Полный текст (593 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الإنكار بعد الإقرار إدخالا للعنق في ربقة الكذب لا محالة أو للتهمة، وكذا ما يحكى عنه أن عدي بن أرطاة أتاه ومعه امرأة له من أهل الكوفة يخاصمها، فلما جلس بين يدي شريح قال عدي: أين أنت؟ قال بينك وبين الحائط قال إني امرؤ من أهل الشام قال بعيد سحيق قال وإني قدمت العراق قال خير مقدم قال وتزوجت هذه قال بالرفاء والبنين قال وأنها ولدت غلاما قال ليهنك الفارس قال وأردت أن أنقلها على داري قال المرء أحق بأهله قال قد كنت شرطت لها وكرها قال الشرط أملك قال اقض بيننا قال فعلت قال فعلى من قضيت قال على ابن أمك عدل شريح عن لفظ عليك لئلا يواجهه بالتصريح على ما يشق على المخاصم من القضاء عليه، أو أن تومئ بذلك على وجه بناء الخبر الذي تبنيه عليه فتقول الذين آمنوا لهم درجات النعيم والذين كفروا لهم دركات الجحيم. ثم يتفرع على هذا اعتبارات لطيفة ربما جعل ذريعة على التعريض بالتعظيم كقولك الذي يرافقك يستحق الإجلال والرفع والذي يفارقك يستحق الإذلال والصفع ومنه قولهم جاء بعد اللتيا واللتي، وسيأتيك في فصل الإيجاز معناه، أو بالإهانة كما إذا قلبت الخبر في الصورتين وربما جعل ذريعة على تعظيم شأن الخبر كقوله:
إن الذي سمك السما بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول
وربما جعل ذريعة على تحقيق الخبر كقوله:
إن التي ضربت بيتا مهاجرة ... بكوفة الجند غالت ودها غول
وربما جعل ذريعة على التنبيه للمخاطب على خطأ كقوله:
إن الذين ترونهم إخوانكم ... يشفى غليل صدورهم أن تصرعوا
أو على معنى آخر كقوله:
إن الذي الوحشة في داره ... يؤنسه الرحمة في لحده
وربما قصد بذلك أن يتوجه ذهن السامع على ما سيخبر به عنه منتظرا
стр. 177
لوروده عليه حتى يأخذ منه مكانه إذا ورد كقوله:
والذي حارت البرية فيه ... حيوان مستحدث من جماد
وفي هذه الاعتبارات كثرة فحم لها حول ذكائك. وأما الحالة التي تقتضي كونه اسم إشارة فهي متى صح إحضاره في ذهن السامع بوساطة الإشارة إليه حسا واتصل بذلك داع مثل أن لا يكون لك أو لسامعك طريق إليه سواها أو أن تقصد بذلك أكمل تمييز له وتعيين كقوله:
هذا أبو الصقر فردا في محاسنه ... من نسل شيبان بين الضال والسلم
وقوله
وإذا تأمل شخص ضيف مقبل ... متسربل سربال ليل أغبر
أومى على الكوماء هذا طارق ... نحرتني الأعداء إن لم تنحري
وقوله:
ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان عبر الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد
وقوله:
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
أو أن يقصد بيان حاله في القرب والبعد والتوسط كقولك: هذا وذلك وذاك، ثم تتفرع على ما ذكر وجوه من الاعتبار مثل أن تقصد بذلك كمال العناية بتمييزه وتعيينه كقوله عز من قائل أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون " أو أن تقصد بذلك أن السامع غبي لا يتميز الشيء عنده إلا بالحس كقول الفرزدق في خطابه جريرا:
стр. 178
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع
أو أن تقصد بقربه تحقيره واسترذاله كما قالت عائشة يا عجبا لابن عمر هذا محقرة له وهو عبد الله بن عمرو بن العاص وكما يحكيه عز وعلا عن الكفار "ماذا أراد الله بهذا مثلا " وفي موضع آخر " أهذا الذي بعث الله رسولا " وفي موضع آخر أهذا الذي يذكر آلهتكم " ومنه " وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب " وكما يحكيه القائل عن امرأته:
تقول ودقت نحرها بيمينها ... أبعلي هذا بالرحا المتقاعس
وببعده تعظيمه كما تقول في مقام التعظيم ذلك الفاضل وأولئك الفحول، وكقوله عز وعلا " ألم ذلك الكتاب " ذهابا على بعده درجة وقولها فيما يحكيه جل وعلا " قالت فذلكن " ولم تقل فهذا ويوسف حاضر رفعا لمنزلته في الحسن واستحقاق أن يحب ويفتتن به واستبعاً دا لمحله، ومن التبعيد لقصد التعظيم قوله تعالى " وتلك الجنة التي أورثتموها " أو خلاف تعظيمه كما تقول ذلك اللعين أو ما سوى ذلك مما له انخراط في هذا السلك ولطائف هذا الفصل لا تكاد تنضبط. وأما الحالة التي تقتضي التعريف باللام فهي متى أريد بالمسند إليه
стр. 179
نفس الحقيقة كقولك الماء مبدأ كل حي. قال عز من قائل " وجعلنا من الماء كل شيء حي " أي جعلنا مبدأ كل شيء حي هذا الجنس هو جنس الماء يأتي في الروايات أنه جل وعلا خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء والجن من نار خلقها منه وآدم من تراب خلقه منه وكقولك الرجل أفضل من المرأة والدينار خير من الدرهم والكل أعظم من الجزء ونعم الرجل وبئس الرجل، ومن تعريف الجنس قوله:
والخل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفا ويخفيها مع الكدر
وقوله:
الناس أرض بكل أرض ... وأنت من فوقهم سماء
وقوله عز قائلا " أولئك الذين أتيناهم الكتاب والحكم والنبوة " ولقرب المسافة إذا تأملت بين أن يعرف الاسم هذا التعريف وبين أن يترك غير معرف به يعامل معرفه كثيراً معاملة غير المعرف قال:
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
فعرف اللئيم، والمعنى ولقد أمر على لئيم من اللئام ولذلك تقدر يسبني وصفا لا حالاً وله في القرآن غير نظير، أو العموم والاستغراق كقوله عز وعلا " إن الانسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " وقوله " السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " وقوله ولا يفلح الساحر حيث أتى "
стр. 180
أو كان المسند إليه حصة معهودة من الحقيقة كما إذا قال لك قائل جاءني رجل من قبيلة كذا أو رجلان أو رجال فتقول له الرجل الذي جاءك أعرف أو الرجلان اللذان جاآك أو الرجال الذين جاءوك وفي التنزيل " وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم فجمع السحرة " وفي موضع آخر " كما أرسلنا على فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول " وتقرير ما ذكرنا من إفادة اللام الاستغراق أو العهد يذكر في الفن الثالث إن شاء الله تعالى. وأما الحالة التي تقتضي التعريف بالإضافة فهي متى لم يكن للمتكلم على إحضاره في ذهن السامع طريق سواها أصلا كقولك غلام زيداًن لم يكن عندك منه شيء سواه أو عندك سامعك أو طريق سواها أخضر، والمقام مقام اختصار كقوله:
هواي مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب مجثماني بمكة موثق
أو لأن اضافته حصول مطلوب آخر مثل أن تغني عن التفصيل المتعذر أو الأولى تركه بجهة من الجهات كقوله:
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود في غيل خفان أشبل
وقوله:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل
وقوله:
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي
стр. 181
وقوله:
قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة ... وللسبع خير من ثلاث وأكثر
أو مثل أن تتضمن اعتبارا لطيفا مجازيا كقوله:
إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة ... سهيل أذاعت غزلها في القرائب
وقوله:
إذا قال قدني قال بالله حلفة ... لتغني عني إذا إنائك أجمعا
أو مثل أن تتضمن نوع تعظيم باعتبار كما تقول عبدي حضر فتعظم شأنك أن لك عبدا، أو كما تقول عبد الخليفة حضر فتعظم شأن العبد، أو كما تقول عبد الخليفة عند فلان فتعظم شأن فلان، أو نوع تحقير كما تقول ولد الحجام عنده، أو غرضا من الأغراض ممكن التعلق بالإضافة، وأما الحالة التي تقتضي وصف المعرف فهي إذا كان الوصف مبينا كاشفا عنه كما إذا قلت الجسم الطويل العريض العميق محتاج على فراغ يشغله، أو قلت التقي الذي يؤمن ويصلي ويزكي على هدى من ربه فبينت بالوصف على ألطف وجه أن المتقي هو الذي يفعل الواجبات بأسرها ويجتنب الفواحش والمنكرات عن آخرها وكشفته كشفا كأنك حددته، ووجه اللطافة هو أنك ذكرت أساس الحسنات ومنصبها وهو الإيمان وعقبته بأمي العبادات البدنية والمالية المستتبعتين لسائر العبادات وهما الصلاة والزكاة فأفدت بذلك فعل الواجبات بأسرها وذكرت الناهي عن الفحشاء والمنكر وهو الصلاة فأفدت بذلك اجتناب الفواحش عن آخرها ونظيره في تنزيل الوصف منزلة الكاشف للمجري عليه قول أوس:
