Полный текст (5 943 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.
стр. 5776
استثنى الله، قال: وجههه عندي أنهم أحياء كالشهداء, فإذا نفخ في الصور النفخة الأولى صعقوا، ثم لا يكون ذلك موتًا في جميع معانيه إلّا في ذهاب الاستشعار.
وقيل الشهداء: واختاره الحليمي, قال: وهو مروي عن ابن عباس، فإن الله تعالى يقول: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ، وضعَّف غيره من الأقوال.
وقال أبو العباس القرطبي صاحب "المفهم": الصحيح أنه لم يأتي في تعيينهم خبر صحيح، والكل محتمل.
وتعقَّبه تلميذه في "التذكرة" فقال: قد ورد في حديث أبي هريرة بأنهم الشهداء وهو صحيح, وعن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ سأل جبريل عن هذه
الحواشي
(١) الأنبياء كذلك بجامع النبوة, "قال" البيهقي: "ووجهه عندي أنهم" ردَّت إليهم أرواحهم بعدما قبضوا فهم "أحياء" عند ربهم؛ "كالشهداء، فإذا نفخ في الصور النفخة الأولى صعقوا، ثم لا يكون ذلك موتًا في جميع معانيه إلا في ذهاب الاستشعار", فإن كان موسى ممن استثنى الله, فإنه لا يذهب استشعاره في تلك الحالة, ويحاسب بصعقة يوم الطور، هذا بقية قول البيهقي.
قال السيوطي: وبهذا يتضح ترجيح أن المستثنى في الآية الملائكة الأربعة وحملة العرش الثمانية, بناءً على أن المراد بالصعق فيها الموت, وموسى ﵇ بناءً على أنه الغشية, وكون الأمرين مرادين معًا, وكون الاستثناء على الأمرين، ولا يصح استثناء الشهداء من الغشية؛ لأنه إذا حصلت الغشية للأنبياء حتى سيد المرسلين فالشهداء أَوْلَى, انتهى.
"وقيل: الشهداء واختاره الحليمي، قال: وهو مروي عن ابن عباس، فإن الله تعالى يقول: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] وضعَّف الحليمي "غيره من الأقوال" بأن الاستثناء إنما وقع في كان السماوات والأرض، وحملة العرش ليسوا إلى آخر ما يأتي في قول المصنف قريبًا، وتعقَّب بأن.... إلخ.
"وقال أبو العباس" أحمد بن عمر بن إبراهيم, الإمام المحدث العلامة, "صاحب المفهم" في شرح مسلم, مات سنة ست وخمسين وستمائة: "الصحيح أنه لم يأت في تعيينهم خبر صحيح والكل محتمل، وتعقبه تلميذه" أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرج, مات سنة إحدى وسبعين وستمائة, "في التذكرة" بأمور الآخرة, "فقال: قد ورد في حديث أبي هريرة مرفوعًا تفسيره بأنهم الشهداء وهو الصحيح" لوروده عن النبي ﷺ , "و" أخرج أبو يعلى والحاكم والبيهقيّ "عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ سأل جبريل ﵇ عن هذه الآية" نقلстр. 5777
الآية: من الذين لم يشأ الله أن يصعقوا؟ قال: هم شهداء الله. وصححه الحاكم.
وقيل: هم حملة العرش وجبريل وميكائيل وملك الموت، ثم يموتون، وآخرهم "موتًا" ملك الموت، وقيل هم الحور العين والولدان في الجنة.
الحواشي
(١) بالمعنى, ولفظ أبي يعلى: ومن عطف عليه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "سألت جبريل عن هذه الآية: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] الآية "من الذين لم يشأ الله أن يصعقوا, قال" جبريل: "هم شهداء الله", يتقلّدون أسيافهم حول عرشه.
هذا بقية الحديث الذي "صحَّحه الحاكم، وقيل: هم حملة العرش" الثمانية "وجبريل وميكائيل" زاد في رواية: "وإسرافيل, "وملك الموت" قال السيوطي: ولا تنافي بين هذا وبين الشهداء؛ لإمكان الجمع بأنَّ الجميع من المستثنى, "ثم يموتون, وآخرهم" موتًا "ملك الموت" كما أخرجه البيهقي عن أنس رفعه: "كان ممن استثنى الله ثلاثة: جبريل وميكائيل وملك الموت، فيقول الله وهو أعلم: يا ملك الموت, من بقي؟ فيقول: بقي وجهك الباقي الكريم الدائم, وعبدك جبريل وميكائيل وملك الموت, فيقول: توف نفس ميكائيل, ثم يقول -وهو أعلم: يا ملك الموت, من بقي؟ فيقول: وجهك الباقي الكريم وعبدك جبريل وملك الموت, فيقول: توف جبريل, ثم يقول وهو أعلم: يا ملك الموت, من بقي؟ فيقول: بقي وجهك الباقي الكريم وعبدك ملك الموت, وهو ميت، فيقول: مت, ثم ينادي: أنا بدأت الخلق ثم أعيده, فأين الجبَّارون المتكبون, فلا يجيبه أحد، فيقول: هو الله الواحد القهار". وورد أيضًا آخرهم موتًا جبريل.
أخرج الفريابي عن أنس أنهم قالوا: يا رسول الله, من الذين استثنى الله، قال: "جبريل وميكائيل وملك الموت وإسرافيل وحملة العرش، فإذا قبض الله أرواح الخلائق قال لملك الموت: من بقي؟ فيقول: سبحانك ربي وتعاليت, يا ذا الجلال والإكرام, بقي جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، فيقول: خذ نفس إسرافيل، فيقول: يا ملك الموت, من بقي؟ فيقول: بقي جبريل وميكائيل وملك الموت، فيقول: خذ نفس ميكائيل, فيقع كالطود العظيم، فيقول: يا ملك الموت, من بقي، فيقول: بقي وجهك الدائم وجبريل الميت الفاني، قال: لا بد من موته, فيقع ساجدًا يخفق بجناحيه"، قال ﷺ : "إن فضل خلقه على ميكائيل كالطود العظيم" ولا يمكن الجمع بينهما، فيترجّح الأول بأن في حديث أبي هريرة عند ابن جرير وأبي الشيخ وغيرهم مرفوعًا في حديث طويل: "إن آخرهم موتًا ملك الموت".
"وقيل: هم الحور العين والولدان في الجنة" وخزنة الجنة والنار وما فيها من الحياتстр. 5778
وتعقَّب: بأن حملة العرش ليسوا من سكان السماوات والأرض؛ لأن العرش فوق السماوات كلها، وبأنَّ جبريل وميكائيل وملك الموت من الصافين المسبحين؛ ولأن الحور العين والولدان في الجنة، وهي فوق السماوات ودون العرش، وهي بانفرادها عالم مخلوق للبقاء, فلا شَكّ أنها بمعزل عمَّا خلقه الله للفناء. ثم إنه وردت الأخبار بأنّ الله تعالى يميت حملة العرش وملك الموت وميكائيل ثم يحييهم. وأمَّا أهل الجنة فلم يأتي عنهم خبر، والأظهر أنها دار خلود، فالذي يدخلها لا يموت فيها أبدًا، مع كونه قابلًا للموت، فالذي خلق فيها أَوْلَى أن لا يموت فيها أبدًا.
فإن قلت: قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَه﴾ [القصص: ٨٨] يدل على أن
الحواشي
(١) والعقارب "وتعقَّب" أي: ردَّ هذا الحليمي وضعَّفه "بأن" الاستثناء في الآية وقع من سكان السماوات والأض، أنَّ "حملة العرش ليسوا بسكان السماوات والأرض؛ لأن العرش" وحملته "فوق السماوات كلها", فهذا ينابذ تفسيره بأنهم حملته, "وبأن جبريل وميكائيل" وإسرائيل, "وملك الموت من الصافين أقدامهم في الصلاة وأداء الطاعة ومنازل الخدمة المسبحين المنزهين الله عمَّا لا يليق به، قال اليضاوي: ولعلَّ الأول إشارة إلى درجاتهم في الطاعة, وهذا في المعارف, وعبارة الحليمي: من الصافِّين حول العرش, انتهى.
يعني: فهذا يضعِّف تفسيره بالأربعة وما قبله تضعيف للتفسير بحملة العرش, "وضعَّف القول الخامس لأن الحور العين والولدان في الجنة، وهي فوق السماوات ودون العرش, فلم تدخل في الآية "وهي بانفرادها عالم مخلوق للبقاء، فلا شَكَّ أنها بمعزل" أي: بجانب بعيد عمّا خلقه الله للفناء وعبارة الحليمي والجنة والنار عالمنا بانفرادهما خلقًا للبقاء، فهما بعزل عمَّا خلق للفناء فلم يدخل أهلهما في الآية "ثم وردت الأخبار بأن الله تعالى يميت حملة العرش وملك الموت وميكائيل" وإسرافيل وجبريل, "ثم يحييهم".
"وأمَّا أهل الجنَّة فلم يأت عنهم خبر" بمثل ذلك، فلا يقال أنهم مثل أولئك؛ إذ لا دخل هنا للقياس "والأظهر أنها دار خلود, فالذي يدخلها لا يموت فيها أبدًا" وكذلك النار، كما قال تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] "مع كونه قابلًا للموت، فالذي خلق فيها أَوْلَى أن لا يموت فيها أبدًا.
قال الحليمي: وأيضًا فإنَّ الموت لقهر المكلفين ونقلهم من دار إلى دار, ولا تكليف على أهل الجنة فأعفوا من الموت أيضًا, "فإن قلت: قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ،стр. 5779
الجنة نفسها تفنى ثم تعاد ليوم الجزاء، ويموت الحور العين ثم يحيون.
أجيب: بأنَّه يحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إنه قابل للهلاك, فيهلك إن أراد الله به ذلك, إلا هو سبحانه فإنه قديم, والقديم لا يمكن أن يفنى, انتهى ملخصًا من تذكرة القرطبي.
ويؤيد القول بعد موت الحور العين قولهنّ: نحن الخالدات فلا نموت، كما في الحديث.
ولا يقال: المراد من قولهن: الخلود الكائن بعد القيامة؛ لأنه لا خصوصية فيه، والأوصاف المشتركة لا يتباهى بها، والله أعلم.
وفي كتاب العظمة لأبي الشيخ بن حبان من طريق وهب بن منبه من قوله: قال: خلق الصور من لؤلؤة بيضاء في صفاء الزجاجة، ثم قال للعرش: خذ
الحواشي
(١) يدل على أن الجنة نفسها تفنى" وكذا النار, "ثم تعاد ليوم الجزاء, ويموت الحور العين ثم يحيون" وبه قال بعضهم توفية بظاهر الآية.
"أجيب بأنه يحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: قابل للهلاك، فيهلك إن أراد الله به ذلك, إلا هو سبحانه, فإنه قديم, والقديم لا يمكن أن يفنى. انتهى ملخصًا من تذكرة القرطبي"
"ويؤيد القول بعدم موت الحور العين قولهن" فيما يغنين به لأزواجهنّ في الجنة: "نحن الخالدات فلا نموت" أبدًا "كما في الحديث، ولا يقال: المراد من قولهن" ذلك "الخلود الكائن بعد القيامة" فلا ينافي موتهنَّ قبلها؛ لأنه لا خصوصية فيه" لهنّ؛ إذ كل من دخل الجنة كذلك, "والأوصاف المشتركة لا يتباهى بها والله أعلم" لكن يحتمل أن قولهنَّ ذلك من باب التحدث بالنعمة, "وفي كتاب العظمة لأبي الشيخ بن حبان" بفتح المهملة والتحتية الثقيلة, واسمه: عبد الله "من طريق وهب بن منبه" بشد الموحدة المكسورة "من قوله" أي: كلامه الذي لم يروه عن صاحب ولا رفعه إلى النبي ﷺ ، فكأنه من الإسرائيليات، ولم يفهم هذا من تعسف، فجعل قول المصنف من قوله بيانًا لما مقدرة في قوله: وفي كتاب، أي: وما في كتاب, وأنه عطف على قوله سابقًا قولهن من قوله، ويؤيد القول بعدم موت الحور، كذا قال مع أنه لا تأييد في هذا أصلًا لذلك؛ إذ لا ذكر فيه للحور، قال وهب: "خلق الله الصور من لؤلؤة بيضاء في صفاء الزجاجة" بزاي وجيمين واحدة- الزجاج -مثلث الزاي- معروف كما في القاموس, وتلك اللؤلؤةстр. 5780
الصور فتعلق به، ثم قال: كن فكان إسرافيل، فأمره أن يأخذ الصور فأخذه وبه ثقب بعدد كل روح مخلوقة ونفس منفوسة، فذكر الحديث وفيه: ثم تجمع الأروح كلها في الصور، ثم يأمر الله إسرافيل فينفخ فيه فتدخل كل روح في جسدها، وعلى هذا, فالنفخ يقع في الصور أولًا؛ ليصل النفخ بالروح إلى الصور وهي الأجساد،
الحواشي
(١) الموصوفة بشدة البياض على صورة قرن، فلا يخالف ما رواه أبو داود والترمذي، وحسنه وصححه الحاكم وابن حبان عن عمرو, أن أعرابيًّا سأل النبي ﷺ عن الصور، فقال: قرن ينفخ فيه، وإلى ذلك يشير قول ابن مسعود: الصور كهيئة القرن ينفخ فيه.
أخرجه مسدد بسند صحيح عن موقوفًا: "ثم قال للعرش: خذ الصور فتعلّق به", أي: أخذه, "ثم قال" تعالى: "كن فكان" أي: وجد, أي: خلق, "إسرافيل، فأمره أن يأخذ الصور" من العرش فأخذه, ولأحمد والطبراني بسند جيد عن زيد بن أرقم رفعه، كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وأحنى جبهته وأصغى السمع متى يؤمر، فسمع ذلك الصحابة فشقَّ عليهم فقال ﷺ : "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل"، وصحَّح الحاكم عن أبي هريرة رفعه: "إن طرف صاحب الصور منذ وكِّل به مستعد ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طرفه، كأنَّ عينيه كوكبان دريان" , "وبه ثقب" بمثلثة وقاف وموحدة: جمع ثقب وهو الخرق, "بعدد كل روح مخلوقة ونفس منفوسة" أي: مولودة كما في النهاية, فالعطف مغاير، أي: ما من شأنها أن تولد, وإلّا فهناك نفوس تخلق من الطين ومن العفونات, فذكر الحديث.
فقال: لا يخرج روحان من ثقب واحد, وفي وسط الصور كوة كاسدارة السماء والأرض, وإسرافيل واضع فمه على تلك الكوة، ثم قال له الرب تعالى: قد وكَّلتك بالصور، فأنت للنفخة وللصيحة، فدخل إسرافيل في مقدم العرش، فأدخل رجله اليمنى تحت العرش وقدم اليسرى ولم يغض طرفه منذ خلقه الله ينتظر ما يؤمر به، فقال: والبحر المسجور أوَّله في علم الله, وآخره في إرادة الله, فيه ماء ثخين شبه ماء الرجل, تسير الموجة خلف الموجة سبعين عامًا لا تلحقها, يمطر الله منه على الخلق أربعين يومًا بين الراجفة والرادفة, فينبتون نبات الحبة في حميل السيل, ويجمل أرواح المؤمنين من الجنان, وأرواح الكفار من النار, فتجعل في الصور, "وفيه: ثم تجتمع الأرواح كلها في الصور، ثم يأمر الله إسرافيل فينفخ فيه" أي: الصور "فتدخل كل روح في جسدها".
