الكبر, "والبخل" ضد الكرم, "وأعوذ بك من عذاب القبر" ما فيه من الأهوال والشدائد, "وأعوذ بك من فتنة المحيا" ما يعرض للإنسان في مدة حياته من الافتنان بالدنيا وشهواتها وجهالاتها, وأعظمها والعياذ بالله تعالى أمر الخاتمة عند الموت, "والممات" قيل: هي فتنة القبر بسؤال الملكين, والمراد من شر ذلك؛ إذ أصل السؤال واقع لا محالة, فلا يدعى برفعه فيكون عذاب القبر مسببًا عن ذلك, والسبب غير المسبب، وقيل: المراد الفتنة قبل الموت, وأضيفت إلى الموت لقربها منه, وحينئذ تكون فتنة المحيا قبل ذلك، وقيل: غير ذلك, والمحيا والممات مصدران مجروران بالإضافة بوزن مفعل, ويصلحان للزمان والمكان والمصدر.
"رواه الشيخان من حديث أنس، وفي رواية أبي داود: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن" بفتح المهملة والزاي, جمع بينهما؛ لأنَّ الهمَّ إنما يكون في المتوقّع, والحزن فيما وقع، فالهمّ للمستقبل, والحزن على الماضي؛ ولأن أصل الهمّ الذوبان, يقال: أهمَّه المرض بمعنى أذابه، سُمِّيَ به ما يعتري الإنسان من شديد الغم؛ لأنه أبلغ وأشد من الحزن الذي أصله الخشونة، فليس العطف لاختلاف اللفظ مع اتحاد المعنى كما ظنّ, "وضلع الدَّيْن" بفتح المعجمة واللام ومهملة- أي: ثقله وشدته, المانع لصاحبه عن الاستواء، فإن أصل الضلع الاعوجاج والميل, وذلك حيث لا يجد مَنْ عليه الدَّيْن وفاءً, ولا سيما مع المطالبة، قال بعض السلف: ما دخل هَمّ الدَّيْن قلبًا إلّا أَذْهَبَ منه مِنَ العقل ما لا يعود إليه, "وغلبة الرجال" شدة تسلطهم بغير حق تغلبًا وجدلًا، فالإضافة للفاعل, أو هيجان النفس من شدة الشهوة، فالإضافة للمفعول, وصريح المصنّف انفراد أبي داود وليس كذلك، فقد روى البخاري عن أنس: كنت أسمعه ﷺ يكثر أن يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن, والعجز والبخل والجبن, وضلع الدين, وغلبة الرجال" وكان ﷺ "يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الجذام" كغراب, عِلَّة تحدث من انتشار السواد في البدنстр. 5518
الأسقام" رواه أبو داود والنسائي من حديث أنس.
وكان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من شر ما علمت، ومن شر ما لم أعلم" رواه مسلم من حديث عائشة.
وكان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع، ومن نفس لا تشبع، ومن علم لا ينفع، أعوذ بك من هذه الأربعة" رواه الترمذي.
الحواشي
(١) فتفسد مزاج الأعضاء وجهاتها، وربما انتهى إلى تآكل الأعضاء وسقوطها, "والبرص" بفتحتين- بياض يظهر في ظاهر البدن لفساد المزاج, "والجنون وسيء الأسقام" , ونص على الثلاثة مع دخولها في هذه؛ لأنها أبغض شيء إلى العرب, ولهم عنها نفرة عظيمة، ولذا عدّوا من شروط الرسالة السلامة من المنفرات، فاستعاذته منها تعليمٌ للأمة أو إظهار للعبودية "رواه أبو داو والنسائي من حديث أنس" بإسناد صحيح, "وكان" ﷺ "يقول: "اللهم إني أعوذ بك من شر ما علمت ومن ما لم أعلم".
"روه مسلم" كذا في النسخ من العلم فيهما، والذي في مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، كلهم "من حديث عائشة" بلفظ: "من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل" بتقديم المي على اللام فيهما, من العمل، أي: من شر يحتاج فيه إلى العفو, "وما لم أعمل" بأن تحفظني منه في المستقبل، أو أراد شر عمل غيره، ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ﴾ خاصة, أو ما ينسب إليه افتراء ولم يعمله.
وقد وقع في الإحياء بتقديم اللام ووروده عليه، لكنه لم يعزه لمسلم، فالردّ على المصنف أقوى لعزوه لمسلم ما ليس فيه, وإن كان جاء حديث آخر بتقديم اللام مرفوعًا: "اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم".
رواه أبو داود الطيالسي عن جابر بن سمرة, "وكان" ﷺ "يقول: "اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع" لذكر الله ولا لاستماع كلامه تعالى, وهو القلب القاسي, أبعد القلوب من الله سبحانه, "ومن دعاء لا يسمع" أي: لا يستجاب ولا يعتدّ به، فكأنه غير مسموع, "ومن نفس لا تشبع" من جمع المال أشرًا وبطرًا, ومن كثرة الأكل الجالبة لكثرة الأبخرة الجالبة للنوم, وكثرة الوساوس والخطرات النفسانية المؤدية إلى مضار الدنيا والآخرة, "ومن علم لا ينفع" أي: لا يعمل به أو لا يهذب الأخلاق الباطنة, فيسري بها إلى الأفعال الظاهرة, "أعوذ بك من هذه الأربع" أتى به مع استفادته مما قبله تنبيهًا على توكيد هذا الحكم وتقويته, وفيه تسجيع الدعاء بلا قصد، ولذا جاء في غاية الانسجام، والمكروه إنما هو المتكلّف المقصود؛ لأنه لا يلائم الضراعة والذلة.
قال الطيبي: في كل من هذه القرائن إشعار بأن وجوده مبني على غايته, والغرض الغاية،стр. 5519
والنسائي من حديث ابن عمرو بن العاص.
وكان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوّل عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك" رواه مسلم وأبو داود من حديث ابن عمرو بن العاص أيضًا.
وكان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة، وأعوذ بك من أن
الحواشي
(١) فإن تعلّم العلم إنما هو للنفع به، فإذا لم ينفعه لم يخلص كفافًا، بل يكون وبالًا, وإن القلب إنما خُلِقَ ليخشع لربه, فإن لم يخشع فهو قاسٍ يستعاذ منه, ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ , وإنما يعتد بالنفس إذا تجافت عن دار الغرور, وأنابت إلى دار الخلود، فإذا كانت نهمة لا تشبع, كانت أعدى عدو للمرء، فهي أهمّ ما يستعاذ منه، وعدم استجابة الدعاء دليل على أن الداعي لم ينتفع بعلمه, ولم يخشع قلبه, ولم تشبع نفسه.
"رواه الترمذي والنسائي من حديث" عبد الله "بن عمرو بن العاص", ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة, والنسائي أيضًا عن أنس, وقد رواه مسلم في آخر حديث، ولفظه عن زيد بن أرقم: كان ﷺ يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل, والجبن والبخل والهرم، وعذاب القبر، اللهمّ آت نفسي تقواها, وزكها أنت خير من زكاها, أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع, ومن قلب لا يخشع, ومن نفس لا تشبع, ومن دعوة لا يستجاب لها" وكذا رواه أحمد والترمذي وغيرهما.
