الإقامة بها، وحثَّ هو ﷺ على الاقتداء به في سكناها والموت بها، فكيف لا تكون أفضل.
قال: وأمَّا مزيد المضاعفة، فأسباب التفضيل لا تنحصر في ذلك، فالصلوات الخمس بمنى للمتوجه لعرفة أفضل منها بمسجد مكة، وإن انتفت عنها المضاعفة؛ إذ في الاتباع ما يربو عليها، ومذهبنا: شمول المضاعفة للنَّفل مع تفضيله بالمنزل، ولهذا قال عمر ﵁ بمزيد المضاعفة لمسجد مكة، مع قوله بتفضيل المدينة، ولم يصب من أخذ من قوله بمزيد المضاعفة: تفضيل مكة؛ إذ غايته أن للمفضول مزية ليست للفاضل، مع أن دعاءه ﷺ بمزيد تضعيف البركة بالمدينة على مكة شامل للأمور الدينية أيضًا, وقد يبارك في العدد القليل فيربو على الكثير، ولهذا استدلّ به على تفضيل المدينة.
وإن أريد من حديث المضاعفة الكعبة فقط، فالجواب: إن الكلام فيما
стр. 5742
عداها، فلا يرد شيء مما جاء في فضلها، ولا ما بمكة من مواضع النسك لتعلقه بها، ولذا قال عمر لعبد الله بن عياش المخزومي: أنت القائل: لمكة خير من المدينة؟ فقال عبد الله: هي حرم الله وأمنه وفيها بيته، فقال عمر: لا أقول في حرم الله وبيته شيئًا، ثم كرر عمر قوله الأول، فأعاد عبد الله جوابه، فأعاد له: لا أقول في حرم الله وبيته شيئًا، فأشير إلى عبد الله فانصرف.
وقد عوضت المدينة عن العمرة، ما صحَّ في إتيان مسجد قباء، وعن الحج ما جاء في فضل الزيارة النبوية والمسجد، والإقامة بعد النبوة بالمدينة, وإن كانت أقل من الإقامة مكة على القول به، فقد كانت سببًا لإعزاز الدين وإظهاره، ونزول أكثر
стр. 5743
الفرائض وإكمال الدّين، حتى كثر تردّد جبريل ﵇ بها، ثم استقرَّ بها ﷺ إلى قيام الساعة, ولهذا قيل لمالك: أيما أحب إليك المقام هنا -يعني المدينة- أو مكة؟ فقال: هنا، وكيف لا أختار المدينة وما بها طريق إلّا سلك عليها رسول الله ﷺ ، وجبريل ينزل عليه من عند رب العالمين في أقل من ساعة؟
وروى الطبراني حديث "المدينة خير من مكة" , وفي رواية للجندي "أفضل من مكة" , وفيه: محمد بن عبد الرحمن الرداد، ذكره ابن حبان في الثقات, وقال: كان يخطيء، وقال أبو زرعة: ليّن، وقال ابن عدي: روايته ليست محفوظة، وقال أبو حاتم: ليس بقوي.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد".
стр. 5744
أي: أمرني الله بالهجرة إليها، إن كان قاله ﷺ بمكة، أو بسكناها، إن كان قاله بالمدينة.
وقال القاضي عبد الوهاب: لا معنى لقوله: "تأكل القرى" إلّا رجوح فضلها عليها، أي: على القرى وزيادتها على غيرها.
стр. 5745
وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون المراد بذلك غلبة فضلها على فضل غيرها، أي: إن الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى تكون عدمًا، وهذا أبلغ من تسمية مكة "أم القرى"؛ لأن الأمومة لا ينمحي معها ما هي له أم، لكن يكون لها حق الأمومة، انتهى.
ويحتمل أن يكون المراد غلبة أهله على القرى، والأقرب: حمله عليهما؛ إذ هو أبلغ في الغرض المسوق له. انتهى ما قاله السيد السمهودي.
وقد أطلت في الاحتجاج لتفضيل المدينة على مكة، وإن كان مذهب إمامنا الشافعي ﵀ تفضيل مكة؛ لأن هوى كل نفس أين حلَّ حبيبها.
