رابعًا: وهو المهلب بن أبي صفرة
وأخرج ابن سعد عن أنس قال: دعا لي النبي ﷺ : "اللهم أكثر ماله وولده، وأطل عمره، واغفر له" , فقد دفنت من صلبي مائة واثنين، وإن ثمرتي لتحمل في السنة مرتين، ولقد بقيت حتى سئمت الحياة، وأرجو الرابعة.
وأخرج الترمذي عن أبي العالية في ذكر أنس: وكان له بستان يؤتي في كل سنة الفاكهة مرتين، وكان فيه ريحان تفوح منه رائحة المسك. ورجاله ثقات.
стр. 5532
ودعا ﵊ لمالك بن ربيعة السلولي أن يبارك له في ولده، فولِدَ له ثمانون ذكرًا، رواه ابن عساكر.
وأرسل ﵊ إلى عليٍّ يوم خيبر، وكان أرمد فتفل في عينيه وقال: "اللهمَّ أذهب عنه الحر والبرد"، قال: فما وجدت حرًّا ولا بردًا منذ ذلك اليوم، ولا رمدت عيناي.
وبعث ﷺ إلى اليمن قاضيًا فقال: يا رسول الله، لا علم لي بالقضاء، فقال: " ادن مني" فدنا منه، فضرب يده على صدره وقال: "اللهم اهد قلبه وثبت
стр. 5533
لسانه" قال علي: فوالله ما شككت في قضاء بين اثنين. رواه أبو داود وغيره.
وعاد ﷺ عليًّا من مرض فقال: "اللهم اشفه اللهمّ عافه" , ثم قال: "قم"، قال عليّ: فما عاد لي ذلك الوجع بعد. رواه الحاكم وصحَّحه البيهقي وأبو نعيم.
ومرض أبو طالب فعاده النبي ﷺ فقال: يا ابن أخي, ادع ربك الذي تعبد أن يعافيني، فقال: "اللهم اشف عمي"، "فقام أبو طالب كأنَّما تسقط من عقال"، فقال: يا ابن أخي، إن ربك الذي تعبد ليطيعك، فقال: "وأنت يا عمَّاه, لئن أطعت الله ليطيعنك" رواه ابن عدي والبيهقي وأبو نعيم من حديث أنس. وتفرَّد به الهيثمي، وهو ضعيف.
ودعا ﵇ لابن عباس: "اللهم فقهه في الدين، اللهم أعط ابن عباس الحكمة وعلمه التأويل". رواه البغوي وابن سعد.
وفي رواية البخاري: "اللهم علمه الكتاب" فكان عالمًا بالكتاب، حبر الأمة،
стр. 5534
بحر العلم، رئيس المفسرين, ترجمان القرآن، وكونه في الدرجة العليا والمحل الأقصى لا يخفى.
وقال للنابغة الجعدي لما قال:
ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في علم إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
стр. 5535
"لا يف الله فاك" أي: لا يسقط الله أسنانك، وتقديره: لا يسقط الله أسنان فيك، فحذف المضاف: قال: فأتى عليه أكثر من مائة سنة, وكان من أحسن الناس ثغرًا، رواه البيهقي وقال فيه: فلقد رأيته ولقد أتى عليه نيف ومائة سنة, وما ذهب له سن، وفي رواية ابن أبي أسامة: وكان من أحسن الناس ثغرًا, وإذا سقطت له سن نبتت له أخرى، وعند ابن السَّكن: فرأيت أسنان النابغة أبيض من البرد لدعوته ﷺ .
стр. 5536
وسقاه ﵊ عمرو بن أخطب ماء في قدح قوارير، فرأى فيه شعرة بيضاء فأخذها، فقال ﷺ : "اللهم جَمِّله" فبلغ ثلاثًا وتسعين سنة وما في لحيته ورأسه شعرة بيضاء، رواه الإمام أحمد من طريق أبي نهيك. قال أبو نهيك: فرأيته ابن أربع وتسعين سنة وليس في لحيته شعرة بيضاء. وصحَّحه ابن حبان والحاكم.
وأخرج البيهقي عن أنس أن يهوديًّا أخذ من لحية النبي ﷺ فقال: "اللهمَّ جَمِّله". فاسودت لحيته بعد أن كانت بيضاء. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة قال: حلب يهودي للنبي ﷺ ناقة، فقال: "اللهمَّ جَمِّله" فاسودَّ شعره حى صار أشد سوادًا من كذا وكذا. قال معمر: وسمعت غير قتادة يذكر أنه عاش
стр. 5537
تسعين سنة فلم يشب، أخرجه ابن أبي شيبة وأبو داود في المراسيل, والبيهقي وقال: مرسل شاهد لما قبله.
