طلحة عن عائشة قالت: ما رأيت أحدًا أشبه سمتًا وهديًا ودلًّا برسول الله ﷺ في قيامها وقعودها من فاطمة. وكانت إذا دخلت على النبي ﷺ قام إليها وقبَّلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها فعلت ذلك، فلمَّا مرض دخلت عليه فأكبَّت عليه قبلته.
واتفقت الروايتان على أنَّ الذي سارَّها به أولًا فبكت، هو إعلامه إياها بأنه يموت من مرضه ذلك، واختلفا فيما سارَّها به فضحكت، ففي رواية عروة أنه: إخباره إياها بأنها أوّل أهله لحوقًا به، وفي رواية مسروق أنه: إخباره إياها أنها سيدة نساء أهل الجنة. وجعل كونها أوّل أهله لحوقًا به مضمومًا إلى الأوّل، وهو الراجح، فإن حديث مسروق يشتمل على زيادات ليست في حديث عروة، وهو من الثقات الضابطين.
ومما زاده مسروق: قول عائشة: ما رأيت كاليوم فرحًا أقرب من حزن، فسألتها، عن ذلك فقالت: ما كنت لأفشي سرَّ رسول الله ﷺ حتى توفي
стр. 5602
فسألتها فقالت: أسرَّ إلي "أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وأنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي، وأنك أوّل أهل بيتي لحاقًا بي".
وفي رواية عائشة بنت طلحة من الزيادة: إن عائشة لما رأت بكاها وضحكها قالت: إن كنت لأظن أن هذه المرأة من أعقل النساء، فإذا هي من النساء.
ويحتمل تعدد القصة.
وفي رواية عروة الجزم أنه ميت من وجعه ذلك, بخلاف رواية مسروق, ففيها أنه ظنّ ذلك بطريق الاستنباط مما ذكره من معارضة القرآن.
وقد يقال: لا منافاة بين الخبرين إلا بالزيادة, ولا يمتنع أن يكون إخباره بكونها أوّل أهله لحوقًا به سببًا لبكائها ولضحكها معًا باعتبارين، فذكر كل من الراويين ما لم يذكر الآخر.
стр. 5603
وقد روى النسائي من طريق أبي سلمة عن عائشة في سبب البكاء أنه ميت، وفي سبب الضحك الأمرين الأخيرين.
ولابن سعد من رواية أبي سلمة عنها: إن سبب البكاء موته، وسبب الضحك لحاقها به.
وعند الطبراني -من وجه آخر- عن عائشة, أنه قال لفاطمة: "إن جبريل أخبرني أنه ليس امرأة من نساء المؤمنين أعظم رزية منك، فلا تكوني أدنى امرأة منهن صبرًا".
وفي الحديث: إخباره ﷺ بما سيقع، فوقع كما قال ﷺ ، فإنّهم اتفقوا على أنَّ فاطمة ﵂ كانت أوّل من مات من أهل بيت النبي ﷺ بعده، حتى من أزواجه ﵊.
وقد كان ﷺ من شدة وجعه يغمى عليه في مرضه ثم يفيق، وأغمي عليه مرة فظنّوا أن وجعه ذات الجنب فلدوه، فجعل يشير إليهم أن لا يلدوه، فقالوا:
стр. 5604
كراهية المريض للدواء، فلمَّا أفاق قال: "ألم أنهكم أن تلدوني؟ " فقالوا: كراهية المريض للدواء، فقال: "لا يبقى أحد في البيت إلّا لد وأنا أنظر إلا العباس فإنه لم يشهدكم" رواه البخاري.
واللدود هو ما يجعل في جانب الفم من الدواء، فأمَّا ما يصب في الحلق فيقال له: الوجور.
وفي الطبراني من حديث العباس: إنهم أذابوا قسطًا بزيت ولدّوه به.
وفي قوله: "لا يبقى أحد في البيت إلا لد" ... إلخ مشروعية القصاص فيما يصاب به الإنسان، وفيه نظر؛ لأن الجميع لم يتعاطوا ذلك، وإنما فعل بهم ذلك عقوبة لهم؛ لتركهم امتثال نهيه عمَّا نهاهم عنه. قال ابن العربي: أراد أن لا يأتوا يوم
стр. 5605
القيامة وعليهم حقه, فيقعوا في خطيئة عظيمة, وتعقَّب بأنه كان يمكن أن يقع العفو؛ ولأنه كان لا ينتقم لنفسه، والذي يظهر أنه أراد بذلك تأديبهم لئلَّا يعودوا، فكان ذلك تأديبًا لا اقتصاصًا ولا انتقامًا.
