← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

حياة سائرهم. فإن قال سقيم الطبع رديء الفهم: لو كانت حياته ﷺ مستمرة ثابتة, لما كان لرد روحه معنَى كما قال: "إلا ردَّ الله عليَّ روحي". يجاب عن ذلك من وجوه: أحدها: إن هذا إعلام بثبوت وصف الحياة دائمًا لثبوت رد السلام دائمًا, فوصف الحياة لازم لرد السلام اللازم، واللازم يجب وجوده عند ملزومه, أو ملزوم ملزومه، فوصف الحياة ثابت دائمًا؛ لأن ملزوم ملزومه ثابت دائمًا، وهذا من نفاثات سحر البيان في إثبات المقصود بأكمل أنواع البلاغة، وأجمل فنون البراعة التي هي قطرة من بحار بلاغته العظمى. ومنها: إن ذلك عبارة عن إقبال خاصّ، والتفات روحانيّ يحصل من الحضرة النبوية إلى عالم الدنيا، وقوالب الأجساد الترابية، وتنزل إلى دائرة البشرية، حتى يحصل عند ذلك ردّ السلام، وهذا الإقبال يكون عامًّا شاملًا، حتى لو كان

стр. 5707

المسلِّمون في كل لمحة أكثر من ألف ألف ألف, لوسعهم ذلك الإقبال النبوي والالتفات الروحاني، ولقد رأيت من ذلك ما لا أستطيع أن أعبّر عنه، ولقد أحسن من سُئِلَ: كيف يرد النبي ﷺ على مَنْ سَلَّمَ عليه من مشارق الأرض ومغاربها في آنٍ واحد, فأنشد قول أبي الطيب: كالشمس في وسط السماء ونورها ... يغشى البلاد مشارقًا ومغاربًا

стр. 5708

ولا ريب أن حاله ﷺ في البرزخ أفضل وأكمل من حال الملائكة، هذا سيدنا عزرائيل ﵇ يقبض مائة ألف روح في وقت واحد, ولا يشغله قبض عن قبض، وهو مع ذلك مشغول بعبادة الله تعالى، مقبل على التسبيح والتقديس، فنبينا ﷺ حي يصلي ويعبد ربه ويشاهده، لا يزال في حضرة اقترابه، متلذذًا بسماع خطابه، وقد تقدَّم الجواب عن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ في أواخر الخصائص من المقصد الرابع. وقد روى الدارمي عن سعيد بن عبد العزيز قال: لما كان أيام الحرة، لم

стр. 5709

يؤذّن في مسجد النبي ﷺ ، ولم يبرح سعيد بن المسيب من المسجد، وكان لا يعرف وقت الصلاة إلّا بهمهمة يسمعها من قبر النبي ﷺ , وذكر ابن النجار وابن زبالة بلفظ: قال سعيد -يعني: ابن المسيب: فلمَّا حضرت الظهر سمعت الأذان في القبر، فصليت ركعتين، ثم سمعت الإقامة فصليت الظهر، ثم مضى ذلك الأذان والإقامة في القبر المقدَّس لكل صلاة حتى مضت الثلاث ليال، يعني: ليالى أيام الحرة. وقد روى البيهقي وغيره: من حديث أنس أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون" , وفي رواية: "إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة، ولكنهم يصلون بين يدي الله حتى ينفخ في الصور".

стр. 5710

وله شواهد في الصحيح, منها: قوله في صحيح مسلم عنه ﷺ : "مررت بموسى وهو قائم يصلي في قبره" , وفي حديث أبي ذر في قصة المعراج: أنه لقي الأنبياء

стр. 5711

في السموات، وكلموه وكلمهم. وقد ذكرت مزيد بيان لذلك في حجة الوداع من مقصد عباداته، وفي ذكر الخصائص الكريمة في مقصد معجزاته، وفي مقصد الإسراء والمعراج. وهذه الصلوات والحج الصادر من الأنبياء ليس على سبيل التكليف، إنما هو على سبيل التلذذ, ويحتمل أن يكونوا في البرزخ ينسحب عليهم حكم الدنيا في استكثارهم من الأعمال وزيادة الأجور من غير خطاب بتكليف، وبالله التوفيق. وإذا ثبت بشهادة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] حياة الشهيد، ثبت للنبي ﷺ بطريق الأولى، والذي عليه جمهور العلماء أنَّ الشهداء أحياء حقيقية، وهل ذلك للروح فقط أو للجسد معها؟ بمعنى عدم البلى، قولان.