وقال ﷺ لابن الحمق الخزاعي، وقد سقاه ﷺ : "اللهمَّ متعه بشبابه"، فمرَّت عليه ثمانون سنة لم ير شعرة بيضاء. رواه أبو نعيم وغيره.
وجاءته فاطمة وقد علاها الصفرة من الجوع، فنظر إليها ﷺ , ووضع يده على صدرها ثم قال: "اللهمَّ مشبع الجاعة لا تجع فاطمة بنت محمد". قال عمران بن الحصين: فنظرت إليها وقد علاها الدم على الصفرة في وجهها، ولقيتها بعد فقالت: ما جعت يا عمران، ذكره يعقوب بن سليمان الإسفرايني في دلائل الإعجاز.
ودعا ﷺ لعروة بن الجعد البارقي فقال: "اللهمَّ بارك له في صفقة يمينه"، قال: فما اشتريت شيئًا قط إلا وربحت فيه.
стр. 5538
وقال لجرير البجلي, وكان لا يثبت على الخيل، وضرب في صدره: "اللهم ثبته واجعله هاديًا مهديًّا" قال: فما وقعت عن فرسي بعد.
وقال لسعد بن أبي وقاص: "اللهم أجب دعوته" فكان مجاب الدعوة. رواه البيهقي والطبراني في الأوسط.
ودعا لعبد الرحمن بن عوف بالبركة. رواه الشيخان عن أنس، زاد البيهقي من وجه آخر: قال عبد الرحمن: فلو رفعت حجرًا لرجوت أن أصيب تحته ذهبًا أو فضة. الحديث.
قال القاضي عياض: وقد فتح الله عليه ومات, فحفر الذهب من تركته بالفئوس حتى مجلت فيه الأيدي، وأخذت كل زوجة ثمانين ألفًا، وكن أربعًا، وقيل: مائة ألف، وقيل: بل صولحت إحداهنَّ؛ لأنه طلقها في مرض موته على
стр. 5539
ثمانين ألفًا. وأوصى بخمسين ألفًا بعد صدقاته الفاشية في حياته، وعوارفه العظيمة، أعتق يومًا ثلاثين عبدًا، وتصدَّق مرة بعير فيها سبعمائة بعير وردت عليه تحمل من كل شيء, فتصدَّق بها وبما عليها وبأقتابها وأحلاسها.
وذكر المحب الطبري مما عزاه للصفوة عن الزهري: إنه تصدق بشطر ماله: أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله، ثم حمل على ألف وخمسمائة راحلة في سبيل الله، وكان عامة ماله من التجارة.
ودعا على مضر فأقحطوا حتى أكلوا العلهز -وهو الدم بالوبر- حتى استعطفته قريش.
ولما تلى ﵊: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ قال عتيبة بن أبي لهب: كفرت برب النجم، فقال: "اللهمَّ سلط عليه كلبًا من كلابك". فخرج عتيبة مع أصحابه في عير إلى الشام حتى إذا كانوا بالشام زأر الأسد، فجعلت فرائصه ترعد، فقيل له: في أي شيء ترعد؟ فوالله ما نحن وأنت في هذا إلا سواء، فقال
стр. 5540
إن محمدًا دعا علي، ولا والله ما أظلت هذه السماء من ذي لهجة أصدق من محمد، ثم وضعوا العشاء فلم يدخل يده فيه حتى جاء النوم، فأحاطوا به وأحاطوا أنفسهم بمتاعهم، ووسَّطوه بينهم وناموا، فجاء الأسد يستنشق رءوسهم رجلًا رجلًا حتى انتهى إليه فمضغه مضغة، وهو يقول: ألم أقل لكم إن محمدًا أصدق الناس، ومات. ذكره يعقوب الإسفرايني. وتقدَّم في ذكر أولاده ﵊ قصة بنحو هذا.
وعن مازن الطائي -وكان بأرض عمان- قلت: يا رسول الله، إني امرؤ مولع بالطرب وشرب الخمر والنساء، وألحت علينا السنون، فأذهبن الأموال وأهزلن الذراري والرجال، وليس لي ولد، فادع الله أن يذهب عني ما أجد ويأتيني بالحياء
стр. 5541
ويهب لي ولدًا، فقال ﷺ : "اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن, وبالحرام الحلال, وأته بالحياء، وهب له ولدًا" قال مازن: فأذهب الله عني كل ما كنت أجد، وأخصبت عمان, وتزوجت أربع حرائر، ووهب الله لي حيان بن مازن. رواه البيهقي.
