← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها. رواه البخاري. واختلف في قول أبي بكر ﵁: "لا يجمع الله عليك موتتين". فقيل هو على حقيقته، وأشار بذلك إلى الرد على من زعم أنه سيحيا فيقطع أيدي رجال؛ لأنه لو صحَّ ذلك للزم أن يموت موتة أخرى، فأخبر أنه أكرم على الله أن يجمع عليه موتتين كما جمعهما على غيره، كـ ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ ، و ﴿كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ، وهذا أوضح الأجوبة وأسلمها.

стр. 5637

وقيل: أراد أنه لا يموت موتة أخرى في القبر كغيره، إذا يحيا فيسأل ثم يموت، وهذا جواب الداودي. وقيل: لا يجمع الله موت نفسك وموت شريعتك. وقيل: كنَّى بالموت الثاني عن الكرب، أي: لا تلقى بعد هذا الموت كربًا آخر. قال في فتح الباري. وعنها: إن عمر قام يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ ، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله ﷺ فقبَّله, وقال: بأبي أنت وأمي، طبت حيًّا وميتًا، والذي نفسي بيده، لا يذيقك الله الموتتين أبدًا، ثم خرج فقال: أيها الحالف، على رسلك، فلمّا تكلم أبو بكر

стр. 5638

جلس عمر فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال: ألا من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية [آل عمران: ١٤٤] ، قال: فنشج الناس يبكون، رواه البخاري. يقال: نشج الباكي، أي: غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب.

стр. 5639

وعن سالم بن عبيد الأشجعي قال: لما مات رسول الله ﷺ , كان أجزع الناس كلهم عمر بن الخطاب ﵁، فأخذ بقائم سيفه وقال: لا أسمع أحدًا يقول: مات رسول الله ﷺ إلا ضربته بسيفي هذا، قال: فقال الناس: يا سالم، أطلب صاحب رسول الله ﷺ , قال: فخرجت إلى المسجد, فإذا بأبي بكر، فلمَّا رأيته أجهشت بالبكاء، فقال: يا سالم أمات رسول الله ﷺ ؟ فقلت: إن هذا عمر بن الخطاب يقول: لا أسمع أحدًا يقول مات رسول الله ﷺ إلا ضربته بسيفي هذا، قال: فأقبل أبو بكر حتى دخل على النبي ﷺ وهو مسجَّى، فرفع البرد عن وجهه، ووضع فاهه على فيه, واستنشى الريح، ثم سجَّاه والتفت إلي فقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية، وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ يا أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمد قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال عمر: فوالله لكأنِّي لم أتل هذه الآيات قط. خرَّجه الحافظ أبو أحمد حمزة بن الحارث، كما ذكره الطبري في "الراض" له، وقال: خرج الترمذي معناه

стр. 5640

بتمامه. واستنشى الريح: شمها، أي: شمَّ ريح الموت. وعند أحمد: عن عائشة قالت: سجَّيت النبي ﷺ ثوبًا، فجاء عمر والمغيرة بن شعبة فاستأذنا، فأذنت لهما, وجذبت الحجاب، فنظر عمر إليه فقال: واغشياه، ثم قاما، فقال المغيرة: يا عمر، مات، قال: كذبت، إن رسول الله ﷺ لا يموت حتى يفني الله المنافقين. ثم جاء أبو بكر فرفعت الحجاب فنظر إليه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات رسول الله ﷺ . وفي حديث ابن عباس عند البخاري: إن أبا بكر خرج وعمر بن الخطاب يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا

стр. 5641

عمر، فقال أبو بكر: أمَّا بعد, من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله : ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ قال: والله لكأنَّ الناس لم يعلموا أنَّ الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر, فتلقَّاها الناس منه كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها. وفي حديث ابن عمر عند ابن أبي شيبة, أنَّ أبا بكر مَرَّ بعمر وهو يقول: ما مات رسول الله ﷺ , ولا يموت حتى يقتل الله المنافقين. قال: وكانوا أظهروا الاستبشار ورفعوا رءوسهم، فقال: أيها الرجل، إن رسول الله ﷺ قد مات: ألم تسمع الله تعالى يقول: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْد﴾ ثم أتى أبو بكر المنبر. الحديث.