стр. 182
الألمعي الذي يظن بك الظن ... كان كأن قد رأى وقد سمعا
حكي عن الأصمعي أنه سئل عن الألمعي فأنشده ولم يزد ومما تواخى هذا قوله جل وعلا " إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا " عن أحمد بن يحيى قال لي محمد بن عبد الله بن طاهر ما الهلع فقلت قد فسره الله تعالى أو مدحا له كقولك الله الخالق البارئ المصور أو كما إذا قلت المتقي الذي يؤمن ويصلي ويزكي على هدى ولم ترد إلا مدحه أو ذما له كقولك إبليس اللعين ضال مضل، أو مخصصا له زيادة تخصيص مفيدا غير فائدة الكشف أو المدح كقولك زيد التاجر عندنا أو كما قلت المتقي الذي يؤمن ويصلي على هدى وأنت تريد بالمتقي المجتنب عن المعاصي أو تأكيدا له مجردا كقولك أمس الدابر لا يعود ون ما تعلق بالوصف مطلوبا ولما ترى من طلب التمييز بالوصف وامتناع أم تميز شيئاً عن شيء بما لا تعرفه له يمكنك أن تتوصل به على أن حق الوصف كونه عند السامع معلوم التحقق للموصوف ولعلمك بأن تحقق الشيء للشيء فرع على تحققه في نفسه لا يشتبه عليك أن حق كل وصف هو أن يكون في نفسه ثابتا متحققا وأن حق كل ما تقصد ثبوته للغير أن يكون في نفسه ثابتا وعندك فما لا يكون ثابتا كذلك أو متحققا يمتنع منك جعله وصفا وكذا خبرا أيضا بحكم عكس النقيض وعسى إذا استوضحت ما أريناكه أن تجذب بضبعك في تزييف رأي من لا يرى الصفة معلومة وأن تتحقق أن محاولة إثبات الثابت في نفسه لشيء آخر يستدعي ثبوت ذلك الشيء الآخر في نفسه لا محالة ثم لعلمك أن الطلب سعى في التحصيل وأن تحصيل الحاصل ممتنع كما سيأتيك كل ذلك في قانون الطلب تعلم أن مطلوبك مثله في نحو هل رأيت كذا وفي
стр. 183
نحو اضرب يمتنع أن يكون ثابتا عندك ومتحققا فيمتنع أن تجعل مثله وصفا له أو خبرا ولذلك تسمعنا في مثل قوله: جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط نقول تقديره جاءوا بمذق مقول عنده هذا القول: أي يحمل المذق رائيه أن يقول لمشاهده هل رأيت الذئب قط لا يراده في خيال الرائي لون الذئب بورقته لكونه سمارا وفي مثل اضربه أو لا تضربه أنه محمول على يقال: أي يقال في حقه اضربه أولا تضربه ونفسر قراءة ابن عباس ﵁ " ولقد نجينا بني اسرائيل من العذاب المهين " من فرعون على لفظ من الاستفهامي ورفع فرعون بأنه لما وصف الله تعالى العذاب بكونه مهينا بيانا لشدته وفظاعة أمره وأراد أن يصور كنهه قال من فرعون هل تعرفونه من هو في فرط عتوه وشدة شكيمته في تفرعنه ما ظنكم بعذاب يكون المعذب يه مثله ثم عرف حاله في ذلك قائلا " إنه كان عاليا من المسرفين " وسيطلع من كتابنا هذا من خدمه حق خدمته على ثمرات محتجبة في أكمام. وأما الحالة التي تقتضي تأكيده فهي إذا كان المراد أن لا يظن بك السامع في حملك ذلك تجوزا أو سهوا أو نسيانا كقولك عرفت أنا وعرفت أنت وعرف زيد أو نفسه أو عينه وربما كان القصد مجرد التقرير كما يطلعك عليه فصل اعتبار التقديم والتأخير مع الفعل أو خلاف الشمول والإحاطة كقولك عرفني الرجلان كلاهما والرجال كلهم ومنه كل رجل عارف وكل إنسان حيوان.
стр. 184
وأما الحالة التي تقتضي بيانه وتفسيره فهي إذا كان المراد زيادة إيضاحه بما يخصه من الاسم كقولك صديقك خالد قدم وقوله علت كلمته " لا تتخذوا الهين اثنين إنما إله واحد " من هذا القبيل شفع الهين باثنين وإله بواحد لأن لفظ إلهين يحتمل معنى الجنسية ومعنى التثنية، وكذا لفظ إله يحتمل الجنسية والوحدة والذي له الكلام مسوق هو العدد في الأول والوحدة في الثاني ففسر إلهين باثنين وإله بواحد بيانا لما هو الأصل في الغرض ومن هذا الباب من وجه قوله تعالى " وما من دابة في الأرض ولا طائر بجناحيه " ذكر في الأرض مع دابة ويطير بجناحيه مع طائر لبيان أن القصد من لفظ دابة ولفظ طائر إنما هو على الجنسين وعلى تقريرهما. وأما الحالة التي تقتضي البدل عنه فهي إذا كان المراد نية تكرير الحكم وذكر المسند إليه بعد توطئة ذكره لزيادة التقرير والإيضاح كقولك سلب زيد ثوبه وجاء القوم أكثرهم وحق عليك الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم في الأنواع الثلاثة من البدل دون الرابع فليتأمل. وأما الحالة التي تقتضي العطف فهي إذا كان المراد تفصيل المسند إليه مع اختصار كقولك جاء زيد وعمرو وخالد أو تفصيل المسند مع اختصار كقولك جاء زيد فعمرو فخالد أو ثم عمرو
стр. 185
ثم خالد أو جاء القوم حتى خالد ولابد في حتى من التدريج كما ينبئ عنه
قول من قال: ول من قال:
وكنت فتى من جند ابليس فارتقى ... بي الحال حتى صار ابليس من جندي
أو كان المراد رد السامع عن الخطأ في الحكم على الصواب كقولك جاءني زيد لا عمرو لمن في اعتقاده أن عمراً جاءك دون زيد أو أنهما جاآك معا وكقولك ما جاءني زيد لكن عمرو لمن في اعتقاده أن جاءك دون عمرو أو كان المراد صرف حكمك عن محكوم له على آخر كقولك جاءني زيد بل عمرو وما جاءني زيد بل عمرو أو كان المراد الشك فيه أو التشكيك كقوله جاءني زيد أو عمرو أو إما زيد وإما عمرو أو كان المراد التفسير كقولك جاءني أخوك: أي زيد على قولي، وفي العطف لا سيما العطف بالواو كلام يأتيك في الفن الرابع إن شاء الله تعالى. وإما الحالة التي تقتضي الفصل فهي إذا كان المراد تخصيصه للمسند بالمسند إليه كقولك زيد هو المنطلق زيد هو أفضل من عمرو أو خير منه هو يذهب. وأما الحالة التي تقتضي تنكيره فهي إذا كان المقام للإفراد شخصا أو نوعا كقولك جاءني رجل: أي فرد من أشخاص الرجال، وقوله تعالى " والله خلق كل دابة من ماء أي من نوع من الماء مختص بتلك الدابة أو من ماء مخصوص وهي النطفة أو كان المقام غير صالح للتعريف إما لأنك لا تعرف منه حقيقة إلا ذلك القدر
стр. 186
وهو أنه رجل أو تتجاهل وترى أنك لا تعرف منه إلا جنسه كما إذا سمعت شيئاً في اعتقادك فاسدا عمن هو مفتر كذاب وأردت أن تظهر لأصحاب لك سواء اعتقادك به قلت هل لكم في حيوان على صورة إنسان يقول كيت وكيت متفاديا أن تقول في فلان فتسميه كأنك لست تعرف منه ولا أصحابك إلا تلك الصورة ولعله عندكم أشهر من الشمس وعليه ما يحكيه جل وعلا عن الكفار في حق النبي ﵊ " هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد " كأن لم يكونوا يعرفون منه إلا أنه رجل ما، وباب التجاهل في البلاغة وعلى سحرها وإن شئت فانظر لفظ كأن في قول الخارجية:؟؟؟ أيا شجر الخابور مالك مورقا كأنك لم تجزع على ابن طريف ماذا ترى أو الاستخبار في قول علام الغيوب " فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم " متضمنا للتوبيخ لهم على تمريضهم ورخاوة عقدهم في الإيمان ناعيا عليهم أن يتوقع من أمثالهم إن تولوا أمور الناس وتأمروا عليهم أن يفسدوا في الأرض ويقطعوا أرحامهم تناحرا في الملك وتهالكا على الدنيا ليهجم بهم التأمل في المتوقع على ما يثمر من أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم لئلا يلبسوا لمن إذا عرض لهم بذلك على سبيل النصيحة جلد النمر وأن لا تنقلب له حماليقهم، وأما لأنه لا طريق لك على تعريف الزائد على هذا القدر لسامعك، وأما لأن في تعيينه مانعا يمنعك، وأما لأنه في شأنه ارتفاعا أو انحطاطا واصل على
стр. 187
حد يوهم أنه لا يمكن أن يعرف فتقول في جميع ذلك عندي رجل أو حضر رجل وقولهم شر أهرذاناب من الاعتبار الأخير وستسمع في مثل هذا التركيب أعني نحو رجل جاء وامرأة حضرت فوائد وكذا قولك في حق من يحقر مقداره في نوع من الأنواع عنده شمة قال تعالى " ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك " ومنه " إن نظن إلا ظنا " وقول ابن أبي السمط:
له حاجب في كل أمر يشينه ... وليس له عن طالب العرف حاجب