ولما نزل ﷺ بتبوك, صلى إلى نخلة, فمَرَّ رجل بينه وبينها, فقال ﷺ : "قطع صلاتنا قطع الله أثره" فأقعد فلم يقم. رواه أبو داود والبيهقي، لكن بسند ضعيف.
وأكل عنده ﷺ بشماله فقال: "كل بيمينك" قال: لا أستطيع، قال: "لا استطعت" فما رفعها إلى فِيهِ بعد. والرجل هو بسر -بضم الموحدة وسكون المهملة- ابن راعي العير -بفتح العين وسكون المثناة التحتية.
стр. 5542
وطلب ﷺ معاوية بن أبي سفيان، فقيل له: إنه يأكل، فقال في الثانية: "لا أشبع الله بطنه" فما شبع بطنه أبدًا، رواه البيهقي من حديث ابن عباس، وكان معاوية رديفه يومًا فقال: يا معاوية، ما يليني منك"؟ قال: بطني؟ قال: "اللهمّ املأه علمًا وحلمًا". رواه البخاري في تاريخه.
وقال ﷺ لأبي ثروان: "اللهم أطل شقاءه وبقاءه" فأدرك شيخًا كبيرًا شقيًّا يتمنَّى الموت.
وكم له ﷺ من دعوات مستجابات، وقد أفرد القاضي عياض بابًا في
стр. 5543
الشفاء ذكر فيه طرفًا منها، وكذا الإمام يوسف بن يعقوب الإسفرايني في كتابه "دلائل الإعجاز" فكم أجابه الله تعالى إلى مسئوله، وأجناه من شجرة دعائه ثمرة سؤله.
وأما حديث أبي هريرة عند البخاري, أن رسول الله ﷺ قال: "لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبيء دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة" , فقد استشكل ظاهره بما ذكرته، وبما وقع لنبينا ولكثير من الأنبياء -صلى الله عليهم وسلم- من الدعوات المجابة، فإن ظاهره أنَّ لكل نبي دعوة مجابة فقط.
وأجيب: بأنَّ المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها، وما عدا ذلك من دعواتهم فهي على رجاء الإجابة، وقيل: معنى قوله: "لكل نبي دعوة" أي: أفضل دعواته، ولهم دعوات أخرى" وقيل: لكل نبي منهم دعوة عامّة مستجابة في أمته، إما
стр. 5544
بإهلاكم، وإما بنجاتهم، وأما الدعوات الخاصة: فمنها ما يستجاب, ومنها ما لا يستجاب. وقيل: لكل نبي منهم دعوة تخصه لدنياه أو لنفسه، كقول نوح: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] وقول زكريا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٦] وقول سليمان: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ .
وأما قول الكرماني في شرحه على البخاري: فإن قلت: هل جاز أن لا يستجاب دعاء النبي ﷺ ؟ قلت: لكلّ نبي دعوة مستجابة، وإجابة الباقي في مشيئة الله تعالى، فقال العيني: هذا السؤال لا يعجبني؛ لأن فيه بشاعة، وأنا لا أشك أن جميع دعوات النبي ﷺ مستجابة. وقوله: "لكل نبي دعوة مستجابة" لا ينفي ذلك؛ لأنه ليس بمحصور. انتهى. ولم ينقل أنه ﷺ دعا بشيء فلم يستجب له.
وفي هذا الحديث بيان فضيلة نبينا ﷺ على سائر الأنبياء؛ حيث آثر أمته
стр. 5545
على نفسه وأهل بيته بدعوته المجابة، ولم يجعلها دعاء عليهم بالهلاك كما وقع لغيره -صلوات الله وسلامه عليهم.
وظاهر الحديث يقتضي أنه ﵇ أخر الدعاء والشفاعة ليوم القيامة، فذلك اليوم يدعو ويشفع، ويحتمل أن يكون المؤخر ليوم القيامة ثمرة تلك الدعوة ومنفعتها، وأما طليها فحصل من النبي ﷺ في الدنيا.
