← Баляга

Баляга · id 26581

مفتاح العلوم

السكاكي

Полный текст (593 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فصل في بيان القصر اعلم أن القصر كما يجري بين المبتدأ والخبر فيقصر المبتدأ تارة على الخبر والخبر على المبتدأ أخرى، يجري بين الفعل والفاعل والمفعول وبين الفاعل والمفعول وبين المفعولين وبين الحال وذي الحال وبين كل طرفين، وأنت إذا أتقنته في موضع ملكت الحكم في الباقي ويكفيك مجرد التنبيه هناك وحاصل معنى القصر راجع على تخصيص الموصوف عند السامع بوصف دون ثان كقولك: زيد شاعر لا منجم لمن يعتقده شاعرا ومنجما أو قولك زيد قائم لا قاعد لمن يتوهم على أحد الوصفين من غير ترجيح، ويسمى هذا قصر إفراد بمعنى أنه يزيل شركة الثاني أو بوصف مكان آخر كقولك لمن يعتقد منجما لا شاعرا: ما زيد منجم بل شاعر أو زيد شاعر لا منجم ويسمى هذا قصر قلب بمعنى أن المتكلم يقلب فيه حكم السامع، أو على تخصيص الوصف بموصوف قصر أفراد كقولك ما شاعر إلا زيد لمن يعتقد شاعرا لكن يدعى شاعرا آخر أو قولك ما قائم إلا زيد لمن يعتقد قائمين أو أكثر في جهة من الجهات معينة أو قصر قلب كقولك: ما شاعر إلا زيد لمن يعتقد أن شاعرا في قبيلة معينة أو طرف معين لكنه يقول ما زيد هناك بشاعر. وللقصر طرق أربعة أحدها طريق العطف كما تقول في قصر الموصوف على الصفة إفرادا أو قلباً بحسب مقام السامع زيد شاعر لا منجم وما زيد منجم بل شاعر وفي قصر الصفة على الموصوف بالاعتبارين ما عمرو شاعر بل زيد أو زيد شاعر لا عمرو أولا غير بتقدير لا غير زيد إلا أنك تترك الإضافة لدلالة الحال وتبني غيرا بالضم على بناء الغايات أو ليس غيرا وليس إلا بتقدير ليس شاعر غير المذكور أو إلا المذكور فتجعل النفي عاما ليتناول كل شاعر يعتقد ممن عدا زيداً. والفرق بين قصر الموصوف على الصفة وقصر الصفة على الموصوف واضح، فإن الموصوف في الأول لا يمتنع أن يشاركه غيره في الوصف ويمتنع في الثاني وأن الوصف في الثاني يمتنع أن يكون لغير الموصوف ولا يمتنع في الأول. وثانيها النفي والاستثناء كما تقول في قصر الموصوف على الصفة

стр. 282

إفرادا أو قلباً ليس زيد إلا شاعرا أو ما زيد إلا شاعرا وإن زيد إلا شاعرا وما زيد إلا قائم أو ما زيد إلا يقوم، ومن الوارد في التنزيل على قصر الإفراد قوله تعالى " وما محمد إلا رسول " فمعناه محمد مقصور على الرسالة لا يتجاوزها على البعد عن الهلاك نزل المخاطبون لاستعظامهم أن لا يبقى لهم منزل المبعدين لهلاكه وهو من إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر وقوله تعالى " إن حسابهم الأعلى ربي " فمعناه حسابهم مقصور على الاتصاف بعلى ربي لا يتجاوزه على أن يتصف بعلي وقوله وما أنا بطارد المؤمنين إن أنا إلا نذير فمعناه أنا مقصور على النذارة لا أتخطاها على طرد المؤمنين وقوله تعالى " وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون " فالمراد لستم في دعواكم للرسالة بين الصدق

стр. 283

وبين الكذب كما يكون ظاهر حال المدعي إذا ادعى بل أنتم عندنا مقصورون على الكذب لا تتجاوزنه على حق كما تدعونه وما معكم من الرحمن منزل في شأن رسالتكم، ومن الوارد على قصر القلب قوله تعالى حكاية عن عيسى ﵇ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله لأنه قاله في مقام اشتمل على معنى أنك يا عيسى لم تقل للناس ما أمرتك لأني أمرتك أن تدعو الناس على أن يعبدوني ثم إنك دعوتهم على أن يعبدوا من هو دوني ألا ترى على ما قبله وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله، وفي قصر الصفة على الموصوف إفرادا ما شاعر إلا زيد أو ما جاء إلا زيد لمن يرى الشعر لزيد ولعمرو أو المجيء لهما، وقلباً ما شاعر إلا زيد ما جاء إلا زيد لمن يرى أن ليس بشاعر وأن ليس بجاء، وتحقيق وجه القصر في الأول هو أنك بعد علمك أن أنفس الذوات يمتنع نفيها وإنما تنفي صفاتها وتحقيق ذلك يطلب من علوم أخر متى قلت ما زيد توجه النفي على الوصف وحين لا نزاع في طوله ولا قصره ولا سواده ولا بياضه وما شاكل ذلك وإنما النزاع في كونه شاعرا أو منجما تناولهما النفي فإذا قلت إلا شاعر جاء القصر، وتحقيق وجه القصر في الثاني هو أنك متى أدخلت النفي على الوصف المسلم ثبوته وهو وصف الشعر وقلت ما شاعر أو ما مكن شاعر أو لا شاعر توجه بحكم العقل على ثبوته للمدعي له أن عاما كقولك في الدنيا شعراء وفي قبيلة كذا شعراء وإن خاصا كقولك: زيد وعمرو شاعران فتناول النفي ثبوته لذلك فمتى قلت إلا زيد أفاد القصر.

стр. 284

وثالثها استعمال إنما كما تقول في قصر الموصوف على الصفة قصر إفراد إنما زيد جاء إنما زيد يجيء لمن يردده بين المجيء والذهاب من غير ترجيح لأحدهما، أو قصر قلب لما يقول زيد ذاهب لا جاء، وفي تخصيص الصفة بالموصوف إفرادا إنما يجيء زيد لمن يردد المجيء بين زيد وعمرو أو يراه منهما وقلباً لمن يقول لا يجيء زيد ويضيف إليه الذهاب. والسبب في إفادة إنما معنى القصر هو تضمينه معنى ما وإلا ولذلك تسمع المفسرين لقوله تعالى " إنما حرم عليكم الميتة والدم " بالنصب يقولون معناه ما حرم عليكم إلا الميتة والدم وهو المطابق لقراءة الرفع المقتضية لانحصار التحريم على الميتة والدم بسبب أن ما في قراءة الرفع يكون موصولا صلته حرم عليكم واقعاً اسما لإن ويكون المعنى أن المحرم عليكم الميتة وقد سبق أن قولنا المنطلق زيد وزيد المنطلق كلاهما يقتضي انحصار الانطلاق على زيد وترى أئمة النحو يقولون إنما تأتي إثباتا لما يذكر بعدها ونفيا لما سواه ويذكرون لذلك وجها لطيفا يسند على علي بن عيسى الربعي وأنه كان من أكابر أئمة النحو ببغداد وهو أن كلمة أن لما كانت لتأكيد إثبات المسند للمسند إليه ثم اتصلت بها ما المؤكد لا النافية على ما يظنه من لا وقوف له بعلم النحو ضاعف تأكيدها فناسب أن يضمن معنى القصر لأن قصر الصفة على الموصوف وبالعكس ليس إلا تأكيدا للحكم على تأكيد الأتراك متى قلت لمخاطب يردد المجيء الواقع بين زيد وعمرو زيد جاء لا عمرو إثباتا ثانيا للمجيء لزيد صريحا وقولك لا عمرو كيف يكون قولك زيد جاء إثباتا ثانيا للمجيء لزيد ضمنا ومما ينبه على أنه متضمن معنى ما وإلا صحة انفصال الضمير معه كقولك: إنما يضرب أنا مثله في ما يضرب إلا أنا، قال الفرزدق:

стр. 285

أنا الذائذ الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي كما قال غيره: قد علمت سلمى وجارتها ... ما قطر الفارس إلا أنا ورابعها التقديم كما تقول في قصر الوصوف على الصفة تميمي أنا قصر إفراد لمن يرددك بين قيس وتميم، أو قصر قلب لمن ينفيك عن تميم ويلحقك بقيس وكذا قائم هو أو قاعد هو بالاعتبارين بحسب المقام في قصر الصفة على الموصوف إفرادا أنا كفيت مهمك بمعنى وحدي لمن يعتقد أنك وكفيتماه مهمه، وقلباً أنا كفيت مهمك بمعنى لا غيري لمن يعتقد كافي مهمه غيرك وكذا ضربت أو ما ضربت بالاعتبارين على ما تضمن ذلك فصل التقديم، وهذه الطرق تتفق من وجه وهو أن المخاطبة معها يلزم أن يكون حاكما حكماً مشوبا بصواب وخطأ وأنت تطلب بها تحقيق صوابه ونفي خطئه تحقق في قصر القلب كون الموصوف على أحد الوصفين أو كون الوصف لأحد الموصوفين وهو صوابه وتنفي تعيين حكمه وهو خطؤه وتحقق في قصر الإفراد حكمه في بعض وهو صوابه وتنفيه عن البعض وهو خطؤه ويختلف من وجوه فالطرق الأول الثلاث دلالتها على التخيص بوساطة الوضع وجزم العقل ودلالة التقديم عليه بوساطة الفحوى وحكم الذوق، والطريق الأول الأصل فيه التعرض للمثبت وللمنفي بالنص كما ترى في قولك زيد شاعر لا منجم في قصر الموصوف على الصفة وزيد شاعر لا عمرو في قصر الصفة على الموصوف لا تترك النص البتة إلا حيث يورث تطويلا ويكون المقام اختصاريا كما إذا قال

