Полный текст (593 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
مبالغة وتنزيلا لجود غير حاتم وشجاعة غير خالد وكون غير القرآن كتابا منزلة العدم لجهات اعتبارية. وأما الحالة المقتضية لكونه جملة فهي إذا أريد تقوى الحكم بنفس التركيب كقوله أنا عرفت وأنت عرفت وهو عرف أو زيد عرف كما سيأتيك تقرير هذا المعنى، وقولك بكر يشكرك أن تعطه أو بكر إن تعطه يشكر لما عرفت أن الجملة الشرطية ليست إلا جملة خبرية مقيدة بقيد مخصوص وكقولك خالد في الدار أو إذا كان المسند سببا وهو أن يكون مفهومه مع الحكم عليه بالثبوت لما هو مبني عليه أو بالانتفاء عنه مطلوب التعليق بغير ما هو مبني عليه تعليق إثبات له بنوع ما أو نفي عنه بنوع ما كقولك زيد أبوه انطلق أو منطلق والبر والكر منه بستين أو يكون المسند فعلا يستدعي الاستناد على ما بعده بالإثبات أو بالنفي فيطلب تعليقه على ما قبله بنوع إثبات أو نفي لكون ما بعده بسبب مما قبله نحو عمرو ضرب أخوه لا شيئاً متصلا بالفعل نحو زيد ضارب أخوه أو مضروب أو كريم لسر نطلعك عليه وما ذكرت ذلك إذا تحققت مضمونه أعثرك على وجه حكم النحويين لا بد في الجملة الواقعة خبرا من ذكر يرجع على المسند إليه لفظا أو تقديرا وأعثرك على أن الجملة بعد ضمير الشأن في نحو هو زيد منطلق أو أنه زيد منطلق مستثناة عن هذا الحكم لكونها نفس المخبر عنه وأعثرك على وجه نيابة تعريف الجنس عن الضمير في نعم الرجل زيد على قول من يرى المخصوص مبتدأ ونعم الرجل خبره ونيابة العموم عنه في مثل أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنا لا نضيع أجر من أحسن عملا.
стр. 212
وأما الحالة المقتضية لكون الجملة فعلية فهي إذا كان المراد التجدد كقولك زيد انطلق أو ينطلق فالفعل موضوع لإفادة التجدد ودخول الزمان الذي من شأنه التغير في مفهومه مؤذن بذلك. وأما الحالة المقتضية لكونها اسمية فهي إذا كان المراد خلاف التجدد والتغير كقولك زيد أبوه منطلق فالاسم إن دل على التجدد لم يدل عليه إلا بالعرض وما تسمع من تفاوت الجملتين الفعلية والاسمية تجددا وثبوتا هو يطلعك على أنه حين ادعى المنافقون الإيمان بقولهم آمنا بالله وباليوم الآخر جائين به جملة فعلية على معنى أحدثنا الدخول في الإيمان وأعرضنا عن الكفر ليروج ذلك عنهم كيف طبق المفصل في رد دعواهم الكاذبة قوله تعالى " وما هم بمؤمنين " حيث جئ به جملة أسمية ومع الباء، وعلى تفاوت كلام المنافقين مع المؤمنين ومع شياطينهم فيما يحكيه جل وعلا عنهم وهو وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا " آمنا وإذا خلوا على شياطينهم قالوا إنا معكم " تفاوتا على جملة فعلية وهي آمنا وعلى إسمية، ومع أن وهي إنا معكم كيف أصاب شاكلة الرمى، وعلى ان ابراهيم حين أجاب الملائكة عن قولهم له سلاما بالنصب بقوله لهم سلام بالرفع كيف كان عاملا بالذي يتلى عليك في القرآن المجيد من قوله وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها. وأما الحالة المقتضية لكونها ظرفية فهي إذا كان المراد اختصار الفعلية كقولك زيد في الدار بدل استقر فيها أو حصل فيها على أقوى
стр. 213
الاحتمالين على ما تقدم ويظهر لك من هذا أن مرجع الجمل الأربع على ثنيتين اسمية وفعلية. وأما الحالة المقتضية لتأخير المسند فهي إذا ذكر المسند وما الحالة المقتضية لكونها شرطية فستقف عليها في موضع إليه
أهم كما مضى في فن المسند إليه وإياك أن تظن بكون الحكم على المسند إليه مطلوبا استيجاب صدر الكلام له فليس هو هناك فلا تغفل. وأما الحالة المقتضية لتقديمه فهي ان يكون متضمنا للاستفهام كنحو كيف زيد وأين عمرو ومتى الجواب والقانون الثاني موضع تقريره أو أن يكون المراد تخصيصه بالمسند إليه كقوله عزّ وعلا " لكم دينكم ولي دين " وقولك لمن يقول زيد إما قائم. وإما قاعد فيردده بين القيام والقعود من غير أن يخصصه بأحدهما قائم هو، وقولهم تميمي أنا وارد على هذا وسيأتيك في هذا المعنى في فصل القصر كلام، أو أن يكون المراد التنبيه على أنه خبر لا نعت كقولها تحت رأسي سرج وعلى أبيه درع. كما مضى في فن المسند إليه وإياك أن تظن بكون الحكم على المسند إليه مطلوبا استيجاب صدر الكلام له فليس هو هناك فلا تغفل. وأما الحالة المقتضية لتقديمه فهي ان يكون متضمنا للاستفهام كنحو كيف زيد وأين عمرو ومتى الجواب والقانون الثاني موضع تقريره أو أن يكون المراد تخصيصه بالمسند إليه كقوله عزّ وعلا " لكم دينكم ولي دين " وقولك لمن يقول زيد إما قائم. وإما قاعد فيردده بين القيام والقعود من غير أن يخصصه بأحدهما قائم هو، وقولهم تميمي أنا وارد على هذا وسيأتيك في هذا المعنى في فصل القصر كلام، أو أن يكون المراد التنبيه على أنه خبر لا نعت كقولها تحت رأسي سرج وعلى أبيه درع.
وقوله:
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر
وقوله:
لها حلق ضيق لوان وضينه ... فؤادك لم يخطر بقلبك هاجس
وقوله:
لكل جديد لذة غير أنني ... وجدت جديد الموت غير لذيذ
стр. 214
وقوله:
عند الملوك مضرة ومنافع ... وأرى البرامك لا تضر وتنفع
وقولها:
أغر أبلج يأنم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
وقوله تعالى " ولكم في الأرض مستقر ومتاع على حين " وما شاكل ذلك فأن النعت لا يقدم على النعوت ولذلك يقال جاءني راكباً رجل وإنما يصار على هذا التنبيه لأن الظرف بتأخره عن المنكر يكون بالحمل على الوصف أولى منه بالحمل على الخبر لأمرين يتعاضدان في ذلك استدعاء المنكر في مقام الابتداء أن يوصف ليتقوى بذلك فائدة الحكم كما سبق في الفن الثاني وصلاحية الظرف أن يكون من صفاته ولذلك لا يجب تقديم الظرف على المنكر إذا كان موصوفا قال الله تعالى " وأجل مسمى عنده " وإن هذا التقديم ملتزم مع مبتدأ غير مصدر أما مع المصدر كنحو سلام عليك وويل لك فلا فرق بين ظرف له حق في التأخير عن مبتدئه ذلك قبل صيرورته مبتدأ وذلك قولك سلاما عليك بالنصب منزلا أسلم عليك مفيدا التجدد لذلك وبين ظرف ليس له ذلك أو أن يكون قلب السامع معقودا به كقولك قد هلك خصمك لمن يتوقع ذلك أو لأنه صالح للتفاؤل أو لأنه أهم عند القائل كما قلت عليه من الرحمن ما يستحقه أو كقوله.
سلام الله يا مطر عليها ... وليس عليك يا مطر السلام
وقوله:
وليس بمغن في المودة شافع ... إذا لم يمن بين الضلوع شفيع
стр. 215
أو أن يكون المراد بتقديمه نوع تشويق على ذكر المسند كقوله:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو اسحق والقمر
وقوله:
وكالنار الحياة فمن رماد ... أواخرها وأولها دخان
وحق هذا الاعتبار تطويل الكلام في المسند وإلا لم يحسن ذلك الحسن، أو يكون المراد بالجملة إفادة التجدد دون الثبوت فيجعل المسند فعلا ويقدم ألبتة على ما يسند إليه في الدرجة الأولى وقولي في الدرجة الأولى احتراز عن نحو أنا عرفت وأنت عرفت وزيد عرف، فإن الفعل فيه يستند على ما بعده من الضمير ابتداء ثم بوساطة عود ذلك الضمير على ما قبله يستند إليه في الدرجة الثانية وإذا سلكت هذه الطريقة سلكت باعتبارين مختلفين أحدهما أن يجري الكلام على الظاهر وهو أن أنا مبتدأ وعرفت خبره، وكذلك أنت عرفت وهو عرف ولا يقدر تقديم وتأخير كما إذا قلنا زيد عارف أو زيد عرف اللهم إلا في التلفظ. وثانيهما أن يقدر أصل النظم عرفت أنا وعرفت أنت وعرف هو، ثم يقال قدم أنا وأنت وهو فنظم الكلام بالاعتبار الأول لا يفيد إلا تقوي الحكم وسبب تقويه هو أن المبتدأ لكونه مبتدأ يستدعي أن يسند إليه شيء فإذا جاء بعده ما يصلح أن يستند إليه صرفه المبتدأ على نفسه فينعقد بينهما حكم سواء كان خاليا عن ضمير المبتدأ نحو غلامك أو كان متضمنا له نحو أنا عرفت وأنت عرفت وهو عرف أو زيد عرف، ثم إذا كان متضمنا لضميره صرفه ذلك الضمير على المبتدأ ثانيا فيكتسي الحكم قوة، فإذا قلت هو يعطى الجزيل كان المرد تحقيق إعطائه الجزيل عند السامع دون تخصيص إعطاء الجزيل به وعليه قوله عز وعلا
стр. 216
" واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون " ليس المراد أن شيئاً سواهم لا يخلق إنما المراد تحقيق أنهم يخلقون وقوله " إن ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين " وقوله وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون وقوله " وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به " وكذلك إذا قلت أنت لا تكذب كان أقوى للحكم بنفي الكذب عن المخاطب من قولك لا تكذب من غير شبهة ومن قولك لا تكذب أنت فإن أنت هنا لتأكيد المحكوم عليه بنفي الكذب عنه بأنه هو لا غيره لا لتأكيد الحكم فتدبر وعليه قوله تعالى " والذين هم بربهم لا يشركون " وقوله لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون " وقوله " فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون " وقوله " إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون " ويقرب من قبيل أنا عرفت وأنت عرفت وهو عرف في اعتبار تقوى الحكم زيد عارف، وإنما قلت يقرب دون أن أقول نظيره، لأنه لما لم يتفاوت في الحكاية والخطاب والغيبة في أنا عارف وأنت عارف وهو عارف أشبه الخالي عن الضمير ولذلك لم يحكم على عارف بأنه جملة ولا عومل معاملتها في البناء حيث أعرب في نحو رجل عارف رجلا عارفا رجل عارف كما عرف في النحو وأتبعه في حكم الأفراد نحو زيد عارف أبوه وبالاعتبار الثاني يفيد التخصيص. قال تعالى " ومن أهل
