Полный текст (593 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
لمنع التنوين على الوجه المذكور لارتضاعهما ضرعا واحداً وهو الاختصاص بالاسم والتناوب في نحو راقود خلا بالتنوين لامع جر الخل وراقود دخل لا بالتنوين مع جر الحل وأن تحريكه حال منع الجر للهرب عما هو أصل البناء وبالفتح لخفته المطلوبة على الخصوص هنا لا لاعتبار التآخي بينه وبين الجر وإذ قد وقفت على هذا فنقول العلة في منع الاسم عن الصرف هو تحقيق الشبه بينه وبين الفعل على وجه يستلزم الخفة وذاك أن كل فعل مما لا يتمحل في فعليته من نحو ضرب ومنع لتضمن مفهومه لا محالة شيئين الزمان والمصدر متقيدا أحدهما بالآخر كما لا يخفى فهو متصف بكونه ثانيا للغير وهو الاسم باعتبارين وكل واحد من أسباب منع الصرف ثان لغير فالتأنيث ثان للتذكير، يدلك على ذلك أنك متى ظفرت بمؤنث في كلامهم وجدته في الأمر العام مع زيادة واستقراؤك الأسماء لا سيما قبيل الصفات منها ينبئك عليه بحلافه في المذكر هذا في اللغة الشائعة فأما على لغة من يقول إنسانة ورجلة وغلامة وحمارة وأسدة فيفضل الاستقراء، ومعلوم عندك أن الزيادة إذا وجدت في شيء يطرأ عليه أمران دلالة على أحدهما كان وجودها عند المتصف بتأخر أدخل في القياس منه عند غير المتصف بذلك من حيث أن الزيادة معلوم علما قطعيا اتصافها بالتأخر عن المزيد عليه فمتى كانت مجلوبة لما له حظ في الإنصاف بالتأخر كان أقيس فوجودك الزيادة مع التأنيث دون التذكير في لغتهم المبنية على رعاية هذه المناسبات كما لا يخفى شاهد على تأخره عنه، وهذا معنى قول أصحابنا رحمهم الله تعالى لا يجوز أن ينقل الاسم بالزيادة من التأنيث على التذكير وفي كلامنا هذا ما يدلك على حكمهم أن سكران وسكرى صيغتان ليست إحداهما من الأخرى ونحو ثلاثة رجال وثلاث نسوة عن النقص إذا تأملت بمعزل وذلك أن رجالا قدمت في الاعتبار على النسوة نظرا على الأفراد
стр. 142
وقد كان أنثها التكسير فأنث العدد ثم لما انتهى الأمر على اعتبار النسوة واستهجن إلغاء الفرق ومنع عن زيادة التاء الأخرى امتناع اجتماع علامتي التأنيث لزم حذف التاء وأمر آخر وهو لفظ الشيء يقع على كل مذكر ومؤنث ثم إنه لا يستعمل إلا مذكرا فلولا أن التذكير أصل لوقع التغليب للفرع ولخرج عن القياس والعجمة ثانية للغتهم العربية لطروئها عليها الطارئ على الشيء بعد المطروء عليه في بابه والعدل ثان للمعدول عنه وأمره ظاهر والجمع ثان للجنس من حيث أن الجمعية قيد للجنس ووجود الشيء من حيث هو مطلقا قبل وجوده من حيث هو مقيدا في باب الاعتبار والفعل الذي هو ثان للاسم لا بد من أن يكون وزنه المختص به ثانيا لوزن الاسم. وأما الألف والنون الزائدتان وألف الإلحاق فالأمر فيهما أبين والوصف والتركيب والعلمية أمرها على نحو أمر الجمع فمتى اجتمع في الاسم منها ما لا يقصر به عن أن يصير ثانيا باعتبارين وذلك بحصول اثنين منها أو الجمع أو ألف التأنيث وستعرف السر أشبه الفعل فيمنع منه التنوين لما ذكرنا، ولهذا ينتظر في منعه الخفيف من الأسماء خاصة كالثلاثي الساكن الحشو تقوي الشبه بازدياده مما يكسوه ذلك في اللغة الفصحى، وإذا علمت أن العلة في منع الصرف هي ما ذكرنا تنبهت للمعنى في جواز صرفه للشاعر المضطر وتنبهت أيضا للمعنى الذي لأجله شرطت منها اللائي عددنا بما شرطت وهو اكتسابها به قوة حال أو زيادة ظهور أو تحققا، ألا يرى أن المؤنث بالتاء إذا لم يكن كان للتاء من احتمال الانفصال ما لا يكون لها بعد العلمية وكم بين الشيء لازما وغير لازم، ومن هذا تتبين أن ألف التأنيث أقوى حالاً من التاء لأنها لا تنفصل عن الكلمة بحال وهو السبب عند أصحابنا ﵏ في أن أقيمت مقام اثنين، وأما نحو آخر عناق وعقرب فإنما سلك به مسلك التاء تفاديا مما في غير ذلك من ارتكاب خلاف قياس وهو جعل الفرع أقوى من الأصل لأنه فرع على التاء وإذا كانوا لا يسوغون التسوية بينه وبين التاء
стр. 143
في نحو بصرى وعناق كانوا أن لا يسوغوا تفضيله عليها في الجملة أجدر، وأما المؤنث بالمعنى نحو سعاد فلأنه إذا تعرى عن العلمية جرى مجرى مسماه وقد عرفت الحال ثم وأن الاسم الأعجمي إذا اقترنت به العلمية منقولا ومنقولا عنه كانت عجمته أدخل في التحصن منها إذا
لم تكن كذلك فتكون أقوى وأظهر، ألا تراهم كيف يتصرفون في نحو ابر يسم وديباج وفرند وسخت تصرفهم في كلمهم تارة بإدخال اللام عليها أو التنوين إدخالهم إياها في نحو رجل وفرس وأخرى باشتقاقهم منها على نحو اشتقاقهم من كلمهم. قال رؤية: تكن كذلك فتكون أقوى وأظهر، ألا تراهم كيف يتصرفون في نحو ابر يسم وديباج وفرند وسخت تصرفهم في كلمهم تارة بإدخال اللام عليها أو التنوين إدخالهم إياها في نحو رجل وفرس وأخرى باشتقاقهم منها على نحو اشتقاقهم من كلمهم. قال رؤية:
هل ينفعني حلف سختيت ... أو فضة أو ذهب كبريت
فاشتق سختيتا من السخت اشتقاق نحرير من النحر وكم له من نظير، وأن الجمع إذا كان على الوصف المذكور كان أقوى حالاً لأنه إذ ذاك يتعين للجمعية فلا يرد على وزنة واحدة من أسماء الأجناس ولا يعامل معاملة المفرد فيصغر ويجمع ويكون جمع جمع كأكالب وأناعم ولا تستبعد لمجموع ذلك قيامه مقام اثنين، وأما نحو قولهم حضاجر فعلم لها وهو جمع حضجر في الأجناس:
حضجر كأم التوأمين توكأت ... على مرفقيها مستهلة عاشر
وأما سراويل فعند سيبويه كثيراً من النحويين أنه أعجمي وقع في كلام العرب فوافق بناؤه بناء ما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة فأجرى مجرى ذلك وعند ناس منهم أنه جمع على سروالة قال: عليه من اللؤم سروالة
стр. 144
وأما نحو جوار فالأقرب عندي أن يقال بعد حمل نحو ثمان ورباع على غير الإفراد وسذوذ قول من قال يحدو ثماني مولعا بلقاحها على جميع الأقاويل مع ورودها على زنة جوار ورودا خاصا ولمثل هذا من التأثير ما لا يخفى اقتضى صرفه لكن قربه من باب مساجد منع أن يحرم امتناع الصرف ألبتة فوفق بين الاعتبارين وجعلت الصورة الواحدة لغير الصرف أن لا يلزم من عكسه تغليب الفرع على الأصل في الجملة وجعلت النصب دون أحد أخويه أن لا يفقد حصول الخفة في صورة من الصورتين بحذف الياء على طريق معبد وحمل باب أعيش عليه في القول الأعرف لاتحادهما في عدة أمور: أحدهما عدد الحروف والحركات والسكنات، وثانيها كون الثالث حرفا معتلا مزيد المعنى مفتوحا ما قبله مجامعا الساكن كدواب وأصيم، وثالثها كون الآخرياء مكسورا ما قبله كسرا لا لأجل الياء، ورابعها خروجهما على معنى التأخر بذلك خروجا ظاهرا وأن الوزن لا يظهر حاله في معناه حتى يختص بالفعل أو يجري مجرى المختص به وأن الألف والنون الزائدتين على ما ذكر تكونان ممتنعتين عن دخول تاء التأنيث عليهما فتكتسبان شبها بألفي التأنيث في نحو حمراء فيزداد حالهما في معناهما قوة وكذا ألف الإلحاق عند اقتران العلمية بها، والله الموفق للصواب:
الفصل الثالث
في علة إعراب الأسماء الستة
بالحروف مضافة
وهي إظهار الاجتناب بألطف وجه وأقربه عن أن يقوى خلاف قياس فيها، بيان ذلك أن فوه وذومال لو أعربا بترك إشباع الحركات لكانا قد بقيا على حرف واحد وكان حذف العين واللام منهما واقعاً
стр. 145
في غاية خلاف القياس وأبوه وأخوه وحموها لو تركت على حرفين بإعرابها بالحركات لكان خلاف القياس في حذف الثالث منا أقوى في نحو غد ويد لكون التكميل في أسماء العقلاء أدخل في الطلب منه في غيرها، وقد مهد هذه القاعدة الإمام عبد القاهر في مقتصده فليطلب هناك، وأما هن فلكونه كناية عن أسماء الأجناس اندرج بحكم التغليب بعد تنزيل الكناية منزلة المكنى عنه بحكم العرف في أسماء العقلاء والسبب في ترك ذلك في الإفراد هو امتناع إظهاره في الأغلب بشهادة اعتبار نحو أبون أبان أبين في المنون ونحو الأبو الكريم الأبا الكريم الأبي الكريم في غير المنون.