стр. 286

المخاطب زيد يعلم الاشتقاق والصرف والنحو والعروض وعلم القافية وعلم المعاني وعلم البيان فتقول زيد يعلم الاشتقاق لا غير أو ليس غير أو ليس إلا أو كما إذا قال زيد يعلم النحو وعمرو وبكر وخالد وفلان وفلان فتقول زيد يعلم النحو لا غير، والطرق الأخيرة الأصل فيها النص مما يثبت دون ما ينفي كما ترى في قولك ما أنا لا تميمي وإنما أنا تميمي وتميمي أنا في قصر الموصوف على الصفة وفي قصر الصفة على الموصوف ما يجيء إلا زيد وإنما يجيء وهو يجيء، والطريق الأول لا يجامع الثاني فلا يصح ما زيد إلا قائم لا قاعد ولا ما يقوم إلا زيد لا عمرو، والسبب في ذلك هو أن لا العاطفة من شرط منفيها أن لا يكون منفياً قبلها بغيرها من كلمات النفي نحو: جاءني زيد لا عمرو، ونحو زيد قائم لا قاعد أو متحرك لا ساكن أو موجود لا معدوم ويمتنع تحقق شرطها هذا في منفيها إذا قلت ما يقوم إلا زيد لا عمرو وما زيد إلا قائم لا قاعد والذي سبق في تحقيق وجه القصر في النفي والاستثناء يكشف لك الغطاء ويجامع الطريقين الأخيرين فيقال إنما أنا تميمي لا قيسي وتميمي أنا لا قيسي وإنما يأتيني زيد لا عمرو وهو يأتيني لا عمرو، وجه صحة مجامعة لا العاطفة إنما مع امتناع مجامعتها ما وإلا عين وجه صحة أن يقال امتنع عن المجيء زيد لا عمرو مع امتناع أن يقال ما جاء زيد لا عمرو وهو كون معنى النفي في إنما وفي قولك امتنع عن المجيء ضمنا لا صريحا لكن إذا جامعت لا العاطفة إنما جامعتها بشرط وهو أن لا يكون الوصف بعد إنما مما له في نفسه اختصاص بالموصوف المذكور كقوله عز اسمه " إنما يستجيب

стр. 287

الذين يسمعون " فإن كل عاقل يعلم أنه لا يكون استجابة إلا ممن يسمع ويعقل وقوله " إنما أنت منذر من يخشاها " فلا يخفى على أحد ممن به مسكة أن الإنذار إنما يكون إنذاراً ويكون له تأثير إذا كان مع من يؤمن بالله وبالبعث والقيامة وأهوالها ويخشى عقابها، وقولهم إنما يعجل من يخشى الفوت فمركوز في العقول أن من لم يخش الفوت لم يعجل، وإذا كان له اختصاص لم يصح فيه استعمال لا العاطفة فلا تقل إنما يعجل من يخشى الفوت لا من يأمنه، وطريق النفي والاستثناء يسلك مع مخاطب تعتقد فيه أنه مخطئ وتراه يصر كما إذا رفع لكم شبح من بعيد لم تقل ما ذاك إلا زيد لصاحبك إلا وهو يتوهمه غير زيد ويصر على إنكار أن يكون إياه وما قال الكفار للرسل إن أنتم إلا بشر مثلنا إلا والرسل عندهم في معرض المنتفي عن البشرية والمنسلخ عنه حكمها بناء على جهلهم أن الرسول يمتنع أن يكون بشراً أو ما تسمع في موضع آخر كيف تجد ما يحكى عنهم هناك يرشح بما يتلوث به صماخك من تقرير جهلهم هذا، وهو " ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون " وما أعجب شأن المشركين ما رضوا للنبي ﷺ أن يكون بشراً ورضوا للإله أن يكون حجرا. وأما قول الرسل لهم إن نحن إلا بشر مثلكم فمن باب المجاراة وإرخاء العنان مع الخصم ليعثر حيث يراد تبكيته كما قد يقول من يخالفك فيما ادعيت أنك من شأنك كيت وكيت فأنت تقول نعم إن من شأني كيت وكيت والحق في يدك هناك ولكن كيف يقدح في دعواي هاتيك، وعلى هذا ما من موضع يأتي فيه النفي والاستثناء إلا والمخاطب عند المتكلم مرتكب للخطأ مع إصرار إما تحقيقا إذا أخرج الكلام على مقتضى الظاهر وإما تقديرا إذا أخرج لا على مقتضى الظاهر كقوله تعالى " وما أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير " لما كان النبي ﵊ شديد الحرص على هداية الخلق وما كان متمناه شيئاً سوى أن يرجعوا عن الكفر فيملكوا زمام السعادة عاجلا وآجلا، ومتى رآهم لم يؤمنوا تداخله ﵊ من الوجد والكآبة ما كاد يبخع له حتى قيل له " فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا " ويتساقط ﵊ حسرات على توليهم وإعراضهم عن الحق، وما كانت شفقته عليهم تدعه يلقي حبلهم على غار بهم ليهيموا في أودية الضلال بل كانت تدعوه ﵊ أن يرجع على تزيين الإيمان لهم عودة على بدئه عسى أن يسمعوا ويعوا راكباً في ذلك كل صعب وذلول أبرز لذلك في معرض من ظن أنه يملك غرس الإيمان في قلوبهم مع إصرارهم على الكفر فقيل له لست هناك " إن أنت إلا نذير " وقوله عز وعلا " قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون " مصبوب في هذا القالب. وطريق إنما يسلك مع مخاطب في مقام لا يصر على خطئه أو يجب عليه أن لا يصر على خطئه لا تقول إنما زيد يجيء أو إنما يجيء زيد إلا والسامع متلق كلامك بالقبول وكذا لا تقول " إنما الله إله واحد " ألا ويجب على السامع أن يتلقاه بالقبول، والأصل في إنما أن تستعمل في حكم لا يعوزك تحقيقه إما لأنه في نفس الأمر جلي أو لأنك تدعيه جليا فمن الأول قوله تعالى " إنما أنت منذر من يخشاها " وقوله " إنما يستجيب الذين يسمعون " وقوله " إنما يعجل من يخشى الفوت، وقولك للرجل الذي ترققه على أخيه وتنبهه للذي يجب عليه من صلة الرحم ومن حسن التحفي إنما هو أخوك ولصاحب الشرك " إنما الله إله واحد، ومن الثاني قول الشاعر: وكيت فأنت تقول نعم إن من شأني كيت وكيت والحق في يدك هناك ولكن كيف يقدح في دعواي هاتيك، وعلى هذا ما من موضع يأتي

стр. 288

فيه النفي والاستثناء إلا والمخاطب عند المتكلم مرتكب للخطأ مع إصرار إما تحقيقا إذا أخرج الكلام على مقتضى الظاهر وإما تقديرا إذا أخرج لا على مقتضى الظاهر كقوله تعالى " وما أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير " لما كان النبي ﵊ شديد الحرص على هداية الخلق وما كان متمناه شيئاً سوى أن يرجعوا عن الكفر فيملكوا زمام السعادة عاجلا وآجلا، ومتى رآهم لم يؤمنوا تداخله ﵊ من الوجد والكآبة ما كاد يبخع له حتى قيل له " فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا " ويتساقط ﵊ حسرات على توليهم وإعراضهم عن الحق، وما كانت شفقته عليهم تدعه يلقي حبلهم على غار بهم ليهيموا في أودية الضلال بل كانت تدعوه ﵊ أن يرجع على تزيين الإيمان لهم عودة على بدئه عسى أن يسمعوا ويعوا راكباً في ذلك كل صعب وذلول أبرز لذلك في معرض من ظن أنه يملك غرس الإيمان في قلوبهم مع إصرارهم على الكفر فقيل له لست هناك " إن أنت إلا نذير " وقوله عز وعلا " قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون " مصبوب في هذا القالب. وطريق إنما يسلك مع مخاطب في مقام لا يصر على خطئه أو يجب عليه أن لا يصر على خطئه لا تقول إنما زيد يجيء أو إنما يجيء زيد إلا والسامع متلق كلامك بالقبول وكذا لا تقول " إنما الله إله واحد " ألا ويجب على السامع أن يتلقاه بالقبول، والأصل في إنما أن تستعمل في حكم لا يعوزك تحقيقه إما لأنه في نفس الأمر جلي أو لأنك تدعيه جليا فمن الأول قوله تعالى " إنما أنت منذر من يخشاها " وقوله " إنما يستجيب الذين يسمعون " وقوله " إنما يعجل من يخشى الفوت،

стр. 289

وقولك للرجل الذي ترققه على أخيه وتنبهه للذي يجب عليه من صلة الرحم ومن حسن التحفي إنما هو أخوك ولصاحب الشرك " إنما الله إله واحد، ومن الثاني قول الشاعر: إنما مصعب شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء ادعى أن كون مصعب كما ذكر جلي وأنه عادة الشعراء يدعون الجلاء في كل ما يمدحون به ممدوحيهم ألا يرى على قوله: وتعذلني أفناء سعد عليهم ... وما قلت إلا بالتي علمت سعد وعلى قوله: لا أدعي لأب العلاء فضيلة ... حتى يسلمها إليه عداه وعلى قوله: فيا من لديه أن كل امرئ له ... نظير وإن حاز الفضائل هل له وما يحكى عن اليهود في قوله عز وعلا " وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما محن مصلحون " ادعوا على مجرى عاداتهم في الكذب وأن كونهم مصلحين أمر ظاهر مكشوف لا سترة به، ولذلك أكد الأمر جل وعلا في تكذيبهم حيث قال " ألا أنهم هم المفسدون " وجاء بالجملة إسمية ومعرفة الخبر باللام، وموسطة الفصل، ومؤكدة بأن، ومصدرة بحرف التنبيه. وإذ قد ذكرنا القصر فيما بين المسند والمسند إليه بالطرق التي سمعت فقد حان أن نذكره فيما بين غيرهما كالفاعل والمفعول وكالمفعولين، وكذي الحال والحال، ونحن نذكره في ذلك بطريق النفي والاستثناء، وطريق إنما دون ما سواهما فلهما هناك عدة اعتبارات تراعى فلا بد من تلاوتها عليك.