منه أيضا انظر إليه كيف تجد الفهم والذوق يقتضيانك كمال ارتفاع شأن حاجب الأول وكمال انحطاط حاجب الثاني. وقال تعالى " وعلى أبصارهم غشاوة " فنكر لتهويل أمرها. وقال " ولكم في القصاص حياة " على معنى ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة لمنعه عما كانوا عليه من قتل الجماعة بواحد متى اقتدروا أو نوع من الحياة وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لمكان العلم بالاقتصاص أو ما ترى إذا هم بالقتل فتذكر الاقتصاص فأورثه أن يرتدع كيف يسلم صاحبه من القتل وهو من القود فيتسبب لحياة نفسين ولمعنى طلب التعظيم والتهويل بالتنكير قال تعالى " فأذنوا بحرب من الله ورسوله " دون أن يقول بحرب الله ورسوله، ولخلاف ذلك قال " وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها
стр. 188
ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر " دون أن يقول ورضوان الله قصدا على إفادة وقدر يسير من رضوانه خير من ذلك كله لأن رضاه سبب كل سعادة وفلاح، وأما قوله " أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن " بالتنكير دون عذاب الرحمن بالإضافة فإما للتهويل وإما بخلافه بمعنى أخاف أن يصيبك نفيان من عذاب الرحمن. وقال " وإن يكذبوك فقد كذبت رسل " المعنى رسل: أي رسل ذو عدد كثير وأولو آيات ونذر وأهل أعمار طوال وأصحاب صبر وعزم وما أشبه ذلك. وأما الحالة التي تقتضي تقديمه على المسند فهي متى كان ذكره أهم. ثم أن كونه أهم يقع باعتبارات مختلفة، إما لأن أصله التقديم ولا مقتضى للعدول عنه وستسمع كلاما في هذا المعنى في آخر الفن الثالث إن شاء الله تعالى، وإما لأنه متضمن للاستفهام كقولك أيهم منطلق وسيقرر في القانون الثاني وإما لأنه الشأن والقصة كقولك هو زيد منطلق وعن قريب تعرف السر في التزام تقدمه وإما لأن في تقديمه تشويقا للسامع على الخبر ليتمكن في ذهنه إذا أورده كما إذا قلت صديقك فلان الفاعل الصانع رجل صدوق وهو إحدى خواص تراكيب الأخبار في باب الذي كما إذا قلت بدل قولك زيد منطلق الذي هو منطلق زيد أو بدل قولك خبر مقدمك سرني الذي هو سرني خبر مقدمك أو الذي خبره سرني مقدمك وهو السبب في التزام تأخير الخبر في هذا الباب وامتناع الأخبار عن ضمير الشأن، والمراد بالأخبار في عرف النحويين في هذا الباب هو أن تعمد على أي اسم
стр. 189
شئت فتزحلقه على العجز وتصير ما عداه صلة للذي إن كانت الجملة اسمية، وأما إن كانت فعلية فله أو للألف واللام بمعناه واضعا مكان المزحلق ضميرا عائدا على الموصول مراعيا في ذلك ما أفادك علم النحو مثل أن ضمير الشأن ملتزم التقديم وأن الضمير لا ينصب مفعولا وأن الحال لا يكون معرفا وأن ربط المعنى بالمعنى إذا كان بسبب عود الضمير فلا بد منه وأنا أضرب لك أمثلة لتتحقق جميع ذلك قل في الأخبار عن ضميرك في أظن الذباب يطير في الجو فيغضب أبا زيد الذي يظن الذباب يطير في الجو فيغضب أبا زيد أنا أو الظان الذباب وعن الذباب الذي أظنه يطير في الجو فيغضب أبا زيد الذباب وعن الجو الذي أظن الذباب يطير فيغضب أبا زيد الجو وعن أبي زيد الذي أظن الذباب يطير في الجو فيغضبه أبو زيد وعن زيد الذي وعن زيد الذي أظن الذباب يطير في الجو فيغضب أباه زيد ولا تخبر في قولك هو إكرامي قادما واجب عن ضمير الشأن لئلا يلزم تأخيره الممتنع ولا عن الإكرام لئلا يلزم أعمال الضمير الذي يقع موقعه في ولا عن قادما لئلا يلزم وقوع الضمير الذي هو معرفة موقع الممتنع عن التعريف وهو الحال ولا عن الضمير في واجب لئلا يلزم من عود الضمير القائم مقامه إذا عاد على الموصول كما يجب ترك ربط الخبر بالمبتدأ، وإما لأن يتقوى استناد الخبر إليه على الظاهر كما ستعرفه في الفن الثالث، وإما لأن اسم المسند إليه يصلح للتفاؤل فتقدمه على السامع لتسره أو تسوءه مثل أن تقول سعيد بن سعيد في دار فلان وسفاك بن الجراح في دار صديقك، وإما لأن كونه متصفا بالخبر يكون هو المطلوب كما إذا قيل لك كيف الزاهد فتقول الزاهد يشرب ويطرب وإما لتوهم أنه لا يزول عن الخاطر وأنه يستلذ فهو على الذكر أقرب، وإما لأن تقديمه ينبئ عن التعظيم والمقام يقتضي ذلك وإما لأنه يفيد زيادة تخصيص كقوله:
متى تهزز بني قطن تجدهم ... سيوفا في عواتقهم سيوف
стр. 190
جلوس في مجالسهم رزان ... وإن ضيف ألم فهم خفوف
والمراد هم خفوف وقوله:
بحسبك في القوم أن يعلموا ... بأنك فيهم غني مضر
مسيخ ملبخ كلحم الخوا ... ر لا أنت حلو ولا أنت مرّ
وأشباه ذلك. وأما الحالة التي تقتضي تأخيره عن المسند فهي إذا اشتمل المسند على وجه من وجوه التقديم كما سترد عليك في الفن الثالث إن شاء الله تعالى. وأما الحالتان المقتضيتان لإطلاق المسند إليه أو تخصيصه حال التنكير فأنت إذا مهرت فما تقدم استغنيت عن التعريف فيهما.
وأما الحالة المقتضية لقصر المسند إليه على المسند فهي أن يكون عند السامع حكم مشوب بصواب وخطأ وأنت تريد تقرير صوابه ونفي خطئه مثل أن يكون عند السامع أن متمول وجواد فتقول له زيد متمول لا جواد ليعرف أن مقصور على التمول لا يتعداه على الجود أو تقول له ما زيد إلا متمول أو إنما زيد متمول وعليه ما يحكي في حق يوسف عن النسوة " ما هذا بشر إن هذا إلا ملك كريم " أي أنه مقصور على الملكية لا يتخطاها على البشرية، وما يحكى عن اليهود في قوله " وإذا قيل لهم لا تفسدوا في
стр. 191
الأرض قالوا إنما نحن مصلحون " أي يقولون نحن مقصورون على الصلاح لا يتأتى منا أمر سواه.
واعلم أن القصر كما يكون للمسند إليه على المسند يكون أيضا للمسند على المسند إليه ثم هو ليس مختصا بهذا البين بل له شيوع وله تفريعات، فالأولى أن نفرد للكلام في ذلك فصلا ونؤخره على تمام التعرض لما سواه في قانوننا هذا ليكون على الوقوف عليه أقرب.
واعلم أن جميع ذلك هو مقتضى الظاهر ثم قد يخرج المسند إليه لا على مقتضى الظاهر فيوضع اسم الإشارة موضع الضمير وذلك إذا كملت العناية بتمييزه إما لأنه اختص بحكم بديع عجيب الشأن كقوله:
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأوهام حائرة ... وصير العالم النحرير زنديقا
وإما لأنه قصد التهكم بالسامع والسخرية منه كما إذا كان فاقد البصر أو لم يكن ثم مشار إليه أصلا أو النداء على كمال بلادته بأنه لا يميز بين المحسوس بالبصر وغيره أو على كمال فطانته وبعد غور إدراكه بأن غير المحسوس بالبصر عنده كالمحسوس عند غيره أو قصد ادعاء أنه ظهر ظهور المحسوس بالبصر كقوله:
تعاللت كي أشجى وما بك علة ... تريدين قتلي قد ظفرت بذلك
وما شا كل ذلك ويوضع المضمر موضع المظهر كقولهم: ابتداء من غير جرى ذكر لفظا أو قرينة حال رب رجلا ونعم رجلا زيد وبئس رجلا عمرو مكان رب رجل ونعم الرجل وبئس الرجل على قول من لا يرى الأصل زيد نعم رجلا وعمرو بئس رجلا
стр. 192
وقولهم هو زيد عالم وهي هند مليحة مكان الشأن زيد عالم والقصة هند مليحة ليتمكن في ذهن السامع ما يعقبه وذلك أن السامع متى لم يفهم من الضمير معنى لقى منتظرا لعقبى الكلام كيف تكون فيتمكن المسموع بعده فضل تمكن في ذهنه وهو السر في التزام تقديمه. قال الله تعالى " قل هو الله أحد " وقال فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب كما يوضع المظهر موضع المضمر إذا أريد تمكين نفسه زيادة تمكين كقوله أن تسألوا الحق نعط الحق سائله وقوله عز قائلا " الله الصمد " بعد قوله " قل هو الله أحد " ونظيره خارج باب المسند إليه " وبالحق أنزلناه وبالحق نزل " وكذا " فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا " وتترك الحكاية على المظهر إذا تعلق به غرض فعل الخلفاء حيث يقولون أمير المؤمنين يرسم لك مكان أنا أرسم وهو إدخال الروعة في ضمير السامع وتربية المهابة أو تقوية داعي المأمور، وعليه قوله تعالى " فإذا عزمت فتوكل على الله " أو فعل المستعطف حيث يقول أسيرك يتضرع إليك مكان أنا أتضرع إليك ليكون أدخل في الاستعطاف وعليه قوله إلهي عبدك العاصي أتا كا
стр. 193
وما جرى مجرى هذا الاعتبار.