"وكان" ﷺ "يقول: "اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك" أي: ذهابها مفردة في معنى الجمع؛ لأن المفرد المضاف يعمّ النعم الظاهرة والباطنة, وهي كل ملائم تحمد عاقبته، والاستعاذة من زوالها تتضمَّن الحفظ من الوقوع في المعاصي؛ لأنها تزيل, "وتحوّل" أي: تبدل "عافيتك" , ويفارق التحوّل الزوال، فيقال في كل ثابت لشيء ثم فارقه: زال، ولفظ أبي داود: تحويل, بزيادة تحتية, وهو تغيير الشيء وانفصاله عن غيره، فكأنَّه سأل دوام العافية وهي السلامة من الآلام والأسقام, "وفجأة" بضم الفاء والمد وفتحها والقصر- بغتة, "نقمتك" بكسر النون وقد تفتح, وسكون القاف- غضبك وعقوبتك.
قال المازري: استعاذ من أخذه الأسف, "وجميع سخطك" بفتحتين- أي: الأسباب الموجبة لذلك، وإذا انتفت أسبابها حصلت أضدادها.
"رواه مسلم وأبو داود" والترمذي "من حديث ابن عمرو بن العاص أيضًا" هذا وهم، فالذي فيهما وكذا الترمذي عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر، أي: بن الخطاب, "وكان" ﷺ "يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الفقر" فقد المال أو فقر النفس, "والقلة" بكسر القاف- قلةстр. 5520
أظلم أو أظلم" رواه أبو داود من حديث أبي هريرة.
وكان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق" رواه أبو داود من حديث أبي هريرة أيضًا.
وكان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الجوع, فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة, فإنها بئست البطانة" رواه أبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة أيضًا.
وكان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدَّيْن وغَلَبَة العدو، وشماتة
الحواشي
(١) المال التي يخاف منها قلة الصبر وتسلط الشيطان أن يتذكَّر تنعُّم الأغنياء، أو المراد: القلة في أبواب البر ونقصان الخير, أو قلة العدد والمدد, أو الكل, "والذلة" بالكسر, "وأعوذ بك من أن أظلِم" بالبناء للفاعل، أي: أجور أو أعتدي, "أو أظلَم" بالبناء للمفعول، والظلم وضع الشيء في غير محله.
رواه أبو داود" وابن ماجه والحاكم من حديث أبي هريرة", وسكت عليه أبو داود, "وكان ﷺ "يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الشقاق" بكسر المعجمة وقافين- النزاع والخلاف والتعادي؛ لأن كلًّا منها يكون في شق، أي: ناحية, أو هو العداوة, وفيها أيضًا المفاعلة, فتكون على بابها, "والنفاق" نفاق العمل, "وسوء الأخلاق"؛ لأن صاحبه لا يقر من ذنب إلّا وقع في آخر, والأخلاق السيئة من السموم القاتلة, والمهلكات والمخازي الفاضحة والرذائل الواضحة والخبائث المبعدة عن الله تعالى المقرّبة للشيطان, فحق أن يستعاذ منها.
"رواه أبو داود والنسائي" في الصلاة "من حديث أبي هريرة" أيضًا، ورواه النسائي في الاستعاذة: "وكان ﷺ "يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الجوع" أي: من ألمه وشدة مصابرته؛ لأنه يمنع راحة البدن, ويحلل المواد المحمودة بلا بدل, ويشوش الدماغ, ويثير الأفكار الفاسدة والخيالات الباطنة, "فإنه بئس الضجيع" أي: النائم معي في فراش واحد، سمَّاه ضجيعًا لملازمته لصاحبه في المضجع, تنبيهًا على أنَّ المراد الملازم المضر لا مطلق الجوع, "وأعوذ بك من الخيانة" مخالفة الحق بنقض العهد في السر, "فإنها بئست البطانة" بالكسر- خلاف الظهارة، ثم استعيرت لمن يخصه الإنسان بالاطِّلاع على باطن أمره، ولما كانت الخيانة أمرًا يبطنه الإنسان ويستره, سمَّاها بطانة, والخيانة خزي وهوان, وتكون في المال والنفس والعدد والكيل والوزن وغير ذلك, "رواه أبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة أيضًا"
بإسناد صحيح, وله شاهد من حديث ابن مسعود عند الحاكم في حديث, "وكان" ﷺ يقول: "اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدَّيْن" ثقله وشِدَّته؛ حيث لا قدرة على وفائه، لا سيما مع الطلب, "وغلبة العدوّ" من يفرح بمصيبته ويحزن بمسرته, "وشماتة الأعداء" فرحهم ببلية تنزلстр. 5521
الأعداء" رواه النسائي:
وكان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الهدم والهرم، وأعوذ بك من التردي ومن الغرق والحرق، وأعوذ بك من أن يتخبَّطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرًا، وأعوذ بك أن أموت لديغًا" رواه أبو داود والنسائي
الحواشي
(١) بعدوهم، ختم بهذه الكلمة البديعة لكونها جامعة متضمِّنة لسؤال الحفظ من جميع ما يشمت به, وإنما قال ذلك خوفًا على أتباعه من التفرقة, وقلة انتفاع المؤلَّفة, لا لأنه يتأثّر من الشماتة مراعاةً لحظِّ نفسه لعصمته من ذلك، كذا أفاده بعض الكمل.
"رواه النسائي" والحاكم وأحمد من حديث ابن عمر, "وكان" ﷺ "يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الهدم" بسكون الدال- سقوط البناء ووقوعه على الشيء، وروي بفتح الدال اسم ما انهدم منه، وفي النهاية: الهدم محركًا البناء المهدوم, وبالسكون الفعل.
قال ابن رسلان: يحتمل أن يراد بالهدم المستعاذ منه سقوط البناء المعقود أو المسقَّف لما يترتب عليه من فساد ما انهدم عليه من الحيوان وغيره, واحتياج مالكه إلى كلفة في تجديده, "والهرم" كِبَر السن المؤدي إلى تساقط القوى وذهاب العقل وتخبط الرأي, "وأعوذ بك من التردي" السقوط من عال كشاهق جبل أو في بئر, ونحو ذلك من الردي وهو الهلاك, "ومن الغرق" بفتح الراء على الصواب, وكسرها القياس، أي: الموت في الماء غريقًا, "والحرق" بفتحتين- الالتهاب بالنار.
قال البيضاوي: استعاذ من هذه الأمور مع أنَّها شهادة؛ لأنها مجهدة مقلقة لا يثبت المرء عندها، فربما استزلَّه الشيطان: أخلَّ بدينه؛ ولأنه يعد فجأة وأخذة أسف، وقال الطيبي: لأنها في الظاهر مصائب بلايا ومحن كالأمراض السابقة المستعاذ منها، وأما ترتب ثواب الشهادة عليها فللبناء على أنه تعالى يثيب عبده المؤمن على المصائب كلها حتى الشوكة؛ ولأن الفرق بين الشهادة الحقيقية وبين هذه, أنها متمنَّى كل مؤمن, وقد يجيب عليه توخي بهجة الشهادة والتحري فيها, بخلاق التردي وما معه، فيجب التحرز عنها, ولو سعى فيها عصى, "وأعوذ بك من أن يتخبطني الشيطان" أي: يصرعني ويلعب بي ويفسد ديني أو عقلي, "عند الموت" بنزعاته التي تَزِلّ بها الأقدام وتصرع الأحلام، وقد يستولي على المرء عند ذلك فيُضِلّه أو يمنعه التوبة, أو يعوقه عن الخروج عن مظلمة، أو يؤيسه من الرحمة, أو يكره له الموت ويؤسّفه على الحياة الدنيا، فلا يرضى مما قضي عليه من الفناء, فيختم له بسوءٍ والعياذ بالله تعالى, وهذا تعليم للأمة, فإن شيطانه أسلم, ولا تسلط لأحد عليه بحالٍ, وكذلك الأنبياء لا تسلط للشيطان عليهم، فتخبيط الشيطان مجاز عن إضلاله وتسويله, "وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرًا" عن الحق أو عنстр. 5522
من حديث أبي اليسر.