стр. 290

اعلم أنك إذا أردت قصر الفاعل على المفعول قلت: ما ضرب زيد إلا عمراً على معنى لم يضرب غير عمرو، وإذا أردت قصر المفعول على الفاعل قلت ما ضرب عمراً إلا زيد على معنى لم يضربه غير زيد، والفرق بين المعنيين واضح وهو أن عمراً في الأول لا يمتنع أن يكون مضروب غير زيد ويمتنع في الثاني وأن في الثاني لا يمتنع أن يكون ضاربا غير عمرو ويمتنع في الأول، ولك أن تقول في الأول ما ضرب إلا عمراً زيد، وفي الثاني ما ضرب إلا زيد عمراً فتقدم وتؤخر إلا أن هذا التقديم والتأخير لما استلزم قصر الصفة قبل تمامها على الموصوف قل دوره في الاستعمال لأن الصفة المقصورة على عمرو في قولنا ما ضر زيد إلا عمراً هي ضرب زيد لا الضرب مطلقا، والصفة المقصورة على زيد في قولنا: ما ضرب عمراً إلا زيد هي الضرب لعمرو، وإذا أردت قصر أحد المفعولين على الآخر في نحو كسوت جبة. قلت في قصر زيد على الجبة ما كسوت إلا جبة أو ما كسوت إلا جبة وفي قصر الجبة على زيد ما كسوت جبة إلا أو ما كسوت إلا جبة وفي نحو ظننت منطلقاً تقول في قصر زيد على الانطلاق ما ظننت إلا منطلقاً وما ظننت إلا منطلقاً وفي قصر الانطلاق على زيد ما ظننت منطلقاً إلا وما ظننت إلا منطلقاً، وإذا أردت قصر ذي الحال على الحال قلت ما جاء زيد إلا راكباً

стр. 291

أو ما جاء إلا راكباً زيد وفي قصر الحال على ذي الحال ما جاء راكباً إلا زيد أو ما جاء إلا زيد راكباً والأصل في جميع ذلك هو أن إلا في الكلام الناس تستلزم ثلاثة أشياء أحدها المستثنى منه لكون إلا للإخراج واستدعاء الإخراج مخرجا منه. وثانيها العموم في المستثنى منه لعدم المخصص وامتناع ترجيح أحد المتساويين ولذلك ترانا في علم النحو نقول تأنيث الضمير في كانت في قراءة أبي جعفر المدني إن كانت إلا صيحة بالرفع وفي ترى المبني للمفعول في قراءة الحسن فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم برفع مساكنهم، وفي بقيت في بيت ذي الرمة وما بقيت إلا الضلوع الجراشع للنظر على ظاهر اللفظ، والأصل التذكير لاقتضاء المقام معنى شيء من الأشياء. وثالثها مناسبة المستثنى منه للمستثنى في جنسه ووصفه، وأعني بصفته كونه فاعلا أو مفعولا أو ذا حال أو حالاً أو ما يرى كيف يقدر المستثنى منه في نحو ما جاءني إلا زيد مناسبا له في الجنس والوصف الذي ذكرت نحو ما جاءني أحد إلا زيد وفي ما رأيت إلا نحو ما رأيت أحدا إلا وفي ما جاء زيد إلا راكباً نحو ما جاء زيد كائنا على حال من الأحوال إلا راكباً، وهذه المستلزمات توجب جميع تلك الأحكام، بيان ذلك أنك إذا قلت ما ضرب إلاعمرا لزم أن يقدر قبل إلا مستثنى منه ليصح الإخراج منه ولزم أن يقدر عاما لعدم المخصص ولزم أن يقدر مناسبا للمستثنى الذي هو عمرو في جنسه

стр. 292

ووصفه، وحينئذ يمتنع أن يكون صورة الكلام إلا هكذا ما ضرب زيد أحدا إلا عمراً واستلزم هذا الكلام قصر الفاعل على عمرو المفعول ضروري، وكذا إذا قلت ما ضرب إلا زيد، وإذا قلت ما ضرب عمراً إلا زيد لزم تقدير مستثنى منه من جنس المستثنى وبوصف العموم وبوصف المستثنى وحينئذ يكون صورة الكلام هكذا ما ضرب عمراً أحد إلا زيد، ويلزم ضرورة قصر المفعول على زيد الفاعل، وإذا قلت ما كسوت إلا جبة كان التقدير ما كسوت ملبسا إلا جبة فيكون زيد مقصوراً على الجبة لا يتعها على ملبس آخر، وإذا قلت ما كسوت جبة إلا كان التقدير ما كسوت جبة أحدا إلا فتكون الجبة مقصورة على زيد لا تتعداه على من عداه وإذا قلت ما جاء راكباً إلا زيد كان التقدير ما جاء راكباً أحد إلا زيد، وإذا قلت ما جاء زيد إلا راكباً كان التقدير ما جاء زيد كائنا على حال من الأحوال إلا راكباً، وإذا قلت ما اخترت رفيقا إلا منكم كان التقدير ما اخترت رفيقا من جماعة من الجماعات إلا منكم، وإذا قلت ما اخترت منكم إلا رفيقا كان التقدير ما اخترت منكم أحدا متصفا بأي وصف كان إلا رفيقا، وكذا إذا قلت ما اخترت إلا رفيقا منكم بدل أن تقول ما اخترت إلا منكم رفيقا لم يعر عن فرق، وهذا يطلعك على الفرق بين ما قال الشاعر: لو خير المنبر فرسانه ... ما اختار إلا منكم فارسا وبين ما إذا قلت ما اختار إلا فارسا منكم. وإذا عرفت هذا في النفي والاستثناء فاعرفه بعينه في إنما لا تصنع شيئاً غير ما أذكره لك وامض في الحكم غير مدافع، نزل القيد الأخير من الكلام الواقع بعد إنما منزلة المستثنى فقدر نحو: إنما يضرب زيد تقدير ما يضرب إلا زيد ونحو إنما يضرب زيد عمراً يوم الجمعة

стр. 293

تقدير ما يضرب زيد عمراً إلا يوم الجمعة، ونحو إنما يضرب زيد عمراً يوم الجمعة في السوق تقدير ما يضرب زيد عمراً يوم الجمعة إلا في السوق، وكذلك إذا قلت: إنما زيد يضرب فقدره تقدير ما زيد إلا يضرب ولا تجوز معه من التقديم والتأخير ما جوزته مع ما وإلا، ولا تقسه في ذلك عليه فذاك أصل في باب القصر، وهذا كالفرع عليه، والتقديم والتأخير هناك غير ملبس وهنا مؤد على الإلباس، وكذلك قدر إنما هذا لك تقدير ما هذا إلا لك وإنما لك هذا تقدير مالك إلا هذا حتى إذا أردت الجمع إنما وطريق العطف فقل إنما هذا لك لا لغيرك وإنما لك هذا لاذاك إنما يأخذ زيد لا عمرو وإنما زيد يأخذ لا يعطي، ومن هذا يعثر على الفرق بين " إنما يخشى الله من عباده العلماء " وبين إنما يخشى العلماء من عباده الله بتقديم المرفوع على المنصوب فالأول يقتضي انحصار خشية الله على العلماء، والثاني يقتضي انحصار خشية العلماء على الله. واعلم أن حكم غير حكم إلا في إفادة القصرين وامتناع مجامعة لا العاطفة تقول ما جاءني غير زيد إما إفرادا لمن يقول جاء زيد مع آخر، وإما قلباً لمن يقول ما جاء زيد وإنما جاء مكانه إنسان آخر ولا تقول ما جاءني غير زيد لا عمرو. واعلم أني مهدت لك في هذا العلم قواعد متى بنيت عليها أعجب كل شاهد بناؤها، واعترف لك بكمال الحذق في صناعة البلاغة أبناؤها، ونهجت لك مناهج متى سلكنها أخذت بك عن المجهل المتعسف على سواء السبيل، وصرفتك عن الآجن المطروق على النمير الذي هو شفاء

стр. 294

الغليل، ونصبت لك أعلاماً متى انتحيتها أعثرتك على ضوال منشودة، وحشدت منها ما ليست عند أحد بمحشودة، ومثلت لك أمثلة متى حذوت عليها أمنت العثار في مظان الزلل وأبت أن تتصرف فيما تثنى إليه عنانك يد الخطل، ثم إذا كنت ممن ملك الذوق على الطبع وتصفحت كلام رب العزة أطلعتك على ما يوردك هناك موارد الهزة، وكشفت لنور بصيرتك عن وجه إعجازه القناع، وفصلت لك ما أجمله إيثار أولئك المصاقع على معارضته القراع، فإن ملاك الأمر في علم المعاني هو الذوق السليم والطبع المستقيم، فمن لم يرزقهما فعليه بعلوم أخر، وإلا لم يحظ بطائل مما تقدم وما تأخر: إذا لم تكن للمرء عين صحيحة ... فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر هذا وإن الخبر كثيراً ما يخرج لا على مقتضى الظاهر ويكون المراد به الطلب فسيذكر ذلك في آخر القانون الثاني بإذن الله تعالى.