стр. 217
المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم " المراد لا يعلمهم إلا الله ولا يطلع على أسرارهم غيره لإبطانهم الكفر في سويداوات قلوبهم، وسيأتيك بيانه في فصل التقديم والتأخير ونظير قولنا أنا عرفت في اعتبار الابتداء لكن على سبيل القطع قولك زيد عرفت أو عرفته وفي اعتبار التقديم عرفت، الرفع يفيد تحقيق أنك عرفت والنصب يفيد أنك خصصت بالعرفان، وأما عرفته فأنت بالخيار إن شئت قدرت المفسر قبل المنصوب على نحو عرفت عرفته وحملته على باب التأكيد وإن شئت قدرته بعده على نحو عرفت عرفته وحملته على باب التخصيص، وأما نحو قوله " وأما ثمود فهديناهم " فيمن قرأ بالنصب فليس إلا التخصيص لامتناع أما فهدينا ثمود وأما نحو زيد عرف ورجل عرف فليسا من قبيل هو عرف في احتمال الاعتبارين على السواء بل حق المعرف حمله على وجه تقوى الحكم وحق النكر حمله على وجه التخصيص، وإنما افترق الحكم بين الصور الثلاث لأنه إذا قلنا عرف هو لم يكن هو فاعلا لما عرف في علم النحو أن ضمير الفاعل لا ينفصل إلا إذا جرى الفعل على غير ما هو له في موضع الإلباس وإذا تقدم عليها إلا صورة كنحو ما ضرب إلا هو أو معنى كنحو إنما يدافع عنك أنا إذ المعنى لا يدافع عنك إلا أنا وإذا لم يكن هو فاعلا احتمل التقديم على الفعل فإذا قلنا هو عرف كان له ذلك الاحتمال مع احتمال الابتداء لكونه في موضعه وكونه مع ذلك على شرطه في قوة الفائدة بالإخبار عنه وهو تعرفه وإذا قلنا عرف زيد كان زيد مرفوعا بعرف لقلة نظائر وأسروا النجوى الذين ظلموا
وحينئذ لا يكون له احتمال التقدم على الفعل كما سبق في علم النحو فلا يكون لقولنا زيد عرف غير احتمال الابتداء اللهم إلا بذلك الوجه البعيد فلا يرتكب عند المعرف لكونه على شرط المبتدأ وإنما يرتكب عند المنكر لفوات الشرط إذ لم يمنع عن التخصيص مانع كما إذا قلت رجل جاء لصحة أن يراد الجائي رجل لا امرأة أيها السامع دون قولهم شر أهر ذاناب لامتناع أن يراد المهر الذي ناب شر لا خير، اللهم إلا إذا حملت التخصيص على وجه آخر وهو الإفراد على تقدير رجل جاء لا رجلان فإنه محمل يصار إليه كثيراً عند علماء هذا النوع وشر أهر ذا ناب لا شران لكن بهذا الوجه يكون نابيا عن مظان استعماله وإذا صرح الأئمة ﵏ بتخصيصه حيث تأولوه بما أهر ذاناب إلا شر، فالوجه تفظيع شأن الشر بتنكيره كما سبق فهو محزه ولما عرفت من أن بناء الفعل على المبتدأ أقوى للحكم تراهم إذا استعملوا لفظ المثل ولفظ الغير بطريق الكناية نحو مثلك لا يبخل: أي أنك لا تبخل وغيرك لا يجود بمعنى أنت تجود من غير إرادة التعريض بلفظي المثل والغير على إنسانين يقصد إليهما لا يكادون يتركون تقديمها لكونه أعون للمعنى المراد بهما إذ ذاك ويتحقق هذا في علم البيان إن شاء الله تعالى. نئذ لا يكون له احتمال التقدم على
стр. 218
الفعل كما سبق في علم النحو فلا يكون لقولنا زيد عرف غير احتمال الابتداء اللهم إلا بذلك الوجه البعيد فلا يرتكب عند المعرف لكونه على شرط المبتدأ وإنما يرتكب عند المنكر لفوات الشرط إذ لم يمنع عن التخصيص مانع كما إذا قلت رجل جاء لصحة أن يراد الجائي رجل لا امرأة أيها السامع دون قولهم شر أهر ذاناب لامتناع أن يراد المهر الذي ناب شر لا خير، اللهم إلا إذا حملت التخصيص على وجه آخر وهو الإفراد على تقدير رجل جاء لا رجلان فإنه محمل يصار إليه كثيراً عند علماء هذا النوع وشر أهر ذا ناب لا شران لكن بهذا الوجه يكون نابيا عن مظان استعماله وإذا صرح الأئمة ﵏ بتخصيصه حيث تأولوه بما أهر ذاناب إلا شر، فالوجه تفظيع شأن الشر بتنكيره كما سبق فهو محزه ولما عرفت من أن بناء الفعل على المبتدأ أقوى للحكم تراهم إذا استعملوا لفظ المثل ولفظ الغير بطريق الكناية نحو مثلك لا يبخل: أي أنك لا تبخل وغيرك لا يجود بمعنى أنت تجود من غير إرادة التعريض بلفظي المثل والغير على إنسانين يقصد إليهما لا يكادون يتركون تقديمها لكونه أعون للمعنى المراد بهما إذ ذاك ويتحقق هذا في علم البيان إن شاء الله تعالى.
فصل
واعلم أن للفعل ولما يتعلق به اعتبارات مجموعها راجع على الترك والإثبات والإظهار والإضمار والتقديم والتأخير فلا بد من التكلم هناك ومن التكلم على الخصوص في تقييده: أعني الفعل بالقيود الشرطية فنقول أما الترك فلا يتوجه على فاعله كما عرف في علم النحو وإنما يتوجه على نفس الفعل أو على غير الفاعل لكنه لا يتضح اتضاحاً ظاهراً إلا في المفعول به كما ستقف عليه. أما الحالة المقتضية لترك الفعل فهي أن تغني قرائن الأحوال عن
стр. 219
ذكره ويكون المطلوب هو الاختصار أو اتباع الاستعمال الوارد على تركه كما إذا أردت ضرب المثل بقولهم لا حظية فلا ألية أو بقولهم لو ذات سوار لطمتني أو غير ذلك مما هو مصبوب في هذا القالب أو على ترك نظائره كما إذا قلت إن زيد جاء ولو عمرو ذهب وتلك القرائن كثيرة وأنا أضبط لك منها ههنا ما تستعين على درك ما عسى يشذ عن الضبط فأقول والله الموفق للصواب: منها أن يكون مفسراً كنحو أن ذو لوثة لأنا ولو ذات سوار لطمتني وهلا أبوك حضر وإذا السماء انشقت ونحو أزيد ذهب أو ذهب به أو ذهب أخوه ونحو وإياي فارهبون كما سبق التعرض له في علم النحو، ومنها ان يكون هناك حرف إضافة فإن حروف الإضافة لوضعها على أن يفضي بمعاني الأفعال على السماء لا تنفك عن الأفعال إلا أن دلالتها لا تتخطى الفعل المطلق فإذا أريد تقييده احتيج على دلالة أخرى ثم هي تتفاوت فتارة يكون الشروع كما إذا قلت عند الشروع في القراءة بسم الله فإنه يفيد أن المراد بسم الله اقرأ أو عند الشروع في القيام أو القعود أو أي فعل كان فإنه يفيد تارة ويكون الاقتران كقولك لمن أعرس: بالرفاء والبنين أو لمن فوض إليك أن تختار إليك الاختيار فإنه يفيد بالرفاء أعرست وإليك يفوض وتارة يكون عموم الاستعمال كنحو في الدار أو في البلد أو في كذا فإنه لا يراد إلا معنى الحصول وتارة يكون غير ذلك من مقيدات الأحوال فقس ومنها أن يكون الكلام جواباً لسؤال واقع نحو أن يسمع منك
стр. 220
يكتب القرآن لي فتسال من يكتبه فتقول زيد فيكون الحال مغنية عن ذكر يكتب وعليه قوله تعالى " ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله " وقوله " ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ليقولن الله " أو جوابا لسؤال مقدر مثل أن يقول يكتب القرآن لي زيد وعليه بيت الكتاب.
ليبك يزيد ضارع. وقراءة من قرأ يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال وكذلك يوحي إليك ربك ببناء الفعل للمفعول في البيت وفي الآيتين، ومن البناء على السؤال المقدر ارتفاع المخصوص في باب نعم وبئس على أحد القولين وعسى أن نتعرض في فصل الإيجاز والأطناب لهذا الباب وإن هذا التركيب متى وقع موقعه رفع شأن الكلام في باب البلاغة على حيث يناطح السماك وموقعه أن يصل من بليغ عالم بجهات البلاغة بصير بمقتضيات الأحوال ساحر في اقتضاب الكلام ماهر في أفانين السحر على بليغ مثله مطلع من كل تركيب على حاق معناه وفصوص مستتبعاً ته فإن جوهر الكلام البليغ مثله مثل الدرة الثمينة لا ترى درجتها تعلو ولا قيمتها تغلو ولا تشترى بثمنها ولا تجرى في مساومتها على سننها ما لم يكن المستخرج لها بصيرا بشأنها والراغب فيها خبيرا بمكانها وثمن الكلام أن يوفى من أبلغ الإصغاء وأحسن الاستماع حقه وأن يتلقى من القبول له والاهتزاز بأكمل ما استحقه ولا يقع ذلك ما لم يكن السامع عالما بجهات حسن الكلام معتقدا بأن المتكلم تعمدها
стр. 221
في تركيبه للكلام عن علم منه، فإن السامع إذا جهلها لم يميز بينه وبين ما دونه وربما أنكره وكذلك إذا أساء بالمتكلم اعتقاده ربما نسبة في تركيبه ذاك على الخطأ وأنزل كلامه منزلة ما يليق به من الدرجة النازلة ومما يشهد لك بهذا ما يروى عن علي ﵁ أنه كان يشيع جنازة فقال له قائل من المتوفى بلفظ اسم الفاعل سائلا عن المتوفى فلم يقل فلان بل قال الله ردا لكلامه عليه مخطئا إياه منبها له بذلك على أنه كان يجب أن يقول من المتوفى بلفظ اسم المفعول ويقال أن هذا الواقع كان أحد الأسباب التي دعته على استخراج علم النحو فأمر أبا الأسود الدؤلي بذلك فهو أول بذلك فهو أول أئمة علم النحو رضوان الله عليهم أجمعين وما فعل ذلك كرم الله وجهه إلا لأنه عرف من السائل أنه ما أورد لفظ المتوفى على الوجه الذي يكسوه جزالة في المعنى وفخامة في الإيراد وهو وجه القراءة المنسوبة إليه والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا بلفظ بناء الفعل للفاعل من إرادة معنى والذين يستوفون مدد أعمارهم وإذا عرفت هذا فنقول في التركيب الذي نحن فيه من مثل يكتب القرآن لي زيد برفع زيد مع بناء الفعل للمفعول جهات للحسن ومزايا نتلوها عليك ليكون لك ذريعة على درك ما سواها إذا شحذنا بها بصيرتك. ومنها أن الكلام متى نسج على هذا المنوال ناب مناب الجمل الثلاث إحداها يكتب القرآن لي والثانية الجملة المدلول عليها بزيد وهي من يكتبه والثالثة زيد مع الرافع المقدر وهي يكتبه زيد بخلافه إذا قيل يكتب القرآن لي زيد بلفظ المبني للفاعل ولا شبهة أن الكلام متى كان أجمع للفوائد كان أبلغ. ومنها أن الكلام متى سيق هذا المساق كان كل واحد من لفظي القرآن وزيد مقصودا إليه في الذكر غير مستغني عنه بخلافه في التركيب الآخر فإن لفظ القرآن فيه يعد فضلة والتقريب ظاهر.