وكان يتعوّذ من عين الجن والإنس، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سوى ذلك. رواه النسائي.
وكان إذا خاف قومًا قال: "اللهمَّ إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم" رواه أبو داود.
وكان ﷺ يعوّذ الحسَن والحسين, ويقول: "إن أباكما كان يعوّذ بهما إسماعيل وإسحاق - أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة".
الحواشي
(١) قتال الكفار؛ لأنه ﷺ يحرم عليه الفرار مطلقًا، فمن قيده بما إذًا حرَّم الفرار, إنما هو بالنظر لغيره, وأنه تعليم للأمة, "وأعوذ بك أن أموت لديغًا" فعيل بمعنى ملدوغ -بدال مهملة وغين معجمة، يستعمل في ذات سم كحية وعقرب، أمَّا بذال معجمة وعين مهملة ففي الإحراق بنار، كالكي وإعجامهما أو إهمالهما فمما خلت عنه كتب اللغة المتداولة.
رواه أبو داود والنسائي والحاكم من حديث أبي اليسر -بفتح التحتية والمهملة- كعب بن عمرو الأنصاري, "وكان" ﷺ يتعوّذ بالله من عين الجن والإنس, وفي رواية: كان يتعوّذ من الجانّ وعين الإنسان, فلمَّا نزلت المعوذتان -بكسر الواو مشددة- أخذ بهما, أي: صار يتعوّذ بهما وترك ما سوى ذلك" مما كان يتعوّذ به غير القرآن, لما ثبت أنه كان يرقي بالفاتحة، وكان يرقي بها تارة وبالمعوذتين أخرى, لما تضمنتاه من الاستعاذة من كل مكروه.
"رواه النسائي" والترمذي وقال: حسن غريب, وابن ماجه, وصحَّحه الضياء في المختارة، كلهم عن أبي سعيد, "وكان" ﷺ "إذا خاف قومًا" أي: شَرَّ قوم "قال: "اللهم إنا نجعلك في نحورهم" أي: في مقابلة صدورهم؛ لتدفع عنا شرورهم, وتحول بيينا وبينهم, تقول: جعلت فلانًا في نحر العدو إذا جعلته قبالته يقاتل عنك ويحول بينك وبينه, "ونعوذ بك من شرورهم" المراد: نسألك أن تصد صدورهم عنَّا, وتدفع شرورهم وتكفينا أمورهم، وخصَّ النحر لأنَّه أسرع وأقوى في الدفع والتمكّن من المدفوع, والعدو إنما يستقبل بنحره عند مناهضة القتال, أو تفاؤلًا بنحرهم أو قتلهم.
"رواه أبو داود" وأحمد الحاكم والبيهقي بأسانيد صحيحة عن أبي موسى، قال الحاكم: على شرط الشيخين, وأقرَّه الذهبي, "وكان ﷺ " يعوّذ -بذال معجمة "الحسن والحسين, ويقول: لهما: "إن أباكما" جدّكما الأعلى إبراهيم ﵊, "كان يعوّذ بها" أي: بالكلمات الآتية، ولبعض رواه البخاري: بهما -بالتثنية, "إسماعيل وإسحاق" ابنيه، وهي: "أعوذ" هذا لفظ البخاري, ووقع في الأذكار: أعيذكما "بكلمات الله" كلامه على الإطلاق أو المعوذتين أوстр. 5523
رواه البخاري والترمذي.
وقد استشكل صدور هذه الأدعية ونحوها منه ﷺ مع قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] ووجوب عصمته.
وأجيب: بأنه امتثل ما أمره الله به من تسبيحه وسؤاله المغفرة في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] .
ويحتمل أن يكون قاله على سبيل التواضع والاستكانة والخضوع والشكر لربه تعالى، لما علم أنه قد غفر له، ويحتمل أن يكون سؤاله ذلك لأمنته وللتشريع،
الحواشي
(١) القرآن، قاله المصنف, زاد الحافظ: وقيل: ما وعدته، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ، والمراد بها قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ "التامّة" الكاملة أو النافعة أو الشافية أو المباركة أو القاضية التي تمضي وتستمر ولا يردها شيء ولا يدخلها نقص ولا عيب.
قال الخطَّابي: استدلَّ أحمد به على أنَّ كلام الله غير مخلوق؛ لأنه ﷺ لا يحتج بمخلوق, "من كل شيطان" إنسي وجني, "وهامَّة" بشد الميم- واحدة الهوام, ذوات السموم، وقيل: كل ما له سم يقتل، فأمَّا ما لا يقتل بسمه فيقال له: السوام، وقيل: المراد: كل نسمة تهم بسوء, "ومن كل عين لامّة" بالتشديد أيضًا- التي تصيب ما نظرت إليه بسوء، وقال الخطابي: المراد بها كل داء وآفة تلم بالإنسان من جنون وخبل، وقال أبو عبيد: أصله من ألممت إلمامًا، وإنما قال: لامَّة؛ لأنه أراد أنها ذات لمم.
وقال ابن الأنباري: يعني أنها تأتي في وقت بعد وقت، وقال: لامَّة؛ ليوافق لفظ هامَّة؛ لأنه أخفّ على اللسان.
"رواه البخاري" في أحاديث الأنبياء, "والترمذي" وابن ماجه، كلاهما في الطب، وأبو داود في السنة والنسائي في التعوذ "وقد استشكل صدور هذه الأدعية" السابقة "ونحوها منه ﷺ مع قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ ووجوب عصمته، وتقدَّم الكلام على هذه الآية, وأنه لا ذنب البتة، والمراد بالغفر الستر والمنع, كأنه قيل: ليستر عنك الذنب ويمنعك منه، فلا يمنع منك ذنب أصلًا, وهذا أحسن الأجوبة.
"وأجيب بأنه امتثل ما أمره الله به م تسبيحه وسؤاله المغفرة في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] إلى آخر السورة, "ويحتمل أن يكون قاله على سبيل التواضع والاستكانة والخضوع" عطف تفسير "والشكر لربه لما علم" بكسر اللام "أنه قد غفر له, ويحتمل أن يكون سؤاله ذلك لأمته, أو للتشريع, والله أعلم", وقال الطيبي: استعاذ مما عصمстр. 5524
والله أعلم.
وكان ﵇ عند الكرب -وهو ما يهجم على الإنسان مما يأخذ بنفسه ويحزنه ويغمه- يدعو: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السموات والأرضين, رب العرش العظيم" رواه البخاري: وفي رواية: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض، ورب العرش الكريم".
قال الطيبي: صدّر هذا الثناء بذكر الرب؛ ليناسب كشف الكرب؛ لأنه مقتضى التربية، ومنه: التهليل المشتمل على التوحيد، وهو أصل التنزيهات الجلالية، والعظمة التي تدل على تمام القدرة, والحلم الذي يدل على العلم؛ إذ الجاهل لا يتصوّر منه.
