← Баляга

Баляга · id 26581

مفتاح العلوم

السكاكي

Полный текст (593 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

اللفظة بإزاء معنى بنفسها وقولي بنفسها احتراز عن المجاز إذا عينته بإزاء ما أردته بقرينة فإن ذلك التعيين لا يسمى وضعا، وإذا عرفت أن دلالة الكلمة على المعنى موقوفة على الوضع وأن الوضع تعيين الكلمة بإزاء معنى بنفسها وعندك علم أن دلالة معنى على معنى غير ممتنعة عرفت صحة أن تستعمل الكلمة مطلوبا بها نفسها تارة معناها الذي هي موضوعة له ومطلوبا بها أخرى معنى معناها بمعونة قرينة ومبنى كون الكلمة حقيقة ومجازا على ذا، فالحقيقة هي الكلمة المستعملة فيما هي موضوعة له من غير تأويل في الوضع كاستعمال الأسد في الهيكل المخصوص فلفظ الأسد موضوع له بالتحقيق ولا تأويل فيه وإنما ذكرت هذا القيد ليحترز به عن الاستعارة ففي الاستعارة تعد الكلمة مشتملة فيما هي موضوعة له على أصح القولين ولا نسميها حقيقة بل نسميها مجازا لغويا لبناء دعوى المستعار موضوعا للمستعار له على ضرب من التأويل كما ستحيط بجميع ذلك علما في موضوعه إن شاء الله تعالى، ولك أن تقول الحقيقة هي الكلمة المستعملة فيما تدل عليه بنفسها دلالة ظاهرة كاستعمال الأسد في الهيكل المخصوص أو القرء في أن لا يتجاوز الطهر والحيض غير مجموع بينهما فهذا يدل عليه بنفسه ما دام منتسبا على الوضعين. أما إذا خصصته بواحد إما صريحا مثل أن تقول القرء بمعنى الطهر، وأما استلزاماً مثل أن تقول القرء لا بمعنى الحيض فإنه حينئذ ينتصب دليلا دالا بنفسه على الطهر بالتعيين كما كان الواضع عينه بازائه بنفسه وإنه لمظنة فضل تأمل منك فاحتط، وقولي دلاله ظاهرة احتراز عن الاستعارة وستعرف وجه الاحتراز في باب الاستعارة،

стр. 352

ولك أن تقول الحقيقة هي الكلمة المستعملة في معناها بالتحقيق والحقيقة تنقسم عند العلماء على لغوية وشرعية وعرفية والسبب في انقسامها هذا هو ما عرفت أن اللفظة تمتنع أن تدل على مسمى من غير وضع فمتى رأيتها دالة لم تشك في أن لها وضعا وأن لوضعها صاحبا فالحقيقة لدلالتها على المعنى تستدعي صاحب وضع قطعا فمتى تعين عندك نسبت الحقيقة إليه، فقلت لغوية إن كان صاحب وضعها واضع اللغة وقلت شرعية إن كان صاحب وضعها الشارع ومتى لم يتعين قلت عرفية وهذا المأخذ يعرفك أن انقسام الحقيقة على أكثر مما هي منقسمة إليه غير ممتنع في نفس الأمر. رعية وعرفية والسبب في انقسامها هذا هو ما عرفت أن اللفظة تمتنع أن تدل على مسمى من غير وضع فمتى رأيتها دالة لم تشك في أن لها وضعا وأن لوضعها صاحبا فالحقيقة لدلالتها على المعنى تستدعي صاحب وضع قطعا فمتى تعين عندك نسبت الحقيقة إليه، فقلت لغوية إن كان صاحب وضعها واضع اللغة وقلت شرعية إن كان صاحب وضعها الشارع ومتى لم يتعين قلت عرفية وهذا المأخذ يعرفك أن انقسام الحقيقة على أكثر مما هي منقسمة إليه غير ممتنع في نفس الأمر. وأما المجاز فهو الكلمة المستعملة في غير ما هي موضوعة له بالتحقيق استعمالا في الغير بالنسبة على نوع حقيقتها مع قرينة مانعة عن إرادة معناها في ذلك النوع، وقولي بالتحقيق احتراز أن لا تخرج الاستعارة التي هي من باب المجاز نظرا على دعوى استعمالها فيما هي موضوعة له، وقولي استعمالا في الغير بالنسبة على نوع حقيقتها احتراز عما إذا اتفق كونها مستعملة فيما تكون موضوعة له بالنسبة على نوع حقيقتها كما إذا استعمل صاحب اللغة لفظ الغائط مجازا فيما يفضل عن الإنسان من منهضم متناولاته أو كما إذا استعار صاحب الحقيقة الشرعية الصلاة للدعاء أو صاحب العرف الدابة للحمار، والمراد بنوع حقيقتها اللغوية إن كانت إياها أو الشرعية أو العرفية أية كانت، وقولي مع قرينة مانعة عن إرادة معناها في ذلك النوع احتراز عن الكناية فإن الكناية كما ستعرف تستعمل فيراد بها المكنى عنه فتقع مستعملة في غير ما هي موضوعة له مع أنا لا نسميها مجازا لعرائها عن هذا القيد، ولك أن تقول المجاز هو الكلمة المستعملة في غير ما تدل عليه

стр. 353

بنفسها دلالة ظاهرة استعمالاً في الغير بالنسبة على نوع حقيقتها مع قرينة مانعة عن إرادة ما تدل عليه بنفسها في ذلك النوع، ولك أن تقول المجاز هو الكلمة المستعملة في معنى معناها بالتحقيق استعمالا في ذلك بالنسبة على نوع حقيقتها مع قرينة مانعة عن إرادة معناها في ذلك النوع. واعلم أنا لا نقول في عرفنا استعملت الكلمة فيما تدل عليه أو في غير ما تدل عليه حتى يكون الغرض الأصلي طلب دلالتها على المستعمل فيه، ومن حق الكلمة في الحقيقة التي ليست بكناية أن تستغني في الدلالة على المراد منها بنفسها عن الغير لتعينها له بجهة الوضع، وأما ما يظن بالمشترك من الاحتياج على القرينة في دلالته على ما هو معناه فقد عرفت أن منشأ هذا الظن عدم تحصيل معنى المشترك الدائر بين وضعين وحق الكلمة في المجازات لا تستغني عن الغير في الدلالة على ما يراد منها ليعينها له ذلك الغير، وسميت الحقيقة حقيقة لمكان التناسب وهو أن الحقيقة إما فعيل بمعنى مفعول من حققت الشيء أحقه إذا أثبته، فمعناها المثبت والكلمة متى استعملت فيما كانت موضوعة له دالة عليه بنفسها كانت مثبتة في موضعها الأصلي، وإما فعيل بمعنى فاعل من حق الشيء يحق إذا وجب فمعناها الواجب وهو الثابت والكلمة المستعملة فيما هي موضوعة له ثابتة في موضعها الأصلي واجب لها ذلك، وأما التاء فهو عندي للتأنيث في الوجهين لتقدير لفظ الحقيقة قبل التسمية صفة مؤنث غير مجراه على الموصوف وهو الكلمة، وكذا المجاز سمي مجازا لجهة التناسب لأن المجاز نفعل من جاز المكان يجوزه إذا تعداه والكلمة إذا استعملت في غير ما هي