واعلم أن هذا النوع: أعني نقل الكلام عن الحكاية على الغيبة لا يختص المسند إليه ولا هذا القدر بل الحكاية والخطاب والغيبة ثلاثتها ينقل كل واحد منها على الآخر ويسمى هذا النقل التفاتا عند علماء علم المعاني والعرب يستنكرون منه ويرون الكلام إذا انتقل من أسلوب على أسلوب أدخل في القبول عند السامع وأحسن تطرية لنشاطه وأملأ باستدرار إصغائه وهم أحرياء بذلك أليس قرى الأضياف سجيتهم ونحر العشار للضيف دأبهم وهجيراهم لا مزقت أيدي الأدوار لهم أديما ولا أباحت لهم حريما أفتراهم يحسنون قرى الأشباح فيخالفون فيه بين لون ولون وطعم وطعم ولا يحسنون قرى الأرواح فلا يخالفون فيه بين أسلوب وأسلوب وإيراد وإيراد فإن الكلام المفيد عند الإنسان لكن بالمعنى لا بالصورة أشهى غذاء لروحه وأطيب قرى لها. قال ربيعة بن مقروم:
بانت سعاد فأمسى القلب معمودا ... وأخلفتك ابنة الحر المواعيدا
فالتفت كما ترى حيث لم يقل وأخلفتني ثم قال:
ما لم ألاق أمراً جزلا مواهبه ... سهل الفناء رحيب الباع محمودا
وقد سمعت بقوم يحمدون فلم ... أسمع بمثلك لا حلما ولا جودا
فالتفت كما ترى حيث لم يقل بمثله وقال:
تذكرت والذكرى تهيجك زينبا ... وأصبح باقي وصلها قد تقضبا
وحل بفلج والأباتر أهلنا ... وشطت فحلت غمرة فمثقبا
فالتفت في البيتين. وقال عوف بن الأحوص:
стр. 194
لهدمت الحياض فكم يغادر ... يحوض من نصائبه إزاء
لخولة إذ هم مغنى وأهلي ... وأهلك ساكنون وهم رياء
فالتفت في الثاني. وقال عبد الله بن غنمة:
ما أن ترى السيد في نفوسهم ... كما تراه بنو كوز ومرهوب
أن تسألوا نعطي الحق سائله ... والدرع محقبة والسيف مقروب
فالتفت في تسألوا. وقال الحرث بن حلزة:
طرق الخيال ولا كليلة مدلج ... سد كا بأرحلنا ولم يتعرج
أني اهتديت لنا وكنت رجيلة ... والقوم قد قطعوا متان السجسج
فالتفت في الثاني. وقال علقمة بن عبدة:
طحا بك قلب الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب
تكلفني ليلى وقد شط وليها ... وعادت عواد بيننا وخطوب
فالتفت في البيتين. وقال أمرؤ القيس:
تطاول ليلك بالأئمد ... ونام الخلي ولم ترقد
وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد
وذلك عن نبأ جاءني ... وخبرته عن أبي الأسود
فالتفت في الأبيات الثلاثة، وأمثال ما ذكر أكثر من أن يضبطها القلم وهذا النوع قد يختص مواقعه بلطائف معان قلما تتضح إلا لأفراد بلغائهم
стр. 195
أو للحذاق المهرة في هذا الفن والعلماء النحارير، ومتى اختص موقعه بشيء من ذلك كساه فضل بهاء ورونق، وأورث السامع زيادة هزة ونشاط، ووجد عنده من القبول أرفع منزلة ومحل إن كان ممن يسمع ويعقل وقليل ما هم أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون، ولأمر ما وقع التباين الخارج عن الحد بين مفسر لكلام رب العزة ومفسر وبين غواص في بحر فرائده وغواص، وكل التفات وارد في القرآن متى صرت من سامعيه عرفك ما موقعه، وإذا أحببت أن تصير من سامعيه فأصخ ثم ليتل عليك قوله تعالى " إياك نعبد وإياك نستعين " فلعلك ممن يشهد له الوجدان بحيث يغنيه عن شهادة ما سواه أليس أن المرء إذا أخذ في استحضار جنايات جان متنقلا فيها عن الإجمال على التفصيل وجد من نفسه تفاوتا في الحال بينا لا يكاد يشبه آخر حاله هناك أولها، أو ما تراك إذا كنت في حديث مع إنسان وقد حضر مجلسكما من له جنايات في حقك كيف تصنع تحول عن الجاني وجهك وتأخذ في الشكاية عنه على صاحبك تثبته الشكوى معددا جناياته واحدة فواحدة وأنت فيما بين ذلك واجد مزاجك يحمى على تزايد يحرك حالة لك غضبية تدعوك على أن تواثب ذلك الجاني وتشافهه بكل سوء وأنت لا تجيب على أن تغلب فتقطع الحديث مع الصاحب ومباثتك إياه وترجع على الجاني مشافها له بالله قل لي هل عامل أحد مثل هذه المعاملة هل يتصور معاملة أسوأ مما فعلت أما كان لك حياء يمنعك أما كانت لك مروءة تردعك عن هذا، وإذا كان الحاضر لمجلسكما ذا نعم عليك كثيرة فإذا أخذت في تعديد نعمه عند صاحبك مستحضرا لتفاصيلها أحسست من نفسك بحالة كأنها تطالبك بالإقبال على منعمك وتزين لك ذلك ولا تزال
стр. 196
تتزايد ما دمت في تعديد نعمه حتى تحملك من حيث لا تدري على أن تجدك وأنت معه في الكلام تثني عليه وتدعو له وتقول بأي لسان أشكر صنائعك الروائع وبأية عبارة أحصر عوارفك الذوارف وما جرى ذلك المجرى، وإذا وعيت ما قصصته عليك وتأملت الالتفات في " إياك نعبد وإياك نستعين " بعد تلاوتك لما قبله من قوله " الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين " على الوجه الذي يجب وهو التأمل القلبي علمت ما موقعه وكيف أصاب المحز وطبق مفصل البلاغة لكونه منبها على أن العبد المنعم عليه بتلك النعم العظام الفائتة للحصر إذا قدر أنه ماثل بين يدي مولاه من حقه إذا أخذ في القراءة أن تكون قراءته على وجه يجد معها من نفسه شبه محرك على الإقبال على من يحمد صائر في أثناء القراءة على حالة شبيهة بإيجاب ذلك عند ختم الصفات مستدعية انطباقها على المنزل على ما هو عليه وإلا لم تكن قارئا، والوجه هو إذا افتتح التحميد أن يكون افتتاحه عن قلب حاضر ونفس ذاكرة يعقل فيم هو وعند من هو، فإذا انتقل من التحميد على الصفات أن يكون انتقاله محذوا به حذو الافتتاح فإنه متى افتتح على الوجه الذي عرفت مجريا على لسانه الحمد لله أفلا يجد محركا للإقبال على من يحمد من معبود عظيم الشأن حقيق بالثناء والشكر مستحق للعبادة، ثم إذا انتقل على نحو الافتتاح على قوله رب العالمين وأصفاله بكونه ربا مالكا للخلق لا يخرج شيء من ملكوته وربوبيته افترى ذلك المحرك لا يقوى، ثم إذا قال الرحمن الرحيم فوصفه بما ينيء عن كونه منعما غلى الخلق بأنواع النعم جلائلها ودقائقها مصيبا إياهم بكل معروف أفلا تتضاعف قوة ذلك المحرك عند هذا، ثم إذا آل الأمر على خاتمة هذه الصفات وهي " مالك يوم الدين " المنادية على كونه مالكا للأمر كله في العاقبة يوم الحشر للثواب والعقاب فما ظنك بذلك المحرك
стр. 197
أيسع ذهنك أن لا يصير على حد يوجب عليك الإقبال على مولى شأن نفسك معه منذ افتتحت التحميد ما تصورت فتستطيع أن لا تقول إياك يا من هذه صفاته نعبد ونستعين لا غيرك فلا ينطبق على المنزل على ما هو عليه، وليس ابن الحجر الكندي يبعد وهو المشهود له في شأن البلاغة والحائز لقصات السبق في درك اللطائف والمفتلذ للأناسي من عيون النكت في افتنانه في الكلام إذا التفت تلك الالتفاتات، وكان يمكنه ألا يلتفت البتة وذلك أن يسوق الكلام على الحكاية في الأبيات الثلاثة فيقول:
تطاول ليلى بالأئمدونام الخلي ولم أرقدوبت وبات لنا ليلة
كقول لبيد:
فوقفت أسألها وكيف سؤالنا
أو أن يلتفت نوعا واحداً فيقول وبت وبات لكم وذلك من نبأ جاءكم وخبرتكم عن أبي الأسود أن يكون حين قصد تهويل الخطب واستفظاعه في النبأ الموجع والخبر المفجع للواقع العات في العضد المحرق للقلب والكبد فعل ذلك منها في التفاته الأول على أن نفسه وقت ورود ذلك النبأ عليها ولهت له الثكلى فأقامها مقام المصاب الذي لا يتسلى بعض التسلي إلا بتفجع الملوك له وتحزنهم عليه وأخذ يخاطبه بتطاول ليلك تسلية أو نبه على أن نفسه لفظاعة شأن النبأ واستشعارها معه كمدا وارتماضا أبدت قلقا لا يقلقه كمد وضجرا لا يضجره مرتمض وكان من حقها أن تتثبت وتتصبر فعل الملوك وجريا على
стр. 198
سننها المسلوك عند طوارق النوائب وبوارق المصائب فحين لم تفعل شككته في أنها نفسه فأقامها مقام مكروب ذي حرق قائلا له تطاول ليلك مسليا وفي التفاته الثاني على أن المتحزن تحزن تحزن صدق ولذلك لا يتفاوت الحال خاطبتك أم لم أخاطبك وفي التفاته الثالث على أن جميع ذلك إنما كان لما خصه ولم يتعداه على من سواه أو نبه في التفاته الأول على أن ذلك النبأ أطار قلبه وأبار لبه وتركه حائرا فما فطن معه لمقتضى الحال من الحكاية فجرى على لسانه ما كان ألفه من الخطاب الدائر في مجاري أمور الكبار أمراً ونهيا والإنسان إذا دهمه ما تحار له العقول وتطير له الألباب وتدهش معه الفطن لا يكاد يسلم كلامه عن أمثال ذلك وفي التفاته الثاني على أنه بعد الصدمة الأولى حين أفاق شيئاً مدركا بعض الإدراك ما وجد النفس معه فبنى الكلام على الغيبة قائلا وبات وباتت له وفي التفاته الثالث على ما سبق أونبه في التفاته الأول على أن نفسه حين لم تتثبت ولم تتبصر غاظه ذلك فأقامها مقام المستحق للعتاب قائلا له على سبيل التوبيخ والتعيير تطاول ليلك وفي الثاني على أن الحامل على الخطاب والعتاب لما كان هو الغيظ والغضب فحين سكت عنه الغضب بالعتاب الأول فإن سورة الغضب بالعتاب تنكسر ولي عنها الوجه وهو يدمدم قائلا وبات وباتت له وفي التفاته الثالث على ما تقدم وإنما ذكرت لك ما ذكرت لنقف على أن الفحول البزل لا يعترفون بالبلاغة لامرئ ولا يقيمون لكلامه وزنا ما لم يعثروا من مطاوى افتناناته على لطائف اعتبارات والتفاضل بين الكلامين قلما يقع إلا بأشباهها.
