"الضم" مبهمة, يمكن أن تفسَّر بأنها هي التي منعت من إبرزاه، والهاء ضمير الشأن، وكأنها أرادت نفسها ومن وافقها على ذلك. وهذا يقتضي أنهم فعلوه باجتهاد، بخلاف رواية الفتح, فإنها تقتضي أن النبي ﷺ هو الذي أمرهم بذلك.
وقوله: "لأبرز قبره" لكشف قبره ولم يتخذ عليه الحائل. أو المراد: لدفن خارج بيته ﷺ ، وهذا قالته عائشة ﵂ قبل أن يوسّع المسجد، ولهذا لما وسّع المسجد جعلت حجرتها مثلثة الشكل محددة، حتى لا يتأتَّى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر الكريم مع استقباله القبلة.
وفي البخاري أيضًا من حديث أبي بكر بن عياش عن سفيان التمار: إنه حدثه أنه رأى قبر النبي ﷺ مسنمًا, أي: مرتفعًا. زاد أبو نعيم في "المستخرج": وقبر أبي بكر وعمر كذلك.
واستدلَّ به على أن المستحب تسنيم القبور، وهو قول أبي حنيفة ومالك
стр. 5672
وأحمد والمزني وكثير من الشافعية، وادَّعى القاضي حسين اتفاق الأصحاب عليه. وتعقّب بأن جماعة من قدماء الشافعية استحبوا التسطيح كما نَصَّ عليه الشافعي, وبه جزم الماوري وآخرون.
وقول سفيان التمَّار لا حجة فيه، كما قال البيهقي؛ لاحتمال أن قبره ﷺ في الأوّل لم يكن مسنمًا. فقد روى أبو داود والحاكم من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أمه، اكشفي لي عن قبر النبي ﷺ , فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. زاد الحاكم: فرأيت رسول الله ﷺ مقدمًا, وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي ﷺ ، وعمر رأسه عند رجلي النبي ﷺ . وهذا كان في خلافة معاوية. فكأنَّها كانت في الأول مسطَّحة، ثم لما بني جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قِبَل الوليد بن عبد الملك صيّروها مرتفعة.
стр. 5673
وقد روى أبو بكر الآجري في كتاب "صفة قبر النبي ﷺ ", من طريق إسحاق بن عيسى بن بنت داود بن أبي هند، عن عثيم بن نسطاس المدني قال: رأيت قبر النبي ﷺ في إمارة عمر بن عبد العزيز، فرأيته مرتفعًا نحوًا من أربع أصابع، ورأيت قبر أبي بكر وراء قبره، ورأيت قبر عمر وراء قبر أبي بكر أسفل منه.
ثم الاختلاف في ذلك في أيهما أفضل، لا في أصل الجواز، ورجَّح المزني التسنيم من حيث المعني، بأن المسطح يشبه ما يصنع للمجوس، بخلاف المسنّم.
ويرجّح التسطيح ما رواه مسلم من حديث فضالة بن عبيد أنه أمر بقبر فسوي ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بستويتها.
стр. 5674
وعن هشام بن عروة عن أبيه: لما سقط عليهم الحائط، يعني: حائط حجرة النبي ﷺ في زمان الوليد بن عبد الملك، أخذوا في بنائه، فبدت لهم قدم, ففزعوا وظنّوا أنها قدم النبي ﷺ ، فما وجدوا أحدًا يعلم ذلك, حتى قال لهم عروة: والله ما هي قدم النبي ﷺ ، والله ما هي إلا قدم عمر، رواه البخاري أيضًا.
والسبب في ذلك ما رواه الآجري من طريق شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي قال: كان الناس يصلون إلى القبر الشريف، فأمر به عمر بن عبد العزيز فرُفِعَ حتى لا يصلي إليه أحد, فلمَّا هدم بدت قدم ساق وركبة، ففزع عمر بن عبد العزيز, فأتاه عروة فقال: هذه ساق عمر وركبته, فسري عن عمر بن عبد العزيز.
وروى الآجري: قال رجاء بن حيوة: فكان قبر أبي بكر عند وسط النبي ﷺ ،
стр. 5675
وعمر خلف أبي بكر، رأسه عند وسطه، وهذا ظاهره يخالف حديث القاسم، فإن أمكن الجمع، وإلا فحديث القاسم أصح.
وأمَّا ما أخرجه أبو يعلى من وجهٍ آخر عن عائشة: أبو بكر عن يمينه, وعمر عن يساره, فسنده ضعيف. انتهى مخلصًا من فتح الباري.