стр. 295

القانون الثاني من علم المعاني وهو قانون الطلب. قد سبق أن حقيقة الطلب حقيقة معلومة مستغنية عن التحديد فلا تتكلم هناك وإنما تتكلم في مقدمة يسند عليها المقام من بيان ما لابد للطلب ومن تنوعه والتنبيه على أبوابه في الكلام وكيفية توليدها لما سوى أصلها، وهي أن لا ارتياب في أن الطلب من غير تصور إجمالا أو تفصيلا لا يصح وأنه يستدعي مطلوبا لا محالة ويستدعي فيما هو مطلوبه أن لا يكون حاصلا وقت الطلب وليكن هذا المعنى عندك فسنفرع عليه. والطلب إذا تأملت نوعان: نوع لا يستدعي في مطلوبه إمكان الحصول، وقولنا لا يستدعي أن يمكن أعم من قولنا يستدعي أن لا يمكن، ونوع يستدعي فيه إمكان الحصول، والمطلوب بالنظر على أن لا واسطة بين الثبوت والانتفاء يستلزم الحضارة في قسمين: حصول ثبوت متصور وحصول انتقاء متصور وبالنظر على كون الحصول ذهنياً وخارجياً سيستلزم انقساما على أربعة أقسام: حصولين في الذهن وحصولين في الخارج، ثم إذ لم يرد الحصول في الذهن على التصور والتصديق لم يتجاوز أقسام المطلوب ستة: حصول تصور أو

стр. 296

تصديق في الذهن، وحصول انتفاء تصور أو تصديق فيه، وحصول ثبوت تصور أو انتفائه في الخارج، وطلب حصول التصور في الذهن لا يرجع إلا على تفصيل مجمل أو تفصيل مفصل بالنسبة، ووجه ذلك أن الإنسان إذا صح منه الطلب بأن أدرك بالإجمال لشيء ما أو بالتفصيل بالنسبة على شيء ما ثم طلب حصولا لذلك في الذهن وامتنع طلب الحاصل توجه على غير حاصل وهو تفصيل المجمل أو تفصيل المفصل بالنسبة. أما النوع الأول من الطلب فهو التمني أو ما ترى كيف تقول: ليت جاءني فتطلب كون غير الواقع فيما مضى واقعاً فيه مع حكم العقل بامتناعه أو كيف تقول: ليت الشباب يعود فتطلب عودة الشباب مع جزمك بأنه لا يعود أو كيف تقول: ليت يأتيني أوليتك تحدثني فتطلب إتيان زيد أو حديث صاحبك في حال لا تتوقعهما ولا لك طماعية في وقوعهما إذ لو توقعت أو طمعت لاستعملت لعل أو عسى، أما الاستفهام والأمر والنهي والنداء فمن النوع الثاني والاستفهام لطلب حصول في الذهن والمطلوب حصوله في الذهن إما أن يكون حكماً بشيء على شيء أو لا يكون، والأول هو التصديق ويمتنع انفكاكه من تصور الطرفين، والثاني هو التصور ولا يمتنع انفكاكه من التصديق، ثم المحكوم به إما أن يكون نفس الثبوت أو الانتفاء كما تقول الانطلاق ثابت أو متحقق أو موجود كيف شئت أو ما الانطلاق ثابتا فتحكم على الانطلاق بالثبوت أو الانتفاء بالإطلاق أو ثبوت كذا أو انتفاء كذا بالتقييد كما تقول: الانطلاق قريب أو ليس بقريب فتحكم على الانطلاق أو بثبوت القرب له أو بانتفائه عنه لا مزيد للتصديق على هذين النوعين، والنوع الأول

стр. 297

لا يحتمل الطلب إلا في التصديق والمسند إليه لكون المسند فيه نفس الثبوت والانتفاء مستغنيا عن الطلب، والثاني يحتمله في التصديق وطرفيه. وأما الأمر والنهي والنداء فلطلب الحصول في الخارج. إما حصول انتفاء متصور كقولك في النهي للمتحرك لا تتحرك فإنك تطلب بهذا الكلام انتفاء الحركة في الخارج، وإما حصول ثبوته كقولك في الأمر قم وفي النداء يا زيد فإنك تطلب بهذين الكلامين حصول قيام صاحبك وإقباله عليك في الخارج، والفرق بين الطلب في الاستفهام وبين الطلب في الأمر والنهي والنداء واضح فإنك في الاستفهام تطلب ما هو في الخارج ليحصل في ذهنك نقش له مطابق وفيما سواه تنقش في ذهنك، ثم تطلب أن يحصل له في الخارج مطابق فنقش الذهن في الأول تابع وفي الثاني متبوع، وتوفيه هذه المعاني حقها تستدعي مجالا غير مجالنا هذا فلنكتف بالإشارة إليها ومجرد التنبيه عليها، وإذ قد عثرت على ما رفع لك فبالحري أن تبين كيف يتفرع عن هذه الأبواب الخمسة التمني والاستفهام والأمر والنهي. والنداء ما يتفرع على سبيل الجملة إذ لا بد منه. ثم الفصول الآتية في علم البيان لتلاوتها عليك ما تترقب من التفصيل هنالك ضمناه فنقول: متى امتنع إجراء هذه الأبواب على الأصل تولد منها ما ناسب المقام كما إذا قلت لمن همك ليتك تحدثني، امتنع إجراء التمني والحال ما ذكر على أصله فتطلب الحديث من صاحبك غير مطموع في حصوله وولد بمعونة قرينة الحال معنى السؤال أو كما إذا قلت هل لي من شفيع في مقام لا يسع إمكان التصديق بوجود الشفيع امتنع إجراء الاستفهام على أصله وولد بمعونة قرائن الأحوال معنى التمني، وكذا إذا قلت لو يأتيني زيد فيحدثني بالنصب طالبا لحصول الوقوع فيما يفيد لو من تقدير غير الواقع واقعاً ولد التمني وسبب توليد لعل معنى التمني في قولهم لعلي سأحج فأزورك بالنصب هو بعد المرجو عن الحصول أو كما إذا قلت لمن تراه لا ينزل ألا تنزل فتصيب خبرا امتنع أن يكون المطلوب بالاستفهام التصديق بحال نزول صاحبك لكونه حاصلا ويوجه بمعونة قرينة الحال على نحو ألا تحب النزول مع محبتنا إياه وولد معنى العرض كما إذا قلت لمن تراه يؤذي الأب أتفعل هذا امتنع توجه الاستفهام على فعل الأذى لعلمك بحاله، وتوجه على ما لا تعلم مما يلابسه من نحو أتستحسن، وولد الإنكار والزجر أو كما إذا قلت لمن يهجو أباه مع حكمك بأن هجو الأب ليس شيئاً غير هجو النفس هل تهجو إلا نفسك أو غير نفسك امتنع منك إجراء الاستفهام على ظاهره لاستدعائه أن يكون الهجو احتمل عندك توجها على غيره، وتولد منه بمعونة القرينة الإنكار والتوبيخ أو كما إذا قلت لمن يسيء الأدب ألم أؤدب فلانا امتنع أن تطلب العلم بتأديبك فلانا وهو حاصل، وتولد منه الوعيد والزجر أو كما إذا قلت لمن بعثت على مهم وأنت تراه عندك. أما ذهبت بعد امتنع الذهاب عن توجه الاستفهام إليه لكونه معلوم الحال واستدعى شيئاً مجهول الحال مما يلابس الذهاب مثل: أما يتيسر لك الذهاب، وتولد منه الاستبطاء والتحضيض، أو كما إذا قلت لمن يتصلف وأنت تعرفه، ألا أعرفك امتنعت معرفتك به عن الاستفهام وتوجه على مثل أتظنني لا أعرفك، وتولد الإنكار والتعجب والتعجيب، أو كما إذا قلت لمن جاءك أجئتني امتنع المجيء عن الاستفهام، وولد بمعونة القرينة التقرير، أو كما إذا قلت لمن يدعي أمراً ليس في وسعه افعله امتنع أن يكون المطلوب بالأمر حصول ذلك الأمر في الخارج بحكمك عليه بامتناعه، وتوجه على مطلوب ممكن الحصول مثل بيان عجزه، وتولد التعجيز والتحدي، أو كما إذا قلت لعبد شتم مولاه وأنك أدبته حق التأديب أو أوعدته على ذلك أبلغ إيعاد اشتم مولاك، امتنع أن يكون المراد الأمر بالشتم والحال ما ذكر، وتوجه بمعونة قرينة الحال على نحو أعرف لا زم الشتم وتولد منه التهديد، أو كما إذا قلت لعبد لا يمتثل أمرك لا تمتثل أمري امتنع طلب ترك الامتثال لكونه حاصلا، وتوجه على غير حاصل مثل لا تكترث لأمري ولا تبال به، وتولد منه التهديد، أو كما إذا قلت لمن أقبل عليك يتظلم يا مظلوم امتنع توجيه النداء على طلب الإقبال لحصوله، وتوجه على غير حاصل مثل زيادة الشكوى بمعونة قرينة الحال، وتولد منه الإغراء ولنقتصر فمن لم يستضئ بمصباح لم يستضئ بإصباح ناقلين الكلام على التصفح لأبواب الطلب. معنى التمني، وكذا إذا قلت لو يأتيني زيد فيحدثني بالنصب طالبا لحصول الوقوع فيما يفيد لو من تقدير غير الواقع واقعاً ولد التمني وسبب توليد