عليَّ لربع العامرية وقفة ... ليملي على الشوق والدمع كاتب
стр. 5746
ومن مذهبي حب الديار لأهلها ... وللناس فيما يعشقون مذاهب
على أنَّ للقلم في أرجاء تفضيل المدينة مجالًا واسعًا ومقالًا جامعًا، لكن الرغبة في الاختصار تطوي أطراف بساطه، والرهبة من الإكثار تصرف عن تطويله وإفراطه.
وقد استنبط العارف ابن أبي جمرة من قوله ﷺ المروي في البخاري: "ليس من بلد إلا سيطؤه الدجَّال إلا مكة والمدينة" التساوي بين فضل مكة والمدينة. قال: وظاهر هذا الحديث يعطي التسوية بينهما في الفضل؛ لأنَّ جميع الأرض يطؤها الدجال إلّا هذين البلدين، فدلَّ على تسويتهما في الفضل، قال: ويؤكد ذلك
стр. 5747
أيضًا من وجه النظر؛ لأنه إن كانت خُصَّت المدينة بمدفنه ﷺ وإقامته بها ومسجده، فقد خُصَّت مكة بمسقطه ﷺ بها, ومبعثه منها، وهي قبلته، فمطلع شمس ذاته الكريمة المباركة مكة، ومغربها المدينة، وإقامته بعد النبوة على المشهور من الأقاويل بمكة, مثل إقامته ﷺ بالمدينة، عشر سنين في كلّ واحدة منهما. كذا قاله.
وأنت إذا تأمَّلت قوله ﷺ فيما رواه مسلم من حديث سعد: "يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه: هلمَّ إلى الرخاء, والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون, والذي نفسي بيده, لا يخرج أحد غربة عنها إلّا أخلف الله فيها خيرًا منه".
стр. 5748
ظهر لك أن فيه إشعارًا بذم الخروج من المدينة, بل نقل الشيخ محب الدين الطبري عن قوم أنه عام أبدًا مطلقًا، وقال: إنه ظاهر اللفظ.
وفي الصحيح مسلم من حديث أبي هريرة, أن رسول الله ﷺ قال: "لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي إلّا كنت له شفيعًا يوم القيامة أو شهيدًا".
وفيه عن سعيد -مولى المهري- أنه جاء إلى أبي سعيد الخدري ليالي الحرة، فاستشاره في الجلاء من المدينة، وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله، وأخبره أنه لا صبر له على جهد المدينة ولأوائها, فقال: ويحك. لا آمرك بذلك، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يصبر أحد على لأوائها إلّا كنت له شفيعًا أو
стр. 5749
"شهيدًا يوم القيامة".
و"اللأواء" بالمد: الشدة والجوع.
و"أو" في قوله: "إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا" الأظهر أنها ليست للشك؛ لأن هذا الحديث رواه جابر بن عبد الله، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وأسماء بنت عميس، وصفية بن أبي عبيد، عنه ﷺ بهذا اللفظ، ويبعد اتفاق جميعهم أو رواتهم على الشك, وتطابقهم فيه على صيغة واحدة، بل الأظهر أنه قاله ﷺ .
وتكون "أو" للتقسيم، ويكون شهيدًا لبعض أهل المدينة, وشفيعًا لباقيهم، إمَّا شفيعًا للعاصين وشهيدًا للمطيعين، وإما شهيدًا لمن مات في حياته، وشفيعًا لمن مات بعده، أو غير ذلك.