الحواشي
(١) منه ليلتزم خوف الله وإعظامه, والافتقار إليه، وليقتدي به, وليبين صفة الدعاء, "وكان ﵇ عند الكرب -وهو ما يهجم على الإنسان مما يأخذ بنفسه ويحزنه" جملة معترضة لتفسير الكرب "يدعو" يقول: "لا إله إلا الله العظيم" المطلق البالغ أقصى مراتب العظمة، الذي لا يتصوّره عقل, ولا يحيط بكنهه بصيرة, ولا يعظم عليه شيء, "الحليم" الذي لا يستفزه غضب, ولا يحمله غيظ على استعجال العقوبة والمسارعة إلى الانتقام, فيؤخره مع القدرة عليه, "لا إله إلا الله رب السموات والأرضين, رب العرش العظيم" بجره نعت للعرش "رواه البخاري" ومسلم عن ابن عباس.
وفي نسخة: رواه الشيخان وهي أصوّب, "وفي رواية" لها أيضًا عن ابن عباس، أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض".
وفي رواية: "ورب العرش الكريم" بجره كالعظيم قبله, صفة للعرش في رواية الأكثر، وروي برفعهما نعتان لرب, أو للعرش خبر مبتدأ محذوف قُطِعَ عمَّا قبله للمدح, وسبق شرحه مبسوطًا في الطب.
"قال الطيبي: صدَّر هذا الثناء" المسمَّى دعاء؛ لأن الثناء على الكريم دعاء, ولا أكرم منه سبحانه "بذكر الرب ليناسب كشف الكرب؛ لأنه مقتضى التربية", والمراد بالتصدير ذكره مرارًا في أثنائه, إلا الابتداء به كما هو ظاهر, "ومنه التهليل المشتَمِل على التوحيد" بقوله: أوّل كل قرينة: لا إله إلا الله, "وهذا أصل التنزيهات الجلالية, والعظمة التي تدل على تمام القدرة" فلذا وصفّه بها, "والحلم الذي يدل على العلم؛ إذ الجاهل" أي: الأحمق "لا يتصوّر منه حلمстр. 5525
حلم ولا كرم، وهما أصل الأوصاف الإكرامية. انتهى.
وكان ﵇ إذا همَّه أمر رفع رأسه إلى السماء وقال: "سبحان الله العظيم"، رواه الترمذي من حديث أبي هريرة.
فإن قلت: هذا ذكر ليس فيه دعاء.
فالجواب: إن التعرّض للطلب تارة يكون بذكر أوصاف العبد من فقره وحاجته، وتارةً بذكر أوصاف السيد من وحدانيته والثناء عليه. وقد قال أمية بن أبي الصلت في مدح عبد الله بن جدعان:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يومًا ... كفاه من تعرضك الثناء
قال سفيان الثوري: فهذا مخلوق حين نسب إلى الكرم اكتُفِيَ بالثناء، فكيف بالخالق.
الحواشي
(١) ولا كرم, وهُمَا" العظيم الحليم " أصل الأوصاف الإكرامية. انتهى".
وتقدَّم عن ابن القيم أبسط من هذا في كلام المصنّف في الطب "وكان ﵇ إذا همّه أمر" أقلقه وأزعجه "رفع رأسه" كذا في النسخ, والمتقدّم له في الطب عن الترمذي: إذا أهمَّه الأمر رفع طرفه, وهو الذي في الترمذي بلفظ: أهمَّه بالألف وتعريف الأمر, وطرفه، أي: بصره "إلى السماء، وقال" مستغيثًا متضرعًا: "سبحان الله العظيم" , وإذا اجتهد في الدعاء قال: "يا حي يا قيوم"، هذا باقي الحديث.
"رواه الترمذي" تامًّا من حديث أبي هريرة", زاد في بعض النسخ هنا: "فإن قلت: هذا المذكور من الحديثين ذكر ليس فيه دعاء، فالجواب: إنّ التعرّض للطلب تارةً يكون بذكر أوصاف العبد من فقره وحاجته، وتارةً يكون بذكر أوصاف السيد" المطلوب منه , "من وحدانيته والثناء عليه" كما هنا "وقال أمية بن أبي الصلت" الذي آمن شعره وكفر قلبه "في مدح عبد الله بن جدعان" بضم الجيم وإسكان الدال ثم عين مهملتين- التيمي: "أأذكر حاجتي أم" لا أذكرها، بل "قد كفاني حياؤك -بمهملة وتحتية- عن ذكر حاجته, "إن شيمتك" بمعجمة- طبيعتك "الحياء" المقتضي مزيد الكرم المغني عن ذكر الحاجة "إذا أثنى عليك" مدحك "المرء يومًا" قطعة من الزمان, "كفاه من تعرضك" مصدر مضاف لمفعوله، أي: سؤاله لك "الثناء" أي: ثناؤه عليك.
"قال سفيان الثوري" المتقدّم للمصنف في الطلب ابن عيينة: "فهذا مخلوق حين نسب إلى الكرم اكتفي بالثناء" عن السؤال, "فكيف بالخالق" وهذا مر في الطلب بأبسط من هذا،стр. 5526
وكان ﷺ إذا كربه أمر قال: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث" رواه أبو داود من حديث أنس.
وقال ﵇: "ما كربني أمر إلّا تمثَّل لي جبريل فقال: يا محمد, قل: توكلت على الحي الذي لا يموت، والحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له وليّ من الذل وكبّره تكبيرًا" رواه الطبراني عن أبي هريرة. وتقدَّم في المقصد الثامن مزيد لذلك.
وكان ﷺ يقول في الضالّة: "اللهم رادَّ الضالة وهادي الضالّة أنت تهدي من الضلالة، اردد عليَّ ضالتي بعزتك وسلطانك، فإنها من عطائك وفضلك". رواه الطبراني في الصغير من حديث ابن عمر.
الحواشي
(١) وقد سقط في غالب النسخ: "وكان" ﷺ " "إذا كربه أمر" أي: شقَّ عليه وأهمَّه شأنه "قال: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث" مما نزل بي.
"رواه أبو داود من حديث أنس", وكذا الترمذي, "وقال ﵇: "ما كربني أمر إلا تمثَّل لي" تصوّر "جبريل، فقال: يا محمد, قل: توكلت على الحي الذي لا يموت, والحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا" فخيره كله لعباده، فلذا استحقّ الحمد على ذلك, "ولم يكن له شريك في الملك" الألوهية, "ولم يكن له ولي" ينصره "من" أجل "الذل" أي: لم يذل فيحتاج إلى ناصر, "وكبره تكبيرًا" عظِّمه عظمة تامَّة عن الولد والشريك، والذل وكل ما لا يليق به, أمره بأن يثق ب, ويسند أمره إليه في استكفاء ما ينوبه, مع التمسُّك بقاعدة التوكّل، وعرَّفه أن الحي الذي لا يموت حقيق بأن يتوكّل عليه وحده, ولا يتوكّل على غيره من الأحياء الذين يموتون, "رواه الطبراني عن أبي هريرة.