وقد اختلف أهل السير وغيرهم في صفة القبور المقدسة على سبع روايات، أوردها ابن عساكر في "تحفة الزائر", ونقل أهل السير عن سعيد بن المسيب قال: بقي في البيت موضع قبر في السهوة الشرقية يدفن فيه عيسى بن مريم ﵉، ويكون قبره الرابع.
стр. 5676
وفي "المنتظم" لابن الجوزي, عن ابن عمر، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ينزل عيسى ابن مريم إلى الأرض، فيتزوج ويولد له, ويمكث خمسًا وأربعين سنة, ثم يموت فيدفن معي في قبري، فأقوم أنا وعيسى ابن مريم من قبر واحد بين أبي بكر وعمر" كذا ذكره في "في تحقيق النصرة" والله أعلم.
فإن قلت: تقدَّم أنه ﵊ توفي يوم الإثنين، ودفن يوم الأربعاء، فلِمَ أُخِّرَ دفنه؟ وقد قال لأهل بيت أخَّروا دفن ميتهم: "عجلوا دفن ميتكم ولا تؤخروه".
فالجواب: لما ذكر من عدم اتفاقهم على موته، أو لأنهم كانوا لا يعلمون حيث يدفن، قال قوم: بالبقيع, وقال آخرون: بالمسجد، وقال قوم: يحمل إلى أبيه إبراهيم حتى يدفن عنده، حتى قال العالم الأكبر صديق الأمة: سمعته يقول: "ما دفن نبي إلا حيث يموت". ذكره ابن ماجه والموطأ كما تقدَّم. وفي رواية الترمذي:
стр. 5677
"ما قبض الله نبيًّا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه"، ادفنوه في موضع فراشه.
أو لأنهم اشتغلوا في الخلاف الذي وقع بين المهاجرين والأنصار في البيعة، فنظروا فيها حتى استقرَّ الأمر في الخلافة ونظامها، فبايعوا أبا بكر، ثم بايعوه بالغد بيعة أخرى على ملتهم, وكشف الله به الكربة من أهل الردة، ثم رجعوا بعد ذلك إلى النبي ﷺ , فنظروا في دفنه, فغسلوه وكفنوه ودفنوه.
ولما قُبِضَ ﷺ تزينت الجنان ليوم قدوم روحه الكريمة، لا كزينة المدينة يوم قدوم الملك.
إذا كان عرش الرحمن قد اهتزَّ لموت بعض أتباعه فرحًا واستبشارًا لقدوم روحه، فكيف بقدوم روح الأرواح.
ولما قدم ﷺ المدينة لعبت الحبشة بحرابهم فرحًا بقدومه. كما رواه أبو داود من حديث أنس، وفي رواية الدارمي قال أنس: ما رأيت يومًا كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله ﷺ المدينة، وما رأيت يومًا كان أقبح ولا
стр. 5678
أظلم من يوم مات فيه الله ﷺ .
وفي رواية الترمذي: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة, أضاء منها كل شيء، فلمَّا كان اليوم الذي مات فيه, أظلم منها كل شيء، وما نفضنا أيدينا من التراب، وإنا لفي دفنه، حتى أنكرنا قلوبنا.
ومن آياته ﵊ ما ذكر من بعد موته، من حزن حماره عليه حتى تردَّى في بئر, وكذا ناقته فإنها لم تأكل ولم تشرب حتى ماتت.
ومن ذلك: ظهور ما أخبر أنه كان بعد موته، مما لا نهاية له ولا عد يحصيه, مما ذكرت بعضه في المقصد الثامن.
وفي حديث أبي موسى عند مسلم: إنه ﷺ قال: "إن الله إذا أراد بأمِّة خيرًا قبض نبيها قبلها، فجعله فرطًا وسلفًا بين يديها، وإذا أراد هلكة أمَّة عذَّبها ونبيها
стр. 5679
حي، فأهلكها وهو ينظر، فأقرَّ عينيه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره".
وإنما كان قبض النبي قبل أمته خيرًا؛ لأنهم إذا قبضوا قبله انقطعت أعمالهم، وإذا أراد الله بهم خيرًا جعل خيرهم مستمرًّا ببقائهم, محافظين على ما أمروا به من العبادات وحسن المعاملات, نسلًا بعد نسل, وعقبًا بعد عقب.
стр. 5680
الفصل الثاني: في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
اعلم أن زيارة قبره الشريف من أعظم القربات، وأرجى الطاعات، والسبيل إلى أعلى الدرجات، ومن اعتقد غير هذا فقد انخلع من ربقة الإسلام، وخالف الله ورسوله وجماعة العلماء الأعلام.