الفصل الرابع
في علة إعراب المثنى
والمجموع على ما هو عليه
الكلام في ذلك على الوجه المستقصى مذكور في كتابنا شرح الجمل للإمام عبد القاهر رحمة الله عليه، ولكنا نورد من ذلك ههنا ما هو شرط الموضع. اعلم أن التثنية والجمع إذا أريد وضع طريقة لهما اعتبار تغيير وأن يكون ذلك في الاسم وأن يكون في آخره وأن يكون بالزيادة ولأخذ الإعراب التبديل وأن تكون واحدة بناء لجميع ذلك على المقدمة الأولى وأن تكون من حروف المد لكونها خفيفة لذواتها قريبة الوقوع لكثرة دورها إما بأنفسها أو بأبعاضها وقد مرنت لذلك بها الألسن واستأنست المسامع وألفتها الطباع ومالت إليها النفوس وأن يكون فيها دليل الإعراب محافظة عليه وحسن نظر له لامتناع المدات عن التحريك وجمعا بين الغرضين لكن استلزام المحافظة عليه في أحواله الثلاث حالتي التثنية والجمع بالمدات الثلاث الاشتراك في كل واحدة منهن المخالف للقياس أوجب إلغاءها في بعض الأحوال تقليلا
стр. 146
للاشتراك في الحروف وحين آل الأمر على جعل بعض الحروف مشتركا دون بعض تعينت الياء التي من شأنها استواء النسبة إلى النسبة إلى الخفة والثقل وإلى مخرجى أختيها للاشتراك الذي من شأنه استواء النسبة إلى المعنيين وانقسمت أختاها على التثنية والجمع لجهتي التقدم والتأخر ثم لما قدم الرفع في الاعتبار كونه حصة الفاعل المتقدم فيه كما سبق تعينت له ثم تعينت الياء لأخويه فيهما وأصلا للجر منهما لما بينهما وبينه من النسب ما ليس بينها وبين النصب فحصل إعراب المثنى والمجموع على ما ترى، وأما النون فالأقرب فيه أنه لما اعتبر الإعراب الذي هو للاسم بحكم الأصالة في التثنية والجمع على حدها للجهة المذكورة واستهجن إلغاؤه فيهما لمناسبات تآخذت في ذلك امتنع بحكم رعاية ذلك بناء المثنى والمجموع جمع السلامة، ولذلك اختلف في نحو ذان واللذان واللذون والذين بين أن يحكم فيها بالتثنية والجمع وبين أن لا يحكم فتنظم في سلك أبانان وعمايتان وعشرون وثلاثون وما شاكل ذلك ولم يكن الاسم يدخل بالتثنية والجمع على حدهما في باب ما لا ينصرف لم يصادفوا في ترك التنوين عذرا يعتبر فأنى به وحرك محافظة على الساكن قبله إذ كان دأبهم تحريكه لنوع من العذر كنحو غلام اكتهل وكسر بعد الألف على أصل تحريك الساكن وفتح بعد أختيها تفاديا من الجمع بينهما وبين الكسر لأصول مقررة، وحيث استمرت الحركة عليه صار بمنزلة غير التنوين فلم يحذف في الوقف ولا مع نفي الجنس ولا مع الألف واللام ولا مع النداء على الضم، وإنما بنيت الكلام على الحذف لامتناع تأخير التثنية والجمع في ذلك كله لاستلزامه تحصيل الممتنع أما في الوقف فلاستلزامه الوصل في الوقف وأما في نفي الجنس فلاستلزامه طلب الزيادة حيث لا مزيد. وأما في المعرف وهو الداخل عليه اللام أو المضموم في النداء فلاستلزامه تحصيل التثنية والجمع لامع الصحة، ألا ترى أن التثنية والجمع طريقان ليتناول الاسم بهما أكثر مما هو متناوله فيستلزم تحصيلهما بحكم الضرورة صحة تناول المزيد المنافية للاختصاص
стр. 147
بما سوى المزيد الممتنع انتفاؤه مع اللام والضم فمتى أريدت التثنية والجمع والحال هذه لزم ما ذكرنا ومدار حكم أصحابنا ﵏ في تنكر العلم إذا ثني أو جمع على ما ذكرت فاستوضح.
الفصل الخامس
في علة إعراب كلا وكلتا
مضافين على الضمير على ما هو عليه
اختلفت الفرقتان في ذلك وتشعبت آراء أصحابنا ﵏ وأنا أذكر بإذن الله تعالى ما هو بالقبول أجدر بعد التنبيه على ما لا بد في ذلك منه وهو أن كل واحد من كلا وكلتا عندنا مثنى معنى مفرد لفظا فالألف فيهما غير ألف التثنية خلافا للكوفيين ﵏ بدليل عود الضمير إليهما تارة مثنى حملا على المعنى كقوله: كلاهما حين جد الجري بينهما قد أقلعا، وكما حكى عن بعض العرب من قوله كلاهما قائمان وكلتاهما لقيتهما وأخرى كثيراً مفردا حملا على اللفظ كقوله: كلا أخوينا ذو رحال كأنهم وقول الآخر:
أكاشمره واعلم أن كلانا ... على ما ساء صاحبه حريص
وقول الآخر كلا ثقلينا واثق بغنيمة، وقول الآخر كلانا يزيد بحب ليلى
стр. 148
وكقوله عز من قائل " كلتا الجنتين آتت أكلها " وأمثال لها وإذا ثبت لنا هذا قلنا العلة في انقلاب الألف فيهما على الياء في الجر والنصب عند الإضافة على الضمير حصول أمرين يدعوان على ذلك. أحدهما شبهها معنى ألف التثنية المنقلبة ياء في الجر والنصب. وثانيهما شبهها بلزوم الاتصال بالاسم وانجرار ذلك بعدها لألف على وعلى المنقلبة عند الضمير ولعل من يقول مررت بكلاهما ورأيت كلاهما ممن يقول قائلهم: طاروا علاهن فطر علاها أو ممن لغتهم على الأصح قوله تعالى " إن هذان لساحران ".
الفصل السادس
في علة إعراب نحو مسلمات
على ما هو عليه
وهي أن جمع المذكر لما سوّى فيه بين الجر والنصب لما تقدم أتبعه في ذلك جمع المؤنث طلبا للتناسب من حيث إنهما جمعا تصحيح وأن المؤنث فرع على المذكر كما سبق ومعلوم عندك أن اتباع الفرع الأصل في حكم مما له عرف في التناسب وأن المؤنث نقيض المذكر وقد عرفت الوجه في حمل النقيض على النقيض في القسم الأول من الكتاب.