وبقية هذا الأثر: ثم يأمر الله جبريل أن يدخل يده تحت الأرض فيحركها حتى تنشق وينفضهم على الارض فإذا هم قيام ينظرون, وعلى هذا فالنفخ يقع في الصور أولًا ليصل النفخ" أي: أثره, "بالروح أي: الأرواح فتذهب "إلى الصور" بفتح الواو, "وهي الأجساد" جمعстр. 5781
فإضافة النفخ إلى الصور الذي هو القرن حقيقة، وإلى الصور التي هي الأجساد مجاز.
وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر، رفعه: "ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا، ثم يرسل الله مطرًا كأنه الطل, فينبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون".
و"الليت" بكسر اللام وبالمثناة التحتية ثم الفوقية: صفحة العنق، وهما ليتان.
وأصغى: أمال.
وأخرج البيهقي بسند قوي، عن ابن مسعود موقوفًا: "ثم يقوم ملك الصور بين السماء والأرض فينفخ فيه -والصور قرن- فلا يبقى الله خلق في السماوات
الحواشي
(١) صور "فإضافة النفخ إلى الصور" بضم فسكون الذي هو القرن حقيقة, وإلى الصور التي هي الأجساد مجاز".
وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو" بن العاص "رفعه" أي: قال: قال رسول الله ﷺ : "يخرج الدجال في أمتي" فذكر الحديث إلى أن قال: "ثم ينفخ في الصور لا يسمعه أحد إلّا أصغى ليتا" بكسر فسكون، أي: أمال صفحة عنقه, "ورفع ليتا" أي: أنه يميلها ويرفعها، وأسقط بعد هذا في مسلم: فأوّل من يسمعه رجل يلوط حوض إبله فيصعق ويصعق الناس، وقوله: يلوط، أي: يطين ويصلح ثم يرسل الله مطرًا كأنه الطل" المطر الخفيف, "فينبت منه أجساد الناس, ثم ينفخ فيه أخرى" النفخة الثانية, "فإذا هم" أي: جمع الموتى "قيام ينظرون" ينتظرون ما يفعل بهم, "والليت بكسر اللام وبالمثناة التحتية" الساكنة، ثم "الفوقية صفحة العنق وهما ليتان" من الجانبين, "وأصغى: أمال" صفحة عنقه مجازًا لأن حقيقته الاستماع.
"وأخرج البيهقي" في البعث وشيخه الحاكم وصحَّحه "بسند قوي عن ابن مسعود" في حديث طويل "موقوفًا" عليه, وما في نسخ مرفوعًا خطأ، فقد صرَّح في مجمع الزوائد بأنه موقوف، وأوَّله عند البيهقي وغيره عن ابن مسعود أنه ذكر عنده الدجال، فقال: "تفترق الناس ثلاث فرق" فذكر الحديث إلى أن قال: "ثم يقوم ملك الصور بين السماء والأرض فينفخ فيه" قال القرطبي: قال علماؤنا: الأمم مجمعون على أن الذي ينفخ في الصور إسرافيل، وفي الأحاديث ما يدل على أن معه ملكًا آخر، فلعلَّ له قرنًا آخر ينفخ فيه. انتهى.стр. 5782
والأرض إلا مات، إلا من شاء ربك، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون". وأخرج ابن المبارك في الرقاق من مرسل الحسن: بين النفختين أربعون سنة، الأولى يميت الله بها كل حي، والأخرى يحيى الله بها كل ميت، ونحوه عند ابن مردويه من حديث ابن عباس، وهو ضعيف.
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أول الناس خروجًا إذا بعثوا، وأنا
الحواشي
(١) وما ترجاه صرح به عند ابن ماجه والبزار عن أبي سعيد مرفوعا: "إن صاحبي الصور بأيديهما قرنان يلاحظان النظر متى يؤمران" , وفي حديث عائشة عند الطبراني بسند حسن رفعته: "وملك الصور جاث على ركبته وقد نصب الأخرى, فالتقم الصور فحنى ظهره، وقد أمر إذا رأى إسرافيل قد ضمّ جناحيه أن ينفخ في الصور".
قال الحافظ: هذا يدل على أن النافخ غير إسرافيل, فيحمل على أنه ينفخ النفخة الأولى إذا رأى إسرافيل ضم جناحيه، ثم ينفخ إسرافيل النفخة الثانية وهي نفخة البعث, "والصور قرن" من لؤلؤة بيضاء على ما مر "فلا يبقي الله خلق في السماوات والأرض" ممن كان حيًّا حين النفخ, "إلا مات, إلا من شاء ربك, ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون" أبهمه.
وقال الحليمي: اتفقت الروايات على أن بينهما أربعين سنة، وفي جامع ابن وهب: أربعين جمعة, وسنده منقطع.
"وأخرج ابن المبارك في" كتاب "الرقاق" بكسر الراء- جمع رقيق, أي الأمور التي ترقق القلب وتلينه, من مرسل الحسن البصري: بين النفختين أربعون سنة، الأولى يميت الله بها كل حي, والأخرى يحيي الله بها كل ميت، ونحوه عند ابن مردويه من حديث ابن عباس" موقوفًا "وهو ضعيف" أي: إسناده في الصحيحين عن أبي هريرة رفعه: "ما بين النفختين أربعون"، قالوا: يا أبا هريرة أربعون يومًا، قال أبيت، قالوا: شهرًا قال: أبيت، قالوا: عامًا، قال: أبيت, قيل: معناه: امتنعت عن بيان ذلك، وعلى ذلك فعنده علم من ذلك سمعه منه ﷺ ، وقيل: معناه: امتنعت أن أسأله ﷺ عن ذلك, وعلى هذا لم يكن عنده علم, قال القرطبي: والأول أظهر, وإنما لم يبينه لأنه لا ضرورة إليه، وقد ورد من طريق آخر أن بين النفختين أربعين عامًا. انتهى.
أي: عن ابي هريرة مرفوعًا, في حديث عند أبي داود في كتاب البعث، لكن قال الحافظ: قد ورد من طرق أنَّ أبا هريرة صرَّح بأنه ليس عنده علم بالتعيين, وعند ابن مردويه بسند جيد، أنَّ أبا هريرة لما قال أربعون، قالوا: ماذا؟ قال: هكذا سمعت.
"وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أول الناس خروجًا إذا بعثوا" من قبورهم وهو بمعنى قوله: "أنا أول من تنشق عنه الأرض" وهذا من كمال عناية ربه به؛ حيث منحه هذا السبقстр. 5783
قائدهم إذا وفدوا, وأنا خطيبهم إذا أنصتوا, وأنا شفيعهم إذا حبسوا, وأنا مبشرهم إذا أيسوا، الكرامة والمفاتيح يومئذ بيدي، ولواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي، يطوف عليّ ألف خادم كأنهم بيض مكنون أو لؤلؤ منثور" رواه الدارمي، وقال الترمذي: حديث غريب.
ولم يقل: وأنا إمامهم؛ لأن دار الآخرة ليست دار تكليف.
الحواشي
(١) وفيه مناسبة لسبقه بالنبوة, "وأنا قائدهم إذا وفدوا" قدموا على ربهم ركبانًا على نجائب من نور من مراكب الآخرة, والوافد الراكب، قاله ابن كثير وغيره، لكنه هنا مجرد عن بعض معناه مستعمل في مطلق القدم؛ لأن الذين يحشرون ركبانًا إنما هم المتقون، فأمَّا العصاة فمشاة كما في أحاديث, وهو ﷺ قائد لجميع المؤمنين الطائعين والعصاة, "وأنا خطيبهم" أي: المتكلم عنهم "إذا انصتوا".
قال بعض شراح الترمذي: هذه خطبة الشفاعة، وقيل: قبلها, "وأنا شفيعهم إذا حبسوا" منعوا عن الجنة, "وأنا مبشرهم" بقبول شفاعتي لهم عند ربي ليريحهم "إذا أيسوا" من الناس, وفي رواية: أبلسوا, من الإبلاس وهو الانكسار والحزن, "الكرامة" التي يكرم الله عباده يومئذ, "والمفاتيح يومئذ" أي: يوم القيامة ظرف له وللكرامة, والخبر قوله: كائنان, "بيدي" تصرفي وقدرتي, "ولواء الحمد يومئذ بيدي, وأنا أكرم ولد آدم على ربي" ودخل آدم بالأوّل؛ لأن في ولده من هو أكرم منه كإبراهيم وموسى, "يطوف عليّ" بشد الياء "ألف خادم كأنهم بيض مكنون" شبههم ببيض النعام المصون من الغبار، ونحوه في الصفاء والبياض المخلوط بأدنى صفرة، فإنه أحسن ألوان الأبدان, "أو لؤلؤ منثور" من سلكه أو من صدفه, وهو أحسن منه في غير ذلك شبههم به لحسنهم وانتشارهم في الخدمة، وهذا قاله تحدثًا بنعمة ربه كما أمره.
قال القرطبي: ولأنه مما أمر بتبليغه لوجوب اعتقاده وأنَّه حق في نفسه, وليرغب في الدخول في دينه, ويتمسك به من دخل فيه، ولتعظم محبته في قلوب متبعيه, فتكثر أعمالهم, وتطيب أحوالهم, فيحصل لهم شرف الدنيا والآخرة؛ لأن شرف المتبوع متعد لشرف التابع، فإن قيل: هذا راجع للاعتقاد, فكيف يحصل القطع به من أخبار الآحاد، قلنا: من سمع شيئًا من هذه الأمور منه ﷺ مشافهةً حصل له العلم به كالصحابة، ومن لم يشافهه حصل له العلم به من طريق التواتر المعنوي لكثرة أخبار الآحاد به.
"رواه الدارمي" عبد الله بن عبد الرحمن الحافظ, "وقال" تلميذه "الترمذي" بعد روايته له مختصرًا: ولذا لم يعزه له المصنف "حديث غريب", وفيه الحسن بن يزيد الكوفي، قال أبو حاتم: ليّن, "ولم يقل: وأنا إمامهم" بدل قوله: وأنا قائدهم؛ "لأن دار الآخرة ليست دار تكليف", وهو إخبار عن حاله فيها.стр. 5784
وفي حديث رواه صاحب كتاب "حادي الأرواح". أنَّ رسول الله ﷺ يبعث يوم القيامة وبلال بين يديه ينادي بالأذان.
وفي كتاب "ذخائر العقبى" للطبري، مما عزاه لتخريج الحافظ السلفي, من حديث أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "تبعث الأنبياء على الدواب، ويحشر صالح على ناقته، ويحشر ابنا فاطمة على ناقتيَّ العضباء والقصواء، وأحشر أنا على البراق، خطوها عند أقصى طرفها، ويحشر بلال على ناقة من نوق الجنة".
الحواشي
(١) "وفي حديث رواه صاحب كتاب حادي الأرواح" إلى ديار الأفراح, وهو العلامة ابن القيم, "أن رسول الله ﷺ يبعث يوم القيامة وبلال" بن رباح, أحد السابقين الأولين, "بين يديه ينادي بالأذان" كما كان ينادي به في الدنيا, "وفي كتاب ذخائر العقبى" في مناقب ذوي القربى للطبري, الحافظ محبّ الدين المكي, "مما عزاه" نسبة "لتخريج الحافظ" العلامة الناقد, الديّن أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الأصبهاني "السلفي" بكسر المهملة وفتح اللام وبالفاء- نسبة إلى سلفة, لقب لجده أحمد، ومعناه: الغليظ الشفة, له تصانيف.
وروى عنه الحفَّاظ ومات سنة ست وسبعين وخمسمائة, "من حديث أبي هريرة, أن رسول الله ﷺ قال: "تبعث الأنبياء عل الدواب" إبل من الجنة، وعند الحاكم والبيهقي وغيرهما عن على أنه قرأ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِين﴾ [مريم: ٨٥] فقال: "والله ما يحشر الوفد على أرجلهم ولا يساقون سوقًا، ولكنهم يؤتون بنوق من نوق الجنة, لم تنظر الخلائق إلى مثلها, عليها جلال الذهب, وأزمَّتها الزبرجد، فيركبون عليها حتى يقرعوا باب الجنة" , "ويحشر صالح" في قوة الاستثناء كأنه قال: إلّا صالحًا فيحشر "على ناقته" التي عقرها مكذبوا, "ويحشر إبنا فاطمة" الحسن والحسين "على ناقتيَّ" بشد الياء مثنى, "العضباء" بمهملة فمعجمة فموحدة ومد, "والقصواء" بالمد، وهذا حجة للقول بأنهما ناقتان، ورد للقول بأنهما واحدة، وللقول الآخر أنهما مع الجدعاء أسماء لناقة واحدة، ومَرَّ بسط ذلك في الدواب, "وأحشر أنا على البراق" بضم الموحدة- دابة فوق الحمار ودون البغل كما مَرَّ بيانه في المعراج, المخصوص بنبينا ﷺ ، ومَرَّ الخلاف: هل ركب البراق غيره من الأنبياء في الدنيا أم لا، فقول المصباح: تركبه الرسل عند المعراج إلى السماء, صوابه الرسول بالإفراد لاختصاص المعراج به اتفاقًا، ثم بعد ذلك كونه عرج على البراق قول ضعيف، والصحيح أنه ربطه ببيت المقدس وعرج على المعراج, "خطوها" بالتأنيث على معنى البراق وهو دابة "عند أقصى طرفها" منتهى بصرها, "ويحشر بلال" المؤذّن "على ناقة من نوق الجنة" المخلوقة من نور.стр. 5785
وأخرجه الطبراني والحاكم بلفظ: "يحشر الأنبياء على الدواب، وأبعث على البراق، ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة فينادي بالأذان محضًا وبالشهادة حقًّا، حتى إذا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، شهد له المؤمنون من الأولين والآخرين".
وعند ابن زنجويه في "فضائل الأعمال" عن كثير بن مرة الحضرمي، قال:
الحواشي
(١) "وأخرجه" أي حديث أبي هريرة المذكور "الطبراني والحاكم بلفظ: "قال رسول الله ﷺ : "تحشر الأنبياء" يوم القيامة "على الدواب" ليوافوا المحشر, ويبعث صالح على ناقته، هذا أسقطه المصنف من لفظ عزاه لهما, "وأبعث على البراق" إكرامًا له بركوبه مركوبًا لا يشبهه ما يركبه غيره، وأسقط من لفظ من عزاه لهما, ويبعث إبناي الحسن والحسين على ناقتين من نوق الجنة, وبعده قوله: "ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة ينادي بالأذان محضًا" خالصًا من معارضة المنكرين في الدنيا لكشف الغطاء وظهور الحق عيانًا؛ لأنه لا ينكره أحد ذلك اليوم, "وبالشهادة حقًّا" أي: ثابتًا لا يقبل التغيير ولا التبديل، ولا معارضة بين الروايتين فيما يركبه الحسنان؛ لجواز ركوبهما الأمرين العضباء والقصواء، ثم يركبان ناقتين من الجنة أو عكسه, زيادة في إكرامهما وتعظيمهما؛ إذ لو قصر ركوبهما على ناقتيّ جدهما لنقصا عن غيرهما الراكبين من نوق الجنة, "حتى إذا قال" بلال: "أشهد أن محمدًا رسول الله" هكذا الرواية عند الطبراني والحاكم، فلا عبرة بما في نسخ سقيمة من زيادة: أشهد أن لا إله إلا الله, "شهد له المؤمنون من الأولين والآخرين" , "فقبلت ممن قلبت, وردت على من ردت".
هذا بقية الحديث. عند من عزاه لهما فلم يوفّ بقوله بلفظ, بل حذف منه جملًا كما علم.