وقد أمر الله النبي ﷺ الترقي في مراتب التوحيد بقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه﴾ [محمد: ١٩] فإنه ليس أمرًا بتحصيل ذلك العلم؛ لأنه عالم بذلك، ولا بالثبات؛ لأنه معصوم، فتعيِّن أنه يكون للترقي في مراتبه ومقاماته، إشارة إلى أنَّ العلم به تعالى, والسير إليه لا نهاية له أبدًا، فجميع العلوم الحقيقية والمعارف اليقينية في العالم منتظم في سلك تحقيقها، وستثمر من أفنان طواياها، ولذا
стр. 5546
اكتفى بعلمها له ﷺ في الآية, فالشأن كله في تصحيح التوحيد وتجريده وتكميله، وقد قال تعالى له ﵊: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّك﴾ [المزمل: ٨] وقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥] ؛ لأنه لا بُدَّ في أول السلوك من الذكر باللسان مدةً, ثم يزول الاسم ويبقى المسمَّى، فالدرجة الأولى هي المرادة بقوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّك﴾ [المزمل: ٨] والمرتبة الثانية هي المرادة بقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّك﴾ ، وفي استيفاء مباحث ذلك طول يخرج عن الغرض، وقد تقدَّم جملة من أذكاره مفرَّقة في الوضوء والصلاة والحج وغير ذلك.
وقد كان ﷺ يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة. كما رواه عنه أبو هريرة عند البخاري.
وظاهره أنَّه يطلب المغفرة، ويعزم على التوبة، ويحتمل أن يكون المراد: أنه ﷺ يقول هذا اللفظ بعينه، ويرجّح الثاني ما أخرجه النسائي بسند جيد من
стр. 5547
طريق مجاهد عن ابن عمر, أنه سمع النبي ﷺ يقول: "استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه" في المجلس قبل أن يقوم مائة مرة. وله من رواية محمد بن سوقة عن نافع عن ابن عمر بلفظ: إن كنَّا لنعد لرسول الله ﷺ في المجلس "رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور" مائة مرة.
ويحتمل أن يريد بقوله في حديث أبي هريرة "أكثر من سبعين مرة" المبالغة, ويحتمل أن يريد العدد بعينه، ولفظ "أكثر" مبهم، فيمكن أن يفسَّر بحديث ابن عمر المذكور، وأنه يبلغ المائة. وقد وقع في طريق أخرى عن أبي هريرة، من رواية معمر عن الزهري بلفظ: "إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة" لكن خالف معمر أصحاب الزهري في ذلك.
стр. 5548
نعم أخرج النسائي أيضًا من رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة بلفظ: "إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم مائة مرة".
وأخرج النسائي أيضًا من طريق عطاء، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ جمع الناس فقال: "يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة".
واستغفاره ﵊ تشريع لأمته، أو من ذنوبهم، وقيل غير ذلك، وتقدَّم ما ينتظم في سلك ذلك.
فإن قلت: ما كيفية استغفاره ﷺ ؟
فالجواب: إنه ورد في حديث شداد بن أوس، عند البخاري رفعه: سيد الاستغفار أن يقول: "اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على
стр. 5549
عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي, فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". قال: "من قالها من النهار موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل موقنًا بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة"، فتعيّن أن هذه الكيفية هي
стр. 5550
الأفضل، وهو ﷺ لا يترك الأفضل.
وأما قرءاته ﷺ وصفتها، فكانت مدًّا، يمد ب "بسم الله" ويمد بـ "الرحمن" ويمد بـ "الرحيم" رواه البخاري عن أنس.
стр. 5551
ونعتها أم سلمة: "قراءة مفسرة حرفًا حرفًا. رواه أبو داود والنسائي والترمذي.
وقالت أيضًا: كان ﷺ يقطع قراءته، يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثم يقف، ثم يقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم يقف. رواه الترمذي.
وقالت حفصة: كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها. رواه مسلم.
وقال البراء: كان يقرأ في العشاء ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ فما سمعت أحدًا
стр. 5552
أحسن صوتًا أو قراءة منه ﷺ . رواه الشيخان.
فقد كانت قراءته ﷺ ترتيلًا لا هذا ولا عجلة, بل قراءة مفسرة حرفًا حرفًا، وكان يقطع قراءته آية آية، وكان يمد عند حروف المد، وكان يتغنَّى بقراءته، ويرجع صوته بها أحيانًا، كما رجع يوم الفتح في قراءة ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ . وحكى عبد الله بن مغفل ترجيعه: آآآثلاث مرات، ذكره البخاري.
وإذا جمعت هذا الحديث إلى قوله: "زينوا القرآن بأصواتكم" وقوله: "ليس
стр. 5553
منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن"، وقوله: "ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الصوت يتغنَّى بالقرآن" أي: ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يتغنَّى بالقرآن يتلوه يجهر به، يقال منه: أذن يأذن أذانًا بالتحريك، علمت أن هذا الترجيع منه ﵊ كان اختيارًا، لا اضطرارًا لهز الناقة له، فإن هذا لو كان لأجل هز الناقة لما كان داخلًا تحت الاختيار، فلم يكن عبد الله بن مغفل يحكيه ويفعله اختيارًا ليتأسَّى به, وهو يرى هذا من هز الراحلة له حتى ينقطع صوته، ثم يقول: كان يرجّع في قراءته، فينسب "الترجيع إلى فعله، ولو كان من هز الراحلة لم يكن منه فعل يسمَّى ترجيعًا.