стр. 298

لعل معنى التمني في قولهم لعلي سأحج فأزورك بالنصب هو بعد المرجو عن الحصول أو كما إذا قلت لمن تراه لا ينزل ألا تنزل فتصيب خبرا امتنع أن يكون المطلوب بالاستفهام التصديق بحال نزول صاحبك لكونه حاصلا ويوجه بمعونة قرينة الحال على نحو ألا تحب النزول مع محبتنا إياه وولد معنى العرض كما إذا قلت لمن تراه يؤذي الأب أتفعل هذا امتنع توجه الاستفهام على فعل الأذى لعلمك بحاله، وتوجه على ما لا تعلم مما يلابسه من نحو أتستحسن، وولد الإنكار والزجر أو كما إذا قلت لمن يهجو أباه مع حكمك بأن هجو الأب ليس شيئاً غير هجو النفس هل تهجو إلا نفسك أو غير نفسك امتنع منك إجراء الاستفهام على ظاهره لاستدعائه أن يكون الهجو احتمل عندك توجها على غيره، وتولد منه بمعونة القرينة الإنكار والتوبيخ أو كما إذا قلت لمن يسيء الأدب ألم أؤدب فلانا امتنع أن تطلب العلم بتأديبك فلانا وهو حاصل، وتولد منه الوعيد والزجر أو كما إذا قلت لمن بعثت على مهم وأنت تراه عندك. أما ذهبت بعد امتنع الذهاب عن توجه الاستفهام إليه لكونه معلوم الحال واستدعى شيئاً مجهول الحال مما يلابس الذهاب مثل: أما يتيسر لك الذهاب، وتولد منه الاستبطاء والتحضيض، أو كما إذا قلت لمن يتصلف وأنت تعرفه، ألا أعرفك امتنعت معرفتك به عن الاستفهام وتوجه على مثل أتظنني لا أعرفك، وتولد الإنكار والتعجب والتعجيب، أو كما إذا قلت لمن جاءك أجئتني امتنع المجيء عن الاستفهام، وولد بمعونة القرينة التقرير، أو كما إذا قلت لمن يدعي أمراً ليس في وسعه افعله امتنع أن يكون المطلوب بالأمر حصول ذلك الأمر في الخارج بحكمك عليه بامتناعه، وتوجه على مطلوب ممكن الحصول مثل بيان عجزه، وتولد التعجيز والتحدي، أو كما إذا قلت لعبد شتم مولاه وأنك أدبته حق التأديب أو أوعدته على ذلك أبلغ إيعاد اشتم مولاك، امتنع أن يكون المراد الأمر بالشتم والحال ما ذكر،

стр. 299

وتوجه بمعونة قرينة الحال على نحو أعرف لا زم الشتم وتولد منه التهديد، أو كما إذا قلت لعبد لا يمتثل أمرك لا تمتثل أمري امتنع طلب ترك الامتثال لكونه حاصلا، وتوجه على غير حاصل مثل لا تكترث لأمري ولا تبال به، وتولد منه التهديد، أو كما إذا قلت لمن أقبل عليك يتظلم يا مظلوم امتنع توجيه النداء على طلب الإقبال لحصوله، وتوجه على غير حاصل مثل زيادة الشكوى بمعونة قرينة الحال، وتولد منه الإغراء ولنقتصر فمن لم يستضئ بمصباح لم يستضئ بإصباح ناقلين الكلام على التصفح لأبواب الطلب.

стр. 300

الباب الأول في التمني اعلم أن الكلمة الموضوعة للتمني هي ليت وحدها، وأما لو وهل في إفادتهما معنى التمني، فالوجه ما سبق وكأن الحروف المسماة بحروف التنديم والتحضيض وهي: هلا وألا ولولا ولوما مأخوذة منهما مركبة مع لا وما المزيدتين مطلوبا بالتزام التركيب التنبيه على إلزام هل ولو معنى التمني، فإذا قيل هلا أكرمت أو ألا بقلب الهاء همزة أو لولا أو لوما فكأن المعنى ليتك أكرمت متولداً منه معنى التنديم، وإذا قيل هلا تكرم أو لولا فكأن المعنى ليتك تكرمه متولداً من معنى السؤال.

стр. 301

الباب الثاني في الاستفهام للاستفهام كلمات موضوعة، وهي: الهمزة وأم وهل ومامن وأي وكم وكيف وأين وأنى ومتى وأيان بفتح الهمزة وبكسرها، وهذه اللغة أعني كسر همزتها تقوي إباء أن يكون أصلها أي أو إن وهذه الكلمات ثلاثة أنواع: أحدها يختص طلب حصول التصور، وثانيها يختص طلب حصول التصديق، وثالثها لا يختص، وقد نبهت فيما سبق أن طلب التصور مرجعه على تفصيل المجمل أو على تفصيل المفصل بالنسبة. وإذا تأملت التصديق وجدته راجعا على تفصيل المجمل أيضا، وهو طلب تعين الثبوت أو الانتفاء في مقام التردد، والهمزة من النوع الأخير تقول في طلب التصديق بها أحصل الانطلاق وأزيد منطلق وفي طلب التصور بها في طرف المسند إليه أدبس في الإناء أم عسل، وفي طريف المسند أفي الخابية دبسك أم في الزق. فأنت في الأول تطلب تفصيل المسند إليه، وهو المظروف، وفي الثاني تطلب تفضيل المسند، وهو الظرف. وهل من النوع الثاني لا تطلب به إلا التصديق كقولك هل حصل الانطلاق وهل زيد منطلق، ولاختصاصه بالتصديق امتنع أن يقال هل عندك عمرو أم بشر باتصال أم دون أم عندك بشر بانقطاعها وقبح هل رجل

стр. 302

عرف وهل عرفت دون هل عرفته ولم يقبح أرجل عرف وأ عرفت لما سبق أن التقديم يستدعي حصول التصديق بنفس الفعل فبينه وبين هل تدافع، وإذا استحضرت ما سبق من التفاصيل في صور التقديم عساك أن تهتدي لما طويت ذكره أنا، ولا بد لهل من أن يخصص الفعل المضارع بالاستقبال فلا يصح أن يقال هل تضرب وهو أخوك على نحو أتضرب وهو أخوك في أن يكون الضرب واقعاً في الحال ولكون هل لطلب الحكم بالثبوت أو الانتفاء، وقد نبهت فيما قبل على أن الإثبات والنفي لا يتوجهان على الذوات، وإنما يتوجهان على الصفات ولاستدعائه التخصيص بالاستقبال لما يحتمل ذلك. وأنت تعلم أن احتمال لاستقبال إنما يكون لصفات الذوات لا لأنفس الذوات لأن الذوات من حيث هي هي ذوات فيما مضى، وفي الحال وفي الاستقبال استلزم ذلك مزيد اختصاص لهل دون الهمزة بما يكون كونه زمانياً أظهر كالأفعال، ولذلك كان قوله " فهل أنتم شاكرون " أدخل في الأنباء عن طلب الشكر من قولنا: فهل تشكرون، أو فهل أنتم تشكرون، أو أفأنتم شاكرون لما أن هل تشكرون مفيد للتجدد، وهل أنتم تشكرون كذلك وأفأنتم شاكرون وإن كان ينبئ عن عدم التجدد لكنه دون فهل أنتم شاكرن لما ثبت أن هل أدعى للفعل من الهمزة فترك الفعل معه يكون أدخل في الأنباء عن استدعاء المقام عدم التجدد ولكون هل ادعى للفعل من الهمزة لا يحسن هل زيد منطلق إلا من كما البليغ ما لا يحسن نظير قوله ليبك يزيد ضارع لخصومه من كل أحد على ما سبق في موضعه