стр. 5712

وقد صحَّ عن جابر: أن أباه وعمرو بن الجموح, وكانا مَمَّن استُشْهِدا بأحد, ودفنا في قبر واحد، حتى حفر السيل قبرهما، فوجدا لم يتغيرا، وكان أحدهما قد جرح، فوضع يده على جرحه، فدفن وهو كذلك، فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت, فرجعت كما كانت. وكان بين ذلك وبين أحد ست وأربعون سنة. وروي عنه ﵊ أنه قال في شهداء أحد: "والذي نفسي

стр. 5713

بيده, لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلّا ردوا عليه". رواه البيهقي عن أبي هريرة. وقد قال ابن شهاب: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "أكثروا من الصلاة علي في الليلة الزهراء واليوم الأزهر، فإنهما يؤديان عنكم، وإن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء" رواه أبو داود وابن ماجه. ونقل ابن زبالة عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال: "من كلمه روح القدس لم يؤذن للأرض أن تأكل من لحمه". وقد ثبت أن نبينا ﷺ مات شهيدًا لأكله يوم خيبر من شاة مسمومة سمًّا قاتلًا من ساعته, حتى مات منه بشر بن البراء، وصار بقاؤه ﷺ معجزة، فكان به ألم

стр. 5714

السم يتاعهده إلى أن مات به، ولذا قال في مرض موته -كما مَرَّ: "مازالت أكلة خيبر تعادّني حتى كان الآن قطعت أبهري". والأبهران: عرقان يخرجان من القلب تتشعّب منهما الشرايين، كما ذكره في الصحّاح. قال العلماء: فجمع الله له بذلك بين النبوّة والشهادة, انتهى. وقد اختلف في محل الوقوف للدعاء, فعند الشافعية أنه قبالة وجهه -كما ذكرته، وقال ابن فرحون من المالكية: اختلف أصحابنا في محل الوقوف للدعاء، ففي الشفاء قال مالك -في رواية ابن وهب: إذا سلّم على النبي ﷺ يقف للدعاء ووجهه إلى القبر الشريف لا إلى القبلة، وقد سأل الخليفة المنصور مالكًا

стр. 5715

فقال: يا أبا عبد الله، أأستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله ﷺ ؟ فقال مالك: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك, ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى الله يوم القيامة. وقال مالك في "المبسوط": لا أرى أن يقف عند القبر يدعو، ولكن يسلم ويمضي. قال ابن فرحون: ولعلَّ ذلك ليس اختلاف قول، وإنما أمر المنصور بذلك؛ لأنه يعلم ما يدعو به، ويعلم آداب الدعاء بين يديه ﷺ ، فأمِنَ عليه من سوء الأدب, فأفتاه بذلك، وأفتى العامَّة أن يسلموا وينصرفوا لئلَّا يدعوا تلقاء وجهه الكريم ويتوسَّلوا به

стр. 5716

في حضرته إلى الله العظيم فيما لا ينفي الدعاء به، أو فيما يكره أو يحرم, فمقاصد الناس وسرائرهم مختلفة، وأكثرهم لا يقوم بآداب الدعاء ولا يعرفها، فلذلك أمرهم مالك بالسلام والانصراف. انتهى. ورأيت مما نسب للشيخ تقي الدين بن تيمية في منسكه: ولا يدعو هناك مستقبل الحجرة، ولا يصلي إليها ولا يقبلها، فإن هذا كله منهي عنه باتفاق الأئمة، ومالك من أعظم الأئمة كراهية لذلك، والحكاية المروية عنه أنه أمر المنصور أن يستقبل القبر وقت الدعاء كذب على مالك, وكذا قال والله أعلم، انتهى.

стр. 5717

وأما قول الأبوصيري في بردة المديح: لا طيب يعدل تربًا ضم أعظمه ... طوبى لمنتشق منه وملتثم فقال شارحها العلامة ابن مرزوق وغيره: كأنَّه إشارة إلى النوعين المستعملين في الطيب؛ لأنه إمَّا أن يستعمل بالشمّ، وإليه أشار بقوله "لمنتشق", وإما بالتضمخ وإليها أشار بـ "ملتثم", قال: وأقلّ ذلك بتعفير جبهته وأنفه بتربته حال السجود في مسجده ﷺ , فليس المراد به تقبيل القبر الشريف, فإنه مكروه. ونقل الزركشي عن السيرافي: أن "طوبى" الطيب، وكذا قال ابن مرزوق: طوبى فعلى من أنواع الطيب. وهذا مبني على أنَّ المراد أنَّ تربته أفضل أنواع الطيب باعتبار الحقيقة الحسية، وذلك إمَّا لأنه كذلك في نفس الأمر، أدركه من أدركه أم لا، وإما باعتبار اعتقاد المؤمن في ذلك, فإن المؤمن لا يعدل بشمّ رائحة تربته ﵇ شيئًا من