стр. 5681
وقد أطلق بعض المالكية، وهو أبو عمران الفاسي، كما ذكره في المدخل عن تهذيب الطالب لعبد الحق، أنها واجبة، قال: ولعله أراد وجوب السنن المؤكدة.
وقال القاضي عياض: إنها سنة من سنن المسلمين مجمَع عليها، وفضيلة مرغَّب فيها.
وروى الدارقطني من حديث ابن عمر ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من زار قبري وجبت له شفاعتي"، ورواه عبد الحق في أحكامه الوسطى، وفي الصغرى, وسكت عنه, وسكوته عن الحديث فيهما دليل على صحته.
стр. 5682
وفي المعجم الكبير للطبراني: إن النبي ﷺ قال: "من جاءني زائرًا لا تعمله حاجة إلا زيارتي، كان حقًّا علي أن أكون شفيعًا له يوم القيامة". وصحَّحه ابن السكن.
وروي -عنه ﷺ : "من وجد سعة ولم يفد إلي فقد جفاني". ذكره ابن فرحون في مناسكه، والغزالي في الإحياء، ولم يخرجه العراقي، بل أشار إلى ما أخرجه ابن النجار في تاريخ المدينة مما هو في معناه عن أنس بلفظ: "ما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني إلّا وليس له عذر".
стр. 5683
ولابن عدي في "الكامل", وابن حبان في "الضعفاء", والدارقطني في "العلل", و "غرائب مالك", وآخرين كلهم عن ابن عمر مرفوعًا: "من حج ولم يزرني فقد جفاني" ولا يصح.
وعلى تقدير ثبوته، فليتأمّل قوله: "فقد جفاني" , فإنه ظاهر في حرمة ترك الزيارة؛ لأن الجفاء أذى، والأذى حرام بالإجماع, فتجب الزيارة؛ إذ إزالة الجفاء واجبة، وهي بالزيارة, فالزيارة واجبة حينئذ، وبالجملة فمن تمكَّن من زيارته ولم يزره فقد جفاه، وليس من حقه علينا ذلك.
وعن حاطب أن رسول الله ﷺ قال: "من زارني بعد موتي فكأنما زراني في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين" رواه البيهقي عن رجل من آل
стр. 5684
حاطب لم يسمه عن حاطب.
وعن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من زار قبري" أو قال: "من زارني كنت له شفيعًا وشهيدًا" رواه البيهقي وغيره عن رجل من آل عمر لم يسمه عن عمر.
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "من زارني محتسبًا إلى المدينة كان في جواري يوم القيامة" رواه البيهقي أيضًا.
قال العلامة زين الدين بن الحسين المراغي: وينبغي لكل مسلم اعتقاد كون زيارته ﷺ قربة، للأحاديث الواردة ذلك, ولقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤] لأن تعظيمه ﷺ لا ينقطع بموته، ولا يقال: إن استغفار الرسول لهم إنما هو في حال
стр. 5685
حياته, وليست الزيارة كذلك، لما أجاب به بعض أئمة المحققين: إنَّ الآية دلَّت على تعليق وجدان الله توابًا رحيمًا بثلاثة أمور: المجيء، واستغفارهم، واستغفار الرسول لهم، وقد حصل استغفار الرسول لجميع المؤمنين؛ لأنه ﷺ قد استغفر للجميع, قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] فإذا وجد مجيئهم واستغفارهم تكمّلت الأمور الثلاثة الموجبة لتوبة الله ورحمته.
وقد أجمع المسلمون على استحباب زيارة القبور، كما حكاه النووي، وأوجبها الظاهرية، فزيارته ﷺ مطلوبة بالعموم والخصوص لما سبق؛ ولأن زيارة القبور تعظيم، وتعظيمه ﷺ واجب. ولهذا قال بعض العلماء: لا فرق في زيارته ﷺ بين الرجال والنساء، وإن كان محل الإجماع على استحباب زيارة القبور للرجال، وفي النساء خلاف، والأشهر في مذهب الشافعي الكراهة.
قال ابن حبيب من المالكية: ولا تدع زيارة قبره ﷺ والصلاة في مسجده،
стр. 5686
فإن فيه من الرغبة مالا غنى بك ولا بأحد عنه.