стр. 5642

قال القرطبي أبو عبد الله المفسّر: وفي هذا أدلّ دليل على شجاعة الصديق، فإن الشجاعة حدّها ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النبي ﷺ . فظهر عنده شجاعته وعلمه. قال الناس: لم يمت رسول الله ﷺ ، واضطرب الأمر, فكشفه الصديق بهذه الآية، فرجع عمر عن مقالته التي قالها. كما ذكره الوائلي أبو نصر عبد الله في كتاب "الإنابة", عن أنس بن مالك أنه سمع عمر بن الخطاب حين بويع أبو بكر ﵁ في مسجد رسول الله ﷺ , واستوى على منبره ﷺ ، تشهَّد ثم قال: أما بعد، فإني قلت لكم أمس مقالة, وإنها لم تكن كما قلت، وإني والله ما وجدت المقالة التي قلت لكم في كتاب الله، ولا في عهد عهده إلي رسول الله ﷺ , ولكني كنت أرجو أن

стр. 5643

أي: يكون آخرنا موتًا، أو كما قال, فاختار الله لرسوله الذي عنده على الذي عندكم, وهذا الكتاب الذي هدى به رسوله, فخذوا به تهتدوا لما هدي له رسول الله ﷺ . قال أبو نصر: المقالة التي قالها ثم رجع عنها هي: إن النبي ﷺ لم يمت, ولن يموت حتى يقطع أيد وأرجل, وكان ذلك لعظيم ما ورد عليه, وخشي الفتنة وظهور المنافقين, فلما شاهد عمر قوة يقين الصديق الأكبر, وتفوهه بقول الله : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وخرج الناس يتلونها في سكك المدينة كأنها لم تنزل قط إلا ذلك اليوم. انتهى. وقال ابن المنير: لما مات ﷺ طاشت العقول، فمنهم من خبل، ومنهم من أقعد فلم يطق القيام، ومنهم من أخرس فلم يطق الكلام، ومنهم من أضنى، وكان

стр. 5644

عمر ممن خبل، وكان عثمان ممن أخرس, يذهب به ويجاء ولا يستطيع كلامًا، وكان علي ممن أقعد فلم يستطع حراكًا، وأضنى عبد الله بن أنيس فمات كمدًا. وكان أثبتهم أبو بكر الصديق ﵁، جاء وعيناه تهملان, وزفراته تتردد, وغصصه تتصاعد وترتفع، فدخل على النبي ﷺ فأكبَّ عليه, وكشف الثوب عن وجهه وقال: طبت حيًّا وميتًا، وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء قبلك، فعظمت عن الصفة وجللت عن البكاء، ولو أنَّ موتك كان اختيارًا لجدنا لموتك بالنفوس. اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن من بالك. ووقع في حديث ابن عباس وعائشة عند البخاري: إنَّ أبا بكر قَبَّل النبي ﷺ بعد ما مات، كما قدمنا، وكذا وقع في رواية غيره. وفي رواية يزيد بن بابنوس عنها، عند أحمد، أنه أتاه من قَبَّل رأسه، فحدر

стр. 5645

فاه وقَبَّل جبهته ثم قال: وانبياه، ثم رفع رأسه فحدر فاه وقَبَّل جبهته ثم قال: واصفياه، ثم رفع رأسه فحدر فاه وقَبَّل جبهته وقال: واخليلاه. وعند ابن ابي شيبة عن ابن عمر: فوضع فاه على جبين رسول الله ﷺ فجعل يقبّله ويبكي ويقول: بأبي أنت وأمي، طبت حيًّا وميتًا. وعن عائشة: إنَّ أبا بكر دخل على النبي ﷺ بعد وفاته، فوضع فاه بين عينيه، ووضع يديه على صدغيه، وقال: وانبياه واخليلاه واصفياه. أخرجه ابن عرفة العبدي كما ذكر الطبري, قال: ولا تضاد بين هذا على تقدير صحته وبين ما تقدَّم مما تضمَّن ثباته، بأن يكون قد قال ذلك من غير انزعاج ولا قلق خافتًا به صوته، ثم التفت إليهم, وقال لهم ما قال. وأخرج البيهقي وأبو نعيم من طريق الواقدي عن شيوخه: إنهم شَكُّوا في موته ﷺ ، قال بعضهم: قد مات، وقال بعضهم: لم يمت، فوضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفيه ﷺ فقالت: قد توفي، قد رفع الخاتم من بين كتفيه، فكان

стр. 5646

هذا هو الذي قد عرف به موته، وأخرجه ابن سعد عن الواقدي أيضًا. ولما توفي ﵊ قالت فاطمة: يا أبتاه، أجاب ربًا دعاه، يا أبتاه، من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه مَنْ إلى جبريل ننعاه. رواه البخاري. قال الحافظ ابن حجر ﵀: وقد قيل: الصواب: إلى جبريل ننعاه. جزم بذلك سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان، قال: والأوّل متوجّه فلا معنى لتغليط الرواة بالظن. وزاد الطبراني: يا أبتاه, مِنْ ربه ما أدناه.