стр. 222
ومنها أن الكلام متى سلك به هذا المسلك لم يكن أوله مطعما في ذكر الكاتب فإذا أورد السامع فائدة ذكره كانت حاله كمن تيسر له غنيمة من حيث لا يحتسب بخلافه في النظم. ومنها أن الكلام على ذلك النظم يكون كالمتناقض من حيث الظاهر لأن كون القرآن مفعولا فضلة فيه يكون مؤذنا بأن مساس الحاجة إليه دون مساس الحاجة إلى الفاعل وكونه مقدماً على الفاعل يكون مؤذنا بالاعتناء بشأنه وأن مساس الحاجة إليه فوق مساس الحاجة على ما أخر بخلافه في هذا النظم فإنه يكون سليما عن ذلك وفي هذا الوجه نظر يذكر في الحواشي، ومنها أن الكلام في التركيب الذي نحن فيه يفيد استنادا الكتبة على الفاعل إجمالا أولا وتفصيلا ثانيا وفي غيره يفيد استنادها إليه من وجه واحد فيكون هذا التركيب أبلغ ومن قبيل ما نحن بصدده وجعلواً لله شركاء الجن فلله شركاءهما مفعولا جعلواً وانتصاب الجن بفعل مضمر دل عليه السؤال المقدر وهو من جعلواً شركاء. وأما الحالة المقتضية لإثبات الفعل فاشتمال المقام على جهة من جهات الاستدعاء له والتلفظ به مما نبهت على أمثالها غير مرة. وأما الحالة المقتضية لتك مفعوله فهو القصد على التعميم والامتناع على أن يقصره السامع على ما يذكر معه دون غيره مع الاختصار وأنه أحد أنواع سحر الكلام حيث يتوصل بتقليل اللفظ على تكثير المعنى كقولهم: في باب المبالغة فلان يعطى ويمنع ويصل
ويقطع ويبني ويهدم ويغني ويعدم وقوله عز قائلا والله يدعو على دار السلام أو القصد على نفس الفعل بتنزيل المتعدي منزلة اللازم ذهابا في نحو فلان يعطي على معنى يفعل الإعطاء ويوجد هذه الحقيقة إيهاما للمبالغة بالطريق المذكور في إفادة اللام للاستغراق، وعليه قوله " فلا تجعلواً لله أندادا وأنتم تعلمون " المعنى وأنتم من أهل العلم والمعرفة أو القصد على مجرد الاختصار لنيابة قرائن الأحوال عن ذكره كقوله عز وعلا أهذا الذي بعث الله رسولا إذ لا يلبس أن المراد أهذا الذي بعثه الله لاستدعاء الموصول الراجع إليه من الصلة، وقوله أرني أنظر إليك لاتضاح أن المراد أرني ذاتك، وقوله ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء لانصباب الكلام على إرادة يسقون مواشيهم وتذودان غنمهما ولا نسقي غنمنا حتى يصدر الرعاء مواشيهم وقوله " ولو شاء لهداكم أجمعين " لظهور أن المراد لو شاء هدايتكم لهداكم ولك أن تنظم قوله " فلا تجعلواً لله أندادا وأنتم تعلمون " في هذا السلك على تقدير وأنتم تعلمون أنه لا يماثل أو أنتم تعلمون ما بينه وبينها من التفاوت أو أنتم تعلمون أنها لا تفعل مثل أفعاله كقوله: هل نم شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء وأكثر فواصل القرآن من نحو يعلمون يعقلون يفقهون واردة على ما سمعت من الاحتمالين، وقول الشاعر: قطع ويبني ويهدم ويغني ويعدم وقوله عز قائلا والله يدعو على دار
стр. 223
السلام أو القصد على نفس الفعل بتنزيل المتعدي منزلة اللازم ذهابا في نحو فلان يعطي على معنى يفعل الإعطاء ويوجد هذه الحقيقة إيهاما للمبالغة بالطريق المذكور في إفادة اللام للاستغراق، وعليه قوله " فلا تجعلواً لله أندادا وأنتم تعلمون " المعنى وأنتم من أهل العلم والمعرفة أو القصد على مجرد الاختصار لنيابة قرائن الأحوال عن ذكره كقوله عز وعلا أهذا الذي بعث الله رسولا إذ لا يلبس أن المراد أهذا الذي بعثه الله لاستدعاء الموصول الراجع إليه من الصلة، وقوله أرني أنظر إليك لاتضاح أن المراد أرني ذاتك، وقوله ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء لانصباب الكلام على إرادة يسقون مواشيهم وتذودان غنمهما ولا نسقي غنمنا حتى يصدر الرعاء مواشيهم وقوله " ولو شاء لهداكم أجمعين " لظهور أن المراد لو شاء هدايتكم لهداكم ولك أن تنظم قوله " فلا تجعلواً لله أندادا وأنتم تعلمون " في هذا السلك على تقدير وأنتم تعلمون أنه لا يماثل أو أنتم تعلمون ما بينه وبينها من التفاوت أو أنتم تعلمون أنها لا تفعل مثل أفعاله كقوله: هل نم شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء وأكثر فواصل القرآن من نحو يعلمون يعقلون يفقهون واردة على ما سمعت من الاحتمالين، وقول الشاعر:
стр. 224
إذا شاء ظلع مسجورة ... ترى حولها النبع والسأسما
وقوله:
فإن شئت لم ترقل وإن شئت أرقلت ... مخافة ملوى من القد محصد
وقوله:
لو شئت عدت بلاد نجد عودة ... فحللت بين عقيقة وزورده
أو الرعاية على الفاصلة كنحو " والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى " أو استهجان ذكره كقول عائشة ﵂ ما رأيت منه ولا رأى مني: يعني العورة أو القصد على اعتبار غير ذلك من الاعتبارات المناسبة للترك. وأما الحالة المقتضية لإثباته فعراء المقام عما ذكر أو القصد على زيادة تقريره وبسط الكلام بذكره أو الرعاية على الفاصلة كقوله تعالى " والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها " وما شاكل ذلك من الجهات المعتبرة في باب الإثبات. وأما الحالة المقتضية لإضمار فاعله فهو كون المقام حكاية أو خطابا كقولك عرفت وعرفت أو كون الفاعل مسبوقا بالذكر كقولك: جاءني رجل فطلب مني كذا أو في حكم المسبوق به كنحو قوله في مطلع القصيدة:
стр. 225
زارت عليها للظلام رواق ... ومن النجوم قلائد ونطاق
وقوله في الافتتاح:
قالت ولم تقصد ليل الخنا ... مهلا فقد أبلغت أسماعي
وأما الحالة المقتضية لكونه مظهرا فهي كون المقام غير ما ذكر أو كونه مستدعيا زيادة التعيين والتمييز كقولك: جاءني رجل فقال الرجل كذا أو مستدعيا للالتفات كقول الخلفاء يرسم أمير المؤمنين كذا مكان ارسم كذا.
وأما اعتبار التقديم والتأخير مع الفعل فعلى ثلاثة أنواع أحدها أن يقع بين الفعل وبين ما هو فاعل له معنى كنحو أنا عرفت وأنت عرفت وهو عرف دون زيد عرف وثانيها أن يقع ينبه وبين غير ذلك كنحو عرفت ودرهما أعطيت وعمراً منطلقاً علمت وثالثها أن يقع بين ما يتصل به كنحو عرف زيد عمراً وعرف عمراً زيد وعلمت منطلقاً وعلمت منطلقاً وكسوت عمراً جبة وجبة عمراً ولكل منها حالة تقتضيه فالحالة المقتضية للنوع الأول هي أن يكون هناك وجود فعل وعالم به لكنه مخطئ في فاعله أو تفصيله وأنت تقصد أن ترده على الصواب كما تقول أنا سعيت في حاجتك أنا كفيت مهمك تريد دعوى
стр. 226
الانفراد بذلك وتقريرا للاستبداد وترد بذلك على من زعم أن ذلك كان من غيرك أو غيرك فعل فيه ما فعلت ولذلك التأكيد قلت للزاعم في الوجه الأول أنا كفيت مهمك لا عمرو أو لا غيري وفي الوجه الثاني أنا كفيت مهمك وحدي وقولهم في المثل أتعلمني بضب أنا حرشته شاهد صدق على ما ذكر عند من له ذوق وليس إذا قلت سعيت في حاجتك أو سعيت أنا في حاجتك يجب أن يكون أن عند السامع وجود سعى في حاجته قد وقع خطأ منه في موجده أو تفصيله فتقصد إزالة الخطأ بل إذا قلته ابتداء مفيدا أو وجود السعي في حاجته منك غير مشوب بتجوز أو سهو أو نسيان صح ومنه ما يحكيه علت كلمته عن قوم شعيب وما أنت علينا بعزيز: أي العزيز علينا يا شعيب رهطك لا أنت لكونهم من أهل ديننا، ولذلك قال ﵇ في جوابهم " أرهطي أعز عليكم من الله " أي من نبي الله ولو أنهم كانوا قالوا وما عززت علينا لم يصح هذا الجواب ولا طابق ولذلك ينهى أن يقال في النفي عند التقديم ما أنا سعيت في حاجتك ولا أحد سواي لاستلزام أن يكون سعى في حاجته غيرك لا أنت وأن لا يكون سعى في حاجته غيرك ولا أنت ولا ينهى أن يقال ما سعيت في حاجتك ولا أحد غيري وكذلك إذا أكدت فقلت ما سعيت أنا في حاجتك ولا أحد غيري ولذلك أيضا يستهجن أن يقال في النفي عند التقديم ما أنا رأيت أحدا من الناس لاستلزام أن يكون قد اعتقد فيك معتقد أنك رأيت كل أحد في الدنيا فنفيت أن تكون إياه ولم يستهجن أن يقال ما رأيت أحدا من الناس أو ما رأيت أنا أحدا من الناس ويحترز عن أن يقال عند التقديم ما أنا ضربت إلا لأن نقض النفي بإلا يقتضي أن تكون ضربت
стр. 227
وتقديمك ضميرك وإيلاؤه حرف النفي يقتضي نفي أن تكون ضربته ولا يحترز أن يقال ما ضربت إلا وما ضربت أنا إلا زيداً. وأما الحالة المقتضية للنوع الثاني أن يكون هناك من اعتقد أنك عرفت إنسانا وأصاب لكن أخطأ فاعتقد ذلك الإنسان غير زيد وأنت تقصد رده على الصواب فنقول عرفت وإذا قصدت التأكيد والتقرير قلت عرفت لا غيره ولذلك نهوا أن يقال ما ضربت ولا أحدا من الناس نهيهم أن يقال ما أنا ضربت ولا أحد غيري والنهي الواقع مقصور على الحالة المذكورة أما إذا ظن بك القائل ظنا فاسدا أنك تعتقده قد ضرب عمراً أو أنك تعتقد كون زيد مضروبا لغيره ثم قال لك مدعيا في الصورة الأولى ضربت وفي الثانية أنا ضربت فيصح منك أن تقول ما ضربت ولا أحدا من الناس أو ما أنت ضربت ولا أحد غيرك فتأمل فالفرق واضح وكذلك امتنعوا أن يقال ما ضربت ولكن أكرمته فتعقب الفعل المنفي بإثبات فعل هو ضده لأن مبني الكلام ليس على أن الخطأ وقع في الضرب فيرد على الصواب في الإكرام وإنما مبناه على أن الخطأ وقع في المضروب حين اعتقد فترده على الصواب أن تقول ولكن عمراً وكذلك إذا قلت بزيد مررت أفاد أن سامعك كان يعتقد مرورك بغير زيد فأزلت عنه الخطأ مخصصا مرورك بزيد دون غيره والتخصيص لازم للتقديم ولذلك تسمع أئمة علم المعاني في معنى " إياك نعبد وإياك نستعين " يقولون نخصك بالعبادة لا نعبد غيرك ونخصك بالاستعانة منك لا نستعين أحدا سواك، وفي معنى إن كنتم إياه تعبدون يقولون إن كنتم
стр. 228
تخصونه بالعبادة