وينبغي لمن نوى الزيارة أن ينوي مع ذلك زيارة مسجده الشريف، والصلاة فيه؛ لأنه أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها، وهو أفضلها عند مالك، وليس لشد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة فضل؛ لأن الشرع لم يجئ به, وهذا الأمر لا يدخله قياس؛ لأن شرف البقعة إنما يعرف بالنص الصريح عليه، وقد ورد النص في هذه دون غيرها.
وقد صحَّ أن عمر بن عبد العزيز كان يبرد البريد للسلام على النبي ﷺ .
فالسفر إليه قربة لعموم الأدلة. ومن نذر الزيارة وجبت عليه، كما جزم به ابن كج من أصحابنا، وعبارته: إذا نذر زيارة قبر النبي ﷺ لزمه الوفاء وجهًا واحدًا، انتهى. ولو نذر إتيان المسجد الأقصى للصلاة لزمه ذلك على الأصح عندنا، وبه قال المالكية والحنابلة، لكنه يخرج عنه بالصلاة في المسجد الحرام.
стр. 5687
وصحَّح النووي أيضًا أنه يخرج عنه بالصلاة في مسجد المدينة. قال: ونصَّ عليه الشافعي في البويطي. وبه قال الحنفية والحنابلة.
وللشيخ تقي الدين بن تيمية هنا كلام شنيع عجيب، يتضمّن منع شد الرحال للزيارة النبوية المحمدية، وأنه ليس من القرب، بل بضد ذلك.
ورد عليه الشيخ تقي الدين السبكي في "شفاء السقام" فشفى صدور المؤمنين.
وحكى الشيخ ولي الدين العراقي أن والده كان معادلًا للشيخ زين الدين
стр. 5688
عبد الرحمن بن رجب الدمشقي في التوجّه إلى بلد الخليل ﵇, فلمَّا دنا من البلد قال: نويت الصلاة في مسجد الخليل، ليحترز عن شد الرحال لزيارته على طريقة شيخ الحنابلة ابن تيمية، فقلت: نويت زيارة قبر الخليل ﵇، ثم قلت: أمَّا أنت فقد خالفت النبي ﷺ ؛ لأنَّه قال: "لا تشد الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد" , وقد شددت الرحل إلى مسجد رابع، وأمَّا أنا فاتبعت النبي ﷺ ؛ لأنه قال: "زوروا القبور" أفقال: إلا قبور الأنبياء؟! فبهت.
وينبغي لمن أراد الزيارة أن يكثر من الصلاة عليه في طريقه، فإذا وقع بصره على معالم المدينة الشريفة وما تعرف به، فليردد الصلاة والتسليم، وليسأل الله أن ينفعه بزيارته, ويسعده بها في الدارين.
وليغتسل ويلبس النظيف من ثيابه، وليترجَّل ماشيًا باكيًا.
ولما رأى وفد عبد القيس رسول الله ﷺ ألقوا أنفسهم عن رواحلهم ولم ينيخوها وسارعوا إليه، فلم ينكر ذلك عليهم -صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 5689
وروينا مما ذكره القاضي عياض في "الشفاء" أنَّ أبا الفضل الجوهري لما ورد إلى المدينة زائرًا، وقرب من بيوتها ترجَّل ومشى باكيًا منشدًا.
ولما رأينا رسم من لم يدع لنا ... فؤادًا لعرفان الرسوم ولا لبا
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنه أن نلم به ركبا
وأنبئت بأن العلامة أبا عبد الله بن رشيد قال: لما قدمنا المدينة سنة أربع
стр. 5690
وثمانين وستمائة، كان معي رفيقي الوزير أبو عبد الله بن أبي القاسم بن الحكم، وكان أرمد، فلمَّا دخلنا ذا الحليفة أو نحوها نزلنا عن الأكوار، وقوي الشوق لقرب المزار، فنزل وبادر إلى المشي على قدميه احتسابًا لتلك الآثار، وإعظامًا لمن حلَّ تلك الديار، فأحس بالشفاء, فأنشد لنفسه في وصف الحال:
ولما رأينا من ربوع حبيبنا ... بيثرب أعلامًا أثرن لنا الحبا
وبالتراب منها إذا كحلنا جفوننا ... شفينا فلا بأسًا نخاف ولا كربا
وحين تبدَّى للعيون جمالها ... ومن بعدها عنا أذيلت لنا قربا
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ... لمن حلّ فيها أن نلم به ركبا