стр. 5647

وقد عاشت فاطمة ﵂ بعده ﷺ ستة أشهر, فما ضحكت تلك المدة وحُقَّ لها ذلك. على مثل ليلى يقتل المرء نفسه ... وإن كان من ليلى على الهجر طاويًا وأخرج أبو نعيم عن علي قال: لما قُبِضَ ﷺ صعد ملك الموت باكيًا إلى السماء، والذي بعثه بالحق نبيًّا لقد سمعت صوتًا من السماء ينادي: وامحمداه. الحديث. كل المصائب تهون عند هذه المصيبة وفي سنن ابن ماجه: إنه ﷺ قال في مرضه: "أيها الناس، إن أحدًا من الناس، أو من المؤمنين, أصيب بمصيبة فليعز بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإن أحدًا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي". وقال أبو الجوزاء: كان الرجل من أهل المدينة إذا أصابته مصيبة جاء أخوه فصافحه ويقول: يا عبد الله، اتق الله، فإن في رسول الله أسوة حسنة. ويعجبني قول

стр. 5648

القائل: اصبر لكل مصيبة وتجلّد ... واعلم بأن المرء غير مخلّد واصبر كما صبر الكرام فإنها ... نوب تنوب اليوم تكشف في غد وإذا أتتك مصيبة تشجَّى بها ... فاذكر مصابك بالنبي محمد ويرحم القائل: تذكرت لما فرّق الدهر بيننا ... فعزَّيت نفسي بالنبي محمد وقلت لها إن المنايا سبيلنا ... فمن لم يمت في يومه مات في غد كادت الجمادات تتصدّع من ألم مفارقته ﷺ , فكيف بقلوب المؤمنين؟ ولما فقده الجذع الذي كان يخطب إليه قبل اتخاذ المنبر حَنَّ إليه وصاح. كان الحسن إذا حدَّث بهذا الحديث بكى وقال: هذه خشبة تحنّ إلى رسول الله ﷺ ، فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه. وروي أن بلالًا لما كان يؤذن بعد وفاته ﷺ وقبل دفنه، فإذا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ارتجَّ المسجد بالبكاء والنحيب. فلما دُفِنَ ترك بلال الأذان.

стр. 5649

ما أمرَّ عيش من فارق الأحباب, خصوصًا من كان رؤيته حياة الألباب. لو ذاق طعم الفراق رضوى ... لكان من وجده يميد قد حمَّلوني عذاب شوق ... يعجز عن حمله الحديد وقد كانت وفاته ﷺ يوم الإثنين بلا خلاف، وقت دخوله المدينة في هجرته حين اشتدّ الضحاء، ودفن يوم الثلاثاء، وقيل: ليلة الأربعاء. فعند ابن سعد في الطبقات، عن علي: توفي رسول الله ﷺ يوم الإثنين، ودُفِنَ يوم الثلاثاء، وعنده أيضًا عن عكرمة: توفي يوم الإثنين، فحُبِسَ بقية يومه وليلته، ومن الغد حتى دفن من الليل، وعنده أيضًا: عن عثمان بن محمد الأخنسي: توفي يوم الإثنين حين زاغت الشمس, ودفن يوم الأربعاء، وروي أيضًا عن أبيّ بن

стр. 5650

عباس بن سهل عن أبيه عن جده: توفي يوم الإثنين، فمكث بقية يوم الإثنين والثلاثاء حتى دُفِنَ يوم الأربعاء. وعنده أيضًا, عن صالح بن كيسان, عن ابن شهاب: توفي يوم الإثنين حين زاغت الشمس. ورثته عمَّته صفية بمراثي كثيرة منها قولها: ألا يا رسول الله كنت رجاءنا ... وكنت بنا برًّا ولم تك جافيا وكنت رحيمًا هاديًا ومعلمًا ... ليبك عليك اليوم من كان باكيا لعمرك ما أبكي النبي لفقده ... ولكن لما أخشى من الهجر آتيا كأن على قلبي لذكر محمد ... وما خفت من بعد النبي المكاويا أفاطم صلى الله رب محمد ...