ورواه عنه أيضًا ابن مصري في أماليه، ورواه البيهقي وابن أبي الدنيا عن إسماعيل بن أبي فديك مرسلًا "وتقدَّم في المقصد الثامن" بميم فنون- وهو مقصد الطبّ النبوي "مزيد لذلك، وكان ﷺ "يقول في الضالّة" أي: في دعائه لطلب ردّها، وتكرَّر ذلك منه على ما يفيده, كان مع المضارع في أحد الأقوال: "اللهم رادَّ الضالة" الإبل التي تبقى بمضيعة بلا رب للذكر والأنثى, "وهادي الضالة أنت تهدي" بفتح التاء- من هدى، أي: تنقذ وتخلص, "من الضلالة, أردد عليَّ ضالتي بعزِّك وسلطانك, فإنها من عطائك وفضلك".
"رواه الطبراني في الصغير من حديث ابن عمر: " ويجوز أنَّ هذا الدعاء ينفع لمن غاب عنه شيء حيوانًا كان أو غيره, وإن كان الأصل أنَّ الضالة الحيوان الضائع، ويقال لغيره ضائعстр. 5527
وكان ﷺ يدعو هكذا بباطن كفَّيه وظاهرهما. رواه أبو داود عن أنس.
وقال أبو موسى الأشعري -كما عند البخاري: دعا النبي ﷺ , ثم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه.
وعنده أيضًا من حديث ابن عمر: رفع ﷺ يديه فقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد".
لكن في حديث أنس "لم يكن النبي ﷺ يرفع يديه في شيء من دعائه إلّا في الاستسقاء", وهو حديث صحيح. ويجمع بينه وبين ما تقدّم "بأنَّ الرفع في الاستسقاء يخالف غيره, إما بالمبالغة إلى أن يصير اليدان في حذو الوجه مثلًا، وفي الدعاء إلى حذو المنكبين، ولا يعكّر على ذلك أنه ثبت في كلٍّ منهما حتى يُرَى بياض إبطيه، بل يجمع بأن تكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره، وإمَّا أن الكفين في الاستسقاء يليان الأرض وفي الدعاء يليان السماء.
الحواشي
(١) ولفظه: "وكان" ﷺ "يدعو هكذا بباطن كفيه" إلى السماء تارةً, إن دعا بنحو تحصيل شيء "وظاهرهما" إلى السماء تارةً, إن دعا بنحو دفع بلاء.
"رواه أبو داود عن أنس" بن مالك, قال النووي: قال العلماء: السنة في كل دعاء لدفع بلاء أن يرفع يديه جاعلًا ظهور كفيه إلى السماء، وإذا دعا بسؤال شيء وتحصيله أن يجعل كفيه إلى السماء. انتهى.
"وقال أبو موسى" عبد الله بن قيس "الأشعري, كما عند البخاري" في المغازي, في قصة دعائه لأبي عامر عمّ أبي موسى بعد قتله شهيدًا في غزوة خيبر -بالراء: "دعا النبي ﷺ , ثم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه" لعدم الشعر أصلًا, أو لدوام تعاهده, "وعنده" أي: البخاري "أيضًا من حديث ابن عمر" في آخر حديث مَرَّ في المغازي: "رفع ﷺ يديه فقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد" مرتين, كما في البخاري, "لكن في حديث أنس" في الصحيحين: "لم يكن النبي ﷺ يرفع يديه في شيء من دعائه إلّا في الاستسقاء. وهو حديث صحيح، ويجمع بينه وبين ما تقدَّم بأن الرفع في الاستسقاء يخالف غيره، إمَّا بالمبالغة" في الرفع "إلى أن يصير اليدان حذو الوجه مثلًا في الداء" في غير الاستسقاء, يرفعهما "إلى حذو المنكبين", ولا يعكر على ذلك أنه" ثبت في كلٍّ منهما" حديث أبي موسى بلفظ: حتى رأيت، وحديث أنس بلفظ: "حتى يرى بياض إبطيه، بل" إضراب عن العكر, "يجمع بأن تكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره، وإمَّا أنَّ الكفَّين في الاستسقاء يليان الأرض، وفي الدعاء يليان السماء".стр. 5528
قال الحافظ عبد العظيم المنذري: وبتعذير الجمع, فجانب الإثبات أرجح. انتهى.
وروى الإمام أحمد والحاكم وأبو داود, أنه ﷺ كان يرفع يديه إذا دعا حذو منكبيه. وفي رواية ابن ماجه: ويبسطهما.
وهذا يقتضي أن تكونا متفرقتين مبسوطتين، لا كهيئة الاغتراف.
قال الحافظ ابن حجر: غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدعاء إنما المراد بها مد اليدين وبسطهما عند الدعاء.
وروى ابن عباس: كان ﷺ إذا دعا ضَمَّ كفَّيه وجعل بطونهما مما يلي وجهه. رواه الطبراني في الكبير بسند ضعيف.
وهل يمسح بهما وجهه؟ أمَّا في القنوت في الصلاة فالأصح لا، لعدم وروده
الحواشي
(١) ويؤيده رواية مسلم عن أنس أنه ﷺ استسقى, فأشار بظهر كفيه إلى السماء، ولأبي داود عن أنس: كان يستسقى هكذا, ومد يديه وجعل بطونها مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه.
"قال الحافظ عبد العظيم المنذري: وبتعذير الجمع" أي: تعذره, "فجانب الإثبات أرجح. انتهى".
وعند أبي داود والترمذي, وحسَّنه عن سلمان رفعه: "إنَّ ربكم حي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردَّهما صفرًا" بكسر المهملة وسكون الفاء، أي: خاليتين, "وروى الإمام أحمد" والحاكم "وأبو داود، أنه ﷺ كان يرفع يديه إذا دعا حَذْوَ منكبيه" أي: مقابلهما.
"وفي رواية ابن ماجه" ويبسطهما، وهذا يقتضي أن تكونا متفرقتين"؛ لأن كونهما حذو المنكبين يقتضي تفرقهما "مبسوطتين, لا كهيئة الاغتراف" الذي يجمعهما.
"قال الحافظ ابن حجر: غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدعاء إنما المراد بها مد اليدين وبسطهما عند الدعاء", وكأنه عند الاستسقاء زاد مع ذلك, فرفعهما إلى جهة وجهه حتى حاذياه, وبه حينئذ يُرَى بياض إبطيه. هذا بقية كلام الحافظ جاعلًا ذلك تأييدًا للجمع السابق أن المنفي الرفع البالغ.
"وروى ابن عباس: كان ﷺ إذا دعا ضمَّ كفَّيه" جمعهما, "وجعل بطونهما مما يلي وجهه" رواه الطبراني في الكبير بسند ضعيف", وله شاهد عن أحمد عن السائب, "كان ﷺ إذا سأل الله جعل باطن كفيه إليه، وإذا استعاذ جعل ظاهرهما إليه, "وهل يمسح بهما وجهه" فيهстр. 5529
فيه، قال البيهقي: لا أحفظ فيه عن أحد من السلف شيئًا، وإن روي عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة، وقد روي فيه عن النبي ﷺ خبر ضعيف مستعمل عند بعضهم في الدعاء خارجها، فأمَّا فيها فعمل لم يثبت فيه خبر ولا أثر ولا قياس، والأَوْلَى أن لا يفعله.
وقد دعا ﷺ لأنس فقال: "اللهمَّ أكثر ماله وولده, وبارك له فيما أعطيته" رواه البخاري.
وفي "الأدب المفرد" له، عن أنس قال: قالت أم سليم -وهي أم أنس- خويدمك ألا تدعو له؟ فقال: "اللهم أكثر ماله وولده، وأطل حياته، واغفر له".