"وعند ابن زنجويه" بزاي مفتوحة فنون ساكنة فجيم مضمومة فواو ساكنة عند المحدثين؛ لأنهم لا يحبون، وبه وهو لقب لمخلد والد حميد -بضم المهملة- ابن مخلد بن قتيبة بن عبد الله الأزدي, أبي أحمد النسائي الحافظ الثقة الثبت، روى عن أبي عاصم النبيل, وعليّ بن المديني, ومحمد بن يوسف الفريابي, وعنه أبو داود والنسائي وغيرهما، مات سنة ثمان، وقيل: سبع وأربعين ومائتين، وقيل: سنة إحدى وخمسين ومائتين, "في فضائل الأعمال" أحد تصانيفه, "عن كثير بن مرة الحضرمي" نزيل حمص, له إدراك, أرسل حديثًا فذكره عبدان المروزي وابن أبي خيثمة في الصحابة، وذكره غيرهما في التابعين، ووثَّقه ابن سعد والعجلي والنسائي وغيرهم, وأدرك سبعين بدريًّا.
وروى له أصحاب السنن والبخاري في جزء القراء خلف الإمام, وذكره فيمن مات فيстр. 5786
قال رسول الله ﷺ : "تبعث ناقة ثمود لصالح فيركبها من عند قبره حتى توافي به المحشر، وأنا على البراق, اختصصت به من دون الأنبياء يومئذ، ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة, ينادي على ظهرها بالأذان حقًّا، فإذا سمعت الأنبياء وأممها: أشهد أن محمدًا رسول الله, قالوا: ونحن نشهد على ذلك".
وذكر الشيخ زين الدين المراغي، مما عزاه لابن النجار في تاريخ المدينة عن كعب الأحبار، والقرطبي في "التذكرة", وابن أبي الدنيا عن كعب, أنه دخل على عائشة ﵂، فذكروا رسول الله ﷺ , فقال كعب: ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفًا من الملائكة حتى يحفون بالقبر، ويضربون بأجنحتهم, ويصلون على النبي ﷺ , حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط سبعون ألف ملك يحفون بالقبر
الحواشي
(١) العشر الثاني من الهجرة, قاله في الإصابة ملخصًا "قال: قال رسول الله ﷺ : "تبعث ناقة ثمود" يوم القيامة "لصالح, فيركبها من عند قبره حتى توافي" أي تأتي "به المحشر, وأنا على البراق اختصصت" بالبناء للمفعول، أي: خصَّني الله به من دون الأنبياء يومئذ, فإنهم يركبون على الدوابّ كما مَرَّ, "ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة ينادي على ظهرها بالأذان حقًّا" ثابتًا, "فإذا سمعت الأنبياء وأممها أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، قالوا: ونحن نشهد على ذلك", وجزم الحليمي والغزالي بأن الذين يحشرون ركبانًا يركبون من قبورهم، وقال الإسماعيلي: يمشون من قبورهم إلى الموقف, ويركبون من ثَمَّ جمعًا بينه وبين حديث الصحيحين: "يحشر الناس حفاة مشاة"، قال البيهقي: والأوّل أَوْلَى، ثم لا يعارض هذا ما ورد مرسلًَا أنَّ المؤمن يركب عمله, والكافر يركبه عمله؛ لأن بعضهم يركب الدواب وبعضهم الأعمال أو يركبونها فوق الدواب.
"وذكر الشيخ زين الدين المراغي" بميم مفتوحة وغين معجمة- من مراغة الصيد بمصر, "مما عزاه لابن النجار" محمد بن محمد الحافظ, في تاريخ المدينة" المسمَّى بالدرر الثمينة "عن كعب الأحبار, والقرطبي في التذكرة, وابن أبي الدنيا" وأبو الشيخ ابن المبارك, كلهم "عن كعب" بن مانع, المعروف بكعب الأحبار "أنه دخل على عائشة ﵂ فذكروا رسول الله" أي: ما يتعلق به مما خصّ به من الكرامات " ﷺ ، فقال كعب: ما من فجر يطلع إلّا نزل سبعون ألفًا من الملائكة حتى يحفّون" أي: يطوفون. كذا في النسخ بالنون, "بالقبر" النبوي "يضربون بأجنحتهم, ويصلون على النبي ﷺ ", لفظ رواية المذكورين: "يضربون قبر النبي ﷺ بأجنحتهم ويحفون به ويستعفرون له ويصلون عليه, حتى إذا أمسوا عرجوا, وهبط سبعون ألفًا بالليل, وسبعون ألفًا بالنهار, حتى إذا انشقت عنه الأرض, خرج في سبعين ألفًاстр. 5787
يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي ﷺ ، سبعون ألفًا بالليل وسبعون ألفًا بالنهار، حتى إذا انشقَّت عنه الأرض خرج في سبعين ألفًا من الملائكة يوقرونه ﷺ .
وفي "نوادر الأصول" للحكيم الترمذي, من حديث ابن عمر قال: خرج رسول الله ﷺ ويمينه على أبي بكر, وشماله على عمر، فقال: "هكذا نبعث يوم القيامة".
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أنا أول من تنشق عنه الأرض, فأكسى حلة من حلل الجنة، ثم أقوم عن يمين العرش، ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري" رواه الترمذي, وفي رواية جامع الأصول عنه: "أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسى" , وفي رواية كعب: "حلة خضراء".
الحواشي
(١) من الملائكة يوقرونه" يعظمونه, " ﷺ " إكرامًا. لم ينقل عن غيره, ولعلَّ كعبًا علم هذا من الكتب القديمة لأنه حبرها.
"وفي نوادر الأصول للحكيم" محمد بن علي "الترمذي" من طبقة البخاري, "من حديث ابن عمر" قال: خرج رسول الله ﷺ ويمينه على أبي بكر, وشماله على عمر، فقال: "هكذا نبعث يوم القيامة" , ولعل ذلك عقب خروجهم من القبر, ركوب المصطفى البراق وركوبهما الناقتين.
وعند ابن أبي عاصم عن ابن عمر: أن النبي ﷺ دخل المسجد وأبو بكر عن يمينه آخذًا بيده, وعمر عن يساره آخذًا بيده, وهو متكيء عليهما، فقال: "هكذا نبعث يوم القيامة" ولا خلف، فإنه خرج من بيته ودخل المسجد.
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أنا أوّل من تنشق عنه الأرض فأكسى" بالبناء للمفعول "حلة من حلل الجنة" تكرمة له؛ حيث أتى من لباسها قبل دخولها؛ كدأب الملوك مع خواصّها، وشاركه في ذلك إبراهيم مجازاةً على تجرده حين ألقي في النار, "ثم أقوم عن يمين العرش" فوق كرسي يؤتى له به كما يأتي, "ليس أحد من الخلائق" جمع خليقة, فيمشل الثقلين والملائكة, "يقوم ذلك المقام غيري" خصيصة شرَّفني الله بها, وأخذ أعم العام وهذا هو الفضل المطلق، والمراد بالمقام يمين العرش, فلا يعارض ما ورد أن إبراهيم يقوم على يسار العرش.
"رواه الترمذي" وقال: حسن صحيح غريب, "في رواية جامع الأصول، عنه" أي: الترمذي: "أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسى" إلى آخر الحديث.
وفي رواية كعب" بن مالك الأنصاري السلمي مرفوعًا في حديث بلفظ: "ويكسوني ربيстр. 5788
وفي البخاري، من حديث ابن عباس عنه ﷺ : "تحشرون حفاة عراة غرلًا، كما بدأنا أول خلق نعيده, وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم".
وأخرجه البيهقي، وزاد: "وأول من يكسى من الجنة إبراهيم، يكسى حلة من الجنة, ويؤتى بكرسي فيطرح عن يمين العرش، ثم يؤتى بي فأكسى حلة من الجنة لا يقوم لها البشر" , وفيه: أنه يجلس على الكرسي عن يمين العرش.
الحواشي
(١) حلة خضراء" رواه الطبراني فبيّن لونها, "وفي البخاري" في مواضع, ومسلم والترمذي، ويأتي للمصنف قريبًا، عزوه للشيخين "من حديث ابن عباس، عنه ﷺ " أنه قال: "إنكم تحشرون" عند الخروج من القبور حال كونكم "حفاة" بضم الحاء وخفة الفاء- جمع حافٍ، أي: بلا خف ولا نعل, "عراة" لا ثياب عليهم, "غرلًا" بضم الغين المعجمة وإسكان الراء- يعني: غير مختونين, والغرلة ما يقطعه الخاتن وهي القلقة، قال في البدور: ترد إليه الجلدة التي قطعت بالختان, وكذلك يرد إليه كل جزء فارقه في الحياة كالشعر والظفر ليذوق الثواب وأليم العذاب انتهى.
ونحوه قول ابن عبد البر: يحشر الآدمي عاريًا، ولكل من الأعضاء ما كان له يوم ولد، فمن قطع منه شيء يرد إليه حتى الأقلف، وقال أبو الوفاء بن عقيل: "حشفة الأقلف موقاة بالقلفة, فتكون أرق, فلما زالوا تلك القطعة في الدنيا أعادها الله تعالى ليذيقها من حلاوة فضله، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ , أي: نوجده بعينه بعد إعدامه مرة أخرى, أو تركيب أجزائه بعد تفريقها من غير إعدام, والأول أوجه؛ لأنه تعالى شبّه الإعادة بالابتداء, والابتداء ليس عبارة عن تركيب الأجزاء المتفرقة، بل عن الوجود بعد العدم، فوجب أن تكون الإعادة كذلك، وأورد الطيبي أن سياق الآية في إثبات الحشر والنشر؛ لأن المعنى: نوجدكم من العدم كما أوجدناكم أولًا من العدم، فكيف يستشهد بها للمعنى المذكور، أي: من كونهم غرلًا، وأجاب بأن سياق الآية وعبارتها يدل على إثبات الحشر وإشارتها على المعنى المراد من الحديث, فهو من باب الإدماج, انتهى.
"وإن أوّل الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم"؛ لأنه جُرِّدَ حين ألقي في النار، أو لأنه أوّل من لبس السراويل.
وأخرجه البيهقي" في البعث "وزاد: "وأول من يكسى من الجنة إبراهيم, يكسى حُلَّة من الجنة" فبيِّن ما يكساه, "ويؤتى بكرسي فيطرح" أي: يجعل "ويوضع عن يمين العرش, ثم يؤتى" بحاء "بي فأكسى حلة من الجنة لا يقوم" أي: لا يصلح "لها البشر" , فاستعمل القيام في لازم معناه اللغوي, وهو الاستقلال بالأمر دون غيره، وذلك اللازم عدم صلاحية غيره لتلك الحلةстр. 5789
ولا يلزم من تخصيص إبراهيم ﵇ بأنه أوّل من يكسى أن يكون أفضل من نبينا ﷺ ، على أنه يحتمل أن يكون نبينا ﷺ خرج من قبره في ثيابه التي مات فيها، والحلة التي يكساها يومئذ حلة الكرامة، بقرينة إجلاسه عند ساق العرش، فتكون أولية إبراهيم في الكسورة بالنسبة لبقية الخلق.
وأجاب الحليمي بأنه يكسى إبراهيم أولًا، ثم يكسى نبينا -عليهما الصلاة والسلام- على ظاهر الخبر، لكن حلة نبينا أعلى وأكمل، فيجبر بنفاستها ما فات من الأولية.
وفي حديث أبي سعيد عند أبي داود وصححه ابن حبان، أنه لما حضره الموت, دعا بثياب جدد فلبسها وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها".
الحواشي
(١) "وفيه" أي: في بقية حديث البيهقي المذكور "أنه" ﷺ "يجلس على الكرسي عن يمين العرش" فمعنى قوله في الحديث السابق: "ثم أقوم على يمين العرش"، أي: أثبت جالسًا على الكرسي, بدليل هذه الرواية, "ولا يلزم من تخصيص إبراهيم ﵇ بأنه أوَّل من يكسى أن يكون أفضل من نبينا ﷺ "؛ لأن المفضول قد يمتاز بشيء يخص به, ولا يلزم منه الفضيلة المطلقة، وقول صاحب المفهم: يجوز أن يراد بالخلائق ما عدا نبينا ﷺ , فلا يدخل في عموم خطابه، تعقّبه تلميذه في التذكرة بحديث علي عند ابن المبارك في الزهد: أوَّل من يكسى يوم القيامة خليل الله قبطيتين، ثم يكسى محمد ﷺ حلة حبرة عن يمين العرش. انتهى.
"على أنَّه يحتمل أن يكون نبينا ﷺ خرج من قبره في ثيابه التي مات" أي: دفن "فيها, والحلة التي يكساها يومئذ حلة الكرامة, بقرينة إجلاسه عند ساق العرش، فتكون أولية إبراهيم في الكسوة بالنسبة لبقية الخلق", وعلى هذا الاحتمال يكون ذلك خصوية أخرى للمصطفى؛ حيث تبلى ثياب الخلائق وثيابه لا تبلى حتى يكسى الحلة.
"وأجاب الحليمي بأنه يكسى إبراهيم أولًا, ثم يكسى نبينا ﵉, على ظاهر الخبر, لكن حلة نبينا أعلى وأكمل، فيجبر بنفاستها ما فات من الأولية" فكأنه كُسِيَ مع الخليل.
هذا بقية كلام الحليمي, "وفي حديث أبي سعيد الخدري عند أبي داود وصححه ابن حبان "والحاكم "أنه لما حضره الموت" أي: أسبابه, وفي رواية: لما احتضر, دعا بثياب جدد فلبسها, وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها".стр. 5790
وعند الحارث بن أبي أسامة وأحمد بن منيع: فإنهم يبعثون في أكفانهم ويتزاورون في أكفانهم.
ويجمع بينه وبين ما في البخاري بأنَّ بعضهم يحشر عاريًا وبعضهم كاسيًا، أو يحشرون كلهم عراة ثم يكسى الأنبياء، وأوّل من يكسى إبراهيم ﵇، أو يخرجون من القبور بالثياب التي ماتوا فيها, ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر، فيحشرون عراة, ثم يكون أوّل من يكسى إبراهيم.
وحمل بعضهم حديث أبي سعيد على الشهداء، فيكون أبو سعيد سمعه في الشهداء, فحمله على العموم.
الحواشي
(١) "وعند الحارث بن أبي أسامة وأحمد بن منيع" بفتح الميم وكسر النون- ابن عبد الرحمن البغوي, نزيل بغداد, حافظة ثقة, يروي عنه مسلم والأربعة وغيرهم، مات سنة أربع وأربعين ومائتين, وله أربع وثمانون سنة، وكذا عند الخطيب, الثلاثة عن جابر رفعه: "إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه" , "فإنهم يبعثون" من قبورهم "في أكفانهم" التي يكفنون فيها, "ويتزاورون" يزور بعضهم بعضًا في القبور "في أكفانهم" إكرامًا للمؤمنين, بتأنيس بعضهم ببعض, كما كان حالهم في الدنيا, وإن كانت الأحياء لا تشاهد ذلك، فأحوال البرزخ لا يقاس عليها، وحديث جابر هذا إسناده صالح, كما نقله الحافظ في اللسان عن العقيلي.
ورواه هو والخطيب وسموية من حديث أنس مثله, ويجمع كما قال البيهقي وغيره "بينه" أي: ما ذكر من هذه الأحاديث المصرّحة بأنهم يحشرون كاسين, "وبين ما في البخاري" ومسلم: "إنكم تحشرون حفاة عراة" , "بأن بعضهم يحشر عاريًا وبعضهم كاسيًا" بثيابه, "أو يحشرون كلهم عراة ثم تكسى الأنبياء, وأول من يكسى إبراهيم ﵇"؛ لأنه جُرِّدَ لما ألقي في النار، أو لأنَّه أول من لبس السراويل، أو لشدة خوفه من الله, فعجلت له الكسوة أمانًا له ليطمئن قلبه.