واعلم أن لطائف الاعتبارات المرفوعة لك في هذا الفن من تلك المطامح النازحة من مقامك لا تثبتها حق إثباتها ما لم تمتر بصيرتك في الاستشراف لما هبا لك أطباء المجهود ولم تختلف في السعي للتنقير عنها وراءك كل حد معهود ماذا بضبعك صدق همة تبطش في متوخاك بباع بسيط أن لا تزل عن مرمى غرضك ولو مقدار فسيط مستظهرا في طماعيتك
стр. 199
أن تستشعرها بنفس لك يقظى وطبع لطيف مع فهم متسارع وخاطر معوان وعقل دراك، وعلماء هذه الطبقة الناظرة بأنوار البصائر المخصوصون بالعناية الإلهية المدللون بما أوتوا من الحكمة وفصل الخطاب على أن كلام رب العزة وهو قرآنه الكريم وفرقانه العظيم لم يكتس تلك الطلاوة ولا استودع تلك الحلاوة وما أغدقت أسافله ولا أثمرت أعاليه وما كان بحيث يعلو ولا يعلى إلا لانصبابه في تلك القواليب ولوروده على تلك الأساليب.
الفن الثالث
للوجه الذي علمت أيها المخصوص بتلاطم أواذي فكره دون أبناء جنسه المستودع في استكشافه عن أسرار البلاغة كمال أنسه النقاب المحدث فلا يحتجب عنه شيء من بدائع النكت في مكانها المستخرج للطائف السحر البياني عن معادنها المستطلع طلع الإعجاز التنزيلي باستغراق طوقه المالك لزمام الحكم كفاء المتحدين بعجيب فهمه وغريب ذوقه فهو الطلبة وماعداه ذرائع إليه وهو المرام وما سواه أسباب للتسلق عليه أن لابد من التصفح لمقتضيات الأحوال في إيراد المسند إليه على تلك الصور والكيفيات تعلم له أيضا أن لابد من التصفح عن الأحوال المقتضية لأنواع التفاوت في المسند من كونه متروكا تارة وغير متروك أخرى ومن كونه مفردا أو جملة وفي إفراده من كونه فعلا نحو قام زيد ويقوم وسيقوم أو اسما منكرا أو معرفا من جملة المعرفات مقيدا كل من ذلك بنوع قيد نحو ضربت يوم الجمعة وزيد رجل عالم وعمرو أخوك الطويل أو غير مقيد، وفي كونه جملة من كونها إسمية أو فعلية أو شرطية أو ظرفية ومن كونه مؤخرا أو مقدما حتى يتهيأ لك أن يتسم لكل مقام بسمته وأن يجري
стр. 200
على حد مقتضاء على أقوم سمته فهو المطارح الذي تران فيه قوى القرائح والمطارد الذي يمتاز فيه الجدع عن القارح. أما الحالة المقتضية لترك المسند فهي متى كان ذكر المسند إليه بحال يعرف منه المسند وتعلق بتركه غرض: إما اتباع الاستعمال كقولهم ضربي قائما وأكثر شربي السويق ملتوتا وأحطب ما يكون الأمير قائما وقولهم. كل رجل وضيعته وقولهم لولا زيد لكان كذا ونحو ذلك، وأما قصد الاختصار والاحتراز عن العبث كما إذا قلت خرجت فإذا زيد أو قلت زيد منطلق وعمرو، وقوله عز من قائل " أفأنبئكم بشر من ذلكم النار " إذا حملته على تقدير النار شر من ذلكم، وأما ضيق المقام مع قصد الاختصار والاحتراز عن العبث كنحو قوله:
قالت وقد رأى اصفراري من به ... وتنهدت فأجبتها المتنهد
إذا حمل على تقدير المتنهد دون هو المتنهد، وستعرف في الحالة المقتضية لكونه اسما معرفا: أي التقديرين أولى وقوله:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف
أي نحن بما عندك راضون، وإما تخيبل أن العقل عند الترك هو معرفة وأن اللفظ عند الذكر هو معرفة من حيث الظاهر وبين المعرفين نون، ولك أن تأخذ من هذا القبيل قوله عز وعلا " والله ورسوله أحق أن يرضوه " وإما أن يخرج ذكره على ما ليس بمراد كما إذا قلت في أزيد عندك أم عمرو أم عندك عمرو فانه يخرج أم عن
стр. 201
كونها متصلة على أنها منقطعة، وإما لاختبار السامع هل يتنبه عند قرائن الأحوال أو ما مقدرا تنبهه عندها، وإما طلب تكثير الفائدة بالمذكور من حمله عليه تارة وحمله على غيره أخرى كقوله " فصبر جميل " وقوله " طاعة معروفة " لحملها تارة على فصبر جميل أجمل وطاعة معروفة أمثل وحملها أخرى على فأمري صبر جميل وطاعتكم طاعة معروفة: أي معروفة بالقول دون الفعل. وأما الحالة المقتضية لذكره فهي أن لا يكون ذكر المسند إليه يفيد المسند بوجه ما من الوجوه كما إذا قلت ابتداء زيد عالم أو أن يكون في ذكر المسند غرض: وهو إما زيادة التقرير أو التعريض بغباوة سامعك أو استلذاذه أو قصد التعجيب من المسند إليه بذكره كما إذا قلت زيد يقاوم الأسد مع دلالة قرائن الأحوال أو تعظيمه أو إهانته أو غير ذلك مما يصلح للقصد إليه في حق المسند إليه إن كان صالحا لذلك أو بسط الكلام بذكره والمقام مقام بسط أو لأن الأصل في الخبر هو أن يذكر كما سبق أمثال ذلك في إثبات المسند إليه أو ليتعين بالذكر كونه اسما كنحو زيد عالم فيستفاد الثبوت صريحا فأصل الاسم صفة أو غير صفة الدلالة على الثبوت أو كونه فعلا كنحو زيد علم فيستفاد التجدد أو ظرفا كنحو زيد في الدار فيورث احتمال الثبوت والتجدد بحسب التقديرين وهما حاصل أو حصل سيأتيك فيه كلام ويصلح لشمول هذه الاعتبارات قولك عند المخالف: الله إلهنا، ومحمد نبينا، والإسلام ديننا، والتوحيد والعدل مذهبنا، والخلفاء الراشدون أئمتنا، والناصر لدين الله خليفتنا، والدعاء له والثناء عليه وظيفتنا.