وفي الصحيح: إن أنسًا كان في الهجرة ابن تسع سنين، وكان وفاته سنة إحدى وتسعين فيما قيل - وقيل: ثلاث, وله مائة وثلاث سنين. قاله خليفة وهو
الحواشي
(١) تفصيل "أمَّا في القنوت في الصلاة فالأصح لا" يمسح "لعدم وروده فيه.
"قال البيهقي: لا أحفظ فيه عن أحد من السلف شيئًا، وإن روي عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة أنه يمسح ندبًا, وهذا قسيم قوله: أمَّا في القنوت, "وقد روي فيه عن النبي ﷺ خبر ضعيف" أخرجه أبو داود عن بريدة, أن النبي ﷺ كان إذا دعا فرفع يديه مسح وجهه بيديه, حسَّنه بعض الحفاظ, وهو "مستعمل عند بعضهم في الدعاء خارجها" فيستحبّ على المعتمد عند الشافعيه، وقال به بعض المالكية تفاؤلًا وتيمنًا بأن كفَّيه ملئتا خيرًا، فأفاض منه على وجهه "فأمَّا فيها, فعمل لم يثبت فيه خبر" عن المصطفى, "ولا أثر" عن صاحب, "ولا قياس, والأَوْلَى أن لا يفعله" تنزيهًا للصلاة عن فعلٍ لم يرد, "وقد دعا ﷺ لأنس فقال: "اللهم أكثر" بفتح الهمزة وكسر المثلثة, "اله وولده, وبارك له فيما أعطيته" رواه البخاري" في الدعوات, ومسلم في الفضائل، كلاهما عن أنس، قال: قالت أم سليم للنبي ﷺ : أنس خادمك فادع له، فقال: فذكره, "وفي" كتاب الأدب المفرد له" للبخاري, "عن أنس قال: قالت أم سليم" بضم السين وفتح اللام, "وهي أم أنس: خويدمك" بالتصغير, تعنى: أنسًا "ألا تدعو له", قالت ذلك استعطافًا, "فقال" ﷺ : "اللهم أكثر ماله وولده, وأطل حياته, واغفر له" فزاده دعوتين على الثلاثة في الحديث قبله, والحديث واحد، غير أنَّ بعض الرواة ذكر ما لم يذكر الآخر.
"وفي الصحيح: إن أنسًا كان في الهجرة ابن تسع سنين, وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين فيما قيل: وقيل: ثلاث" وتسعين, "وله مائة وثلاث سنين، قاله خليفة" ابن خياط -بخاءстр. 5530
المعتمد.
وأكثر ما قيل في سنِّه: إنه بلغ مائة سنة وسبع سنين، وأقلَّ ما قيل فيه: بلغ تسعًا وتسعين سنة.
وأمَّا كثرة ولده، فروى مسلم, قال أنس: فوالله إنَّ مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليعادّون على نحو المائة اليوم. وورد في حديثٍ رواه الشيخان أنَّ أنسًا قال: أخبرتني ابنتي أمينة -بضم الهمزة وفتح الميم، وسكون المثناة التحتية، بعدها نون- أنه دفن من صلبي إلى مقدِم الحجاج البصرة مائة وعشرون.
وقال ابن قتيبة في "المعارف": كان بالبصرة ثلاثة ما ماتوا حتى رأى كل واحد منهم من ولده مائة ذكر لصلبه: أبو بكرة، وخليفة بن بدر، وأنس, وزاد غيره.
الحواشي
(١) معجمة وتحتية ثقيلة- العصفري البصري، شيخ البخاريّ، صدوق, إخباري علَّامة, مات سنة أربعين ومائتين "وهو المعتمد" كما قال الحافظ: "وأكثر ما قيل في سنّه أنه بلغ مائة سنة وسبع سنين" هذا يرد على قوله المصنف في شرح البخاري.
وقيل: عاش مائة سنة وثلاثين سنة، وقيل: مائة وعشرين, "وأقل ما قيل فيه: بلغ تسعًا وتسعين سنة" مائة إلّا سنة, وهو آخر الصحابة موتًا بالبصرة "وأما كثرة ولده, فروى مسلم" عن إسحاق, وهو ابن عبد الله بن أبي طلحة قال: حدَّثني أنس قال: جاءت بي أمّي إلى رسول الله ﷺ , قد أزرتني بنصف خمارها, ورَّدتني بنصفه، فقالت: يا رسول الله, هذا ابني أنيس, أتيتك به يخدمك, فادع الله له، فقال: "اللهم أكثر ماله وولده" , "قال أنس: فوالله إنَّ مالي لكثير, وإن ولدي وولد ولدي ليعادّون" أي: يبينون بالعدد، لكن لفظ مسلم: ليتعادّون على نحو المائة اليوم" بتاء ففوقية بعد التحتية، وبلفظ: اليوم.
وورد في حديث رواه الشيخان: إن أنسًا قال: أخبرتني ابنتي أمينة" أي: بضم الهمزة وفتح الميم وسكون المثناة التحتية بعدها نون" فها تأنيث تابعية مقبولة, روى عنها أبوها، "أنه دُفِنَ من صلبي إلى مقدم الحجاج" بن يوسف الثقفي "البصرة" أميرًا عليها, مائةٌ وعشرون" ذكورً وأناثًا، ثم مات له بعد ذلك خمسة، فعند الطبراني قال أنس: فلقد دفنت من صلبي سوى ولد ولدي مائة وخمسة وعشرين.
"وقال" محمد بن مسلم بن قتيبة" الدينوري "في" كتاب المعارف: كان بالبصرة ثلاثة من الرجال ما ماتوا حتى رأى كلّ واحد منهم من ولده مائة ذكره لصلبه: أبو بكرة، نفيع بن الحرث الثقفي الصحابي، مات بالبصرة سنة إحدى أو اثنتين وخمسين "وخليفة بن بدرстр. 5531
رابعًا: وهو المهلب بن أبي صفرة
وأخرج ابن سعد عن أنس قال: دعا لي النبي ﷺ : "اللهم أكثر ماله وولده، وأطل عمره، واغفر له" , فقد دفنت من صلبي مائة واثنين، وإن ثمرتي لتحمل في السنة مرتين، ولقد بقيت حتى سئمت الحياة، وأرجو الرابعة.
وأخرج الترمذي عن أبي العالية في ذكر أنس: وكان له بستان يؤتي في كل سنة الفاكهة مرتين، وكان فيه ريحان تفوح منه رائحة المسك. ورجاله ثقات.
الحواشي
(١) وأنس، وزاد غيره رابعًا: وهو المهلب بن أبي صفرة" بضم المهملة وإسكان الفاء- واسمه: ظالم بن سارق العتكي -بفتح المهمة والفوقية- الأزدي البصري، من ثقات الأمراء, وكان عارفًا بالحرب, فكان أعداؤه يرمونه بالكذب, وهو من كبار التابعين, وله رواية مرسلة، قال أبو إسحاق السبيعي: ما رأيت أميرًا أفضل منه، مات سنة اثنتين وثمانين على الصحيح.