وقد استمع ﵊ ليلة لقراءة أبي موسى الأشعري، فلما أخبره
стр. 5554
بذلك قال: لو كنت أعلم أنك تسمعه لحبرته لك تحبيرًا. أي: حسنته وزينته بصوتي تزيينًا.
وهذا الحديث يرد على من قال: إن قوله: "زينوا القرآن بأصواتكم" من باب القلب, أي: زينوا أصواتكم بالقرآن، فإن القلب لا وجه له. قال ابن الأثير: ويؤيد ذلك تأييدًا لا شبهة فيه حديث ابن عباس: إن رسول الله ﷺ قال: "لكل شيء حلية، وحلية القرآن حسن الصوت"، والله أعلم.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة اختلافًا كثيرًا يطول ذكره، وفصل النزاع في ذلك أن يقال: إن التطريب والتغني على وجهين.
أحدهما: ما اقتضته الطبيعة وسمحت به من غير تكلّف ولا تمرين وتعليم.
بل إذا خلا في ذلك وطبعه، واسترسلت طبيعته، جاءت بذلك التطريب والتلحين،
стр. 5555
فهذا جائز, وإن أعانته طبيعته على فضل تزيين وتحسين، كما قال أبو موسى للنبي ﷺ : لو علمت أنك تسمع لحبَّرته لك تحبيرًا. والحزين ومن هاجه الطرب والحب والشوق لا يملك من نفسه دفع التحزين والتطيب في القراءة, ولكن النفوس تستجليه وتستملحه؛ لموافقة الطبع وعدم التكلف والتصنع، فهو مطبوع لا متطبع، وكلف لا متكلف، فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويسمعونه، وهو التغني المحمود، وهو الذي يتأثّر به التالي والسامع. والوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعة من الصنائع، ليس في الطباع السماحة به، بل لا يحصل إلا بتكلف وتصنع وتمرّن، كما يتعلّم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة والمركّبة على إيقاعات مخصوصة, وأوزان مخترعة لا تحصل إلّا بالتعلم والتكلف، فهذه هي التي كرهها السلف وعابوها وأنكروا القراءة بها
стр. 5556
وبهذا التفصيل يزول الاشتباه، ويتبيّن الصواب من غيره، وكل من له علم بأحوال السلف يعلم قطعًا أنهم برآء من القراءة بألحان الموسيقى المكلفة التي هي على إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنهم أتقى لله من أن يقرءوا بها ويسوغوها, ويعلم قطعًا أنهم كانوا يقرءون بالتحزين والتطريب، ويحسنون أصواتهم بالقرآن، ويقرءونه بسجاياهم تارةً، وتطريبًا أخرى، وهذا أمر في الطباع، ولم ينه عنه الشارع, مع شدة تقاضي الطباع له، بل أرشد إليه وندب إليه ﷺ ، وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به، وقال: "ليس منَّا مَنْ لم يتغنَّ بالقرآن" وليس المراد الاستغناء به عن غيره كما ظنه بعضهم، ولو كان كذلك لم يكن لذكر حسن الصوت والجهر به معنى. والمعروف في كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذي هو حسن الصوت بالترجيع، كما قال الشاعر:
تغن بالشعر أما كنت قائله ... إن الغناء لهذا الشعر مضمار
стр. 5557
وروى ابن أبي شيبة عن عقبة بن عامر مرفوعًا: "تعلموا القرآن وتغنّوا به واكتبوه" الحديث. والله أعلم.
وقد صح أنه ﷺ سمع أبا موسى الأشعري يقرأ فقال: "لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود" يعني: من مزامير داود نفسه، كما ذكره أهل المعاني، وفي طريق آخر كما تقدَّم, أن أبا موسى قال: يا رسول الله، لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرًا.
قال ابن المنير: فهذا يدل على أنه كان يستطيع أن يتلو أشجى من المزامير
стр. 5558
عند المبالغة في التحبير؛ لأنه قد تلا مثلها وما بلغ الحد، فكيف لو بلغ حد استطاعته.