стр. 202
وأما الحالة المقتضية لإفراد المسند فهي إذا كان فعليا ولم يكن المقصود من نفس التركيب تقوي الحكم وأعني بالمسند الفعلي ما يكون مفهومه محكوما به بالثبوت للمسند إليه أو بالانتفاء عنه كقولك: أبو زيد منطلق والكر من البر بستين وضرب أخو عمرو يشكرك بكر أن تعطه وفي الدار خالد إذ تقديره استقر أو حصل في الدار على أقوى الاحتمالين لتمام الصلة في الظرف كقولك: الذي في الدار أخوك كما يقرره أئمة النحو وتفسير تقوي الحكم يذكر في حال تقديم المسند على المسند إليه. وأما الحالة المقتضية لكونه فعلا في إذا كان المراد تخصيص المسند بأحد الأزمنة على أخصر ما يمكن مع إفادة التجدد كقوله عز وعلا " فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون " أي ويل لهم مما أسلفت أيديهم من كتبة ما لم يكن يحل لهم وويل لهم مما يكسبون بذلك بعد من أخذ الرشا، وقوله - ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون " أي فريقا كذبتموه على التمام وفرغتم من تكذيبه ما بقي منه غير مكذب وفريقا تقتلون ما تيسر لكم قتله على التمام وإنما تبذلون جهدكم أن تتموا قتله فتحوموه حول قتل محمد فأنتم بعد على القتل، وقوله " فسيكفيكهم الله " وقوله " سيقول السفهاء " وقوله " سنستدرجهم " والمراد بالزمان
стр. 203
الماضي ما وجد قبل زمانك الذي أنت فيه وبالمستقبل ما يترقب وجوده وبزمان الحال أجزاء من الطرفين يعقب بعضها بعضا من غير فرط مهلة وتراخ والحاكم في ذلك هو العرف لا غير. وأما الحالة المقتضية لتقييده فهي إذا كان المراد تربية الفائدة كما إذا قيدته بشيء مما يتصل به من نحو المصدر كنحو ضربت ضربا شديدا أو ظرف الزمان كنحو ضربت يوم الجمعة أو ظرف المكان كنحو ضربت أمامك أو السبب الحامل كنحو ضربت تأديبا وفررت جبنا أو المفعول به بدون حرف كنحو ضربت أو بحرف كنحو ضربت بالسوط أو ما ضربت إلا أو المفعول معه كنحو جلست والسارية أو الحال كنحو جاء راكباً أو التمييز كنحو طاب زيد نفسا أو الشرط كنحو يضرب زيد أن ضرب عمرو أو أن ضرب عمرو يضرب زيد أخرت أو قدمت فهذه كلها تقييدات للمسند وتفاصيل يزداد الحكم بها بعدا ولم أذكر الخبر في نحو كان زيد منطلقاً لأن الخبر هناك هو نفس المسند لا تقييد للمسند إنما تقييده هو كان فتأمل وقد ظهر لك من هذا أن الجملة الشرطية جملة خبرية مقيدة بقيد مخصوص محتملة في نفسها للصدق والكذب، واعلم أن للفعل ولما يتصل به من
المسند إليه وغير المسند إليه اعتبارات في الترك والإثبات والإظهار والإضمار والتقديم والتأخير، وله أعني الفعل بتقييده بالقيد الشرطي على الخصوص اعتبارات أيضا يذكر جميع ذلك في آخر هذا الفن في فصل لها على حدة. واما الحالة المقتضية لترك تقييده فهي اذا منع عن تربية الفائدة مانع قريب أو بعيد وأما الحالة المقتضية لكونه اسما فهي إذا لم يكن المراد إفادة التجدد والاختصاص بأحد الأزمنة الثلاثة إفادة الفعل لأغراض تتعلق بذلك. وأما الحالة المقتضية لكونه منكرا، فهي إذا كان الخبر واردا على حكاية المنكر كما إذا أخبر عن رجل في قولك عندي رجل تصديقا لك، فقيل الذي عندك رجل أو كان المسند إليه كقولك: رجل من قبيلة كذا حاضر فإن كون المسند إليه نكرة والمسند معرفة سواء قلنا يمتنع عقلا أو يصح عقلا في كلام العرب وتحقيق الكلام فيه ليس مما يهمنا الآن، وأما ما جاء من نحو قوله: ولا يك موقف منك الوداعا وقوله: يكون مزاجها عسل وماء وبيت الكتاب أظبي كان أمك أم حمار فمحمول على منوال عرضت الناقة على الحوض، وأصل الاستعمال ولا يك موقفا منك الوداع ويكون مزاجها عسل وماء وظبيا كان أمك أم حمارا، ولا تظنن بيت الكتاب خارجا عما نحن فيه ذهابا على أن اسم كان أنما هو الضمير، والضمير معرفة فليس المراد كان أمك إنما المراد ظبي بناء على أن ارتفاعه بالفعل المفسر لا بالابتداء، ولذلك قدرنا الأصل على ما ترى وفي البيت اعتبارات سؤالا وجوابا فلا عليك أن تتأملها وإياك والتبخيت في تخطئة أحد ههنا فيخطئ ابن أخت خالتك وإن هذا النمط مسمى فيما بيننا بالقلب وهي شعبة من الإخراج لا على مقتضى الظاهر ولها شيوع في التراكيب وهي مما يورث الكلام ملاحة ولا يشجع عليها إلا كمال البلاغة تأتي في الكلام وفي الأشعار، وفي التنزيل يقولون عرضت الناقة على الحوض يريدون عرضت الحوض على الناقة. وقال القطامي كما طينت بالفدن السياعا أراد كما طينت الفدن بالسياع، وقال الشماخ: كما عصب العلباء بالعود. وقال خداش: مسند إليه وغير المسند إليه اعتبارات في الترك والإثبات والإظهار والإضمار والتقديم والتأخير، وله أعني الفعل بتقييده بالقيد الشرطي على الخصوص اعتبارات أيضا يذكر جميع ذلك في آخر هذا الفن في فصل لها على حدة. واما الحالة المقتضية لترك تقييده فهي اذا منع عن تربية الفائدة مانع قريب أو بعيد
стр. 204
وأما الحالة المقتضية لكونه اسما فهي إذا لم يكن المراد إفادة التجدد والاختصاص بأحد الأزمنة الثلاثة إفادة الفعل لأغراض تتعلق بذلك. وأما الحالة المقتضية لكونه منكرا، فهي إذا كان الخبر واردا على حكاية المنكر كما إذا أخبر عن رجل في قولك عندي رجل تصديقا لك، فقيل الذي عندك رجل أو كان المسند إليه كقولك: رجل من قبيلة كذا حاضر فإن كون المسند إليه نكرة والمسند معرفة سواء قلنا يمتنع عقلا أو يصح عقلا في كلام العرب وتحقيق الكلام فيه ليس مما يهمنا الآن، وأما ما جاء من نحو قوله: ولا يك موقف منك الوداعا وقوله: يكون مزاجها عسل وماء وبيت الكتاب أظبي كان أمك أم حمار فمحمول على منوال عرضت الناقة على الحوض، وأصل الاستعمال ولا يك موقفا منك الوداع ويكون مزاجها عسل وماء وظبيا كان أمك أم حمارا، ولا تظنن بيت الكتاب خارجا عما نحن فيه ذهابا على أن اسم كان أنما هو الضمير، والضمير معرفة فليس المراد كان أمك إنما المراد ظبي بناء على أن ارتفاعه بالفعل المفسر لا بالابتداء، ولذلك قدرنا الأصل على ما ترى وفي البيت اعتبارات سؤالا وجوابا فلا عليك أن تتأملها وإياك والتبخيت في تخطئة أحد ههنا فيخطئ ابن
стр. 205
أخت خالتك وإن هذا النمط مسمى فيما بيننا بالقلب وهي شعبة من الإخراج لا على مقتضى الظاهر ولها شيوع في التراكيب وهي مما يورث الكلام ملاحة ولا يشجع عليها إلا كمال البلاغة تأتي في الكلام وفي الأشعار، وفي التنزيل يقولون عرضت الناقة على الحوض يريدون عرضت الحوض على الناقة. وقال القطامي كما طينت بالفدن السياعا أراد كما طينت الفدن بالسياع، وقال الشماخ: كما عصب العلباء بالعود. وقال خداش: وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر أراد وتشقى الضياطرة الحمر بالرماح ولك أن لا تحمله على القلب بوساطة استعارة الشقاء لكسرها بالطعان، وقال رؤبة:
ومهمة مغبرة أرجاؤه ... كأن لون أرضه سماؤه
أراد كأن لون سمائه من غبرتها لون أرضه، وقال الآخر يمشي فيقعس أو يكب فيعثر أراد يعثر فيكب وفي التنزيل " وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا " أي جاءها بأسنا فأهلكناها على أحد الوجهين وفيه " اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون " على ما يحمل من ألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم وفيه " ثم دنى فتدلى " يحمل على تدلى فدنى أو كان المسند إليه معرفة لكن المراد بالمسند وصف غير معهود
стр. 206
ولا مقصود الانحصار بالمسند إليه كما تقول زيد كاتب وعمرو شاعر، وإذا تكلمنا في تعريف المسند باللام اتضح عندك ما ذكرنا أو كان ينبئ عما تقدم في تنكير المسند إليه من ارتفاع الشأن أو انحطاطه كما قال تعالى " هدى للمتقين " مريدا بتنكيره أنه هدى لا يكتبه كنهه وكما قال " إن زلزلة الساعة شيء عظيم " وأما الحالة المقتضية للتخصيص إما بالإضافة كقولك: زيد ضارب غلام أو بالوصف كقولك: زيد رجل عالم فهي إذا كان المراد كون الفائدة أتم لما عرفت في فصل تعريف المسند إليه. وأما الحالة المقتضية لترك التخصيص فظاهرة إن كان ما سبق على ذكر منك. وأما الحالة المقتضية لكونه اسما معرفا فهي إذا كان عند السامع متشخصا بإحدى طرق التعريف معلوما له وكأني بك أسمعك تقول فالمسند إذا كان متشخصا عند السامع معلوما له استلزم لا محالة كون المسند إليه معلوما له أيضا لما قدمتم أنتم، وإذا كانا معلومين عنده فماذا يستفيد فإنا نقول يستفيد إما لازم الحكم كما ترى في قولك لمن أثنى عليك بالغيب الذي أثنى علي بالغيب أنت معرفا لأنك عالم بذلك أو الحكم كما ترى في قولك لمن تعرف أن له أخا ويعرف إنسانا يسمى أو يعرفه بحفظ التوراة أو تراه بين يديه لكن لا يعرف أن ذلك الإنسان
стр. 207
هو أخوه إذا قلت له أخوك زيد أو أخوك الذي يحفظ التوراة أو أخوك هذا فقدمت الأخ أو إذا قلت زيد أخوك أو الذي يحفظ التوراة أخوك أو هذا أخوك فأخرت الأخ معرفا له في جميع ذلك أن أحدهما الآخر، ولا تقدم فيما نحن فيه ما تقدم بسلامة الأمير، لكن إذا أثنى عليك بالغيب إنسان وعلم أن الثناء نقل إليك وأنت تتصوره كالمستخبر عن حالك هل تعلم أن ذلك المثنى عليك هو، وهل تحكم على ذلك المثنى به فتقول الذي أثنى علي بالغيب أنت فنأتي بالحكم على الوجه المتصور، أو كان أثنى عليك هو وغيره وعلم أن ثناءهما نقل إليك وأنت تتصوره كالطالب إن تبين له كيف حكمك عليه وعلى ذلك الآخر فتقول له: الذي أثنى علي بالغيب فتأتي بالحكم على ما تتصوره وتفيده أنك إنما اعتبرت ثناءه دون ثناء غيره، وإذا قلت أنت الذي أثنى علي بالغيب قلته إذا كان أثنى عليك ونقل إليك الثناء بمحضره ومحضر غيره فتصورته كالطالب أن يتبين له كيف حكمك عليه فأتيت بالحكم على الوجه المطلوب، وإذا قلت أخوك زيد قلته لمن يعتقد أخا لنفسه لكن لا يعرفه على التعيين فيتصوره طالبا منك الحكم على أخيه بالتعيين، وإذا قلت زيد أخوك قلته لمن يعلم وهو كالطالب أن يعرف حكماً له وأنه معتقد أن له أخا لكن لا يعلمه على التعيين، وكذلك إذا قلت أخوك الذي يحفظ التوراة أو الذي يحفظ التوراة أخوك أو أخوك هذا أو هذا أخوك، وإذا قلت زيد المنطلق قلته لمن يطلب أن يعرف حكماً لزيد، إما باعتبار تعريف العهد إن كان المنطلق عنده معهودا، وإما باعتبار تعريف الحقيقة واستغراقها، وإذا قلت المنطلق زيد قلته للمتشخص في ذهنه المنطلق بأحد الاعتبارين وهو طالب لتعيينه في الخارج.