واختاره الحليمي, وروى ابن مندة مرفوعًا: "أوَّل من يكسى إبراهيم، فيقول الله: اكسوا خليلي ليعلم الناس فضله عليهم" , "أو يخرجون من القبور بالثياب التي ماتوا فيها، ثم تتناثر" تتساقط عنهم عند ابتداء الحشر, فيحشرون عراة، ثم يكون أوّل من يكسى إبراهيم ﵇, وحمل بعضهم حديث أبي سعيد، أنَّ الميت يبعث في ثيابه التي مات فيها "على الشهداء، فيكون أبو سعيد سمعه في الشهداء" الذين أمر أن يدفنوا بثيابهم التي قتلوا فيها وبها الدم, "فحمله" أبو سعيد "على العموم" في الشهداء وغيرهم، وهذا نقله القرطبي وفيه بعد.стр. 5791
وأمَّا ما رواه الطبري في "الرياض النضرة", وعزاه للإمام أحمد في المناقب عن محدوج بن زيد الهذلي, أن النبي ﷺ قال لعلي: "أما علمت يا علي أنَّه أوّل من يدعى به يوم القيامة بي، فأقوم عن يمين العرش في ظله، فأكسى حلة خضراء من حلل الجنة، ثم يدعى بالنبيين بعضهم على إثر بعض، فيقومون سماطين عن يمين العرش, ويكسون حللًا خضرًا من حلل الجنة، ألا وإنَّ أمتي أول الأمم يحاسبون يوم القيامة، ثم أبشر، فأوّل من يدعى بي، فيدفع لك لوائي وهو لواء الحمد، فتسير به بين السماطين، آدم وجميع خلق الله تعالى يستظلون بظل لوائي يوم القيامة, وطوله مسيرة ألف سنة وستمائة سنة، وسنانه ياقوتة حمراء، قبضته فضة بيضاء، زجه درة خضراء، له ثلاث ذوائب من نور, ذؤابة في المشرق، وذؤابة في المغرب، والثالث في وسط الدنيا، مكتوب عليه ثلاثة أسطر، الأوّل:
الحواشي
(١) قال البيهقي: وبعضهم حمله على العمل الصالح لقوله: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ "وأمّا ما رواه الطبري" الحافظ محب الدين "في الرياض النضرة" في فضائل العشرة, "وعزاه للإمام أحمد في المناقب عن محدوج" بفتح الميم وإسكان الحاء المهملة فدال مهملة فواو فجيم- ابن زيد الهذلي" ذكره في الإصابة في القسم الأول, وقال: قال أبو نعيم: مختلف في صحبته, "أنَّ النبي ﷺ قال لعلي: "أما علمت يا علي أنَّه" أي: الحال والشأن, "أوَّل من يدعى به يوم القيامة بي" يعني: نفسه ﷺ , "فأقوم عن يمين العرش في ظله" , أي: العرش, "فاكسى حلة خضراء من حلل الجنة، ثم يدعى بالنبيين بعضهم على إثر بعض فيقومون سماطين" بكسر السين بزنة كتابين، أي: جانبين, "عن يمين العرش ويكسون حللًا خضرًا من حلل الجنة" , هذا منابذ لما صحَّ: "لا يقوم ذلك المقام أحد غيري"، يعني: الذي عن يمين العرش, "ألا" بالفتح والتخفيف, "وإنَّ أمتى أوَّل الأمم يحاسبون يوم القيامة ثم أبشر" يا علي -بهمزة قطع- نحو: أبشروا بالجنة, "فأول من يدعى بك" أي: من الأمة, "بعد الأنبياء فيدفع لك لوائي وهو لواء الحمد" بكسر اللام والمد, "فتسير به بين السماطين آدم وجميع ما خلق الله تعالى يستظلون بظلّ لوائي يوم القيامة, وطوله مسيرة ألف سنة وستمائة سنة, وسنانه ياقوتة خضراء" وفي نسخة: حمراء، ولعلّ المراد بالسنان هنا: ما يجعل في رأس اللواء, "قبضته المحل الذي" يقبض منه، أي: يمسك, "فضة بيضاء, زجّه" بضم الزاي وبالجيم, "درة خضراء, له ثلاث ذوائب" بذال معجمة "من نور, ذؤابة في المشرق, وذؤابة في المغرب, والثالثة في وسط الدنيا, مكتوب عليه ثلاثة أسطر، الأول: بسم الله الرحمن الرحيم, الثاني: الحمد لله رب العالمين, الثالث: لا إله إلا اللهстр. 5792
بسم الله الرحمن الرحيم, الثاني: الحمد لله رب العالمين، الثالث: لا إله إلا الله الله محمد رسول الله، طول كل سطر ألف سنة، وعرضه مسيرة ألف سنة، فتسير باللواء والحسن عن يمينك والحسين عن يسارك، حتى تقف بيني وبين إبراهيم ﵇ في ظل العرش، ثم تكسى حلة من الجنة", والسماطان من الناس والنخل: الجانبان".
ورواه ابن سبع في الخصائص بلفظ: قال: سأل عبد الله بن سلام رسول الله ﷺ عن لواء الحمد ما صفته؟ قال: "طوله مسيرة"..... الحديث.
فقال الحافظ قطب الدين الحليمي -كما نقله عنه المحب بن الهائم: إنه موضوع بَيِّن الوضع. قال: والله أعلم بحقيقة لواء الحمد.
الحواشي
(١) محمد رسول الله، طول كل سطر ألف سنة، وعرضه مسيرة ألف سنة" فنقص كل سطر عن طول ستمائة سنة؛ لأنه قدم أن طوله ألف وستمائة, "فتسير" يا علي "باللواء, والحسن عن يمينك, والحسين عن شمالك, حتى تقف بيني وبين إبراهيم ﵇ في ظل العرش، ثم تكسى" يا علي "حلة من الجنة" والسماطان من الناس والنخل الجانبان".
ورواه ابن سبع -بفتح السين وسكون الموحدة وضمها- أبو الربيع, "في" كتاب "الخصائص بلفظ: قال: سأل عبد الله بن سلام" الصحابي المبشّر بالجنة "رسول الله ﷺ عن لواء الحمد ما صفته, فقال: "طوله مسيرة" ألف سنة، فذكر الحديث المذكور, فقال الحافظ قطب الدين عبد الكريم بن عبدا لنور الحلبي، ثم المصري، مفيد الديار المصرية وشيخها, وكان حبرًا عالمًا متواضعًا, حسن السمت غزير المعرفة, متقنًا, بلغ شيوخه الألف, ولد في رجب سنة أربع وستين وستمائة, ومات في رجب سنة خمس وثلاثين وسبعمائة, وله تصنيف عديدة, "كما نقله عنه المحب بن الهائم أنه موضوع بَيِّن" أي: ظاهر "الوضع", ولا يقدح ذلك في جلالة من خرَّجه أحمد بن حنبل؛ لأن المحدثين إذا أبرزوا الحديث بسنده برئوا من عهدته, "قال" القطب: والله أعلم بحقيقة لواء الحمد، فيه إيماء إلى أنه حقيقي لا معنوي, وفيه قولان نقلهما الطيبي وغيره, أحدهما: إنه معنوي؛ لأن حقيقة اللواء الراية, والمراد: انفراده بالحمد يوم القيامة, وشهرته على رءوس الخلائق بالحمد, وقيل: حقيقي ورجّح، وعليه التوربشتي؛ حيث قال: لا مقام من مقامات عباد الله الصالحين أرفع وأعلى من مقام الحمد, ودونه تنتهي جميع المقامات، ولما كان ﷺ أحمد الخلق في الدارين, أعطي لواء الحمد؛ ليأوي إلى لوائه الأولون والآخرون، وأضاف اللواء إلى الحمد الذي هو الثناء على الله بما هو أهله؛ لأنه منصبه في الموقف وهو المقام المحمود المختَصّ به اهـ.стр. 5793
وفي حديث أبي سعيد -عند الترمذي بسند حسن- قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي, آدم فمن سواه, إلّا تحت لوائي" الحديث.
واللواء: الراية، وفي عرفهم لا يمسكها إلا صاحب الجيش ورئيسه، ويحتمل أن تكون بيد غيره بإذنه, وتكون تابعة له ومتحركة بحركته، تميل معه حيثما مال، لا أن يمسكها بيده؛ إذ هذة الحالة أشرف.
وفي استعمال العرب عند الحروب، إنما يمسكها صاحبها، ولا يمنعه ذلك من القتال بها، بل يقاتل بها ممسكًا لها أشد القتال، ولذا لا يليق بإمساكها كل أحد، بل مثل علي ﵁، كما قال: "لأعطينَّ الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله".
وإنما أضاف "اللواء" إلى "الحمد" الذي هو الثناء على الله بما هو أهله؛ لأن
الحواشي
(١) وفي حديث أبي سعيد" سعد بن مالك الخدري "عند الترمذي بسند حسن" قال الترمذي: حسن صحيح، "قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيام ولا فخر, وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي آدم فمن سواه, إلّا تحت لوائي" ... الحديث" قدم المصنف تتمته قريبًا، وهو: "وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر"، ومَرَّ أن باقيه: "وأنا أوّل شافع وأوّل مشفَّع" ولا فخر, "واللواء" بالكسر والمد: الراية، وفي عرفهم" أي: العرب, "لا يمسكها" يحملها "إلّا صاحب الجيش ورئيسه" عظيمه الشريف القدر.
ويحتمل أن تكون مراده, وقد تجعل بيد غيره بإذنه, وتكون تابعة له ومتحركة بحركته, تميل معه حيثما مال, لا أنه يمسكه بيده؛ إذ هذه الحالة أشرف" من كَوْن يمسكها، أي: يحملها بيده, وفي استعمال العرب عند الحروب: إنما يمسكها صاحبها, ولا يمنعه ذلك من القتال بها, بل يقاتل بها" حال كونها ممسكًا لها أشد القتال" معمول يقاتل ولذا لا يليق بإمسكها كل أحد، بل البطل الشجاع الصنديد مثل علي ﵁, كما قال ﷺ في غزوة خيبر: "لأعطينَّ الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله, ويحبه الله ورسوله" , أراد وجود حقيقة المحبَّة, وإلّا فكل مسلم يشترك مع علي في مطلق هذه الصفة, وفيه تلميح بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فكأنَّه أشار إلى أن عليًّا تام الاتباع له ﷺ حتى وصفة بصفة محبة الله، ولذا كانت محبته علامة الإيمان, وبغضه علامة النفاق, كما في مسلم وغيره، مرفوعًا: وقدم الجملة الأولى على الثانية إشارةً إلى أن محبَّة الله ورسوله لعلي جزاءً له على محبته لهما, "وإنما أضاف اللواء إلى الحمد الذي هو الثناء على الله بما هو أهله؛ لأنстр. 5794
ذلك هو منصبه في ذلك الموقف دون غيره من الأنبياء.
وقد اختلف في هيئة حشر الناس.
ففي البخاري من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يحشر الناس على ثلاث طرائق، راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير, وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم
الحواشي
(١) ذلك هو منصبه في ذلك الموقف دون غيره من الأنبياء" والمقام المحمود المخصوص به, واللواء في عرصات القيامة, مقامات لأهل الخير والشر, ينصب في كل مقام, لكلّ متبوع لواء يعرف به قدره، كما قال ﷺ : "إن لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به عند استه".
رواه أحمد والطيالسي عن أنس بإسناد حسن, وأعلى تلك المقامات مقام الحمد، فأعطي لأحمد الخلائق حمدًا أعظم الألوية, وهو لواء الحمد ليأوي إليه الأولون والآخرون, فهو لواء حقيقي، وعند الله علم حقيقته, ولا وجه لصرفه إلى المجاز, وإن أفتى به السيوطي؛ لأنه لا يعدل عن الحقيقة ما وجد إليها سبيل كما نصّ على ذلك ابن عبد البر وغيره في حديث أكل الشيطان.
"وقد اختلف في هيئة حشر الناس" أتى بلفظ هيئة, إشارةً إلى أنه لا خلاف في الحشر, إنما الخلاف في صفته, ففي البخاري من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "يحشر الناس على ثلاث" ولمسلم: "ثلاث طرائق" جمع طريق, يذكر ويؤنث، قال المصنف: أي: فرق, "راغبين راهبين" يغيرا في الفرع كأصله، وقال في الفتح: وراهبين بالواو، وفي مسلم: بغير واو، وعلى الروايتين فهي الطريقة الأولى والفرقة الثانية, "واثنان على بعير, وثلاثة على بعير, وأربعة على بعير, وعشرة" يعتقبون "على بعير".
قال المصنف: بإثبات الواو في الأربعة في فرع اليونينية كهي، وقال الحافظ ابن حجر بالواو في الأول فقط، وفي رواية مسلم والإسماعيلي: بالواو في الجميع, ولم يذكر الخمسة والستة إلى العشرة إيجازًا واكتفاءً بما ذكر من الأعداء, مع أنَّ الاعتقاب ليس مجزومًا به, ولا مانع أن يجعل الله في البعير ما يقوى به على حمل العشرة، قال: ولم يذكر أن واحدًا على بعير, إشارةً إلى أنه يكون لمن فوقهم كالأنبياء, قال: ويحتمل أن يمشوا وقتًا ثم يركبوا, أو يكونوا ركبانًا، فإذا قاربوا المحشر نزلوا فمشوا، وأما الكفار فإنهم مشاة على وجوههم. انتهى.
وقال البيهقي: قوله: راغبين, إشارة إلى الأبرار, وراهبين: إشارة إلى المخلطين الذين هم بين الرجاء والخوف, والذين تحشرهم النار الكفار، وذكر الحليمي مثله وزاد: إن الأبرار وهم المتقون يؤتون بنجائب من الجنة, وأما البعير الذي يحمل عليه المخلطون فيحتمل أنه من إبل الجنة, وأنهстр. 5795
حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا" رواه الشيخان.
وقد مال الحليمي إلى أنَّ هذا الحشر يكون عند الخروج من القبور، وجزم به الغزالي، وقيل: إنهم يخرجون من القبور بالوصف المذكور في حديث ابن عباس عند الشيخين: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنكم محشورون حفاة عراة غرلًا"، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ " ثم يفترق حالهم من
الحواشي
(١) من الإبل التي تحيا وتحشر يوم القيامة, وهذا أشبه؛ لأنهم بين الرجاء والخوف, فلم يلق أن يردوا موقف الحساب على نجائب الجنة، قال: ويشبه أيضًا تخصيص هؤلاء بمن تغفر لهم ذنوبهم عند الحساب ولا يعذبون, أمَّا المعذَّبون بذنوبهم فيكونون مشاة على أقدام نقلة في البدور, "وتحشر بقيتهم النار" لعجزهم عن تحصيل ما يركبونه, وهم الفرقة الثالثة، والمراد بالنار هنا: نار الدنيا لا نار الآخرة، فلمسلم في حديث ذكر فيه الآيات الكائنة قبل قيام الساعة كطلوع الشمس من مغربها، ففيه: وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن ترحل الناس، وفي رواية له: تطرد الناس إلى حشرهم، قال المصنف: وقيل: المراد نار الفتنة, وليس المراد نار الآخرة، قال الطيبي: لأنه جعل النار هي الحاشرة, ولو أريد نار الآخرة لقال إلى النار، ولقوله: "تقيل" من القيلولة "معهم حيث قالوا, وتبيت" من البيتوتة "معهم حيث باتوا, وتصبح معهم حيث أصبحوا, وتمسي معهم حيث أمسوا" فإنها جملة مستأنفة بيان للكلام السابق، فإن الضمير في تقيل راجع إلى النار الحاشرة, وهو من الاستعارة، فيدل على أنها ليست النار الحقيقية, بل نار الفتنة كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّه﴾ [المائدة: ٦٤] انتهى. ولا يمتنع إطلاق النار على الحقيقة, وهي التي تخرج من قعر عدن, وعلى المجازية وهي الفتنة؛ إذ لا تنافي بينهما.