стр. 354

موضوع له وهو ما تدل عليه بنفسها فقد تعدت موضعها الأصلي واعتبار التناسب في التسمية مزلة إقدام ربما شاهدت فيها من الزلل ما تعجبت فإياك والتسوية بين تسمية إنسان له حمرة بأحمر وبين وصفه بأحمر أن تزل. فإن اعتبار المعنى في التسمية لترجيح الاسم على غيره حال تخصيصه بالمسمى، واعتبار المعنى في الوصف لصحة إطلاقه عليه فأين أحدهما عن الآخر وإن كثيراً سووا ثم سمعونا نقول الله عز اسمه سمي الله لكونه محار عقول اشتقاقا من كذا أو لكونه معبودا اشتقاقا من كذا فظنونا أسأنا فأخذوا يرمون والمرمى حيث باتوا وظنوا إله الخلق غفرا. وتحد الحقيقة والمجاز عند أصحابنا في هذا النوع بغير ما ذكرت يحدون الحقيقة هكذا كل كلمة أريد بها ما وقعت له في وضع واضع وقوعا لا تستند فيه على غيره. وإنما يقولون واضع بالتنكير دون للتعريف ليعم واضع اللغة وغيره من أصحاب الأوضاع المتأخرة عن وضع اللغة والضمير في فيه يعود على الوقوع وفي غيره يعود على الوضع وإنما يذكرون هذا القيد تقريرا للمعنى الأول مثل أن يقولوا كل كلمة أريد بها ما وقعت له في وضع واضع لا ما وقعت له في غير وضع واضع، والذي تقع له الكلمة في غير الوضع هو ما تتناوله عقلا بواسطة الوضع كما إذا وقعت للعشرة مثلا في الوضع فإنها تكون واقعة لخمسة وخمسة إلا أنها في وقوعها لخمسة وخمسة تستند على غير الوضع وهو العقل، ويحدون المجاز هكذا كل كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضع لملاحظة بين الثاني والأول فتأمل قولي وقولهم. واعلم أن الكلمة حال وضعها اللغوي لما عرفت من أن الحقيقة ترجع

стр. 355

على إثبات الكلمة في موضعها وأن المجاز يرجع على إخراج الكلمة عن موضعها حقها أن لا تسمى حقيقة ولا مجازا كالجسم حال الحدوث لا يسمى ساكنا ولا متحركا. وأما حال الوضعين الأخيرين فحقها كذلك لكن في الأول بالإطلاق وفي الأخيرين بتقييد الحقيقة بنوعها مثل أن يقال لا تكون حقيقة شرعية ولا مجازها ولا تكون حقيقة عرفية ولا مجازها وإن كان الإطلاق قد يحتمل، وإذ قد تقدم إليك ما أحاطت به معرفتك فبالحري أن نشمر الذيل لتخليص أوابد ما عند السلف وتخليصه مما يقع من المشو في البين وأن نسوقه إليك مرتباً ترتيباً يقيد فوائدهم مقررا تقريرا يميط اللثام عن وجوه فرائدهم فاعلين ذلك لنطلعك على كنه ما أجروا إليه، ونعثرك على شأو ما قد أناخوا لديه، منبهين في أثناء المساق على ما يرونه وما نحن نراه، فإذا استناخا من كمال تأملك في بحبوحة ذراه آثرت عن استطلاع طلعتهما أيا شئت، والله أعلم. اعلم أن المجاز عند السلف من علماء هذا الفن قسمان: لغوي، وهو ما تقدم، ويسمى مجازا في المفرد، وعقلي وسيأتيك تعريفه، ويسمى مجازا في الجملة، واللغوي قسمان: قسم يرجع على معنى الكلمة، وقسم يرجع على حكم لها في الكلام، والراجع على معنى الكلمة قسمان: خال عن الفائدة ومتضمن لها، والمتضمن للفائدة قسمان: خال من المبالغة في التشبيه ومتضمن لها، وأنه يسمى الاستعارة، ولها انقسامات فهذه فصول خمسة مجاز لغوي راجع على المعنى خال عن الفائدة. مجاز لغوي معنوي مفيد خال عن المبالغة في التشبيه استعارة. مجاز لغوي راجع على حكم

стр. 356

الكلمة. مجاز عقلي، ويتلوه الكلام في الحقيقة العقلية، وأنا أسوق إليك هذه الفصول بعون الله تعالى، وهو المستعان.

стр. 357

الفصل الأول المجاز اللغوي الراجع على معنى الكلمة غير المفيد هو أن تكون الكلمة موضوعة لحقيقة من الحقائق مع قيد فتستعملها لتلك الحقيقة لا مع ذلك القيد بمعونة القرينة، مثل أن تستعمل المرسن وأنه موضوع لمعنى الأنف مع قيد أن يكون أنف مرسون استعمال الأنف من غير زيادة قيد بمعونة القرائن كقول العجاج: وفاحما ومرسنا مسرجا يعني أنفا يبرق كالسراج أو مثل المشفر، وهو موضوع للشفة مع قيد أن تكون شفة بعير استعمال الشفة فتقول فلان غليظ المشفر في ضمن قرينة دالة على أن المراد هو الشفة لا غير أو مثل أن تستعمل الحافر وأنه موضوع للرجل مع قيد أن تكون رجل فرس أو حمار استعمال الرجل بالإطلاق اعتماداً على دلالة القرائن على ذلك، سمي هذا القبيل مجازا لتعديه عن مكانه الأصلي، ومعنوياً لتعلقه بالمعنى لا بالحكم الذي سيأتيك، ولغويا لاختصاصه بمكانه الأصلي بحكم الوضع، وغير مفيد لقيامه مقام أحد المترادفين من نحو: ليث وأسد وحبس ومنع عند المصير على المراد منه.

стр. 358

الفصل الثاني المجاز اللغوي الراجع على المعنى المفيد الخالي عن المبالغة في التشبيه هو أن تعدي الكلمة عن مفهومها الأصلي بمعونة القرينة على غيره لملاحظة بينهما، ونوع تعلق نحو أن تراد النعمة باليد، وهي موضوعة للجارحة المخصوصة لتعلق النعمة بها من حيث أنها تصدر عن اليد، ومنها تصل على المقصود بها، وكذا إذا أردت القوة أو القدرة بها لأن القدرة أكثر ما يظهر سلطانها في اليد، وبها يكون البطش والضرب والقطع والأخذ والدفع والوضع والرفع، وغير ذلك من الأفاعيل التي تخبر فضل إخبار عن وجود القدرة وتنبئ عن مكانها أتم إنباء ولذلك تجدهم لا يريدون باليد شيئاً لا ملابسة بينه وبين هذه الجارحة ونحو أن تراد المزادة بالرواية، وهي في الأصل اسم للبعير الذي يحملها للعلاقة الحاصلة بينها وبينه بسبب حمله إياها وأن يراد البعير بالحنض، وهو متاع البيت بنحو من الجهة المذكورة، ونحو أن يراد الرجل بالعين إذا كان ربيئة من حيث أن العين لما كانت المقصودة في كون الرجل ربيئة صارت كأنها الشخص كله، ونحو أن يراد النبت بالغيث كما يقولون رعينا غيثا لكون الغيث سببا، ونحو أو يراد الغيث بالسماء لكونه من جهتها يقولون أصابتنا السماء أي الغيث، ونحو أن يراد الغيث بالنبات كقولك: أمطرت السماء نباتا لكون الغيث سببا فيه أو بالسنام كقول من قال أسنمة الآبال في سحابه، ومن هذا تعرف وجه تفسير من فسر إنزال أزواج الأنعام في قوله تعالى " وأنزل

стр. 359

لكم من الأنعام ثمانية أزواج " بإنزال الماء لا سيما إذا نظر على ما ورد من أن كل ماء في الأرض فهو من السماء ينزله جل وعلا منها على الصخرة ثم يقسمه وقيل هذا معنى قوله " ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض " ومما نحن فيه قوله " وينزل لكم من السماء رزقا " أي مطرا هو سبب الرزق وقوله " وفي السماء رزقكم " ومما ينخرط في هذا السلك هداه الله أي ألطف به وأضله الله أي خذله بمنع ألطافه لكونها في حقه عبثا وقوله عز سلطانه " فإن لم تفعلواً ولن تفعلواً فاتقوا النار التي " أي العناد المستلزم للنار، وقوله " إنما يأكلون في بطونهم ناراً " لاستلزام أموال اليتامى إياها، وقول القائل: يأكلن كل ليلة أكافا أي علفا بثمن أكاف للتعلق بين ذلك العلف وبين الأكاف، وقولهم أكل فلان الدم أي الدية للتعلق بينهما. ومن أمثلة المجاز قوله تعالى " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله " استعملت قرأت مكان أردت القراءة لكون القراءة مسببة عن إرادتها استعمالا مجازيا بقرينة الفاء في فاستعذ والسنة المستفيضة بتقديم الاستعاذة، ولا تلتفت على من يؤخر الاستعاذة فذلك لضيق العطن، وقوله " ونادى نوح ربه " في موضع أراد نداء به بقرينة فقال رب، وقوله " وكم من قرية أهلكناها " في موضع أردنا هلاكها بقرينة " فجاءها بأسنا والبأس الإهلاك، وقوله " وحرام على قرية