الفصل السابع
في علة إعراب ما أعرب من الأفعال
ووقوع الجزم في إعرابه موقع الجر في الأسماء وكيفية تفاوته ظهورا واستكنانا وزيادة ونقصانا
اعلم أن علة إعراب المضارع عند أصحابنا ﵏ خلافا للكوفيين ﵏ هي مضارعته الاسم بعدد الحروف والحركات
стр. 149
والسكنات كنحو يضرب وضارب وبدخول لام الابتداء عليه وبتبادر الفهم منه على الحال في نحو مررت برجل يكتب تبادره إليها من الاسم إذا قلت مررت برجل كاتب وباحتمال أمرين وقبول أن يختص، والأمران هنا الحال والاستقبال وهناك التعريف والتنكير. وأما وقوع الجزم موقع الجر فلأن إعرابه لما كان فرعا على إعراب الاسم واقتضى العرف حطه ولم يكن المجر من التعلق بالفعل ما كان لأخويه حيث انتظما في عمله دونه تعين للحط سادا الجزم مسده. وأما ظهور إعرابه فلأنه الأصل في الإعراب كما سبق. وأما استكنانه فالعلة فيه، إما الضرورة وذلك في رفعه ونصبه عند الألف كنحو يخشاك لامتناع الألف عن التحريك، وأما الاجتناب عن تضاعف الثقل وذلك في رفعه عند الواو والياء كنحو يغزو ويرمي على ما عرف في علم الصرف وقد اندرج في هذا استكنان الرفع والجر في الأسماء في نحو القاضي وأما الزيادة وذلك في رفعه بعد ألف الضمير وواوه ويائه فلما قدمنا أن الفعل المضارع لمضارعته استحق الإعراب ومعلوم أن مضارعته بلحوق هذه الضمائر إياه لا تزول وحيث كانت أعني هذه الضمائر حروفا ميتة لا تتحرك ومدات ماسا جارية لذلك مجرى النفس الساذج غير عارض لها ذلك فقصرت عن بلوغ حد النون في يضربن ولم تنته على درجة ياء الإضافة في الأسماء لا أقل فلم يثبت لها حكم جانب لم تدخل في باب المنع فبقيت له اليد الطولى في اكتساء الإعراب لكن إعرابه بغير الحرف حيث كان يغضب في الرفع والنصب حق المدات في القرار على هيآتها لوجوب اتباع المدة حركة ما قبلها وفي الجزم حقها في الثبوت لامتناع سكون ما قبل المدة جعل بالحرف تحاشيا عن ذلك، ثم لما امتنع الحرف أن يكون مدة على أصل القياس في باب الزيادة لامتناع اجتماع المدتين جعل النون لقربه منها باحتمال المدة واللين والخفاء واعتباره غنة يشهد لذلك ولاتحاد المدات بالفعل اقتضى القياس تأخيره ولحصول الصورة إذ ذاك على شكل المثنى والمجموع
стр. 150
اختير الكسر للنون بعد الألف مع العمل بأصل تحريك الساكن والفتح له بعد أختيها مع الاجتناب عن الجمع بين الكسر وبينهما وحيث كان يجب اعتبار الرفع ابتداء على ما سبق عين له وأما الجزم فلما لم يكن في إعراب أصله الذي هو متطفل عليه بحكم المضارعة جعل كأن ليس بإعراب فلم يتكلف له عند فواته حرف يقوم مقامه هذا على أن حقه هو الترك فوفيه بذلك، ثم لما كان الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء وكانت لهذه الأمثلة صورة التثنية والجمع أتبعه النصب هنا إتباعه الجر هناك طلبا للتشاكل بين الأصل والفرع. وأما النقصان وذلك في جزمه عند اعتلال الآخر فمن حيث إن الحزم لما تقدم النصب في الاعتبار كما سبق آنفا لم يكن وروده إلا على المرفوع وقد عرفت أن الفعل حال اعتلال الآخر في الرفع لا يكون متحركا وإذا ورد ومن شأنه حذف الحركة ثم لا يجد حركة يحذفها حذف المعتل لما بينه وبينها من الاتحاد.
الفصل الثامن
في علة عمل الحروف العاملة
وكيفية اختلافها في ذلك
ونحن على أن نختصر الكلام فنقول أما الجارة فإنما عملت في الأسماء للزومها إياها فكل ما لزم شيئاً وهو خارج عن حقيقته أثر فيه وغيره غالبا بشهادة الاستقراء وكان عملها الجر اللازم للأسماء ليدخل وصف العمل في وصف العامل بحكم المناسبة وهو بعينه الكلام في التي تجزم المضارع وأما العذر عن حرف التعريف وحرفي الاستقبال فالأقرب هو أن الاسم لشدة احتياجه على التعريف لامتناع خروجه في الاستعمال عن التعريف والتنكير جرى حرف التعريف منه مجرى بعض أجزائه وعلى هذا حرفا الاستقبال ومدار كلام أبي سعيد السيرافي ﵀ في هذا على ما ذكرت. وأما الناصبة للأسماء فعملت لمعنى اللزوم والنصب
стр. 151
لتقويتها على إفادة معنى المفعولية قريبة من أنادي وأصحاب وأستثني ولذلك ترى الواو لا يعمل حيث يبطل لزومه بكونه عاطفا لأنه في العطف لا يلزم الاسم وكذا إلا حيث يبطل لزومه بكونه في الكلام الناقص لصحة ما طلع البدر إلا وقد ذكرت هندا وما جرى مجراه أو بكونه في التام غير الموجب على وجه البدل لتنزيل البدل والمبدل من منزلة المنحى غير المذكور ورجوع الكلام على النقصان إذ ذاك حكماً ومما ينبهك على أن حكم البدل ما ذكرنا امتناعهم عنه في الموجب امتناعهم عن النقصان فيه وأنها لمظان تأمل منك فلا تفرط وأما الناصبة للأفعال فالأصل فيها أن عند الخليل قدس الله روحه وقول الخليل يغني عن الدليل:
إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام
وإنما نصبت أن لمشابهتها أن معنى لاشتراكهما في رد الكلام على معنى المصدر وصورة أيضا إذا خففت وأعملت. وأما الحروف المشبهة فعملها لمشابهتها الأفعال وعندنا أنها لما كانت في العمل فرعا على الفعل وكانت في الشبه بالأفعال دون شبه ما ولا بلبيس اختير لها حطا لدرجتها أدنى مرتبتي الفعل وهي ضرب عمراً زيد ومن يظهر سبب امتناع تقديم الخبر على الاسم ألبتة وهو الترقي على أعلى مرتبتي الفعل في أدنى درجتها. وأما قولهم إن في الدار فالوجه ما اختار جار الله العلامة وارتضاه شيخنا الحاتمي تغمدها الله برضوانه أنه ليس من تقديم الخبر إذ الخبر مدلول في الدار لا نفس في الدار وتقدم ذاك غير مسلم هذا ولكنه يشكل بقولهم حيث لا يصح وقوع العامل لا يصح وقوع المعمول فيه فليتأمل. وأما علة انتظام لا النافية للجنس في سلكها وعلة عمل ما ولا المشبهتين بليس فمذكورتان.
стр. 152
الفصل التاسع
في علة الأسماء غير الجر
وكيفية اختلافها
أما علة رفعها ونصبها نازلة منزلة الفعل ككون الاسم مصدرا أو اسم فاعل وهو للحال أو الاستقبال ومعتمد فإنه في الاعتماد يزداد قربا من الفعل بتنحية عن موضع الاسم المخبر عنه وهو افتتاح الكلام وعن الأخبار عنه أيضا أو اسم مفعول على نحو اسم الفاعل أو صفة مشبهة معتمدة ولذلك حيث ضعف اسم التفضيل عن ذلك رأيت حاله في العمل كيف فترت أو اسم فعل وكذا علة جزمها نازلة منزلة حرف الشرط بإفادتها معناه فالكلام فيها جلى. وأما علة نصبها في غير ذلك فالوجه فيها أنها أشبهت الفعل في حال كونه ناصبا باستدعائها التمييز فضلة في الكلام لا محالة مع امتناع أن تجره وقول أصحابنا ﵏ التمييز إما أن يكون عن الجملة أو عن المفرد معناه أن محل إبهامه إما أن يكون الإسناد أو أحد طرفيه لا أنه يكون فضلة في الكلام.
الفصل العاشر
في علة عمل المعنى
الرفع للمبتدأ والخبر والفعل المضارع
وهي أشبه الفعل في حال كونه رافعا، أما في حق الخبر والمبتدأ فباستدعائه هذا مسندا إليه وهذا جزءا ثانيا في الجملة، وأما في حق الفعل المضارع فبخروج المضارع معه عن المناسبة بأن لا يعتبر تقديم تحريكه بالرفع بيان ذلك أنه متى وقع الاسم في الكلام ناسب أن يجري عليه ما للاسم من الرفع أو النصب أو الجر لكن امتناع إجراء الجر
стр. 153
عليه يستتبع امتناع إجراء النصب بحكم التآخي فيبقى الرفع وجوب تقديمه في الاعتبار على ما عرفت.
واعلم أنك إذا تلقيت ما أمليت عليك بحسن التفهم واستوضحت لطائفة بعين التأمل وجذبت بضبعك في مداحضه الاختصاريه استقامه طبع وأطلعك على رموزه للتفصي عن المضايق لطافة تمييز ثم استعرضت معاجم الأوائل في هذا الفن بعد التتبع لمآخذها والعثور على مجاريها مستطلعا طلع المقاصد في المبادى والغايات عسى أن تتمسح للملى بدعاء يستجاب وللملى بثناء يستطاب.
وإذ قد أتممنا ما أردنا فلنف بما كنا وعدنا من ختم الكلام في القسم النحوي حامدين الله تعالى ومصلين على النبي ﵇.
стр. 154
بسم الله الرحمن الرحيم
стр. 155
القسم الثالث من الكتاب
في علمي المعاني والبيان
وفيه مقدمة لبيان حدي العلمين والغرض فيهما وفصلان لضبط معاقدهما
والكلام فيه ما.
المقدمة
اعلم أن المعاني هو تتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره وأعني بتراكيب الكلام التراكيب الصادرة عمن له فضل تمييز ومعرفة وهي تراكيب البلغاء لا الصادرة عمن سواهم لنزولها في صناعة منزلة أصوات حيوانات تصدر عن محالها بحسب ما يتفق، وأعني بخاصية التركيب ما يسبق منه على الفهم عند سماع ذلك التركيب جاريا مجرى اللازم له لكونه صادرا عن البليغ لا لنفس ذلك التركيب من حيث هو هو أو لازما له هو هو حينا وأعني بالفهم فهم ذي الفطرة السليمة مثل ما يسبق على فهمك من تركيب إن منطلق إذا سمعته عن العارف بصياغة الكلام من أن يكون مقصودا به نفي الشك أو رد
стр. 156
الإنكار أو من تركيب زيد منطلق من أنه يلزم مجرد القصد على الإخبار أو من نحو منطلق بترك المسند إليه من أنه يلزم أن يكون المطلوب به وجه الاختصار مع إفادة لطيفة مما يلوح بها مقامها وكذا إذا لفظ بالمسند إليه وهكذا إذا عرف أو نكر أو قيد أو أطلق أو قدم أو أخر على ما يطلعك على جميع ذلك شيئاً ف شيئاً مساق الكلام في العلمين بإذن الله تعالى.