قيل: وإنما كره اللدود مع أنه كان يتداوى؛ لأنه تحقق أنه يموت في مرضه، ومن تحقق ذلك كره له التداوي.
قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، والذي يظهر أنَّ ذلك كان قبل التخيير والتحقيق، وإنما أنكر التداوي لأنه كان غير ملائم لدائه؛ لأنهم ظنوا أن به ذات الجنب, فداووه بما يلائمها، ولم يكن فيه ذلك، كما هو ظاهر في سياق الخبر.
وعند ابن سعد قال: كانت تأخذ رسول الله ﷺ الخاصرة، فاشتدت به, فأغمي عليه، فلددناه، فلمَّا أفاق قال: "كنتم ترون أن الله يسلط علي ذات الجنب، ما كان الله ليجعل لها عليّ سلطانًا، والله لا يبقى أحد في البيت إلا لد"، فما بقي أحد في البيت إلا لد، ولددنا ميمونة وهي صائمة.
стр. 5606
وروى أبو يعلي -بسند ضعيف فيه ابن لهيعة- من وجه آخر عن عائشة: إنه ﷺ مات من ذات الجنب.
وجمع بينهما: بأنَّ ذات الجنب تطلق بإزاء مرضين: أحدهما ورم حارّ يعرض في الغشاء المستبطن، والآخر ريح محتقن بين الأضلاع، فالأوّل هو المنفي هنا. وقد وقع في رواية الحاكم في المستدرك: ذات الجنب من الشيطان، والثاني هو ما أثبت هنا, وليس فيه محذور كالأوّل.
وفي حديث ابن عباس عند البخاري: لما حضر رسول الله ﷺ , وفي البيت رجال، فقال النبي ﷺ : "هلموا أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده"، فقال بعضهم:
стр. 5607
إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله, فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك، فلمَّا أكثروا اللغو والاختلاف، قال رسول الله ﷺ : "قوموا عني" قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ , وبين أن يكتب ذلك لاختلافهم ولغطهم.
قال المازري: إنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب, مع صريح أمره لهم بذلك؛ لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب، فكأنَّه ظهرت منه قرينة دلّت على أنَّ الأمر ليس على التحتم، بل على الاختيار، فاختُلِفَ اجتهادهم،
стр. 5608
وصمَّم عمر على الامتناع لما قام عنده من القرائن بأنه ﷺ قال ذلك عن غير قصد جازم.
وقال النووي: اتفق العلماء على أن قول عمر: "حسبنا كتاب الله" من قوة فقهه ودقيق نظره؛ لأنه خشي أن يكتب أمورًا ربما عزوا عنها, فيستحقوا العقوبة لكونها منصوصة، وأراد أن لا يسد باب الاجتهاد على العلماء، وفي تركه ﷺ الإنكار على عمر إشارةً إلى تصويبه، وأشار بقوله: "حسبنا كتاب الله" إلى قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ [الأنعام: ٣٨] ، ولا يعارض ذلك قول ابن عباس: "إن الرزية.. إلخ"؛ لأن عمر كان أفقه منه قطعًا، ولا يقال: إن ابن عباس لم يكتف بالقرآن مع أنه حبر القرآن، وأعلم الناس بتفسيره وتأويله، ولكنه قال أسفًا على
стр. 5609
ما فاته من البيان بالتنصيص عليه؛ لكونه أَوْلَى من الاستنباط، والله أعلم.
ولما اشتدَّ به ﷺ وجعه قال: "مروا أبا بكر فليصلّ بالناس"، فقالت له عائشة: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قام مقامك لا يسمع الناس من البكاء، قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" , فعاودته بمثل مقالتها، فقال: "إنكن صواحبات يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس". رواه الشيخان وأبو حاتم واللفظ له.
وفي رواية: إن أبا بكر رجل أسيف.
وفي حديث عروة عن عائشة عند البخاري: فمر عمر فليصلّ بالناس، فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس"، قالت: قلت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصلّ بالناس، ففعلت حفصة، فقال:"
стр. 5610
صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس"، فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرًا.