стр. 5651

........................ ... على جدث أمسى بيثرب ثاويا فدًى لرسول الله أمي وخالتي ... وعمي وخالي ثم نفسي وماليا فلو أنَّ رب الناس أبقى نبينا ... سعدنا ولكن أمره كان ماضيا عليك من الله السلام تحية ... وأدخلت جنات من العدن راضيا أرى حسنًا أيتمته وتركته ... يبكي ويدعو جدّه اليوم نائيا ورثاه أبو سفيان بن الحارث فقال: أرقت فبت ليلي لا يزول ... وليل أخي المصيبة فيه طول وأسعدني البكاء وذاك فيما ... أصيب المسلمون به قليل لقد عظمت مصيبتنا وجلت ... عشية قيل: قد قبض الرسول وأضحت أرضنا مما عراها ... تكاد بنا جوانبها تميل فقدنا الوحي والتنزيل فينا ... بروح به ويغدوا جبرئيل وذاك أحق ما سالت عليه ... نفوس الناس أو كادت تسيل نبي كان يجلو الشك عنا ... بما يوحي إليه وما يقول ويهدينا فلا نخشى ضلالًا ... علينا والرسول لنا دليل

стр. 5652

أفاطم أن جزعت فذاك عذر ... وإن لم تجزعي ذاك السبيل فقير أبيك سيد كل قبر ... وفيه سيد الناس الرسول ورثاه الصديق بقوله: لما رأيت نبينا متجدلًا ... ضاقت عليَّ بعرضهنَّ الدور فارتاع قلبي عند ذاك لهلكه ... والعظم مني ما حييت كسير أعتيق ويحك إن حبك قد ثوى ... فالصبر عنك لما بقيت يسير يا ليتني من قبل مهلك صاحبي ... غيبت في جدث علي صخور فلتحدثنّ بدائع من بعده ... تعيا بهنّ جوانح وصدور ورثاه الصديق أيضًا بقوله: ودعنا الوحي إذ وليت عنَّا ... فودعنا من الله الكلام سوى ما قد تركت لنا رهينًا ... تضمنه القراطيس الكرام ولقد أحسن حسان بقوله يرثيه: بطيبة رسم للرسول ومعهد

стр. 5653

........................... ... مبين وقد تعفوا الرسوم وتهمد ولا تنمحي الآيات من دار حرمه ... بها منبر الهادي الذي كان يصعد وأوضح آيات وباقي معالم ... وربع له فيه مصلى ومسجد بها حجرات كان ينزل وسطها ... من الله نور يستضاء ويوقد معارف لم تطمس على العهد آيها ... أتاها البِلى فالآي منها تجدد عرفت بها رسول الرسول وعهده ... وقبرًا بها واراه في الترب ملحد أطالت وقوفًا تذرف العين دمعها ... على طلل القبر الذي فيه أحمد فبوركت يا قبر الرسول وبوركت ... بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد وبورك لحد منك ضمن طيبًا ... عليه بناء من صفيح منضد تهيل عليه الترب أيد وأعين

стр. 5654

......................... ... تباكت وقد غارت بذلك أسعد لقد غيبوا حلمًا وعلمًا ورحمة ... عشية عالوه الثري لا يوسد وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم ... وقد وهنت منهم ظهور وأعضد يبكون من تبكي السموات موته ... ومن قد بكته الأرض والناس أكمد فهل عدلت يومًا رزية هالك ... رزية يوم مات فيه محمد

стр. 5655

ورثاه حسان بقوله أيضًا: كنت السواد لناظري ... فعمي عليك الناظر من شاء يعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر ولما تحقَّق عمر بن الخطاب ﵁ موته ﷺ بقول أبي بكر، ورجع إلى قوله، قال وهو يبكي: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد كان لك جذع تخطب الناس عليه، فلمَّا كثروا اتخذت منبرًا لتسمعهم، فحنَّ الجذع لفراقك، حتى جعلت يدك عليه سكن، فأمتك أولى بالحنين عليك حين فارقتهم، بأبي أنت وأمي يا رسول الله, لقد بلغ من فضيلتك عند ربك أن جعل طاعتك طاعته، فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ , بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من

стр. 5656

فضيلتك عنده أن بعثك آخر الأنبياء وذكرك في أولهم، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ الآية، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده، أنَّ أهل النار يودون أن يكونوا أطاعوك وهم بين أطباقها يعذّبون، يقولون: ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ . الخبر ذكره أبو العباس القصَّار في شرحه لبردة الأبو صيري، ونقله عن الرشاطي في كتابه: "اقتباس الأنوار والتماس الأزهار", وذكره ابن الحاجّ في المدخل وساقه بتمامه، والقاضي عياض في "الشفاء", لكنه ذكره بعضه، ويقع في كثير من نسخ الشفاء: روي عن عمر بن الخطاب