وقد كان داود إذا أراد أن يتكلّم على بني إسرائيل يجوع سبعة أيام لا يأكل ولا يشرب ولا يأتي النساء، ثم يأمر سليمان فينادي في الضواحي والنواحي والآكام والأودية والجبال: إن داود يجلس يوم كذا، ثم يخرج له منبرًا إلى الصحراء، فيجلس عليه، وسليمان قائم على رأسه، فتأتي الإنس والجن والطير والوحش والهوام والعذارى والمخدرات يسمعون الذكر، فيأخذ في الثناء على الله بما هو أهله، فتموت طائفة من المستمعين، ثم يأخذ في النياحة على المذنبين فتموت طائفة، فإذا استجر الموت بالخلق قال له سليمان: يا نبي الله، قد استجر الموت بالناس، وقد مزقت المستمعين كل ممزق، فيخر داود مغشيًّا عليه، فيحمل على سريره إلى بيته، وينادي منادي سليمان: أيها الناس، من كان له مع داود قريب أو
стр. 5559
حميم فليخرج لافتقاده, فكانت المرأة تأتي بالسرير فتقف على زوجها أو أبيها أو أخيها، فتدخل به المدينة، فإذا أفاق داود في اليوم الثاني قال: يا سليمان, ما فعل عُبّاد بني إسرائيل؟ فيقول له سليمان: قد مات فلان وفلان وهلمَّ جرا. فيضع داود يده على رأسه وينوح ويقول: يا رب داود, أغضبان أنت على داود, حتى إنه لم يمت فيمن مات خوفًا منك أو شوقًا إليك؟ فلا يزال ذلك دأبه إلى المجلس الآخر، وأقام داود على ذلك ما شاء الله تعالى.
ولا يظنّ مما ذكرته من حال بني إسرائيل أنهم في ذلك أعلى من هذه الأمة، فأمَّا المزامير فحسبك ما ذكر من حال أبي موسى الأشعري ﵁، وأمَّا الموت من الموعظة شوقًا أو خوفًا فلنا فيه طريقان:
أحدهما: أن نقول: إن القوة التي أوتيتها هذه الأمة تقاوم الأحوال الواردة عليها فتتماسك الحياة، فلا تفنى القوة الجسمانية, بل القوة الروحانية والتأييدات الإلهية, فلفرط قوة هذه الأمة إن شاء الله تعالى تقارب عند سلفها الصالح ما بين حال سماع الموعظة وحال عدم سماعها؛ لتوالي أحوال الذكر وأطوار اليقين.
стр. 5560
وقد قال بعضهم: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينًا. فتماسك قوة السلف عند واردات الأحوال هو الذي فرَّق بينهم وبين مَنْ قبلهم. ألا ترى أن داود وسليمان -عليهما الصلاة والسلام, وهما أصحاب المزامير, لم يتَّفق لهما الموت كما اتفق لمن مات، وما ذلك من تقصيرهما في الخوف والشوق، ولكن من القوة الربانية التي أمدَّهما بها. ولا خلاف أن داود -عليه الصلاة السلام- وإن لم يمت من الذكر أفضل ممن مات من أمته، وأمَّا نوحه على كونه لم يمت فذلك من التواضع الذي يزيده شوقًا، لا من التقصير عن آحاد أمته، بل لارتفاعه عنهم درجات وزلفى، وإلى هذه القوة الإلهية أشار أبو بكر الصديق ﵁, وقد رأي إنسانًا يبكي من الموعظة فقال: هكذا كنّا حتى قست القلوب. عَبَّر عن القوة بالقسوة تواضعًا، ومرتبته بحمد الله محفوظة ومنزلته مرفوعة.
стр. 5561
والطريق الثاني أن نقول: قد روي ما لا يحصى كثرة عن هذه الأمة، مثل ما اتفق في مجلس داود ﵊ من موت المستمعين للذكر في مجلس السماع قديمًا وحديثًا، ولأبي إسحاق الثعلبي جزء في قتلى القرآن رويناه، وعندي من ذلك جملة أريد تدوينها, بل قد روي عن كثير من المريدين أنهم ماتوا بمجرَّد النظر إلى المشايخ، كما حكي أن مريدًا لأبي تراب التخشبي كان يتجلى له الحق تعالى في كل يوم مرات, فقال له أبو تراب: لو رأيت أبا يزيد البسطامي لرأيت أمرًا عظيمًا، فلمَّا ارتحل المريد مع شيخه أبي تراب النخشبي لأبي يزيد, ووقع بصر المريد عليه وقع ميتًا, فقال له أبو تراب: يا أبا يزيد نظرة منك قتلته، وقد كان يدعى رؤية الحق تعالى, فقال له أبو يزيد: قد كان صاحبك صادقًا، وكان
стр. 5562
الحقّ يتجلّى له على قدر مقامه، فلمَّا رآني تجلَّى له على قدر ما رأى، فلم يطق فمات.