نسح سجال الدمع في عرصاته ... ونلثم من حب لواطئه التربا
стр. 5691
وإن نفادي دونه لخسارة ... ولو أن كفي تملك الشرق والغربا
فيا عجبًا ممن يحب بزعمه ... يقيم مع الدعوى ويستعمل الكذبا
وزلات مثلي لا تعدد كثرة ... وبعدي عن المختار أعظمها ذنبا
لما كنت سائرًا لقصد الزيارة في ربيع الآخر سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة، ولاح لنا عند الصباح جبل مفرح الأرواح, المبشر بقرب المزار من أشرف الديار، تسابق الزوار إليه، وتعالوا بالصعود عليه استعجالًا لمشاهدة تلك الآثار, فبرقت لوامع الأنوار النبوية، وهبّت عرف نسمات المعارف المحمدية، فطبنا وغبنا؛ إذ شهدنا أعلام ديار أشرف البرية:
ألا مع برق يغتدي ويروح ... أم النور من أرض الحجاز يلوح
وريح الصبا هبت بطيب عرفهم ... أم الروض في وجه الصباح يفوح
إذا ريح ذاك الحي هب فإنها ... حاة لمن يغدو لها ويروح
ترفق بنا يا حادي العيس والتفت ... فللنور بين الواديين وضوح
стр. 5692
فما هذه إلا ديار محمد ... وذاك سناها يغتدي ويروح
وإلّا فما للركب هاج اشتياقهم ... فكل من الشوق الشديد يصيح
وأنت مطايا الركب حتى كأنها ... حمام على قضب الأراك تنوح
وقد مدت الأعناق شوقًا وطرفها ... إلى النور من تلك الديار لموح
رأت دار من تهوى فزاد اشتياقها ... ومدمعها في الوجنتين سفوح
إذا العيس باحت بالغرام ولم تطق ... خفاء فما للصب ليس يبوح
ولما قربنا من ديار المدينة وأعلامها، وتدانينا من معاينة رباها الكريمة وآكامها، وانتشقنا عرف لطائف أزهارها، وبت لنواظرنا بوارق أنوارها، وترادفت واردات المنح والعطايا، ونزل القوم عن المطايا، فأنشدت متمثلًا:
أتيتك زائرًا وودت أني ... جعلت سواد عيني أمتطيه
ومالي لا أسير على المآقي ... إلى قبر رسول الله فيه
ولما وقع بصري على القبر الشريف والمسجد المنيف فاضت من الفرح
стр. 5693
سوابق العبرات حتى أصابت بعض الثرى والجدرات, وقلت:
أيها المغرم المشوق هنيئًا ... ما أنالوك من لذيذ التلاق
قل لعينيك تهملان سرورًا ... طالما أسعداك يوم الفراق
واجمع الوجد والسرور ابتهاجًا ... وجميع الأشجان والأشواق
ومر العين أن تفيض انهمالًا ... وتوالى بدمعها المهراق
هذه دارهم وأنت محب ... ما بقاء الدموع في الآماق
وقلت:
وكان ما كان مما لست أذكره ... فظن خيرًا ولا نسأل عن الخبر
ويستحَبُّ صلاة ركعتين تحية المسجد قبل الزيارة، وهذا إذا لم يكن مروره من جهة وجهه الشريف ﷺ , فإن كان استحبت الزيارة قبل التحية, قال في "تحقيق النصرة" وهو استدراك حسن, قاله بعض شيوخنا.
وفي منسك ابن فرحون, فإن قلت: المسجد إنما تشرَّف بإضافته إليه ﷺ , فينبغي البداءة بالوقوف عنده ﷺ , قلت: قال ابن حبيب في أوّل كتاب الصلاة:
стр. 5694
حدَّثني مطرف عن مالك عن يحيى بن سعيد عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قدمت من سفر، فجئت رسول الله ﷺ أسلِّم عليه وهو بفناء المسجد، فقال: "أدخلت المسجد فصليت فيه"؟ قلت: لا، قال: "فاذهب فادخل المسجد وصلّ فيه، ثم سلِّم علي".
ورخص بعضهم في تقديم الزيارة على الصلاة. قال ابن الحاج: وكل ذلك واسع, ولعل هذا الحديث لم يبلغهم، والله أعلم. انتهى.
وينبغي للزائر أن يستحضر من الخشوع ما أمكنه، وليكن مقتصدًا في سلامه بين الجهر والإسرار، وفي البخاري: أنَّ عمر ﵁ قال لرجلين من أهل الطائف: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ضربًا، ترفعان أصواتكم في مسجد
стр. 5695
رسول الله ﷺ .