"وأخرج ابن سعد عن أنس قال: دعا لي النبي ﷺ " فقال: "اللهم أكثر ماله وولده" قال القاضي عياض: فيه جواز الدعاء بمثل هذا, وحجة لفضل الغنى، وذلك إذا لم يشغل عن القيام بحق الله تعالى، ولولا دعوته ﷺ لخيف عليها الهلاك من كثرتهما؛ لأنه تعالى حذَّر من ذلك فقال: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ يعني: في الغالب، وقال الأبي: ويحتمل أنه إنما دعا له بتكثير المال لما رأى عليه من حالة الفقر, وهو دليل ترديه بنصف الخمار, فلا دليل فيه على تفضيل الغنى, "وأطل عمره, واغفر له" , فقد دفنت من صلبي مائة واثنين, وإن ثمرتي لتحمل" بها الأشجار "في السنة" أي: كل سنة مرَّتين, لقد بقيت حتى سئمت كرهت الحياة, وأرجو الرابعة" وهي المغفرة.
وفي رواية لمسلم: فدعا لي بكل خير, وكان في آخر ما دعا به لي أن قال: "اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه" , قال القرطبي: قوله: دعا لي بكل خير, يحتمل أنه دعا له بهذا اللفظ, ويحتمل أن التعبير بذلك من أنس. انتهى.
والثاني هو المتبادر من قوله: وكان في آخر, فإنه يشعر أن قبله دعوات, إمَّا أنه لم يحفظها أو لم يرد التحديث بها تفصيلًا، فأجملها بقوله: بكل خير.
"وأخرج الترمذي عن أبي العالية" رفيع بن مهران "في ذكر أنس", لفظ الترمذي من طريق أبي خلدة قلت لأبي العالية: أَسَمِعَ أنس من النبي ﷺ قال: خدمه عشر سنين, ودعا له النبي ﷺ , وكان له بستان يؤتي" بالواو، أي: يعطي "في كل سنة الفاكهة مرتين, وفي نسخة: يأتي بالفاكهة -بالألف- أي: يجيء, والذي في الإصابة عن الترمذي عن أبي العالية: يحمل الفاكهة في السنة مرّتين, وكان فيه ريحان يفوح منه ريح المسك, ورجاله ثقات, ثم لا تعارض بين هذاстр. 5532
ودعا ﵊ لمالك بن ربيعة السلولي أن يبارك له في ولده، فولِدَ له ثمانون ذكرًا، رواه ابن عساكر.
وأرسل ﵊ إلى عليٍّ يوم خيبر، وكان أرمد فتفل في عينيه وقال: "اللهمَّ أذهب عنه الحر والبرد"، قال: فما وجدت حرًّا ولا بردًا منذ ذلك اليوم، ولا رمدت عيناي.
وبعث ﷺ إلى اليمن قاضيًا فقال: يا رسول الله، لا علم لي بالقضاء، فقال: " ادن مني" فدنا منه، فضرب يده على صدره وقال: "اللهم اهد قلبه وثبت
الحواشي
(١) وبين ما رواه ابن ماجه برجالٍ ثقات عن عمرو بن غيلان الثقفي، والطبراني عن معاذ, والطبراني أيضًا برجالٍ ثقات عن فضالة بن عبيد مرفوعًا: "اللهمَّ من آمن بي وصدَّقني وعلم أنَّ ما جئت به هو الحق من عندك, فأقلل ماله وولده وحبّب إليه لقاءك، ومن لم يؤمن بي ولم يصدقني ولم يعلم أن ما جئت به هو الحق من عندك, فأكثر ماله وولده وأطل عمره"؛ لأن فضل التقلل من الدنيا مختلف باختلاف الأشخاص، كما يشير إليه الحديث القدسي: "إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى.........." الحديث، فمن الناس من يخاف عليه الفتنة بالمال والولد, وعليه ورد هذا الحديث, وإن كانت من صيغة عموم؛ لأنه يصدق بمؤمن يخاف عليه الفتنة بالمال والولد، ومنهم من لا يخاف عليه كأنس، وحديث: "نعم المال الصالح للرجل الصالح"، فدعا لكلٍّ من أمته بما يصلح له, ولا تناقض بين أحاديثه، فقول الداودي أحمد بن نصران: حديث أنس يدل على بطلان هذا الحديث، وكيف يصح وهو ﷺ يحض على النكاح والتماس الولد. ساقط، فقد أمكن الجمع, وقال الحافظ: لا منافاة بينهما؛ لاحتمال أن يكون ورد في حصول الأمرين معًا، لكن يعكر عليه حديث أنس, فيقال: كيف دعا له وهو خادمه بما كرهه لغيره، فيحتمل أنه قرن دعاءه له بذلك بأن لا يناله من قبله ضرر؛ لأن المعنى في كراهة كثرة اجتماع المال والولد إنما هو لما يخشى من الفتنة بهما, والفتنة لا يؤمن معها الهلكة. انتهى.
"ودعا ﵊ لمالك بن ربيعة" أبي مريم "السلولي" بمهملة ولامين- مشهور بكنيته, شهد بيعة الرضوان وحجة الوداع "أن يبارك له في ولده، فولد له ثمانون ذكرًا، رواه ابن عساكر" وابن منده "وأرسل ﵊ إلى عليٍّ يوم خيبر وكان أرمد، فتفل" بفوقية ففاء- أقلّ من البزاق "في عينيه، وقال: "اللهم أذهب عنه الحر والبرد"، فما وجد حرًّا ولا بردًا منذ ذلك اليوم ولا رمدت عيناه" بكسر الميم وتقدَّمت القصة مبسوطة في خيبر, "وبعث ﷺ عليًّا" زوج الزهراء "إلى اليمن قاضيًا فقال" حين أراد بعثه: "يا رسول الله, لا علم لي بالقضاء: فقال: "ادن مني" فدنا" قرب "منه فضرب" أي: وضع "يده على صدره وقال:стр. 5533
لسانه" قال علي: فوالله ما شككت في قضاء بين اثنين. رواه أبو داود وغيره.
وعاد ﷺ عليًّا من مرض فقال: "اللهم اشفه اللهمّ عافه" , ثم قال: "قم"، قال عليّ: فما عاد لي ذلك الوجع بعد. رواه الحاكم وصحَّحه البيهقي وأبو نعيم.
ومرض أبو طالب فعاده النبي ﷺ فقال: يا ابن أخي, ادع ربك الذي تعبد أن يعافيني، فقال: "اللهم اشف عمي"، "فقام أبو طالب كأنَّما تسقط من عقال"، فقال: يا ابن أخي، إن ربك الذي تعبد ليطيعك، فقال: "وأنت يا عمَّاه, لئن أطعت الله ليطيعنك" رواه ابن عدي والبيهقي وأبو نعيم من حديث أنس. وتفرَّد به الهيثمي، وهو ضعيف.
ودعا ﵇ لابن عباس: "اللهم فقهه في الدين، اللهم أعط ابن عباس الحكمة وعلمه التأويل". رواه البغوي وابن سعد.
وفي رواية البخاري: "اللهم علمه الكتاب" فكان عالمًا بالكتاب، حبر الأمة،
الحواشي
(١) اللهم اهد قلبه" بهمزة وصل, "وثبت لسانه" بشد الموحدة، أي: اجعله مستقرًّا دائمًا على النطق بالحق، أضاف الهداية للقلب؛ لأن المراد خلق الاهتداء فيه, والثبات للسان لتحركه عند النطق، فناسب الثبات بمعنى القرار "قال عليّ: والله ما شككت في قضاء بين اثنين".