والأسيف: بوزن فعيل، وهو بمعنى فاعل, من الأسف وهو شدة الحزن، والمراد به هنا: رقيق القلب.
ولابن حبان من رواية عاصم عن شقيق عن مسروق عن عاشة في هذا الحديث: قال عاصم: والأسيف الرقيق الرحيم، وصواحب: جمع صاحبة، والمراد: إنهن مثل صواحب يوسف في إظهار خلاف ما في الباطن.
ثم إنَّ هذا الخطاب وإن كان بلفظ الجمع، فالمراد به واحدة وهي عائشة, ووجه المشابهة بينهما في ذلك أنَّ زليخا استدعت النسوة وأظهرت لهنّ الإكرام بالضيافة، ومرادها الزيادة على ذلك, وهو أن ينظرن إلى حسن يوسف ﵊ ويعذرنها في محبته، وإن عائشة أظهرت أنّ سبب إرادتها صرف الإمامة
стр. 5611
عن أبيها؛ لكونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه. ومرادها زيادة على ذلك: وهو أن لا يتشاءم الناس به، وقد صرَّحت هي بذلك، كما عند البخاري في باب وفاته ﵊, فقالت: لقد راجعته وما حملني على كثرة مراجعته إلّا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلًا قام مقامه أبدًا. وأن لا كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلّا تشاءم الناس به.
ونقل الدمياطي: إن الصديق صلى بالناس سبع عشرة صلاة.
وقد ذكر الفاكهي في "الفجر المنير" مما عزاه لسيف ابن عمر في كتاب
стр. 5612
"الفتوح" أنَّ الأنصار لما رأوا رسول الله ﷺ يزداد وجعًا، أطافوا بالمسجد، فدخل العباس, فأعلمه ﵊ بمكانهم وإشفاقهم، ثم دخل عليه الفضل فأعلمه بمثل ذلك، ثم دخل عليه علي بن أبي طالب كذلك. فخرج ﷺ متوكئًا على عليّ والفضل, والعباس أمامه، والنبي ﷺ معصوب الرأس يخطّ برجليه، حتى جلس على أسفل مرقاة من المنبر, وثار الناس إليه، فحمد الله وأثنى عليه وقال: "يا أيها الناس، بلغني أنكم تخافون من موت نبيكم، هل خُلِّدَ نبي قبلي فيمن بعث إليه فأخلد فيكم؟ ألَا إني لاحق بربي، وإنكم لاحقون به، فأوصيكم بالمهاجرين الأوَّلين خيرًا، وأوصى المهاجرين فيما بينهم، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ إلى آخرها, وإنَّ الأمور تجري بإذن الله، ولا يحمّلنكم استبطاء أمر على استعجاله، فإنَّ الله لا يعجل بعجلة أحد، ومن غالب الله غلبه، ومن خادع الله خدعه، ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ
стр. 5613
وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] ، "وأوصيكم بالأنصار خيرًا، فإنهم الذين تبوّءوا الدار والإيمان من قبلكم, أن تحسنوا إليهم، ألم يشاطروكم في الثمار؟ ألم يوسّعوا لكم في الديار؟ ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم الخصاصة؟ ألا فمن ولي أن يحكم بين رجلين فليقبل من محسنهم, وليتجاوز عن مسيئهم، ألا ولا تستأثروا عليهم، ألا وإني فرط لكم، وأنتم لاحقون بي، ألا وإن موعدكم الحوض، ألا فمن أحب أن يرده عليَّ غدًا فيلكفف يده ولسانه إلا فيما ينبغي، يا أيها الناس, إن الذنوب تغيّر النعم، وتبدّل القِسَم، فإذا بَرَّ الناس برَّهم أئتمتهم, وإذا فجر الناس
стр. 5614
عقوهم".
وفي حديث أنس عند البخاري قال: مَرَّ أبو بكر والعبّاس بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون, فقال: ما يبكيكم؟ فقالوا: ذكرنا مجلس النبي ﷺ منَّا، فدخل أحدهما على النبي ﷺ فأخبره بذلك، فخرج النبي ﷺ , وقد عصب على رأسه حاشية برد، فصعد المنبر -ولم يصعده بعد ذلك اليوم, فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم, وتجاوزوا عن مسيئهم".