وفي معنى قوله " وبالآخرة هم يوقنون " نذهب على أنه تعريض بأن الآخرة التي عليها أهل الكتاب فيما يقولون أنها لا يدخل الجنة فيها من كان هودا أو نصارى وأنها لا تمسهم النار فيها إلا أياما معدودات وأن أهل الجنة فيها لا يتلذذون في الجنة إلا بالنسيم والأرواح العبقة والسماع اللذيذ ليست بالآخرة وإيقانهم بمثلها ليس من الإيقان بالتي هي الآخرة عند الله في شيء وستعرف التعريض إن شاء الله تعالى في علم البيان، وفي قوله تعالى " لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " يقولون أخرت صلة الشهادة أولا وقدمت ثانيا لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم وفي قوله تعالى " لعلى الله تحشرون " يقولون إليه على غيره وتراهم في قوله تعالى " وأرسلناك للناس رسولا " يحملون تعريف الناس على الاستغراق ويقولون المعنى لجميع الناس رسولا وهم العرب والعجم لا للعرب وحدهم دون أن يحملوه على تعريف العهد أو تعريف الجنس لئلا يلزم من الأول اختصاصه ببعض الأنس لوقوعه في مقابلة كلهم ومن الثاني اختصاصه بالأنس دون الجن ولإفادة التقديم عندهم التخصيص تراهم يفرعون على التقديم ما يفرعون على نفس التخصيص فكما إذا قيل ما ضربت أكبر أخويك فيذهبون على أنه ينبغي أن يكون ضاربا للأصغر بدليل الخطاب يذهبون أيضا إذا قيل ما ضربت على أنه ينبغي أن يكون ضاربا لإنسان سواه ولذلك يمتنعون أن يقال ما ضربت ولا أحدا من الناس
стр. 229
ولا يمتنعون أن يقال ما ضربت ولا أحدا من الناس وتسمعهم في قوله تعالى " لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون " يقولون قدم الظرف تعريضا بخمور الدنيا وأن المعنى هي على الخصوص لا تغتال العقول اغتيال خمور الدنيا ويقولون في قوله تعالى " ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه " يمتنع تقديم الظرف على اسم لا لأنه إذا قدم أفاد تخصيص نفي الريب بالقرآن ويرجع دليل خطاب على أن ريبا في سائر كتب الله وعلى هذا متى قلت إذا خلوت قرأت القرآن أفاد تقديم الظرف اختصاص قراءتك به ورجع على معنى لا أقرأ إلا إذا خلوت فافهم وإنما لزم التقديم استدعاء الحكم ثبوتا ونفيا حتى قامت الجملة في نحو أنا ضربت مقام ضربت ولم يضربه غيري، وفي نحو ما ضربت مقام ما ضربت وضربت غيره
وفي نحو إذا خلوت قرأت القرآن مقام أقرأ القرآن إذا خلوت ولا أقرأ إذا لم أخل لما عرفت أن حالة التقديم هو أن ترى سامعك يعتقد وقوع فعل وهو مصيب في ذلك لكنه مخطئ في الفاعل أو المفعول أو غير ذلك من مقيدات الفعل وأنت تقصد رده على الصواب فإذا نفيت من كان اعتقده من الفاعل أو المفعول استدعى المقام غير ذلك فيجتمع لذلك نفيك للنفي مع الإثبات لمن سواه، وإذا أثبت غير من كان اعتقده استدعى المقام نفى من اعتقده لكونه خطأ فيجتمع إثباتك للمثبت مع النفي للمنفى ويفيد التقديم في جميع ذلك وراء ما سمعت نوع اهتمام بشأن المقدم فعلى المؤمن في نحو بسم الله إذا أراد تقدير الفعل معه أن يؤخر الفعل على نحو بسم الله أقرأ أو أكتب وكأني بك تقول فما بال " اقرأ باسم ربك " مقدم الفعل على المفعول وأن كلام الله أحق برعاية ما يجب رعايته، فالوجه فيه عندي
стр. 230
أن يحمل اقرأ على معنى افعل القراءة وأوجدها على نحو ما تقدم في قولهم فلان يعطى ويمنع في أحد الوجهين غير معدى على مقروء به وأن يكون باسم ربك مفعول اقرأ الذي بعده. والحالة المقتضية للنوع الثالث هي كونه العناية بما يقدم أتم وإيراده في الذكر أهم، والعناية التامة بتقديم ما يقدم والاهتمام بشأنه نوعان: أحدهما أن يكون أصل الكلام في ذلك هو التقديم ولا يكون في مقتضى الحال ما يدعو على العدول عنه كالمبتدأ المعرف فإن أصله التقديم على الخبر نحو زيد عارف وكذى الحال المعرف فأصله التقديم على الحال، نحو جاء زيد راكباً وكالعامل فأصله التقدم على معموله نحو عرف زيد عمراً وكان زيد عارفا وأن عارف ومن زيد وغلام عمرو كالفاعل فأصله التقدم على المفعولات وما يشبهها من الحال والتمييز، نحو ضرب زيد الجاني بالسوط يوم الجمعة أمام بكر ضربا شديدا تأديبا له ممتلئا من الغضب وامتلأ الإناء ماء وكالذي يكون في حكم المبتدأ من مفعولي باب علمت نحو منطلقاً أو في حكم فاعل من مفعول باب أعطيت وكسوت، نحو أعطيت درهما وكسوت عمراً جبة فزيد عاط وعمرو مكتس فحقهما التقدم على غيرهما وكالمفعول المتعدى إليه وساطة فأصله لتقدم على المتعدى إليه بوساطة نحو ضربت الجاني بالسوط وكالتوابع فأصلها أن تذكر مع المتبوع فلا يقدم عليها غيرها نحو جاء زيد الطويل راكباً وعرفت أنا وكذا عرفت أنا وفلان وغير ذلك مما عرف له في علم النحو موضع من الكلام بوصف الأصالة بالإطلاق. وثانيهما أن تكون العناية بتقديمه والاهتمام بشأنه لكونه في
стр. 231
نفسه نصب عينك وأن التفات الخاطر إليه في التزايد كما تجدك إذا وارى قناع الهجر وجه من روحك في خدمته، وقيل لك ما الذي تتمنى تقول وجه الحبيب أتمنى فتقدم أو كما تجدك إذا قال أحد عرفت شركاء الله يقف شعرك فزعا وتقول لله شركاء وعليه قوله تعالى " وجعلواً لله شركاء " أو لعارض يورثه ذلك كما إذا أخذت في الحديث وتوهمت لقرائن الأحوال من أنت معه في الحديث ملتفت الخاطر على معنى ينتظر من مساقك الحديث إلمامك به فيبرز ذلك المعنى عندك في معرض أمر يتجدد في شأنه التقاضي ساعة فساعة، فكما تجد له مجالا في الذكر صالحا لا تتوقف أن تذكره مثل ما تقول لصاحبك أعجبني المسئلة العلانية من كتابك وتأخذ في كيت وذيت، وله كتاب آخر فيه مسائل فتحدث أن كتابه الآخر واقع الآن في ذهنه وهو كالمنتظر هل تورده في الذكر فتقول وأعجبني من كتابك الآخر المسئلة العلانية فتقدم المجرور على المرفوع أو كما إذا وعدت ما أنت تستبعد وقوعه فإنك حال التفات خاطرك على وقوعه من جهة تبعده ومن جهة أخرى أدخل في تبعيده تجد تفاوتا في إنكارك إياه ضعفا وقوة بالنسبة ولامتناع إنكاره بدون القصد إليه تستتبع تفاوته ذاك تفاوتا في القصد إليه والاعتناء بذكره فأنت في الأول إذا أنكرت أوجبت البلاغة أن تقول شيء حاله في البعد من الوقوع هذه أنا يكون لقد وعدت أنا وأبي وجدي هذا إن هو إلا من اختراعات المموهين وأصحاب التلبيس فتذكر المنكر بعد المرفوع في موضعه من الكلام وأن تقول في الثاني شيء حاله في البعد من الوقوع على هذه الغاية على من يروج لقد وعدت هذا أنا وأبي وجدي فتقدم المنكر على المرفوع أو كما إذا عرفت في التأخير مانعا مثل الذي في قولك رأيت الجماعة من محبيك التي نأت ثم دنت إذا قدمت من محبيك أفاد أن الجماعة المرئية جماعة من محبيك من غير شبهة وهو مرادك، وإذا أخرت
أورث
стр. 232
الاشتباه لاحتمال أن يكون من محبيك صلة دنت أو مثل الذي في قولك الحمد لله الذي بعث في الحق عيسى وأيد بهرون موسى إذا أخرت المجرور بطل السجع، ولهذا العارض هنا شيء يتفاوت جلاء وخفاء لطيفا وألطف والخواطر في مضمارها تتباين عن ضليع لا يشق غباره ومن ظالع لا يؤمن عثاره وليس السبق هناك بمجرد الكد بل الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء " ولله در أمر التنزيل وإحاطته على لطائف الاعتبارات في إيراد المعنى على أنحاء مختلفة بحسب مقتضيات الأحوال لا ترى شيئاً منها يراعى في كلام البلغاء من وجه لطيف إلا عثرت عليه مراعي فيه من ألطف وجوه وأنا ألقى إليك من القرآن عدة أمثلة مما نحن فيه لتستضيء بها فيما عسى يظلم عليك من نظائرها إذا أحببت أن تتخذها مسارح نظرك ومطارح فكرك، منها ان قال عز من قائل في سورة القصص في قصة موسى " وجاء رجل من أقصى المدينة " فذكر المجرور بعد الفاعل وهو موضعه، وقال في يس في قصة رسل عيسى ﵇ " وجاء من أقصى المدينة " فقدم لما كان أهم يبين ذلك أنه حين اخذ في قصة الرسل اشتمل الكلام على سوء معاملة أصحاب القرية الرسل وأنهم أصروا على تكذيبهم وانهمكوا في غوايتهم مستمرين على باطلهم فكان مظنة أن يلعن السامع على مجرى العادة تلك القرية قائلا: ما أنكدها تربة وما أسوأها منبتا ويبقى مجيلا في فكره أكانت تلك المدرة بحافاتها كذلك أم كان هناك قطر دان أو قاص منبت خير منتظرا لمساق الحديث هل يلم بذكره فكان لهذا العارض مهما فكما جاء موضع له صالح ذكر بخلاف قصة موسى، ومنها أن قال في سورة المؤمنين " لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا " فذكر بعد المرفوع وما تبعه المنصوب وهو موضعه، وقال في سورة النمل " لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا " فقدم لكونه منها أهم يدلك على ذلك أن الذي قبل هذه الآية " أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون " والذي قبل الأولى (أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما) فالجهة المنظور فيها هناك هي كون أنفسهم ترابا وعظاما، والجهة المنظور فيها ههنا هي كون أنفسهم وكون آبائهم ترابا لأجزاء هناك من بناهم على صورة نفسه ولا شبهة أنها أدخل عندهم في تعبيد البعث فاستلزم زيادة الاعتناء بالقصد على ذكره فصيره هذا العارض أهم، ومنها أن قال في موضع من سورة المؤمنين " فقال الملأ الذين كفروا من قومه " فذكر المجرور بعد صفة الملأ وهو موضعه كما تعرف، وفي موضع آخر منها " وقال الملأ من قومه الذين كفروا " فقدم المجرور لعارض صيره بالتقديم أولى وهو أنه لو أخر عن الوصف وأنت تعلم أن تمام الوصف بتمام ما يدخل في صلة الموصول وتمامه " وأترفناهم في الحياة الدنيا " لاحتمل أن يكرن من صلة الدنيا واشتبه الأمر في القائلين أهم من قومه أم لا، ومنها أن قال في سورة طه " أمنا برب هرون وموسى " وفي الشعراء " رب موسى وهرون " للمحافظة على الفاصلة، ولنقتصر من الأمثلة على ما ذكر، فما كان الغرض إلا مجرد التنبيه دون التتبع لنظائرها في القرآن وتفصيل القول فيها خاتمين الكلام بأن جميع ما وعت أذناك من التفاصيل في هذه الأنواع الثلاثة من فصل التقديم والتأخير هو مقتضى الظاهر فيها وقد عرفت فيما سبق أن إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر طريق للبلغاء يسلك كثيراً بتنزيل نوع مكان نوع باعتبار من الاعتبارات فليكن على ذكر منك. الاشتباه لاحتمال أن يكون من محبيك صلة دنت أو مثل الذي في قولك الحمد لله الذي بعث في الحق عيسى وأيد بهرون موسى إذا أخرت المجرور بطل السجع، ولهذا العارض هنا شيء يتفاوت جلاء وخفاء لطيفا