стр. 360

أهلكناها " في موضع أردنا هلاكها بقرينة " أنهم لا يرجعون " أي عن معاصيهم للخذلان، ومنه " ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون " أي أردنا إهلاكها، إذ معنى الآية كل قرية أردنا إهلاكها لم يؤمن أحد منهم أفهؤلاء يؤمنون. وما أدل نظم الكلام على الوعيد بالإهلاك. أما ترى الإنكار في أفهم يؤمنون لا يقع في المحز إلا بتقدير ونحن على أن نهلكهم، وإنما حملت الامتناع عما ذكرت على ضيق العطن لأنه متى جرى فيما هو أبعد جريا مستفيضا يكاد يريك من إذا تكلم بخلافه كمن صلى لغير قبلة، أليس كل أحد يقول للحفار ضيق فم الركية، وعليه فقس والتضييق كما يشهد له عقلك الراجح هو التغيير من السعة على الضيق ولا سعة هناك إنما الذي هناك هو مجرد تجويز أن الحفار التوسعة فينزل مجوز مراده منزلة الواقع ثم يأمره بتغييره على الضيق، أما يجب أن يكون في الأقرب أجرى وأجرى وأمثال ذلك مما تعدى الكلمة بمعونة القرينة عن معناها الأصلي على غيره لتعلق بينهما بوجه قويا كان أو ضعيفاً واضحاً أو خفياً، وللتعلق بين الصارف عن فعل الشيء وبين الداعي على تركه يحتمل عندي أن يكون منعك في قوله علت كلمته " ما منعك أن لا تسجد " مرادا به ما دعاك على أن لا تسجد وأن يكون لا غير قرينة للمجاز، ونظيره ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعن "

стр. 361

ومن أمثلة المجاز المستثنى منه في باب الاستثناء، وتحقيق الكلام في ذلك مفتقر على التعرض للتناقض وسينشعب من علم المعاني شعبة تثمر المصير على ماله، وعليه فالرأي أن تؤخر الكلام في الاستثناء على الفراغ عن تلك الشعبة وهي شعبة علم الاستدلال وتسميته مجازا لغويا ومعنويا لما تقدم ومفيدا لتضمنه شبه شاهد لتحقق ما أنت تريد به وسيأتيك تقرير هذا المعنى في الأصل الثالث بإذن الله تعالى، وأما معنى كونه خالياً عن المبالغة في التشبيه فموضحة الفصل الذي يليه. الفراغ عن تلك الشعبة وهي شعبة علم الاستدلال وتسميته مجازا لغويا ومعنويا لما تقدم ومفيدا لتضمنه شبه شاهد لتحقق ما أنت تريد به وسيأتيك تقرير هذا المعنى في الأصل الثالث بإذن الله تعالى، وأما معنى كونه خالياً عن المبالغة في التشبيه فموضحة الفصل الذي يليه.

стр. 362

الفصل الثالث في الاستعارة هي أن تذكر أحد طرفي التشبيه وتريد به الطرف الآخر مدعيا دخول المشبه في جنس المشبه به دالا على ذلك بإثباتك للمشبه ما يخص المشبه به كما تقول في الحمام أسد وأنت تريد به الشجاع مدعياً أنه من جنس الأسود فتثبت للشجاع ما يخص المشبه به وهو اسم جنسه مع سد طريق التشبيه بإفراده في الذكر أو كما تقول إن المنية أنشبت أظفارها وأنت تريد بالمنية السبع بادعاء السبعية لها وإنكار أن تكون شيئاً غير سبع فتثبت لها ما يخص المشبه به وهو الأظفار، وسمي هذا النوع من المجاز استعارة لمكان التناسب بينه وبين معنى الاستعارة وذلك أنا متى ادعينا في المشبه كونه داخلا في حقيقة المشبه به فرادا من أفرادها برز فيما صادف من جانب المشبه به سواء كان اسم جنسه وحقيقته أو لازما من لوازمها في معرض نفس المشبه به نظرا على ظاهر الحال من الدعوى فالشجاع حال دعوى كونه فردا من أفراد حقيقة الأسد يكتسي اسم الأسد اكتساء الهيكل المخصوص إياه نظرا على الدعوى والمنية حال دعوى كونها داخلة في حقيقة السبع إذا أثبت لها مخلب أو ناب ظهرت مع ذلك ظهور نفس السبع معه في أنه كذلك ينبغي، وكذلك الصورة المتوهمة على شكل المخلب أو الناب مع المنية المدعى أنها سبع تبرز في تسميها باسم المخلب

стр. 363

بروز الصورة المتحققة المسماة باسم المخلب من غير فرق نظرا على الدعوى، وهذا شأن العارية فإن المستعير يبرز معها في معرض المستعار منه لا يتفاوتان إلا في أن أحدهما إذا فتش عنها مالك والآخر ليس كذلك، وهاهنا سؤال وجواب تسمعها في فصل الاستعارة بالكناية، ويسمى المشبه به سواء كان هو المذكور أو المتروك مستعارا منه واسمه مستعارا والمشبه به مستعارا له والذي قرع سمعك من أن الاستعارة تعتمد إدخال المستعار له في جنس المستعار منه هو السر في امتناع دخول الاستعارة في الإعلام اللهم إلا إذا تضمنت نوع وصفية لسبب خارج تضمن اسم حاتم الجود وما در البخل وما جرى مجراهما. وأما عد هذا النوع لغويا فعلى أحد القولين وهو المنصور كما ستقف عليه، وكان شيخنا الحاتمي تغمده الله برضوانه أحد ناصريه، فإن لهم فيه قولين أحدهما أنه لغوي نظرا على استعمال الأسد في غير ما هو له عند التحقيق فإنا وإن ادعينا للشجاع الأسدية فلا نتجاوز حديث الشجاعة حتى ندعى للرجل صورة الأسد وهيئته وعبالة عنقه ومخالبه وأنيابه وماله من سائر ذلك من الصفات البادية لحواس الأبصار، ولئن كانت الشجاعة من أخص أوصاف الأسد وأمكنها لكن اللغة لم تضع الاسم لها وحدها بل لها في مثل تلك الجنة وتلك الصورة والهيئة وهاتيك الأنياب والمخالب على غير ذلك من الصور الخاصة في جوارحه جمع ولو كانت وضعته لتلك الشجاعة التي تعرفها لكان صفة لا اسما ولكان استعماله فيما كان على غاية قوة البطش ونهاية جراءة المقدم من جهة التحقيق لا من جهة التشبيه، ولما ضرب بعرق في الاستعارة إذ ذاك ألبتة ولا نقلب المطلوب بنصب القرائن وهو منع الكلمة عن حملها على ما هي موضوعة له على إيجاب حملها موضوعة له.