стр. 303

والخطب مع الهمزة في نحو أزيد منطلق أهون. وأما ما ومن وأي وكم وأين وكيف وأنى ومتى وأيان، فمن النوع الأول من طلب حصول التصور على تفصيل بينهن لا بد من إيقافك عليه ليصح منك تطبيقها في الكلام على ما يستجوب فنقول، أما ما فللسؤال عن الجنس تقول ما عندك بمعنى أي أجناس الأشياء عندك وجوابه إنسان أو فرس أو كتاب أو طعام، وكذلك تقول ما الكلمة وما الاسم وما الفعل وما الحرف وما الكلام وفي التنزيل فما خطبكم بمعنى أي أجناس الخطوب خطبكم وفيه ما تعبدون من بعدي أي أي من في الوجود تؤثرونه في العبادة أو عن الوصف تقول ما زيد وما عمرو، وجوابه الكريم أو الفاضل وما شاكل ذلك، ولكون ما للسؤال عن الجنس وللسؤال عن الوصف وقع بين فرعون وبين موسى ما وقع لأن فرعون حين كان جاهلا بالله معتقدا أن لا موجود مستقلا بنفسه سوى أجناس الأجسام اعتقاد كل جاهل لا نظر له، ثم سمع موسى قال أنا رسول رب العالمين سأل بما عن الجنس سؤال مثله فقال وما رب العالمين كأنه قال أي أجناس الأجسام هو وحين كان موسى عالما بالله أجاب عن الوصف تنبيها على النظر المؤدي على العلم بحقيقته الممتازة عن حقائق الممكنات فلما لم يتطابق السؤال والجواب عند فرعون الجاهل عجب من حوله من جماعة الجهلة، فقال لهم ألا تستمعون، ثم استهزأ بموسى وجننه فقال " إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون " وحين لم يرهم موسى يفطنون لما نبههم عليه في الكرتين من فساد مسألتهم الحمقاء واستماع جوابه

стр. 304

الحكيم غلظ في الثالثة، فقال " رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون " ويحتمل أن يكون فرعون قد سأل بما عن الوصف لكون رب العالمين عنده مشتركا بين نفسه وبين من دعاه إليه موسى في قوله " أنا رسول رب العالمين " لجهله وفرط عتوه وتسويل نفسه الشيطانية له ذلك الضلال الشنيع من ادعاء الربوبية وارتكاب أن يقول أنا ربكم الأعلى ونفخ الشيطان في خيشومه أولئك بتسليم البهائم له إياها وإذعانهم له بذلك وتلقيبهم إياه برب العالمين وشهرته فيما بينهم بذلك على درجات دعت السحرة إذ عرفوا الحق وخروا سجدا لله وقالوا آمنا برب العالمين على أن يعقبوه بقولهم رب موسى وهارون نفيا لاتهامهم أن يعنوا فرعون، وأن يكون ذلك السؤال من فرعون على طماعية أن يجري موسى في جوابه على نهج حاضريه لو كانوا المسئولين في وجهه بدله فيجعله المخلص لجهله بحال موسى وعدم اطلاعه على علو شأنه إذ كان ذلك المقام أول اجتماعه بموسى بدليل ما جرى فيه من قوله " أولو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين " فحين سمع المخلص لم يمكنه تعجب وعجب واستهزأ وجنن وتفيهق بما تفيهق من لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين " وأما من فللسؤال عن الجنس من ذوي العلم تقول من جبريل بمعنى أبشر هو أم ملك أم جني وكذا من إبليس ومن فلان، ومنه قوله تعالى حكاية عن فرعون " فمن ربكما يا موسى " أراد من مالككما ومدبر أمركما أملك هو أم جني أم بشر منكرا لأن يكون لهما رب سواه لادعائه الربوبية لنفسه ذاهبا في سؤاله هذا

стр. 305

على معنى ألكما رب سواي؟ فأجاب موسى بقوله " ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى " كأنه قال نعم لنا رب سواك وهو الصانع الذي إذا سلكت الطريق الذي بين بإيجاده لما أوجد وتقديره إياه على ما قدر واتبعت فيه الخريت الماهر وهو العقل الهادي عن الضلال لزمك الاعتراف بكونه ربا وأن لا رب سواه وأن العبادة له مني ومنك ومن الخلق أجمع حق لا مدفع له. وأما أي فللسؤال عما يميز أحد المتشاركين في أمر يعمهما يقول القائل عندي ثياب فتقول أي الثياب هي؟ فتطلب منه وصفا يميزها عندك عما يشاركها في الثوبية. قال تعالى حكاية عن سليمان " أيكم يأتيني بعرشها " أي الإنسي أم الجني، وقال حكاية عن الكفار " أي الفريقين خير مقاما " أي أنحن أم أصحاب محمد. وأما كم فللسؤال عن العدد إذا قلت كم درهما لك وكم رجلا رأيت فكأنك قلت أعشرون أم ثلاثون أم كذا وتقول كم درهمك وكم مالك أي كم دانقا وكم دينارا وكم ثوبك: أي كم شبرا وكم ذراعا وكم زيد ماكث: أي كم يوما أو كم شهرا وكم رأيتك: أي كم مرة وكم سرت: أي كم فرسخا أو كم يوما قال " قال قائل منهم كم لبثتم " أي كم يوما أو كم ساعة. وقال " كم لبثتم في الأرض عدد سنين " وقال تعالى " سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة " ومنه قول الفرزدق: عما يميز أحد المتشاركين في أمر يعمهما يقول القائل عندي ثياب فتقول أي الثياب هي؟ فتطلب منه وصفا يميزها عندك عما يشاركها في الثوبية. قال تعالى حكاية عن سليمان " أيكم يأتيني بعرشها " أي الإنسي أم الجني، وقال حكاية عن الكفار " أي الفريقين خير مقاما " أي أنحن أم أصحاب محمد. وأما كم فللسؤال عن العدد إذا قلت كم درهما لك وكم رجلا رأيت فكأنك قلت أعشرون أم ثلاثون أم كذا وتقول كم درهمك وكم مالك أي كم دانقا وكم دينارا وكم ثوبك: أي كم شبرا وكم ذراعا وكم زيد ماكث: أي كم يوما أو كم شهرا وكم رأيتك: أي كم مرة وكم سرت: أي كم فرسخا أو كم يوما قال " قال قائل منهم كم لبثتم " أي كم يوما أو كم ساعة. وقال " كم لبثتم في الأرض عدد سنين " وقال تعالى " سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة " ومنه قول الفرزدق:

стр. 306

كم عمة لك يا جرير وخالة ... فدعاء قد حلبت علي عشاري فيمن روى بنصب المميز. وأما كيف فللسؤال عن الحال إذا قيل كيف زيد فجوابه صحيح أو سقيم أو مشغول أو فارغ أو شبح أو جذلان ينتظم الأحوال كلها. وأما أين فللسؤال عن المكان إذا قيل أين زيد فجوابه في الدار أو في المسجد أو في السوق ينتظم الأماكن كلها. وأما أنى فتستعمل تارة بمعنى كيف. قال تعالى " فأتوا حرثكم أنى شئتم " أي كيف شئتم، وأخرى بمعنى من أين قال تعالى " أنى لك هذا " أي من أين. وأما متى وأيان فهما للسؤال عن الزمان إذا قيل متى جئت أو أيان جئت، قيل يوم الجمعة أو يوم الخميس أو شهر كذا أو سنة كذا، وعن علي بن عيسى الربعي ﵀ عليه أمام أئمة بغداد في علم النحو أن أيان تستعمل في مواضع التفخيم كقوله عز قائلاً " يسأل أيان يوم القيامة. يسألون أيان يوم الدين ". واعلم ان هذه الكلمات كثيراً ما يتولد منها أمثال ما سبق من المعاني

стр. 307

بمعونة قرائن الأحوال فيقال ما هذا ومن هذا لمجرد الاستخفاف والتحقير ومالي للتعجب. قال تعالى حكاية عن سليمان " مالي لا أرى الهدهد " وأي رجل هو للتعجب وأيما رجل وكم دعوتك للاستبطاء وكم تدعوني للإنكار وكم أحلم للتهديد وكيف تؤذي أباك للإنكار والتعجب والتوبيخ، وعليه قوله تعالى " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم " بمعنى التعجب، ووجه تحقيق ذلك هو أن الكفار في حين صدور الكفر منهم لا بد من أن يكونوا على إحدى الحالين إما عالمين بالله وإما جاهلين به فلا ثالثة فإذا قيل لهم كيف تكفرون بالله وقد علمت أن كيف للسؤال عن الحال وللكفر مزيد اختصاص بالعلم بالصانع وبالجهل به انساق على ذلك فأفاد أفي حال العلم بالله تكفرون أم في حال الجهل به ثم إذا قيد كيف تكفرون بالله بقوله " وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم " وصار المعنى كيف تكفرون بالله والحال حال علم بهذه القصة، وهي إن كنتم أمواتا فصرتم أحياء وسيكون كذا وكذا صير الكفر أبعد شيء عن العاقل فصار وجوده منه مظنة التعجب، ووجه بعده هو أن هذه الحالة تأبى أن لا يكون للعاقل علم بأن له صانعا قادرا عالما حيا سميعا بصيرا موحوداً غنيا في جميع ذلك عن سواه، قديما غير جسم ولا عرض، حكيما خالقا منعما مكلفا، مرسلا للرسل باعثا مثيبا معاقبا، وعلمه بأن له هذا الصانع يأبى أن يكفر، وصدور الفعل عن القادر مع الصارف القوي مظنة تعجب وتعجيب وإنكارا وتوبيخ فصح أن يكون قوله تعالى " كيف تكفرون " على آخر الآية تعجبا وتعجيبا وإنكارا وتوبيخا، وكذلك يقال أين مغيثك للتوبيخ والتقريع والإنكار