وإذا تأملت ما تلوته عليك أعثرك على معنى قول النحويين ﵏ لا يجوز تقديم الخبر على المبتدأ إذا كانا معرفتين معا بل أيهما قدمت فهو المبتدأ، وما قد يسبق على بعض الخواطر من، أن، المنطلق دال على معنى نسبي فهو في نفسه متعين للخبرية وأن دال على الذات فهو متعين للمبدئية
стр. 208
تقدم أم تأخر فلا معرج عليه فإن المنطلق لا يجعل مبتدأ إلا بمعنى الشخص الذي له الانطلاق وأنه بهذا المعنى لا يجب كونه خبرا وأن لا يوقع خبرا إلا بمعنى صاحب اسم زيد ويكون المراد من قولنا المنطلق زيد الشخص الذي له الانطلاق صاحب اسم زيد. وأما ما قد يقع من نحو قوله ثم وإن لم أنم كرى كراكا ونحو قوله لعاب الأفاعي القاتلات لعابه مما لا يستقيم معناه إلا بالتقديم والتأخير فحقه الحمل على القلب المتقدم ذكره فاعرفه. واعلم أن القول بتعريف الحقيقة باللام واستغراقها مشكل إذا قلنا بتعريف الحقيقة القصد إليها وتمييزها من حيث هي هي لزم أن يكون أسماء الأجناس معارف فإنها موضوعة لذلك وأنه قول لم يقل به أحد، ولئن التزمه ملتزم ليكذبن في امتناع نحو رجع رجعي السريعة والبطيئة وذكر ذكرى الحسنة أو القبيحة وإنما لم أقل رجوعا السريع وذكرا الحسن قصراً للمسافة في التجنب عن حديث التنوين ما هي ولئن ذهبت على أن في نحو رجل وفرس وثور اعتبار الفردية فليس فيها القصد على الحقيقة من حيث هي هي ليلزمنك المصادر من نحو ضرب وقتل وقيام وقعود ورجعي وذكرى فليس فيها ذلك بالإجماع ولزم أن يكون اللام في الرجل أو نحو الضرب لتأكيد تعريف الحقيقة إذا لم يقصد العهد وأنه قول ما قال به أحد، وإذا قلنا المراد بتعريف الحقيقة القصد إليها حال حضورها أو تقدير حضورها لم يمتر عن تعريف العهد الوارد بالتحقيق أو بالتقدير لأن تعريف العهد ليس شيئاً غير القصد على الحاضر في الذهن حقيقة أو
стр. 209
مجازا كقولك جاءني فقال الرجل كذا، وقولك انطلق رجل على موضع كذا والمنطلق ذو جد. قال تعالى " وليس الذكر كالأنثى " أي ليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها، وإذا قلنا المراد بتعريف الحقيقة هو الاستغراق لزم في اللام كونها موضوعة لغير التعريف إذا تأملت ولزم مع ذلك أن يكون الجمع بينها وبين لفظ المفرد جمعا بين المتنافيين وإن صبر في الجمع بينهما على نحو الجمع بين المفرد وبين الواو والنون في نحو المسلمون امتنع لوجوه كثيرة لا تخفى على متقني أنواع الأدب: أوتاها وجوب نحو الرجل الطوال والفرس الدهم أو صحته لا أقل على الاطراد، وكل ذلك على ما نرى فاسد، والأقرب بناء على قول بعض أئمة أصول الفقه بأن اللام موضوعة لتعريف العهد لا غير، هو أن يقال المراد بتعريف الحقيقة أحد قسمي التعريف، وهو تنزيلها منزلة المعهود بوجه من الوجوه الخطابية: إما لأن ذلك الشيء محتاج إليه على طريق التحقيق فهو لذلك حاضر في الذهن فكأنه معهود، أو على طريق التهكم، وستعرف معنى هذا في علم البيان، وإما لأنه عظيم الخطر معقود به الهمم على أحد الطريقين فيبنى على ذلك أنه قلما ينسى فهو لذلك بمنزلة المعهود الحاضر، وإما لأنه لا يغيب عن الحس على أحد الطريقين فيبنى على ذلك حضوره وينزل منزلة المعهود، وإما لأنه جار على الألسن كثير الدور في الكلام على أحد الطريقين فيقام لذلك مقام المعهود، وإما لأن أسبابا في شأنه متآخذة أو غير ذلك مما يجري مجرى هذه الاعتبارات فيقام الحقيقة لذلك مقام المعهود ويقصد إليها بلام التعريف. ثم إن الحقيقة لكونها من حيث هي هي لا متعددة لتحققها مع التوحد ولا لا متعددة لتحققها مع التكثر وإن كانت لا تنفك في الوجود عن أحدهما صالحة للتوحد والتكثر فيكون الحكم استغراقا أو غير استغراق على مقتضى المقام، فإذا كان خطابيا مثل المؤمن غر كريم، والمنافق خب لئيم
стр. 210
حمل المعرف باللام مفردا كان أو جمعا على الاستغراق بعلة إيهام أن القصد على فرد دون آخر مع تحقق الحقيقة فيهما يعود على ترجيح أحد المتساويين، وإذا كان استدلاليا حمل على أقل ما يحتمل، وهو الواحد في المفرد والعدد الزائد على الاثنين بواحد في الجمع فلا يوجب في مثل حصل الدرهم إلا واحد، وفي مثل حصل الدراهم إلا ثلاثة، وستقف على هذا في نوع الاستدلال إذا انتهينا إليه بإذن الله تعالى، ومبنى كلامي هذا على أن الاثنين ليسا بجمع فأن عد العالم الواقف على هاتيك الصناعة بسوابقها
ولواحقها للاثنين جمعا غير مرتضى منه. وههنا دقيقة وهي أن الاستغراق نوعان: عرفي، وغير عرفي فلا بد من رعاية ذلك، فالعرفي نحو قولنا جمع الأمير الصاغة أي جمع صاغه بلده أو أطراف مملكته فحسب لا صاغه الدنيا وغير العرفي نحو قولنا الله غفار الذنوب أي كلها، واستغراق المفرد يكون أشمل من استغراق الجمع ويتبين ذلك بأن ليس يصدق لا رجل في الدار في نفي الجنس إذا كان فيها رجل أو رجلان ويصدق لا رجال في الدار ومن هذا يعرف لطف ما يحكيه تعالى عن زكريا ﵇ رب إني وهن العظم مني دون وهن العظام حيث توصل باختصار اللفظ على الإطناب في معناه، وإذا عرفت هذا فنقول متى قلنا زيد المنطلق زيد في المقام الخطابي لزم أن لا يكون غير زيد منطلقاً ولذلك ينهى أن يقال زيد المنطلق وعمرو بالواو ولا ينهى أن يقال زيد المنطلق لا عمرو بحرف لا ثم إذا كان الأمر في نفسه كذلك كما إذا قلت الله العالم الذات حمل على الانحصار حقيقة وإلا كما في قولك حاتم الجواد وخالد الشجاع، وقوله عز وعلا " ألم ذلك الكتاب " حمل على الانحصار
стр. 211
مبالغة وتنزيلا لجود غير حاتم وشجاعة غير خالد وكون غير القرآن كتابا منزلة العدم لجهات اعتبارية. وأما الحالة المقتضية لكونه جملة فهي إذا أريد تقوى الحكم بنفس التركيب كقوله أنا عرفت وأنت عرفت وهو عرف أو زيد عرف كما سيأتيك تقرير هذا المعنى، وقولك بكر يشكرك أن تعطه أو بكر إن تعطه يشكر لما عرفت أن الجملة الشرطية ليست إلا جملة خبرية مقيدة بقيد مخصوص وكقولك خالد في الدار أو إذا كان المسند سببا وهو أن يكون مفهومه مع الحكم عليه بالثبوت لما هو مبني عليه أو بالانتفاء عنه مطلوب التعليق بغير ما هو مبني عليه تعليق إثبات له بنوع ما أو نفي عنه بنوع ما كقولك زيد أبوه انطلق أو منطلق والبر والكر منه بستين أو يكون المسند فعلا يستدعي الاستناد على ما بعده بالإثبات أو بالنفي فيطلب تعليقه على ما قبله بنوع إثبات أو نفي لكون ما بعده بسبب مما قبله نحو عمرو ضرب أخوه لا شيئاً متصلا بالفعل نحو زيد ضارب أخوه أو مضروب أو كريم لسر نطلعك عليه وما ذكرت ذلك إذا تحققت مضمونه أعثرك على وجه حكم النحويين لا بد في الجملة الواقعة خبرا من ذكر يرجع على المسند إليه لفظا أو تقديرا وأعثرك على أن الجملة بعد ضمير الشأن في نحو هو زيد منطلق أو أنه زيد منطلق مستثناة عن هذا الحكم لكونها نفس المخبر عنه وأعثرك على وجه نيابة تعريف الجنس عن الضمير في نعم الرجل زيد على قول من يرى المخصوص مبتدأ ونعم الرجل خبره ونيابة العموم عنه في مثل أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنا لا نضيع أجر من أحسن عملا.