стр. 5718

الطيب: فإن قلت: لو كان المراد الحقيقة الحسية لأدرك ذلك كل أحد. فالجواب: لا يلزم من قيام المعنى بمحل إدراكه لكل أحد، بل حتى توجد الشرائط، وتنتفي الموانع، وعدم الإدراك لا يدل على عدم المدرك، وانتفاء الدليل لا يدل على انتفاء المدلول، فالمزكوم لا يدرك رائحة المسك، مع أن الرائحة قائمة بالمسك لم تنتف عنه. ولما كانت أحوال القبر من الأمور الأخروية، لا جرم لا يدركها من الأحياء إلّا من كشف له الغطاء من الأولياء المقرَّبين؛ لأن متاع الآخرة باقٍ، ومن الدنيا فانٍ، والفاني لا يتمتع بالباقي للتضاد، ولا ريب عند من له أدنى تعلّق بشريعة الإسلام أن قبره ﷺ روضة من رياض الجنة، بل أفضلها، وإذا كان القبر كما ذكرنا وقد حوى جمسه الشريف ﵊ الذي هو أطيب الطيب، فلا مرية أنه لا طيب يعدل تراب قبره المقدّس. ويرحم الله أبا العباس أحمد بن محمد العريف حيث يقول في قصيدته التي أولها:

стр. 5719

إذا ما حدا الحادي بأحمال يثرب ... فليت المطايا فوق خدي تعبق ثم قال بعد أبيات: فما عبق الريحان إلّا وتربها ... أجلّ من الريحان وأعبق راحت ركائبهم تبدي روائحها ... طيبًا فيا طيب ذاك الوفد أشباحًا نسيم قبر النبي المصطفى لهم ... روض إذا نشروا من ذكره فاحا ولله در القائل: فاح الصعيد بجسمه فكأنه ... روض ينمّ بعرفه المتأرج ما جسمه مما يغيره الثرى ... والروح منه كالصباح الأبلج

стр. 5720

وقال ابن بطال في قوله ﷺ : "المدينة يَنْصَع طيبها" , هو مثل ضربه للمؤمن المخلص الساكن فيها، الصابر على لأوائها مع فراق الأهل, والتزام المخافة من العدو، فلمَّا باع نفسه من الله, والتزم هذا الأمر بأن صدقه, ونصع إيمانه وقوي لاغتباطه بسكنى المدينة, وبقربه من رسوله، كما ينصع ريح الطيب فيها ويزيد عبقًا على سائر البلاد، خصوصية خصَّ الله بها بلدة رسول الله ﷺ الذي اختار تربتها المباشرة جسده الطيب المطهّر، وقد جاء في الحديث: "إن المؤمن يقبر في التربة التي خلق منها".

стр. 5721

فكانت بهذا تربة المدينة أفضل الترب، كما أنه هو ﷺ أفضل البشر، فلهذا والله أعلم يتضاعف ريح الطيب فيها على سائر البلدان، انتهى. وينبغي للزائر أن يكثر من الدعاء والتضرّع والاستغاثة والتشفّع والتوسّل به ﷺ , فجدير بمن استشفع به أن يشفعه الله تعالى فيه. واعلم أن الاستغاثة هي طلب الغوث، فالمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث منه، فلا فرق بين أن يعبّر بلفظ: الاستغاثة أو التوسل أو التشفع أو التجوّه أو التوجّه؛ لأنهما من الجاه والوجاهة ومعناه: علوّ القدر والمنزلة. وقد يتوسل بصاحب الجاه إلى من هو أعلى منه، ثم إن كلًّا من الاستغاثة والتوسّل والتشفع والتوجه بالنبي ﷺ -كما ذكره في "تحقيق النصرة", و "مصباح

стр. 5722

الظلام" واقع في كل حال، قبل خلقه وبعد خلقه، في مدة حياته في الدنيا وبعد موته في مدة البرزخ، وبعد البعث في عرصات القيامة. فأمّا الحالة الأولى: فحسبك ما قدمته في المقصد الأول من استشفاع آدم ﵇ به لما أخرج من الجنة، وقول الله تعالى له: يا آدم, لو تشفعت إلينا بمحمد في أهل السماوات والأرض لشفعناك. وفي حديث عمر بن الخطاب عند الحاكم والبيهقي وغيرهما: وإن سألتني بحقّه فقد غفرت لك. ويرحم الله ابن جابر حيث قال: به قد أجاب الله آدم إذ دعا ... ونجَّى في بطن السفينة نوح وما ضرت النار الخليل لنوره ... ومن أجله نال الفداء ذبيح وصحَّ أن رسول الله ﷺ قال: "لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب، أسألك بحق محمد لما غفرت لي، قال الله تعالى: يا آدم، وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه، قال: يا رب، إنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك، رفعت رأسي فرأيت قوائم العرش مكتوبًا عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله, فعرفت أنك لا