"رواه الشيخان" باعتبار أصله, وإن اختلفا في بعض ألفاظه، ولذا نسبه أولًا للبخاري، فلو قال أولًا: فعن أبي هريرة، ثم قال هنا: رواه الشيخان, واللفظ للبخاري لكان أحسن.
"وقد مال الحليمي إلى أنَّ هذا الحشر" المذكور في حديث أبي هريرة, "يكون عند الخروج من القبور، وجزم به الغزالي وقيل" وإليه أشار الخطابي, "أنهم يخرجون في القبور بالوصف المذكور في حديث ابن عباس عند الشيخين" الذي قصر المصنف آنفًا في عزوه للبخاري وحده، "أنَّ رسول الله ﷺ قال" وفي رواية عن ابن عباس: قام فينا النبي ﷺ يخطب، فقال: "إنكم تحشرون" بضم الفوقية- مبني للمفعول، وفي رواية: محشورون -بفتح الميم- اسم مفعول، وفي رواية عن ابن عباس: سمعت رسول الله ﷺ يخطب على المنبر، يقول: "إنكم ملاقو الله حفاة عراة غرلًا" بضم المعجمة وإسكان الراء- جمع أغرل، أي: أقلف، زاد في رواية للشيخين: مشاة, "ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ .стр. 5796
ثم إلى الموقف، كما في حديث أبي هريرة: "ويحشر الكافر على وجهه"، قال رجل: يا رسول الله، كيف يحشر على وجهه؟ قال: "أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة" أخرجه الشيخان.
الحواشي
(١) الإعادة والبعث, ونصب وعدًا على المصدر المؤكّد لمضمون الجملة المتقدمة, فناصبه مضمر، أي: وعدناه ذلك وعدًا.
ورواه الشيخان أيضًا عن عائشة بزيادة: فقلت: يا رسول الله, الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض، فقال: "يا عائشة, الأمر يومئذ أشد من ذلك"، وللطبراني والبيهقي عن سودة بنت زمعة، قلت: يا رسول الله, واسوأتاه, ينظر بعضنا إلى بعض، قال: "شغل الناس عن ذلك, لكل امريء منهم يومئذ شأن يغنيه"، وللطبراني بسند صحيح عن أم سلمة: فقلت: يا رسول الله, واسوأتاه, ينظر بعضنا إلى بعض، فقال: "شغل الناس"، قلت: فما شغلهم؟ قال: "نشر الصحائف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل" , "ثم يفترق حالهم من ثَم" , أي: من عند القبور, "إلى الموقف كما" قال "في حديث أبي هريرة" المذكور: "يحشر الناس على ثلاث طرائق"..... إلخ.
فلا خلف بينه وبين حديث ابن عباس: "ويحشر الكافر على وجهه" كما قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِم﴾ [الإسراء: ٩٧] ، وقال: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّم﴾ [الفرقان: ٣٤] "قال رجل" قال الحافظ: لم أعرف اسمه, "يا رسول الله, كيف يحشر الكافر" ماشيًا "على وجهه" وحكمه ذلك المعاقبة على عدم سجوده لله في الدنيا وكفره، فمشى على وجهه إظهارًا لهوانه في ذلك المحشر العظيم جزاءً وفاقًا, والسؤال للاستفهام عمَّا سمعه السائل في القرآن، فلا حاجة لقول المصنف هذا السؤال مسبوق بمثل قوله: "يحشر بعض الناس يوم القيامة على وجوههم, "قال" ﷺ : "أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادر" بالرفع خبر الذي, واسم ليس ضمير الشأن.
وروي بالنصب خبر ليس, "على أن يمشيه" بضم التحتية وسكون الميم "على وجهه يوم القيامة" ولأحمد عن أبي هريرة أنهم قالوا: "يا رسول الله, كيف يمشون على وجوههم، قال: "إن الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم, أما أنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك"، قال الحافظ: ظاهر الحديث أن المشي حقيقة، فلذلك استغربوه حتى سألوا عن كيفيته، وزعم بعض المفسرين أنه مَثَل, وأنه كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ [الملك: ٢٢] قال مجاهد: هذا مثل المؤمن والكافر، قلت: لا يلزم من تفسير مجاهد لهذه الآية بهذا أن يفسر به الآية الآخرى، فالجواب الصادر من النبي ﷺ ظاهر في تقرير المشي على حقيقته أهـ.
"رواه الشيخان" البخاري في تفسير سورة الفرقان وفي الرفاق، ومسلم في التوبة عن أنسстр. 5797
وفي حديث أبي ذر عند النسائي مرفوعًا: "إن الناس يحشرون على ثلاثة أفواج, فوجًا راكبين طاعمين كاسين، وفوجًا تسحبهم الملائكة على وجوههم، وفوجًا يمشون ويسعون".
الحواشي
(١) "وفي حديث أبي ذر عند النسائي" وأحمد والحاكم والبيهقي "مرفوعا" قال: حدثني الصادق المصدق ﷺ : "إنَّ الناس يحشرون" أسقط من الحديث يوم القيامة "على ثلاثة أفواج, فوجًا" كذا في النسخ بالنصب, والذي في شرحه للبخاري والبدور السافرة فوج بالخفض بدل من ثلاثة المجرور بعلى, وهي ثابتة في الحديث, وفي أصل نسخ المواهب، ولما رآها الجهال فوجًا بالنصب تجاسروا وضربوا على لفظ على, مع أنه لو روي بالنصب لكان بتقدير: أعنى, ولا داعية لشطب على, "راكبين طاعمين كاسين" وهم الأبرار, "وفوجا" بالخفض على الصواب، وإن كان في النسخ "فوجًا", "تسحبهم الملائكة على وجوههم" وهم الكفار "وفوجًا" صوابه وفوج, "يمشون ويسعون" وهم المؤمنون العاصون.
والرواية كما في شرحه للبخاري والبدور بتقديم قوله: وفوج يمشون, على قوله: وفوج تسحبهم..... إلخ.
قال المصنف في بقية الحديث أنهم سألوا عن السبب في مشي المذكورين، فقال ﷺ : يلقي الله الآفة على الظهر حتى لا تبقى ذات ظهر, حتى إن الرجل ليعطي الحديقة المعجبة بالشارف ذات الفتب، أي: يشتري الناقة المسنة لأجل كونها تحمله على القتب بالبستان الكريم؛ لهوان العقار الذي عزم على الرحيل عنه, وعزة الظهر الذي وصله إلى مقصوده, وهذا لائق بأحوال الدنيا، لكن استشكل قوله فيه يوم القيامة، وأجيب بأنه مئول على أنَّ المراد به: أنَّ يوم القيامة يعقب ذلك, فيكون من مجاز المجاورة، ويتعيّن ذلك لما وقع فيه أن الظهر يقل.... إلخ.
فإنه ظاهر جدًّا في أنه من أحوال الدنيا لا بعد البعث, ومن أين للذين يبعثون حفاة عراة حدائق يدفعونها في الشوارف، ومال الحليمي وغيره إلى أنَّ هذا الحشر يكون عند الخروج من القبور، وجزم به الغزالي والتوربشتي, وقرره بما يطول ذكره. انتهى كلام المصنف, وعلى ما جزموا به يئول في قوله: "يلقي الله الآفة" , بأن المراد يعدمها يوم القيامة فلا يجدون ظهرًا، وأما قوله: "حتى أن الرجل".......... إلخ.
فمعناه يود لو كانت له حديقة فيعطي.... إلخ على نحو قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ﴾ [المعارج: ١١] ، وغير ذلك, وليس التجوز في هذا بأبعد من التجوز في صرف يوم القيامة عن ظاهره، فإن بين النفختين أربعين سنة, ولا يذهبون إلى الحشر قبل النفخة الأولى، بل إذا وقعت مات كل حي مكانه، ثم إذا نفخ فيه الثانية قاموا من قبورهم ذاهبين إلى محل الحشر، وأيстр. 5798
وفي حديث سهل بن سعد مرفوعًا: "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء، كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد" رواه الشيخان.
الحواشي
(١) مجاز يصح في قوله: "وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم"، فإن الملائكة لا تفعل ذلك في الدنيا بالكفار.
"وفي حديث سهل بن سعد مرفوعًا: "يحشر" بضم التحتية مبنيًّا للمفعول "الناس" أي: يحشرهم الله تعالى, "يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء" بفتح المهملة وإسكان الفاء والمد- ليس بياضها بالناصع، قاله الخطابي، وقال عياض: تضرب إلى حمرة قليلًا, ومنه سمي عفر الأرض وهو وجهها، وقال ابن فارس: عفراء خالصة البياض, والداودي: شديدة البياض، قاله الحافظ, والأوّل المعتَمَد, "كقرصة" أي: خبز النقي -بفتح النون وكسر القاف- أي: الدقيق النقي من القشر والنخال، قاله الخطابي, "ليس فيها علم لأحد" بفتحتين لفظ مسلم، وفي البخاري: معلم بفتح الميم واللام بينهما مهملة ساكنة وهما بمعنى واحد، وهو ما يستدل به على الطريق، وقال عياض: ليس فيها علامة سكنى ولا بناء ولا أثر ولا شيء من العلامات التي يهتَدَى بها في الطرقات؛ كالجبل والصخرة البارزة, وفيه تعريض بأنَّ أرض الدنيا ذهبت وانقطعت العلاقة منها، وقال الداودي: المراد أنَّه لا يجوز أحد منها شيئًا إلّا ما أدرك منها، أي: من المشي عليها والأكل منها كما في الصحيحين عن أبي سعيد مرفوعًا: "تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلًا لأهل الجنة" الحديث.
قال الداودي: النزل هنا ما يعجل للضيف قبل الطعام، أي: إنه يأكل منها في الوقف من يصير إلى الجنة لا أنهم يأكلون حين يدخلونها، وكذا قال ابن برجان: يأكل المؤمن من بين رجليه ويشرب من الحوض.
قال الحافظ: يستفاد منه أنَّ المؤمنين لا يعاقبون بالجوع في طول الموقف، بل يقلب الله بقدرته طبع الأرض حتى يأكلوا منها من تحت أقدامهم ما شاء الله بغير علاج ولا كلفة، ويؤيد أن هذا مراد الحديث.
ما أخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير، قال: تكون الأرض خبزة بيضاء, يأكل المؤمن من تحت قدميه، وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، والبيهقي عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] قال: تبدل الأرض أرضًا كأنها فضة لم يسفك فيها دم حرام, ولم يعمل عليها خطيئة. ورجاله ورجال الصحيح، وهو موقوف، ورواه البيهقي من وجه آخر مرفوعًا وقال: الموقوف أصحّ، ولابن جرير عن أنس مرفوعًا. يبدل الله الأرض بأرض من فضة لم يعمل عليها الخطايا، والحكمة في ذلك، كما قال ابن أبي حمزة: إنстр. 5799
وفي حديث عقبة بن عامر -عند الحاكم- رفعه: "تدنو الشمس من الأرض يوم القيامة فيعرق الناس، فمنهم من يبلغ نصف ساقه، ومنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يبلغ فخذه، ومنهم من يبلغ خاصرته، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ فاه" وأشار بيده ألجمها فاه، "ومنهم من يغطيه عرفه" وضرب بيده على رأسه.
وله شاهد عند مسلم، من حديث المقداد بن الأسود، وليس بتمامه، وفيه: "تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق".
وهذا ظاهر في أنهم يستوون في وصول العرق إليهم, ويتفاوتون في حصوله
الحواشي
(١) ذلك اليوم يوم عدل وظهور حق، فاقتضت الحكمة أن يكون المحل الذي يقع فيه ذلك طاهرًا عن عمل المعصية والظلم، وليكون تجليه على عباده المؤمنين على أرض تليق بعظمته؛ ولأنَّ الحكم فيه إنما يكون لله وحده، فناسب أن يكون المحل خالصًا له وحده.
"رواه الشيخان" البخاري في الرقاق, ومسلم في التوبة, "وفي حديث عقبة بن عامر عند الحاكم رفعه: "تدنو" تقرب "الشمس من الأرض يوم القيامة, فيعرق" بفتح الراء, "الناس، فمنهم من يبلغ" عرقه "نصف ساقه، ومنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يبلغ فخذه، ومنهم من يبلغ خاصرته، ومنهم من يبلغ منكبيه" بفتح الميم وكسر الكاف- مجتمع رأس العضد والكتف, "ومنهم من يبلغ فاه، وأشار بيده ألجمها فاه" تفسير لما أشار به، أي: إنه جعل يده في فمه كما يجعل اللجام في الفم, إشارةً إلى أن العرق يصل إلى فمه, "ومنهم من يغطيه عرقه" وضرب بيده" أي: جعلها "على رأسه, وله شاهد عند مسلم من حديث المقداد بن الأسود, وليس بتمامه، وفيه" وهو أوّله من طريق سليم بن عامر، قال: حدثني المقداد بن الأسود، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تدنو" أي: تقرب "الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل" قال سليم بن عامر: فوالله, ما أدري ما يعني بالميل، أمسافة الأرض أم الميل الذي تكحَّل به العين، هكذا في مسلم، قال القرطبي: الميل مشترك بينهما، ولهذا أشكل الأمر على سليم, والأولى به هنا مسافة الأرض؛ لأنها إذا كان بينها وبين الرءوس مقدار المرود فهي متصلة بالرءوس لقلة مقدار المرود. انتهى.
قال: "فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق" , "فمنهم من يكون إلى كعبيه, ومنهم من يكون إلى ركبتيه, ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا".
قال: وأشار رسول الله ﷺ بيده إلى فيه، هذا بقية حديث مسلم بلفظه، وبه تعلم ما زاد عليه في حديث عقبة, "وهذا ظاهر في أنهم يستوون في وصول العرق إليهم" كلهم إلاстр. 5800
فيهم.
فإن قلت: الشمس محلها السماء، وقد قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] والألف واللام في السماء للجنس، بدليل ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] فما طريق الجمع؟
فالجواب: يجوز أن تقام بنفسها دانية من الناس في المحشر ليقوى هوله وكربه، عافانا الله من كل مكروه.
وقال ابن أبي جمرة: ظاهر الحديث يقتضي تعميم الناس بذلك، ولكن دلّت الأحاديث الأخرى على أنه مخصوص بالبعض وهم الأكثر، ويستثنى الأنبياء والشهداء ومن شاء الله، فأشدهم الكفار، ثم أصحاب الكبائر ثم من بعدهم.
الحواشي
(١) الأنبياء والشهداء, ومن شاء الله كما يأتي, "ويتفاوتون في حصوله فيهم".
وأورد القرطبي في المفهم أنّ العرق للزحام ودنوّ الشمس وحرّ الأنفاس وحرّ النار التي تحدق بالمحشر, فترشح رطوبة بدن كل أحد, فيلزم أن يسبح الجميع فيه سبحًا واحدًا ولا يتفاضلون في القدر، وأجاب بأنه يزول هذا الاستبعاد بأن يخلق الله تعالى في الأرض التي تحت واحد ارتفاعًا بقدر عمله, فيرتفع العرق بقدر ذلك وجواب ثانٍ, وهو أن يحشر الناس جماعات متفرقة, فيحشر من بلغ كعبية في جهة, ومن بلغ حقويه في جهة, هكذا. انتهى.