стр. 5657

رضي الله عنه- أنه قال في كلام بكَّى به النبيُّ ﷺ -بتشديد الكاف من بَكَى، والصواب فيها التخفيف؛ لأن هذا الكلام إنما سمع من عمر بعد موته ﷺ كما تقدم، ونبهت عليه في حاشية الشفاء", والله أعلم. ويؤيد هذا قوله في الخبر نفسه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله, لقد اتبعك في عصر عمرك ما لم يتبع نوحًا في كبر سنة وطول عمره, فلقد آمن بك الكثير وما آمن معه إلا القليل. وأخرج ابن عساكر عن أبي ذؤيب الهذلي قال: بلغنا أن النبي ﷺ عليل،

стр. 5658

فأوجس أهل الحي خيفةً على النبي ﷺ ، وبت بليلة طويلة حتى إذا كان قرب السحر نمت, فهتف بي هاتف في منامي وهو يقول: خطب أجل أناخ بالإسلام ... بين النخيل ومقعد الآطام قبض النبي محمد فعيوننا ... تذري الدموع عليه بالتسجام فوثبت من نومي فزعًا، فنظرت إلى السماء فلم أر إلا سعد الذابح, فعلمت أن النبي ﷺ قُبِضَ!! أو هو ميت، فقَدِمت المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج إذا أهلّوا للإحرام، فقلت: مه؟ فقيل: قبض رسول الله ﷺ . ومن عجيب ما اتفق ما روي: أنهم لما أرادوا غسل النبي ﷺ قالوا: لا ندري، أنجَرِّد رسول الله ﷺ من ثيابه كما نجرِّد موتانا, أم نغسله وعليه ثيابه، فلمَّا اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلّا وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت، لا يدرون من هو: اغسلوا النبي ﷺ وعليه ثيابه، فقاموا وغسَّلوه عليه قميصه، يضعون الماء.

стр. 5659

فوق القميص ويدلكونه بالقميص. رواه البيهقي في دلائل النبوة. وروى ابن ماجه بسند جيد عن علي يرفعه: "إذا أنا متُّ فاغسلوني بسبع قرب من بئري بئر غرس". قال في النهاية: بفتح الغين المعجمة وسكون الراء والسين المهملة. وقد روى ابن النجار: إنه ﵊ قال: "رأيت الليلة أنِّي على بئر من الجنة" فأصبح على بئر غرس فتوضأ منها وبزق فيها. وغسل ﷺ ثلاث غسلات؛ الأولى: بالماء القراح، والثانية: بالماء والسدر، والثالثة: بالماء والكافور، وغسَّله علي والعباس وابنه الفضل يعينانه، وقثم وأسامة وشقران مولاه ﷺ يصبون الماء وأعينهم معصوبة من وراء الستر؛ لحديث علي: "لا يغسلني إلّا أنت فإنه لا يرى أحد عورتي إلا طُمِسَت عيناه". رواه البزار

стр. 5660

وأخرج البيهقي عن الشعبي قال: غسل عليّ النبي ﷺ , فكان يقول وهو يغسله ﷺ : بأبي أنت وأمي, طبت حيًّا وميتًا. أخرج أبو داود وصحَّحه الحاكم عن علي قال: غسلته ﷺ , فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئًا، وكان طيب حيًّا وميتًا. وفي رواية ابن سعد: وسطعت ريح طيبة لم يجدوا مثلها قط. قيل: وجعل علي على يده خرقة وأدخلها تحت القميص, ثم اعتصروا قميصه، وحنطوا مساجده ومفاصله، ووضؤوا منه ذراعيه ووجهه وكفيه وقدميه, وجمّروه عودًا وندًا. وذكر ابن الجوزي أنه روي عن جعفر بن محمد قال: كان الماء يستنقع في جفون النبي ﷺ , فكان علي يحسوه، وأمَّا ما روي أن عليًّا لما غسله ﷺ امتص

стр. 5661

ماء محاجر عينيه فشربه، وأنه قد ورث بذلك علم الأولين والآخرين، فقال النووي: ليس بصحيح. وفي حديث عروة عن عائشة قالت: كفّن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية. أخرجه النسائي من رواية عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة. واتفق عليه الأئمة الستة من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بزيادة: من كرسف, ليس فيها قميص ولا عمامة. وليس قوله: "من كرسف" عند الترمذي ولا ابن ماجه. وزاد مسلم: أما الحلة فإنما شُبِّه على الناس فيها أنها اشتريت له ليكفَّن فيها، فتركت الحلة وكفّن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، فأخذها عبد الله بن أبي بكر فقال: لأحبسنَّها حتى أكَفّن فيها نفسي، ثم قال: لو رضيها الله لنبيه لكفَّنه فيها, فباعها وتصدَّق بثمنها.