стр. 5615
وقوله: "كرشي وعيبتي" , أي: موضع سري, أراد أنهم بطانته وموضع أمانته، والذين يعتمد عليهم في أموره. واستعار الكرش والعيبة لذلك؛ لأن المجتر يجمع علفه في كرشه، والرجل يجمع ثيابه في عيبته، وقيل: أراد بالكرش الجماعة، أي: جماعتي وصحابتي. يقال: عليه كرش من الناس، أي: جماعة، قاله في النهاية.
وذكره الواحدي بسندٍ وصله لعبد الله بن مسعود قال: نعى لنا رسول الله ﷺ نفسه قبل موته بشهر، فلمَّا دنا الفراق جمعنا في بيت عائشة فقال: "حياكم الله بالسلام، رحمكم الله، جبركم الله، رزقكم الله، نصركم الله، رفعكم الله، آواكم الله، أوصيكم بتقوى الله، وأستخلفه عليكم، وأحذركم الله، إني لكم منه نذير مبين، أن لا تعلوا على الله في بلاده وعباده, فإنه قال لي ولكم: ﴿تلك الدار
стр. 5616
الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] ، وقال: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] قلنا: يا رسول الله، متى أجلك؟ قال: "دنا الفراق، والمنقلب إلى الله , وإلى جنة المأوى"، قلنا: يا رسول الله، من يغسّلك؟ قال: "رجال أهل بيتي الأدنى فالأدنى"، قلنا: يا رسول الله، فيم نكفنك؟ قال: "في ثيابي هذه, وإن شئتم في بياض ثياب مصر، أو حلة يمنية"، قلنا: يا رسول الله، من يصلي عليك؟ قال: "إذا أنتم غسَّلتموني وكفَّنتموني, فضعوني على سرير هذا على شفير قبري، ثم اخرجوا عني ساعة، فإن أوّل من يصلي عليّ جبريل, ثم ميكائيل, ثم إسرافيل, ثم ملك الموت ومعه جنود من الملائكة، ثم ادخلوا عليّ فوجًا فوجًا، فصلوا علي وسلموا تسليمًا، وليبدأ بالصلاة عليَّ رجال أهل بيتي، ثم نسائهم، ثم أنتم, وأقرءوا السلام على من غاب من أصحابي ومن تبعني على
стр. 5617
ديني"، من يومي هذا إلى يوم القيامة، قلنا: يا رسول الله، من يدخلك قبرك؟ قال: "أهلي مع ملائكة ربي". وكذا رواه الطبراني في "الدعاء" وهو واهٍ جدًّا.
وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ وهو صحيح يقول: "إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يحيا أو يخيّر" , فلمَّا اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذي غشي عليه، فلمَّا أفاق شخص بصره نحو سقف البيت, ثم قال: "اللهم في الرفيق الأعلى"، فقلت: إذًا لا يختارنا، فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا وهو صحيح.
وفي رواية: إنها أصغت إليه قبل أن يموت، وهو مستند إلى ظهره يقول:
стр. 5618
"اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى" , رواه البخاري من طريق الزهري عن عروة.
وما فهمته عائشة من قوله ﵊: "اللهم في الرفيق الأعلى" أنه خُيِّرَ، نظير فهم أبيها ﵁ من قوله ﵊: "إن عبدًا خَيِّرَه الله ما بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده" , أنَّ العبد المراد هو النبي ﷺ كما قدَّمته. ذكره الحافظ ابن حجر.
وعند أحمد من طريق المطّلب بن عبد الله عن عائشة: "أن النبي ﷺ كان يقول: "ما من نبي يقبض إلا يرى الثواب ثم يخيِّر".
ولأحمد أيضًا، من حديث أبي مويهة قال: قال لي رسول الله ﷺ : "أوتيت مفاتيح خزائن الأرض والخلد, ثم الجنة، فخُيِّرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة, فاخترت
стр. 5619
لقاء ربي والجنة".
وعند عبد الرزاق من مرسل طاوس، رفعه: "خيرت بين أن أبقى حتى أرى ما يفتح على أمتي وبين التعجيل فاخترت التعجيل".
وفي رواية أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه عند النسائي، وصحَّحه ابن حبان، فقال: "أسأل الله الرفيق الأعلى الأسعد مع جبريل وميكائيل وإسرافيل".
وظاهره أنَّ الرفيق: المكان الذي تحصل فيه المرافقة مع المذكورين، وقال ابن الأثير في "النهاية" الرفيق" جماعة الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين، وقيل: المراد به الله تعالى, يقال: الله رفيق بعباده من الرفق والرأفة، انتهى، وقيل: المراد
стр. 5620
به: حظيرة القدس.