واصطلاح أهل الطريق في التجلي معروف، وحاصله: رتبة من المعرفة جلية علية, ولم يكونوا يعنون بالتجلي رؤية البصر التي قيل فيها لموسى ﵊, على خصوصيته ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ والتي قيل فيها على العموم لا تدركه الأبصار, وإذا فهمت أنَّ مرادهم الذي أثبتوه غير المعنى الذي حصل منه الناس على اليأس في الدنيا، ووعد به الخواص في الآخرة، فلا ضير بعد ذلك عليك, ولا طريق لسوء الظن بالقوم إليك، والله متولي السرائر. انتهى.
وإذا علمت هذا, فاعلم أن السماع في طريق القوم معروف، وفي الجواذب إلى المحبة معدود موصوف، وقد نقل إباحته أبو طالب في "القوت" عن جماعة من الصحابة؛ كعبد الله بن جعفر، وابن الزبير، والمغيرة بن شعبة ومعاوية، وكذا عن
стр. 5563
الجنيد، والسري وذو النون، واحتجَّ له الغزالي في "الإحياء" بما يطول ذكره، خصوصًا في أوقات السرور المباحة، تأكيدًا له وتهييجًا، كعرس وقدوم غائب، ووليمة وعقيقة وحفظ القرآن، وختم درس وكتاب وتأليف.
وفي الصحيحين من حديث عائشة: إن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام مِنَى تدففان وتضربان، ورسول الله ﷺ متغشٍّ بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف ﷺ عن وجهه وقال: "دعهما يا أبا بكر, فإنها أيام عيد" , وفي رواية: دخل
стр. 5564
على رسول الله ﷺ , وعندي جاريتان تغنيان بغناء يوم بعاث -بضم الموحدة والعين المهملة آخره مثلثة- اسم حصن الأوس, وبالمعجمة تصحيف، أي: تنشدان الأشعار التي قيلت يوم بعاث، وهو حرب كان بين الأنصار، فاضطجع على الفراش وحوّل
стр. 5565
وجهه، فدخل أبو بكر فانتهرني وانتهر الجاريتين وقال: مزمارة الشيطان عند رسول الله ﷺ , فأقبل عليه ﷺ وقال: "دعهما".
واستدلَّ جماعة من الصوفية بهذا الحديث على إباحة الغناء وسماعه بآلة وبغير آلة.
وتعقب: بما في الحديث الآخر عند البخاري عن عائشة: "وليستا بمغنيتين" فنفت عنهما من طريق المعنى ما أثبتته لهما باللفظ؛ لأن الغناء يطلق على رفع الصوت وعلى الترنّم وعلى الحداء، ولا يسمَّى فاعله مغنيًّا، وإنما يسمَّى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسير وتهييج وتشويق لما فيه من تعريض بالفواحش أو تصريح.
قال القرطبي: قولها -يعني عائشة: "ليستا بمغنيتين" أي: ليستا ممن يعرف الغناء كما تعرفه المغنيات المعروفات بذلك. قال: وهذا منها تحرز عن الغناء
стр. 5566
المعتاد عند المشتهرين به، وهو الذي يحرّك الساكن، ويبعث الكامن، وهذا إذا كان في شعر فيه وصف محاسن النساء أو الخمر أو غيرهما من الأمور المحرَّمة لا يختلف في تحريمه. قال: وأمَّا ما ابتدعه الصوفية في ذلك فمن قبيل ما لا يختلف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير، حتى لقد ظهرت في كثير منهم فعلان المجانين والصبيان، حتى رقصوا بحركات متطابقة، وتقطيعات متلاحقة، وانتهى التواقح يقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القرب وصالح الأعمال، وأنَّ ذلك يثمر سني الأحوال، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة. انتهى.
والحق: إن السماع إذا وقع بصوت حسن، بشعر متضمِّن للصفات العلية أو
стр. 5567
النعوت النبوية المحمدية، عريًا عن الآلات المحرمة، والحظوظ الخبيثة الغبية، والشبه الدنية، وأثار كامن المحبة الشريفة العلية، وضبط السامع نفسه ما أمكنه؛ بحيث لا يرفع صوته بالبكاء، ولا يظهر التواجد وهو يقدر على ضبط نفسه ما أمكنه, مع العلم بما يجب لله ورسوله, ويستحيل لئلّا ينزل ما يسمعه على ما لا يليق، كان من الحسن في غاية، ولتمام تزكية النفس نهاية. نعم تركه والاشتغال بما هو أعلى أسلم لخوف الشبهة، وللخروج من الخلاف إلّا نادرًا.