стр. 5662

وفي رواية له: أدرج رسول الله ﷺ في حلة يمنية كانت لعبد الله بن أبي بكر, ثم نزعت عنه، وذكر الحديث. وفي رواية أصحاب السنن الأربعة: فذكر لعائشة قولهم: كفن في ثوبين وبرد حبرة، فقالت: قد أتى بالبرد ولكنَّهم ردوه ولم يكفنوه فيه, قال الترمذي: حسن صحيح. وفي رواية البيهقي: في ثلاثة أثواب بيض سحولية جدد. والسحولية: بفتح السين وضمها، قال النووي: والفتح أشهر، وهو رواية الأكثرين، وفي النهاية تبعًا للهروي، فالفتح منسوب إلى السحول وهو القصار؛ لأنه يسحلها، أي: يغسلها, أو إلى سحول وهي قرية باليمن، وأما الضم فهو جمع سحل وهو الثوب الأبيض النقي، ولا يكون إلّا من قطن، وفيه شذوذ؛ لأنه نسب إلى الجمع، وقيل: إن اسم القرية بالضم أيضًا.

стр. 5663

والكرسف: بضم الكاف وإسكان الراء، وضم السين المهملتين والفاء: القطن. وقال الترمذي: روي في كفن النبي ﷺ روايات مختلفة، وحديث عائشة أصح الأحاديث في ذلك، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم. وقال البيهقي في "الخلافيات": قال أبو عبد الله -يعني الحاكم: تواترت الأخبار عن علي بن أبي طالب وابن عباس وعائشة وابن عمر، وجابر وعبد الله بن مغفل، في تكفين النبي ﷺ في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة. وعن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن ابن الحنفية عن علي: أنَّ رسول الله ﷺ كفّن في سبعة أثواب، وقد روى هذا الحديث أحمد في مسنده، وذكر ابن حزم أن الوهم فيه من ابن عقيل أو ممن بعده. وقد اختلف في معنى قوله: "ليس فيها قميص ولا عمامة". فالصحيح أن معناه: إنه ليس في الكفن قميص ولا عمامة أصلًا. والثاني: إن معناه أن كفن في ثلاثة أثواب خارج عن القميص والعمامة.

стр. 5664

وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: والأول أظهر في المراد. وذكر النووي في شرح مسلم أنَّ الأول تفسير الشافعي وجمهور العلماء، قال: وهو الصواب الذي يقتضيه ظاهر الحديث، وقال: إن الثاني ضعيف، فلم يثبت أنه ﷺ كفن في قميص وعمامة. انتهى. وترتَّب على هذا اختلافهم في أنه: هل يستحب أن يكون في الكفن قميص وعمامة أم لا؟ فقال مالك والشافعي وأحمد: يستحب أن تكون الثلاثة لفائف، ليس فيها قميص ولا عمامة, واختلفوا في زيادة القميص والعمامة أو غيرهما على اللفائف الثلاثة لتصير خمسة، فذكر الحنابلة أنه مكروه، وقال الشافعية: إنه جائز غير مستحب، وقال المالكية: إنه يستحب للرجال والنساء، وهو في حق النساء آكد. قالوا: والزيادة إلى السبعة غير مكروهة، وما زاد عليها سرف، وقال الحنفية: الثلاثة: إزار وقميص ولفافة. وقد أجمع المسلمون على وجوبه، وهو فرض كفاية, فيجب في ماله، فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته.

стр. 5665

واختلف أصحابنا في المتزوجة إذا كان لها مال، هل يجب تكفينها من مالها، أو هو على زوجها، فذهب إلى الأوّل الرافعي في "الشرح الصغير" والمحرر", والنووي في "المنهاج", وذهب إلى الثاني: الرافعي في "الشرح الكبير", والنووي في "الروضة" و "شرح المهذب", وقال فيه: قيّد الغزالي وجوب التكفين على الزوج بشرط إعسار المرأة، وأنكروه عليه. ومتى كانت معسرة فتكفينها على زوجها قطعًا، ثم إنّ الواجب ثوب واحد، وهو حق الله تعالى، لا تنفذ وصية الميت بإسقاطه، بخلاف الثاني والثالث, فإنه حق للميت، تنفذ وصيته بإسقاطهما. وفي هذا الحديث أيضًا دلالة على أنَّ القميص الذي غسل فيه النبي ﷺ نزع عنه عند تكفينه. قال النووي في شرح مسلم: وهذا هو الصواب الذي لا يتجه غيره؛ لأنه لو بقي مع رطوبته لأفسد الأكفان. قال: وأمَّا الحديث الذي في سنن أبي داود عن ابن عباس أن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب: الحلة ثوبان, وقميصه الذي توفي فيه، فحديث ضعيف، لا يصح الاحتجاج به؛ لأن يزيد بن