стр. 364

وثانيهما أنه ليس بلغوي بل عقلي نظراً على الدعوى فإن كونه لغويا يستدعي كون الكلمة مستعملة في غير ما هي موضوعة له ويمتنع مع ادعاء الأسدية للرجل وأنه داخل في جنس الأسود فرد من أفراد حقيقة الأسد، وكذا مع ادعاء كون الصبيح الكامل الصباحة أنه شمس وأنه قمر وليس ألبتة شيئاً غيرهما أن يكون إطلاق اسم الأسد على ذلك عن اعتراف بأنه رجل أو إطلاق اسم الشمس أو القمر على هذا عن اعتراف بأنه آدمي لقدح ذلك في الدعوى وقل لي مع اعتراف بأنه آدمي غير شمس وغير قمر في الحقيقة أنى يكون موضع تعجب قوله: قامت تظللني من الشمس ... نفس أعز عليّ من نفسي قامت تظللني ومن عجب ... شمس تظللني من الشمس أو موضع نهي عن التعجب قوله: لا تعجبوا من بلي غلالته ... قد زر أزراره على القمر وقوله: ترى الثياب من الكتان يلمحها ... نور من البدر أحيانا فيبليها فكيف تنكر أن تبلى معاجرها ... والبدر في كل وقت طالع فيها ومع الإصرار على دعوى أنه أسد وأنه شمس وأنه قمر يمتنع أن يقال لم تستعمل كلمة فيما هي موضوعة له، ومدار ترديد الإمام عبد القاهر قدس الله روحه لهذا النوع بين اللغوي تارة وبين العقلي أخرى على هذين الوجهين جزاء الله أفضل الجزاء فهو الذي لا يزال ينور القلوب في مستودعات لطائف نظره لا يألو تعليماً وإرشاداً لكنك إذا وقفت على وجه التوفيق بين إصرار المستعير على ادعائه الأسدية للرجل، وبين نصبه في ضمن الكلام قرينة دالة على أنه ليس الهيكل المخصوص مصدقة عنده كشف لك الغطاء.

стр. 365

اعلم أن وجه التوفيق هو أن تبنى دعوى الأسدية للرجل على ادعاء أن أفراد جنس الأسد قسمان بطريق التأويل متعارف، وهو الذي له غاية جرأة المقدم ونهاية قوة البطش مع الصورة المخصوصة وغير متعارف وهو الذي له تلك الجراءة وتلك القوة لا مع تلك الصورة، بل مع صورة أخرى على نحو ما ارتكب المتنبي هذا الادعاء في عد نفسه وجماعته من جنس الجن، وعد جماله من جنس الطير حين قال: نحن قوم ملجن في زي ناس ... فوق طير لها شخوص الجمال مستشهدا لدعواك هاتيك بالمحيلات العرفية والتأويلات المناسبة من نحو حكمهم إذا رأوا أسدا هرب عن ذئب أنه ليس بأسد، وإذا رأوا إنساناً لا يقاومه أحد أنه ليس بإنسان، وإنما هو أسد أو هو أسد في صورة إنسان وإن تخصص تصديق القرينة بنفيها المتعارف الذي يسبق على الفهم ليتعين ما أنت تستعمل الأسد فيه ومن البناء على هذا التنويع قوله: تحية بينهم ضرب وجيع ... وقولهم عتابك السيف وقوله عز وعلا " يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم " على ما ستسمع هذه الآية في فصل المستثنى منه إن شاء الله، ومنه قوله: وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس

стр. 366

والاستعارة لبناء الدعوى فيها على التأويل تفارق الدعوى الباطلة، فإن صاحبها يتبرأ عن التأويل وتفارق الكذب بنصب القرينة المانعة عن إجراء الكلام على ظاهره، فإن الكذاب لا ينصب دليلا على خلاف زعمه، وأنى ينصب وهو لترويج ما يقول راكب كل صعب وذلول، وإذ قد عرفت ما كان يتعلق ببيان وصف الاستعارة ووجه تسميتها استعارة وتقرير استنادها على اللغة ومفارقتها للدعوى الباطلة والكذب، فاعلم أن الاستعارة تنقسم على مصرح بها ومكني عنها، والمراد بالأول هو أن يكون الطرف المذكور من طرفي التشبيه هو المشبه به، والمراد بالثاني أن يكون الطرف المذكور هو المشبه، والمصرح بها تنقسم على تحقيقية وتخييلية، والمراد بالتحقيقية أن يكون المشبه المتروك شيئاً متحققاً إما حسياً وإما عقلياً، والمراد بالتخييلية أن يكون المشبه المتروك شيئاً وهمياً محضاً لا تحقق له إلا في مجرد الوهم، ثم تقسم كل واحدة منهما على قطعية وهي أن يكون المشبه المتروك متعين الحمل على ما له تحقق حسي أو عقلي، أو على ما لا تحقق له البتة إلا في الوهم وعلى احتمالية

стр. 367

وهي أن يكون المشبه المتروك صالح الحمل تارة على ما له تحقق، وأخرى على ما لا تحقق له فهذه أقسام أربعة الاستعارة المصرح بها التحقيقية مع القطع الاستعارة المصرح بها التخييلية مع القطع الاستعارة المصرح بها مع الاحتمال للتحقيق والتخييل الاستعارة بالكناية. ثم إن الاستعارة، ربما قسمت على أصلية وتبعية، والمراد بالأصلية أن يكون معنى التشبيه داخلا في المستعار دخولا أوليا، والمراد بالتبعية أن لا يكون داخلا دخولا أوليا، وربما لحقها التجريد فسميت مجردة أو الترشيح فسميت مرشحة فيجب أن نتكلم في هذه الانقسامات وهي ثمانية: القسم الأول: في الاستعارة المصرح بها التحقيقية مع القطع هي إذا وجدت وصفا مشتركا بين ملزومين مختلفين في الحقيقة هو في أحدهما أقوى منه في الآخر وأنت تريد إلحاق الأضعف بالأقوى على وجه التسوية بينهما أن تدعى ملزوم الأضعف من جنس ملزوم الأقوى بإطلاق اسمه عليه وسد طريق التشبيه بإفراده في الذكر توصلا بذلك على المطلوب لوجوب تساوي اللوازم عند تساوي ملزوماتها فاعلا ذلك في ضمن قرينة مانعة عن حمل المفرد بالذكر على ما يسبق منه على الفهم كي لا يحمل عليه فيبطل الغرض التشبيهي بانيا دعواك على التأويل المذكور ليمكن التوفيق بين دلالة الإفراد بالذكر وبين دلالة القرينة المتمانعتين ولتمتاز دعواك عن الدعوى الباطلة. مثال ذلك أن يكون عندك شجاع وأنت تريد أن تلحق جراءته وقوته بجراءة الأسد وقوته فتدعي الأسدية له بإطلاق اسمه عليه مفردا له في الذكر فتقول رأيت أسدا كيلا يعد جراءته وقوته دون جراءة الأسد وقوته

стр. 368

مع نصب قرينة مانعة عن إرادة الهيكل المخصوص به كيرمي أو يتكلم في الحمام، أو أن يكون عندك وجه جميل وأنت تريد أن تلحق وضوحه وإشراقه وملاحة استدارته بما للبدر فتدعيه بدرا بإطلاق اسمه عليه مع إفراده في الذكر قائلا نظرت على بدر يبتسم، أو أن يكون عندك عالم وأنت تريد إلحاق كثرة فوائده بعد ما جرت العادة على تشبيه فوائد العلماء بالفرائد بكثرة فرائد البحر فتدعيه بحرا سالكا في ذلك المسلك المعهود، أو أن تريد إلحاق عدل عادل في إباء التفاوت بالميزان أو بالقسطاس في ذلك فتدخله في جنس الميزان أو القسطاس قائلا ميزان أميرنا أو قسطاسه لا يقبل التفاوت، ومن الأمثلة استعارة اسم أحد الضدين أو النقيضين للآخر بواسطة انتزاع شبه التضاد وإلحاقه بشبه التناسب بطريق التهكم أو التمليح على ما سبق في باب التشبيه، ثم ادعاء أحدهما من جنس الآخر والإفراد بالذكر ونصب القرينة كقولك إن فلانا تواترت عليه البشارات بقتله ونهب أمواله وسبي أولاده، ويخص هذا النوع باسم الاستعارة التهكمية أو التمليحية. واعلم أن قرينة الاستعارة ربما كانت معنى واحداً كالذي رأيت في الأمثلة المذكورة وربما كانت معاني مربوطا بعضها ببعض كما في قوله: وصاعقة من نصله تنكفي بها ... على أرؤس الأقران خمس سحائب انظر حين أراد استعارة السحائب لا نأمل يمين الممدوح تفريعا على ما جرت به العادة من تشبيه الجواد بالبحر الفياض تارة وبالسحاب