وفي كتاب "روضة التعريف بالحب الشريف": لما تجلَّى له الحق ضعفت العلاقة بينه وبين المحسوسات, والحظوظ الضرورية من أداني معاني الترقيات البشرية، فكانت أحواله في زيادة الترقي، ولذلك روي أنه ﵊ قال: "كلّ يوم لا أزداد فيه قربًا من الله فلا بورك لي في طلوع شمسه". وكلما فارق مقامًا واتصل بما هو أعلى منه لمح الأوّل بعين النقص، وسار على ظهر المحبّة، ونعمت المطية لقطع هذه المراحل والمقامات والأحوال، والسفر إلى حضرة ذي الجلال، والاتّصال بالمحبوب الذي كل شيء هالك إلا وجهه.
стр. 5621
قال السهيلي: الحكمة في اختتام كلامه ﷺ بهذه الكلمة، كونها تتضمّن التوحيد والذكر بالقلب، حتى يستفاد منها الرخصة لغيره أنّه لا يشترط أن يكون الذكر باللسان؛ لأن بعض الناس قد يمنعه من النطق مانع، فلا يضره ذلك إذا كان قلبه عامرًا بالذكر، انتهى ملخصًا.
قال الحافظ ابن رجب: وقد روي ما يدل على أنه قُبِضَ ثم رأى مقعده من الجنة, ثم رُدَّت إليه نفسه, ثم خُيِّر. ففي المسند قالت -يعني: عائشة: كان النبي ﷺ يقول: "ما من نبي إلّا تقبض نفسه ثم يرى الثواب, ثم ترد إليه نفسه, فيخير بين أن تُرَدّ إليه إلى أن يلحق" فكنت قد حفظت ذلك عنه، وإني لمسندته إلى صدري، فنظرت إليه حين مالت عنقه، فقلت: قضى، قالت: فعرفت الذي قال، فنظرت إليه حين ارتفع ونظر، فقلت: إذًا والله لا يختارنا، فقال: "مع الرفيق الأعلى
стр. 5622
والصالحين وحسن أولئك رفيقًا".
وفي البخاري من حديث عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ وهو صحيح - يقول: "إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يحيا أو يخيّر" فلما اشتكى وحضره القبض, ورأسه على فخذ عائشة, غُشِّيَ عليه، فلمَّا أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال: "اللهم في الرفيق الأعلى".
ونبَّه السهيلي على أنه النكتة في الإتيان بهذه الكلمة بالإفراد، الإشارة إلى أنَّ أهل الجنة يدخلونها على قلب رجل واحد.
стр. 5623
وفي صحيح ابن حبان عنها قالت: أغمي على رسول الله ﷺ , ورأسه في حجري. فجعلت أمسحه وأدعو له بالشفاء، فلمَّا أفاق قال: "أسال الله الرفيق الأعلى مع جبريل وميكائيل وإسرافيل".
ولما احتضر ﷺ اشتدَّ به الأمر، قالت عائشة: ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على النبي ﷺ ، قالت: وكان عنده قدح من ماء، فيدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ويقول: "اللهم أعنِّى على سكرات الموت".
وفي رواية: فجعل يقول: "لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات".
قال بعض العلماء: فيه أنَّ ذلك من شدة الآلام والأوجاع لرفعة منزلته.
وقال الشيخ أبو محمد المرجاني: تلك السكرات سكرات الطرب، ألا ترى إلى قول بلال حين قال له أهله وهو في السياق: وا حرباه، ففتح عينيه وقال:
стр. 5624
وا طرباه، غدًا ألقى الأحبَّة محمدًا وصحبه، فإذا كان هذا طربه, وهو في هذا الحال بلقاء محبوبه وهو النبي ﷺ وحزبه، فما بالك بلقاء النبي ﷺ لربه تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وهذا موضع تقصر العبارة عن وصف بعضه.
وفي حديث مرسل ذكره الحافظ ابن رجب: أنه ﷺ قال: "اللهم إنك تأخذ الروح من بين العصب والأنامل والقصب، فأعنِّي عليه وهوّنه عليّ".
وعند الإمام أحمد والترمذي من طريق القاسم عنها قالت: ورأيته وعنده قدح فيه ماء وهو يموت، فيدخل يده في القدح, ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: "اللهم أعنِّى على سكرات الموت".