стр. 5666

زياد، أحد رواته مجمع على ضعفه، لا سيما وقد خالف بروايته الثقات. وفي حديث ابن عباس عند ابن ماجه: لما فرغوا من جهازه ﷺ يوم الثلاثاء، وضع على سريره في بيته, ثم دخل الناس عليه ﷺ أرسالًا يصلون عليه، حتى إذا فرغوا دخل النساء، حتى إذا فرغن دخل الصبيان، ولم يؤمّ الناس على رسول الله ﷺ أحد. وفي رواية: إنَّ أول من صلى عليه ﷺ الملائكة أفواجًا، ثم أهل بيته، ثم الناس فوجًا فوجًا، ثم نساؤه آخرًا. وروي أنه لما صلى أهل بيته لم يدر الناس ما يقولون, فسألوا ابن مسعود، فأمرهم أن يسألوا عليًّا, فقال لهم: قولوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية، لبيك اللهم ربنا وسعديك، صلوات الله البر الرحيم، والملائكة المقربين،

стр. 5667

والنبيين والصدقين والشهداء والصالحين، وما سبح لك من شيء يا رب العالمين، على محمد بن عبد الله خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وإمام المتقين, ورسول رب العالمين، الشاهد البشير, الداعي إليك بإذنك, السراج المنير، وعليه السلام. ذكره الشيخ زين الدين بن الحسين المراغي في كتابه: تحقيق النصرة. ثم قالوا: أين تدفنونه؟ فقال أبو بكر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ

стр. 5668

يقول: "ما هلك نبي قط إلا يدفن حيث تقبض روحه"، وقال علي: وأنا أيضًا سمعته. وحفر أبو طلحة لحد رسول الله ﷺ في موضع فراشه حيث قُبِض. وقد اختلف فيمن أدخله قبره، وأصحّ ما روي أنه نزل في قبره عمَّه العباس وعلي وقثم بن العباس والفضل بن العباس، وكان آخر الناس عهدًا برسول الله ﷺ قثم بن العباس. وروي أنه بُنِيَ في قبره تسع لبنات، وفرش تحته قطيفة نجرانية كان يتغطَّى بها، فرشها شقران في القبر، وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك. قال النووي: وقد نصَّ الشافعي وجميع أصحابه وغيرهم من العلماء على كراهة وضع قطيفة أو مضربة أو مخدة ونحو ذلك تحت الميت في القبر. وشذَّ

стр. 5669

البغوي من أصحابنا, فقال في كتابه "التهذيب": لا بأس بذلك لهذا الحديث، والصواب كراهية ذلك كما قاله الجمهور، وأجابوا عن هذا الحديث: بأنَّ شقران انفرد بفعل ذلك، ولم يوافقه أحد من الصحابة، ولا علموا بذلك، وإنما فعله شقران لما ذكرناه عنه من كراهته أن يلبسها أحد بعد النبي ﷺ ، انتهى. وفي كتاب "تحقيق النصرة" قال ابن عبد البر: ثم أخرجت -يعني: القطيفة- من القبر لما فرغوا من وضع اللبنات التسع. حكاه ابن زبالة. ولما دفن ﷺ جاءت فاطمة ﵂ فقالت: كيف طابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب؟ وأخذت من تراب القبر الشريف ووضعته على عينيها وانشأت تقول: ماذا على من شمّ تربة أحمد ... أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا

стр. 5670

صُبَّتْ عليَّ مصائب لو أنها ... صُبَّت على الأيام عدن لياليا قال رزين: ورشَّ قبره ﷺ ، رشَّه بلال بن رباح بقربة، بدأ من قِبَل رأسه، حكاه ابن عساكر، وجعل عليه من حصباء العرصة حمراء وبيضاء. ورفع قبره عن الأرض قدر شبر. وفي حديث عائشة عند البخاري قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" , لولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أو خشي أن يتخذ قبره مسجدًا. كذا في رواية أبي عوانة عن هلال "خَشي أو خُشي" على الشك. فرواية