وأما علم البيان فهو معرفة إيراد المعنى الواحد في طرق مختلفة بالزيادة في وضوح الدلالة عليه وبالنقصان ليحترز بالوقوف على ذلك عن الخطأ في مطابقة الكلام لتمام المراد منه وفيما ذكرنا ما ينبه على الواقف على تمام مراد الحكيم تعالى وتقدس من كلامه مفتقر على هذين العلمين كل الافتقار فالويل كل الويل لمن تعاطى التفسير وهو فيهما راجل. ولما كان علم البيان شعبة من علم المعاني لا تنفصل عنه إلا بزيادة اعتبار جرى منه مجرى المركب من المفرد لا جرم آثرنا تأخيره.
стр. 157
الفصل الأول
في ضبط معاقد علم المعاني
والكلام فيه
اعلم أن مساق الحديث يستدعي تمهيدا وهو أن مقتضى الحال عند المتكلم يتفاوت كما ستقف غليه إذا أفضت النوبة على التعرض له من هذا الكتاب بإذن الله تعالى فتارة تقتضي ما لا يفتقر في تأديته على أزيد من دلالات وضعية وألفاظ كيف كانت ونظم لها لمجرد التأليف بينها يخرجها عن حكم النعيق وهو الذي سميناه في علم النحو أصل المعنى ونزلناه ههنا منزلة أصوات الحيوانات وأخرى تقتضي ما نفتقر في تأديته على أزيد وظاهر أن الخطأ الذي نحن بصدده لا يجامع في الأول أدنى التمييز فضلا أن يقع فيه من العاقل المتفطن وإنما مثار الخطأ هو الثاني وإن اختلج في وهمك أن الاحتراز عن الخطأ في الثاني إن لم يتوقف على علم المعاني استغنى عنه وإن توقف عليه ولا شبهة في أن الكلام فيه كلام من القبيل الثاني فيتوقف تعريفه على تعريف له سابق ويتسلسل أو يدور فاستوضح ما أجبنا به عن تعلم علم الاستدلال وعلم العروض، إذ قيل إن كان العقل أو الطبع يكفي في البابين فليستغن عن تعليمهما وإلا كان تعليمهما موقوفا على تعليم سابق والمآل إما الدور أو التسلسل وسننظم لك هذين العلمين في سلك التعرض لهما إذا حان وقته بإذن الله تعالى. وإذ قد عرفت هذا فنقول: إن التعرض لخواص تراكيب الكلام
стр. 158
موقوف على التعرض لتراكيبه ضرورة لكن لا يخفى عليك حال التعرض لها منتشرة فيجب المصير على إيرادها تحت الضبط بتعيين ما هو أصل لها وسابق في الاعتبار ثم حمل ما عدا شيئاً ف شيئاً على موجب المساق والسابعة في الاعتبار في كلام العرب شيئاًن الخبر والطلب المنحصر بحكم الاستقراء في الأبواب الخمسة التي يأتيك ذكرها، وما سوى ذلك نتائج امتناع إجراء الكلام على الأصل، وعساك فيما ترى أن تقتحمه عيناك لكنك إذا اجتليته أو أن كشف القناع عنه وجدت من نفسك الشأن بخلافه فلنعينهما أعني الخبر والطلب لافتتاح الكلام لما نحن له، والله المستعان.
اعلم أن المعتنين بشأنهما فرقتان: فرقة تحوجهما على التعريف، وفرقة تغنيهما عن ذلك، واختيارنا قول هؤلاء. أما في الخبر فلأن كل أحد من العقلاء ممن لم يمارس الحدود والرسوم بل الصغار الذين لهما أدنى تمييز يعرفون الصادق والكاذب بدليل أنهم يصدقون أبدا في مقام التصديق ويكذبون أبدا في مقام التكذيب، فلولا أنهم عارفون للصادق والكاذب لما تأتي منهم ذلك، لكن العلم بالصادق والكاذب كما يشهد له عقلك موقوف على العلم بالخبر الصدق والخبر الكذب هذا والحدود التي تذكر كقولهم: الخبر هو الكلام المحتمل للصدق والكذب أو التصديق والتكذيب، وكقولهم هو الكلام المفيد بنفسه إضافة أمر من الأمور على أمر من الأمور نفيا أو إثباتا بعد تعريفهم الكلام بأنه المنتظم من الحروف المسموعة المتميزة، وكقول من قال: هو المقتضى بصريحه نسبة معلوم على معلوم بالنفي أو الإثبات ليتها صلحت للتعويل، أما ترى الحد الأول حين عرف صاحبه الصدق بأنه الخبر عن الشيء على ما هو به والكذب بأنه الخبر عن الشيء لا على ما هو به كيف
стр. 159
دار فخرج عن كونه معرفا، ومن ترك الصدق والكذب على التصديق والتكذيب ما زاد على أن وسع الدائرة والحد الثاني أوجب أن يكون قولنا في باب الوصف الغلام الذي لزيد أو ليس لزيد خبرا لكونه كلاما على قول صاحبه ومفيدا بصريحه إضافة أمر وهو الغلام على أمر وهو زيد بالإثبات في أحدهما والنفي في الآخر مع انتفاء كونه خبرا بدليل انتفاء لازم الخبر وهو صحة احتمال الصدق والكذب فلا نزاع في كون ذلك لازم الخبر إنما النزاع في أن يكون حدا والحال ما تقدم، وكذا قولنا أن غلام أو ليس غلاما بفتح أن كيف خرج عن أن يكون مطردا والحد الثالث حين أو جب أن لا يكون قولنا ما لا يعلم بوجه من الوجوه لا يثبت ولا ينفي خبر الامتناع أن يقال ما لا يعلم بوجه من الوجوه معلوم مع أن الكلام خبر كيف خرج عن أن يكون منعكسا مع انتفاضه بالنقضين المذكورين وهما الغلام الذي لزيد أو ليس لزيد وأن غلام أو ليس غلاما بفتح أن فتدبر، ولسؤال المعلومية وجه دفع يذكر في الحواشي، وأما في الطلب فلأن كل أحد يتمنى ويستفهم ويأمر وينهى وينادي يوجد كلا من ذلك في موضع نفسه عن علم وكل واحد من ذلك طلب مخصوص والعلم بالطلب المخصوص مسبوق بالعلم بنفس الطلب، ثم إن الخبر والطلب بعد افتراقهما بحقيقتهما يفترقان باللازم المشهور، وهو احتمال الصدق والكذب في الطلب وما نسبنا إليه لا يقصر على ما قرعنا به سمعك هنا لكنا سنفرغ في صماخيك بإذن الله تعالى أو أن التصدي لتحقيقه ما ينقش في ذهنك النقش الجلي، ولنكتف بهذا القدر من التنبيه على استغناء الخبر الطلب عن التعريف الحدي، ولنعين لمساق الحديث في كل واحد منهما قانونا.