وقد روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: لا ينبغي رفع الصوت على نبي حيًّا ولا ميتًا. وروي عن عائشة ﵂ أنها كانت تسمع صوت الوتد يوتد, والمسمار يضرب في بعض الدور المطيفة بمسجد النبي ﷺ , فترسل إليهم: لا تؤذوا رسول الله ﷺ .
قالوا: وما عمل علي بن أبي طالب ﵁ مصراعيْ داره إلا بالمصانع توقيًا لذلك، نقله ابن زبالة. فيجب الأدب معه كما في حياته.
وينبغي للزائر أن يتقدَّم إلى القبر الشريف من جهة القبلة، وإن جاء من جهة رجلي الصحابين فهو أبلغ في الأدب من الإتيان من جهة رأسه الكريم, ويستدبر القبلة ويقف قبالة وجهه ﷺ , بأن يقابل المسمار الفضة المضروب في الرخام الذي
стр. 5696
في الجدار، ولا عبرة بالقنديل الكبير اليوم؛ لأن هناك عدة قناديل.
وقد روي أن مالكًا لما سأله أبو جعفر المنصور العباسي: يا أبا عبد الله, أأستقبل رسول الله ﷺ وأدعو، أم أستقبل القبلة وأدعو؟ فقال له مالك: ولم تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى الله يوم القيامة.
لكن رأيت منسوبًا للشيخ تقي الدين بن تيمية في منسكه: إن هذه الحكاية كذب على مالك, وأنَّ الوقوف عند القبر بدعة، قال: ولم يكن أحد من الصحابة يقف عنده ويدعو لنفسه، ولكن كانوا يستقبلون القبلة ويدعون في مسجده ﷺ قال: ومالك من أعظم الأئمة كراهية لذلك.
стр. 5697
وينبغي أن يقف عند محاذاة أربعة أذرع, ويلازم الأدب والخشوع والتواضع، غاضّ البصر في مقام الهيبة، كما كان يفعل بين يديه في حياته، ويستحضر علمه بوقوفه بين يديه, وسماعه لسلامه، كما هو الحال في حال حياته؛ إذ لا فرق بين موته وحياته في مشاهدته لأمته, ومعرفته أحوالهم ونياتهم وعزائمهم وخواطرهم، وذلك عنده جليّ لا خفاء به.
فإن قلت: هذه الصفات مختصة بالله تعالى.
فالجواب: إن من انتقل إلى عالم البرزخ من المؤمنين يعلم أحوال الأحياء.
стр. 5698
غالبًا، وقد وقع كثير من ذلك كما هو مسطور في مظنَّة ذلك من الكتب.
وقد روى ابن المبارك عن سعيد بن المسيب: ليس من يوم إلّا ويعرض على النبي ﷺ أعمال أمته غدوة وعشية، فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم.
ويمثل الزائر وجهه الكريم ﵊ في ذهنه، ويحضر قلبه جلال رتبته وعلوّ منزلته، وعظيم حرمته، وإنَّ أكابر الصحابة ما كانوا يخاطبونه إلّا كأخي السرار، تعظيمًا لما عظَّم الله من شأنه.
وقد روى ابن النجار أن امرأة سألت عائشة ﵂: أن اكشفي لي عن قبر رسول الله ﷺ , فكشفته, فبكت حتى ماتت.
وحكي عن أبي الفضائل الحموي، أحد خدَّام الحجرة المقدسة، أنه شاهد شخصًا من الزوار الشيوخ، أتى باب مقصورة الحجرة الشريفة، فطأطأ رأسه نحو العتبة، فحركوه فإذا هو ميت، وكان ممن شهد جنازته.
стр. 5699
ثم يقول الزائر بحضور قلب، وغضّ بصر وصوت، وسكون جوارح وإطراق: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا خيرة الله، السلام عليك يا صفوة الله، السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبيين، السلام عليك يا قائد الغر المحجَّلين، السلام عليك وعلى أهل بيتك الطيبين الطاهرين، السلام عليك وعلى أزواجك الطاهرات أمهات المؤمنين، السلام عليك وعلى أصحابك أجمعين، السلام عليك وعلى سائر الأنبياء وسائر عباد الله الصالحين، جزاك الله يا رسول الله أفضل ما جازي نبيًّا ورسولًا عن أمته، وصلى الله عليك كُلَّما ذكرك الذاكرون، وغفل عن ذكرك الغافلون، أشهد أن لا إله إلا الله, وأشهد أنك عبده ورسوله وأمينه، وخيرته من خلقه، وأشهد أنك قد بلَّغت الرسالة, وأدَّيب الأمانة, ونصحت الأمة, وجاهدت في الله حق جهاده.