رواه أبو داود وغيره" كأحمد والترمذي من حديث عليّ, "وعاد ﷺ عليًّا من مرض قال: "اللهم اشفه، اللهم عافه"، ثم قال: "قم" كأنه زال عنه المرض في الحال, فأمره بالقيام "قال عليّ: فما عاد لي لك الوجع بعد" بضم الدال, "رواه الحاكم وصحَّحه البيهقي وأبو نعيم" من حديث علي, "ومرض أبو طالب, فعاده النبي ﷺ فقال: يا ابن أخي, ادع ربك الذي تعبد أن يعافيني، فقال: "اللهم اشف عمي"، فقال أبو طالب: كأنما نشط" بكسر الشين "من عقال" كان معقولًا به فحلّ منه فقام سريعًا, "قال: "يا ابن أخي, إن ربك الذي تعبد ليطيعك، فقال: وأنت يا عمَّاه لئن أطعت الله ليطيعنك".
"رواه ابن عدي والبيهقي وأبو نعيم من حديث أنس، وتفرَّد به الهيثم وهو ضعيف، ودعا ﵇ لابن عباس" عبد الله، فقال: "اللهم فقهه في الدين، اللهمَّ أعط ابن عباس الحكمة" تحقيق العلم وإتقان العمل, "وعلمه التأويل" للقرآن، وقد جاء في رواية: "وعلمه تأويل القرآن".
"رواه البغوي" الكبير في معجم الصحابة "وابن سعد" من حديث عمر بن الخطاب "وفي رواية البخاري" عن ابن عباس: ضمَّني النبي ﷺ إلى صدره، وقال: "اللهم علّمه الكتاب"стр. 5534
بحر العلم، رئيس المفسرين, ترجمان القرآن، وكونه في الدرجة العليا والمحل الأقصى لا يخفى.
وقال للنابغة الجعدي لما قال:
ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في علم إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
الحواشي
(١) القرآن؛ لأن العرف الشرعي عليه، والمراد بالتعليم: ما هو أعمّ من حفظه والتفهّم فيه.
وفي رواية للبخاري أيضًا: الحكمة بدل الكتاب، فقيل: المراد بها القرآن؛ لأن الحديث واحد، فرواه بعضهم بالمعنى، والأقرب أنَّ المراد بها الفهم في القرآن، وقيل: العمل به، وقيل السنة، وقيل: الإصابة في القول، وقيل: الخشية, وقيل: الفهم عن الله، وقيل: العقل, وقيل: ما يشهد العقل بصحته، وقيل: نور يفرق بين الإلهام والوسواس، وقيل: سرعة الجواب مع الإصابة، ذكره الحافظ "فكان عالمًا بالكتاب حبر" بكسر الحاء أصح من فتحها عند أكثر اللغويين، وعند ثعلب والمحدثين الفتح، أي: عالم "الأمة, بحر العلم, رئيس المفسرين, ترجمان القرآن, وكونه في الدرجة العليا والمحل الأقصى لا يخفى" على أحد "وقال" ﷺ "للنابغة" بنون وموحدة وغين معجمة- لقبه؛ لأنه ترك الشعر مدة في الجاهلية، ثم عاد إليه بعد أن أسلم، فقيل: نبغ, واسمه: قيس بن عبد الله بن عديس بن ربيعة بن جعدة، وقيل: اسمه عبد الله، وقيل: حبان بن قيس، وقيل: غير ذلك "الجعدي" نسبة إلى جدّه جعدة كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة "لما قال" أي: أنشده من قصيدته المطولة نحو مائتي بيت أولها:
خليلي غضا ساعة وتهجرا ... ولوما على ما أحدث الدهر أو ذرا
وقال ابن عبد البر: أظنه أنشدها كلها للنبي ﷺ ، فلمَّا أتى على قوله فيها:
أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى ... ويتلو كتابًا كالمجرة نيرا
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
غضب وقال: "أين المظهر يا أبا ليلى؟ " قلت: الجنة، قال: "أجل إن شاء الله" ثم قال: أنشدني فأنشدته.
ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في علم إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
بوادر: جمع بادرة, وصفوة -بفتح المهملة وسكون الفاء، وأصدر: منع نفسه من المهالكстр. 5535
"لا يف الله فاك" أي: لا يسقط الله أسنانك، وتقديره: لا يسقط الله أسنان فيك، فحذف المضاف: قال: فأتى عليه أكثر من مائة سنة, وكان من أحسن الناس ثغرًا، رواه البيهقي وقال فيه: فلقد رأيته ولقد أتى عليه نيف ومائة سنة, وما ذهب له سن، وفي رواية ابن أبي أسامة: وكان من أحسن الناس ثغرًا, وإذا سقطت له سن نبتت له أخرى، وعند ابن السَّكن: فرأيت أسنان النابغة أبيض من البرد لدعوته ﷺ .
الحواشي
(١) "لا يف الله فاك" زاد في رواية: مرتين "أي: لا يسقط الله أسنانك, وتقديره: لا يسقط الله أسنان فيك، فحذف المضاف".
"قال" الراوي لهذا الحديث عن النابغة: "فأتي عليه أكثر من مائة سنة, وكان من أحسن الناس ثغرًا" بمثلثة ومعجمة، أي: أسنانًا، ففي القاموس في معاني الثغر والأسنان أو مقدمها أو ما دامت في منابتها. انتهى.
وحمل ما هنا على الجميع, متعين لقوله بعده: وما ذهب له سن "رواه البيهقي وقال فيه" الراوي: "فلقد رأيته ولقد أتى عليه نيف ومائة سنة, وما ذهب له سن، وفي رواية" الحرث "بن أبي أسامة" من طريق الحسن بن عبيد الله العنبري، قال: حدَّثني من سمع النابغة الجعدي يقول: أتيت رسول الله ﷺ فأنشدته، فذكر القصة وقال في آخرها: "وكان من أحسن الناس ثغرًا", أي: أسنانًا, "وإذا سقطت له سن" لا يخالف قوله: وما ذهب له سن؛ لأنه لما "نبتت له أخرى" مكانها, كأنها لم تسقط.
وكذا رواه السلفي في الأربعين البلدانية من طريق نصر بن عاصم الليثي عن أبيه: سمعت النابغة يقول: أتيت رسول الله ﷺ ، فذكر القصة وفيها فقال: "صدقت, لا يف الله فاك"، قال عاصم: فبقي عمره أحسن الناس ثغرًا, كلما سقطت سن عادت أخرى وكان معمرًا.
"وعند ابن السكن" في الصحابة والارقطني في المؤتلف والمختلف, عن كرز بن شامة: وكانت له وقادة عن النابغة، فذكر القصة بنحوها، وقال كرز: "فرأيت أسنان النابغة أبيض من البرد" حب الغمام "لدعوته ﷺ ".
وعند الخطابي في غريب الحديث, والمرهبي في كتاب العلم، وغيرهما عن عبد الله بن جراد: فرأيت أسنان النابغة كالبرد المنهل ما انقضمت له سن ولا انفلت.
وحكي في الإصابة الخلاف في سنّه، فروى الحاكم عن النضر بن شميل عن المنتجع الأعرابي، قال: أكبر من لقيت النابغة الجعدي، قلت له: كم عشت في الجاهلية؟ قال: دارين، قال النضر: يعني: مائتي سنة، وقال الأصمعي: عاش مائتين وثلاثين سنة، وقال ابن قتيبة: ماتследующие страницы →