وهذه خصوصية زائدة على الشفاعة للمذنبين, أو للعالمين في القيامة، وعلى
стр. 5750
شهادته على جميع الأمم، فيكون لتخصيصهم بهذا كله على علو مرتبة وزيادة وحظوة. وإذا قلنا "أو" للشك، فإن كانت اللفظة الصحيحة "شهيدًا" اندفع الاعتراض؛ لأنها زائدة على الشفاعة المدَّخرة لغيرهم، وإن كانت اللفظة الصحيحة "شفيعًا" فاختصاص أهل المدينة بهذا مع ما جاء من عمومها وادخارها لجميع الأمة, أنَّ هذا شفاعة أخرى غير العامّة، وتكون هذه الشفاعة لأهل المدينة بزيادة الدرجات، أو تخفيف الحساب، أو بما شاء الله من ذلك، أو بإكرامهم يوم القيامة بأنواع الكرامات؛ لكونهم على منابر أو في ظل العرش، أو الإسراع بهم إلى الجنة, أو غير ذلك من خصوص الكرامات.
كيف لا يتحمّل المشقات من يحب أن يتمتع بسيد أهل الأرض والسماوات، وينال ما وعده به من جزيل المثوبات وجسيم الهبات، وإنجاز وعده
стр. 5751
لشفاعته وشهادته, وبلوغ قصده في المحيا والممات، وكم عسى تكون شدة المدينة ولأوائها، وإلى متى تستمر مشقتها وبلواها، لو تأمَّلت يا هذا لوجدت في البلاد ما هو في الشدة وشظف العيش مثلها أو أشق منها، وأهلها مقيمون فيها، وربما يوجد فيهم من هو قادر على الانتقال فلا ينتقل، وقوي على الرحلة فلا يرتحل، ويؤثر وطنه مع إمكان الارتحال والقدرة على الانتقال.
على أنَّ المدينة مع شظف العيش بها في غالب الأحيان، قد وسَّع الله فيها على بعض السكان، حتى من أصحابنا من غير أهلها, مِمَّن استوطنها وحسن فيها حاله، وتنعَّم بها باله, دون سائر البلدان، فإن مَنَّ الله على المرء بمثل ذلك هنالك، وإلّا فالصبر للمؤمن أَوْلَى، فمن وفَّقه الله تعالى صبره في إقامته بها ولو على أحر من الجمر، فيتجرَّع مرارة غصتها؛ ليجتلي عروس منصتها، ويلقي نزرًا من لأوائها؛ ليوقي بذلك من مصائب الدنيا وبلائها.
وقد روى البخاري من حديث أبي هريرة, أن رسول الله ﷺ قال: "إن الإيمان
стр. 5752
ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها" , أي: تنقبض وتنضم وتلتجئ، مع أنها أصل في انتشاره، فكل مؤمن له من نفسه سائق إليها في جميع الأزمان، لحبه في ساكنها ﷺ ، فأكرم بسكانها, ولو قيل في بعضهم ما قيل، فقد حظوا بشرف المجاورة لهذا الحبيب الجليل, فقد ثبت لهم حق الجوار وإن عظمت إساءتهم، فلا يسلب عليهم اسم الجار، وقد عمم ﷺ في قوله: "ما زال جبريل يوصيني بالجار" ولم يخص جارًا دون جار، وكل ما احتجَّ به محتج مِن رَمْي بعض عوامّهم السنية بالابتداع وترك الاتباع، فإنه إذا ثبت ذلك في شخص منهم فلا يترك
стр. 5753
إكرامه، ولا ينتقص احترامه, فإنه لا يخرج عن حكم الجار ولو جار، ولا يزول عنه شرف مساكنته في الدار كيفما دار، بل يرجى أن يختم له بالحسنى, ويمنح بهذا القرب الصوري قرب المعنى.