стр. 160
القانون الأول
فيما يتعلق بالخبر
اعلم أن مرجع الخبرية واحتمال الصدق والكذب على حكم المخبر الذي بحكمه في خبره بمفهوم لمفهوم كما تجده فاعلا ذلك إذا قال هو لزيد هو ليس لزيد لا على حكم مفعول يشير إليه إشارته إذا قال الذي هو لزيد أو ليس لزيد فأوقعه صلة للموصول الذي من حقه أن يكون صلته قبل اقترانها به معلومة للمخاطب أو إذا قال إنه زيد بفتح أن فنقل الحكم بثبوت الزيدية للضمير على جعله تصورا مشارا إليه يحكم له أو به إذا قال حق إنه زيد أو قال الذي أدعيه أنه زيد، فأما السبب في كون الخبر محتملا للصدق والكذب فهو إمكان تحقق ذلك الحكم مع كل واحد منهما من حيث إنه حكم مخبر ومرجع كون الخبر مفيدا للمخاطب على استفادة المخاطب منه ذلك الحكم ويسمى هذا فائدة الخبر كقولك زيد عالم لمن ليس واقفا على ذلك أو استفادته منه أنك تعلم ذلك كقولك لمن حفظ التوراة قد حفظت التوراة ويسمى هذا لازم فائدة الخبر، والأولى بدون هذه تمتنع، وهذه بدون الأولى لا تمتنع كما هو حكم اللازم المجهول المساواة ومرجع كونه صدقا أو كذبا عند الجمهور على مطابقة ذلك الحكم للواقع أو غير مطابقته له وهو المتعارف بين الجمهور، وعليه التعويل، وعند بعض على طباق الحكم لاعتقاد المخبر أو ظنه وعلى لإطباقه لذلك سواء كان الاعتقاد أو الظن خطأ أو صوابا بناء على دعوى تبرئ المخبر عن الكذب متى ظهر خبره بخلاف الواقع واحتجاجه لها بأن لم يتكلم بخلاف الاعتقاد أو الظن لكن تكذيبنا لليهودي مثلا إذا قال الإسلام باطل وتصديقنا له إذا قال الإسلام حق بنحيان بالقلع على هذا ويستوجبان طلب تأويل لقوله تعالى " إذا جاءك المنافقون
стр. 161
قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم أنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون " وهو حمل قول المنافقين على كونه مقرونا بأنه قول عن صميم القلب كما يترجم عنه إن واللام وكون الجملة اسمية في قولهم لأرباب البلاغة وسيأتيك تعرض لهذه الآية، وإذ قد عرفت أن الخبر يرجع على الحكم بمفهوم لمفهوم وهو الذي نسميه الإسناد الخبري كقولنا شيء ثابت شيء ليس ثابتا فأنت في الأول تحكم بالثبوت للشيء وفي الثاني باللاثبوت للشيء عرفت أن فنون الاعتبارات الراجعة على الخبر لا تزيد على ثلاثة: فن يرجع على حكم وفن يرجع على المحكوم وله المسند إليه وفن يرجع على المحكوم به وهو المسند. أما الاعتبار الراجع على الحكم في التركيب من حيث هو حكم من غير التعرض لكونه لغويا أو عقليا فإن ذلك وظيفة بيانية فككون التركيب تارة غير مكرر ومجردا عن لام الابتداء وإن المشبهة والقسم ولامه ونوني التأكيد كنحو زيد عارف وأخرى مكررا أو غير مجرد كنحو عرفت عرفت ولزيد عارف وأن عارف وأن لعارف ووالله لقد عرفت أولا عرفن في الإثبات وفي النفي كون التركيب غير مكرر ومقصورا على كلمة النفي مرة كنحو ليس زيد منطلقاً وما زيد منطلقاً ولا رجل عندي ومرة مكررا كنحو ليس زيد منطلقاً ليس زيد منطلقاً وغير مقصور على كلمة النفي كنحو ليس زيد بمنطلق وما إن يقوم زيد ووالله ما زيد قائما فهذه ترجع على نفس الإسناد الخبري. وأما الاعتبار الراجع على المسند إليه في التركيب من حيث هو مسند إليه من غير التعرض لكونه حقيقة أو مجازا فككونه محذوفا كقولك
стр. 162
عارف وأنت تريد زيد عارف أو ثابتا معرفا من أحد المعارف وستعرفها مصحوبا بشيء من التوابع أو غير مصحوب مقرونا بفصل أو غير مقرون أو منكرا مخصوصا أو غير مخصوص مقدما على المسند أو مؤخرا عنه. وأما الاعتبار الراجع على المسند من حيث هو مسند أيضا فككونه متروكا أو غير متروك وكونه مفردا أو جملة وفي أفراده من كونه فعلا أو اسما منكرا أو معرفا مقيدا كل من ذلك بنوع قيد أو غير مقيد وفي كونه جملة من كونها اسمية أو فعلية أو شرطية أو ظرفية وكونه مقدما أو مؤخرا هذا إذا كانت الجملة الخبرية مفردة. أما إذا انتظمت مع أخرى فيقع إذ ذاك اعتبارات سوى ما ذكر فن رابع ولا يتضح الكلام في جميع ذلك اتضاحه إلا بالتعرض لمقتضى الحال فبالحريّ أن لا نتخذه ظهريا فنقول والله الموفق للصواب: لا يخفى عليك أن مقامات الكلام متفاوتة التشكر يباين مقام الشكاية ومقام التهنئة يباين مقام التعزية ومقام المدح يباين مقام الذم ومقام الترغيب يباين مقام الترهيب ومقام الجد في جميع ذلك يباين مقام الهزل، وكذا مقام الكلام ابتداء يغاير مقام الكلام بناء على
الاستخبار أو الإنكار ومقام البناء على السؤال يغاير مقام البناء على الإنكار جميع ذلك معلوم لكل لبيب وكذا مقام الكلام مع الذكي يغاير مقام الكلام مع الغبي، ولكل من ذلك مقتضى غير مقتضى الآخر. ثم إذا شرعت في الكلام فلكل كلمة مع صاحبتها مقام ولكل حد ينتهي إليه الكلام مقام وارتفاع شأن الكلام في باب الحسن والقبول وانحطاطه في ذلك بحسب مصادفة الكلام لما يليق به وهو الذي نسميه مقتضى الحال، فإن كان مقتضى الحال وإطلاق الحكم فحسن الكلام تحريده عن مؤكدات الحكم. وإن كان مقتضى الحال بخلاف ذلك فحسن الكلام تحليه بشيء من ذلك بحسب المقتضى ضعفا وقوة وإن كان مقتضى الحال طي ذكر المسند إليه فحسن الكلام تركه، وإن كان المقتضى إثباته على وجه من الوجوه المذكورة فحسن الكلام وروده على الاعتبار المناسب، وكذا إن كان المقتضى ترك المسند فحسن الكلام وروده عاريا عن ذكره وإن كان المقتضى اثباته مخصصاً يشئ من التخصيصات فحسن الكلام نظمه على الوجوه المناسبة من الاعتبارات المقدم ذكرها وكذا إن كان المقتضى عند انتظام الجملة مع أخرى فصلها أو وصلها والإيجاز معها أو الإطناب أعني طي جمل عن البين ولا طيها فحسن الكلام تأليفه مطابقا لذلك وما ذكره حديث إجمالي لا بد من تفصيله فاستمع لما يتلى عليك بإذن الله، وقد ترتب الكلام ههنا كما ترى على فنون أربعة. الفن الأول في تفصيل اعتبارات الإسناد الخبري. الفن الثاني في تفصيل اعتبارات المسند إليه. الفن الثالث في تفصيل اعتبارات المسند. الفن الرابع في تفصيل اعتبارات الفصل والوصل والإيجاز والإطناب، وقبل أن نمنح هذه الفنون حقها في الذكر ننبهك على أصل لتكون على ذكر منه وهو: أن ليس من الواجب في صناعة وإن كان المرجع في أصولها وتفاريعها على مجرد العقل أن يكون الدخيل فيها كالناشئ عليها في استفادة الذوق منها فكيف إذا كانت الصناعة مستندة على تحكماًت وضعية واعتبارات إلفية فلا على الدخيل في صناعة علم المعاني أن يقلد صاحبها في بعض فتاواه إن فاته الذوق هناك على أن يتكامل له على مهل موجبات ذلك الذوق وكان شيخنا الحاتمي ذلك الإمام الذي لن تسمح بمثله الأدوار ما دار الفلك الدوار تغمده الله برضوانه يحيلنا بحسن كثير من مستحسنات الكلام إذا راجعناه فيها على الذوق ونحن حينئذ ممن نبغ في عدة شعب من علم الأدب وصبغ بها يده وعانى فيها وكده وكده وها هو الإمام عبد القاهر قدس الله روحه في دلائل الإعجاز كم يعيد هذا. تخبار أو الإنكار ومقام البناء على السؤال يغاير مقام البناء على الإنكار جميع ذلك معلوم لكل لبيب وكذا مقام الكلام مع الذكي يغاير مقام الكلام مع الغبي، ولكل من ذلك مقتضى غير مقتضى الآخر. ثم إذا شرعت في الكلام فلكل كلمة مع صاحبتها مقام ولكل حد ينتهي إليه الكلام مقام وارتفاع شأن الكلام في باب الحسن والقبول وانحطاطه في ذلك بحسب مصادفة الكلام لما يليق به وهو الذي نسميه
стр. 163
مقتضى الحال، فإن كان مقتضى الحال وإطلاق الحكم فحسن الكلام تحريده عن مؤكدات الحكم. وإن كان مقتضى الحال بخلاف ذلك فحسن الكلام تحليه بشيء من ذلك بحسب المقتضى ضعفا وقوة وإن كان مقتضى الحال طي ذكر المسند إليه فحسن الكلام تركه، وإن كان المقتضى إثباته على وجه من الوجوه المذكورة فحسن الكلام وروده على الاعتبار المناسب، وكذا إن كان المقتضى ترك المسند فحسن الكلام وروده عاريا عن ذكره وإن كان المقتضى اثباته مخصصاً يشئ من التخصيصات فحسن الكلام نظمه على الوجوه المناسبة من الاعتبارات المقدم ذكرها وكذا إن كان المقتضى عند انتظام الجملة مع أخرى فصلها أو وصلها والإيجاز معها أو الإطناب أعني طي جمل عن البين ولا طيها فحسن الكلام تأليفه مطابقا لذلك وما ذكره حديث إجمالي لا بد من تفصيله فاستمع لما يتلى عليك بإذن الله، وقد ترتب الكلام ههنا كما ترى على فنون أربعة. الفن الأول في تفصيل اعتبارات الإسناد الخبري. الفن الثاني في تفصيل اعتبارات المسند إليه. الفن الثالث في تفصيل اعتبارات المسند. الفن الرابع في تفصيل اعتبارات الفصل والوصل والإيجاز والإطناب، وقبل أن نمنح هذه الفنون حقها في الذكر ننبهك على أصل لتكون على ذكر منه وهو: أن ليس من الواجب في صناعة وإن كان المرجع في أصولها وتفاريعها على مجرد العقل أن يكون الدخيل فيها كالناشئ عليها في استفادة الذوق منها فكيف إذا كانت الصناعة مستندة على تحكماًت وضعية واعتبارات إلفية فلا على الدخيل في صناعة علم المعاني أن يقلد صاحبها في بعض فتاواه إن فاته الذوق هناك على أن يتكامل له على مهل موجبات ذلك الذوق وكان شيخنا الحاتمي ذلك الإمام الذي لن تسمح بمثله الأدوار ما دار الفلك الدوار تغمده الله برضوانه
стр. 164
يحيلنا بحسن كثير من مستحسنات الكلام إذا راجعناه فيها على الذوق ونحن حينئذ ممن نبغ في عدة شعب من علم الأدب وصبغ بها يده وعانى فيها وكده وكده وها هو الإمام عبد القاهر قدس الله روحه في دلائل الإعجاز كم يعيد هذا.