стр. 369

الهطال أخرى ماذا صنع ذكر أن هناك صاعقة ثم قال من نصله فبين أن تلك الصاعقة من نصل سيفه ثم قال على أرؤس الأقران ثم قال خمس فذكر العدد الذي هو عدد جميع أنامل اليد فجعل ذلك كله قرينة لما أراد من استعارة السحائب للأنامل. ومن الأمثلة استعارة وصف إحدى صورتين منتزعتين من أمور لوصف الأخرى مثل أن تجد إنسانا استفتى مسألة فيهم تارة بإطلاق اللسان ليجيب ولا يهم أخرى فتأخذ صورة تردده هذا فتشبهها بصورة تردد إنسان قام ليذهب في أمر فتارة يريد الذهاب فيقدم رجلا وتارة لا يريد فيؤخر أخرى ثم تدخل صورة المشبه في جنس صورة المشبه به روما للمبالغة في التشبيه فتكسوها وصف المشبه به من غير تغيير فيه بوجه من الوجوه على سبيل الاستعارة قائلا أراك آيها المفتي تقدم رجلا وتؤخر أخرى، وهذا نسميه التمثيل على سبيل الاستعارة ولكون الأمثال كلها تمثيلات على سبيل الاستعارة لا يجد التغيير إليها سبيلا فاعلم. القسم الثاني: في الاستعارة المصرح بها التخييلية مع القطع هي أن تسمى باسم صورة متحققة صورة عندك وهمية محضة تقدرها مشابهة لها مفردا في الذكر في ضمن قرينته مانعة عن حمل الاسم على ما يسبق منه على الفهم من كون مسماه شيئاً متحققا، وذلك مثل أن تشبه المنية بالسبع في اغتيال النفوس وانتزاع أرواحها بالقهر والغلبة من غير تفرقة بين نفاع وضرار ولا رقة لمرحوم ومساس بقيا على ذي فضيلة تشبيها بليغا حتى كأنها سبع من السباع فيأخذ الوهم في تصويرها وفي صورة السبع واختراع ما يلازم صورته ويتم بها شكله من ضروب هيئات وفنون جوارح وأعضاء وعلى الخصوص ما يكون قوام اغتيال السبع للنفوس بها وتمام افتراسه للفرائس بها من الأنياب

стр. 370

والمخالب، ثم تطلق على مخترعات الوهم عندك أسامي المتحققة على سبيل الإفراد بالذكر وأن تضيفها على المنية قائلا مخالب المنية أو أنياب المنية الشبيهة بالسبع ليكون إضافتها إليها قرينة مانعة من إجرائها على ما يسبق على الفهم منها من تحقق مسمياتها، أو مثل أن تشبه الحال إذا وجدتها دالة على أمر من الأمور بالإنسان الذي يتكلم فيعمل الوهم في الاختراع للحال ما قوام كلام المتكلم به، وهو تصوير صورة اللسان ثم تطلق عليه اسم اللسان المتحقق وتضيفه على الحال قائلا لسان الحال الشبيه بالمتكلم ناطق بكذا أو مثل أن تشبه حكماً من الأحكام إذا صادفته واقعاً بمشيئة امرئ وتابعا لرأيه كيف شاء بالناقة المنقادة التابعة لمستتبعها كيف أراد فتثبت له في الوهم ما قوام ظهور انقياد الناقة به واتباعها المستتبع وهو صورة الزمام فتطلق عليها اسم الزمام المتحقق قائلا زمام الحكم الشبيه بالناقة في اتباع المستتبع في يد فلان. القسم الثالث: في الاستعارة المصرح بها المحتملة للتحقيق والتخييل هي كما ذكرنا أن يكون المشبه المتروك صالح الحمل على ما له تحقق من وجه وعلى ما لا تحقق له من وجه آخر، ونظيره قول زهير: صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعرى أفراس الصبا ورواحله أراد أن يبين أنه أمسك عما كان يرتكب أوان الصبا وقمع

стр. 371

النفس عن التلبس بذاك معرضا الإعراض الكلي عن المعاودة لسلوك سبيل الغي وركوب مراكب الجهل فقال: وعرى أفراس الصبا ورواحله أي ما بقيت آلة من آلاتها المحتاج إليها في الركوب والارتكاب قائمة كأيما نوع فرضت من الأنواع حرقة أو غيرها متى وطنت النفس على اجتنابه ورفع القلب رأسا عن دق بابه وقطع العزم عن معاودة ارتكابه فيقل العناية بحفظ ما قوام ذلك النوع به من الآلات والأدوات فترى يد التعطيل تستولي عليها فتهلك وتضيع شيئاً ف شيئاً حتى لا تكاد تجد في أدنى مدة أثرا منها ولا عثيرا فبقيت لذلك معراة لا آلة ولا أداة، فحق قوله أفراس الصبا ورواحله أن يعد استعارة تخييلية لما يسبق على الفهم ويتبادر على الخاطر من تنزيل أفراس الصبا ورواحله منزلة أنياب المنية ومخالبها، وإن كان يحتمل احتمالا بالتكلف أن تجعل الأفراس والرواحل عبارة عن دواعي النفوس وشهواتها والقوى الحاصلة لها في استيفاء اللذات أو عن الأسباب التي قلما تتآخذ في اتباع الغي وجر أذيال البطالة إلا أوان الصبا، وكذلك علت كلمته " فأذاقها الله لباس الجوع " الظاهر من اللباس عند أصحابنا الحمل على التخييل وإن كان يحتمل عندي أن يحمل على التحقيق، وهو أن يستعار لما يلبسه الإنسان عند جوعه من انتقاع اللون ورثاثة الهيئة. القسم الرابع: في الاستعارة بالكناية هي كما عرفت أن تذكر المشبه وتريد به المشبه به دالا على ذلك بنصب قرينة تنصبها، وهي أن تنسب إلهة

стр. 372

بالسبع، أو مثل أن تقول لسان الحال ناطق بكذا تاركا لذكر المشبه به وهو قولك الشبيه بالمتكلم، أو تقول زمام الحكم في يد فلان بترك ذكر المشبه به وقد ظهر أن الاستعارة بالكناية لا تنفك عن الاستعارة التخييلية، هذا ما عليه مساق كلام الأصحاب، وستقف إذا انتهينا على آخر هذا الفصل على تفصيل ههنا وكأني بك لما قدمت أن الاستعارة تستدعي ادعاء أن المستعار له من جنس المستعار منه دعوى إصرار وادعاء أنه كذلك مع الإصرار يأبى الاعتراف بحقيقته والاستعارة بالكناية مبناها على ذكر المشبه باسم جنسه والاعتراف بحقيقة الشيء أكمل من التنويه باسم جنسه يهجس في ضميرك أن الجمع بين الإنكار البليغ وبين الاعتراف الكامل أنى يتسنى فالوجه في ذلك هو أنا نفعل ها هنا باسم المشبه ما نفعل في الاستعارة بالتصريح بمسمى المشبه كما أنا ندعي هناك الشجاع مسمى للفظ الأسد بارتكاب تأويل على ما اسبق حتى يتهيأ التفصي عن التناقض في الجمع بين ادعاء الأسدية وبين نصب القرينة المانعة عن إرادة الهيكل المخصوص ندعي ههنا اسم المنية اسما للسبع مرادفا له بارتكاب تأويل، وهو أن المنية تدخل في جنس السباع لأجل المبالغة في التشبيه بالطريق المعهود ثم نذهب على سبيل التخييل على أن الواضع كيف يصح منه أن يضع اسمين لحقيقة واحدة، وأن لا يكونا مترادفين فيتهيأ لنا بهذا الطريق دعوى السبعية للمنية مع التصريح بلفظ المنية.