стр. 308

حال تذليل المخاطب. قال تعالى " أين شركائي الذين كنتم تزعمون " توبيخا للمخاطبين وتقريعا لهم لكونه سؤالا في وقت الحاجة على الإغاثة عمن كان يدعى له أنه يغيث، وقال " فأين تذهبون " للتنبيه على الضلال ويقال أنى تعتمد على خائن للتعجب والتعجيب والإنكار، قال الله تعالى " فأنى تؤفكون " إنكارا وتوبيخا، وقال " أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين " استبعاً دا لذكراه، ويقال متى قلت هذا للجحد والإنكار ومتى تصلح شأني للاستبطاء وقد عرفت الطريق فراجع نفسك وإذا سلكتها فاسلكها عن كمال التيقظ لما لقنت فلا تجوز بعد ما عرفت أن التقديم يستدعي العلم بحال نفس الفعل وقوعا أو غير وقوع أضربت سائلا عن حال وقوع الضرب ولا أأنت ضربت بنية التقديم ولا ترض أضربت أم غيره وأأنت ضربت أم غيرك وإن أردت بالاستفهام التقرير فاحذ على مثال الإثبات فقل حال تقرير الفعل أضربت أو أتضرب وقل حال تقرير أنه الضارب دون عمرو أأنت ضربت كما قال تعالى " أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم " أو أن مضروبه أضربت وإن أردت به الإنكار فانسجه على منوال النفي فقل في إنكار

стр. 309

نفس الضرب أضربت أو قل أأو قل أضربت أم عمراً فإنك إذا أنكرت من يردد الضرب بينهما تولد منه إنكار الضرب على وجه برهاني، ومنه قوله تعالى " قل آلذكرين حرم أم الأنثيين " وفي إنكار أنه الضارب أأنت ضربت وفي إنكار أن مضروبه أضربت كما قال تعالى " قل أغير الله أتخذ وليا " وقال " أغير الله تدعون " ومنه أيضا قوله تعالى أبشرا منا واحداً نتبعه " فتذكر ولا تغفل عن التفاوت بين الإنكار للتوبيخ على معنى لم كان أو لم يكون كقولك أعصيت ربك أو أتعصي ربك وبين الإنكار للتكذيب على معنى لم يكن أو لا يكون كقوله تعالى " أفأصفاكم ربكم بالبنين " وقوله " أصطفى البنات على البنين " وقوله " أنلزمكموها " وإياك أن يزل عن خاطرك التفصيل الذي سبق في نحو أنا ضربت وأنت ضربت وهو ضرب من احتمال الابتداء واحتمال التقديم وتفاوت المعنى في الوجهين فلا تحمل نحو قوله تعالى " آلله أذن لكم " على التقديم فليس المراد أن الإذن ينكر من الله دون غيره ولكن احمله على الابتداء مرادا منه تقوية حكم الإنكار، وانظم في هذا السلك قوله تعالى " أفأنت تكره الناس " وقوله تعالى " أفأنت تسمع الصم أو تهدى العمى " وقوله " أهم يقسمون رحمة ربك " وما جرى مجراه.

стр. 310

وإذ قد عرفت أن هذه الكلمات للاستفهام وعرفت أن الاستفهام طلب وليس بخفي أن الطلب إنما يكون لما يهمك ويعنيك شأنه لا لما وجوده وعدمه عندك بمنزلة، وقد سبق أن كون الشيء مهما جهة مستدعية لتقديمه في الكلام فلا يعجبك لزوم كلمات الاستفهام صدر الكلام ووجوب التقديم في نحو كيف زيد وأين عمرو ومتى الجواب وما شاكل ذلك. عجبك لزوم كلمات الاستفهام صدر الكلام ووجوب التقديم في نحو كيف زيد وأين عمرو ومتى الجواب وما شاكل ذلك.

стр. 311

؟؟؟؟؟ الباب الثالث في الأمر للأمر حرف واحد وهو اللام الجازم في قولك ليفعل وصيغ مخصوصة سبق الكلام في ضبطها في علم الصرف وعدة أسماء ذكرت في علم النحو والأمر في لغة العرب عبارة عن استعمالها أني استعمال نحو لينزل وانزل ونزال وصه على سبيل الاستعلاء. وأما أن هذه الصور والتي هي من قبيلها هل هي موضوعة لتستعمل على سبيل الاستعلاء أم فالأظهر أنها موضوعة لذلك وهي حقيقة فيه لتبادر الفهم عند استماع نحو قم وليقم زيد على جانب الأمر وتوقف ما سواه من الدعاء والالتماس والندب والإباحة والتهديد على اعتبار القرائن وإطباق أئمة اللغة على إضافتهم نحو قم وليقم على الأمر بقولهم صيغة الأمر ومثال الأمر ولام الأمر دون أن يقولوا صيغة الإباحة ولام الإباحة مثلا يمد ذلك لك، وتحقيق معنى الحقيقة والمجاز موضعه في علم البيان فتذكر هناك إن شاء الله تعالى، ولا شبهة في أن طلب المتصور على سبيل الاستعلاء يورث إيجاد الإتيان به على المطلوب منه ثم إذا كان الاستعلاء ممن هو أعلى رتبة من المأمور استتبع إيجابه وجوب الفعل بحسب جهات مختلفة وإلا لم يستتبعه فإذا صادفت هذه أصل الاستعمال بالشرط المذكور أفادت الوجوب

стр. 312

وإلا لم تفد غير الطلب ثم إنها حينئذ تولد بحسب قرائن الأحوال ما ناسب المقام إن استعملت على سبيل التضرع كقولنا اللهم اغفر وارحم ولدت الدعاء، وإن استعملت على سبيل التلطف كقول كل أحد لمن يساويه في المرتبة افعل بدون الاستعلاء ولدت السؤال والالتماس كيف عبرت عنه، وإن استعملت في مقام الأذن كقولك جالس الحسن أو ابن سيرين لمن يستأذن في ذلك بلسانه أو بلسان حاله ولدت الإباحة، وإن استعملت في مقام تسخط المأمور به ولدت التهديد على ما تقدم الكلام في أمثال ذلك.

стр. 313

الباب الرابع في النهي للنهي حرف واحد وهو لا الجازم في قولك لا تفعل والنهي محذو به حذو الأمر في أن أصل استعمال لا تفعل أن يكون على سبيل الاستعلاء بالشرط المذكور فإن صادف ذلك أفاد الوجوب وإلا أفاد طلب الترك فحسب، ثم إن استعمل على سبيل التضرع كقول المبتهل على الله لا تكلني على نفسي سمي دعاء، وإن استعمل في حق المساوي الرتبة لا على سبيل الاستعلاء سمي التماسا، وإن استعمل في حق المستأذن سمي إباحة، وإن استعمل في مقام تسخط الترك سمي تهديدا، والأمر والنهي حقهما الفور والتراخي يوقف على قرائن الأحوال لكونهما للطلب ولكون الطلب في استدعاء تعجيل المطلوب أظهر منه في عدم الاستدعاء له عند الإنصاف والنظر على حال المطلوب بأخويهما وهما الاستفهام والنداء منبه على ذلك صالح، ومما ينبه على ذلك تبادر الفهم إذا أمر المولى عبده بالقيام ثم أمره قبل أن يقوم بأن يضطجع وينام حتى المساء على أن المولى غير الأمر دون تقدير الجمع بينهما في الأمر وإرادة التراخي للقيام، وكذا استحسان العقلاء عند أمر المولى عبده بالقيام أو القعود أو عند نهيه إياه إذا لم يتبادر على ذلك ذمه.

стр. 314

وأما الكلام في أن الأمر أصل في المرة أم في الاستمرار وأن النهي أصل في الاستمرار أم في المرة كما هو مذهب البعض فالوجه هو أن ينظر إن كان الطلب بهما راجعا على قطع الواقع كقولك في الأمر للساكن تحرك، وفي النهي للمتحرك لا تتحرك، فالأشبه المرة وإن كان الطلب بهما راجعا على اتصال الواقع كقولك في الأمر للمتحرك تحرك ولا تظنن هذا طلبا للحاصل فإن الطلب حال وقوعه يتوجه على الاستقبال كما نبهت عليه في صدر القانون ولا وجود في الاستقبال قبل صيرورته حالا، وقولك في النهي للمتحرك لا تسكن فالأشبه الاستمرار. واعلم أن هذه الأبواب الأربعة: التمني والاستفهام والأمر والنهي تشترك في الإعانة على تقدير الشرط بعدها، كقولك في التمني ليت لي مالا أنفقه على معنى إن أرزقه أنفقه وقولك في الاستفهام أين بيتك أزرك على معنى إن تعرفنيه أو إن أعرفه أزرك. وأما العرض: كقولك ألا تنزل تصب خيرا على معنى إن تنزل تصب خيرا فليس بابا على حدة وإنما هو من مولدات الاستفهام كما عرفت وقولك في الأمر أكرمني أكرمك قال تعالى " فهب لي من لدنك وليا يرثني " بالجزم. وأما قراءة الرفع فالأولى حملها على الاستئناف دون الوصف لئلا يلزم منه أنه لم يوهب من وصف لهلاك يحيى قبل زكريا. وقال تعالى " قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم " ومنهم من يضمر لام الأمر مع يقيموا إلا أن إضمار الجازم نظير إضمار الجار فانظر، وقولك في النهي لا تشتم يكن خيرا لك على معنى إن لا تشتم يكن خيرا لك، وتقدير الشرط لقرائن الأحوال غير ممتنع قال تعالى " فلم تقتلوهم ولكن الله