стр. 5671

"الضم" مبهمة, يمكن أن تفسَّر بأنها هي التي منعت من إبرزاه، والهاء ضمير الشأن، وكأنها أرادت نفسها ومن وافقها على ذلك. وهذا يقتضي أنهم فعلوه باجتهاد، بخلاف رواية الفتح, فإنها تقتضي أن النبي ﷺ هو الذي أمرهم بذلك. وقوله: "لأبرز قبره" لكشف قبره ولم يتخذ عليه الحائل. أو المراد: لدفن خارج بيته ﷺ ، وهذا قالته عائشة ﵂ قبل أن يوسّع المسجد، ولهذا لما وسّع المسجد جعلت حجرتها مثلثة الشكل محددة، حتى لا يتأتَّى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر الكريم مع استقباله القبلة. وفي البخاري أيضًا من حديث أبي بكر بن عياش عن سفيان التمار: إنه حدثه أنه رأى قبر النبي ﷺ مسنمًا, أي: مرتفعًا. زاد أبو نعيم في "المستخرج": وقبر أبي بكر وعمر كذلك. واستدلَّ به على أن المستحب تسنيم القبور، وهو قول أبي حنيفة ومالك

стр. 5672

وأحمد والمزني وكثير من الشافعية، وادَّعى القاضي حسين اتفاق الأصحاب عليه. وتعقّب بأن جماعة من قدماء الشافعية استحبوا التسطيح كما نَصَّ عليه الشافعي, وبه جزم الماوري وآخرون. وقول سفيان التمَّار لا حجة فيه، كما قال البيهقي؛ لاحتمال أن قبره ﷺ في الأوّل لم يكن مسنمًا. فقد روى أبو داود والحاكم من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أمه، اكشفي لي عن قبر النبي ﷺ , فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. زاد الحاكم: فرأيت رسول الله ﷺ مقدمًا, وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي ﷺ ، وعمر رأسه عند رجلي النبي ﷺ . وهذا كان في خلافة معاوية. فكأنَّها كانت في الأول مسطَّحة، ثم لما بني جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قِبَل الوليد بن عبد الملك صيّروها مرتفعة.

стр. 5673

وقد روى أبو بكر الآجري في كتاب "صفة قبر النبي ﷺ ", من طريق إسحاق بن عيسى بن بنت داود بن أبي هند، عن عثيم بن نسطاس المدني قال: رأيت قبر النبي ﷺ في إمارة عمر بن عبد العزيز، فرأيته مرتفعًا نحوًا من أربع أصابع، ورأيت قبر أبي بكر وراء قبره، ورأيت قبر عمر وراء قبر أبي بكر أسفل منه. ثم الاختلاف في ذلك في أيهما أفضل، لا في أصل الجواز، ورجَّح المزني التسنيم من حيث المعني، بأن المسطح يشبه ما يصنع للمجوس، بخلاف المسنّم. ويرجّح التسطيح ما رواه مسلم من حديث فضالة بن عبيد أنه أمر بقبر فسوي ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بستويتها.

стр. 5674

وعن هشام بن عروة عن أبيه: لما سقط عليهم الحائط، يعني: حائط حجرة النبي ﷺ في زمان الوليد بن عبد الملك، أخذوا في بنائه، فبدت لهم قدم, ففزعوا وظنّوا أنها قدم النبي ﷺ ، فما وجدوا أحدًا يعلم ذلك, حتى قال لهم عروة: والله ما هي قدم النبي ﷺ ، والله ما هي إلا قدم عمر، رواه البخاري أيضًا. والسبب في ذلك ما رواه الآجري من طريق شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي قال: كان الناس يصلون إلى القبر الشريف، فأمر به عمر بن عبد العزيز فرُفِعَ حتى لا يصلي إليه أحد, فلمَّا هدم بدت قدم ساق وركبة، ففزع عمر بن عبد العزيز, فأتاه عروة فقال: هذه ساق عمر وركبته, فسري عن عمر بن عبد العزيز. وروى الآجري: قال رجاء بن حيوة: فكان قبر أبي بكر عند وسط النبي ﷺ ،

стр. 5675

وعمر خلف أبي بكر، رأسه عند وسطه، وهذا ظاهره يخالف حديث القاسم، فإن أمكن الجمع، وإلا فحديث القاسم أصح. وأمَّا ما أخرجه أبو يعلى من وجهٍ آخر عن عائشة: أبو بكر عن يمينه, وعمر عن يساره, فسنده ضعيف. انتهى مخلصًا من فتح الباري. وقد اختلف أهل السير وغيرهم في صفة القبور المقدسة على سبع روايات، أوردها ابن عساكر في "تحفة الزائر", ونقل أهل السير عن سعيد بن المسيب قال: بقي في البيت موضع قبر في السهوة الشرقية يدفن فيه عيسى بن مريم ﵉، ويكون قبره الرابع.
следующие страницы →