ومن ضاق وقته عن ذلك أو عن حفظه, فليقل ما تيسّر منه، أو مما يحصل به الغرض.
وفي "التحفة": أنَّ ابن عمر وغيره من السلف كانوا يقتصرون ويوجزون في
стр. 5700
هذا جدًّا. فعن مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، وناهيك به خبرة بهذا الشأن, من رواية ابن وهب عنه، يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
وعن نافع عن ابن عمر، أنه كان إذا قَدِم من سفر دخل المسجد، ثم أتى القبر المقدَّس فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه.
وينبغي أن يدعو، ولا يتكلّف السجع, فإنه قد يؤدي إلى الإحلال بالخشوع.
وقد حكى جماعة منهم الإمام أبو نصر بن الصباغ في "الشامل", الحكاية المشهورة عن العتبي، واسمه: محمد بن عبيد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب، وتوفي في سنة ثمان وعشرين ومائتين، وذكرها ابن النجار وابن عساكر وابن الجوزية في منبر الغرام الساكن عن
стр. 5701
محمد بن حرب الهلالي قال: أتيت قبر النبي ﷺ فزرته, وجلست بحذائه، فجاء أعرابي فزاره ثم قال: يا خير الرسل، إن الله أنزل عليك كتابًا صادقًا، قال فيه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ وقد جئتك مستغفرًا من ذنبي مستشفعًا بك إلى ربي, وأنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهنّ القاع والأكم
نفسي الفداء لقبرٍ أنت ساكن ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ووقف أعرابي على قبره الشريف وقال: اللهم إنك أمرت بعتق العبيد، وهذا حبيبك وأنا عبدك، فأعتقني من النار على قبر حبيبك، فهتف به هاتف: يا هذا, تسأل العتق لك وحدك، هلّا سألت لجميع الخلق, اذهب فقد أعتقناك من النار.
إن الملوك إذا شابت عبيدهم ... في رقهم أعتقوهم عتق أحرار
وأنت يا سيدي أولى بذا كرمًا ... قد شبت في الرق فاعتقني من النار
стр. 5702
وعن الحسن البصري قال: وقف حاتم الأصم على قبره ﷺ فقال: يا رب، إنا زرنا قبر نبيك فلا تردنا خائبين، فنودي: يا هذا, ما أذنَّا لك في زيارة قبر حبيبنا إلّا وقد قبلناك, فارجع أنت ومن معك من الزوار مغفورًا لكم.
وقال ابن أبي فديك: سمعت بعض من أدركت يقول: بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي ﷺ , فتلا هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] وقال: صلى الله عليك يا محمد، حتى يقولها سبعين مرة, ناداه ملك: صلى الله عليك يا فلان, ولم تسقط له حاجة.
قال الشيخ زين الدين المراغي وغيره: الأَوْلَى أن ينادي: يا رسول الله, وإن كانت الرواية: يا محمد، انتهى.
стр. 5703
وقد نبَّهت على ذلك مع مزيد بيان في كتاب "لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار".
فإن أوصاه أحد بإبلاغ السلام إلى النبي ﷺ فليقل: السلام عليك يا رسول الله من فلان.
ثم ينتقل عن يمينه قدر ذراع، فيسلّم على أبي بكر ﵁؛ لأنَّ رأسه بحذاء منكب رسول الله ﷺ ، على ما جزم به رزين وغيره، وعليه الأكثر، فيقول: السلام عليك يا خليفة سيد المرسلين، السلام عليك يا من أيَّد الله به -يوم الردة- الدِّين، جزاك الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا، اللهمَّ ارض عنه، وارض عنَّا به.
ثم ينتقل عن يمينه قدر ذراع، فيسلِّم على عمر بن الخطاب ﵁ فيقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين، السلام عليك يا من أيِّد الله به الدِّين، جزاك الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا، اللهمَّ ارض عنه، وارض عنا به.
стр. 5704
ثم يرجع إلى موقفه الأوَّل قبالة وجه سيدنا رسول الله ﷺ بعد السلام على سيدنا أبي بكر وعمر، فيحمد الله تعالى ويمجده، ويصلي على النبي ﷺ ، ويكثر من الدعاء والتضرّع، ويجدِّد التوبة في حضرته الكريمة، ويسأل الله بجاهه أن يجعلها توبة نصوحًا، ويكثر من الصلاة والسلام على النبي ﷺ بحضرته الشريفة؛ حيث يسمعه ويردّ عليه.