стр. 5625
ولما غشَّاه الكرب، قالت فاطمة ﵂: وا كرب أبتاه، فقال لها: "لا كرب على أبيك بعد اليوم" رواه البخاري.
قال الخطابي: زعم من لا يُعَدّ من أهل العلم أن المراد بقوله ﵊: "لا كرب على أبيك بعد اليوم" أنَّ كربه كان شفقة على أمته, لما علم من وقوع الاختلاف والفتن بعده، وهذا ليس بشيء؛ لأنه كان يلزم أن تنقطع شفقته على أمته بموته، والواقع أنها باقية إلى يوم القيامة؛ لأنه مبعوث إلى مَن جاء بعده، وأعمالهم تعرض عليه، وإنما الكلام على ظاهره، وأنَّ المراد بالكرب ما كان يجده ﵊ من شدة الموت، وكان فيما يصيب جسده من الآلام كالبشر؛ ليتضاعف له الأجر. انتهى.
وروى ابن ماجه: أنه ﷺ قال لفاطمة: "إنه حضر من أبيك ما الله تعالى بتارك منه أحدًا لموافاة يوم القيامة".
стр. 5626
وفي البخاري من حديث أنس بن مالك: إنَّ المسلمين بينما هم في صلاة الفجر من يوم الاثنين، وأبو بكر يصلي بهم, لم يفجأهم إلّا رسول الله ﷺ قد كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة, ثم تبسَّم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله ﷺ يريد أن يخرج إلى الصلاة, قال أنس: وهَمَّ المسلمون أن يفتنوا في صلاتهم فرحًا برسول الله ﷺ , فأشار إليهم بيده ﷺ أن أتموا صلاتكم, ثم دخل الحجرة وأرخى الستر.
стр. 5627
وفي رواية أبي اليمان عن شعيب، عند البخاري، في "الصلاة": فتوفي من يومه ذلك. وكذا في رواية معمر عنده أيضًا في حديث أنس: لم يخرج إلينا ﷺ ثلاثًا، فأقيمت الصلاة، فذهب أبو بكر يتقدَّم، فقال: نبي الله ﷺ بالحجاب, فرفعه، فلمَّا وضح لنا وجه رسول الله ﷺ , ما نظرنا منظرًا كان أعجب إلينا من وجه رسول الله ﷺ حين وضح لنا، قال: فأومأ رسول الله ﷺ إلى أبي بكر أن يتقدَّم وأرخى الحجاب. الحديث رواه الشيخان.
وعنه أنَّ أبا بكر كان يصلي بهم في وجع النبي ﷺ الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين، وهم صفوف في الصلاة، كشف رسول الله ﷺ ستر الحجرة،
стр. 5628
فنظرنا إليه وهو قائم، كأنَّ وجهه ورقة مصحف مثلث الميم، ثم تبسَّم ﷺ ضاحكًا. الحديث رواه مسلم.
وقد جزم موسى بن عقبة عن ابن شهاب، أنه ﷺ مات حين زاغت الشمس، وكذا لأبي الأسود عن عروة.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: لما بقي من أجل رسول الله ﷺ ثلاث، نزل عليه جبريل فقال: يا محمد, إن الله قد أرسلني إليك إكرامًا لك، وتفضيلًا لك، وخاصَّة لك، يسألك عمَّا هو أعلم به منك يقول: كيف تجدك؟ فقال: "أجدني يا جبريل مغمومًا، وأجدني يا جبريل مكروبًا"، ثم أتاه في اليوم الثاني فقال له مثل ذلك، ثم جاءه في اليوم الثالث فقال له مثل ذلك، ثم استأذن فيه ملك
стр. 5629
الموت فقال جبريل: يا محمد، هذا ملك الموت يستأذن عليك، ولم يستأذن على آدمي قبلك، ولا يستأذن على آدمي بعدك، قال: "ائذن له"، فدخل ملك الموت, فوقف بين يديه فقال: يا رسول الله، إن الله أرسلني إليك, وأمرني أن أطيعك في كل ما تأمر، إن أمرتني أن أقبض روحك قبضتها، وإن أمرتني أن أتركها تركتها، فقال جبريل: يا محمد، إن الله قد اشتاق إلى لقائك، قال ﷺ : "فامض يا ملك الموت لما أمرت به"، فقال جبريل: يا رسول الله، هذا آخر موطئي من الأرض، إنما كنت حاجتي من الدنيا, فقبض روحه، فلمَّا توفي ﷺ وجاءت
стр. 5630
التعزية, سمعوا صوتًا من ناحية البيت: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إن في الله عزاء من كل مصيبة, وخلفًا من كل هالك، ودركًا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإنما المصاب من حرم الثواب, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فقال عليّ: أتدرون من هذا؟ هو الخضر ﵇. رواه البيهقي في دلائل النبوة.