стр. 373

القسم الخامس: في الاستعارة الأصلية هي أن يكون المستعار اسم جنس كرجل وأسد وكقيام وقعود، ووجه كونها أصلية هو ما عرفت أن الاستعارة مبناها على تشبيه المستعار له بالمستعار منه وقد تقدم في باب التشبيه أن التشبيه ليس إلا وصفا للمشبه بكونه مشاركا للمشبه به في وجه، والأصل في الموصوفية هي الحقائق مثل ما تقول جسم أبيض أو بياض صاف وجسم طويل أو طول مفرط وإنما قلت الأصل في الموصوفية هي الحقائق ولم أقل لا يعقل الوصف إلا للحقيقة قصرا للمسافة حيث يقولون في نحو شجاع باسل وجواد فياض وعالم نحرير إن باسلا وصف لشجاع وفياضا وصف لجواد ونحريرا وصف لعالم. القسم السادس: في الاستعارة التبعية هي ما تقع في غير أسماء الأجناس كالأفعال والصفات المشتقة منها وكالحروف بناء على دعوى أن الاستعارة تعتمد التشبيه والتشبيه يعتمد كون المشبه موصوفا والأفعال والصفات المشتقة منها والحروف عن أن توصف بمعزل فهذه كلها عن احتمال الاستعارة في أنفسها بمعزل وإنما المحتمل لها في الأفعال والصفات المشتقة منها مصادرها وفي الحروف متعلقات، معانيها فتقع الاستعارة هناك ثم تسري فيها وأعني بمتعلقات معاني الحروف ما يعبر عنها عند تفسيرها مثل قولنا من معناها ابتداء الغاية على معناها انتهاء الغاية، وكي معناها الغرض فابتداء الغاية وانتهاء الغاية والغرض ليست معانيها إذ لو كانت هي معانيها والابتداء والانتهاء والغرض أسماء لكانت هي أيضا أسماء لأن الكلمة إذا سميت اسما سميت لمعنى الاسمية لها

стр. 374

وإنما هي متعلقات معانيها: أي إذا أفادت هذه الحروف معاني رجعت على هذه بنوع استلزام فلا تستعير الفعل إلا بعد استعارة مصدره فلا تقول نطقت الحال بدل دلت إلا بعد تقرير استعارة نطق الناطق لدلالة الحال على الوجه الذي عرفت من إدخال دلالة الحال في جنس نطق الناطق لقصد المبالغ في التشبيه وإلحاق إيضاح دلالة الحال للمعنى بإيضاح نطق الناطق له، وكذا إذا قلت الحال ناطقة بكذا بدل دالة على كذا وكذا، قوله عز سلطانه " فبشرهم بعذاب أليم " في الاستعارة التهكمية بدل فأنذرهم، وقول قوم شعيب " إنك لأنت الحليم الرشيد " بدل السفيه الغوي لقرائن أحوالهم ومما نحن فيه قولهم للشمس جونة لشدة ضوئها، والجون الأسود وللغراب أعور لحدة بصره وعلى هذا لا تستعير الحرف إلا بعد تقدير الاستعارة في متعلق معناه، فإذا أردت استعارة لعل لغير معناها قدرت الاستعارة في معنى الترجي، ثم استعملت هناك لعل مثل أن تبنى على أصول العدل ذاهبا على أن الصانع حكيم تعالى ونقدس أن يكون في أفعاله عبث بل كل ذلك حكمة وصواب مفعول لغرض صحيح ما خلق الإنسان إلا لغرض الإحسان، وحين ركب فيه الشهوة الحاملة على فعل ما يجب تركه والنفرة الحاملة على ترك ما يجب فعله وأودع عقله المضادة لحكميهما حتى تنازعته أيدي الدواعي والصوارف فوقفت به حيث الحيرة لا متقدم له عنه ولا متأخر تحمله الحيرة على ما لا يورثه إلا العناء إذا اتبع العقل وقع من النفس المشتهية النافرة في عناء، وإذا اتبع النفس وقع من العقل الناهي الآمر في عناء لا مخلص هناك مما أوقعه في ورطة

стр. 375

تلك الحيرة سفها ولا عبثا " تعالى عن ذلك علواً كبيراً " وإنما فعل ذلك لغرض الإحسان وهو التكليف ليتمكن من اكتساب ما لا يحسن فعله في حقه ابتداء من التعظيم العظيم مع الدوام في ضمن التمتيع من أنواع المشتهيات بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على بال أحد مخلصة أن يشوبها منغص ما فيكتسبه إن شاء لا بالقسر، ولذلك وضع زمام الاختيار في يده ممكنا إياه من فعل الطاعة والمعصية مريدا منه أن يختار ما يثمر له تلك السعادة الأبدية مزيحا في ذلك جميع علله فتشبه حال المكلف الممكن من فعل الطاعة والمعصية مع الإرادة منه أن يطيع باختياره بحال المرتجى المخير بين أن يفعل وأن لا يفعل، ثم تستعير لجانب المشبه لعل جاعلا قرينة الاستعارة علم العالم بالذات الذي لا يخفى عليه خافية يعلم ما كان وما هو كائن وما سيكون قائلا خلق الله الخلق لعلهم يعبدون أو لعلهم يتقون، وعليه قول رب العزة علام الغيوب " يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون " ونظائره، وإذا أردت استعارة لام الغرض قدرت الاستعارة في معنى الغرض ثم استعملت لام الغرض هناك مثل أن يكون عندك ترتب وجود أمر على أمر من غير أن يكون الثاني مطلوبا بالأول ويكون الأول غرضا فيه فتشبهه بترتب وجود بين أمرين مطلوب بالأول منهما الثاني ثم تستعير للترتب المشبه كلمة الترتيب المشبه به في ضمن قرينة مانعة عن حملها على ما هي موضوعة له فتقول إذا رأيت عاقلا قد أحسن على إنسان ثم آذاه ذلك أنه قد أحسن إليه ليؤذيه ومن ذلك قوله علت كلمته " فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا "

стр. 376

وقد ظهر مما نحن فيه أن ربما في قوله " ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين " حقها أن تعد من باب الاستعارة التهكمية وأن تعد تبعية على قول سيبويه في رب وأصلية على قول الأخفش رحمهما الله وقد سبق ذكر هذا الاختلاف في علم النحو. الاختلاف في علم النحو. واعلم أن مدار قرينة الاستعارة التبعية في الأفعال وما يتصل بها على نسبتها على الفاعل كقولك نطقت الحال أو على المفعول الأول كقول ابن المعتز: قتل البخل وأحيا السماح أو على الثاني المنصوب كقول الآخر: صبحنا الخزرجية مرهفات وكقول الآخر: نقريهم لهذميات، أو على المجرور كقوله: علت كلمته " فبشرهم بعذاب أليم " أو على الجميع كقوله: تقرى الرياح رياض الحزن مزهرة ... إذا سرى النوم في الأجفان إيقاظا

стр. 377

هذا ما أمكن من تلخيص كلام الأصحاب في هذا الفصل، ولو أنهم جعلواً قسم الاستعارة التبعية من قسم الاستعارة بالكناية بأن قلبوا فجعلواً في قولهم نطقت الحال بكذا الحال التي ذكرها عندهم قرينة الاستعارة بالتصريح استعارة بالكناية عن المتكلم بوساطة المبالغة في التشبيه على مقتضى المقام وجعلواً نسبة النطق إليه قرينة الاستعارة كما نراهم في قوله وإذا المنية أنشبت أظفارها يجعلون المنية استعارة بالكناية عن السبع ويجعلون إثبات الأظفار لها قرينة الاستعارة، وهكذا لو جعلواً البخل استعارة بالكناية عن حي أبطلت حياته بسيف أو غير سيف فالتحق بالعدم وجعلواً نسبة القتل إليه قرينة، ولو جعلواً أيضا اللهذميات استعارة بالكناية عن المطعومات اللطيفة الشهية على سبيل التهكم وجعلواً نسبة لفظ القرى إليها قرينة الاستعارة لكان أقرب على الضبط فتدبره وإذ قد عرفت ما ذكرت فلا بأس أن أحكي لك ما عند السلف في تعريف الاستعارة حدها عند بعضهم تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على جهة النقل للإنابة، وعند الأكثر جعل الشيء الشيء لأجل المبالغة في التشبيه كقولك: رأيت أسدا في الحمام وجعل الشيء للشيء لأجل المبالغة في التشبيه كقولك لسان الحال وزمام الحكم ولا أزيد على الحكاية.