وقد روى أبو داود من حديث أبي هريرة: أنه ﷺ قال: "ما من مسلم يسلِّم علي إلّا ردَّ الله عليّ روحي حتى أرد ﵇".
стр. 5705
وعند ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من صلَّى عليَّ عند قبري سمعته، ومن صلّى عليَّ نائيًا بلغته".
وعن سليمان بن سحيم، مما ذكره القاضي عياض في الشفاء" قال: رأيت النبي ﷺ في النوم، فقلت: يا رسول الله، هؤلاء الذين يأتونك فيسلمون عليك, أتفقه سلامهم؟ قال: نعم وأرد عليهم.
ولا شكَّ أن حياة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- ثابتة معلومة مستمرة، ونبينا ﷺ أفضلهم، وإذا كان كذلك فينبغي أن تكون حياته ﷺ أكمل وأتمّ من
стр. 5706
حياة سائرهم.
فإن قال سقيم الطبع رديء الفهم: لو كانت حياته ﷺ مستمرة ثابتة, لما كان لرد روحه معنَى كما قال: "إلا ردَّ الله عليَّ روحي".
يجاب عن ذلك من وجوه:
أحدها: إن هذا إعلام بثبوت وصف الحياة دائمًا لثبوت رد السلام دائمًا, فوصف الحياة لازم لرد السلام اللازم، واللازم يجب وجوده عند ملزومه, أو ملزوم ملزومه، فوصف الحياة ثابت دائمًا؛ لأن ملزوم ملزومه ثابت دائمًا، وهذا من نفاثات سحر البيان في إثبات المقصود بأكمل أنواع البلاغة، وأجمل فنون البراعة التي هي قطرة من بحار بلاغته العظمى.
ومنها: إن ذلك عبارة عن إقبال خاصّ، والتفات روحانيّ يحصل من الحضرة النبوية إلى عالم الدنيا، وقوالب الأجساد الترابية، وتنزل إلى دائرة البشرية، حتى يحصل عند ذلك ردّ السلام، وهذا الإقبال يكون عامًّا شاملًا، حتى لو كان
стр. 5707
المسلِّمون في كل لمحة أكثر من ألف ألف ألف, لوسعهم ذلك الإقبال النبوي والالتفات الروحاني، ولقد رأيت من ذلك ما لا أستطيع أن أعبّر عنه، ولقد أحسن من سُئِلَ: كيف يرد النبي ﷺ على مَنْ سَلَّمَ عليه من مشارق الأرض ومغاربها في آنٍ واحد, فأنشد قول أبي الطيب:
كالشمس في وسط السماء ونورها ... يغشى البلاد مشارقًا ومغاربًا
стр. 5708
ولا ريب أن حاله ﷺ في البرزخ أفضل وأكمل من حال الملائكة، هذا سيدنا عزرائيل ﵇ يقبض مائة ألف روح في وقت واحد, ولا يشغله قبض عن قبض، وهو مع ذلك مشغول بعبادة الله تعالى، مقبل على التسبيح والتقديس، فنبينا ﷺ حي يصلي ويعبد ربه ويشاهده، لا يزال في حضرة اقترابه، متلذذًا بسماع خطابه، وقد تقدَّم الجواب عن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ في أواخر الخصائص من المقصد الرابع.
وقد روى الدارمي عن سعيد بن عبد العزيز قال: لما كان أيام الحرة، لم
стр. 5709
يؤذّن في مسجد النبي ﷺ ، ولم يبرح سعيد بن المسيب من المسجد، وكان لا يعرف وقت الصلاة إلّا بهمهمة يسمعها من قبر النبي ﷺ , وذكر ابن النجار وابن زبالة بلفظ: قال سعيد -يعني: ابن المسيب: فلمَّا حضرت الظهر سمعت الأذان في القبر، فصليت ركعتين، ثم سمعت الإقامة فصليت الظهر، ثم مضى ذلك الأذان والإقامة في القبر المقدَّس لكل صلاة حتى مضت الثلاث ليال، يعني: ليالى أيام الحرة.
وقد روى البيهقي وغيره: من حديث أنس أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون" , وفي رواية: "إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة، ولكنهم يصلون بين يدي الله حتى ينفخ في الصور".
стр. 5710
وله شواهد في الصحيح, منها: قوله في صحيح مسلم عنه ﷺ : "مررت بموسى وهو قائم يصلي في قبره" , وفي حديث أبي ذر في قصة المعراج: أنه لقي الأنبياء