"فإن قلت: الشمس محلها السماء، وقد قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ " اسم ملك "للكتب" صحيفة ابن آدم عند موته, واللام زائدة، أو السجل الصحيفة والكتاب بمعنى المكتوب, واللام بمعنى على, وفي قراءة: للكتب, جمعًا، وقيل: السجّل اسم كاتب للنبي ﷺ , "والألف واللام في السماء للجنس" فيشمل السبع, "بدليل: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ﴾ مجموعات, "بيمينه" بقدرته "فما طريق الجمع، فالجواب، يجوز أن تقام" أي: توجد الشمس "بنفسها" بلا سماء تكون فيها, "دانية من الناس في المحشر؛ ليقوى هوله وكربه، عافانا الله من كل مكروه".
"وقال ابن أبي جمرة" بجيم وراء, "ظاهر الحديث يقتضي تعميم الناس بذلك" أي: العرق, "ولكن دلت الأحاديث الأخرى على أنه مخصوص بالبعض وهم الأكثر, ويستثنى الأنبياء والشهداء ومن شاء الله" من غيرهم، كالذين في ظلّ العرش, "فأشدهم الكفار، ثم أصحاب الكبائر، ثم من بعدهم", والمسلمون منهم قليل بالنسبة إلى الكفار، هذا باقي قول ابن أبي جمرة.стр. 5801
وأخرج أبو يعلى، وصحَّحه ابن حبان عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] قال: "مقداره نصف يوم من خمسين ألف سنة، فيهون على المؤمنين كتدلي الشمس إلى أن تغرب" , وأخرج أحمد وابن حبان نحوه من حديث أبي سعيد.
وللبيهقي في البعث عن أبي هريرة: "يحشر الناس قيامًا, أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السماء، فليجمهم العرق من شدة الكرب".
وفي البخاري من حديث أبي هريرة ﵁, عنه ﷺ : "يعرف الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعًا، ويلجمهم العرق حتى يبلغ آذانهم".
الحواشي
(١) وآخرج أبو يعلى وصحَّحه ابن حبان عن أبي هريرة, عن النبي ﷺ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ﴾ بدل من محل ليوم عظيم, فناصبه مبعوثون ﴿يَقُومُ النَّاسُ﴾ من قبورهم ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الخلائق؛ لأجل أمره وحسابه وجزائه, "قال: "مقداره" أي: مدته, "قدر نصف يوم من خمسين ألف سنة" حقيقة على ظاهره, أو لشدته على الكفار، أو لكثرة ما فيه من الحالات والمحاسبات, "فيهون على المؤمنين؛ كتدلي الشمس" للغروب, "إلى أن تغرب" كناية عن قصره جدًّا.
"وأخرج أحمد وابن حبان نحوه من حديث أبي سعيد الخدري، وروى البيهقي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥] ، قال: "هذا في الدنيا, تعرج الملائكة في يوم مقداره ألف سنة" , وقوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ، قال: "هذا يوم القيامة جعله الله على الكافر مقدار خمسين ألف سنة، لو قدرتموه لكان خمسين ألف سنة من أيامكم".
"وللبيهقي في البعث عن أبي هريرة: "يحشر الناس قيامًا أربعين سنة شاخصة" رافعة, "أبصارهم إلى السماء" أي: إلى جهة العلو, "فيلجمهم العرق من شدة الكرب" الذي غشَّاهم.
"وفي البخاري" في الرقاق, ومسلم في صفة النار, "من حديث أبي هريرة، عنه ﷺ قال: "يعرق" بفتح الراء "الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم" يجري سائحًا "في" وجه "الأرض" , ثم يغوص فيها "سبعين ذراعًا" بالذراع المتعارف أو الملكي، وللإسماعيلي: سبعين باعًا, "ويلجمهم" بضم التحتية وسكون اللام وكسر الجيم- من ألجمه الماء إذا بلغ فاه, "العرق حتى يبلغ أذانهم" ظاهره استواؤهم في وصول العرق إلى الآذان, وهو مشكل بالنظر إلى العادة أنَّ الواقفين في ماء على أرض مستوية يتفاوتون في ذلك بالنظر إلى طول بعضهم وقصر بعضهم.стр. 5802
وعند البيهقي من حديث ابن مسعود: "إذا حشر الناس قاموا أربعين عامًا شاخصة أبصارهم إلى السماء لا يكلمهم، والشمس على رءوسهم حتى يلجم العرق كل بر منهم وفاجر".
وفي حديث أبي سعيد، عند أحمد، أنه يخفف الوقوف عن المؤمن حتى يكون كصلاة "فريضة" مكتوبة, وسنده حسن.
وللطبراني من حديث ابن عمر: "ويكون ذلك اليوم أقصر على المؤمن من ساعة من نهار".
وجاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنَّ الذي يلجمه العرق الكافر، أخرجه البيهقي في البعث بسند حسن عنه قال: "يشتد كرب الناس ذلك اليوم
الحواشي
(١) وأجيب بأنه إشارة إلى غاية ما يصل، ولا ينفي أن يصل إلى دون ذلك كما مَرَّ في حديثي عقبة والمقداد, "وعند البيهقي من حديث ابن مسعود: "إذا حشر الناس قاموا أربعين عامًا شاخصة أبصارهم إلى السماء" أي: جهة العلو, "لا يكلمهم" شخوص أبصارهم، بمعنى: لا يتركون الشخوص هذه المدة "والشمس على رءوسهم" , أي: قريبة منها, بدليل الحديث السابق: "تدنو الشمس" , "حتى يلجم العرق كل بر منهم وفاجر" إمَّا أن يحمل هذا على البعض فلا يخالف حديثي عقبة والمقداد، وإمَّا أنه يجوز أن أصل العرق يقع لجميع الناس كرشحه في الدنيا, ولو على ما مَرَّ بحسب الأعمال.
"وفي حديث أبي سعيد عند أحمد أنه يخفف الوقوف" أي: هوله "عن المؤمن حتى يكون كصلاة مكتوبة" ثلاثية أو رباعية أو ثنائية, "وسنده حسن" وهو بشرى عظيمة، ولفظه عند أحمد وأبي يعلى وابن حبان والبيهقي عن أبي سعيد، قال: سئل ﷺ عن يوم كان مقداره خمسين ألف سنة, ما أطول هذا اليوم؟ فقال: "والذي نفسي بيده, أنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أهون عليه من الصلاة المكتوبة يصليها في الدنيا".
"وللطبراني من حديث ابن عمر" بن الخطاب: "ويكون ذلك اليوم على المؤمن أقصر من ساعة من نهار" , وللحاكم والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعًا وموقوفً: "يوم القيامة على المؤمنين كمقدار ما بين الظهر والعصر" وطريق الجمع بين الأحاديث أن ذلك يختلف باختلاف المؤمنين, "وجاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص" أنَّ الذي يلجمه العرق الكافر".
"أخرجه البيهقي في البعث بسند حسن، عنه قال" ذكر لفظه بعد أن ساق معناه، فقال: "يشتد كرب الناس ذلك اليوم حتى يلجم" من ألجم "الكافر" بالنصب "العرق"، قيل له: فأينстр. 5803
حتى يلجم الكافر العرق"، قيل له: فأين المؤمنون؟ قال: "على كرسي من ذهب ويظلل عليهم الغمام".
وبسند قوي عن أبي موسى قال: "الشمس فوق رءوس الناس يوم القيامة، وأعمالهم تظلهم".
وأخرج ابن المبارك في "الزهد", وابن أبي شيبة في "المصنف" واللفظ له، بسند جيد عن سلمان قال: "تعطى الشمس يوم القيامة حر عشر سنين، ثم تدنو من جماجم الرأس حتى تكون قاب قوسين، فيعرقون حتى يرشّح العرق في الأرض قامة، ثم يرتفع حتى يغرغر الرجل"، زاد ابن المبارك في روايته، "ولا يضر حرها يومئذ مؤمنًا ولا مؤمنة".
قال القرطبي: المراد من يكون كامل الإيمان, كما يدل عليه حديث المقداد وغيره: أنهم يتفاوتون في ذلك بحسب أعمالهم.
وفي رواية عند أبي يعلى، وصححها ابن حبان: "إن الرجل ليلجمه العرق يوم القيامة حتى يقول: يا رب أرحني ولو إلى النار"
وهو كالصريح في أن ذلك كله في الموقف.
الحواشي
(١) المؤمنون، قال: على كراسي" بشد الياء، وقد تخفف جمع كرسي -بضم الكاف أشهر من كسرها "من ذهب, ويظلل عليهم الغمام" فلا يجدون حرًّا فلا يعرقون, وهذا البعض المؤمنون.
"و" عند البيهقي أيضًا "بسند قوي عن أبي موسى" الأشعري "قال: الشمس فوق رءوس الناس يوم القيامة وأعمالهم تظلهم، وأخرج عبد الله بن المبارك" المروزي "في" كتاب الزهد له, "وابن أبي شيبة في المصنَّف، واللفظ له بسند جيد عن سليمان" الفارسي, "قال: تعطى الشمس يوم القيامة حر عشر سنين وتدنو" تقرب, "من جماجم الناس" بمقدار ميل حتى تكون قاب قوسين, فيعرقون حتى يرشح العرق في الأرض قامة، ثم يرتفع" يعلو "حتى يغرغر الرجل".
"زاد ابن المبارك في روايته: ولا يضر حرها يومئذ مؤمنًا ولا مؤمنة، قال القرطبي: المراد من يكون كامل الإيمان كما يدل عليه حديث المقداد وغيره" كعقبة, "أنهم يتفاوتون في ذلك بحسب أعمالهم".
"وفي رواية عند أبي يعلى وصحَّحها ابن حبان" وغيره: "إن الرجل ليلجمه العرق يوم القيامة حتى يقول: يا رب, أرحني ولو إلى النار" من شدة كربه, "وهو كالصريح في أنّ ذلكстр. 5804
ومن تأمَّل الحالة المذكورة، عرف عظيم الهول فيها، وذلك أنَّ النار تحفّ بأرض الموقف، وتدنو الشمس من الرءوس قدر ميل، فكيف تكون حرارة تلك الأرض، وماذا يرونه من العرق, مع أن كل أحد لا يجد إلا قدر موضع قدميه، فكيف يكون حال هؤلاء في عرقهم مع تنوعهم فيه.
إن هذا لما يبهر العقول، ويدل على عظيم القدرة، ويقتضي بالإيمان بأمور الآخرة، وأن ليس للعقل فيه مجال، ولا يعترض على ذلك بعقل ولا قياس ولا عادة، وإنما يؤخذ بالقبول.
فتأمل -رحمك الله- شدة هذا الازدحام والانضمام والاتساق والالتصاق، واجتماع الإنس والجان، ومن يجمع معهم من سائر أصناف الحيوان، وانضغاطهم وتدافعهم واختلاطهم، وقرب الشمس منهم، وما يزاد في حرها، ويضاعف في وهجها، ولا ظلّ إلا ظل عرش ربك بما قدمته، مع ما انضاف إلى ذلك من حر البأس، لتزاحم الناس واحتراق القلوب، لما غشيها من الكروب.
الحواشي
(١) كله في الموقف، ومن تأمَّل الحالة المذكورة عرف عظم الهول" المخافة من الأمر، لا يدري ما هجم عليه منه كما في القاموس, وفي ذلك الشدة الزائدة "فيها، وذلك أنّ الناس تحف" تحيط "بأرض الموقف, وتدنو الشمس من الرءوس قدر ميل، فكيف تكون حرارة تلك الأرض, وماذا يرونه من العرق, مع أنّ كل أحد لا يجد إلا قدر موضع قدميه، فكيف يكون حال هؤلاء في عرقهم مع تنوعهم فيه, إن هذا لما" أي: من الأشياء التي، وفي نسخ لما بفتح اللام وخفة الميم, "يبهر" بفتح الهاء- يغلب "العقول, ويدل على عظيم القدرة ويقتضي الإيمان بأمور الآخرة، وأن ليس للعقل فيه مجال" مدخل, "ولا يعترض على ذلك بعقل ولا قياس" لعدم الجامع, "ولا عادة، وإنما يؤخذ بالقبول، فتأمّل رحمك الله شدة هذا الازدحام" الضيق والانضمام" الاجتماع, "والاتساق" الانتظام, "والالتصاق" بالصاد وبالزاي وبالسين لغات معناها الاجتماع بالجنب, والألفاظ الأربعة متغايرة بالاعتبار أو متساوية, "واجتماع الإنس والجانّ ومن يجمع معهم من سائر أصناف الحيوان وانضغاطهم" بضاد وغير معجمتين، أي: انعصارهم وتدافعهم واختلاطهم, وقرب الشمس منهم, وما يزاد في حرها "ويضاعف" يزاد "في وهجها" توقدها وحرها, "ولا ظل إلا ظل عرش ربك بما قدمته" من عمل تجازى عليه بالظل, "مع ما انضاف" انضمَّ "إلى ذلك من حر البأس" بموحدة الشدة, "لتزاحم الناس واحتراق القلوب لما غشيها من الكروب, ولا ريب أن هذا موجب لحصول العطش في ذلك اليوم وكثرةстр. 5805
ولا ريب أن هذا موجب لحصول العطش في ذلك اليوم، وكثرة الالتهاب، والماء ثَمَّ أعز موجود، وأعظم مفقود، فلا منهل مورود إلا حوض صاحب المقام المحمود ﷺ , وزاده فضلًا وشرفًا لديه، ولا مشرب لأمته سواه، ولا تبرد أكبادهم إلا به، فالشربة منه كما ورد تروي الظمأ، وتشفي من الصدى، وتذهب بكل داء فلا يظمأ شاربها, ولا يسقم بعدها أبدًا.
وفي حديث أنس عند البزار: من شرب منه -أي: من الحوض- شربة لم يظمأ أبدًا، ومن لم يشرب منه لم يرو أبدًا، وزاد في حديث أبي أمامة عند أحمد وابن حبان، ولم يسود وجهه أبدًا.
وفي حديث ثوبان عند الترمذي وصحّحه الحاكم: أكثر الناس عليه ورودًا فقراء المهاجرين.
الحواشي
(١) الالتهاب والماء، ثم" بالفتح والتشديد هناك "أعز موجود وأعظم مفقود، فلا منهل مورود إلا حوض صاحب المقام المحمود" مقام الشفاعة، ويأتي للمصنف " ﷺ , وزاده فضلًا وشرفًا لديه, ولا مشرب لأمته سواه, ولا يبرد أكبادهم إلا إياه".
كذا في نسخ، وهي المناسبة للسجع لا نسخة إلا به "فالشربة منه تروي الظمأ" العطش, "وتشفي من الصدى" العطش، فحسنه اختلاف اللفظ, "وتذهب بكل داء فلا يظمأ شاربها ولا يشكو", وفي نسخة: ولا يسقم "بعدها أبدًا" فهي ريّ وشفاء.
"ففي حديث أنس عند البزار", والطبراني في الأوسط قال: قال رسول الله ﷺ : "حوضي من كذا إلى كذا, فيه من الآنية عدد النجوم, أطيب ريحًا من المسك, وأحلى من العسل, وأبيض من اللبن من شرب منه"، أي: من الحوض "شربة لما يظمأ أبدًا، ومن لم يشرب منه لم يرو أبدًا".
"وزاد في حديث أبي أمامة عند أحمد وابن حبان", والبيهقي عن أبي أمامة الباهلي أن يزيد بن الأخنس، قال: يا رسول الله ما سعة حوضك؟ قال: "ما بين عدن إلى عمَّان, وأن فيه مثعبين من ذهب وفضة"، قال: فماء حوضك؟ قال: "أشد بياضا من اللبن, وأحلى مذاقة من العسل, وأطيب رائحة من المسك، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا, ولم يسوّد وجهه أبدًا" , والمثعب: بفتح الميم والعين المهملة بينهما مثلثة ساكنة وآخره موحدة- مسيل الماء.