فيا ساكني أكناف طيبة كلكم ... إلى القلب من أجل الحبيب حبيب
ولله در ابن جابر حيث قال:
هناؤكمو يا أهل طيبة قد حُقَّ ... فبالقرب من خير الورى زتم السبقا
فلا يتحرك ساكن منكم إلى ... سواها وإن جار الزمان وإن شقا
فكم ملك رام الوصول لمثل ما ... وصلتم فلم يقدر ولو ملك الخلقا
فبشراكم نلتم عناية ربكم ... فها أنتم في بحر نعمته غرقى
ترون رسول الله في كل ساعة ... ومن يره فهو السعيد به حقَّا
متى جئتم لا يغلق الباب دونكم ... وباب ذوي الإحسان لا يقبل الغلقا
فيسمع شكواكم ويكشف ضركم ... ولا يمنع الإحسان حرًّا ولا رقًّا
стр. 5754
بطيبة مثواكم وأكرم مرسل ... يلحظم فالدهر يجري لكم وفقا
فكم نعمة لله فيها عليكم ... فشكرًا ونعم الله بالشكر تستبقى
أمنتم من الدجال فيها فحولها ... ملائكة يحمون من دونها الطرقا
كذلك من الطاعون أنتم بمأمن ... فوجه الليالي لا يزال لكم طلقا
فلا تنظروا إلا لوجه حبيبكم ... وإن جاءت الدنيا ومرت فلا فرقا
حياة وموتا تحت رحماه أنتم ... وحشرًا فستر الجاه فوقكم ملقى
فيا راحلًا عنها لدنيا تريدها ... أتطلب ما يفنى وتترك ما يبقى
أتخرج عن حوز النبي وحرزه ... إلى غيره تسفيه مثلك قد حقا
لئن سرت تبغي من كريم إعانة ... فأكرم من خير البرية ما تلقى
هو الرزق مقسوم فليس بزائد ... ولو سرت حتى كدت تخرق الأفقا
فكم قاعد قد وسع الله رزقه ... ومرتحل قد ضاق بين الورى رزقا
فعش في حمى خير الأنام ومت به ... إذا كنت في الدارين تطلب أتٍ ترقا
إذا قمت فيما بين قبر ومنبر ... بطيبة فاعرف أن منزلك الأرقى
стр. 5755
لقد أسعد الرحمن جار محمد ... ومن جار في ترحاله فهو الأشقى
وقد روى الترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها" ورواه الطبراني في الكبير من حديث سبيعة الأسلمية.
وفي البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يدخل
стр. 5756
المدينة المسيح الدجال ولا الطاعون".
وفيه: عن أبي بكر ﵁, عن النبي ﷺ قال: "لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، لها يومئذ سبعة أبواب, على كل باب ملكان".
قال في فتح الباري: وقد استكمل عدم دخول الطاعون المدينة مع كونها شهادة، وكيف قرن بالدجال، ومدحت المدينة بعدم دخولهما.
وأجيب: بأن كون الطاعون شهادة ليس المراد بوصفه بذلك ذاته، وإنما المراد أن ذلك يترتب عليه، وينشأ عنه لكونه سببه، فإذا استحضر ما تقدّم في المقصد الثامن من أنه طعن الجن, حَسُنَ مدح المدينة بعدم دخوله إياها، فإن فيه إشارة إلى أن كفَّار الجن وشياطينهم ممنوعون من دخول المدينة، ومن اتفق دخوله
стр. 5757
فيها لا يتمكن من طعن أحد منها.
وقد أجاب القرطبي في المفهم عن ذلك فقال: المعنى: لا يدخلها من الطاعون مثل الذي وقع في غيرها، كطاعون عمواس والجارف.
وهذا الذي قاله يقتضي أنه دخلها في الجملة، وليس كذلك، فقد جزم ابن قتيبة في "المعارف", وتبعه جمع منهم الشيخ محي الدين النووي في الأذكار": بأنَّ الطاعون لم يدخل المدينة أصلًا، ولا مكة أيضًا، لكن نقل جماعة أنه دخل مكة الطاعون في العام الذي كان في سنة تسع وأربعين وسبعمائة، بخلاف المدينة, لم يذكر أحد أنه وقع الطاعون بها أصلًا.
وأجاب بعضهم بأنه ﷺ عوَّضهم عن الطاعون بالحمَّى؛ لأن الطاعون يأتي
стр. 5758
مرة بعد مرة، والحمَّى تتكرر في كل حين, فيتعادلان في الأجر، ويتمّ المراد من عدم دخول الطاعون المدينة.