стр. 5723

تضيف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله تعالى: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إلي، وإذ سألتني بحقّه فقد غفرت لك, ولولا محمد ما خلقتك". ذكره الطبري، وزاد فيه: "وهو آخر الأنبياء من ذريتك". وأمَّا التوسل به بعد خلقه في مدة حياته، فمن ذلك الاستغاثة به ﷺ عند القحط وعدم الأمطار، وكذلك الاستغاثة به من الجوع ونحو ذلك مما ذكرته في مقصد المعجزات ومقصد العبادات في الاستسقاء، ومن ذلك استغاثة ذوي العاهات به, وحسبك ما رواه النسائي والترمذي عن عثمان بن حنيف، أن رجلًا ضريرًا أتاه ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: "اللهم إني أسألك وأتوجّه إليك بنبيك محمد, نبي الرحمة، يا محمد, إني أتوجه بك إلى ربك في حاجتي لتقضي، اللهم شفّعه في" وصحَّحه البيهقي،

стр. 5724

وزاد: فقام وقد أبصر. وأمَّا التوسل به ﷺ بعد موته في البرزخ, فهو أكثر من أن يحصى أو يدرك باستقصاء, وفي كتاب "مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام" للشيخ أبي عبد الله بن النعمان طرف من ذلك. ولقد كان حصل لي داء أعيا دواؤه الأطباء، وأقمت به سنين، فاستغثت به ﷺ ليلة الثامن والعشرين من جمادي الأولى سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة, بمكة زداها الله شرفًا، ومنَّ عليَّ بالعود في عافية بلا محنة، فبينا أنا نائم إذا جاء رجل معه قرطاس يكتب فيه: هذا دواء لداء أحمد بن القسطلاني من الحضرة الشريفة, بعد الإذن الشريف النبوي، ثم استيقظت فلم أجد بي- والله شيئًا مما كنت أجده, وحصل الشفاء ببركة النبي ﷺ . ووقع لي أيضًا في سنة خمس وثمانين وثمانمائة في طريق مكة، بعد رجوعي من الزيارة الشريفة لقصد مصر، أن صرعت خادمتنا غزال الحبشية، واستمر بها

стр. 5725

أيامًا، فاستشفعت به ﷺ في ذلك، فأتاني آتٍ في منامي، ومعه الجني الصارع لها, فقال: لقد أرسله لك النبي ﷺ فعاتبته, وحلفته أن لا يعود إليها، ثم استيقظت وليس بها قلبة كأنما نشطت من عقال، ولا زالت في عافية من ذلك حتى فارقتها بمكة سنة أربع وتسعين وثمانمائة، والحمد لله رب العالمين. وأما التوسّل به ﷺ في عرصات القيامة، فما قام عليه الإجماع, وتواترت به الأخبار في حديث الشفاعة. فعليك أيها الطالب إدراك السعادة الموصّل لحسن الحال في حضرة الغيب والشهادة, بالتعلق بأذيال عطفه وكرمه، والتطفل على موائد نعمه، والتوسُّل بجاهه الشريف, والتشفُّع بقدره المنيف، فهو الوسيلة إلى نيل المعالي واقتناص المرام، والمفزع يوم الجزع والهلع لكافة الرسل الكرام، واجعله أمامك فيما نزل بك من النوازل، وإمامك فيما تحاول من القرب والمنازل، فإنك تظفر من المراد بأقصاه،

стр. 5726

وتدرك رضى من أحاط بكل شيء علمًا وأحصاه، واجتهد ما دمت بطيبة الطيبة حسب طاقتك في تحصيل أنواع القربات، ولازم قرع أبواب السعادات بأظافير الطلبات، وارق في مدارج العبادات، ولج في سرادق المرادات. تمتع إن ظفرت بنيل قرب ... وحصل ما استطعت من ادخار فها أنا قد أبحت لكم عطائي ... وها قد صرت عندي في جواري فخذ ما شئت من كرم وجود ... ونل ما شئت من نعم غزار فقد وسعت أبواب التداني ... وقد قرب للزوار داري فمتّع ناظريك فها جمالي ... تجلى للقلوب بلا استتار ولازم الصلوات مكتوبة ونافلة في مسجده المكرّم, خصوصًا بالروضة التي ثبت أنها روضة من رياض الجنة. كما رواه البخاري.