الفن الأول
من المعلوم أن حكم العقل حال إطلاق اللسان هو أن يفرغ المتكلم في قالب الإفادة ما ينطق به تحاشياً عن وصمة اللاغية فإذا اندفع في الكلام مخبراً لزم أن يكون قصده في حكمه بالمسند للمسند إليه في خبره ذاك إفادته للمخاطب متعاطياً مناطها بقدر الافتقار فإذا ألقى الجملة الخبرية على من هو خالي الذهن عما يلقى إليه ليحضر طرفاها عنده وينتقش في ذهنه استناد أحدهما على الآخر ثبوتاً أو انتفاء كفى ذلك الانتقاش حكمه ويتمكن لمصادفته إياه خالياً:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبي خياليا فتمكنا
فتستغني الجملة عن مؤكدات الحكم وسمي هذا النوع من الخبر ابتدائياً وإذا ألقاها على طالب لها متحير طرفاها عنده دون الاستناد فهو منه بين بين لينقذه عن ورطة الحيرة استحسن تقوية المنقذ بإدخال اللام في الجملة أو إن كنحو لزيد عارف أو إن عارف وسمي هذا النوع من الخبر طلبياً
стр. 165
وإذا ألقاها على حاكم فيها بخلافه ليرده على حكم نفسه استوجب حكمه ليرجح تأكيداً بحسب ما أشرب المخالف الإنكار في اعتقاده كنحو إني صادق لمن ينكر صدقك إنكاراً وإني لصادق لمن يبالغ في إنكار صدقك ووالله إني لصادق على هذا، وإن شئت فتأمل كلام رب العزة علت كلمته " إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون قالوا ما انتم إلا بشر مثلنا وما انزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون " حيث قال أولا إنا إليكم مرسلون، وقال ثانيا إنا إليكم لمرسلون كيف يقرر ما ألقى إليك ويسمي هذا النوع من الخبر إنكارياً، وإخراج الكلام في هذه الأحوال على الوجوه المذكورة يسمى إخراج مقتضى الظاهر، وأنه في علم البيان يسمى بالتصريح كما ستقف عليه والذي أريناك إذا أعملت فيه البصيرة استوثقت من جواب أبي العباس للكندي حين سأله قائلاً إني أجد في كلام العرب حشواً يقولون عبد الله قائم ثم يقولون إن عبد الله قائم ثم يقولون إن عبد الله لقائم والمعنى واحد وذلك إن قال بل المعاني مختلفة فقولهم عبد الله قائم إخبار عن قيامه وقولهم إن عبد الله قائم جواب عن سؤال سائل، وقولهم إن عبد الله لقائم جواب عن إنكار منكر قيامه، هذا ثم إنك ترى المغلقين السحرة في هذا الفن ينفثون الكلام لا على مقتضى الظاهر كثيراً وذلك إذا أحلوا المحيط بفائدة الجملة الخبرية وبلازم فائدتها علماً محل الخالي الذهن عن ذلك لاعتبارات خطابية مرجعها تجهيله بوجوه مختلفة، وإن شئت فعليك بكلام رب العزة
стр. 166
" ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون " كيف تجد صدره يصف أهل الكتاب بالعلم على سبيل التوكيد القسمي وآخره ينفيه عنهم حيث لم يعلموا بعلمهم ونظيره في النفي والإثبات " وما رميت إذ رميت " وقوله " وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا إيمان لهم " فيسوقون الكلام على هذا مساقه على ذلك، وهكذا قد يقيمون من لا يكون سائلاً مقام من يسأل فلا يميزون في صياغة التركيب للكلام بينهما وإنما يصبون لهما في قالب واحد إذا كانوا قدموا إليه ما يلوح مثله للنفس اليقظى بحكم ذلك الخبر فيتركها مستشرفة له استشراف الطالب المتحير يتميل بين إقدام للتلويح وإحجام لعدم التصريح فيخرجون الجملة إليه مصدرة بان ويرون سلوك هذا الأسلوب في أمثال هذه المقامات من كمال البلاغة وإصابة المحز أو ما ترى بشاراً كيف سلكه في رائيته:
بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير
حين استهواه التشبه بأئمة صناعة البلاغة المهتدين بفطرتهم على تطبيق مفاصلها وهم الأعراب الخلص من كل حارش يربوع وضب تلقاه
стр. 167
في بلاغته يضع الهناء مواضع النقب دون المولدين الذين قصارى أمرهم في مضمار البلاغة أو أن الاستباق إذا استفرغوا مجهودهم الاقتداء بأولئك ومن الشواهد لما نحن فيه شهادة غير مردودة رواية الأصمعي تقبيل خلف الأحمر بين عيني بشار بمحضر أبي عمرو بن العلاء حين استنشداه قصيدته هذه على ما روى من أن خلفاً قال لبشار بعد ما أنشد القصيدة لو قلت يا أبا معاذ مكان إن ذاك النجاح
بكراً فالنجاح في التبكير كان أحسن، فقال إنما قلتها يعني قصيدته أعرابية وحشية فقلت أن ذاك النجاح في التبكير كما يقول الأعراب البدويون ولو قلت بكراً فالنجاح في التبكير كان هذا من كلام المولدين ولا يشبه ذلك الكلام ولا يدخل في معنى القصيدة التي قلتها فقام خلف وقبل، فهل فحوى ما جرى بين بشار وصاحبيه وهم من فحولة هذا النوع ومن المهرة المتقنين والسحرة المؤخذين الأراشحة بتحقيق ما أنت منه على ريبة وقل لي مثل بشار، وقد تعمد أن يهدر بشقشقة سكان مها في الريح من كل ما ضغ قيصوم وشيح إذا خاطب ببكرا محرضا صاحبيه على التشمير عن ساق الجد في شأن السفار أفتراه لا يتصورهما حائمين حول هل التبكير يثمر النجاح فيتجانف عن التوكيد ولا يتلقاهما بأن هيهات ونظيره:
فغنها وهي لك الفداء ... أن غناء الإبل الحداء
وفي التنزيل " ولا تخاطبني في الذين ظلموا أنهم مغرقون " وكذا " وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء " وكذا وصلّ عليهم إن صلاتك سكن لهم " وكذا " يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة
стр. 168
الساعة شيء عظيم " وأمثال ذلك كثيرة وإذا صادف ما أريناك بصيرة منك ووقفت على ما سيأتيك في الفن الرابع أعنرك في باب النقد لتركيبات الجمل الخبرية في نحو أعبد ربك إن العبادة حق له واعبد ربك فالعبادة حق له واعبد ربك العبادة حق له على تفاوتها هناك واجدا من نفسك فضل الأولى على الثانية بحسب المقام ورداءة الأخيرة تارة والحكم بالعكس أخرى وكنت الحاكم الفيصل بإذن الله تعالى وكذلك قد ينزلون منزلة المنكر من لا يكون إياه إذا رأوا عليه شيئاً من ملابس الإنكار فيحوكون حبير الكلام لهما على منوال واحد كقولك لمن تصدى لمقاومة مكاوح أمامه غير متدبر مغترا بما كذبته النفس من سهولة تأنيها له أن أمامك مكاوحا لك ومن هذا الأسلوب قوله:
جاء شقيق عارضا رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح
ويقلبون هذه القضية مع المنكر إذا كان معه ما إذا تأمله ارتدع عن الإنكار فيقولون لمنكر الإسلام الإسلام حق وقوله جل وعلا في حق القرآن لا ريب فيه وكم من شقي مرتاب فيه وارد على ذا وهذا النوع أعني نفث الكلام لا على مقتضى الظاهر متى وقع عند النظار موقعة اشتهش الأنفس وأنق الأسماع وهز القرائح ونشط الأذهان ولأمر ما تجد أرباب البلاغة وفرسان الطراد في ميدانها الرامية في حدق البيان يستكثرون من هذا الفن في محاوراتهم وأنه في علم البيان يسمى بالكناية وله أنواع تقف عليها وجه حسنها بالتفصيل هناك بإذن الله تعالى وأن هذا الفن فن لا تلين عريكته ولا تنقاد قرونته بمجرد استقراء صور منه وتتبع مظان أخوات لها وأتعاب النفس بتكرارها واستيداع الخاطر حفظها وتحصيلها بل لا بد من ممارسات لها كثيرة ومراجعات
стр. 169
فيها طويلة مع فضل إلهي من سلامة فطرة واستقامة طبيعة وشدة ذكاء وصفاء قريحة وعقل وافر ومن أتقن الكلام في اعتبارات الاعتبارات وقف على اعتبارات النفي. واعلم أنك إذا حذفت في هذا الفن لصدق همتك واستفراغ جهدك فيه وبالحري أمكنك التسلق به على العثور على السبب في أنزل ربّ العزة قرآنه المجيد على هذه المناهج إن شاء الله تعالى.