قال الحافظ ابن حجر: ويظهر لي جواب آخر، بعد استحضار الذي أخرجه أحمد من رواية أبي عسيب -بمهملتين آخره موحدة، بوزن عظيم- رفعه: "أتاني جبريل بالحمَّى والطاعون, فأمسكت الحمَّى بالمدينة, وأرسلت الطاعون إلى الشام"، وهو أن الحكمة في ذلك أنه ﷺ لما دخل المدينة كان في قلة من أصحابه عددًا ومددًا، وكانت المدينة وبئة، كما في حديث عائشة، ثم خُيِّر ﷺ في أمرين
стр. 5759
يحصل بكلٍّ منهما الأجر الجزيل, فاختار الحمى حينئذ لقلة الموت بها غالبًا بخلاف الطاعون، ثم لما احتاج إلى جهاد الكفَّار، وأذن له في القتال كانت قضية استمرار الحمَّى بالمدينة تضعف أجساد الذين يحتاجون إلى التقوية لأجل الجهاد، فدعا بنقل الحمَّى من المدينة إلى الجحفة، فعادت المدينة أصحّ بلاد الله بعد أن كانت بخلاف ذلك، ثم كانوا حينئذ من فاتته الشهادة بالطاعون، ربما حصلت له بالقتل في سبيل الله، ومن فاته ذلك حصلت له الحمَّى التي هي حظّ المؤمن من النار، ثم استمرَّ ذلك بالمدينة تمييزًا لها عن غيرها؛ لتحقق إجابة دعوته, وظهور هذه المعجزة العظيمة بتصديق خبره في هذه المدَّة المتطاولة، فكان منع دخول الطاعون من خصائصها, ولوازم دعائه ﷺ لها بالصحة، وقال بعضهم: هذا من المعجزات المحمدية؛ لأن الأطباء من أولهم إلى آخرهم عجزوا أن يدفعوا الطاعون
стр. 5760
عن بلد، بل عن قرية، وقد امتنع الطاعون عن المدينة هذه الدهور الطويلة، انتهى ملخصًا والله أعلم.
ومن خصائص المدينة أن غبارها شفاء من الجذام والبرص, بل من كل داء،
стр. 5761
كما رواه رزين العبدري في جامعه من حديث سعد، زاد في حديث ابن عمر: عجوتها شفاء من السم، ونقل البغوي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ أنها المدينة.
وذكر ابن النجار تعليقًا عن عائشة ﵂ أنها قالت: كل البلاد افتتحت بالسيف, وافتتحت المدينة بالقرآن.
وروى الطبراني في الأوسط بإسناد لا بأس به, عن أبي هريرة يرفعه: "المدينة قبة الإسلام ودار الإيمان، وأرض الهجرة، ومثوى الحلال والحرام".
وبالجملة، فكل المدينة: ترابها وطرقها وفجاجها ودورها وما حولها قد
стр. 5762
شملته بركته ﷺ , فإنهم كانوا يتبرَّكون بدخوله منازلهم، ويدعونه إليها, وإلى الصلاة في بيوتهم، ولذلك امتنع مالك من ركوب دابّة في المدينة, وقال: لا أطأ بحافر دابّة في عراص كان ﷺ يمشي فيها بقدميه ﷺ .
وينبغي أن يأتي قباء للصلاة فيه والزيارة، فقد كان ﷺ يزوره راكبًا وماشيًا، رواه مسلم, وفي رواية له: "يأتي" بدل "يزور" فيصلي فيه ركعتين.
стр. 5763
وعنده أيضًا: أنَّ ابن عمر كان يأتيه كل سبت ويقول: رأيت النبي ﷺ يأتيه كل سبت.
وعند الترمذي وابن ماجه والبيهقي في حديث أسيد بن ظهير الأنصاري، يرفعه: "صلاة في مسجد قباء كعمرة" , قال الترمذي: حسن غريب. وقال المنذري:
стр. 5764
لا نعرف لأسيد حديثًا صحيحًا غير هذا.
ورواه أحمد وابن ماجه من حديث سهل بن حنيف بلفظ: "من تطهَّر في بيته, ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة, كان له كأجر عمرة" وصححه الحاكم.