وألطف والخواطر في مضمارها تتباين عن ضليع لا يشق غباره ومن ظالع لا يؤمن عثاره وليس السبق هناك بمجرد الكد بل الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء " ولله در أمر التنزيل وإحاطته على لطائف الاعتبارات في إيراد المعنى على أنحاء مختلفة بحسب مقتضيات الأحوال لا ترى شيئاً منها يراعى في كلام البلغاء من وجه لطيف إلا عثرت عليه مراعي فيه من ألطف وجوه وأنا ألقى إليك من القرآن عدة أمثلة مما نحن فيه لتستضيء بها فيما عسى يظلم عليك من نظائرها إذا أحببت أن تتخذها مسارح نظرك ومطارح فكرك، منها ان قال عز من قائل في سورة القصص في قصة موسى " وجاء رجل من أقصى المدينة " فذكر المجرور بعد الفاعل وهو موضعه، وقال في يس في قصة رسل عيسى ﵇ " وجاء من أقصى المدينة " فقدم لما كان أهم يبين ذلك أنه حين اخذ في قصة الرسل اشتمل الكلام على سوء معاملة أصحاب القرية الرسل وأنهم أصروا على تكذيبهم وانهمكوا في غوايتهم مستمرين على باطلهم فكان مظنة أن يلعن السامع على مجرى العادة تلك القرية قائلا: ما أنكدها تربة وما أسوأها منبتا ويبقى مجيلا في فكره أكانت تلك المدرة بحافاتها كذلك أم كان هناك قطر دان أو قاص منبت خير منتظرا لمساق الحديث هل يلم بذكره فكان لهذا العارض مهما فكما جاء موضع له صالح ذكر بخلاف قصة موسى، ومنها أن قال في سورة المؤمنين " لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا " فذكر بعد المرفوع وما تبعه المنصوب وهو موضعه،
стр. 233
وقال في سورة النمل " لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا " فقدم لكونه منها أهم يدلك على ذلك أن الذي قبل هذه الآية " أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون " والذي قبل الأولى (أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما) فالجهة المنظور فيها هناك هي كون أنفسهم ترابا وعظاما، والجهة المنظور فيها ههنا هي كون أنفسهم وكون آبائهم ترابا لأجزاء هناك من بناهم على صورة نفسه ولا شبهة أنها أدخل عندهم في تعبيد البعث فاستلزم زيادة الاعتناء بالقصد على ذكره فصيره هذا العارض أهم، ومنها أن قال في موضع من سورة المؤمنين " فقال الملأ الذين كفروا من قومه " فذكر المجرور بعد صفة الملأ وهو موضعه كما تعرف، وفي موضع آخر منها " وقال الملأ من قومه الذين كفروا " فقدم المجرور لعارض صيره بالتقديم أولى وهو أنه لو أخر عن الوصف وأنت تعلم أن تمام الوصف بتمام ما يدخل في صلة الموصول وتمامه " وأترفناهم في الحياة الدنيا " لاحتمل أن يكرن من صلة الدنيا واشتبه الأمر في القائلين أهم من قومه أم لا، ومنها أن قال في سورة طه " أمنا برب هرون وموسى " وفي الشعراء " رب موسى وهرون " للمحافظة على الفاصلة، ولنقتصر من الأمثلة على ما ذكر، فما كان الغرض إلا مجرد التنبيه دون التتبع لنظائرها في القرآن وتفصيل القول فيها خاتمين الكلام بأن جميع ما وعت أذناك من التفاصيل في هذه الأنواع الثلاثة من فصل التقديم والتأخير هو مقتضى الظاهر فيها وقد عرفت فيما سبق أن إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر طريق للبلغاء يسلك كثيراً بتنزيل نوع مكان نوع باعتبار من الاعتبارات فليكن على ذكر منك.
стр. 234
وأما الحالات المقتضية لتقييد الفعل بالشروط المختلفة كان وأن ما وإذا وإذاما ومتى ومتىما وأين وأينما وحيثما ومن وما ومهما وأي وأنى وكلو فالذي يكشف عنها القناع وقوفك على ما بين هذه الكلم من التفاصيل. أما أن فهي للشرط في الاستقبال والأصل فيها الخلو عن الجزم بوقوع الشرط كما يقول القائل: إن تكرمني أكرمك وهو لا يعلم أتكرمه أم لا، فإذا استعملت في مقام الجزم لم تخل عن نكتة وهي أما التجاهل لاستدعاء المقام إياه، وإما أن المخاطب ليس بجازم كما تقول لمن يكذبك فيما أنت تخبره أن صدقت فقل لي ماذا تعمل، وإما تنزيل المخاطب منزلة الجاهل لعدم جريه على موجب العلم كما يقول الأب لابن لا يراعي حقه افعل ما شئت إني إن لم أكن لك أبا كيف تراعي حقي ولامتناع الجزم بتحقيق المعلق بما في تحققه شبهة قلما يترك المضارع في بليغ الكلام على الماضي المؤذن بالتحقق نظرا على لفظه لغير نكتة مثل ما ترى في قوله علت كلمته " إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون " ترك يودوا على لفظ الماضي إذ لم تكن تحتمل ودادتهم لكفرهم من الشبهة ما كان يحتملها كونهم إن يثقفوهم أعداء لهم وباسطي الأيدي والألسنة إليهم للقتل والشتم. وإذا للشرط في الاستقبال قال الله تعالى " ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون " على نحو " وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون " بإدخال إذا في
стр. 235
الجزاء والأصل فيها القطع بوقوع الشرط كما إذا قلت إذا طلعت الشمس فإني أفعل كذا قطعا إما تحقيقا كما في المثال المضروب أو باعتبار ما خطابي وهو النكتة في تغليب لفظ الماضي معه على المستقبل فلي الاستعمال لكون الماضي أقرب على القطع من المستقبل في الجملة نظرا على اللفظ. قال تعالى فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه " بلفظ إذا في جانب الحسنة حيث أريدت الحسنة المطلقة لا نوع منها كما في قوله تعالى " وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله " وفي قوله تعالى " ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن " لكون حصول الحسنة المطلقة مقطوعا به كثرة وقوع واتساعا ولذلك عرفت ذهابا على كونها معهودة أو تعريف جنس، والأول أفضى لحق البلاغة وبلفظ إن في جانب السيئة مع تنكير السيئة، إذ لا تقع إلا في الندرة بالنسبة على الحسنة المطلقة ولا يقع إلا شيء منها ولذلك قيل قد عددت أيام البلاء فهل عددت أيام الرخاء، ومنه " وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون " بلفظ إذا في جانب الرحمة وكأن تنكيرها وقصد النوع للنظر على لفظ الإذاقة فهو المطابق للبلاغة، وأما قوله " وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا " وإن كنتم في ريب من البعث بلفظ إن مع المرتابين فإما لقصد التوبيخ على الريبة لاشتمال المقام على ما يقلعها عن أصلها وتصوير أن المقام لا يصلح إلا لمجرد الفرض للارتياب كما قد تفرض المجالات متى تعلقت بفرضها أغراض كقوله تعالى " ولو سمعوا ما استجابوا لكم " والضمير في سمعوا للأصنام ويتأبى أن يقال وإذا رتبتم، ومثله
стр. 236
" أفنضرب عنكم الذكر صفحا إن كنتم قوما مسرفين " فيمن قرأ إن لقصد التوبيخ والتجهيل في ارتكاب الإسراف وتصوير أن الإسراف من العاقل في مثل هذا المقام واجب الانتفاء حقيق أن لا يكون ثبوته إلا على مجرد الفرض ومنه ما قد يقول العامل عند التقاضي بالعمالة إذا امتد التسويف وأخذ يترجم عن الحرمان إن كنت لم أعمل فقولوا اقطع الطمع فنزلهم لنوهم أن يحرموه منزلة من لا يعتقد أنه عمل فيقول مجهلا: أن اعتقد تم أني لم أعمل فقولوا ويلكم، وأما لتغيب غير المرتابين ممن خوطبوا على مرتابيهم وباب التغليب باب واسع يجري في كل فن. قال تعالى حكاية عن قوم شعيب " لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا " أدخل شعيب في لتعودن في ملتنا بحكم التغليب وإلا فما كان شعيب في ملتهم كافرا مثلهم فإن الأنبياء معصومون أن يقع منهم صغيرة فيها نوع نفرة فما بال الكفر وكذا قوله " إن عدنا في ملتهم " وقال تعالى " إلا امرأته كانت من الغابرين " وفي موضع أخر " وكانت من القانتين عدت الأنثى من الذكور بحكم التغلب. وقال تعالى " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس " عد إبليس من الملائكة بحكم
التغليب عد الأنثى من الذكور، ومن هذا الباب قوله تعالى " بل أنتم قوم تجهلون " بتاء الخطاب غلب جانب أنتم على جانب قوم وكذا " وما ربك بغافل عما تعملون " فيمن قرأ بتاء الخطاب أي أنت يا محمد وجميع المكلفين وغيرهم وكذا يذرؤكم في قوله تعالى " جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه " خطابا شاملا للعقلاء والأنعام مغلبا فيه المخاطبون على الغيب والعقلاء على ما لا يعقل، ومنه قولهم أبوان للأب والأم وقمران للقمر والشمس وخافقان للمغرب والمشرق. وأما قوله تعالى " وإذا مس الإنسان ضر " بلفظ إذا مع الضر فللنظر على لفظ المس وعلى تنكير الضر المفيد في المقام التوبيخي القصد على اليسير من الضر وعلى الناس المستحقين أن يلحقهم كل ضرر وللتنبيه على أن مساس قدر يسير من الضر لأمثال هؤلاء حقه أن يكون في حكم المقطوع به، وأما قوله " وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض " بعد قوله " وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه " اي أعرض عن شكر الله وذهب بنفسه وتكبر وتعظم فالذي تقتضيه البلاغة أن يكون الضمير في مسه للمعرض المتكبر ويكون لفظ إذا للتنبيه على أن مثله يحق أن يكون ابتلاؤه بالشر مقطوعا به. وعند النحويين أن إذ في إذما مسلوب لدلالة على معناه الأصلي وهو المضي منقول بإدخال ما على الدلالة على الاستقبال. ولا فرق بين إذا وإذاما في باب الشرط من حيث المعنى إلا في الإبهام في الاستقبال. وحتى لتعميم الأوقات في المستقبل ومتى ما أعم منه. وأين لتعميم الأمكنة والأحياز. وأينما أعم. قال الله تعالى " أينما تكونوا يدرككم الموت. وحيثما نظير أينما. قال الله تعالى " وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره " ومن لتعميم أولى العلم قال الله تعالى " ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيراً وسعة " وما لتعميم الأشياء. قال الله تعالى " وما تفعلواً من خير فإن الله به عليم " ومهما أعم قال الله تعالى " وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين " ووجهه إذا قدر الأصل ماما ظاهر. وأي لتعميم ما يضاف إليه من ذوي العلم وغيرهم. وأنى لتعميم لأحوال الراجعة على الشرط كما تقول أنى تقرأ أقرأ أي على أي حال توجد القراءة من جهرها أو همسها أو غير ذلك أوجدها أنا والمطلوب بهذه المعممات ترك تفصيل على إجمال مع الاحتراز عن تطويل إما غير واف بالحصر أو ممل ألا تراك في قولك من يأتني أكرمه كيف تستغني عن التفصيل والتطويل في قولك إن يأتني زيد أكرمه وأن يأتني عمرو أكرمه وإن يأتني خالد أكرمه على عدد تعذر استيعابه مع قيام الإملال. قال الله تعالى " ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون " أي أيما مكلف أطاع الله في فرائضه ورسوله في سننه وخشي الله على ما مضى من ذنوبه واتقاه فيما يستقبل فقد فاز الفوز بحذافيرها. ب عد الأنثى من الذكور، ومن هذا الباب قوله تعالى " بل أنتم قوم تجهلون " بتاء الخطاب غلب جانب أنتم على جانب قوم وكذا " وما ربك بغافل عما تعملون " فيمن قرأ بتاء الخطاب أي أنت يا محمد وجميع المكلفين وغيرهم وكذا يذرؤكم في قوله تعالى " جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا
стр. 237
يذرؤكم فيه " خطابا شاملا للعقلاء والأنعام مغلبا فيه المخاطبون على الغيب والعقلاء على ما لا يعقل، ومنه قولهم أبوان للأب والأم وقمران للقمر والشمس وخافقان للمغرب والمشرق. وأما قوله تعالى " وإذا مس الإنسان ضر " بلفظ إذا مع الضر فللنظر على لفظ المس وعلى تنكير الضر المفيد في المقام التوبيخي القصد على اليسير من الضر وعلى الناس المستحقين أن يلحقهم كل ضرر وللتنبيه على أن مساس قدر يسير من الضر لأمثال هؤلاء حقه أن يكون في حكم المقطوع به، وأما قوله " وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض " بعد قوله " وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه " اي أعرض عن شكر الله وذهب بنفسه وتكبر وتعظم فالذي تقتضيه البلاغة أن يكون الضمير في مسه للمعرض المتكبر ويكون لفظ إذا للتنبيه على أن مثله يحق أن يكون ابتلاؤه بالشر مقطوعا به. وعند النحويين أن إذ في إذما مسلوب لدلالة على معناه الأصلي وهو المضي منقول بإدخال ما على الدلالة على الاستقبال. ولا فرق بين إذا وإذاما في باب الشرط من حيث المعنى إلا في الإبهام في الاستقبال. وحتى لتعميم الأوقات في المستقبل ومتى ما أعم منه. وأين لتعميم الأمكنة والأحياز. وأينما أعم. قال الله تعالى " أينما تكونوا يدرككم الموت. وحيثما نظير أينما. قال الله تعالى " وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره " ومن لتعميم أولى العلم قال الله تعالى " ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيراً وسعة " وما لتعميم الأشياء. قال الله تعالى " وما تفعلواً من خير فإن الله به عليم " ومهما أعم قال الله تعالى " وقالوا مهما تأتنا به من
стр. 238
آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين " ووجهه إذا قدر الأصل ماما ظاهر. وأي لتعميم ما يضاف إليه من ذوي العلم وغيرهم. وأنى لتعميم لأحوال الراجعة على الشرط كما تقول أنى تقرأ أقرأ أي على أي حال توجد القراءة من جهرها أو همسها أو غير ذلك أوجدها أنا والمطلوب بهذه المعممات ترك تفصيل على إجمال مع الاحتراز عن تطويل إما غير واف بالحصر أو ممل ألا تراك في قولك من يأتني أكرمه كيف تستغني عن التفصيل والتطويل في قولك إن يأتني زيد أكرمه وأن يأتني عمرو أكرمه وإن يأتني خالد أكرمه على عدد تعذر استيعابه مع قيام الإملال. قال الله تعالى " ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون " أي أيما مكلف أطاع الله في فرائضه ورسوله في سننه وخشي الله على ما مضى من ذنوبه واتقاه فيما يستقبل فقد فاز الفوز بحذافيرها.
واعلم أن الجزاء والشرط في غير لو لما كانا تعليق حصول أمر بحصول ما ليس بحاصل استلزم ذلك في جملتيهما امتناع الثبوت فامتنع أن تكونا اسميتين أو إحداهما وكذا امتناع المضى فامتنع أن يكون الفعلان ماضيين أو أحدهما، ويظهر من هذا أن نحو إن أكرمتني أكرمتك وأن أكرمتني أكرمك وإن تكرمني أكرمتك ونحو إن تكرمني فأنت مكرم ونحو إن أكرمتني الآن فقد أكرمتك أمس مما لا موجب لكونه مضارعا معه كنون التأكيد في نحو " فأما يأتينكم مني هدى " وإما تثقفنهم في الحرب لا يصار إليه في بليغ الكلام إلا لنكتة ما مثل توخي إبراز غير الحاصل في معرض الحاصل: إما لقوة الأسباب المتآخذة في وقوعه كقولك: إن اشترينا كذا حال انعقاد الأسباب في ذلك، وإما لأن ما هو للوقوع كالواقع
стр. 239
نحو قولك إن مت، وعليه " ونادى أصحاب الجنة، ونادى أصحاب الأعراف " وكذا أنا فتحنا لك لنزولها قبل فتح مكة، وفي أقوال المفسرين ههنا كثرة، وإما للتعريض كما في نحو قوله " ولئن اتبعت أهواءهم، لئن أشركت، فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات " ونظيره في كونه تعريضا قوله " ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون " المراد ومالكم لا تعبدون الذي فطركم، والمنبه عليه قوله " وإليه ترجعون " ولولا التعريض لكان المناسب وإليه أرجع وكذا " أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون إني إذا لفي ضلال مبين المراد أتتخذون من دنه آلهة إن يردكم الرحمن بضر لا تغن عنكم شفاعتهم شيئاً ولا ينقذوكم إنكم إذا لفي ضلال مبين " ولذلك قيل: إني آمنت بربكم دون بربي وأنبعه فاسمعون، ولا تعرف حسن موقع هذا التعريض إلا إذا نظرت على مقامه وهو تطلب إسماع الحق على وجه لا يورث طلبي دم المسمع مزيد غضب وهو ترك المواجهة بالتضليل والتصريح لهم بالنسبة على ارتكاب الباطل، ومن هذا الأسلوب قوله تعالى " قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا تسئل عما تعملون " وإلا فحق النسق من حيث الظاهر قل لا تسئلون عما عملنا ولا نسأل عما تجرمون
стр. 240
وكذا ما قبله " وإنا أو إياكم لعلي هدى أو في ضلال مبين " وهذا النوع من الكلام يسمى المنصف، وإما للتفاؤل وإما الإظهار الرغبة في وقوعه كما تقول إن ظفرت بحسن العاقبة فذاك، وعليه قوله تعالى " ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا " وما شاكل ذلك من لطائف الاعتبارات وقولهم ﵀ في الدعاء من هذا القبيل، ومن ههنا تتنبه لسكته يتضمنها تفاوت الشرطين في وإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ماضيا في جاءتهم الحسنة ومستقبلا في تصبهم شيئة، أو إبراز المقدر في معرض الملفوظ به لانصباب الكلام على معناه كما في قولك إن أكرمتني الآن فقد أكرمتك أمس مرادا به أن تعتد بإكرامتك إياي الآن فاعتد بإكرامي إياك أمس. وأما كلمة لو فحين كانت لتعليق ما امتنع بامتناع غيره على سبيل القطع كما تقول لو جئتني لأكرمتك معلقا لامتناع إكرامك بما امتنع من مجيء مخاطبك امتنعت جملتاها عن الثبوت ولزم أن يكونا فعليتين والفعل ماض واستلزم في مثل قوله عز اسمه: ولو ترى إذ وقفوا على النار، ولو ترى إذا المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم، ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم تنزيل المستقبل نظما له في سلك المقطوع به لصدوره عمن لا خلاف في أخباره منزلة الماضي المعلوم في قولك: لو رأيت على نحو تنزيل يود منزلة في قوله تعالى " ربما يود الذين كفروا في أحد قولي أصحابنا البصريين ﵏ واستلزم في مثل قولك: لو تحسن إلي لشكرت القصد بتحسن على تصوير أن
стр. 241
إحسانه مستمر الامتناع فيما مضى وقتا فوقتا على نحو قصد الاستمرار حالاً ف حالاً بيستهزئ في قوله عز اسمه " الله يستهزئ بهم بعد قوله قالوا أنا معكم إنما نحن مستهزءون " وبيكسبون في قوله فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون، وقوله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم وارد على هذا أي يمنع ﵇ عنتكم باستمرار امتناعه عن طاعتكم ولك أن ترد الغرض من لفظ نرى ويود وتحسن على استحضار صورة المجرمين ناكسي الرءوس قائلين لما يقولون وصورة الظالمين موقوفين عند ربهم متقاولين بتلك المقالات واستحضار صورة ودادة الكافرين لو أسلموا واستحضار صورة منع الإحسان كما في قوله: والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه على بلد ميت
فأحيينا به بعد موتها إذ قال فتثير استحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الربانية من إثارة السحاب مسخرا بين السماء والأرض متكونا في المرأى تارة عن قزع وكأنها قطع قطن مندوف ثم تتضام متقلبة بين أطوار حتى يعدن ركاما وأنه طريق للبلغاء لا يعدلون عنه إذا اقتضى المقام سلوكه، أو ما ترى تأبط شرا في قوله: ابه بعد موتها إذ قال فتثير استحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الربانية من إثارة السحاب مسخرا بين السماء والأرض متكونا في المرأى تارة عن قزع وكأنها قطع قطن مندوف ثم تتضام متقلبة بين أطوار حتى يعدن ركاما وأنه طريق للبلغاء لا يعدلون عنه إذا اقتضى المقام سلوكه، أو ما ترى تأبط شرا في قوله:
بأني قد لقيت الغول تهوى ... بسهب كالصحيفة صحصحان
فأضربها بلا دهش فخرت ... صريعا لليدين وللجران
كيف سلك في فأضربها بلا دهش قصدا على أن يصور لقومه الحالة التي تشجع فيها بضرب الغول كأنه ببصرهم إياهم ويطلعهم على كنهها ويتطلب منهم مشاهدتها تعجيبا من جرأته على كل هول وثباته عند كل شدة وقوله سبحانه " إن مثل عيسى عند الله كمثل
стр. 242
آدم خلقه من تراب " ثم قال له كن فيكون دون كن فكان من هذا القبيل واستلزم في مثل " لو أنتم تملكون " حمله على تقدير لو تملكون تملكون لفائدة التأكيد، ثم حذف الفعل الأول اختصارا لدلالة ضميره عليه المبدل بعد ذهاب الفعل منفصلا وأمثال هذه للطائف لا تتغلغل فيها إلا أذهان الراضة من علماء المعاني، ولمبني علم المعاني على التتبع لتراكيب الكلام واحداً فواحداً كما ترى وتطلب العثور على ما لكل منها من لطائف السكت مفصلة لا تتم الإحاطة به إلا لعلام الغيوب ولا يدخل كنه بلاغة القرآن إلا تحت علمه الشامل.
واعلم أن مستودعات فصول هذا الفن لا تتضح إلا باستبراء زناد خاطر وقاد ولا تنكشف أسرار جواهرها إلا لبصيرة ذي طبع نقاد ولا تضع أزمتها إلا في يدراكض في حلبتها على أنأى مدى باستفراغ طوق متفوق أفاويق استئباتها بقوة فهم ومعونة ذوق مولع من لطائف البلاغة بما يؤثرها القلوب بصفايا حباتها وتبثر عليها أفئدة مصاقع الخطباء خبايا مخبآتها متوسل بذلك أن يتأنق في وجه الإعجاز في التنزيل متنقلا ماجمله عجز المتحدين به عندك على التفصيل طامع من رب العزة والكبرياء في المثوبة الحسنى والفوز عنده يوم النشور بالذخر الأسنى.
الفن الرابع
مركوز في ذهنك لا تجد لرده مقالا ولا لارتكاب جحده مجالا أن ليس يمتنع بين مفهومي جملتين اتحاد بحكم التآخي وارتباط لأحدهما بالآخر مستحكم الأواخي ولا أن يباين أحدهما الآخر مباينة الأجانب لانقطاع الوشائج بينهما من كل جانب ولا أن يكونا بين لآصرة
стр. 243
رحم ما هنالك فيتوسط حالهما بين الأولى والثانية لذلك ومدار الفصل والوصل وهو ترك العاطف وذكره على هذه الجهات وكذا طي الجمل عن البين ولا طيها وإنها لمحك البلاغة ومنتقد البصيرة ومضمار النظار ومتفاضل الأنظار ومعيار قدر الفهم ومسبار غور الخاطر ومنجم صوابه وخطئه ومعجم جلائه وصدائه وهي التي إذا طبقت فيها المفصل شهدوا لك من البلاغة بالقدح المعلى وإن لك في إبداع وشيها اليد الطولى، وهذا فصل له فضل احتياج على تقرير واف وتحرير شاف. اعلم أن تمييز موضع العطب عن غير موضعه في الجمل كنحو أن تذكر معطوفا بعضها على بعض تارة ومتروكا العطف بينها تارة أخرى هو الأصل في هذا الفن وأنه نوعان نوع يقرب تعاطيه ونوع يبعد ذلك فيه فالقريب هو تقصد بينها بغير الواو أو بالواو بينها لكن بشرط أن يكون للمعطوف عليها محل من الإعراب والبعيد هو أن تقصد العطف بينها بالواو وليس للمعطوف عليها محل إعرابي، والسبب في أن قرب القريب وبعد البعيد هو ان العطف في باب البلاغة يعتمد معرفة أصول ثلاثة: أحدها الموضع الصالح له من حيث الوضع. وثانيها فائدته. ثالثها وجه كونه مقبولا لا مردودا، وأنت إذا أتقنت معاني الفاء وثم وحتى ولا وبل ولكن وأو وأم وأما وأي على قولي حصلت لك الثلاثة لدلالة كل منها على معنى محصل مستدع من الجمل بينا مخصوصا مشتملا على فائدته وكونه مقبولا هناك وكذلك إذا أتقنت أن الإعراب صنفان لا غير: صنف ليس يتبع
стр. 244
وصنف تبع وأتقنت أن الصنف الثاني منحصر في تلك الأنواع الخمسة البدل والوصف والبيان والتأكيد واتباع الثاني الأول في الإعراب بتوسط حرف وعلمت كون المتبوع في نوع البدل في حكم المنحى والمضرب عنه بما تسمع أئمة النحو ﵃ يقولون البدل في حكم تنحية المبدل منه ويصون بتصريح بل في قسمة الغلطى وعلمت في الوصف والبيان والتأكيد أن التابع فيها هو المتبوع فالعالم في زيد العالم عندك ليس غير زيد وعمرو في أخوك عمرو عندي ليس غير أخوك ونفسه في جاء خالد نفسه ليس غير خالد ثم رجعت فتحققت أن الواو يستدعي معناه أن لا يكون معطوفه هو المعطوف عليه لامتناع أن يقال جاء زيد وزيد وأن يكون زيد الثاني هو زيد الأول حصل لك أن الصنف الأول ليس موضعا للعطف بأي حرف كان من حروف العطف لفوات شرط العطف فيه وهو تقدم المتبوع ولم يذهب عليك أن نحو جاء وزيد عرفت فعمراً وأتاني خالد وراكباً وما جرى هذا المجرى غير صحيح وأن نحو قوله عليك ورحمة الله السلام يلزم أن يكون عديم النظير وأن لا يسوغه إلا نية التقديم والتأخير. وأما نحو قوله عز سلطانه " وإياي فارهبون " فإنما ساغ لكون المعطوف عليه في حكم الملفوظ به لكونه مفسرا إذ تقديره وإياي ارهبوا فارهبوني على ما سبق التعرض لهذا القبيل في علم النحو. وأما نحو قوله " أو كلما عاهدوا " فساع ليقدم حرف الاستفهام المستدعى فعلا مدلولا على معناه بقرائن مساق الكلام وهو أكفروا بآيات الله وكلما عاهدوا وحصل لك أيضا أن الأنواع الأربعة من الصنف الثاني ليس واحد منها موضعا للعطف بالواو إما لفوات شرط العطف حكماً كما في البدل لنزول قولك سلب زيد ثوبه إذا عطفت فيه منزلة سلب وثوبه حكماً، وإما لفوات شرط معناه كما في الوصف
стр. 245
والبيان والتأكيد إنما موضعه النوع الخامس. وأما نحو قوله عز اسمه " وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم " فالوجه عندي هو أن ولها كتاب معلوم حال لقرية لكونها في حكم الموصوفة نازلة منزلة وما أهلكنا قرية من القرى لا وصف وحمله على الوصف سهو لا خطأ ولا عيب في السهو للإنسان والسهو ما ينتبه صاحبه بأدنى تنبيه والخطأ ما لا ينتبه صاحبه أو يتنبه لكن بعد أتعاب وسيزداد ما ذكرت وضوحا في آخر هذا الفصل في الكلام في الحال، ثم إذا أتقنت أيضا أن كل واحد من وجوه الإعراب دال على معنى كما تشهد لذلك قوانين علم النحو حصل لك فائدة الواو وهي مشاركة المعطوف والمعطوف عليه في ذلك المعنى فيكون عندك من الأصول الثلاثة أصلان معرفة موضعه ومعرفة فائدته، وإذا عرفت أن شرط كون العطف
بالواو مقبولا هو أن يكون بين المعطوف والمعطوف عليه جهة جامعة مثل ما ترى في نحو الشمس والقمر والسماء والأرض والجن والأنس كل إذا محدث وسنفصل الكلام في هذه الجملة بخلافه في نحو الشمس ومرارة الأرنب وسورة الإخلاص والرجل اليسرى من الضفدع ودين المجوس وألف باذنجانة كلها محدثة حصلت لك الأصول الثلاثة، وأن الأمر من القرب فيها كما ترى. وأما توسيط الواو بين جمل لا محل للمعطوف عليها من الإعراب فإنما بعد تعاطيه لكون الأصول الثلاثة في شأنه غير ممهدة لك وهو السر في أن دق مسلكه وبلغ من الغموض على حيث قصر بعض أئمة علم المعاني البلاغة على معرفة الفصل والوصل وما قصرها عليه لا لأن الأمر كذلك وإنما حاول بذلك التنبيه على مزيد عموض هذا الفن وأن أحدا لا يتجاوز هذه العقبة من البلاغة إلا إذا كان خلف سائر عقبانها خلفه. ومقبولا هو أن يكون بين المعطوف والمعطوف عليه جهة جامعة مثل ما ترى في نحو الشمس والقمر والسماء والأرض والجن والأنس كل إذا محدث وسنفصل الكلام في هذه الجملة بخلافه في نحو الشمس ومرارة الأرنب وسورة الإخلاص والرجل اليسرى من الضفدع ودين المجوس وألف باذنجانة كلها محدثة حصلت لك الأصول الثلاثة، وأن الأمر من القرب فيها كما ترى. وأما توسيط الواو بين جمل لا محل للمعطوف عليها من الإعراب فإنما بعد تعاطيه لكون الأصول الثلاثة في شأنه غير ممهدة لك وهو السر في أن دق مسلكه وبلغ من الغموض على حيث قصر بعض أئمة علم المعاني البلاغة على معرفة الفصل والوصل وما قصرها عليه لا لأن الأمر كذلك وإنما حاول بذلك التنبيه على مزيد عموض هذا الفن وأن أحدا لا يتجاوز هذه العقبة من البلاغة إلا إذا كان خلف سائر عقبانها خلفه.