الفن الثاني
لما تقرر أن مدار حسن الكلام وقبحه على انطباق تركيبه على مقتضى الحال وعلى لا انطباقه وجب عليك أيها الحريص على ازدياد فضلك المنتصب لاقتداح زناد عقلك المتفحص عن تفاصيل المزايا التي بها يقع التفاضل وينعقد بين البلغاء في شأنها التسابق والتناضل أن ترجع على فكرك الصائب وذهنك الثاقب وخاطرك اليقظان ولانتباهك العجيب الشان ناظرا بنور عقلك وعين بصيرتك في التصفح لمقتضيات الأحوال في إيراد المسند إليه على كيفيات مختلفة وصور متنافية حتى يتأتى بروزه عندك لكل منزلة في معرضها فهو الرهان الذي يجرب به الجياد والنضال الذي يعرف به الأيدي الشداد فتعرف أيما حال يقتضي طي ذكره وأيما حال يقتضي خلاف ذلك وأيما حال يقتضي تعرفه مضمرا أو علما أو موصولا أو اسم إشارة أو معرفا باللام أو بالإضافة وأيما حال يقتضي تعقيبه بشيء من التوابع الخمسة والفصل وأيما حال يقتضي تنكره وأيما حال يقتضي تقديمه على المسند وأيما حال يقتضي تأخيره عنه وأيما حال يقتضي تخصيصه أو إطلاقه حال التنكير وأيما حال يقتضي قصره على الخبر.
стр. 170
أما الحالة التي تقتضي طي ذكر المسند إليه فهي إذا كان السامع مستحضرا له عارفا منك القصد إليه عند ذكر المسند والترك راجع، إما لضيق المقام، وإما للاحتراز عن العبث بناء على الظاهر، وإما لتخييل أن في تركه تعويلا على شهادة العقل وفي ذكره تعويلا على شهادة اللفظ من حيث الظاهر وكم بين الشهادتين، وإما لإيهام أن تركه تطهيرا للسان عنه أو تطهيرا له عن لسانك، وإما للقصد على عدم التصريح ليكون لك سبيل على الإنكار إن مست إليه حاجة، وإما لأن الخبر لا يصلح إلا له حقيقة كقولك خالق لما يشاء فاعل لما يريد أادعاء، وأما لأن الاستعمال وارد على تركه أو ترك نظائره كقولهم نعم الرجل زيد على قول من يرى أصل الكلام نعم الرجل هو زيد، وأما الأغراض سوى ما ذكر مناسبة في باب الاعتبار بحسب المقامات لا يهتدي على أمثالها إلا العقل السليم والطبع المستقيم وقلما ملك الحكم هناك شيء غيرهما فراجعهما في مثل:
قال لي كيف أنت قلت عليل ... سهر دائم وحزن طويل
كيف تجد الحكم إذ لم يقل أنا عليل وفي مثل قوله حين شكا ابن عمه فلطمه فأنشأ يقول:
سريع على ابن العم يلطم وجهه ... وليس على داعي الندى بسريع
حريص على الدنيا مضيع لدينه ... وليس لما في بيته بمضيع
حيث لم يقل هو سريع وفي مثل قوله:
سأشكر عمراً إن تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
إذ لم يقل هو فتى وفي مثل قوله:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
стр. 171
نجوم سماء كلما انقض كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه
حين لم يقل هم نجوم سماء، وقوله عز قائلاً سورة أنزلناها وفرضناها إذ لم يقل هذه سورة أنزلناها، وقوله " وما أدراك ماهية نار حامية " إذ لم يقل هي نار حامية، وقوله " فصبر جميل " وقوله " طاعة معروفة " على أحد الاعتبارين فيهما وهو فأمري صبر جميل وأمركم أو الذي يطلب منكم أو طاعتكم طاعة معروفة بحسب تفسير المعروفة. وأما الحالة التي تقتضي إثباته فهي أن يكون الخبر عام النسبة على كل مسند إليه، والمراد تخصيصه بمعين كقولك زيد جاء وعمرو ذهب وخالد في الدار وقوله:
الله أنجح ما طلبت به ... والبر خير حقيبة الرحل
وقوله
والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد على قليل تقنع
أو يذكر احتياطا في إحضاره في ذهن السامع لقلة الاعتماد بالقرائن أو للتنبيه على غباوة السامع أو لزيادة الإيضاح والتقرير، أو لأن في ذكره تعظيما للمذكور، أو إهانة له كما يكون في بعض الأسامي والمقام مقام ذلك، أو يذكر تبركا به واستلذاذا له كما يقول الموحد الله خالق كل شيء ورازق كل حي أو لأن إصغاء السامع مطلوب
стр. 172
فيبسط الكلام افتراضا بسط موسى إذ قيل له " وما تلك بيمينك " وكان يتم الجواب بمجرد أن يقول عصا، ثم ذكر المسند إليه وزاد فقال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى ونظيره في البسط نعبد أصناما فنظل لها عاكفين " قد بسطوا الكلام ابتهاجا منهم بعبادة الأصنام وافتخارا بمواظبتها منحرفين عن الجواب المطابق المختصر وهو أصناما، أو لأن الأصل في المسند إليه هو كونه مذكورا أو ما جرى هذا المجرى. وأما الحالة التي تقتضي تعرفه فهي إذا كان المقصود من الكلام إفادة السامع فائدة يعتد بمثلها، والسبب في ذلك هو أن فائدة الخبر لما كانت هي الحكم أو لازمه كما عرفت في أول قانون الخبر ولازم الحكم وهو أنك تعلم الحكم أيضا، ولا شبهة أن احتمال تحقق الحكم متى كان أبعد كانت الفائدة في تعريفه أقوى ومتى كان أقرب كانت أضعف، وبعد تحقق الحكم بحسب تخصيص المسند إليه والمسند كلما ازداد تخصصا ازداد الحكم بعدا، وكلما ازداد عموما ازداد الحكم قربا، وإن شئت فاعتبر حال الحكم في قولك شيء ما موجود، وفي قولك فلان بن فلان حافظ للتوراة والإنجيل يتضح لك ما ذكرت. ثم إن تخصص المسند إليه إما أن يكون لكونه أحد أقسام المعرفات فحسب وهي المضمرات الأعلام المبهمات: أعني الموصولات وأسماء الإشارة المعرفات باللام المضافات على المعارف إضافة حقيقية مع القيد المذكور في علم النحو أو لما زاد على ذلك من كونه مصحوبا بشيء من التوابع الخمسة والضمير المسمى فصلا، وإما أن يكون لا لما ذكر كما ستقف عليه، ولكل من ذلك حالة تقتضيه.