وينبغي أيضًا بعد زيارته ﷺ أن يقصد المزارات التي بالمدينة الشريفة، والآثار المباركة، والمساجد التي صلّى فيها ﷺ التماسًا لبركته، ويخرج إلى البقيع لزيارة من فيه، فإن أكثر الصحابة ممن توفي في المدينة في حياته ﷺ وبعد وفاته مدفون في البقيع، وكذلك سادات أهل البيت والتابعين.
وروي عن مالك أنه قال: من مات بالمدينة من الصحابة عشرة آلاف، وكذلك أمهات المؤمنين سوى خديجة فإنها بمكة، وميمونة فإنها بسرف. وقد كان ﷺ يخرج آخر الليل إلى البقيع فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين" رواه
стр. 5765
مسلم.
قال ابن الحاج في "المدخل": وقد فرق علماؤنا بين الآفاقي والمقيم في التنفل بالطواف والصلاة، فقالوا: الطواف في حق الآفاقي أفضل له، والتنفل في حق المقيم أفضل، قال: وما نحن بسبيله من باب أولى، فمن كان مقيمًا خرج إلى زيارة أهل البقيع, ومن كان مسافرًا فليغتنم مشاهدته ﷺ .
وحكي عن العارف ابن أبي جمرة، أنَّه لما دخل المسجد النبوي لم يجلس إلّا الجلوس في الصلاة، وأنه لم يزل واقفًا بين يديه -صلوات الله وسلامه عليه، وكان قد خطر له أن يذهب إلى البقيع فقال: إلى أين أذهب، هذا باب الله المفتوح للسائلين والطالبين والمنكسرين. انتهى.
стр. 5766
وروى ابن النجار مرفوعًا: "مقبرتان مضيئتان لأهل السماء كما تضيء الشمس والقمر لأهل الدنيا: بقيع الغرقد ومقبرة بعسقلان"، وعن كعب الأحبار قال: نجدها في التوراة, يعني: مقبرة المدينة كقبة محفوفة بالنخيل, موكّل بها ملائكة, كلما امتلأت أخذوا فكفؤها في الجنة.
وأخرج أبو حاتم من حديث ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "أنا أول من تنشق عنه الأرض، ثم أبو بكر, ثم عمر، ثم آتي البقيع فيحشرون معي، ثم انتظر أهل مكة حتى نحشر بين الحرمين".
стр. 5767
الفصل الثالث: [في أمور الآخرة]
في تفضيله ﷺ في الآخرة بفضائل الأوليات الجامعة لمزايا التكريم وعلى
стр. 5768
الدرجات العاليات, وتحميده بالشفاعة والمقام المحمود، المغبوط عليه من الأولين والآخرين، وانفراده بالسؤدد في مجمع جامع الأنبياء والمرسلين، وترقيه في جنة عدن أرقى مدارج السعادة، وتعاليه يوم المزيد في أعلى معالي الحسنى وزيادة.
اعلم أن الله تعالى كما فضّل نبينا ﷺ في البدء, بأن جعله أول الأنبياء في الخلق، وأوّلهم في الإجابة في عالم الذر، يوم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ ، فضَّ له, كما ختم كمال الفضائل في العود، فجعله أوّل من تنشق عنه الأرض، وأوّل شافع, وأول مشفَّع، وأوّل من يؤذن له بالسجود، وأول من ينظر إلى رب العالمين، والخلق محجوبون عن رؤيته إذ ذاك، وأوّل الأنبياء يقضي بين أمته، وأولهم إجازة على الصراط بأمته، وأوّل داخل إلى الجنة، وأمته أوّل الأمم دخولًا إليها.
وزاده من لطائف التحف ونفائس الطرف ما لا يجد ولا يعد:
стр. 5769
فمن ذلك أنه يحشر راكبًا، وتخصيصه بالمقام المحمود، ولواء الحمد تحته آدم فمن دونه من الأنبياء، واختصاصه أيضًا بالسجود لله تعالى أمام العرش، وما يفتحه الله عليه في سجوده من التحميد والثناء عليه ما لم يفتحه على أحد قبله, ولا يفتحه على أحد بعده, زيادة في كرامته وقربه، وكلام الله له: يا محمد، ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعط، واشفع تشفّع، ولا كرامة فوق هذا إلا النظر إليه تعالى.