وقد نقل عن الإمام الشافعي ومالك وأبي حنيفة وجماعة من العلماء ألفاظ تدل على التحريم، ولعلَّ مرادهم ما كان فيه تهييج شيطاني، وإذا كان النظر في السماع باعتبار تأثيره في القلوب، لم يجز أن يحكم فيه مطلقًا بإباحة ولا تحريم، بل يختلف ذلك بالأشخاص، واختلاف طرق النغمات، فحكمه حكم ما في القلب، وهو لمن يرتقي بربه ترقية مثير للكامن في النفوس من الأزل، حين خاطبنا الحق تعالى بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُم﴾ فما كان في القلب من رقة ووجد وحقيقة
стр. 5568
فهو من حلاوة ذلك الخطاب، والأعضاء كلها ناطقة بذكره، مستطيبة لاسمه، فالسماع من أكبر مصايد النفوس، وإذا اقترن بألحانه المناسبة، وكان الشعر متضمنًا لذكر المحبوب الحق، برز الكامن وذاعت الأسرار, سيما في أرباب البدايات.
وقد شوهد تأثير السماع حتى في الحيوانات الغير الناطقة من الطيور والبهائم, فقد شوهد تدلي الطيور من الأغصان على أولي النغمات الفائقة والألحان الرائقة، وهذا الجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثيرًا يستخفّ معه الأحمال الثقيلة، ويستقصر لقوة نشاطه في سماعه المسافة الطويلة، وينبعث فيه من النشاط ما يسكره ويولهه، فتراه إذا طالت عليه البوادي، وأعياه الإعياء تحت الحِمل, إذا سمع منادي الحداء يمد عنقه, ويصغى سمعه إلى الحادي، ويسرع في سيره، وربما أتلف نفسه في شدة السير وثقل الحمل، وهو لا يشعر بذلك لنشاطه.
وقد حكي مما ذكره في "الإحياء" عن أبي بكر الدينوري: أن عبدًا أسود قتل جمالًا كثيرة بطيب نغمته إذا حداها، وكانت محملة أحمالًا ثقيلة، فقطعت مسيرة ثلاثة أيام في ليلة واحدة، وأنه حدا على جمل غيرها بحضرته، فهام الجمل
стр. 5569
وقطع حباله, وحصل له ما غيبه عن حَسِّه، حتى خَرَّ لوجهه.
فتأثير السماع محسوس، ومن لم يحركه فهو فاسد المزاج، بعيد العلاج، زائد في غلظ الطبع وكثافته على الجمال. وإذا كانت هذه البهائم تتأثَّر بالنغمات، فتأثير النفوس النفسانية أَوْلى. وقد قال:
نعم لولاك ما ذكر العقيق ... ولا جابت له الفلوات نوق
نعم أسعى إليك على جفوني ... تداني الحي أو بعد الطريق
إذا كانت تحنّ لك المطايا ... فماذا يفعل النصب المشوق
فزبدة السماع تلطيف السر، ومن ثَمَّ وضع العارف الكبير سيدي علي الوفوي حزبه المشهور على الألحان والأوزان اللطيفة، تنشيطًا لقلوب المريدين وترويحًا لأسرار السالكين، فإن النفوس -كما قدمناه- لها حظ من الألحان، فإذا قيلت هذه الواردات السنية الفائضة من الموارد النبوية المحمَّدية بهذه الأنغام الفائقة والأوزان الرائقة، بشربتها العروق، وأخذ كل عضو نصيبه من ذلك المدد الوفوي المحمدي، فأثمرت شجرة خطاب الأزل بما سقيته من موارد هذه اللطائف
стр. 5570
عوارف المعارف.
تنبيه: زعم بعضهم أن السماع أدعى للوجد من التلاوة وأظهر تأثيرًا.
والحجة في ذلك: إن جلال القرآن لا تحتمله القوى البشرية المحدثة، ولا تحتمله صفاتها المخلوقة، ولو كشف للقلوب ذرة من معناه لدهشت وتصدَّعت وتحيِّرت، والألحان مناسبة للطباع بنسبة الحظوظ لا نسبة الحقوق، والشعر نسبته بنسبة الحظوظ، فإذا علقت الأشجان والأصوات بما في الأبيات من الإشارات واللطائف، شاكل بعضها بعضًا, فكان أقرب إلى الحظوظ النفسانية, وأخف على القلوب بمشاكلة المخلوق. قاله أبو نصر السراج.