стр. 5727

قال ابن أبي جمرة: معناه: تنقل تلك البقعة بعينها في الجنة, فتكون روضة من رياض الجنة، قال: والأظهر الجمع بين الوجهين معًا، يعني: احتمال كونها تنقل إلى الجنة، وكون العمل فيها يوجب لصاحبه روضة في الجنة، قال: ولكل وجه منهما دليل يعضّده ويقويه من جهة النظر والقياس. أما الدليل على أنَّ العمل فيها يوجب روضة في الجنة، فلأنه إذا كانت الصلاة في مسجده ﷺ بألف فيما سواه من المساجد، فلهذه البقعة زيادة على باقي البقع, كما كان للمسجد زيادة على غيره. وأما الدليل على كونها بعينها في الجنة، وكون المنبر أيضًا على الحوض، كما أخبر ﷺ , وأن الجذع في الجنة، والجذع في البقعة نفسها، فالعلة التي

стр. 5728

أوجبت للجذع الجنة هي في البقعة سواء، على ما أذكره بعد إن شاء الله تعالى. والذي أخبر بهذا أخبر بهذا فينبغي الحمل على أكمل الوجوه، وهو الجمع بينهما، لأنه قد تقرر من قواعد الشرع أن البقعة المباركة، ما فائدة بركتها لنا، والإخبار بها لنا إلا لتعميرها بالطاعات، فإن الثواب فيها أكثر، وكذلك الأيام المباركة أيضًا، فعلى هذا يكون الموضع روضة من رياض الجنة الآن، ويعود روضة كما كان في موضعه، ويكون للعامل بالعمل فيها روضة في الجنة، وهو الأظهر لوجهين: أحدهما: لعلوّ منزلته ﷺ , ولما خصّ الخليل ﵇ بالحجر من الجنة، خص الحبيب ﷺ بالروضة من الجنة.

стр. 5729

وها هنا بحث: لم جعلت هذه البقعة من بين سائر البقع روضة من رياض الجنة؟ فإن قلنا: تعبد, فلا بحث، وإن قلنا: لحكمة, فحينئذ يحتاج إلى البحث. والأظهر أنه لحكمة, وهي أنه قد سبق في العلم الرباني بما ظهر أن الله فضله على جميع خلقه، وأنَّ كل ما كان منه بنسبة ما من جميع المخلقوات, يكون له تفضيل على جنسه, كما استقرئ في كل أموره، من بدء ظهوره ﷺ إلى حين وفاته، في الجاهلية والإسلام, فمنها ما كان في شأن أمه، وما نالها من بركته مع الجاهلية الجهلاء، حسب ما هو مذكور معلوم, ومثل ذلك حليمة السعدية، وحتى الأتان, وحتى البقعة التي تجعل أتانه يدها عليها تخضر من حينها، وما هو من ذلك كله معلوم. كان مشيه ﷺ حيث ما مشى ظهرت البركات مع ذلك كله، وحيث وضع ﷺ يده المباركة ظهر في ذلك كله من الخيرات والبركات حسًّا ومعنًى، كما هو منقول معروف. ولما شاءت القدرة أنه ﷺ لا بُدَّ له من بيت، ولا بُدَّ له من منبر، وأنه

стр. 5730

بالضرورة يكثر بمشيئة ﷺ بين المنبر والبيت، فالحرمة التي أعطي غيرهما إذا كان من مسّه واحدة بمباشرته, أو بواسطة حيوان أو غيره تظهر البركة والخير، فكيف مع كثرة ترداده ﷺ في البقعة الواحدة مرارًا في اليوم الواحد طول عمره، من وقت هجرته إلى حين وفاته. فلم يبق من الترفيع بالنسبة إلى عالمها أعلى مما وصفناه، وهو أنَّها كانت من الجنة، وتعود إليها، وهي الآن منها. وللعامل فيها مثلها، فلو كانت مرتبة يمكن أن تكون أرفع من هذه في هذه الدار، لكان لهذه أعلى مرتبة مما ذكرناه في جنسها. فإن احتج محتج لا فهم له بأن يقول: ينبغي أن يكون ذلك للمدينة بكمالها؛ لأنه ﷺ كان يطؤها بقدمه مرارًا. فالجواب: إنه قد حصل للمدينة تفضيل لم يحصل لغيرها، من ذلك أنَّ ترابها شفاء كما أخبر ﷺ ، مع ما شاركت فيه البقعة المكرَّمة من منعها من الدجال وتلك الفتن العظام, وأنه ﷺ أوّل ما يشفع لأهلها يوم القيامة، وأنَّ ما كان بها من الوباء والحمَّى رُفِعَ عنها، وأنَّه بورك في طعامها وشرابها وأشياء كثيرة،