"وفي حديث ثوبان عند الترمذي وصححه الحاكم: "أكثر الناس عليه ورودًا فقراء المهاجرين" , وجاء بلفظ: أوّل عند مسلم وأحمد والترمذي وابن ماجه عن ثوبان: سمعتстр. 5806
وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عند الشيخين: "حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن, ورائحته أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء,
الحواشي
(١) رسول الله ﷺ يقول: "حوضي من عدن إلى عمّان, ماؤه أشد بياضًا من اللبن, وأحلى من العسل, وأكاويبه عدد النجوم، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا، أول الناس ورودًا عليه فقراء المهاجرين" , فقال عمر بن الخطاب: من هم يا رسول الله؟ قال: "هم الشعث رءوسًا, الدنس ثيابًا، الذين لا ينكحون المتنعمات, ولا تفتح لهم السدد" , يعني: أبواب السلاطين.
ووقع في حديث النواس بن سمعان عند ابن ابي الدنيا: أوّل من يرد عليه من يسقى كل عطشان ولا خلف، فهذا بتقدير من أي، من أوّل من يرد عليه؟ من كان في الدنيا يسقي كل عطشان، أو المراد: الأول بعد فقراء المهاجرين.
"وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند الشيخين" قال: قال النبي ﷺ : "حوضي مسيرة شهر, ماؤه أبيض من اللبن" قال المازري: مقتضى كلام النحاة أن يقال: أشد بياضًا ولا يقال أبيض، ومنهم من أجازه في الشعر، ومنهم من أجازه بقلة، ويشهد له هذا الحديث وغيره، قال الحافظ: ويحتمل أه من تصرف الرواة، ففي مسلم عن أبي ذر، وأحمد عن ابن مسعود، وابن أبي عاصم عن أبي أمامة، كلهم بلفظ: "أشد بياضًا من اللبن" انتهى.
وقال المصنف: فيه حجة للكوفيين على إجازة أفعل التفضيل من اللون، وقال البصريون: لا يصاغ منه ولا من الثلاثي، فقيل: لأنَّ اللون الأصل أن أفعاله زائدة على ثلاثة، وقيل: لأنه خلق ثابت في العادة، وإنما يتعجب مما يقبل الزيادة والنقصان، فجرت لذلك مجرى الأجسام الثابتة على حال واحدة، قالوا: وإنما يتوصّل إلى التفضيل, وفيما زاد على الثلاثي بأفعل مصوغًا من فعل, دالّ على مطلق الرجحان والزيادة نحو: أكبر وأزيد وأرجح وأشد، قال الجوهري: تقول: هذا أشد بياضًا من كذا، ولا تقل أبيض منه, وأهل الكوفة يقولونه ويحتجون بقول الراجز:
جارية في درعها الفضفاض ... أبيض من أخت بني أباض
قال المبرد: ليس البيت الشاذ بحجة على الأصل المجمع عليه، وأما قول طرفة:
إذا الرجال شتوا واشتدّ أكلهم ... فأنت أبيضهم سربال طباخ
فيحتمل أن لا يكون بمعنى أفعل الذي تصحبه من للمفاضلة، وإنما هو بمنزلة قولك: هو أحسنهم وجهًا وأكرمهم أبًا, تريد حسنهم وجهًا وكريمهم أبًا، فكأنه قال: فأنت مبيضهم سربالًا، فلمَّا أضافه انتصب ما بعده على التمييز, وجعل ابن مالك قوله: أبيض من الشاذ، وقال النووي: هو لغة قليلة الاستعمال انتهى.
قال الأبي: ليس في الحديث ولا الأبيات صيغة تعجب, وإنما فيها صيغة أفعل, لكنهماстр. 5807
من شرب منه شربة لا يظمأ أبدًا".
قال القرطبي في "التذكرة": ذهب صاحب "القوت" وغيره, إلى أنَّ الحوض يكون بعد الصراط، وذهب آخرون إلى العكس، والصحيح أنَّ للنبي ﷺ حوضين، أحدهما في الموقف قبل الصراط، والآخر داخل الجنة، وكل منهما يسمَّى كوثرًا.
وتعقبه شيخ الحفاظ ابن حجر: بأن الكوثر نهر داخل الجنة، وماؤه يصب في الحوض، ويطلق على الحوض كوثرًا لكونه يمد منه، فغاية ما يؤخذ من كلام القرطبي أنّ الحوض يكون قبل الصراط؛ لأن الناس يردون من الموقف عطاشًا، فيرد المؤمنون الحوض، ويتساقط الكفار في النار بعد أن يقولوا: ربنا عطشنا، فترفع لهم
الحواشي
(١) أخوان، فما جاز بناء أحدهما منه جاز بناء الآخر معه، وما امتنع امتنع, "وريحه أطيب" ريحًا، ً"من المسك، وكيزانه كنجوم" السماء" في الإشراق والكثرة، ففي حديث أنس في الصحيحين: "فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء"، ولأحمد عن أنس: "أكثر من عدد نجوم السماء"، قال عياض: كناية عن الكثرة كما قيل، فيقول: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ ، وحديث: "لا يضع العصا عن عاتقه"، ومنه قولهم: كلمته في هذا ألف مرة, وهو من المبالغة المعروفة لغة ولا يعد كذبا، َ لكن شرط إباحته أن يكون المكنَّى عنه بذلك كثيرًا في نفسه لا قليلًا، وتعقبه النووي بأن المختار والصواب حمله على ظاهره، لا سيما وقد أقسم, ولا مانع شرعي ولا عقلي ولا نقلي يمنع منه, وردَّه الأبي بنه يمنع منه أنّ ما يعم نجوم السماء من المساحة أكثر من مساحة الحوض, "من شرب منها" أي: الكيزان، وللكشميهني منه، أي: الحوض, "لم يظمأ أبدًا" فشربه بعد ذلك في الجنة إنما هو تنعم وتلذذ لا للظمأ.
"قال القرطبي في التذكرة: ذهب صاحب القوت" أي: كتاب قوت القلوب, وهو أبو طالب المكي "وغيره, إلى أن الحوض يكون بعد الصراط، وذهب آخرون إلى العكس، أي: المخالفة, وهو أنه قبل الصراط, والصحيح أنّ للنبي ﷺ حوضين، أحدهما في الموقف قبل الصراط, والآخر داخل الجنة, وكل منهما يسمىّّ كوثرًا, وتعقبه الشيخ ابن حجر" الحافظ أحمد العسقلاني "بأن الكوثر نهر لا حوض" داخل الجنة, وماؤه يصب في الحوض الذي في الموقف, ويطلق على الحوض كوثر" بالرفع نائب فاعل يطلق، وفي نسخة: بالنصب بتضمين يطلق، معنى: يسمَّى كوثرًا؛ "لكونه يمد منه، فغاية ما يؤخذ من كلام القرطبي أنَّ الحوض يكون قبل الصراط" لا أنهما حوضان؛ "لأن الناس يردون من الموقف عطاشًا، فيرد المؤمنون الحوض ويتساقط الكفار في النار بعد أن يقولوا: ربنا عطشنا فترفع لهم جهنم كأنها سراب" شعاعстр. 5808
جهنم كأنها سراب, فيقال: ألا تردون، فيظنونها ماء فيتساقطون فيها".
وفي حديث أبي ذر مما رواه مسلم: "إن الحوض يشخب فيه ميزابان من الجنة" , وهو حجة على القرطبي لا له؛ لأن الصراط جسر جهنم، وهو بين الموقف والجنة, والمؤمنون يمرون عليه لدخول الجنة، فلو كان الحوض دونه لحالت النار بينه وبين الماء الذي يصب من الكوثر في الحوض، وظاهر الحديث أن الحوض بجانب الجنة؛ ليصب فيه الماء من النهر الذي داخلها.
وقال القاضي عياض: ظاهر قوله ﷺ : "مَنْ شرب منه لم يظمأ بعدها أبدًا". يدل على أن الشرب منه يقع بعد الحساب والنجاة من النار؛ لأن ظاهر حال من لا يظمأ أن لا يعذب بالنار، ولكن يحتمل أن من قدر عليه التعذيب منهم أن لا يعذب فيها بالظمأ بل بغيره.
الحواشي
(١) يرى عند اشتداد الحر نصف النهار يشبه الماء "فيقال: "ألا تردون, فيظنونها ماء فيتساقطون فيها".
"وفي حديث ابي ذر مما رواه مسلم: "إن الحوض يشخب فيه ميزابان من الجنة" وهو حجة على القرطبي" في اختياره الهول بأنه قبل الصراط, "لا له؛ لأن الصراط جسر جهنم, وهو بين الموقف والجنة, والمؤمنون يمرون عليه لدخول الجنة، فلو كان الحوض دونه" أي: قبل الصراط؛ لحات النار بينه وبين الماء الذي يصب من الكوثر في الحوض" وهذا بناء على العادة, وأحوال القيامة لا تبنى عليها، فلا مانع أن ماء الكوثر يمر على الهواء حتى يصل إلى الحوض, ولا تحول النار بينهما، ونظيره في الدنيا ما قيل: إن بين السماء والأرض بحرًا ومع ذلك فليس بحائل من رؤية السماء ولا نجومها.
"وظاهر الحديث أن الحوض بجانب الجنة لينصب فيها الماء من النهر الذي" هو، أو يكون "داخلها", وهو الكوثر, "وقال القاضي عياض: ظاهر قوله ﷺ : "مَنْ شرب منه" شربة "لم يظمأ بعدها أبدًا" يدل على أنَّ الشرب منه يقع بعد الحساب والنجاة من النار؛ لأن ظاهر حال من لم يظمأ أن لا يعذب بالنار", وظاهر هذا ترجيح أن الحوض بعد الصراط.
وقد قال الحافظ: رجَّحه عياض، قال: وأمَّا ما أورد عليه من حديث أنَّ جماعة يدفعون عن الحوض، فجوابه أنهم يقربون من الحوض بحيث يرونه, ويردون فيدفعون في النار قبل أن يخصلوا من بقية الصراط "ولكن يحتمل" على القول بأنه قبل الصراط "إن من قدر عليه التعذيب ومنهم أن لا يعذب فيها" أي: النار "بالظمأ، بل بغيره" والله على كل شيء قدير "و" جاءстр. 5809
وعن أنس قال: سألت رسول الله ﷺ أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: "أنا فاعل إن شاء الله" قلت: فأين أطلبك؟ قال: "أول ما تطلبني على الصراط" قلت: فإن لم ألقك على الصراط؟ قال: "فاطلبني عند الميزان" قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: "فاطلبني عند الحوض, فإني لا أخطيء هذه الثلاثة مواطن"، رواه الترمذي، وقال: حسن غريب.
وفي حديث ابن مسعود عند أحمد: "ثم أوتى بكسوتي فألبسها, فأقوم عن يمين العرش مقامًا لا يقومه أحد, فيغبطني به الأولون والآخرون" قال: "ويفتح لهم من الكوثر إلى الحوض" الحديث.
وقد بيِّن في حديث ابن عمرو بن العاص، عند البخاري، أن الحوض مسيرة شهر، وزاد في رواية مسلم من هذا الوجه: "زواياه سواء, طوله كعرضه". وهذه الزيادة
الحواشي
(١) "عن أنس" ما يدل على أن الحوض بعد الصراط، فإنه "قال: سألت رسول الله ﷺ أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: "أنا فاعل" أي: شافع لك, "إن شاء الله"، قلت: فأين أطلبك؟، قال: "أول ما تطلبني على الصراط"، قلت: فإن لم ألقك على الصراط، قال: "فاطلبني عند الميزان"، قلت: فإن لم ألقك عند الميزان، قال: "فاطلبني عند الحوض، فإني لا أخطئ" بضم الهمزة وكسر الطاء، أي: لا أتجاوز, "هذه الثلاث مواطن" إلى غيرها, فظاهر هذا الحديث أن الحوض بعد الصراط, وصنيع البخاري في إيراده لأحاديث الحوض بعد أحاديث الشفاعة بعد نصب الصراط مشعر بذلك.
قال السيوطي: ويحتمل الجمع بأن يقع الشرب من الحوض قبل الصراط لقوم, ويتأخر بعده لآخرين بحسب ما ليهم من الذنوب, حتى يذهبوا منها على الصراط, ولعل هذا أقوى، قال: ثم رأيت في الزهد، للإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة، قال: كأني أنظر إلينا صادرين عن الحوض للحساب, فيلقى الرجل الرجل، فيقول: أشربت يا فلان؟ فيقول: لا واعطشاه.
"رواه الترمذي وقال: حسن غريب" من جهة تفرّد روايه في جامع الحسن.
"وفي حديث ابن مسعود عند أحمد: "ثم أوتى بكسوتي فألبسها, فأقوم عن يمين العرش مقامًا لا يقومه أحد" غيري, "فيغبطني به الأولون والآخرون" وهذا عند القيام من القبر، وذكره لقوله: "قال: "ويفتح لهم من الكوثر إلى الحوض" الحديث. فإنه دالّ على أن الحوض يمد من الكوثر "وقد بيِّن في حديث" عبد الله بن عمرو بن العاص عند البخاري", ومسلم كما قدمه قريبًا: "إن الحوض مسيرة شهر".стр. 5810
كما قاله في فتح الباري: تدفع تأويل من جمع بين مختلف الأحاديث في تقدير مسافة الحوض على اختلاف العرض والطول.
وفي حديث أبي سعيد عند ابن ماجه رفعه: إنّ لي حوضًا ما بين الكعبة وبيت المقدس.
وفي حديث أبي برزة عند الطبراني وابن حبان في صحيحه: "ما بين ناحيتي حوضي كما بين أيلة وصنعاء، مسيرة شهر, عرضه كطوله".
وفي حديث أنس عند الشيخين: "كما بين صنعاء والمدينة".
الحواشي
(١) وزاد مسلم من هذا الوجه "أي: الطريق الذي أخرجه منه البخاري: "وزواياه" أي: أركانه, "سواء" فهو مربع مستدير الأضلاع؛ لأن تساوي الزوايا يدل على تساوي الأضلاع.
قال بعضهم: وفيه دلالة على معرفته ﷺ بسائر العلوم؛ لأن هذا من علم الهندسة والتكسير والحساب، وهو كقوله في الآخر: "طول وعرضه سواء"، قاله عياض: قيل: كون زواياه سواء لا يدل على تساوي الأضلاع, لولا قوله: "طوله كعرضه" , وعلى ذلك: فمسيرة الشهر لكل من طول وعرضه، قال الأبي: "وهذه الزيادة كما قاله في فتح الباري تدفع تأويل من جمع بين مختلف الأحاديث التالية في تقدير مسافة الحوض على اختلاف العرض والطول, فمسافة شهر مثلًا محمولة على طوله وأنقص منه على عرضه.
وفي حديث أبي سعيد عند ابن ماجه رفعه: "إن لي حوضًا" طوله "ما بين الكعبة وبيت المقدس"، وفي حديث أبي برزة" بفتح الموحدة والزاي بينهما راء ساكنة, واسمه: نضلة -بفتح النون وسكون المعجمة- ابن عبيد -بضم العين, "عند الطبراني وابن حبان في صحيحه" والحاكم وصحَّحه والبيهقي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما بين ناحيتي حوضي كما بين أيلة وصنعاء" بفتح المهملتين بينهما نون ساكنة, ممدود "مسيرة شهر, عرضه كطوله" فصرَّح بتساويهما، فلا يصح ذلك الجمع.