стр. 173
وأما الحالة التي تقتضي كونه مضمرا فهي إذا كان المقام مقام حكاية كقوله:
أنا الذي يجدوني في صدورهم ... لا أرتقي صدرا منها ولا أرد
وقوله:
أنا المرعث لا أخفي على أحد ... ذرت بي الشمس للقاصي وللداني
وقوله:
ونحن التاركون لما سخطنا ... ونحن الآخذون لما رضينا
وقوله:
ونحن بنو عم على ذاك بيننا ... زرابي فيها بغضة وتنافس
ونحن كصدع العس إن يعط شاعبا ... يدعه وفيه عيبه متناحس
أو مقام خطاب كقوله:
يا ابن الأكارم من عدنان قد علموا ... وتالد المجد بين العم والخال
أنت الذي تنزل الأيام منزلها ... وتمسك لأرض من خسف وزلزال
وقوله:
قد كان قبلك أقوام فجعت بهم ... خلى لنا هلكهم سمعا وأبصارا
أنت الذي لم تدع سمعا ولا بصرا ... إلا شفا فأمر العيش إمرارا
وقوله:
وأنت الذي كلفتني دلج السرى ... وجون القطا بالجهلتين جثوم
وقولها:
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم
стр. 174
وحق الخطاب أن يكون مع مخاطب معين ثم يترك على غير معين كما تقول فلان لئيم إن أكرمته أهانك وإن أحسنت إليه أساء إليك فلا تريد مخاطبا بعينه كأنك قلت إن أكرم أو أحسن إليه قصدا على أن سوء معاملته لا يختص واحداً دون واحد، وأنه في القرآن كثير يحمل قوله تعالى " ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم " على العموم قصدا على تفظيع حال المجرمين وأن قد بلغت من الظهور على حيث يمتنع خفاؤها ألبتة فلا تختص رؤية راء دون راء بل كل من يتأنى منه الرؤية فله مدخل في هذا الخطاب وكذا أمثال له، أو كان المسند إليه في ذهن السامع لكونه مذكورا أو في حكم المذكور لقرائن الأحوال ويراد الإشارة إليه كنحو قوله:
من البيض الوجوه بني سنان ... لو أنك تستضيء بهم أضاءوا
هم حلوا من الشرف المعلى ... ومن حسب العشيرة حيث شاءوا
وقوله:
بيمن أبي إسحق طالت يد العلا ... وقامت قناة الدين واشتد كاهله
هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والبر ساحله
وقوله:
أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب ... فكيف إذا ملم يكن عنه مذهب
هو المهرب المنجي لمن أحدقت به ... مكاره دهر ليس عنهن مهرب
وأما الحالة التي تقتضي كونه علما فهي إذا كان المقام مقام إحضار له بعينه في ذهن السامع ابتداء بطريق يخصه كنحو زيد صديق لك وعمرو عدو لك، وفي قوله:
стр. 175
أبو مالك قاصر فقره ... على نفسه ومشيع غناه
وقوله:
الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علواً فرسي بأشقر مزيد
قال تعالى " تبت يدا أبي لهب " أو مقام تعظيم والاسم صالح لذلك كما في الكنى والألقاب المحمودة أو إهانة والاسم صالح كالأسامي المذمومة أو كناية مثل قوله " تبت يدا أبي لهب " أي يدا جهنمي أو مقام إيهام أنك تستلذ اسمه العلم أو تتبرك به أو ما شاكل ذلك مما له مدخل في الاعتبار. وأما الحالة التي تقتضي كونه موصولاً فهي متى صح إحضاره في ذهن السامع بوساطة ذكر جملة معلومة الانتساب على مشار إليه واتصل بإحضاره بهذا الوجه غرض مثل أن لا يكون لك منه أمر معلوم سواه، أو لمخاطبك فتقول الذي كان معك أمس لا أعرفه والذي كان معنا أمس رجل عالم فأعرفه أو الذين في بلاد الشرق لا أعرفهم أو لا تعرفهم أو لا نعرفهم، أو أن تستهجن التصريح بالاسم، أو أن يقصد زيادة التقرير كما في قوله عز وعلا " وراودته التي هو في بيتها عن نفسه " والعدول عن التصريح باب من البلاغة يصار إليه كثيراً وإن أروث تطويلا. يحكى عن شريح أن رجلا أقر عنده بشيء ثم رجع ينكر فقال له شريح شهد عليك ابن أخت خالتك آثر شريح التطويل ليعدل عن التصريح بنسبة الحماقة على المنكر لكون
стр. 176
الإنكار بعد الإقرار إدخالا للعنق في ربقة الكذب لا محالة أو للتهمة، وكذا ما يحكى عنه أن عدي بن أرطاة أتاه ومعه امرأة له من أهل الكوفة يخاصمها، فلما جلس بين يدي شريح قال عدي: أين أنت؟ قال بينك وبين الحائط قال إني امرؤ من أهل الشام قال بعيد سحيق قال وإني قدمت العراق قال خير مقدم قال وتزوجت هذه قال بالرفاء والبنين قال وأنها ولدت غلاما قال ليهنك الفارس قال وأردت أن أنقلها على داري قال المرء أحق بأهله قال قد كنت شرطت لها وكرها قال الشرط أملك قال اقض بيننا قال فعلت قال فعلى من قضيت قال على ابن أمك عدل شريح عن لفظ عليك لئلا يواجهه بالتصريح على ما يشق على المخاصم من القضاء عليه، أو أن تومئ بذلك على وجه بناء الخبر الذي تبنيه عليه فتقول الذين آمنوا لهم درجات النعيم والذين كفروا لهم دركات الجحيم. ثم يتفرع على هذا اعتبارات لطيفة ربما جعل ذريعة على التعريض بالتعظيم كقولك الذي يرافقك يستحق الإجلال والرفع والذي يفارقك يستحق الإذلال والصفع ومنه قولهم جاء بعد اللتيا واللتي، وسيأتيك في فصل الإيجاز معناه، أو بالإهانة كما إذا قلبت الخبر في الصورتين وربما جعل ذريعة على تعظيم شأن الخبر كقوله:
إن الذي سمك السما بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول
وربما جعل ذريعة على تحقيق الخبر كقوله:
إن التي ضربت بيتا مهاجرة ... بكوفة الجند غالت ودها غول
وربما جعل ذريعة على التنبيه للمخاطب على خطأ كقوله:
إن الذين ترونهم إخوانكم ... يشفى غليل صدورهم أن تصرعوا
أو على معنى آخر كقوله:
إن الذي الوحشة في داره ... يؤنسه الرحمة في لحده
وربما قصد بذلك أن يتوجه ذهن السامع على ما سيخبر به عنه منتظرا
стр. 177
لوروده عليه حتى يأخذ منه مكانه إذا ورد كقوله:
والذي حارت البرية فيه ... حيوان مستحدث من جماد
وفي هذه الاعتبارات كثرة فحم لها حول ذكائك. وأما الحالة التي تقتضي كونه اسم إشارة فهي متى صح إحضاره في ذهن السامع بوساطة الإشارة إليه حسا واتصل بذلك داع مثل أن لا يكون لك أو لسامعك طريق إليه سواها أو أن تقصد بذلك أكمل تمييز له وتعيين كقوله:
هذا أبو الصقر فردا في محاسنه ... من نسل شيبان بين الضال والسلم
وقوله
وإذا تأمل شخص ضيف مقبل ... متسربل سربال ليل أغبر
أومى على الكوماء هذا طارق ... نحرتني الأعداء إن لم تنحري
وقوله:
ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان عبر الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد
وقوله:
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
أو أن يقصد بيان حاله في القرب والبعد والتوسط كقولك: هذا وذلك وذاك، ثم تتفرع على ما ذكر وجوه من الاعتبار مثل أن تقصد بذلك كمال العناية بتمييزه وتعيينه كقوله عز من قائل أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون " أو أن تقصد بذلك أن السامع غبي لا يتميز الشيء عنده إلا بالحس كقول الفرزدق في خطابه جريرا:
стр. 178
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع
أو أن تقصد بقربه تحقيره واسترذاله كما قالت عائشة يا عجبا لابن عمر هذا محقرة له وهو عبد الله بن عمرو بن العاص وكما يحكيه عز وعلا عن الكفار "ماذا أراد الله بهذا مثلا " وفي موضع آخر " أهذا الذي بعث الله رسولا " وفي موضع آخر أهذا الذي يذكر آلهتكم " ومنه " وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب " وكما يحكيه القائل عن امرأته:
تقول ودقت نحرها بيمينها ... أبعلي هذا بالرحا المتقاعس
وببعده تعظيمه كما تقول في مقام التعظيم ذلك الفاضل وأولئك الفحول، وكقوله عز وعلا " ألم ذلك الكتاب " ذهابا على بعده درجة وقولها فيما يحكيه جل وعلا " قالت فذلكن " ولم تقل فهذا ويوسف حاضر رفعا لمنزلته في الحسن واستحقاق أن يحب ويفتتن به واستبعاً دا لمحله، ومن التبعيد لقصد التعظيم قوله تعالى " وتلك الجنة التي أورثتموها " أو خلاف تعظيمه كما تقول ذلك اللعين أو ما سوى ذلك مما له انخراط في هذا السلك ولطائف هذا الفصل لا تكاد تنضبط. وأما الحالة التي تقتضي التعريف باللام فهي متى أريد بالمسند إليه
стр. 179
نفس الحقيقة كقولك الماء مبدأ كل حي. قال عز من قائل " وجعلنا من الماء كل شيء حي " أي جعلنا مبدأ كل شيء حي هذا الجنس هو جنس الماء يأتي في الروايات أنه جل وعلا خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء والجن من نار خلقها منه وآدم من تراب خلقه منه وكقولك الرجل أفضل من المرأة والدينار خير من الدرهم والكل أعظم من الجزء ونعم الرجل وبئس الرجل، ومن تعريف الجنس قوله:
والخل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفا ويخفيها مع الكدر
وقوله:
الناس أرض بكل أرض ... وأنت من فوقهم سماء
وقوله عز قائلا " أولئك الذين أتيناهم الكتاب والحكم والنبوة " ولقرب المسافة إذا تأملت بين أن يعرف الاسم هذا التعريف وبين أن يترك غير معرف به يعامل معرفه كثيراً معاملة غير المعرف قال:
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
فعرف اللئيم، والمعنى ولقد أمر على لئيم من اللئام ولذلك تقدر يسبني وصفا لا حالاً وله في القرآن غير نظير، أو العموم والاستغراق كقوله عز وعلا " إن الانسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " وقوله " السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " وقوله ولا يفلح الساحر حيث أتى "
стр. 180
أو كان المسند إليه حصة معهودة من الحقيقة كما إذا قال لك قائل جاءني رجل من قبيلة كذا أو رجلان أو رجال فتقول له الرجل الذي جاءك أعرف أو الرجلان اللذان جاآك أو الرجال الذين جاءوك وفي التنزيل " وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم فجمع السحرة " وفي موضع آخر " كما أرسلنا على فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول " وتقرير ما ذكرنا من إفادة اللام الاستغراق أو العهد يذكر في الفن الثالث إن شاء الله تعالى. وأما الحالة التي تقتضي التعريف بالإضافة فهي متى لم يكن للمتكلم على إحضاره في ذهن السامع طريق سواها أصلا كقولك غلام زيداًن لم يكن عندك منه شيء سواه أو عندك سامعك أو طريق سواها أخضر، والمقام مقام اختصار كقوله:
هواي مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب مجثماني بمكة موثق
أو لأن اضافته حصول مطلوب آخر مثل أن تغني عن التفصيل المتعذر أو الأولى تركه بجهة من الجهات كقوله:
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود في غيل خفان أشبل
وقوله:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل
وقوله:
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي
следующие страницы →