وفي تخريج أحاديث الإحياء للحافظ العراقي, وذكر التعزية المذكورة عن ابن عمر، مما ذكره في الإحياء, وأن النووي أنكر وجود الحديث المذكور في كتب الحديث، وقال: إنما ذكره الأصحاب, ثم قال العراقي: قد رواه الحاكم في المستدرك من حديث أنس ولم يصحّحه، ولا يصح.
ورواه ابن أبي الدنيا عن أنس أيضًا قال: لما قبض رسول الله ﷺ اجتمع
стр. 5631
أصحابه حوله يبكون، فدخل عليهم رجل طويل شعر المنكبين في إزار ورداء، يتخطَّى أصحاب رسول الله ﷺ , حتى أخذ بعضادتي باب البيت, فبكى على رسول الله ﷺ ، ثم أقبل على أصحابه فقال: إن في الله عزاء من كل مصيبة، وعوضًا من كل فانٍ. الحديث. وفيه: ثم ذهب الرجل، فقال أبو بكر: عليَّ بالرجل، فنظروا يمينًا وشمالًا فلم يروا أحدًا، فقال أبو بكر: لعلَّ هذا الخضر جاء يعزينا. ورواه ابن أبي الدنيا أيضًا من حديث علي بن أبي طالب، وفيه محمد بن جعفر الصادق، تكلم فيه، وفيه انقطاع بين علي بن الحسين وبين جده علي، والمعروف عن علي بن الحسين مرسلًا من غير ذكر علي، كما رواه الشافعي في الأم, وليس فيه ذكر للخَضِر ﵇.
قال البيهقي: قوله: إن الله اشتاق إلى لقائك، معناه: قد أراد لقاءك بأن يردّك من دنياك إلى معادك زيادة في قربك وكرامتك.
стр. 5632
وأخرج الطبراني من حديث ابن عباس قال: جاء ملك الموت إلى النبي ﷺ في مرضه ورأسه في حجر علي، فاستأذن فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال له: ارجع فإنَّا مشاغيل عنك، فقال ﷺ : "هذا ملك الموت, ادخل راشدًا" فلمَّا دخل قال: إن ربك يقرئك السلام, فبلغني أن ملك الموت لم يسلم على أهل بيت قبله ولا يسلم بعده.
وقالت عائشة: توفي في بيتي، وفي يومي, وبين سحري ونحري، وفي رواية: بين حاقنتي وذاقنتي. رواه البخاري.
والحاقنة: بالحاء المهملة والقاف والنون: أسفل من الذقن.
والذاقنة: طرف الحلقوم.
والسحر: بفتح السين وسكون الحاء المهملتين، وهو الصدر. والنحر: بفتح
стр. 5633
النون وسكون الحاء المهملة.
والمراد: أنه ﷺ توفي ورأسه بين عنقها وصدرها.
وهذا لا يعارضه ما أخرجه الحاكم وابن سعد من طرق: أنه ﷺ مات ورأسه في حجر عليّ؛ لأن كل طريق منها -كما قال الحافظ ابن حجر- لا يخلو عن شيء، فلا يلتفت لذلك والله أعلم.
стр. 5634
قال السهيلي: وجدت في بعض كتب الواقدي: إن أول كلمة تكلم بها النبي ﷺ وهو مسترضع عند حليمة: "الله أكبر" , وآخر كلمة تكلم بها: "في الرفيق الأعلى".
وروى الحاكم من حديث أنس قال: "إن آخر ما تكلّم به النبي ﷺ : "جلال ربي الرفيع".