ومن ذلك: تكراره في الشفاعة، وسجوده ثانية وثالثة، وتجديد الثناء عليه, والتحميد بما يفتح الله عليه.
ومن ذلك: كلام الله تعالى له في كل سجدة: يا محمد, ارفع رأسك, وقل تسمع, واشفع تشفع، فعل المدل على ربه الكريم عليه, الرفيع عنده، المحب ذلك منه تشريفًا له وتكريمًا وتبجيلًا وتعظيمًا.
стр. 5770
ومن ذلك: قيامه عن يمين العرش، ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيره، يغبطه فيه الأولون والآخرون، وشهادته بين الأنبياء وأممهم بأنهم بلغوهم، وإتيانهم إليه يسئولونه الشفاعة؛ ليريحهم من غمّهم وعرقهم وطول وقوفهم، وشفاعته في أقوام قد أمر بهم إلى النار.
ومنها: الحوض، الذي ليس في الموقف أكثر أوان منه، وأن المؤمنين كلهم لا يدخلون الجنة إلا بشفاعته.
ومنها: أنه يشفع في رفع درجات أقوام لا تبلغها أعمالهم.
وهو صاحب الوسيلة التي هي أعلى منزلة في الجنة، إلى غير ذلك مما يزيده تعالى به جلالة وتعظيمًا وتبجيلًا وتكريمًا على رءوس الأشهاد من الأولين والآخرين والملائكة أجمعين. ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ .
فأما تفضيله ﷺ بأولية انشقاق القبر المقدّس عنه، فروى مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأنا أوّل من
стр. 5771
ينشق عنه القبر وأوّل شافع وأوّل مشفّع".
وفي حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي -آدم فمن سواه- إلا تحت لوائي، وأنا أوّل من تنشق عنه الأرض ولا فخر....." رواه الترمذي.
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أول من تنشق عنه الأرض, ثم أبو
стр. 5772
بكر ثم عمر، ثم آتي أهل البقيع فيحشرون معي، ثم أنتظر أهل مكة حتى أحشر بين الحرمين". قال الترمذي: حسن صحيح. ورواه أبو حاتم وقال: حتى نحشر. وتقدَّم.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يصعق الناس حين يصعقون، فأكون أوّل من قام، فإذا موسى آخذ بالعرش: فما أدري أكان فيمن صعق". وفي رواية: "فأكون أول من يفيق, فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي, أو كان ممن استثنى الله". رواه البخاري.
والمراد بالصعق: غشي يلحق من سمع صوتًا أو رأى شيئًا يفزع منه.
стр. 5773
ولم يبين في هذه الرواية -من الطريقين- محل الإفاقة، من أي الصعقتين, ووقع في رواية الشعبي عن أبي هريرة في تفسير سورة الزمر: إني أوَّل من يرفع رأسه بعد النفخة الأخيرة.
والمراد بقوله: "ممن استثنى الله" قوله تعالى: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] .
стр. 5774
وقد استشكل كون جميع الخلق يصعقون، مع أنَّ الموتى لا إحساس لهم؟ فقيل: المراد: إن الذين يصعقون هم الأحياء، وأمَّا الموتى فهم في الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أي: إلا من سبق له الموت قبل ذلك, فإنه لا يصعق، وإلى هذا جنح القرطبي. ولا يعارضه ما ورد في الحديث: "إن موسى ممن استثنى الله؛ لأن الأنبياء أحياء عند الله".
وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد: صعقة فزع بعد البعث حين تنشق السماء والأرض.
وتعقبه القرطبي: بأنه صرح ﷺ بأنه يخرج من قبره, فيلقي موسى وهو متعلق
стр. 5775
بالعرش, وهذا إنما هو عند نفخة البعث. انتهى.