стр. 378

القسم السابع والقسم الثامن: في تجريد الاستعارة وترشيحها. اعلم أن الاستعارة في نحو عندي أسد إذا لم تعقب بصفات أو تفريع كلام لا تكون مجردة ولا مرشحة وإنما يلحقها التجريد أو الترشيح إذا عقبت بذلك، ثم إن الضابط هناك أصل واحد وهو أنك قد عرفت أن الاستعارة لا بد لها من مستعار له ومستعار منه فمتى عقبت بصفات ملائمة للمستعار له أو تفريع كلام ملائم له سميت مجردة ومتى عقبت بصفات أو تفريع كلام ملائم للمستعار منه سميت مرشحة مثالها في التجريد أن تقول ساورت أسدا شاكي السلاح طويل القناة صقيل العضب وجاورت بحرا ما أكثر علومه وما أجمعه للحقائق وما أوقفه على الدقائق ومثالها في الترشيح ان تقول ساورت أسدا هصورا عظيم اللبدتين وافي البراثن منكر الزئير وجاورت بحرا زاخرا لا يزال يتلاطم أمواجه ولا يغيض فيضه ولا يدرك قعره ولا أعني بالصفات الصفات النحوية بل الوصف المعنوي كيف كان، ومبني الترشيح على تناسي التشبيه وصرف النفس عن توهمه حتى لا تبالي أن تبنى على علو القدر وسمو المنزلة بناءك على العلو المكاني والسمو كما فعل أبو تمام إذ قال: ويصعد حتى يظن الجهو ... ل بأن له حاجة في السماء وابن الرومي إذ قال: أعلم الناس بالنجوم بنو نو ... بخت علما لم يأتهم بالحساب

стр. 379

بل بأن يشاهدوا السماء سموا ... بترق في المكرمات الصعاب مبلغ لم يكن ليبلغه الطا ... لب إلا بتلكم الأسباب وكما قال أيضا: يا آل نوبخت لا عدمتكم ... ولا تبدلت بعدكم بدلا إن صح علم النجوم كان لكم ... حقا إذا ما سواكم انتحلا كم عالم فيكم وليس بأن قا ... س ولكن بأن رقى فعلا أعلاكم في السماء مجدكم ... فلستم تجهلون ما جهلا شافتهم البدر بالسؤال عن الأمر على أن بلغتم زحلا وتلزم المستعار له ما يلزم المستعار منه من التعجب أو غير التعجب مما لا يليق إلا بالمستعار منه كما فعل من قال: قامت تظللني ومن عجب ... شمس تظللني من الشمس ومن قال: لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر ومن قال: أتتني الشمس زائرة ... ولم تك تبرح الفلكا ومن قال: ولم أر قبلي من مشى البدر نحوه

стр. 380

أو ما ترى هؤلاء فيما فعلواً كيف نبذوا أمر التشبيه وراء ظهورهم وكيف نسوا حديث الاستعارة كأن لم تخطر منهم على بال ولا رأوها ولا طيف خيال وإذا كانوا مع التشبيه والاعتراف بالأصل يسوغون أن لا يبنوا إلا على الفرع ويقولون: هي الشمس مسكنها في السماء ... فعز الفؤاد عزاء جميلا فلن تستطيع إليها الصعود ... ولن تستطيع إليك النزولا أو يقولون: وعد البدر بالزيارة ليلا ... فإذا ما وفى قضيت نذوري قلت يا سيدي ولم تؤثر اللي " " ل على طلعة الصباح المنير قال لي لا أحب تغيير رسمي ... هكذا الرسم في طلوع البدور أو يقولون: قلت زوري فأرسلت ... أنا آتيك سحره قلت فالليل كان أخ " " فى وأدنى مسره فأجابت بحجة ... زادت القلب حسره أنا شمس وإنما ... تطلع الشمس بكره فهم على تسويغ ذلك مع جحد الأصل في الاستعارة أقرب. وإذ قد عرفت أقسام الاستعارة فاعلم أن الاستعارة لها شروط في الحسن إن صادفتها حسنت وإلا عريت عن الحسن، وربما اكتسبت قبحا وتلك الشروط رعاية جهات حسن التشبيه التي سبق ذكرها في الأصل الأول بين المستعار له والمستعار منه بالتصريح التحقيقية والاستعارة

стр. 381

بالكناية وأن لا تشمها في كلامك من جانب اللفظ رائحة من التشبيه ولذلك نوصي في الاستعارة بالتصريح أن يكون الشبه بين المستعار له والمستعار منه جليا بنفسه أو معروفا سائرا بين الأقوام وإلا خرجت الاستعارة عن كونها استعارة ودخلت في باب التعمية والألغاز كما إذا قلت رأيت عودا مسقيا أوان الغرس وأردت إنسانا مؤدبا في صباه أو قلت رأيت إبلا مائة لا تجد فيها راحلة وأردت الناس، وأما حسن الاستعارة التخييلية فبحسب حسن الاستعارة بالكناية متى كانت تابعة لها كما في قولك فلان بين أنياب المنية ومخالبها ثم إذا انضم إليها المشاكلة كما في قوله عز اسمه " يد الله فوق أيديهم " كانت أحسن وأحسن وقلما تحسن الحسن البليغ غير تابعة لها ولذلك استهجنت في قول الطائي: لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي ولما أن الاستعارة مبناها على التشبيه تتنوع على خمسة أنواع تنوع التشبيه إليها. استعارة محسوس لمحسوس بوجه حسي أو بوجه عقلي واستعارة معقول لمعقول واستعارة محسوس لمعقول واستعارة معقول لمحسوس، فمن النوع الأول قوله عز اسمه " واشتغل ارأس شيبا " فالمستعار منه هو النار والمستعار له هو الشيب والجامع بينهما هو الانبساط ولكنه في النار أقوى فالطرفان حسيان ووجه الشبه حسي، ومن الثاني قوله عز اسمه " إذا أرسلنا عليهم الريح العقيم "

стр. 382

فالمستعار له الريح والمستعار منه المرء والجامع المنع من ظهور النتيجة والأثر فالطرفان حسيان ووجه الشبه عقلي وكذلك قوله تعالى " وآية لهم الليل نسلخ منه النهار " فالمستعار له ظهور النهار من ظلمة الليل والمستعار منه ظهور المسلوخ من جلدته فالطرفان حسيان والجامع هو ما يعقل من ترتب أحدهما على الآخر وكذلك قوله " فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس " فالمستعار له الأرض المزخرفة المتزينة والمستعار منه النبات وهما حسيان والجامع الهلاك وهو أمر معقول وكذلك قوله حصيدا خامدين فاصل الخمود للنار، ومن الثالث قوله عز اسمه " من بعثنا من مرقدنا " فالرقاد مستعار للموت وهما أمران معقولان والجامع عدم ظهور الأفعال، وقوله وقدمنا على ما عملوا " فالقدوم وهو مجيء المسافر بعد مدة مستعار للأخذ في الجزاء بعد الإمهال وهما أمران معقولان والجامع وقوع المدة في البين وقوله " سنفرغ لكم أيها الثقلان " فالفراغ وهو الخلاص عن المهام والله عز سلطانه لا يشغله شأن عن شأن وقع مستعارا للأخذ في الجزاء وحده وذلك أمر عقلي والطرفان عقليان، وقوله " تكاد تميز من الغيظ " وكذا، قوله سمعوا لها تغيظا وزفيرا فالغيظ والتغيظ مستعاران من الحالة الوجدانية التي تدعو على الانتقام للحالة المتوهمة من نار الله أعاذنا الله منها برحمته وفضله وقوله " ولما سكت عن موسى الغضب " فالمستعار منه هو إمساك اللسان عن الكلام وأنه أمر