стр. 315

قتلهم " على تقدير إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم، وقال تعالى " فالله هو الولي " على تقدير إن أرادوا وليا بحق فالله هو الولي بالحق لا ولي سواه، وأمثال ذلك في القرآن كثيرة، وكذا تقدير الجزاء لها كذلك. قال تعالى " قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم " وترك الجزاء وهو " ألستم ظالمين " لذكر الظلم عقيبه في قوله " إن الله لا يهدي القوم الظالمين "

стр. 316

الباب الخامس في النداء ما يتعلق بالنداء من حروفه وتفصيل الكلام في معانيها سبق التعرض لذلك في علم النحو فلا نتكلم فيه ولكن ههنا نوع من الكلام صورته صورة النداء وليس بنداء فننبه عليه وتلك الصورة هي قولهم أما أنا فافعل كذا أيها الرجل ونحن نفعل كذا أيها القوم واللهم اغفر لنا أيتها العصابة، يراد بهذا النوع من الكلام الاختصاص على معنى أنا أفعل كذا متخصصا بذلك من بين الرجال ونحن نفعل كذا متخصصين من بين الأقوام واللهم اغفر لنا مخصوصين من بين العصائب. واعلم أن الطلب كثيراً ما يخرج لا على مقتضى الظاهر وكذلك الخبر فيذكر أحدهما في موضع الآخر ولا يصار على ذلك إلا لتوخي نكت قلما يتفطن لها من لا يرجع على دربة في نوعنا هذا ولا يعض فيه بضرس قاطع والكلام بذلك متى صادف متممات البلاغة افتر لك عن السحر الحلال بما شئت ومن المتممات ما قد سبق لي أن نظم الكلام إذا استحسن من بليغ لا يمتنع أن لا يستحسن مثله من غير البليغ وإن اتحد المقام إذ لا شبهة في صحة اختلاف النظم مقبولا وغير مقبول عند اختلاف المقام فلا بد لحسن الكلام من انطباق له على ما لأجله يساق ومن صاحب له عراف بجهات الحسن لا يتخطاها وإلا لم يمتنع حمل الكلام منه على غيرها ويتعرى عن الحسن لذهاب كسوته

стр. 317

ولا بد مع ذلك من إذن لافتنانات البلاغة مصوغة فما الآفة العظمى والبلية الكبرى لتلك الافتنانات إلا من أصمخة هي لغيرها مخلوقة إذا اتصل بذويها كلام لا ترى به الدر الثمين مسخه جهلهم مسخا يفوقه قيمة المشخلب، ولأمر ما تجد القرآن متفاوت القدر ارتفاعا وانحطاطا بين العلماء في نوعنا هذا وبين الجهلة والجهات المحسنة لاستعمال الخبر في موضع الطلب تكثر تارة تكون قصد التفاؤل بالوقوع كما إذا قيل ذلك في مقام الدعاء أعاذك الله من الشبهة وعصمك من الحيرة ووفقك للتقوى ليتفاءل بلفظ المضي على عدها من الأمور الحاصلة التي حقها الأخبار عنها بأفعال ماضية وأنه نوع مستحسن الاعتبار وقل لي إذا حسن اعتبار ما هو أبعد كإباء الكتاب في حق المخدرات لفظ حراستها وما هو أبعد وأبعد كإباء أهل الظرف إهداء السفرجل على الأحبة لاشتمال اسمه إذا سمي بالعربية على حروف سفرجل فما ظنك بالقريب وهل خلع هارون على كاتبه إذ سأله عن شيء فقال لا وأيد الله أمير المؤمنين إلا لأنه لم يسمع ما عليه الأغبياء فيما بينهم من لا أيدك الله بترك الواو، أو غير هارون حين خرج على ناحية لمطالعة عمارتها وقد تراءت له في طريقه أشجر من بعيد فسأل عنها كاتبا يصحبه فقال الكاتب شجرة الوفاق تفاديا عن لفظ الخلاف فكساه، أفترى ذلك لغير ما نحن فيه؟ أو هل حين غضب الداعي على شاعره أبى مقاتل الضرير حين افتتح: موعد أحبابك للفرقة غد أغضبه شيء غير معنى التفاؤل حتى قال له موعد أحبابك يا أعمى ولك المثل السوء وأمر بإخراجه، وهل تسمية العرب الفلاة مفازة والعطشان ناهلاً واللديغ سليماً وما شاكل ذلك إلا من باب التفاؤل، فالمفازة هي المنجاة والناهل هو الريان والسليم هو ذو السلامة وتارة لإظهار الحرص في وقوعه، فالطالب متى تبالغ حرصه فيما

стр. 318

يطلب ربما انتقشت في الخيال صورته لكثرة ما يناجي به نفسه فيخيل إليه غير الحاصل حاصلاً حتى إذا حكم الحس بخلافه غلطه تارة واستخرج له محملا أخرى، وعليه قول شيخ المعرة. ما سرت إلا وطيف منك يصطحبني ... سرى أمامك وتأويبا على أثري يقول لكثرة ما ناجيت نفسي بك انتقشت في خيالي فأعدك بين يدي مغلطا للبصر بعلة الظلام إذا لم يدركك ليلا أمامي واعدك خلفي إذا لم يتيسر لي تغليطه حين لا يدركك بين يدي تارة لقصد الكناية كقول العبد لمولى إذا حول عنه الوجه ينظر المولى على ساعة ووجه حسنه إما نفس الكناية إن شئت، وإما الاحتراز عن صورة الأمر وإما هما، وتارة لحمل المخاطب على المذكور أبلغ حمل بألطف وجه كما إذا سمعت من لا تحب أن ينسب على الكذب يقول لك تأتيني غدا أو لا تأتيني، وتارة مناسبات أخر فتأملها ففيها كثرة، وما من آية من آي القرآن واردة على هذا الأسلوب إلا مدارها على شيء من هذه النكت. قال تعالى " وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله " في موضع لا تعبدوا " وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون إلا دماءكم " في موضع لا تسفكوا

стр. 319

" يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله " في موضع آمنوا وجاهدوا، فانظر. ومن هذا القبيل قول كل من يقول من البلغاء في الدعاء ﵀ أو يرحمه، ومن الجهات المحسنة لإيراد الطلب في مقام الخبر إظهار معنى الرضا بوقوع الداخل تحت لفظ الطلب إظهارا على درجة كأن المرضى مطلوب. قال كثير: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة فذكر لفظ الأمر بالإساءة ثم عطف عليه بلفظ أو الأمر بضد الإساءة تنبيها بذلك على أن ليس المراد بالأمر الإيجاب المانع عن الترك لكن المراد هو الإباحة التي تنافي تخير المخاطب بين أن يفعل وان لا يفعل فاعلا كل ذلك لتوخي إظهار مزيد الرضى بأي ما اختارت في حقه من الإساءة أو الإحسان أو توخي إظهار نفى أن يتفاوت جوابه بتفاوته وقوعا وعدم وقوع كما يقول صم أو لا تصم فإني لا أترك الصيام توهم من تخاطب انك تطلب منه أن يصوم وينظر في حالك أو لا يصوم وينظر ليتبين ثباتك على الصيام صام هو أم لم يصم، وعليه قوله تعالى " استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم " وكذا قوله " أنفقوا طوعاً أو كرهاً لن يتقبل منكم " وما شاكل من ذلك من لطائف

стр. 320

الاعتبارات والأمر في باب التعجب من نحو أكرم بزيد على قول من يقول إنه بمعنى الخبر آخذا همزته من قبيل ذي كذا جاعلا الباء زائدة مثلها في كفى بالله منخرط في هذا السلك، ولهذا النوع أعني إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر أساليب متفننة إذ ما من مقتضى كلام ظاهري ألا ولهذا النوع مدخل فيه بجهة من جهات البلاغة على ما تنبه على ذلك منذ اعتنينا بشأن هذه الصناعة وترشد إليه تارة بالتصريح وتارات بالفحوى، ولكل من تلك الأساليب عرق في البلاغة يتشرب من أفانين سحرها ولا كأسلوب الحكيم فيها وهو تلقي المخاطب بغير ما يترقب كما قال: أنت تشتكي عندي مزاولة القرى ... وقد رأت الضيفان ينحون منزلي فقلت كأني ما سمعت كلامها ... هم الضيف جدي في قراهم وعجلي أو السائل بغير ما يتطلب كما قال تعالى " يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج " قالوا في السؤال ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط، ثم يتزايد قليلا قليلا حتى يمتلئ ويستوي ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ فأجيبوا بما ترى، وكما قال يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل " سألوا عن بيان ما ينفقون فأجيبوا ببيان المصرف، ينزل سؤال السائل منزلة سؤال غير سؤاله لتوخي التنبيه له بألطف وجه على تعديه عن موضع سؤال هو أليق بحاله أن يسأل عنه أو أهم له إذا تأمل، وأن هذا الأسلوب الحكيم لربما صادف المقام فحرك من نشاط السامع ما سلبه حكم الوقور وأبرزه في معرض المسحور، وهل ألان شكيمة الحجاج لذلك الخارجي
следующие страницы →