стр. 5731

فكان التفضيل لها بنسبة ما أشرنا إليه أولًا، بأنَّ تردده ﷺ في المسجد نفسه أكثر مما في المدينة نفسها، وتردده ﷺ فيما بين المنبر والبيت أكثر مما سواه من سائر المسجد، فالبحث تأكد بالاعتراض؛ لأنه جاءت البركة مناسبة لتكرار تلك الخطوات المباركة، والقرب من تلك النسمة المرتفعة لا خفاء فيه إلا على ملحد أعمى البصيرة، فالمدينة أرفع المدن، والمسجد أرفع المساجد، والبقعة أرفع البقع، قضية معلومة، وحجة ظاهرة موجودة. انتهى. وقال الخطَّابي: المراد من هذا الحديث الترغيب في سكنى المدينة، وأنَّ من لازم ذكر الله في مسجدها آل به إلى روضة من رياض الجنة، وسقي يوم القيامة من الحوض, انتهى. وقد تقدَّم في الخصائص من مقصد المعجزات مزيد لذلك ...

стр. 5732

وعند مسلم من حديث ابن عمر ﵄، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام". وقد اختلف العماء في المراد بهذا الاستثناء على حسب اختلافهم في مكة والمدينة أيهما أفضل؟ فذهب سفيان بن عيينة والشافعي وأحمد -في أصح الروايتين عنه, وابن وهب ومطرف وابن حبيب -الثلاثة من المالكية, وحكاه الساجي عن عطاء بن أبي رباح، والمكيين والكوفيين، وحكاه ابن عبد البر عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي الدرداء وجابر وابن الزبير وقتادة، وجماهير العلماء، أن مكة أفضل من المدينة، وأن مسجد مكة أفضل من مسجد المدينة؛ لأن الأمكنة تشرف بفضل العبادة فيها على

стр. 5733

غيرها مما تكون العبادة فيها مرجوحة. وقد حكى ابن عبد البر أنه روي عن مالك ما يدل على أن مكَّة أفضل الأرض كلها، قال: ولكن المشهور عن أصحابه في مذهبه تفضيل المدينة. انتهى. وقال مالك: المدينة ومسجدها أفضل. ومما احتج به أصحابنا لتفضيل مكة حديث عبد الله بن الحمراء, أنه سمع رسول الله ﷺ وهو واقف على راحلته يقول: "والله إنك لخير أرض الله وأحبها إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت" , قال الترمذي: حسن صحيح. وقال ابن عبد البر: "هذا أصح الآثار عنه ﷺ , قال: وهذا قاطع في محل الخلاف. انتهى.

стр. 5734

فعند الشافعي والجمهور معناه -أي: الحديث: "إلّا المسجد الحرام" فإنَّ الصلاة فيه أفضل من الصلاة في مسجدي. وعند مالك وموافقيه: إلا المسجد الحرام فإن الصلاة في مسجدي تفضله بدون الألف. وعن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلّا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا" رواه أحمد وابن حزيمة وابن حبان في صحيحه وزاد: يعني في مسجد المدينة، والبزار ولفظه: "صلاة في مسجدي هذا

стр. 5735

أفضل من ألف صلاة فيما سواه, إلا المسجد الحرام, فإنه يزيد عليه مائة". قال المنذري: وإسناده صحيح أيضًا. ومما يستدل به المالكية، ما ذكره ابن حبيب في "الواضحة" أنه ﷺ قال: "صلاة في مسجدي كألف صلاة فيما سواه, وجمعة في مسجدي كألف جمعة فيما سواه، ورمضان في مسجدي كألف رمضان فيما سواه".