ووقع في رواية أبي سلمة عند ابن مردويه: "أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة, فأقوم فأنقض التراب عن رأسي، فآتي قائمة العرش, فأجد موسى قائمًا عندها، فلا أدري أنفض التراب عن رأسه قبلي، أو كان ممن استثنى الله".
واختلف في المستثنى من هو على عشرة أقوال: فقيل: الملائكة، وقيل: الأنبياء، وبه قال البيهقي في تأويل الحديث في تجويزه: أن يكون موسى ممن
стр. 5776
استثنى الله، قال: وجههه عندي أنهم أحياء كالشهداء, فإذا نفخ في الصور النفخة الأولى صعقوا، ثم لا يكون ذلك موتًا في جميع معانيه إلّا في ذهاب الاستشعار.
وقيل الشهداء: واختاره الحليمي, قال: وهو مروي عن ابن عباس، فإن الله تعالى يقول: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ، وضعَّف غيره من الأقوال.
وقال أبو العباس القرطبي صاحب "المفهم": الصحيح أنه لم يأتي في تعيينهم خبر صحيح، والكل محتمل.
وتعقَّبه تلميذه في "التذكرة" فقال: قد ورد في حديث أبي هريرة بأنهم الشهداء وهو صحيح, وعن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ سأل جبريل عن هذه
стр. 5777
الآية: من الذين لم يشأ الله أن يصعقوا؟ قال: هم شهداء الله. وصححه الحاكم.
وقيل: هم حملة العرش وجبريل وميكائيل وملك الموت، ثم يموتون، وآخرهم "موتًا" ملك الموت، وقيل هم الحور العين والولدان في الجنة.
стр. 5778
وتعقَّب: بأن حملة العرش ليسوا من سكان السماوات والأرض؛ لأن العرش فوق السماوات كلها، وبأنَّ جبريل وميكائيل وملك الموت من الصافين المسبحين؛ ولأن الحور العين والولدان في الجنة، وهي فوق السماوات ودون العرش، وهي بانفرادها عالم مخلوق للبقاء, فلا شَكّ أنها بمعزل عمَّا خلقه الله للفناء. ثم إنه وردت الأخبار بأنّ الله تعالى يميت حملة العرش وملك الموت وميكائيل ثم يحييهم. وأمَّا أهل الجنة فلم يأتي عنهم خبر، والأظهر أنها دار خلود، فالذي يدخلها لا يموت فيها أبدًا، مع كونه قابلًا للموت، فالذي خلق فيها أَوْلَى أن لا يموت فيها أبدًا.
فإن قلت: قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَه﴾ [القصص: ٨٨] يدل على أن
стр. 5779
الجنة نفسها تفنى ثم تعاد ليوم الجزاء، ويموت الحور العين ثم يحيون.
أجيب: بأنَّه يحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إنه قابل للهلاك, فيهلك إن أراد الله به ذلك, إلا هو سبحانه فإنه قديم, والقديم لا يمكن أن يفنى, انتهى ملخصًا من تذكرة القرطبي.
ويؤيد القول بعد موت الحور العين قولهنّ: نحن الخالدات فلا نموت، كما في الحديث.
ولا يقال: المراد من قولهن: الخلود الكائن بعد القيامة؛ لأنه لا خصوصية فيه، والأوصاف المشتركة لا يتباهى بها، والله أعلم.
وفي كتاب العظمة لأبي الشيخ بن حبان من طريق وهب بن منبه من قوله: قال: خلق الصور من لؤلؤة بيضاء في صفاء الزجاجة، ثم قال للعرش: خذ
стр. 5780
الصور فتعلق به، ثم قال: كن فكان إسرافيل، فأمره أن يأخذ الصور فأخذه وبه ثقب بعدد كل روح مخلوقة ونفس منفوسة، فذكر الحديث وفيه: ثم تجمع الأروح كلها في الصور، ثم يأمر الله إسرافيل فينفخ فيه فتدخل كل روح في جسدها، وعلى هذا, فالنفخ يقع في الصور أولًا؛ ليصل النفخ بالروح إلى الصور وهي الأجساد،