"وفي حديث أنس عند الشيخين" أنه ﷺ قال: "إن قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن"، هكذا لفظ حديث أنس عند الشيخين: وليس فيهما عنه "كما بين صنعاء والمدينة" وأيلة -بفتح الهمزة واللام بينهما تحتية ساكنة ثم هاء تانيث- مدينة كانت عامرة بطرف بحر القلزم من طرف الشام، وهي الآن خراب يمر بها الحاج من مصر, فتكون من شمالهم, ويمر بها الحاج من غزة وغيرها فتكون أمامهم، وإليها نسبت العقبة المشهورة عند أهل مصر، قال الحافظ: وبين أيلة والمدينة النبوية نحو شهر، يسير الأثقال إن اقتصروا كل يوم علىстр. 5811
وفي حديث عتبة بن عبد السلمي عند ابن حبان في صحيحه: "كما بين صنعاء إلى بصرى".
وفي حديث أبي عند الطبراني: "ما بين عدن وعمان" بضم المهملة وتخفيف الميم, وقال ابن الأثير في النهاية في حديث الحوض: عرض من مقامي إلى عمان -هي بفتح العين وتشديد الميم- مدينة قديمة بالشام من أرض البلقاء، فأمَّا بالضم والتخفيف فهو صقع عند البحرين, انتهى.
الحواشي
(١) مرحلةٌ وإلا فدون ذلك.
وفي حديث عتبة" بضم المهملة وإسكان الفوقية "ابن عبد" بلا إضافة, "السلمي -بضم السين- عند ابن حبان في صحيحه, والبيهقي قال: قام أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: ما حوضك الذي تحدث عنه، فقال: هو كـ "بما بين صنعاء إلى بصرى" بضم الموحدة وسكون المهملة- بلد معروف بطرف الشام من جهة الحجاز.
"وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني" مرفوعًا: كـ "ما بين عدن" بفتح المهملتين ونون- بلد باليمن "وعمان" بضم المهملة وتخفيف الميم" بلد على ساحل البحر من جهة البحرين.
"وقال ابن الأثير في النهاية في حديث الحوض: عرضه من مقامي" محل إقامتي المدينة "إلى عمان، هي بفتح العين وتشديد الميم- مدينة قديمة بالشام من أرض البلقاء" بفتح الموحدة وسكون اللام فقاف وبالمد- بلدة معروفة من فلسطين, يقول فيها القائل:
في وجهه خالان لولاهما ... ما بت مفتونًا بعمان
"فأمَّا بالضم والتخفيف فهو صقع" بضم المهملة وإسكان القاف، أي: ناحية عند البحرين" بلفظ تثنية بحر اسم لموضع "انتهى".
وفي الصحيحين عن ابن عمر مرفوعا: "أمامكم حوضي كما بين جربا وأذرح" بفتح الجيم والموحدة بينهما راء ساكنة والقصر.
قال عياض: جاءت في البخاري ممدودة، وقال الشريف اليونيني: رأيته في أصل مقروء من رواية الحافظ أبي ذر والأصيلي بالقصر، وصوَّبه النووي، وقال المد: خطأ، لكن يؤيده قول أبي عبيد البكري تأنيث أجرب وأذرح -بفتح الهمزة وسكون المعجمة وضم الراء وحاء مهملة- عند الجمهور, وللعذري في مسلم بالجيم، قال عياض: وهم قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاث ليال، قاله ابن الأثير, وغلطه الصلاح العلائي، بل بينهما غلوة سهم, وهما معروفتان بين القدس.стр. 5812
وهذه المسافات كلها متقاربة، وظنَّ بعضهم أنه وقع اضطراب في ذلك، وليس كذلك.
وأجاب النووي عن ذلك، بأنَّه ليس في ذكر المسافة القليلة ما يدفع المسافة الكثيرة، فالأكثر ثابت بالحديث الصحيح فلا معارضة.
وحاصله يشير إلى أنه أخيرًا أولًا بالمسافة اليسيرة, ثم أعلم بالمسافة الطويلة, فأخبر بما كان الله تفضل عليه باتساعه شيئًا بعد شيء, فيكون الاعتماد على أطوالها مسافة.
فإن قلت: هل لكل نبي من الأنبياء غير نبينا ﷺ حوض هناك يقوم عليه
الحواشي
(١) والكرك، ولا يصحّ التقدير بالثلاث لمخالفة الروايات، لا سيما وقد قال الحافظ الضياء المقدسي: إن في سياق لفظها غلطًا لاختصار وقع من بعض الرواة، ثم ساقه بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعًا، فقال فيه: "عرضه مثل ما بينكم وبين جربا وأذرح".
قال الضياء: فظهر بهذا أنه وقع في حديث ابن عمر حذف تقديره: كما بين مقامي وبين جربا وأذرح, فسقط مقامي وبين.
قال العلائي: ثبت المقدر المحذوف عند الدارقطني وغيره بلفظ: ما بين المدينة وجربا وأذرح "وهذه المسافات كلها متقاربة" ترجع إلى شهر أو تزيد عليه قليلًا أو تنقص قليلًا, "وظن بعضهم أنه وقع اضطراب في ذلك, وليس كذلك"؛ إذ ليس ذلك في حديث واحد حتى يكون اضطرابًا، وإنما هو في أحاديث مختلفة عن غير واحد، من الصحابة سمعوه في مواطن، فروى كل واحد منهم ما سمع, واختلاف عبارته ﷺ إنما هو بحسب ما سنح له من العبارة تقريبًا للإفهام، فذكر ما بين كل بلدين من البعد لا على التقدير المحقق لما بينهما بل إعلام وكناية عن السعة، قاله عياض: وهو جواب حسن.
"وأجاب النووي عن ذلك" بجواب آخر, وكلاهما حسن "بأنه ليس في ذكر المسافة القليلة ما يدفع المسافة الكثيرة, فالأكثر ثابت بالحديث الصحيح. فلا معارضة" لأنَّ الأقل داخل في الأكثر, "وحاصله يشير إلى أنه أخبر " بالبناء والمفعول, "أولًا بالمسافة اليسيرة، ثم أعلم" بالبناء للمفعول أيضًا, أي: أخبره وأعلمه الله "بالمسافة الطويلة، فأخبر" ﷺ "بما كان تفضّل الله عليه باتساعه شيئًا بعد شيء، فيكون الاعتماد على ما يدل على أطولها مسافة".
قال المصنف: ومنهم من حمله على السير المسرع والبطيء، لكن في حمله على أقلها وهو الثلاث نظر؛ إذ هو عسر جدًّا، لا سيما مع ما سبق والله الموفق.
"فإن قلت: هل لكل نبي من الأنبياء غير نبينا ﷺ حوض هناك" في الموقف "يقومстр. 5813
كنبينا؟
فالجواب: إنه اشتهر اختصاص نبينا ﷺ بالحوض, قال القرطبي في "المفهم" مما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به، أنه تعالى قد خصّ نبيه محمدًا ﷺ بالحوض المصرّح باسمه وصفته وشرابه في الأحاديث الصحيحة الشهيرة التي يحصل بمجموعها العلم القطعي؛ إذ روى ذلك عنه ﷺ من الصحابة نيف على الثلاثين، منهم في الصحيحين ما ينيف على العشرين، وفي غيرهما بقية ذلك كما صحَّ نقله واشتهرت رواته، ثم رواه عن الصحابة المذكورين من التابعين أمثالهم ومن بعدهم أضعاف أضعافهم وهلم جرَّا، واجتمع على إثباته السلف وأهل السنة من الخلف. انتهى.
لكن أخرج الترمذي من حديث سمرة رفعه: "إن لكل نبي حوضًا" وأشار
الحواشي
(١) عليه كنبينا؟ فالجواب أنه اشتهر اختصاص نبينا ﵇ بالحوض".
"قال القرطبي في المفهم: مما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به, أن الله تعالى قد خص نبيه محمدًا ﷺ بالحوض المصرَّح باسمه وصفته وشرابه, في الأحاديث الصحيحة الشهيرة التي يحصل بمجموعها العلم القطعي".
قال الأبي: ظاهره أنَّ الإيمان به من قواعد العقائد التي يجب تقريرها لمن أسلم، ولم يذكر ذلك الموثوق بهم في تقريره ذلك لمن أسلم؛ "إذ روى ذلك عنه ﷺ من الصحابة نيف على الثلاثين, منهم في الصحيحين ما يزيد على العشرين, ففي البخاري تسعة عشر، وفي مسلم: سبعة عشر, لكنهما اتفقا على أكثرها, فلذا كان ما فيهما يزيد على عشرين, "وفي غيرهما بقية ذلك" الزائد على ثلاثين, وقد أوصلهم الحافظ إلى ست وخمسين, والسيوطي في البدور إلى ثمان وخمسين ذاكرًا لفظ كل واحد.
"كما صحَّ نقله, واشتهرت رواته" وأحاديثهم بعضها في مطلق ذكر الحوض, وبعضها في صفته, وبعضها فيمن يرد عليه, وبعضها فيمن يدفع عنه، وبلغني أن بعض المتأخّرين أوصلها إلى ثمانين صحابيًّا، قاله الحائط "ثم رواه عن الصحابة المذكورين من التابعين أمثالهم, ومن بعدهم أضعاف أضعافهم, وهلمَّ جرَّا" إشارة إلى أن تواتره من أوله إلى آخره, "واجتمع على إثباته السلف وأهل السنة من الخلف. انتهى".
لكن أخرج الترمذي من حديث سمرة" بن جندب "رفعه: "إن لكل نبي حوضًا" على قدر رتبته وأمته، والمتبادر أنه حوض حقيقي, وجوز الطيبي حمله على المجاز, ويراد به العلمстр. 5814
إلى أنه اختلف في وصله وإرساله، وأنَّ المرسل أصح، والمرسل أخرجه ابن أبي الدنيا بسند صحيح عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل نبي حوضًا، وهو قائم على حوضه بيده عصًا, يدعو من عرف من أمته، ألّا وإنهم يتباهون أيهم أكثر تبعًا، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تبعًا".
وأخرجه الطبراني من وجه آخر عن سمرة موصولًا مرفوعًا مثله، وفي سنده لين.
الحواشي
(١) والهدى ونحوه. انتهى وفيه نظر.
وقال الحكيم الترمذي: الحياض يوم القيامة للرسل, لكلٍّ على قدره وقدر تبعه, وهو شيء يلطف الله به عباده، فإنهم تخلصوا من مرارة الموت, وطالت مدتهم في اللحد, ورأوا الهول العظيم, وغوث الله للموحّدين مترادف, أغاثهم يوم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُم﴾ فأثبت أسماءهم بالولاية, ونقلهم في الأصلاب حتى آواهم إلى آخر قالب، ثم أنزلهم إلى الدنيا, فرباهم وهداهم وكلأهم, وختم لهم بما ابتلاهم به من الموت المر, وحبسهم مع البلاء الطويل، ثم أنشرهم إلى موقف عظيم، فمن غوثه أن جعل الرسول الذي أجابه فرطًا قد هيأ لهم مشربًا يروي منه فلا يظمأ بعدها أبدًا. انتهى.
وبقية هذا الحديث في الترمذي: "وأنهم يتباهون أيهم أكثر واردة, وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردة" "وأشار" الترمذي "إلى أنه اختلف" أي: اختلفت رواته "في وصله وإرساله, وأن المرسل" أي: رواية من أرسله "أصح" من رواية من وصله, "والمرسل".
"أخرجه ابن أبي الدنيا بسند صحيح عن الحسن" البصري "قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل نبي حوضًا وهو قائم على حوضه" ظاهره حتى صالح، وقال البكري المعروف بابن الواسطي: إلّا صالحًا, فإن حوضه ضرع ناقته.
قال القرطبي: ولم أقف على ما يدل عليه أو يشهد له, "بيده عصا يدعو من عرف من أمته" ظاهره أن المراد بالأنبياء الرسل الذين لهم شرائع وأمم، وبه صرَّح الحكيم كما علم ويحتمل عمومه, وإن لم يكن رسولًا على ظاهر قوله: نبي, ويكون الدعاء والتباهي للرسل, ولا مانع من ذلك, "ألا" بالفتح والتخفيف "وأنَّهم يتباهون أيهم أكثر تبعًا، ألا وإني لأرجو" ورجاؤه محقق الوقوع, "أن أكون أكثرهم تبعًا".
وفي رواية الترمذي: واردة كما مَرَّ، أي: أمة واردة على الحوض، ولابن أبي عاصم عن أبي أمامة مرفوعًا: "إن الأنبياء مكاثرون يوم القيامة فلا تخزوني، فإني جالس لكم على الحوض".
"وأخرجه الطبراني من وجه" أي: طريق "آخر عن سمرة موصولًا مرفوعًا مثله, وفي سنده لين" أي: ضعف محتمل "وأخرجه ابن أبي الدنيا من حديث أبي سعيد رفعه: "كل نبيстр. 5815
وأخرج ابن أبي الدنيا أيضا من حديث أبي سعيد رفعه: "وكل نبي يدعو أمته, ولكل نبي حوض، فمنهم من يأتيه الفئام، ومنهم من يأتيه العصبة، ومنهم من يأتيه الواحد، ومنهم من يأتيه الاثنان، ومنهم من لا يأتيه أحد، وإني لأكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة"، وفي إسناده لين.
فإن ثبت, فالمختص بنبينا ﷺ الكوثر الذي يصبّ من مائه في حوضه, فإنه لم ينقل نظيره لغيره، ووقع الامتنان عليه به في سورة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ انتهى ملخصًا من فتح الباري.
و"الفئام" كما في الصحاح، الجماعة من الناس، لا واحد له من لفظه، والعامّة تقول "فيام" بلا همز.
وفي رواية مسلم من حديث أبي هريرة رفعه، قال: "ترد عليَّ أمتي الحوض، وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل عن إبله" قالوا: يا رسول الله، تعرفنا؟ قال: "نعم، لكم سيما ليست لأحد غيركم, تردون عليَّ غرًّا محجَّلين من آثار الوضوء".
الحواشي
(١) يدعو أمته, ولكل نبي حوض، فمنهم من يأتيه الفئام" بكسر الفاء والهمز, "ومنهم من يأتيه العصبة" أي أقاربه, "ومنهم من يأتيه الواحد، ومنهم من يأتيه الاثنان، ومنهم من لا يأتيه أحد, وإني لأكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة" وفي إسناده لين، فإن ثبت" أي: كان حسنًا أو صحيحًا في نفس الأمر, فالمختص بنبينا ﷺ الكوثر الذي يصب من مائه في حوضه، فإنه لم ينقل نظيره لغيره, ووقع الامتنان عليه به في سورة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ [الكوثر: ١] انتهى لخصًا من فتح الباري", ويختص أيضًا بأنَّ حوضه أعرض الحياض كما في الخصائص, والفئام بالفاء كما في الصحاح: الجماعة من الناس, لا واحد له من لفظه, والعامة تقول: فيام -بلا همز".
"وفي رواية مسلم من حديث أبي هريرة رفعه، قال: "ترد عليّ أمتي الحوض وأنا أذود" بمعجمة ثم مهملة- أطرد الناس عنه, "كما يذود الرجل عن إبله" وفي رواية: "وإني لأصد الناس عنه كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه" , "قالوا: يا رسول الله, تعرفنا؟ " يومئذ -بتقدير همزة الاستفهام, قال: "نعم, لكم سيما" بكسر فسكون، أي: علامة, "ليست لأحد من الأمم غيركم, تردون الحوض عليّ غرًّا" بضم المعجمة والتشديد جمع أغر, أي: ذي غرة بياض في جبهة الفرس فوق درهم، ثم استعملت في الجمال وطيب الذكر, شبه به نورهم في الآخرة, "محجَّلين" من التحجيل, بياض في قوائم الفرس أو في ثلاث منها أو في غيره، قلَّ أو كثر, بعد ما يجاوزследующие страницы →