ولما توفي ﷺ كان أبو بكر غائبًا بالنسخ -يعني: العالية, عند زوجته بنت خارجة- وكان ﷺ قد أذن له في الذهاب إليهما، فسلَّ عمر بن الخطاب سيفه
стр. 5635
وتوعّد من يقول: مات رسول الله ﷺ ، وكان يقول: إنما أرسل إليه كما أرسل إلى موسى ﵇، فلبث عن قومه أربعين ليلة، والله إني لأرجو أن يقطع أيدي رجال وأرجلهم. فأقبل أبو بكر من السنح حين بلغه الخبر إلى بيت عائشة فدخل، فكشف عن وجه رسول الله ﷺ , فجثا يقبله ويبكي ويقول: توفي والذي نفسي بيده، صلوات الله عليك يا رسول الله، ما أطيبك حيًّا وميتًا، ذكره الطبري في "الرياض".
وقالت عائشة: أقبل أبو بكر على فرس من مسكنه بالسنح، حتى نزل فدخل المسجد, فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة, فبصر برسول الله ﷺ وهو مسجَّى ببرد حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكبَّ عليه فقبَّله ثم بكى وقال: بأبي
стр. 5636
أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها. رواه البخاري.
واختلف في قول أبي بكر ﵁: "لا يجمع الله عليك موتتين".
فقيل هو على حقيقته، وأشار بذلك إلى الرد على من زعم أنه سيحيا فيقطع أيدي رجال؛ لأنه لو صحَّ ذلك للزم أن يموت موتة أخرى، فأخبر أنه أكرم على الله أن يجمع عليه موتتين كما جمعهما على غيره، كـ ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ ، و ﴿كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ، وهذا أوضح الأجوبة وأسلمها.
стр. 5637
وقيل: أراد أنه لا يموت موتة أخرى في القبر كغيره، إذا يحيا فيسأل ثم يموت، وهذا جواب الداودي.
وقيل: لا يجمع الله موت نفسك وموت شريعتك. وقيل: كنَّى بالموت الثاني عن الكرب، أي: لا تلقى بعد هذا الموت كربًا آخر. قال في فتح الباري.
وعنها: إن عمر قام يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ ، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله ﷺ فقبَّله, وقال: بأبي أنت وأمي، طبت حيًّا وميتًا، والذي نفسي بيده، لا يذيقك الله الموتتين أبدًا، ثم خرج فقال: أيها الحالف، على رسلك، فلمّا تكلم أبو بكر
стр. 5638
جلس عمر فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال: ألا من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية [آل عمران: ١٤٤] ، قال: فنشج الناس يبكون، رواه البخاري.
يقال: نشج الباكي، أي: غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب.
стр. 5639
وعن سالم بن عبيد الأشجعي قال: لما مات رسول الله ﷺ , كان أجزع الناس كلهم عمر بن الخطاب ﵁، فأخذ بقائم سيفه وقال: لا أسمع أحدًا يقول: مات رسول الله ﷺ إلا ضربته بسيفي هذا، قال: فقال الناس: يا سالم، أطلب صاحب رسول الله ﷺ , قال: فخرجت إلى المسجد, فإذا بأبي بكر، فلمَّا رأيته أجهشت بالبكاء، فقال: يا سالم أمات رسول الله ﷺ ؟ فقلت: إن هذا عمر بن الخطاب يقول: لا أسمع أحدًا يقول مات رسول الله ﷺ إلا ضربته بسيفي هذا، قال: فأقبل أبو بكر حتى دخل على النبي ﷺ وهو مسجَّى، فرفع البرد عن وجهه، ووضع فاهه على فيه, واستنشى الريح، ثم سجَّاه والتفت إلي فقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية، وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ يا أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمد قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال عمر: فوالله لكأنِّي لم أتل هذه الآيات قط. خرَّجه الحافظ أبو أحمد حمزة بن الحارث، كما ذكره الطبري في "الراض" له، وقال: خرج الترمذي معناه
стр. 5640
بتمامه.
واستنشى الريح: شمها، أي: شمَّ ريح الموت.
وعند أحمد: عن عائشة قالت: سجَّيت النبي ﷺ ثوبًا، فجاء عمر والمغيرة بن شعبة فاستأذنا، فأذنت لهما, وجذبت الحجاب، فنظر عمر إليه فقال: واغشياه، ثم قاما، فقال المغيرة: يا عمر، مات، قال: كذبت، إن رسول الله ﷺ لا يموت حتى يفني الله المنافقين. ثم جاء أبو بكر فرفعت الحجاب فنظر إليه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات رسول الله ﷺ .
وفي حديث ابن عباس عند البخاري: إن أبا بكر خرج وعمر بن الخطاب يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا