← Баляга

Баляга · id 26581

مفتاح العلوم

السكاكي

Полный текст (593 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

واعلم أنك إذا تأملت ما لخصت لك في القريب التعاطي قرب هذا الثاني بحيث لا يخفى عليك بإذن الله تعالى بأدنى تنبيه وهو أن الجملة متى نزلت في كلام المتكلم منزلة الجملة العارية عن المعطوف عليها كما إذا أريد بها القطع عما أو أريد بها البدل عن سابقة عليها لك تكن موضعا لدخول الواو وكذا متى نزلت من الأولى منزلة نفسها لكمال اتصالها بها مثل ما إذا كانت موضحة لها ومبينة أو مؤكدة لها ومقررة لم تكن موضعا لدخول الواو وكذا متى لم يكن بينها وبين الأولى جهة جامعة لكمال انقطاعها عنها لم يكن أيضا موضعا لدخول الواو، وإنما يكون موضعا لدخوله إذا توسطت بين كمال الاتصال وبين كمال الانقطاع، ولكل من هذه الأنواع حالة تقتضيه، فإذا طابق ورودها تلك الأحوال وطبق المفصل هناك رقي الكلام من البلاغة عند أربابها على درجة يناطح فيها السماك فلا بد من تفصيل الكلام في تلك الحالات فتقول: أما الحالة المقتضية للقطع فهي نوعان: أحدهما أن يكون لكلام السابق حكم وأنت لا تريد أن تشركه، الثاني في ذلك فيقطع ثم أن هذا القطع يأنى أما على وجه الاحتياط وذلك إذا يوجد قبل الكلام السابق كلام غير مشتمل على مانع من العطف عليه لكن المقام مقام احتياط فيقطع لذلك، وإما على وجه الوجوب وذلك إذا كان لا يوجد. وثانيهما أن يكون الكلام السابق بفحواه كالمورد للسؤال فتنزل ذلك منزلة الواقع ويطلب بهذا الثاني وقوعه جواباً له فيقطع عن الكلام السابق لذلك وتنزيل السؤال بالفحوى منزلة الواقع لا يصار إليه لجهات لطيفة، إما لتنبيه السامع على موقعه أو لإغنائه أن يسأل أو لئلا يسمع منه شيء أو لئلا ينقطع كلامك بكلامه أو للقصد على تكثير المعنى بتقليل اللفظ وهو تقدير السؤال وترك العاطف أو غير

стр. 247

ذلك مما ينخرط في هذا السلك ويسمى النوع الأول قطعا والثاني استئنافا. وأما الحالة المقتضية للإبدال فهي ان يكون الكلام السابق غير واف بتمام المراد وإيراده أو كغير الوافي والمقام مقام اعتناء بشأنه، إما لكونه مطلوبا في نفسه أو لكونه غريبا أو فظيعا أو عجيبا أو لطيفا أو غير ذلك مما له جهة استدعاء للاعتناء بشأنه فيعيده المتكلم بنظم أوفى منه على نية استئناف القصد على المراد ليظهر بمجموع القصدين إليه في الأول والثاني أعني المبدل منه والبدل مزيد الاعتناء بالشأن. وأما الحالة المقتضية للإيضاح والتبيين فهي ان يكون بالكلام السابق نوع خفاء والمقام مقام إزالة له. وأما الحالة المقتضية للتأكيد والتقرير فظاهرة. وأما الحالة المقتضية لكمال انقطاع ما بين الجملتين فهي أن تخلفا خبرا وطلبا مع تفصيل يعرف في الحالة المقتضية للتوسط أو إن اتفقتا خبرا فأن لا يكون بينهما ما يجمعهما عند المفكرة جمعا من جهة العقل أو الوهم أو الخيال والجامع العقلي هو أن يكون بينهما اتحاد في تصور مثل الاتحاد في المخبر عنه أو في الخبر أو في قيد من قيودهما أو تماثل هناك فإن العقل بتجريده المثلين عن التشخص في الخارج يرفع التعدد عن البين، أو يضايف كالذي بين العلة والمعلول والسبب والمسبب أو السفل والعلو والأقل والأكثر فالعقل يأبى أن لا يجتمعا في الذهن وأن العقل سلطان مطاع، والوهمي هو أن يكون بين تصوراتهما

стр. 248

شبه تماثل نحو ان يكون المخبر عنه في أحدهما لون بياض وفي الثانية لون صفرة فإن الوهم يحتال في أن يبرزهما في معرض المثلين وكم للوهم من حيل تروج وإلا فعليك بقوله: ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحق والقمر وقلي ما الذي سواه حسن الجمع بين الشمس وأبي إسحق والقمر هذا التحسين أو بقوله: إذا لم يكن للمرء في الخلق مطمع ... فذو التاج والسقاء والذر واحد وقد عرفت حال المثلين في شأن الجمع، أو تضاد كالسواد والبياض والهمس والجهارة والطيب والنتن والحلاوة والحموضة والملاسة والخشونة وكالتحرك والسكون والقيام والقعود والذهاب والمجيء والإقرار والإنكار والإيمان والكفر، وكالمتصفات بذلك من نحو الأسود والأبيض والمؤمن والكافر أو شبه تضاد كالذي بين نحو السماء والأرض والسهل والجبل والأول والثاني فإن الوهم ينزل المتضادين والشبيهين بهما منزلة المتضايقين فيجتهد في الجمع بينهما في الذهن ولذلك تجد الضد أقرب خطور بالبال مع الضد. والخيالي هو أن يكون بين تصورهما تقارن في الخيال سابق لأسباب مؤدية على ذلك فإن جميع ما يثبت في الخيال مما يصل إليه من الخارج يثبت فيه على نحو ما يتأدى إليه ويتكرر لديه ولذلك لما لم تكن الأسباب على وتيرة واحدة فيما بين معشر البشر اختلفت الحال في ثبوت الصور في الخيالات ترتبا ووضوحا فكم من صور تتعانق في الخيال وهي في آخر ليست تتراءى وكم صور لا تكاد تلوح في الخيال وهي في غيرة نار على علم، وإن أحببت أن تستوضح ما يلوح به إليك فحدق إليه من جايب اختبارك تلق كاتبا بتعديد قرطاس ومحبرة وقلم ونجارا بتعديد منشار وقدوم وعتلة وآخر وآخر بما يلابسون وأيا كان من أصحاب العرف

стр. 249

ولرسم فتلقه بذكر مسجد ومحراب وقنديل أو حمام وأزرار وسطل أو غير ذلك مما يجمعه العرف والرسم فإنهم جميعا لمصادفتهم معدوداتك على وفق الثابت في خيالهم لا يستبعدون العد ولا يقفون له موقف نكير وإذا غيرته على نحو محبرة ومنشار وقلم وقدوم ونحو مسجد وسطل وقنديل وحمام جاء الاستبداع والاستنكار وهل تشبيهات أولئك الرفقاء الأربعة البدر الطالع عليهم فيما يحكي تتلو عليك سورة غير ما تلونا أو تجلو لديك صورة غير ما جلونا. يحكى أن صاحب سلاح ملك وصواغا وصاحب بقر ومعلم صبية اتفق أن انتظمهم سلك طريق، وقد كان حمل كل منهم مركب الجد فما أورثهم انتقاب المحجة بالإظلام سوى الإغراء أن يلطموا بأيدي الرواقص حدودها وما استطاع الظلام أن لا يطئوا المسافة وقد نشر جناحه وأن يلقوا عصاهم وقد مد لهم رواقه فقابلهم بعبوس افتر عن مزيد تخبطهم وخوف ضلالهم فبيناهم في وحشة الظلماء وقد بلغ السيل الزبى ومقاساة محنتي التخبط وخوف الضلال وقد جاوز الحزام الطيبين آنسهم البدر الطالع بوجهه الكريم وأضاءت لهم أنواره كل مظلم بهيم فلم يتمالكوا أن أقبل عليه كل منهم ينظم ثناءه ويمدح سناه وثناءه ويخدمه بأكرم نتائج خاطره وإذا شبهه شبهه أفضل ما في خزانة صوره فما يشبهه السلاحي إلا بالترس المذهب يرفع عند الملك ولا يشبهه الصائغ إلا بالسبيكة من الابريز تفتر عن وجهها البوتقة ولا يشبهه البقار إلا بالجبن الأبيض يخرج من قالبه طريا ولا يشبهه المعلم إلا برغيف أحمر يصل إليه من بيت ذي مروءة أو التفاوت في الإيراد لوصف الكلام فيما يحكيه الأصحاب عن الأذكياء من ذوي الحرف المختلفة كوصف الجوهري للكلام

стр. 250

أحسن الكلام ما ثقبته الفكرة ونظمته الفطنة وفصل جوهر معانيه في سمط ألفاظه فحملته نحور الرواة، ووصف الصبر في خير الكلام ما نقدته يد البصيرة وجلته عين الروية ووزنته معيار الفصاحة فلا ينطق فيه بزائف ولا يسمع فيه ببهرج، ووصف الصائغ خير الكلام ما أحميته بكير الفكر وسبكته بمشاعل النظر وخلصته من خبث الإطناب فبرز بروزا الإبريز مركبا في معنى وجيز، ووصف الحداد أحسن الكلام ما نصبت عليه منفاخ الروية وأشعلت فيه نار البصيرة ثم أحرجته من فحم الأفحام ورققته بفطيس الأفهام ووصف الخمار أحسن الكلام ما طبخته مراجل العلم وضمته دنان الحكمة وصفاء راووق الفهم فتشمت في المفاصل عذوبته وفي الأفكار رقته وسرت في تجاويف العقل سورته وحدته ووصف البزاز أحسن الكلام ما صدق رقم ألفاظه وحسن رسم معانيه فلم يستعجم عند نشر ولم يستبهم عند طي، ووصف الكحال أصح الكلام ما سحقته في منجار الذكاء ونخلته بحرير التمييز وكما أن الرمد قذى العين كذا الشبهة قذى البصائر فأكحل عين اللكة بميل البلاغة وأجل رمض الغفلة ببرود اليقظة، أو سلوك الطريق في وصف البليغ حين سلكه الجمال قائلا البليغ من أخذ بخطام كلامه وأناخه في مبرك المعنى ثم جعل الاختصار له عقالا والإيجاز له مجالا فلم بند عن الأذهان ولم يشذ عن الآذان أو إخبار الوراق عن حاله على ما أخبر عيشى أضيق من محبرة وجسمي أدق من مسطرة وجاهي أرق من الزجاج وحظي أخفى من شق القلم وبدني أضعف من قصبة وطعامي أمر من العفص وشرابي أشد سوادا من الحبر وسوء الحال بي ألزم من الصمغ. ولصاحب علم المعاني فضل احتياج في هذا الفن على التنبه لأنواع هذا الجامع والتيقظ لها لا سيما النوع الخيالي فإن جمعه على مجرى الألف والعادة بحسب ما تنعقد الأسباب في استيداع الصور خزانة الخيال وأن الأسباب لكما ترى على حد تتباين في شأن الجمع بين صور وصور فمن أسباب تجمع بين صومعة وقنديل وقرآن، ومن أسباب تجمع بين دسكرة وإبريق وأقران فقل لي إذا لم يوفه حقه من التيقظ وأنه من أهل المدرأتي يستحلي كلام رب العزة مع أهل الوبر حيث يبصرهم الدلائل ناسقا ذلك النسق " أفلا ينظرون على الإبل كيف خلقت وعلى السماء كيف رفعت وعلى الجبال كيف نصبت وعلى الأرض كيف سطحت " لبعد البعير عن خياله في مقام النظر ثم لبعده في خياله عن السماء وبعد خلقه عن رفعها وكذا البواقي لكن إذا وفاه حقه بتيقظه لما عليه تقلبهم في حاجاتهم جاء الاستحلاء وذلك إذا نظر أن أهل الوبر إذا كان مطعمهم ومشربهم وملبسهم من المواشي كانت عنايتهم مصروفة لا محالة على أكثرها نفعا وهي الإبل ثم إذا كان انتفاعهم بها لا يتحصل إلا بأن ترعى وتشرب كان جل مرمى غرضهم نزول المطر وأهم مسارح النظر عندهم السماء ثم إذا كانوا مضطرين على مأوى يأويهم وعلى حصن يتحصنون فيه ولا مأوى ولا حصن إلا الجبال. طرة وجاهي أرق من الزجاج وحظي أخفى من

стр. 251

شق القلم وبدني أضعف من قصبة وطعامي أمر من العفص وشرابي أشد سوادا من الحبر وسوء الحال بي ألزم من الصمغ. ولصاحب علم المعاني فضل احتياج في هذا الفن على التنبه لأنواع هذا الجامع والتيقظ لها لا سيما النوع الخيالي فإن جمعه على مجرى الألف والعادة بحسب ما تنعقد الأسباب في استيداع الصور خزانة الخيال وأن الأسباب لكما ترى على حد تتباين في شأن الجمع بين صور وصور فمن أسباب تجمع بين صومعة وقنديل وقرآن، ومن أسباب تجمع بين دسكرة وإبريق وأقران فقل لي إذا لم يوفه حقه من التيقظ وأنه من أهل المدرأتي يستحلي كلام رب العزة مع أهل الوبر حيث يبصرهم الدلائل ناسقا ذلك النسق " أفلا ينظرون على الإبل كيف خلقت وعلى السماء كيف رفعت وعلى الجبال كيف نصبت وعلى الأرض كيف سطحت " لبعد البعير عن خياله في مقام النظر ثم لبعده في خياله عن السماء وبعد خلقه عن رفعها وكذا البواقي لكن إذا وفاه حقه بتيقظه لما عليه تقلبهم في حاجاتهم جاء الاستحلاء وذلك إذا نظر أن أهل الوبر إذا كان مطعمهم ومشربهم وملبسهم من المواشي كانت عنايتهم مصروفة لا محالة على أكثرها نفعا وهي الإبل ثم إذا كان انتفاعهم بها لا يتحصل إلا بأن ترعى وتشرب كان جل مرمى غرضهم نزول المطر وأهم مسارح النظر عندهم السماء ثم إذا كانوا مضطرين على مأوى يأويهم وعلى حصن يتحصنون فيه ولا مأوى ولا حصن إلا الجبال. لنا جبل يحتله من نجيره ... منيع يرد الطرف وهو كليل فما ظنك بالتفات خاطرهم إليها ثم إذا تعذر طول مكثهم في منزل ومن الأصحاب مواش بذاك كان عقد الهمة عندهم بالتنقل من أرض

стр. 252

على سواها من عزم الأمور، فعند نظره هذا أيرى البدوي إذا أخذ يفتش عما في خزانة الصور له لا يجد صورة الإبل حاضرة هناك أو لا يجد صورة السماء لها مقارنة أو تعوزه صورة الجبال بعدهما أو لا ننص إليه صورة الأرض تليها بعدهن لا وإنما الحضري حيث لم تتآخذ عنده تلك الأمور وما جمع خياله تلك الصور على ذلك الوجه إذا تلا الآية قبل أن يقف على ما ذكرت ظن النسق بجهله معيبا للعيب فيه. وأما الحالة المقتضية للتوسط بين كمال الانقطاع فهي إن اختلفا خبراً وطلباً أن يكون المقام مشتملاً على ما يزيل الاختلاف من تضمين الخبر معنى الطلب أو الطلب معنى الخبر ومشركا بينهما في جهات جامعة مما تليت عليك على نحو قوله تعالى " وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذوي القربى واليتامى والمساكين وقولوا " إذ لا يخفى " أن قوله " لا تعبدون " مضمن معنى لا تعبدوا وقوله " إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون سلام قولا من رب رحيم " وامتازوا اليوم أيها المجرمون " فإن المقام مشتمل على تضمين أن أصحاب الجنة معنى الطلب بيان ذلك أن الذي قبله من قوله " فاليوم لا تظلم نفس شيئاً " كلام وقت الحشر من غيره شبهة لوروده معطوفا بالفاء على قوله " إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون " وعام لجميع الخلق

стр. 253

لعموم قوله " لا تظلم نفس شيئاً " وأن الخطاب الوارد بعده على سبيل الالتفات في قوله " ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون " خطاب عام لأهل المحشر، وأن قوله " إن أصحاب الجنة اليوم في شغل قائل فاكهون " هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم " فصل تنزل على كل أفاك ليقع جوابا للسؤال الذي يقطر من قول هل أنبئكم على من تنزل الشياطين وهو إي والله نبئنا على أي مخلوق تنزل، ومن الآيات الواردة على الاستئناف قوله تعالى " قال فرعون وما رب العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين قال أولو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين " فإن الفصل في جميع ذلك بناء على أن السؤال الذي يستصحبه تصور مقام المقاولة من نحو: فماذا قال موسى فماذا قال فرعون، وكذلك قوله " قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين قالوا أجئنا بالحق أم أنت من اللاعبين " الفصل بناء على ماذا قال وماذا قالوا، وكذلك قوله " هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ على أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف " قدر مع قوله فقالوا سلاما ماذا قال إبراهيم وقت السلام ومع قوله فقربه إليهم ماذا قال وقت التقريب ومع قوله فأوجس منهم خيفة ماذا قالوا حين رأوا منه ذلك وسلوك هذا الأسلوب في القرآن كثير، ومن أمثلة البدل قوله: أقول له ارحل لا تقيمن عندنا ... وإلا فكن في السر والجهر مسلما فصل لا تقيمن عن ارحل لقصد البدل لأن المقصود من كلامه هذا كمال إظهار الكراهة لإقامته بسبب خلاف سره العلن، وقوله لا تقيمن عندنا أوفى بتأدية هذا المقصود من قوله ارحل لدلالة ذاك عليه بالتضمن مع التجرد عن التأكيد ودلالة هذا عليه بالمطابقة مع التأكيد، وكذلك قوله تعالى " بل قالوا مثل ما قال الأولون قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون " فصل قالوا أئذا متنا عن قالوا مثل ما قال الأولون لقصد البدل، ولك أن تحمله على الاستئناف لما في قوله مثل ما قال الأولون من الإجمال المحرك للسامع أن يسأل ماذا قالوه، وكذلك قوله " أمدكم بما تعملون أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون " الفصل فيه للبدل ويحتمل الاستئناف، وكذلك قوله " اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسئلكم أجرا وهم مهتدون " لم يعطف اتبعوا من لا يسئلكم للبدل، ومن أمثلة الإيضاح والتبيين قوله تعالى " ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون " لم يعطف يخادعون على ما قبله، لكونه موضحا له ومبينا من حيث أنهم حين كانوا يوهمون بألسنتهم أنهم آمنوا وما كانوا مؤمنين بقلوبهم قد كانوا في حكم المخادعين. وقوله تعالى " فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى " لم يعطف قال على فاكهون نقص ١٢٥ على قوله أيها المجرمون " متقيد بهذا الخطاب لكونه تفصيلا لما أجمله " ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون " وأن التقدير إن أصحاب الجنة منكم يا أهل المحشر ثم جاء في التفسير أن قوله هذا إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون يقال لهم حين يسار بهم على الجنة بتنزيل ما هو للكون منزلة الكائن، فانظر بعد تحرير معنى الآية وهو أن أصحاب الجنة منكم يا أهل المحشر تئول حالهم على أسعد حال كيف اشتمل المقام فليمتازوا عنكم على الجنة وأما كونه مشركا بين المعطوف والمعطوف عليه في الذي نحن بصدده في جهات تجمعهما فغير خاف ونحو قوله تعالى " فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين يا موسى أنه أنا الله العزيز الحكيم وألق عصاك " فإن الكلام مشتمل على تضمين الطلب معنى الخبر، وذلك أن قوله: وألق عصاك معطوف على قوله أن بورك. المعنى فلما جاءها قيل بورك وقيل ألق عصاك لما عرفت في علم النحو أنّ أن هذه لا تأتي إلا بعد فعل في معنى القول وإذا قيل كتبت إليه أن ارجع وناداني أن قم كان بمنزلة قلت له ارجع وقال لي قم، وأما قوله تعالى " وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات " بعد قوله " أعدت للكافرين " فيعد معطوفا على فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة، وعندي أنه

стр. 254

معطوف على قل مرادا قبل " يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم " لكون إرادة القول بواسطة انصباب الكلام على معناه غير عزيزة في القرآن، من ذلك " وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا " أي وقلنا أو قائلين كلوا، ومن ذلك " وإذا استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشر عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا " أي وقلنا أنت يا موسى كلوا واشربوا، ومن ذلك " وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا " أي وقلنا أو قائلين خذوا، ومن ذلك " وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا " أي وقلنا اتخذوا، ومن ذلك " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا " أي يقولان ربنا وعليه قراءة عبد الله، ومن ذلك " ووصى إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني " على قول أصحابنا البصريين " ومن ذلك " ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا " أي ويقولون ذوقوا ومن ذلك " براءة من الله ورسوله على الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا " أي فقولوا لهم سيحوا وأمثال ذلك أكثر من أن يحصيها ههنا وكذلك عطف قوله " وبشر الصابرين إذا أصابتهم مصيبة " على قل مرادا قبل " يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة " وكذا عطف وبشر المؤمنين

стр. 255

في صورة الصف عندي على قل مرادا قبل " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم " وذهب صاحب الكشاف على أنه معطوف على تؤمنون قبله لكونه في معنى آمنوا فتأمل جميع ذلك وكن الحاكم دوني. أو أن تتفق الجملتان خبرا والمقام على حال إشراك بينهما في جوامع ثم كلما كانت الشركة في أكثر وأظهر كان الوصل بالقبول أجدر. ولنختم الكلام في تفصيل الحالات المقتضية للقطع والاستئناف والإبدال والإيضاح والتقريب والانقطاع والتوسط بين بين بهذا القمر. ولذكر لك أمثلة لتجذب بضبعك إن عسى اعترضتك مداحض إذا أخذت تسلك الطرقات، من أمثلة القطع للاحتياط قوله: وتظن سلمى أنني أبغي بها ... بدلا أراها في الضلال تهيم لم يعطف أراها كي لا يحسب السامع العطف على أبغي دون تظن ويعد أراها في الضلال تهيم من مظنونات سلمى في حق الشاعر وليس هو بمراد إنما المراد أنه حكم الشاعر عليها بذاك وليس بمستبعد لانصباب قوله وتظن سلمى أنني أبغي بها بدلا، على إيراد فما قولك في ظنها ذلك أن يكون قد قطع أراها ليقع جوابا لهذا السؤال على سبيل الاستئناف وإياك أن ترى الفصل لأجل الوزن فما هو هناك وقوله: زعمتم أن إخوتكم قريش ... لهم إلف وليس إلاف

стр. 256

لم يعطف لهم إلف خيفة أن يظن العطف على أن إخوتكم قريش فيفسد معنى البيت ولك أن تقول جاء على طريق الاستئناف قوله لهم إلف وليس إلاف وذلك أنه حين أبدى إنكار زعمهم عليهم بفحوى الحال فكان مما يحرك السامعين أن يسألوا لم تنكر فصل قوله لهم إلف عما قبله ليقع جوابا للسؤال الذي هو مقتضى الحال، ومن أمثلة القطع للوجوب قوله عز من قائل " وإذا خلوا على شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون الله يستهزئ بهم " لم يعطف الله يستهزئ بهم للمانع عن العطف لكان المعطوف عليه إما جملة قالوا وإما جملة أنا معكم إنما نحن مستهزءون لكن لو عطف على إنما نحن مستهزءون لشاركه في حكمه وهو كونه من قولهم وليس هو بمراد ولو عطف على قالوا لشاركه في اختصاصه بالظرف المقدم وهو إذا خلوا على شياطينهم لما عرفت في فصل التقديم والتأخير وليس هو بمراد فإن استهزاء الله بهم وهو أن خذلهم فخلاهم وما سولت لهم أنفسهم مستدرجا إياهم من حيث لا يشعرون متصل في شأنهم لا ينقطع بكل حال خلوا على شياطينهم أم لم يخلوا إليهم، وكذا قوله تعالى " وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون " قطع ألا إنهم لئلا يستلزم عطفه على إنما نحن مصلحون كونه مشاركا له في أنه من قولهم أو عطفه على قالوا كونه مختصا بالظرف اختصاص قالوا به لتقدمه عليه وهو

стр. 257

إذا قيل لهم لا تفسدوا فإنهم مفسدون في جميع الأحيان سواء قيل لهم لا تفسدوا أو لم يقل، وكذلك قوله " وإذا قيل لهم آمنوا كما أمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء " قطع ألا إنهم لمثل ما تقدم في الآية السابقة، ولك أن تحمل ترك العطف في الله يستهزئ بهم على الاستئناف من حيث أن حكاية المنافقين في الذي قبله لما كانت تحرك السامعين أن يسألوا ما مصير أمرهم وعقبى حالهم وكيف معاملة الله إياهم لم يكن من البلاغة أن يعرى الكلام عن الجواب فلزم المصير على الاستئناف وأن نقول في ألا إنهم هم المفسدون ترك العطف فيه للاستئناف أيضا ليطابق مقتضى الحال وذلك أن ادعاءهم الصلاح لأنفسهم على ما ادعوه مع توغلهم في الإفساد مما يشوق السامع أن يعرف ما حكم الله عليهم فكان وروده بدون الواو هو المطابق كما ترى وكذا في ألا إنهم هم السفهاء ومن أمثلة الاستئناف قوله: زعم العواذل أنني في غمرة ... صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي لم يعطف صدقوا على زعم العواذل للاستئناف وقد أصاب المحز وذلك أنه حين أبدى الشكاية عن جماعات العذال بقوله زعم العواذل أنني في غمرة فكان مما يحرك السامع عادة ليسأل هل صدقوا في ذلك أم كذبوا صار هذا السؤال مقتضى الحال فبنى عليه تاركا للعطف على ما قبله إيراد الجواب عقيب السؤال، وكذلك قوله: زعم العواذل أن ناقة جندب ... بجنوب خبت عريت وأجمت كذب العواذل لو رأين مناخنا ... بالقادسية قلن لج وذلت فصل كذب العواذل فلم بعطفه ليقع جوابا لسؤال اقتضاه الحال

стр. 258

عند شكواه عن النساء العاذلات بقوله زعم العواذل أنه كان كيت وكيت وهو هل كذب العواذل في ذلك أم صدقن وكذلك قوله: أبكي على قتل العدان فإنهم ... طالت إقامتهم ببطن برام كانوا على الأعداء نار محرق ... ولقومهم حرما من الإحرام قطع كانوا للاستئناف لأنه حين أمرها بالبكاء كأنه توهمها قالت ولم أبكيهم أو كيف أبكيهم صفهم لي كيف كانوا فقال مجيبا كانوا على الأعداء، وكذلك قوله: عرفت المنزل الخالي ... عفا من بعد أحوال عفاه كل حنان ... عسوف الوبل هطال فصل عفاه كل حنان للاستئناف لأنه حين قال عفا من بعد أحوال كان مظنه أن يقال ماذا عفاه وكذلك قوله: وما عفت الرياح له محلا ... عفاه من حدا بهم وساقا حين قال في محل معفو ما عفته الرياح كان موضع سؤال وهو فما إذا وكذلك قوله: وقد غرضت من الدنيا فهل زمني ... معط حياتي لغر بعد ما غرضا جربت دهري وأهليه فما تركت ... لي التجارب في ود امرئ غرضا لم يصل جربت بالعطف على غرضت بناء على سؤال ينساق إليه معنى البيت الأول وهو لم تقول هذا ويحك وما الذي اقتضاك أن تطوي عن الحياة على هذه الغاية كشحك، وكذلك قوله عز قائلا " أولئك على هدى من ربهم " جاء مفصولا عما قبله بطريق

стр. 259

الاستئناف كأنه قيل ما للمتقين الجامعين بين الإيمان بالغيب في ضمن إقامة الصلاة والإنفاق مما رزقهم الله تعالى وبين الإيمان بالكتب المنزلة في ضمن الإيقان بالآخرة اختصوا بهدى لا يكتنه كنهه ولا يقادر قدره مقولا في حقهم هدى للمتقين الذين والذين بتنكير هدى. فأجيب بأن أولئك الموصوفين غير مستبعد ولا مستبدع أن يفوزوا دون من عداهم بالهدى عاجلا وبالفلاح آجلا، ولك أن تقدر تمام الكلام هو المتقين وتقدر السؤال، ويستأنف الذين يؤمنون بالغيب على ساقه الكلام وأنه أدخل في البلاغة لكون الاستئناف على هذا الوجه منطويا على بيان الموجب لاختصاصهم بما اختصوا به على نحو ما تقول أحسنت على زيد صديقك القديم أهل منك لما فعلت، ولك أن تخرج الآية عما نحن بصدده بأن يجعل الموصول الأول من توابع المتقين إما مجرورا بالوصف أو منصوبا بالاختصاص وتجعل الموصول الثاني مبتدأ وأولئك خبره مرادا به التعريض لمن يؤمنوا من أهل الكتاب وستعرف التعريض جاعلا الجملة برأسها من مستتبعاً ت هدى للمتقين من هذه الوجوه لاستئناف الذين يؤمنون بالغيب لجهات فتأملها، وكذلك قوله عز من

стр. 260

وسوس لكونه تفسيرا له وتبيينا، ومن أمثلة التقرير والتأكيد قوله تعالى " الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين " لم يعطف لا ريب فيه على ذلك الكتاب حين كان وزانه في الآية وزان نفسه في قولك جاءني الخليفة نفسه أو وزان بيننا في قولك هو الحق بيننا، يدلك على ذلك

стр. 261

أنه حين بولغ في وصف الكتاب ببلوغه الدرجة القصيا من الكمال والوفور في شأنه تلك المبالغة حيث جعل المبتدأ لفظة ذلك وأدخل على الخبر حرف التعريف بشهادة الأصول كما سبقت كان عند السامع قبل أن يتأمل مظنة في سلك ما قد يرمى به على سبيل الجزاف من غير تحقق وإيقان فأتبعه لا ريب فيه نفيا لذلك، وقد أصيب به المحز اتباع نفسه الخليفة إزالة لما عسى يتوهم السامع أنك في قولك جاءني الخليفة متجوز أوساه وتقرير كونه حالاً مؤكدة ظاهر، وكذلك فصل هدى للمتقين لمعنى التقرير فيه للذي قبله، لأن قوله " ذلك الكتاب فيه " مسوق لوصف التنزيل بكمال كونه هاديا وقوله " هدى للمتقين " تقديره كما لا يخفى هو هدى وأن معناه نفسه هداية محضة بالغة درجة لا يكتنه كنهها، وأنه في التأكيد والتقرير لمعنى أنه كامل في الهداية كما ترى. وأما بيان أن ما قبله مسوق لما ذكر فما ترى من النظم الشاهد له حرازه قصب السبق في شأنه وهو ذلك الكتاب، ثم من تعقيبه بما ينادي على صدق الشاهد ذلك النداء البليغ وهو لا ريب فيه وأنك لتعلم أن شأن الكتب السماوية الهداية لا غير وبحسبها يتفاوت شأنهن في درجات الكمال وكذلك قوله " إن الذين كفرا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة " فصل قوله لا يؤمنون لما كان مقررا لما أفاد قوله " سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم " من ترك إجابتهم على الإيمان، وكذلك فصل قوله " ختم الله على قلوبهم " لما كان بمثابة لا يؤمنون من جهة أخرى وهي أن عدم التفاوت بين الإنذار لما لم يصح إلا في حق من ليس له قلب يخلص إليه حق وسمع يدرك به حجة وبصر يثبت به عبرة وقع قوله " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة " مقررا كما ترى وكذلك

стр. 262

قوله أنا معكم إنما نحن مستهزءون لما كان المراد بأنا معكم هو إنا معكم قلوبا وكان معناه إنا نوهم أصحاب محمد الإيمان وقع قوله إنما نحن مستهزءون مقررا ولك أن تحمله على الاستئناف لانصباب أنا معكم وهو قول المنافقين لشياطينهم على أن يقول لهم شياطينهم فما بالكم أن صح أنكم معنا توافقون أصحاب محمد، وكذلك قوله " ما هذا بشرا هذا إلا ملك كريم " فصل إن هذا لكونه مؤكدا للأول في نفي البشرية ولك أن تقول الذي عليه العرف متى قيل في حق إنسان ما هذا بشرا ما هو بآدمي في حال التعظيم له والتعجب مما يشاهد منه من حسن الخلق والخلق هو أن يفهم منه أنه ملك فوقع قوله " إن هذا إلا ملك " تأكيدا للملكية ففصل، وكذلك قوله " كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا " الثاني مقرر للأول، ومن أمثلة الانقطاع للاختلاف خبرا وطلبا قوله: وقال رائدهم أرسو نزاولها ... فكل حتف امرئ يجري بمقدار وقوله: ملكته حبلى ولكنه ... ألقاه من زهد على غاربي وقال إني في الهوى كاذب ... انتقم الله من الكاذب لأنه أراد الدعاء بقوله انتقم، وكذا قولهم مات فلان ﵀ وكذلك قولهم لا تدن من الأسد يأكلك وهل تصلح لي كذا أدفع إليك الأجرة بالرفع فيهما وغير ذلك مما هو في هذا السلك منخرط، ومن

стр. 263

أمثلة لغير الاختلاف ما أذكره تكون في حديث ويقع في خاطرك بغتة حديث آخر لا جامع بينه وبين ما أنت فيه بوجه أو بينهما جامع غير ملتفت إليه لبعد مقامك عنه ويدعوك على ذكره داع فتورده في الذكر مفصولا مثال الأول كنت في حديث مثل كان معي فلان فقرأ ثم خطر ببالك أن صاحب حديثك جوهري ولك جوهرة لا تعرف قيمتها فتعقب كلامك أنك تقول لي جوهرة لا أعرف قيمتها هل أرينكها فتفصل، ومثال الثاني وجدت أهل مجلسك في ذكر خواتم لهم يقول واحد منهم خاتمي كذا يصفه بحسن صياغة وملاحة نقش ونفاسة فص وجودة تركيب وارتفاع قيمة، ويقول آخر وإن خاتمي هذا سيئ الصياغة كريه النقش فاسد التركيب رديء في غاية الرداءة، ويقول آخر وإن خاتمي بديع الشكل خفيف الوزن لطيف النقش ثمين الفص إلا أنه واسع لا يمسكه أصبعي وأنت كما قلت أن خاتمي ضيق تذكرت ضيق خفك وعناءك منه فلا تقول وخفي ضيق لنبوّ مقامك عن الجمع بين ذكر الخاتم وذكر الخف فتختار القطع قائلا خفي ضيق قولوا ماذا أعمل، أو تكون في حديث قد تم ومعك حديث آخر بعيد التعلق به تريد أن تذكره فتورده في الذكر مفصولا مثل ما تقول كتاب سيبويه ﵀ والله كتاب لا نظير له في فنه ولا غنى لامرئ في أنواع العلوم عنه لا سيما في الإسلامية فإنه فيها أساس وأي أساس إن الذين رضوا بالجهل لا يدرون ما العلوم وما أساس العلوم فتفصل إن الذين رضوا بالجهل عما قبله لكون ما قبله حديثا عن كتاب سيبويه وأنه حقيق بأن يخدم وكون ما عقبته به حديثا عن الجهال وسوء ما أثمر لهم جهلهم، وقوله عز اسمه " إن الذين كفروا " سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم من هذا القبيل قطع أن الذين كفروا عما قبله لكون ما قبله حديثا عن القرآن من شأنه كيت وكيت، وكون

стр. 264

" إن الذين كفروا " حديثا عن الكفار وعن تصميمهم في كفرهم والفصل لازم للانقطاع لأن الواو كما عرفت معناه الجمع فالعطف بالواو في مثله يبرز في معرض التوخي للجمع بين الضب والنون ولذلك متى قال قائل زيد منطلق ودرجات الحمل ثلاثون وكم الخليفة في غاية الطول وما أحوجني على الاستفراغ وأهل الروم نصارى وفي عين الذباب جحوظ وكان جالينوس ماهرا في الطب وختم القرآن في التراويح سنة وإن القرد لشبيه بالآدمي فعطف أخرج من زمرة العقلاء وسجل عليه بكمال السخافة أو عد مسخرة من المساخر واستطرف نسقه هذا على غاية ربما استودع دفاتر المضاحك وسفين نوادر الهذيان بخلافه إذا ترك العطف ورمى بالجمل رمى الحصا والجوز من غير طلب ائتلاف بينها فالخطب إذن يهون هونا ما، ومن هنا عابوا أبا تمام في قوله: لا والذي هو عالم أن النوى ... صبر وأن أبا الحسين كريم حيث تعاطى الجمع بين مرارة النوى وكرم أبي الحسين، ومن أمثلة التوسط ما نتلو من قوله تعالى " يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها " وقوله " إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم " وغير ذلك. واعلم أن الوصل من محسناته أن تكون الجملتان متناسبتان ككونهما اسميتين ككونهما اسميتين أو فعليتين وما شاكل ذلك فإذا كان المراد من الأخبار مجرد نسبة الخبر على المخبر عنه من غير التعرض لقيد زائد كالتجدد والثبوت وغير ذلك لزم أن تراعي ذلك فتقول قام زيد وقعد عمرو

стр. 265

أو زيد قائم وعمرو قاعد، وكذا زيد قام وعمرو قعد وأن لا تقول قام زيد وعمرو قاعد، وكذا قام زيد وعمرو قعد ولقيته وعمرو مررت به وأكرمت أباه وعمرو ضربت غلامه كما سبق في علم النحو أمثال ذلك. أما إذا أريد التجدد في إحداهما والثبوت في الأخرى كما إذا كان زيد وعمرو قاعدين، ثم قام زيد دون عمرو وجب أن تقول قام زيد وعمرو قاعد بعد وعليه قوله تعالى " سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون " المعنى سواء عليكم أحدثتم الدعوة لهم أم استمر عليكم صمتكم عن دعائهم لأنهم كانوا إذا حز بهم أمر دعوا الله دون أصنامهم كقوله " وإذا مس الناس ضر " الآية فكانت حالهم المستمرة أن يكونوا عن دعوتهم صامتين، وكذلك قوله تعالى " أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين " المعنى أجددت وأحدثت عندنا تعاطي الحق فيما نسمعه منك أم اللعب أي أحوال الصبا بعد على استمرارها عليك استبعاً دا منهم أن تكون عبادة الأصنام من الضلال وما أعظم كيد الشيطان للمقلدين حيث استدرجهم على أن قلدوا الآباء في عبادة تماثيل وتعفير جبابهم لها اعتقادا منهم في ذلك أنهم على شيء. اللهم إنا نعوذ بك من كيد الشيطان. وإذا لخصنا الكلام في الفصل والوصل على هذا الحد فبالحري أن نلحق به الكلام في الحال التي تكون جملة لمجيئها تارة مع الواو وأخرى لا معها فنقول وبالله التوفيق:

стр. 266

الكلام في ذلك مستدع تمهيد قاعدة وهي أن الحال نوعان: حال بالإطلاق وحال تسمى مؤكدة ولكل واحد من النوعين أصل في الكلام، ولهما معا نهج في الاستعمال واحد فأصل النوع الثاني أن يكون وصفا ثابتا نحو هو الحق بينا وزيد أبوك شفيقا وذاك حاتم سخيا جوادا وهذا خالد بطلا شجاعا، وفي التنزيل " إنا أنزلناه قرآنا عربياً " وأصل النوع الأول هو أن يكون وصفا غير ثابت من الصفات الجارية كاسم الفاعل واسم المفعول، نحو جاء زيد راكباً وسلم علي قاعداًوضربت اللص مكتوفاً وقتلته مقيداً ويمتبع ان يقال جاء زيد طويلاً أو قصيراً أو أسود أو أبيض. اللهم إلا بتأويل كما تسمع أئمة النحو يتلون عليك جميع ما ذكرت، ونهجهما في الاستعمال بأن يأتيا عاريين عن حرف النفي كما يقال هو الحق بيننا دون لا خفيا وجاء راكباً دون لا ماشيا أو ماشيا دون لا راكباً وحق النوعين أن لا يدخلهما الواو نظرا على إعرابهما الذي ليس بتبع لأن هذه الواو وإن كنا نسميها واو الحال أصلها العطف ونظرا على أن حكم الحال مع ذي الحال أبدا نظير حكم الخبر مع المخبر عنه، ألا تراك إذا ألغيت هو في قولك هو الحق بيننا بقي الحق بين وجاء في قولك جاء زيد راكباً بقي زيد راكب وضربت في قولك ضربت اللص مكتوفا بقي اللص مكتوف، وكذا الباب فتجد الحال وذا الحال خبرا ومخبرا عنه والخبر ليس موضعا لدخول الواو على ما سبق تقرير هذا الباب، والتحقيق فيه هو أن الإعراب لا ينتظم الكلمات كقولك: ضرب زيد اللص مكتوفا إلا

стр. 267

بعد أن يكون هناك تعلق ينتظم معانيها فإذا وجدت الإعراب في موضع قد تناول شيئاً بدون الواو كان ذلك دليلا على تعلق هناك معنوي فذلك التعلق يكون مغنيا عن تكلف تعلق آخر، وإذا عرفت هذا ظهر لك أن الأصل في الجملة إذا وقعت موقع الحال أن لا يدخلها الواو لكن النظر إليها من حيث كونها جملة مفيدة مستقلة بفائدة غير متحدة بالأولى اتحادها إذا كانت مؤكدة مثلها في قولك هو الحق لا شبهة فيه، وفي قوله عز قائلا " الم ذلك الكتاب لا ريب فيه " وغير منقطعة عنها كجهات جامعة بينهما كما ترى في نحو جاء زيد تقاد الجنائب بين يديه ولقيت عمراً سيفه على كتفه يبسط العذر في أن يدخلها واو للجمع بينها وبين الأولى مثله في نحو قام زيد وقعد عمرو، وإذا تمهد هذا فنقول الضابط فيما نحن بصدده هو أن الجملة متى كانت واردة على أصل الحال وذلك أن تكون فعلية لا اسمية لأن الاسمية كما تعلم دالة على الثبوت وعلى نهجها أيضا بأن تكون مثبتة فالوجه ترك الواو جريا على موجب الحال، نحو جاءني زيد يسرع أو يتكلم أو يعدو فرسه ولذلك لا تكاد تسمع نحو جاءني زيد ويسرع ومتى لم تكن واردة على أصل الحال وذلك أن تكون اسمية في الحال غير المؤكدة فالوجه الواو نحو جاءني زيد وعمرو أمامه ورأيت وهو قاعد ما جاء بخلاف هذا إلا صور معدودة ألحقت بالنوادر وهي كلمته فوه على في ورجع عوده على بدئه وبيت الإصلاح: ى أصل الحال وذلك أن تكون اسمية في الحال غير المؤكدة فالوجه الواو نحو جاءني زيد وعمرو أمامه ورأيت وهو قاعد ما جاء بخلاف هذا إلا صور معدودة ألحقت بالنوادر وهي كلمته فوه على في ورجع عوده على بدئه وبيت الإصلاح: نصف النهار الماء غامره ... ورفيقه بالغين لا يدري

стр. 268

أو ما أنشده الشيخ أبو علي في الإغفال: ولولا جنان الليل ما آب عامر ... على جعفر سربا له لم يمزق ومتى كانت واردة على أصل الحال لكن لا على نهجها فالوجه جواز الأمرين معا نحو قولك: جعلت أمشي ما أدري أين أضع رجلي وجعلت أمشي وما أدري أين أضع رجلي: وقوله: مضوا لا يريدون الرواح وغالهم ... من الدهر أسباب حرين على قدر وقوله: ولو أن قوما لارتفاع قبيلة ... دخلوا السماء دخلتها لا أحجب وقوله: أكسبته الورق البيض أبا ... ولقد كان ولا يدعي لأب وقوله: أقادوا من دمي وتوعدوني ... وكنت وما ينهنهني الوعيد ألا أن ترك الواو أرجح والفعل الماضي منفيا ومثبتا لوروده لا على نهج الحال لا محالة، أما منفيا فلحرف النفي، وأما مثبتا فلحرف قد ظاهرا أو مقدرا ليقربه من زمانك حتى يصلح للحال منتظم في سلك المضارع المنفي لك أن تقول أخذت أجتهد ما كان يعنيني أحد وأن تقول أخذت أجتهد وما كان يعنيني أحد وكذا أتاني قد جهده السير بدون الواو أو قد جهده السير بالواو إلا أن ترك الواو في النفي وفي الإثبات أرجح، وأما الظرف فحيث احتمل أن يكون جملة فعلية وأن لا يكون بحسب

стр. 269

التقديرين وتردد لذلك بين أيكون واردا على أصل الحال وغير وارد جاء الأمران فيه يقال رأيته على كتفه سيف بدون الواو تارة، ورأيته وعلى كتفه سيف بالواو أخرى هذا، ثم من عرف السبب في تقديم الحال إذا أريد إيقاعها عن النكرة مع الواو في مثل جاءني رجل وعلى كتفه سيف ولمزيد جوازه في قوله تعالى " وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم " على ما قدمت، وتنبه لوجوب الواو في نحو جاءني رجل وعلى كتفه سيف عند إرادة الحال ولوجوب تركه فيه عند إرادة الوصف لامتناع عطف الصفة على موصوفها ألبتة فتأمل وأما ليس فلما قام مع خبره مقام الفعل المنفي جاء كثيراً أتاني وليس معه غيره وأتاني ليس معه غيره، قال: إذا جرى في كفه الرشاء ... خلى القليب ليس فيه ماء إلا أن ذكر الواو أرجح ووقوعه في الكلام أدور. وأما الحالات المقتضية لطي الجمل عن الكلام إيجازا ولا طيها إطنابا فمن أحاط علماً بما قد سبق استغنى يذلك عن بسط الكلام ههنا فلنقتصر على بيان معنى الإيجاز والإطناب، وعلى إيراد عدة أمثلة في الجانبين، أما الإيجاز والأطناب فلكونهما نسبيين لا يتيسر الكلام فيهما إلا بترك التحقيق والبناء على شيء عرفي مثل جعل كلام الأوساط على مجرى متعارفهم في التأدية للمعاني فيما بينهم ولا بد من الاعتراف بذلك مقيسا عليه ولنسمه متعارف الأوساط، وأنه في باب البلاغة لا يحمد منهم ولا يذم،

стр. 270

فالإيجاز هو أداء المقصود من الكلام بأقل من عبارات متعارف الأوساط والإطناب هو أداؤه بأكثر من عباراتهم سواء كانت القلة أو الكثرة راجعة على الجمل أو على غير الجمل هذا، وقد تليت عليك فيما سبق طرق الاختصار والتطويل فلئن فهمتها لتعرفن الوجازة متفاوتة بين وجيز وأوجز بمراتب لا تكاد تنحصر والإطناب كذلك، وعرفت من ذلك معنى قول القائل في وصف البلغاء: يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرقباء وذكرت أيضا للاختصار والتطويل مقامات قد أرشدت بها على مناسباتها فما صادف من ذلك موقعه جد وإلا ذم وسمي الإيجاز إذ ذاك عيا وتقصيرا والإطناب إكثارا وتطويلا، والعلم في الإيجاز قوله علت كلمته " في القصاص حياة " وإصابته المحز بفضله على ما كان عند أوجز كلام في هذا المعنى وذلك قولهم القتل أنفى للقتل، ومن الإيجاز قوله تعالى " هدى للمتقين " ذهابا على أن المعنى هدى للضالين الصائرين على التقوى بعد الضلال لما أن الهدى أي الهداية إنما تكون للضال لا للمهتدي ووجه حسنه قصد المجاز المستفيض نوعه وهو وصف الشيء بما يئول إليه والتوصل به على تصدير أولى الزهراوين بذكر أولياء الله وقولهم فغشيهم من اليم ما غشيهم أظهر من أن يخفى حاله في الوجازة نظرا على ما ناب عنه وكذا قوله " ولا ينبئك مثل خبير "

стр. 271

وانظر على الفاء التي تسمى فاء فصيحة في قوله تعالى " فتوبوا على بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم " كيف أفادت فامتثلتم فتاب عليكم " وفي قوله " فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت " مفيدة فضرب فانفجرت وتأمل قوله " فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى " أليس يفيد فضربوه فحيى فقلنا كذلك يحيي الله الموتى وقدر صاحب الكشاف ﵀ قوله " ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله " نظرا على الواو في وقالا، ولقد أتينا داود وسليمان علما فعملا به وعلماه وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة وقالا الحمد لله، ويحتمل عندي أنه أخبر تعالى عما صنع بهما وأخبر عما قالا كأنه قال نحن فعلنا إيتاء العلم وهما فعلا الحمد تفويضا استفادة ترتب الحمد على إيتاء العلم على فهم السامع مثله في فم يدعوك بدل قم فإنه يدعوك وإنه فن من البلاغة لطيف المسلك ومن أمثلة الاختصار قوله تعالى " فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا " بطي أبحت لكم الغنائم لدلالة فاء التسبيب في فكلوا، وقوله " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم " بطي إن افتخرتم يقتلهم فلم تقتلوهم أنتم فعدوا عن الافتخار لدلالة الفاء في فلم وكذا قوله " فإنما هر زجرة واحدة فإذا هم ينظرون " إذ المعنى إذا كان ذلك فما هي إلا زجرة واحدة وكذا قوله " فالله هو الولي " تقديره إن أرادوا وليا بحق فالله هو الولي بالحق ولا ولي سواه "

стр. 272

وكذا قوله " يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون " أصله فإن لم يتأت أن تخلصوا العبادة لي في أرض فإياي في غيرها اعبدوا فاعبدون أي فأخلصوها لي في غيرها فحذف الشرط وعوض عنه تقديم المفعول مع إرادة الاختصاص بالتقديم وقوله " كلا فاذهبا بآياتنا " أي ارتدع عن خوف قتلهم فاذهبا أي فاذهب أنت وأخوك لدلالة كلا على المطوي، وقوله إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم " أصله إذ يلقون أقلامهم ينظرون ليعلموا أيهم يكفل مريم لدلالة أيهم على ذلك بوساطة علم النحو وقوله " ليحق الحق ويبطل الباطل المراد ليحق الحق ويبطل الباطل فعل ما فعل " وكذا قوله " ولنجعله آية للناس " أصل الكلام ولنجعله آية للناس فعلنا ما فعلنا وكذا قوله " ليدخل الله في رحمته " أي لأجل الإدخال في الرحمة كان الكف ومنع التعذيب وقوله " إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا " إذا لم يفسر الحمل بمنع الأمانة والغدر، وأريد التفسير الثاني وهم تحمل التكليف كان أصل الكلام وحملها الإنسان ثم خان به منبها عليه بقوله " إنه كان ظلوما جهولا " الذي هو توبيخ للإنسان على ما هو عليه من الظلم والجهل في الغالب وقوله " أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا " تتمته ذهبت نفسك عليهم حسرة فحذفت لدلالة فلا تذهب نفسك عليهم حسرات " أو تتمته كمن هداه الله فحذفت لدلالة فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء " وقول العرب

стр. 273

جاء بعد اللتيا والتي بترك صلة الموصول إيثارا للإيجاز تنبيها على أن المشار إليها باللتيا والتي وهي المحنة والشدائد بلغت من شدتها وفظاعة شأنها مبلغا يبهت الواصف معها حتى لا يحير ببنت شفة، ومن الإيجاز قوله عز قائلاً " قل أتنبئونا لله بما لا يعلم " أي بما لا ثبوت له ولا علم الله متعلق به نفيا للملزوم وهو المنبأ به بنفي لازمه وهو وجوب كونه معلوما للعالم الذات لو كان له ثبوت بأي اعتبار كان وقوله " إن الذين كفروا بعد إيمانهم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم " أصله لن يتوبوا فلن يكون قبول توبة فأوثر الإيجاز ذهابا على انتفاء الملزوم بانتفاء اللازم وهو قبول التوبة الواجب في حكمته تعالى وتقدس وقوله " بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا " أي شركاء لا ثبوت لها أصلا ولا أنزل الله بإشراكها حجة أي تلك وإنزال الحجة كلاهما منتف في أسلوب قولهله لن يتوبوا فلن يكون قبول توبة فأوثر الإيجاز ذهابا على انتفاء الملزوم بانتفاء اللازم وهو قبول التوبة الواجب في حكمته تعالى وتقدس وقوله " بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا " أي شركاء لا ثبوت لها أصلا ولا أنزل الله بإشراكها حجة أي تلك وإنزال الحجة كلاهما منتف في أسلوب قوله على لا حب لا يهتدي بمناره أي لا منار له ولا اهتداء به، وقوله ولا ترى الضب بها ينحجر أي لا ضب ولا انجحار نفيا للأصل والفرع، ومنه " وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم " إذ المراد لا ذاك ولا علمك به أي كلاهما غير ثابت وكذا " ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع " أي لا شفاعة ولا طاعة، ومن الإيجاز قوله " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا " أصل الكلام خلطوا عملا صالحا بسيء وآخر

стр. 274

سيئاً بصالح، لأن الخلط يستدعي مخلوطاً ومخلوطاً به: أي تارةً أطاعوا وأحبطوا الطاعة بكيرة وأخرى عصوا وتداركوا المعصية بالتوبة، وقوله " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " أصله قل لهم قولي لك أن ينتهوا يغفر لهم وكذا قوله " قل للذين كفروا سيغلبون فيمن قرأ بياء الغيبة " ومن أمثلة الإطناب قوله " إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون " ترك إيجازه وهو أن في ترجح وقوع أي ممكن كان على لا وقوعه لآيات للعقلاء لكونه كلاما لا مع الإنس فحسب بل مع الثقلين ولا مع قرن دون قرن بل مع القرون كلهم قرنا فقرنا على انقراض الدنيا وإن فيهم لمن يعرف ويقدر من مرتكبي التقصير في باب النظر والعلم بالصانع من طوائف الغواة، فقل لي أي مقام لكلام أدعى لترك إيجازه على الإطناب من هذا؟ وقوله " قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم " وأوثر الإطناب فيه على إيجازه وهو آمنا بالله وبجميع كتبه لما كان بمسمع من أهل الكتاب فيهم من لا يؤمن بالتوراة وبالقرآن وهم النصارى القائلون ليست اليهود على شيء وفيهم من لا يؤمن بالإنجيل وبالقرآن وهم اليهود وكل منهم مدع للإيمان بجميع ما أنزل الله تقريعا لأهل الكتاب وليبتهج المؤمنون بما نالوا من كرامة الاهتداء ووقع الإيجاز

стр. 275

عن طباق المقام بمراحل، وقوله " واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون " لم يؤثر إيجازه وهو واتقوا يوما لا خلاص عن العقاب فيه لكل من جاء مذنبا إذ كان كلاما مع الأمة لنقش صورة ذلك اليوم في ضمائرهم وفي الأمة الجاهل والعالم والمعترف والجاحد والمسترشد والمعاند والفهم والبليد لئلا يختص المطلوب منهم بفهم أحد دون أحد وأن لا يكون بحيث يناسب قوة سامع دون سامع أو يخلص على ضمير بعض دون بعض، وقوله " الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به " لو أريد اختصاره لما انخرط في الذكر يؤمنون به إذ ليس أحد من مصدقي حملة العرش يرتاب في إيمانهم، ووجه حسن ذكره إظهار شرف الإيمان وفضله والترغيب فيه، وقوله " إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد أنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون " ولو أوثر اختصاره فقوله والله يعلم أنك لرسوله فضل في البين من حيث أن مساق الآية لتكذيب المنافقين في دعوى الإخلاص في الشهادة لترك ولكن إيهام رد التكذيب على نفس الشهادة لو لم يكن بهذا الفضل أبى الاختصار، وما يحكيه عن موسى ﵇ " هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى " جوابا عن قوله " وما تلك بيمينك " وكذا ما يحكيه " نعبد أصناما فنظل لها عاكفين " في الجواب عن قول إبراهيم

стр. 276

" ما تعبدون " من باب الإطناب إذ لو أريد الإيجاز لكفى عصاي وأصناما، وقد سبق وجه الإطناب فيهما، ومما يعد من الإطناب وهو في موقعه قول الخضر لموسى ﵇ في الكرة الثانية ألم أقل لك بزيادة لك لاقتضاء المقام مزيد تقرير لما قد كان قدم له من إنك لن تستطيع معي صبرا، وكذا قول موسى ﵇ " رب اشرح لي صدري " بزيادة لي لاكتساء الكلام معها من تأكيد الطلب لانشراح الصدر ما لا يكون بدونه، ألا تراك إذا قلت اشرح لي أفاد أن شيئاً ما عندك تطلب شرحه فكنت مجملا فإذا قلت صدري عدت مفصلا عدت وإن كان الطلب وقت الإرسال الذي هو مقام مزيد احتياج على انشراح الصدر لما تؤذن به الرسالة من تلقي المكاره وضروب الشدائد، وقوله تعالى " ألم نشرح لك صدرك " وارد على هذا التوخي ومزيد التقرير، وقول البلغاء في الجواب مثل لا وأصلحك الله بزيادة الواو خلافا لما عليه كلام الأوساط من الإطناب في موقع ولك أن تعد باب نعم ويئس موضوعا على الإطناب إذ لو أريد الاختصار لكفى نعم زيد وبئس عمرو وأن تجعل الحكمة في ذلك توخي تقرير المدح والذم لاقتضائهما مزيد التقرير لكونهما للمدح العام والذم العام الشائعين في كل خصلة محمودة ومذمومة المستبعد تحققهما وهو أن يشيع كون المحمود محمودا في خصال الحمد وكون المذموم مذموما في خلافها وتجعل وجه التقرير الجمع بين طرفي الإجمال والتفصيل ألا تراك إذا قلت نعم الرجل مريدا باللام الجنس دون العهد كيف توجه المدح على زيد أولا على سبيل الإجمال لكونه من أفراد ذلك الجنس وإذا قلت نعم رجلا فأضمرته من غير ذكر له سابق وفسرته باسم جنسه ثم إذا قلت زيد كيف توجهه إليه ثانيا على سبيل التفصيل وأن هذا الباب متضمن للطائف فيه من الإطناب الواقع في موقعه ما ترى وفيه تقدير السؤال وبناء المخصوص عليه يقدر بعد نعم الرجل أو نعم رجلا من هو ويبني عليه زيد: أي هو زيد وقد عرفت فيما سبق لطف هذا النوع وفيه اختصار من جهة وهو ترك المبتدأ في الجواب، ولا يخفى حسن موقعه ولو لم يكن فيه شيء سوى أنه يبرز الكلام في معرض الاعتدال نظرا على إطنابه من وجه وعلى اختصاره من آخر أوإيهامه الجمع بين المتنافيين مثله في جمعه بين الإجمال والتفصيل فمبنى السحر الكلامي الذي يقرع سمعك على أمثال ذلك لكفى، وقد أطلعناك على كيفية التعرض بجهات الحسن ففتش عنها تر الباب مشحونا بجهات وكنت المرجوع إليه في اختيار المختار من أقوال النحويين في الباب كقول من يرى المخصوص مبتدأ والفعل مع الذي يليه خبرا مقدما وقول من يرى المخصوص خبرا لمبتدأ محذوف على ما رأيت وقول من لا يرى اللام في الفاعل إلا للجنس وقول من لا يأبى كونها لتعريف العهد. لما عليه كلام الأوساط من الإطناب في موقع ولك أن تعد باب نعم ويئس موضوعا على الإطناب إذ لو أريد الاختصار لكفى نعم زيد وبئس عمرو وأن تجعل الحكمة في ذلك توخي تقرير المدح والذم لاقتضائهما مزيد التقرير لكونهما للمدح العام والذم العام الشائعين في كل خصلة محمودة ومذمومة المستبعد تحققهما وهو أن يشيع كون المحمود محمودا في خصال الحمد وكون المذموم مذموما في خلافها وتجعل وجه التقرير الجمع بين طرفي الإجمال

стр. 277

والتفصيل ألا تراك إذا قلت نعم الرجل مريدا باللام الجنس دون العهد كيف توجه المدح على زيد أولا على سبيل الإجمال لكونه من أفراد ذلك الجنس وإذا قلت نعم رجلا فأضمرته من غير ذكر له سابق وفسرته باسم جنسه ثم إذا قلت زيد كيف توجهه إليه ثانيا على سبيل التفصيل وأن هذا الباب متضمن للطائف فيه من الإطناب الواقع في موقعه ما ترى وفيه تقدير السؤال وبناء المخصوص عليه يقدر بعد نعم الرجل أو نعم رجلا من هو ويبني عليه زيد: أي هو زيد وقد عرفت فيما سبق لطف هذا النوع وفيه اختصار من جهة وهو ترك المبتدأ في الجواب، ولا يخفى حسن موقعه ولو لم يكن فيه شيء سوى أنه يبرز الكلام في معرض الاعتدال نظرا على إطنابه من وجه وعلى اختصاره من آخر أوإيهامه الجمع بين المتنافيين مثله في جمعه بين الإجمال والتفصيل فمبنى السحر الكلامي الذي يقرع سمعك على أمثال ذلك لكفى، وقد أطلعناك على كيفية التعرض بجهات الحسن ففتش عنها تر الباب مشحونا بجهات وكنت المرجوع إليه في اختيار المختار من أقوال النحويين في الباب كقول من يرى المخصوص مبتدأ والفعل مع الذي يليه خبرا مقدما وقول من يرى المخصوص خبرا لمبتدأ محذوف على ما رأيت وقول من لا يرى اللام في الفاعل إلا للجنس وقول من لا يأبى كونها لتعريف العهد. واعلم أن باب التمييز كله سواء كان عن مفرد أو عن جملة باب مزال عن أصله لتوخي الإجمال والتفصيل، ألا تراك تجد الأمثلة الواردة من نحو عندي منوان سمنا وعشرون درهما وملء الإناء

стр. 278

عسلا وطاب زيد نفسا وطار عمرو فرحا وامتلأ الإناء ماء منادية على أن الأصل عندي سمن منوان ودراهم عشرون وعسل ملء الإناء وطاب نفس زيد وطير الفرح عمراً وملأ الماء الإناء، ولمصادفة الإجمال والتفصيل الموقع فيما يحكيه جل وعلا عن زكريا ﵊ من قوله " واشتعل الرأس شيبا " في مقام المباثة وحين التلقي لتوابع انقراض الشباب ترى ما ترى من مزيد الحسن وفي هذه الجملة وفيما قبلها من " رب إني وهن العظم مني " لطائف وأية كلمة في القرآن فضلا عن جملة فضلا عما تجاوز لا يحتوي على لطائف ولأمر ما تلي على من كانوا النهاية في فصاحة البشر وبلاغة أهل الوبر منهم والمدر " وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله " فما أحاروا ببنت شفة ولا صدروا هنالك عن موصوف ولا صفة، على أنهم كانوا الحراص على التسابق في رهان المفاخر، والمتهالكين على ركوب الشطط في امتهان المفاخر، تأبى لهم العصبية أن لا يرد عضب مفاخرهم كهاما، وأن لا يعد صيب ممطراته جهاما، والكلام في تلك اللطائف مفتقر على أخذ أصل معنى الكلام ومرتبته الأولى، ثم النظر في التفاوت بين ذلك وبين ما عليه نظم القرآن وفي كم درجة يتصل أحد الطرفين بالآخر، فنقول: لا شبهة أن أصل معنى الكلام ومرتبته الأولى يا ربي قد شخت فإن الشيخوخة مشتملة على ضعف البدن وشيب الرأس المتعرض لهما، ثم تركت هذه المرتبة لتوخي مزيد التقرير على تفصيلها في ضعف بدني وشاب رأسي، ثم تركت هذه المرتبة الثانية لاشتمالها على التصريح على ثالثة أبلغ وهي الكناية

стр. 279

في وهنت عظام بدني لما ستعرف أن الكناية أبلغ من التصريح، ثم لقصد مرتبته رابعة أبلغ في التقرير بنيت الكناية على المبتدأ فحصل أنا وهنت عظام بدني ثم لقصد خامسة أبلغ أدخلت إن على المبتدأ فحصل إني وهنت عظام بدني، ثم لطلب تقرير أن الواهن هي عظام بدنه قصدت مرتبة سادسة وفي سلوك طريقي الإجمال والتفصيل فحصل أني وهنت العظام من بدني، والذي سبق في تقرير معنى الإجمال والتفصيل في " رب اشرح لي صدري " ينبه عليه ههنا، ثم لطلب مزيد اختصاص العظام به قصدت مرتبة سابعة وهي ترك توسيط البدن فحصل إني وهنت العظام مني، ثم لطلب شمول الوهن العظام فردا فردا قصدت مرتبة ثامنة، وهي ترك جمع العظم على الإفراد لصحة حصول وهن المجموع بالبعض دون كل فرد فرد فحصل ما ترى وهو الذي في الآية " إني وهن العظم مني " وهكذا تركت الحقيقة في شاب رأسي على أبلغ وهي الاستعارة فسيأتيك أن الاستعارة أبلغ من الحقيقة فحصل اشتعل شيب رأسي، ثم تركت على أبلغ وهي اشتعل رأسي شيبا، وكونها أبلغ من جهات إحداها إسناد الاشتعال على الرأس لإفادة شمول الاشتعال الرأس إذ وزان اشتعل شيب رأسي واشتعل رأسي شيبا وزان اشتعل النار في بيتي واشتعل بيتي نارا والفرق نير، وثانيتها الإجمال والتفصيل في طريق التمييز، وثالثتها تنكير شيبا لإفادة المبالغة، ثم ترك اشتعل رأسي شيبا لتوخي مزيد التقرير على اشتعل الرأس مني شيبا على نحو: وهن العظم مني ثم ترك لفظ مني لقرينة عطف

стр. 280

واشتعل الرأس على وهن العظم مني لمزية مزيد التقرير وهي إيهام حوالة تأدية مفهومه على العقل دون اللفظ. واعلم أن الذي فتق أكمام هذه الجهات عن أزاهير القبول في القلوب هو أن مقدمة هاتين الجملتين وهي رب اختصرت ذلك الاختصار بأن حذفت كلمة النداء وهي يا وحذفت كلمة المضاف إليه وهي ياء المتكلم واقتصر من مجموع الكلمات على كلمة واحدة فحسب وهي المنادى والمقدمة للكلام كما لا يخفى على من له قدم صدق في نهج البلاغة نازلة منزلة الأساس للبناء فكما أن البناء الحاذق لا يرمى الأساس إلا بقدر ما يقدر من البناء عليه كذلك البليغ يصنع بمبدأ كلامه فمتى رأيته اختصر المبدأ فقد آذنك باختصار ما يورد، ثم إن الاختصار لكونه من الأمور النسبية يرجع في بيان دعواه على ما سبق تارة وعلى كون المقام خليقا بأبسط مما ذكر أخرى، والذي نحن بصدده من القبيل الثاني إذ هو كلام في معنى انقراض الشباب وإلمام المشيب، وهل معنى أحق أن يمتري القائل فيه أفاويق المجهود ويستغرق في الإنباء عنه كل حد معهود من انقراض أيام ما أصدق من يقول فيها: وقد تعوضت عن كل بمشبهه ... فما وجدت لأيام الصبا عوضا ومن إلمام المشيب المعيب المر الطلوع الأمر المغيب: تعيب الغانيات علي شيبي ... ومن لي أن أمتع بالمعيب اللهم زدنا اطلاعا على لطائف قرآنك الكريم، وغوصا على لآلئ فرقانك العظيم، ووفقنا لابتغاء مرضاتك في طلوع المشيب المر، واختم بالخبر في مغيبة الأمر فإنه لا يكون إلا ما تشاء بيدك الأمر كله. وليكن هذا آخر الكلام في الفن الرابع، ولنعد على ال فصل الموعود وهو الكلام في معنى القصر.

стр. 281

فصل في بيان القصر اعلم أن القصر كما يجري بين المبتدأ والخبر فيقصر المبتدأ تارة على الخبر والخبر على المبتدأ أخرى، يجري بين الفعل والفاعل والمفعول وبين الفاعل والمفعول وبين المفعولين وبين الحال وذي الحال وبين كل طرفين، وأنت إذا أتقنته في موضع ملكت الحكم في الباقي ويكفيك مجرد التنبيه هناك وحاصل معنى القصر راجع على تخصيص الموصوف عند السامع بوصف دون ثان كقولك: زيد شاعر لا منجم لمن يعتقده شاعرا ومنجما أو قولك زيد قائم لا قاعد لمن يتوهم على أحد الوصفين من غير ترجيح، ويسمى هذا قصر إفراد بمعنى أنه يزيل شركة الثاني أو بوصف مكان آخر كقولك لمن يعتقد منجما لا شاعرا: ما زيد منجم بل شاعر أو زيد شاعر لا منجم ويسمى هذا قصر قلب بمعنى أن المتكلم يقلب فيه حكم السامع، أو على تخصيص الوصف بموصوف قصر أفراد كقولك ما شاعر إلا زيد لمن يعتقد شاعرا لكن يدعى شاعرا آخر أو قولك ما قائم إلا زيد لمن يعتقد قائمين أو أكثر في جهة من الجهات معينة أو قصر قلب كقولك: ما شاعر إلا زيد لمن يعتقد أن شاعرا في قبيلة معينة أو طرف معين لكنه يقول ما زيد هناك بشاعر. وللقصر طرق أربعة أحدها طريق العطف كما تقول في قصر الموصوف على الصفة إفرادا أو قلباً بحسب مقام السامع زيد شاعر لا منجم وما زيد منجم بل شاعر وفي قصر الصفة على الموصوف بالاعتبارين ما عمرو شاعر بل زيد أو زيد شاعر لا عمرو أولا غير بتقدير لا غير زيد إلا أنك تترك الإضافة لدلالة الحال وتبني غيرا بالضم على بناء الغايات أو ليس غيرا وليس إلا بتقدير ليس شاعر غير المذكور أو إلا المذكور فتجعل النفي عاما ليتناول كل شاعر يعتقد ممن عدا زيداً. والفرق بين قصر الموصوف على الصفة وقصر الصفة على الموصوف واضح، فإن الموصوف في الأول لا يمتنع أن يشاركه غيره في الوصف ويمتنع في الثاني وأن الوصف في الثاني يمتنع أن يكون لغير الموصوف ولا يمتنع في الأول. وثانيها النفي والاستثناء كما تقول في قصر الموصوف على الصفة

стр. 282

إفرادا أو قلباً ليس زيد إلا شاعرا أو ما زيد إلا شاعرا وإن زيد إلا شاعرا وما زيد إلا قائم أو ما زيد إلا يقوم، ومن الوارد في التنزيل على قصر الإفراد قوله تعالى " وما محمد إلا رسول " فمعناه محمد مقصور على الرسالة لا يتجاوزها على البعد عن الهلاك نزل المخاطبون لاستعظامهم أن لا يبقى لهم منزل المبعدين لهلاكه وهو من إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر وقوله تعالى " إن حسابهم الأعلى ربي " فمعناه حسابهم مقصور على الاتصاف بعلى ربي لا يتجاوزه على أن يتصف بعلي وقوله وما أنا بطارد المؤمنين إن أنا إلا نذير فمعناه أنا مقصور على النذارة لا أتخطاها على طرد المؤمنين وقوله تعالى " وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون " فالمراد لستم في دعواكم للرسالة بين الصدق

стр. 283

وبين الكذب كما يكون ظاهر حال المدعي إذا ادعى بل أنتم عندنا مقصورون على الكذب لا تتجاوزنه على حق كما تدعونه وما معكم من الرحمن منزل في شأن رسالتكم، ومن الوارد على قصر القلب قوله تعالى حكاية عن عيسى ﵇ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله لأنه قاله في مقام اشتمل على معنى أنك يا عيسى لم تقل للناس ما أمرتك لأني أمرتك أن تدعو الناس على أن يعبدوني ثم إنك دعوتهم على أن يعبدوا من هو دوني ألا ترى على ما قبله وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله، وفي قصر الصفة على الموصوف إفرادا ما شاعر إلا زيد أو ما جاء إلا زيد لمن يرى الشعر لزيد ولعمرو أو المجيء لهما، وقلباً ما شاعر إلا زيد ما جاء إلا زيد لمن يرى أن ليس بشاعر وأن ليس بجاء، وتحقيق وجه القصر في الأول هو أنك بعد علمك أن أنفس الذوات يمتنع نفيها وإنما تنفي صفاتها وتحقيق ذلك يطلب من علوم أخر متى قلت ما زيد توجه النفي على الوصف وحين لا نزاع في طوله ولا قصره ولا سواده ولا بياضه وما شاكل ذلك وإنما النزاع في كونه شاعرا أو منجما تناولهما النفي فإذا قلت إلا شاعر جاء القصر، وتحقيق وجه القصر في الثاني هو أنك متى أدخلت النفي على الوصف المسلم ثبوته وهو وصف الشعر وقلت ما شاعر أو ما مكن شاعر أو لا شاعر توجه بحكم العقل على ثبوته للمدعي له أن عاما كقولك في الدنيا شعراء وفي قبيلة كذا شعراء وإن خاصا كقولك: زيد وعمرو شاعران فتناول النفي ثبوته لذلك فمتى قلت إلا زيد أفاد القصر.

стр. 284

وثالثها استعمال إنما كما تقول في قصر الموصوف على الصفة قصر إفراد إنما زيد جاء إنما زيد يجيء لمن يردده بين المجيء والذهاب من غير ترجيح لأحدهما، أو قصر قلب لما يقول زيد ذاهب لا جاء، وفي تخصيص الصفة بالموصوف إفرادا إنما يجيء زيد لمن يردد المجيء بين زيد وعمرو أو يراه منهما وقلباً لمن يقول لا يجيء زيد ويضيف إليه الذهاب. والسبب في إفادة إنما معنى القصر هو تضمينه معنى ما وإلا ولذلك تسمع المفسرين لقوله تعالى " إنما حرم عليكم الميتة والدم " بالنصب يقولون معناه ما حرم عليكم إلا الميتة والدم وهو المطابق لقراءة الرفع المقتضية لانحصار التحريم على الميتة والدم بسبب أن ما في قراءة الرفع يكون موصولا صلته حرم عليكم واقعاً اسما لإن ويكون المعنى أن المحرم عليكم الميتة وقد سبق أن قولنا المنطلق زيد وزيد المنطلق كلاهما يقتضي انحصار الانطلاق على زيد وترى أئمة النحو يقولون إنما تأتي إثباتا لما يذكر بعدها ونفيا لما سواه ويذكرون لذلك وجها لطيفا يسند على علي بن عيسى الربعي وأنه كان من أكابر أئمة النحو ببغداد وهو أن كلمة أن لما كانت لتأكيد إثبات المسند للمسند إليه ثم اتصلت بها ما المؤكد لا النافية على ما يظنه من لا وقوف له بعلم النحو ضاعف تأكيدها فناسب أن يضمن معنى القصر لأن قصر الصفة على الموصوف وبالعكس ليس إلا تأكيدا للحكم على تأكيد الأتراك متى قلت لمخاطب يردد المجيء الواقع بين زيد وعمرو زيد جاء لا عمرو إثباتا ثانيا للمجيء لزيد صريحا وقولك لا عمرو كيف يكون قولك زيد جاء إثباتا ثانيا للمجيء لزيد ضمنا ومما ينبه على أنه متضمن معنى ما وإلا صحة انفصال الضمير معه كقولك: إنما يضرب أنا مثله في ما يضرب إلا أنا، قال الفرزدق:

стр. 285

أنا الذائذ الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي كما قال غيره: قد علمت سلمى وجارتها ... ما قطر الفارس إلا أنا ورابعها التقديم كما تقول في قصر الوصوف على الصفة تميمي أنا قصر إفراد لمن يرددك بين قيس وتميم، أو قصر قلب لمن ينفيك عن تميم ويلحقك بقيس وكذا قائم هو أو قاعد هو بالاعتبارين بحسب المقام في قصر الصفة على الموصوف إفرادا أنا كفيت مهمك بمعنى وحدي لمن يعتقد أنك وكفيتماه مهمه، وقلباً أنا كفيت مهمك بمعنى لا غيري لمن يعتقد كافي مهمه غيرك وكذا ضربت أو ما ضربت بالاعتبارين على ما تضمن ذلك فصل التقديم، وهذه الطرق تتفق من وجه وهو أن المخاطبة معها يلزم أن يكون حاكما حكماً مشوبا بصواب وخطأ وأنت تطلب بها تحقيق صوابه ونفي خطئه تحقق في قصر القلب كون الموصوف على أحد الوصفين أو كون الوصف لأحد الموصوفين وهو صوابه وتنفي تعيين حكمه وهو خطؤه وتحقق في قصر الإفراد حكمه في بعض وهو صوابه وتنفيه عن البعض وهو خطؤه ويختلف من وجوه فالطرق الأول الثلاث دلالتها على التخيص بوساطة الوضع وجزم العقل ودلالة التقديم عليه بوساطة الفحوى وحكم الذوق، والطريق الأول الأصل فيه التعرض للمثبت وللمنفي بالنص كما ترى في قولك زيد شاعر لا منجم في قصر الموصوف على الصفة وزيد شاعر لا عمرو في قصر الصفة على الموصوف لا تترك النص البتة إلا حيث يورث تطويلا ويكون المقام اختصاريا كما إذا قال
следующие страницы →