стр. 246
واعلم أنك إذا تأملت ما لخصت لك في القريب التعاطي قرب هذا الثاني بحيث لا يخفى عليك بإذن الله تعالى بأدنى تنبيه وهو أن الجملة متى نزلت في كلام المتكلم منزلة الجملة العارية عن المعطوف عليها كما إذا أريد بها القطع عما أو أريد بها البدل عن سابقة عليها لك تكن موضعا لدخول الواو وكذا متى نزلت من الأولى منزلة نفسها لكمال اتصالها بها مثل ما إذا كانت موضحة لها ومبينة أو مؤكدة لها ومقررة لم تكن موضعا لدخول الواو وكذا متى لم يكن بينها وبين الأولى جهة جامعة لكمال انقطاعها عنها لم يكن أيضا موضعا لدخول الواو، وإنما يكون موضعا لدخوله إذا توسطت بين كمال الاتصال وبين كمال الانقطاع، ولكل من هذه الأنواع حالة تقتضيه، فإذا طابق ورودها تلك الأحوال وطبق المفصل هناك رقي الكلام من البلاغة عند أربابها على درجة يناطح فيها السماك فلا بد من تفصيل الكلام في تلك الحالات فتقول: أما الحالة المقتضية للقطع فهي نوعان: أحدهما أن يكون لكلام السابق حكم وأنت لا تريد أن تشركه، الثاني في ذلك فيقطع ثم أن هذا القطع يأنى أما على وجه الاحتياط وذلك إذا يوجد قبل الكلام السابق كلام غير مشتمل على مانع من العطف عليه لكن المقام مقام احتياط فيقطع لذلك، وإما على وجه الوجوب وذلك إذا كان لا يوجد. وثانيهما أن يكون الكلام السابق بفحواه كالمورد للسؤال فتنزل ذلك منزلة الواقع ويطلب بهذا الثاني وقوعه جواباً له فيقطع عن الكلام السابق لذلك وتنزيل السؤال بالفحوى منزلة الواقع لا يصار إليه لجهات لطيفة، إما لتنبيه السامع على موقعه أو لإغنائه أن يسأل أو لئلا يسمع منه شيء أو لئلا ينقطع كلامك بكلامه أو للقصد على تكثير المعنى بتقليل اللفظ وهو تقدير السؤال وترك العاطف أو غير
стр. 247
ذلك مما ينخرط في هذا السلك ويسمى النوع الأول قطعا والثاني استئنافا.
وأما الحالة المقتضية للإبدال فهي ان يكون الكلام السابق غير واف بتمام المراد وإيراده أو كغير الوافي والمقام مقام اعتناء بشأنه، إما لكونه مطلوبا في نفسه أو لكونه غريبا أو فظيعا أو عجيبا أو لطيفا أو غير ذلك مما له جهة استدعاء للاعتناء بشأنه فيعيده المتكلم بنظم أوفى منه على نية استئناف القصد على المراد ليظهر بمجموع القصدين إليه في الأول والثاني أعني المبدل منه والبدل مزيد الاعتناء بالشأن.
وأما الحالة المقتضية للإيضاح والتبيين فهي ان يكون بالكلام السابق نوع خفاء والمقام مقام إزالة له. وأما الحالة المقتضية للتأكيد والتقرير فظاهرة.
وأما الحالة المقتضية لكمال انقطاع ما بين الجملتين فهي أن تخلفا خبرا وطلبا مع تفصيل يعرف في الحالة المقتضية للتوسط أو إن اتفقتا خبرا فأن لا يكون بينهما ما يجمعهما عند المفكرة جمعا من جهة العقل أو الوهم أو الخيال والجامع العقلي هو أن يكون بينهما اتحاد في تصور مثل الاتحاد في المخبر عنه أو في الخبر أو في قيد من قيودهما أو تماثل هناك فإن العقل بتجريده المثلين عن التشخص في الخارج يرفع التعدد عن البين، أو يضايف كالذي بين العلة والمعلول والسبب والمسبب أو السفل والعلو والأقل والأكثر فالعقل يأبى أن لا يجتمعا في الذهن وأن العقل سلطان مطاع، والوهمي هو أن يكون بين تصوراتهما
стр. 248
شبه تماثل نحو ان يكون المخبر عنه في أحدهما لون بياض وفي الثانية لون صفرة فإن الوهم يحتال في أن يبرزهما في معرض المثلين وكم للوهم من حيل تروج وإلا فعليك بقوله:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحق والقمر
وقلي ما الذي سواه حسن الجمع بين الشمس وأبي إسحق والقمر هذا التحسين أو بقوله:
إذا لم يكن للمرء في الخلق مطمع ... فذو التاج والسقاء والذر واحد
وقد عرفت حال المثلين في شأن الجمع، أو تضاد كالسواد والبياض والهمس والجهارة والطيب والنتن والحلاوة والحموضة والملاسة والخشونة وكالتحرك والسكون والقيام والقعود والذهاب والمجيء والإقرار والإنكار والإيمان والكفر، وكالمتصفات بذلك من نحو الأسود والأبيض والمؤمن والكافر أو شبه تضاد كالذي بين نحو السماء والأرض والسهل والجبل والأول والثاني فإن الوهم ينزل المتضادين والشبيهين بهما منزلة المتضايقين فيجتهد في الجمع بينهما في الذهن ولذلك تجد الضد أقرب خطور بالبال مع الضد. والخيالي هو أن يكون بين تصورهما تقارن في الخيال سابق لأسباب مؤدية على ذلك فإن جميع ما يثبت في الخيال مما يصل إليه من الخارج يثبت فيه على نحو ما يتأدى إليه ويتكرر لديه ولذلك لما لم تكن الأسباب على وتيرة واحدة فيما بين معشر البشر اختلفت الحال في ثبوت الصور في الخيالات ترتبا ووضوحا فكم من صور تتعانق في الخيال وهي في آخر ليست تتراءى وكم صور لا تكاد تلوح في الخيال وهي في غيرة نار على علم، وإن أحببت أن تستوضح ما يلوح به إليك فحدق إليه من جايب اختبارك تلق كاتبا بتعديد قرطاس ومحبرة وقلم ونجارا بتعديد منشار وقدوم وعتلة وآخر وآخر بما يلابسون وأيا كان من أصحاب العرف
стр. 249
ولرسم فتلقه بذكر مسجد ومحراب وقنديل أو حمام وأزرار وسطل أو غير ذلك مما يجمعه العرف والرسم فإنهم جميعا لمصادفتهم معدوداتك على وفق الثابت في خيالهم لا يستبعدون العد ولا يقفون له موقف نكير وإذا غيرته على نحو محبرة ومنشار وقلم وقدوم ونحو مسجد وسطل وقنديل وحمام جاء الاستبداع والاستنكار وهل تشبيهات أولئك الرفقاء الأربعة البدر الطالع عليهم فيما يحكي تتلو عليك سورة غير ما تلونا أو تجلو لديك صورة غير ما جلونا. يحكى أن صاحب سلاح ملك وصواغا وصاحب بقر ومعلم صبية اتفق أن انتظمهم سلك طريق، وقد كان حمل كل منهم مركب الجد فما أورثهم انتقاب المحجة بالإظلام سوى الإغراء أن يلطموا بأيدي الرواقص حدودها وما استطاع الظلام أن لا يطئوا المسافة وقد نشر جناحه وأن يلقوا عصاهم وقد مد لهم رواقه فقابلهم بعبوس افتر عن مزيد تخبطهم وخوف ضلالهم فبيناهم في وحشة الظلماء وقد بلغ السيل الزبى ومقاساة محنتي التخبط وخوف الضلال وقد جاوز الحزام الطيبين آنسهم البدر الطالع بوجهه الكريم وأضاءت لهم أنواره كل مظلم بهيم فلم يتمالكوا أن أقبل عليه كل منهم ينظم ثناءه ويمدح سناه وثناءه ويخدمه بأكرم نتائج خاطره وإذا شبهه شبهه أفضل ما في خزانة صوره فما يشبهه السلاحي إلا بالترس المذهب يرفع عند الملك ولا يشبهه الصائغ إلا بالسبيكة من الابريز تفتر عن وجهها البوتقة ولا يشبهه البقار إلا بالجبن الأبيض يخرج من قالبه طريا ولا يشبهه المعلم إلا برغيف أحمر يصل إليه من بيت ذي مروءة أو التفاوت في الإيراد لوصف الكلام فيما يحكيه الأصحاب عن الأذكياء من ذوي الحرف المختلفة كوصف الجوهري للكلام
стр. 250
أحسن الكلام ما ثقبته الفكرة ونظمته الفطنة وفصل جوهر معانيه في سمط ألفاظه فحملته نحور الرواة، ووصف الصبر في خير الكلام ما نقدته يد البصيرة وجلته عين الروية ووزنته معيار الفصاحة فلا ينطق فيه بزائف ولا يسمع فيه ببهرج، ووصف الصائغ خير الكلام ما أحميته بكير الفكر وسبكته بمشاعل النظر وخلصته من خبث الإطناب فبرز بروزا الإبريز مركبا في معنى وجيز، ووصف الحداد أحسن الكلام ما نصبت عليه منفاخ الروية وأشعلت فيه نار البصيرة ثم أحرجته من فحم الأفحام ورققته بفطيس الأفهام ووصف الخمار أحسن الكلام ما طبخته مراجل العلم وضمته دنان الحكمة وصفاء راووق الفهم فتشمت في المفاصل عذوبته وفي الأفكار رقته وسرت في تجاويف العقل سورته وحدته ووصف البزاز أحسن الكلام ما صدق رقم ألفاظه وحسن رسم معانيه فلم يستعجم عند نشر ولم يستبهم عند طي، ووصف الكحال أصح الكلام ما سحقته في منجار الذكاء ونخلته بحرير التمييز وكما أن الرمد قذى العين كذا الشبهة قذى البصائر فأكحل عين اللكة بميل البلاغة وأجل رمض الغفلة ببرود اليقظة، أو سلوك الطريق في وصف البليغ حين سلكه الجمال قائلا البليغ من أخذ بخطام كلامه وأناخه في مبرك المعنى ثم جعل الاختصار له عقالا والإيجاز له مجالا فلم بند عن الأذهان ولم يشذ عن الآذان أو إخبار الوراق عن حاله على ما أخبر عيشى أضيق من محبرة وجسمي أدق من
مسطرة وجاهي أرق من الزجاج وحظي أخفى من شق القلم وبدني أضعف من قصبة وطعامي أمر من العفص وشرابي أشد سوادا من الحبر وسوء الحال بي ألزم من الصمغ. ولصاحب علم المعاني فضل احتياج في هذا الفن على التنبه لأنواع هذا الجامع والتيقظ لها لا سيما النوع الخيالي فإن جمعه على مجرى الألف والعادة بحسب ما تنعقد الأسباب في استيداع الصور خزانة الخيال وأن الأسباب لكما ترى على حد تتباين في شأن الجمع بين صور وصور فمن أسباب تجمع بين صومعة وقنديل وقرآن، ومن أسباب تجمع بين دسكرة وإبريق وأقران فقل لي إذا لم يوفه حقه من التيقظ وأنه من أهل المدرأتي يستحلي كلام رب العزة مع أهل الوبر حيث يبصرهم الدلائل ناسقا ذلك النسق " أفلا ينظرون على الإبل كيف خلقت وعلى السماء كيف رفعت وعلى الجبال كيف نصبت وعلى الأرض كيف سطحت " لبعد البعير عن خياله في مقام النظر ثم لبعده في خياله عن السماء وبعد خلقه عن رفعها وكذا البواقي لكن إذا وفاه حقه بتيقظه لما عليه تقلبهم في حاجاتهم جاء الاستحلاء وذلك إذا نظر أن أهل الوبر إذا كان مطعمهم ومشربهم وملبسهم من المواشي كانت عنايتهم مصروفة لا محالة على أكثرها نفعا وهي الإبل ثم إذا كان انتفاعهم بها لا يتحصل إلا بأن ترعى وتشرب كان جل مرمى غرضهم نزول المطر وأهم مسارح النظر عندهم السماء ثم إذا كانوا مضطرين على مأوى يأويهم وعلى حصن يتحصنون فيه ولا مأوى ولا حصن إلا الجبال. طرة وجاهي أرق من الزجاج وحظي أخفى من
следующие страницы →