стр. 5736

ومذهب عمر بن الخطاب وبعض الصحابة وأكثر المدنيين -كما قاله القاضي عياض: إن المدينة أفضل، وهو أحد الروايتين عن أحمد. وأجمعوا على أن الموضع الذي ضمَّ أعضاءه الشريفة ﷺ أفضل بقاع الأرض، حتى موضع الكعبة، كما قاله ابن عساكر والباجي والقاضي عياض، بل نقل التاج السبكي كما ذكره السيد السمهودي في "فضائل المدينة", عن ابن عقيل الحنبلي: إنها أفضل من العرش، وصرَّح الفاكهاني بتفضيلها على السماوات, ولفظه: وأقول أنا: وأفضل من بقاع السماوات أيضًا. ولم أر من تعرض لذلك، والذي أعتقده لو أن ذلك عرض على علماء الأمة لم يختلفوا فيه، وقد جاء أن السماوات شرفت

стр. 5737

بمواطئ قدميه، بل لو قال قائل: إن جميع بقاع الأرض أفضل من جميع بقاع السماء لشرفها؛ لكونه ﷺ حالًّا فيها لم يبعد، بل هو عندي الظاهر المتعيّن. انتهى. وحكاه بعضهم عن الأكثرين لخلق الأنبياء منها ودفنهم فيها، لكن قال النووي: والجمهور على تفضيل السماء على الأرض، أي: ما عدا ما ضمّ الأعضاء الشريفة. وقد استشكل ما ذكره من الإجماع على أفضلية ما ضمّ أعضاءه الشريفة على جميع بقاع الأرض، ويؤيده ما قاله الشيخ عز الدين بن عبد السلام في تفضيل بعض الأماكن على بعض، من أنَّ الأماكن والأزمان كلها متساوية، ويفضلان بما يقع فيهما, لا بصفات قائمة بهما. قال: ويرجع تفضيلهما إلى ما ينيل الله العباد فيهما من فضله وكرمه، والتفضيل الذي فيهما أنَّ الله تعالى يجود على عباده بتفضيل أجر العاملين فيهما. انتهى ملخصًا.

стр. 5738

لكن تعقَّبه الشيخ تقي الدين السبكي بما حاصله: إن الذي قاله لا ينفي أن يكون التفضيل لأمر آخر فيهما, وإن لم يكن عمل؛ لأن قبر رسول الله ﷺ ينزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة، وله عند الله من المحبَّة, ولساكنه ما تقصر العقول عن إدراكه، وليس ذلك لمكان غيره، فكيف لا يكون أفضل؟ وليس محل عمل لنا؛ لأنه ليس مسجدًا، ولا له حكم المسجد، بل هو مستحق للنبي ﷺ . وأيضًا فقد تكون الأعمال مضاعفة فيه باعتبار أن النبي ﷺ حي كما تقرره، وأن أعماله مضاعفة فيه أكثر من كل أحد، فلا يختص التضعيف بأعمالنا نحن. قال: ومن فهم هذا انشرح صدره, لما قاله القاضي عياض من تفضيل ما ضمّ أعضاءه الشريفة ﷺ باعتبارين: أحدهما: ما قيل: إنَّ كل أحد يدفن في الموضع

стр. 5739

الذي خلق منه، والثاني: تنزل الملائكة والبركات عليه، وإقبال الله تعالى. ولا نسلم أن الفضل للمكان لذاته, ولكن لأجل من حلَّ فيه ﷺ . انتهى. وقد روى أبو يعلي عن أبي بكر أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقبض النبي إلّا في أحبّ الأمكنة إليه" , ولا شكَّ أن أحبها إليها أحبها إلى ربه تعالى؛ لأن حبه تابع لحب ربه -جلَّ وعلا، وما كان أحبَّ إلى الله ورسوله كيف لا يكون أفضل؟ وقد قال ﷺ : "اللهم إن إبراهيم دعاك لمكة, وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك إبراهيم لمكة ومثله معه" , ولا ريب أن دعاء النبي ﷺ أفضل من دعاء إبراهيم؛ لأن فضل الدعاء على قدر فضل الداعي. وقد صحَّ أنه ﷺ قال:

стр. 5740

"اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد" , وفي رواية "بل أشد" وقد أجيبت دعوته, حتى كان يحرك دابته إذا رآها من حبها. وروى الحاكم أنه ﷺ قال: "اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إلي, فأسكني في أحب البقاع إليك" أي: فيه موضع تصيره كذلك، فيجتمع فيه الحبان، قيل: وضعَّفه ابن عبد البر، ولو سلمت صحته فالمراد: أحب إليك بعد مكة؛ لحديث "إن مكة خير بلاد الله"، وفي رواية "أحب أرض الله إلى الله"، ولزيادة التضعيف بمسجد مكة. وتعقبه العلامة السيد السمهودي: "بأن ما ذكر لا يقتضي صرفه عن ظاهره؛ إذ القصد به الدعاء لدار هجرته بأن يصيّرها الله كذلك. وحديث: "إن مكة خير بلاد الله" محمول على بدء الأمر قبل ثبوت الفضل للمدينة، وإظهار الدِّين، وافتتاح البلاد منها حتى مكة، فقد أنالها وأنال بها ما لم يكن لغيرها من البلاد، فظهر إجابة دعوته، وصيرورتها أحب مطلقًا بعد، ولهذا افترض الله تعالى على نبيه ﷺ