стр. 212
وأما الحالة المقتضية لكون الجملة فعلية فهي إذا كان المراد التجدد كقولك زيد انطلق أو ينطلق فالفعل موضوع لإفادة التجدد ودخول الزمان الذي من شأنه التغير في مفهومه مؤذن بذلك. وأما الحالة المقتضية لكونها اسمية فهي إذا كان المراد خلاف التجدد والتغير كقولك زيد أبوه منطلق فالاسم إن دل على التجدد لم يدل عليه إلا بالعرض وما تسمع من تفاوت الجملتين الفعلية والاسمية تجددا وثبوتا هو يطلعك على أنه حين ادعى المنافقون الإيمان بقولهم آمنا بالله وباليوم الآخر جائين به جملة فعلية على معنى أحدثنا الدخول في الإيمان وأعرضنا عن الكفر ليروج ذلك عنهم كيف طبق المفصل في رد دعواهم الكاذبة قوله تعالى " وما هم بمؤمنين " حيث جئ به جملة أسمية ومع الباء، وعلى تفاوت كلام المنافقين مع المؤمنين ومع شياطينهم فيما يحكيه جل وعلا عنهم وهو وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا " آمنا وإذا خلوا على شياطينهم قالوا إنا معكم " تفاوتا على جملة فعلية وهي آمنا وعلى إسمية، ومع أن وهي إنا معكم كيف أصاب شاكلة الرمى، وعلى ان ابراهيم حين أجاب الملائكة عن قولهم له سلاما بالنصب بقوله لهم سلام بالرفع كيف كان عاملا بالذي يتلى عليك في القرآن المجيد من قوله وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها. وأما الحالة المقتضية لكونها ظرفية فهي إذا كان المراد اختصار الفعلية كقولك زيد في الدار بدل استقر فيها أو حصل فيها على أقوى
стр. 213
الاحتمالين على ما تقدم ويظهر لك من هذا أن مرجع الجمل الأربع على ثنيتين اسمية وفعلية. وأما الحالة المقتضية لتأخير المسند فهي إذا ذكر المسند وما الحالة المقتضية لكونها شرطية فستقف عليها في موضع إليه
أهم كما مضى في فن المسند إليه وإياك أن تظن بكون الحكم على المسند إليه مطلوبا استيجاب صدر الكلام له فليس هو هناك فلا تغفل. وأما الحالة المقتضية لتقديمه فهي ان يكون متضمنا للاستفهام كنحو كيف زيد وأين عمرو ومتى الجواب والقانون الثاني موضع تقريره أو أن يكون المراد تخصيصه بالمسند إليه كقوله عزّ وعلا " لكم دينكم ولي دين " وقولك لمن يقول زيد إما قائم. وإما قاعد فيردده بين القيام والقعود من غير أن يخصصه بأحدهما قائم هو، وقولهم تميمي أنا وارد على هذا وسيأتيك في هذا المعنى في فصل القصر كلام، أو أن يكون المراد التنبيه على أنه خبر لا نعت كقولها تحت رأسي سرج وعلى أبيه درع. كما مضى في فن المسند إليه وإياك أن تظن بكون الحكم على المسند إليه مطلوبا استيجاب صدر الكلام له فليس هو هناك فلا تغفل. وأما الحالة المقتضية لتقديمه فهي ان يكون متضمنا للاستفهام كنحو كيف زيد وأين عمرو ومتى الجواب والقانون الثاني موضع تقريره أو أن يكون المراد تخصيصه بالمسند إليه كقوله عزّ وعلا " لكم دينكم ولي دين " وقولك لمن يقول زيد إما قائم. وإما قاعد فيردده بين القيام والقعود من غير أن يخصصه بأحدهما قائم هو، وقولهم تميمي أنا وارد على هذا وسيأتيك في هذا المعنى في فصل القصر كلام، أو أن يكون المراد التنبيه على أنه خبر لا نعت كقولها تحت رأسي سرج وعلى أبيه درع.
وقوله:
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر
وقوله:
لها حلق ضيق لوان وضينه ... فؤادك لم يخطر بقلبك هاجس
وقوله:
لكل جديد لذة غير أنني ... وجدت جديد الموت غير لذيذ
стр. 214
وقوله:
عند الملوك مضرة ومنافع ... وأرى البرامك لا تضر وتنفع
وقولها:
أغر أبلج يأنم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
وقوله تعالى " ولكم في الأرض مستقر ومتاع على حين " وما شاكل ذلك فأن النعت لا يقدم على النعوت ولذلك يقال جاءني راكباً رجل وإنما يصار على هذا التنبيه لأن الظرف بتأخره عن المنكر يكون بالحمل على الوصف أولى منه بالحمل على الخبر لأمرين يتعاضدان في ذلك استدعاء المنكر في مقام الابتداء أن يوصف ليتقوى بذلك فائدة الحكم كما سبق في الفن الثاني وصلاحية الظرف أن يكون من صفاته ولذلك لا يجب تقديم الظرف على المنكر إذا كان موصوفا قال الله تعالى " وأجل مسمى عنده " وإن هذا التقديم ملتزم مع مبتدأ غير مصدر أما مع المصدر كنحو سلام عليك وويل لك فلا فرق بين ظرف له حق في التأخير عن مبتدئه ذلك قبل صيرورته مبتدأ وذلك قولك سلاما عليك بالنصب منزلا أسلم عليك مفيدا التجدد لذلك وبين ظرف ليس له ذلك أو أن يكون قلب السامع معقودا به كقولك قد هلك خصمك لمن يتوقع ذلك أو لأنه صالح للتفاؤل أو لأنه أهم عند القائل كما قلت عليه من الرحمن ما يستحقه أو كقوله.
سلام الله يا مطر عليها ... وليس عليك يا مطر السلام
وقوله:
وليس بمغن في المودة شافع ... إذا لم يمن بين الضلوع شفيع
стр. 215
أو أن يكون المراد بتقديمه نوع تشويق على ذكر المسند كقوله:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو اسحق والقمر
وقوله:
وكالنار الحياة فمن رماد ... أواخرها وأولها دخان
وحق هذا الاعتبار تطويل الكلام في المسند وإلا لم يحسن ذلك الحسن، أو يكون المراد بالجملة إفادة التجدد دون الثبوت فيجعل المسند فعلا ويقدم ألبتة على ما يسند إليه في الدرجة الأولى وقولي في الدرجة الأولى احتراز عن نحو أنا عرفت وأنت عرفت وزيد عرف، فإن الفعل فيه يستند على ما بعده من الضمير ابتداء ثم بوساطة عود ذلك الضمير على ما قبله يستند إليه في الدرجة الثانية وإذا سلكت هذه الطريقة سلكت باعتبارين مختلفين أحدهما أن يجري الكلام على الظاهر وهو أن أنا مبتدأ وعرفت خبره، وكذلك أنت عرفت وهو عرف ولا يقدر تقديم وتأخير كما إذا قلنا زيد عارف أو زيد عرف اللهم إلا في التلفظ. وثانيهما أن يقدر أصل النظم عرفت أنا وعرفت أنت وعرف هو، ثم يقال قدم أنا وأنت وهو فنظم الكلام بالاعتبار الأول لا يفيد إلا تقوي الحكم وسبب تقويه هو أن المبتدأ لكونه مبتدأ يستدعي أن يسند إليه شيء فإذا جاء بعده ما يصلح أن يستند إليه صرفه المبتدأ على نفسه فينعقد بينهما حكم سواء كان خاليا عن ضمير المبتدأ نحو غلامك أو كان متضمنا له نحو أنا عرفت وأنت عرفت وهو عرف أو زيد عرف، ثم إذا كان متضمنا لضميره صرفه ذلك الضمير على المبتدأ ثانيا فيكتسي الحكم قوة، فإذا قلت هو يعطى الجزيل كان المرد تحقيق إعطائه الجزيل عند السامع دون تخصيص إعطاء الجزيل به وعليه قوله عز وعلا
следующие страницы →