стр. 5741

الإقامة بها، وحثَّ هو ﷺ على الاقتداء به في سكناها والموت بها، فكيف لا تكون أفضل. قال: وأمَّا مزيد المضاعفة، فأسباب التفضيل لا تنحصر في ذلك، فالصلوات الخمس بمنى للمتوجه لعرفة أفضل منها بمسجد مكة، وإن انتفت عنها المضاعفة؛ إذ في الاتباع ما يربو عليها، ومذهبنا: شمول المضاعفة للنَّفل مع تفضيله بالمنزل، ولهذا قال عمر ﵁ بمزيد المضاعفة لمسجد مكة، مع قوله بتفضيل المدينة، ولم يصب من أخذ من قوله بمزيد المضاعفة: تفضيل مكة؛ إذ غايته أن للمفضول مزية ليست للفاضل، مع أن دعاءه ﷺ بمزيد تضعيف البركة بالمدينة على مكة شامل للأمور الدينية أيضًا, وقد يبارك في العدد القليل فيربو على الكثير، ولهذا استدلّ به على تفضيل المدينة. وإن أريد من حديث المضاعفة الكعبة فقط، فالجواب: إن الكلام فيما

стр. 5742

عداها، فلا يرد شيء مما جاء في فضلها، ولا ما بمكة من مواضع النسك لتعلقه بها، ولذا قال عمر لعبد الله بن عياش المخزومي: أنت القائل: لمكة خير من المدينة؟ فقال عبد الله: هي حرم الله وأمنه وفيها بيته، فقال عمر: لا أقول في حرم الله وبيته شيئًا، ثم كرر عمر قوله الأول، فأعاد عبد الله جوابه، فأعاد له: لا أقول في حرم الله وبيته شيئًا، فأشير إلى عبد الله فانصرف. وقد عوضت المدينة عن العمرة، ما صحَّ في إتيان مسجد قباء، وعن الحج ما جاء في فضل الزيارة النبوية والمسجد، والإقامة بعد النبوة بالمدينة, وإن كانت أقل من الإقامة مكة على القول به، فقد كانت سببًا لإعزاز الدين وإظهاره، ونزول أكثر

стр. 5743

الفرائض وإكمال الدّين، حتى كثر تردّد جبريل ﵇ بها، ثم استقرَّ بها ﷺ إلى قيام الساعة, ولهذا قيل لمالك: أيما أحب إليك المقام هنا -يعني المدينة- أو مكة؟ فقال: هنا، وكيف لا أختار المدينة وما بها طريق إلّا سلك عليها رسول الله ﷺ ، وجبريل ينزل عليه من عند رب العالمين في أقل من ساعة؟ وروى الطبراني حديث "المدينة خير من مكة" , وفي رواية للجندي "أفضل من مكة" , وفيه: محمد بن عبد الرحمن الرداد، ذكره ابن حبان في الثقات, وقال: كان يخطيء، وقال أبو زرعة: ليّن، وقال ابن عدي: روايته ليست محفوظة، وقال أبو حاتم: ليس بقوي. وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد".

стр. 5744

أي: أمرني الله بالهجرة إليها، إن كان قاله ﷺ بمكة، أو بسكناها، إن كان قاله بالمدينة. وقال القاضي عبد الوهاب: لا معنى لقوله: "تأكل القرى" إلّا رجوح فضلها عليها، أي: على القرى وزيادتها على غيرها.

стр. 5745

وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون المراد بذلك غلبة فضلها على فضل غيرها، أي: إن الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى تكون عدمًا، وهذا أبلغ من تسمية مكة "أم القرى"؛ لأن الأمومة لا ينمحي معها ما هي له أم، لكن يكون لها حق الأمومة، انتهى. ويحتمل أن يكون المراد غلبة أهله على القرى، والأقرب: حمله عليهما؛ إذ هو أبلغ في الغرض المسوق له. انتهى ما قاله السيد السمهودي. وقد أطلت في الاحتجاج لتفضيل المدينة على مكة، وإن كان مذهب إمامنا الشافعي ﵀ تفضيل مكة؛ لأن هوى كل نفس أين حلَّ حبيبها. عليَّ لربع العامرية وقفة ... ليملي على الشوق والدمع كاتب
следующие страницы →