стр. 383

معقول والمستعار له تفاوت الغضب عن اشتداده على السكون، وأنه أيضا أمر وجداني عقلي، والجامع هو أن الإنسان مع الغضب إذا اشتد وجد حالة للغضب كأنها تغريه وإذا سكن وجده كأنه قد أمسك عن الإغراء، ومن الرابع قوله عز اسمه " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه " فأصل استعمال القذف والدمغ في الأجسام، ثم استعبر القذف لإيراد الحق على الباطل، والدمغ لإذهاب الباطل فالمستعار منه حسي والمستعار له عقلي، وقوله مستهم البأساء والضراء فأصل المساس في الأجسام ثم وقع مستعارا لمقاساة الشدة، وقوله " وضربت عليهم الذلة " فالمستعار منه ضرب الخيمة أو ما شاكلها، وأنه أمر حسي، والمستعار له التثبيت وأنه أمر عقلي، وكذا قوله " وزلزلوا " حتى يقول الرسول " فأصل الزلزال التحريك العنيف، ثم وقع مستعار لشدة ما نالهم، وقوله " فاصدع بما تؤمر فالصدع وهو كسر الزجاجة ببذل الإمكان وأنه أمر حسي مستعار لتبليغ الرسالة ببذل الإمكان وأنه أمر عقلي، وقوله " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا " فأصل الخوض في الماء ثم وقع مستعارا لذكر الآيات، وكل خوض ذمه الله في القرآن فهو من هذا القبيل، وقوله " ألم تر أنهم في كل واد يهيمون " فالوادي مستعار للأمر والهيمان الاشتغال به على سبيل التحير، فالمستعار منه في هذه الأمثلة حسي والمستعار له عقلي، ومن الخامس قوله عز اسمه " إنا لما طغى الماء حملناكم

стр. 384

في الجارية " فالمستعار منه التكبر وهو عقلي والمستعار له كثرة الماء وهو حسي، والجامع الاستعلاء المفرط، وقوله " بريح صرصر عاتية " فالعتو ههنا مستعار استعارة الطغيان في المثال الأول وقوله " فنبذوه وراء ظهورهم " فالنبذ وراء الظهر وهو أن تلقي الشيء خلفك أمر حسي، ثم وقع مستعارا للتعرض للغفلة وأنه أمر عقلي والجامع الزوال عن المشاهدة وقوله " فأحيينا به بلدة ميتا " فالإحياء أمر عقلي، ثم وقع مستعاراً لإظهار النبات والأشجار والثمار وأنه أمر حسي، وكذلك قوله " فأنشرنا به بلدة ميتا أي أحيينا. واعلم أن الكلام في جميع ما ذكر من الأمثلة في الأنواع الخمسة قول الأصحاب ولعل لي في البعض نظرا.

стр. 385

الفصل الرابع من فصول المجاز في المجاز اللغوي الراجع على حكم الكلمة في الكلام هو عند السلف ﵏ أن تكون الكلمة منقولة عن حكم لها أصلي على غيره كما في قوله علت كلمته " وجاء ربك " فالأصل وجاء أمر ربك، فالحكم الأصلي في الكلام لقوله ربك هو الجر وأما الرفع فمجاز، وفي قوله " واسئل القرية " والأصل واسئل أهل القرية فالحكم الأصلي للقرية في الكلام هو الجر والنصب مجاز، وفي قوله " ليس كمثله شيء " فالأصل ليس مثله شيء بنصب مثله والجر مجاز، ومدار هذا النوع على حرف واحد وهو أن تكتسي الكلمة حركة لأجل حذف كلمة لا بد من معناها أو لأجل إثبات كلمة مستغنى عنها استغناء واضحا كالكاف في قوله عز اسمه ليس كمثله أو الباء في نحو بحسبك أن تفعل كذا ونحو " كفى بالله " دون الباء في نحو ليس زيد بمنطلق أو ما زيد بقائم ورأيي في هذا النوع أن يعد ملحقا بالمجاز ومشبهاً به لما بينهما من الشبه وهو اشتراكهما في التعدي عن الأصل على غير أصل لا أن يعد مجازا وبسبب هذا لم أذكر الحد شاملا له ولكن العهدة في ذلك على السلف.

стр. 386

الفصل الخامس في المجاز العقلي المجاز العقلي هو الكلام المفاد به خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه لضرب من التأويل إفادة للخلاف لا بوساطة وضع كقولك أنبت الربيع القبل وشفى الطبيب المريض وكسا الخليفة الكعبة وهزم الأمير الجند وبنى الوزير القصر وإنما قلت خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه دون أن أقول خلاف ما عند العقل لئلا يمتنع طرده بما إذا قال الدهري عن اعتقاد جهل أو جاهل غيره أنبت الربيع البقل رائيا إنبات البقل من الربيع فإنه لا يسمى كلامه ذلك مجازا وإن كان بخلاف العقل في نفس الأمر ولذلك لا تراهم يحملون نحو: أشاب الصغير وأفنى الكبي " " ر كر الغداة ومر العشي على المجاز ما لم يعلموا أو يغلب في ظنهم أن قائله ما قاله عن اعتقاد أو ما تراهم كيف استدلوا لقول أبي النجم: قد أصبحت أم الخيار تدعى ... علي ذنبا كله لم أصنع

стр. 387

من أن رأت رأسي كرأس الأصلع ... ميز عنه قنزعا عن قنزع جذب الليالي أبطئي أو أسرعي حين نسب انحسار الشعر عن الرأس على الزمان قائلا ميز عنه قنزعا عن قنزع جذب الليالي لكونه مجازا بما أتبعه من قوله: أفناه قيل الله للشمس اطلعي ... حتى إذا واراك أفق فارجعي الشاهد لنزاهته أن يريد حمل كلامه السابق على الظاهر ولئلا يمتنع عكسه بمثل كسا الخليفة الكعبة وهزم الأمير الجند فليس في العقل امتناع أن يكسو الخليفة نفسه الكعبة ولا امتناع أن يهزم الأمير وحده الجند ولا يقدح ذلك في كونهما من المجاز العقلي وإنما قلي لضرب من التأويل ليحترز به عن الكذب فإنه لا يسمى مجازا مع كونه كلاما مفيداً خلاف ما عند المتكلم وإنما قلت إفادة للخلاف لا بواسطة وضع ليحترز به عن المجاز اللغوي في صورة وهي إذا ادعى أن أنبت موضوع لاستعماله في القادر المختار أو وضع لذلك فإن المجاز حينئذ يسمى لغويا وضعيا لا عقليا، وإنما قلت بوساطة وضع على التنكير دون أو أقول الوضع ليشمل وضع اللغة إن ادعى ووضع غيرها إن ارتكب ولأجل هذه الصورة لا ترى علماء هذا الفن يحكمون على نحو أنبت الربيع البقل بكونه مجازا عقليا إلا بعد بيان أن صيغ الأفعال في معنى نسبتها على الفاعل ليست تدل على معنى سوى صدورها عن شيء ما فأما أن ذلك الشيء قادر أم غير قادر فليس بداخل في مفهوماتها وضعا

стр. 388

ويبينون ذلك بوجوه: منها أن وضعها لاستعمالها في القادر قيد ما نقل عن أحد من رواة اللغة وترك ذكر القيد دليل في العرف على الإطلاق وحكم العقل بأن لا بد لها من مؤثر قادر إن لم يجعل دليلا في ترك تقييدها بذلك في الوضع لعدم الحاجة من أجل شهادة العقل فلا أقل من أن لا يجعل دليلا في التقييد لا سيما والعقل يجوز في أحيا وأشاب وأنبت وأمثالها صدورها عن القادر بوساطة مؤثر لا يكون موصوفا بالقدرة. ومنها فعل في قولهم فعل الربيع النور لو كان موضوعا لاستعماله في القادر، ومن المعلوم أن التفاوت بين الفعل ومصدره لا يكون إلا بمجرد الاقتران بالزمان لكان يلزم أن يكون قولنا فعل النار في كذا وكذا وفعل الماء في كذا وكذا وفعل الدواء الفلاني كذا مجازا معلوما لكل أحد لكن ادعاء ذلك عن الإنصاف بمعزل. ومنها أن نحو خلق وأحيا وأشاب وأنبت لو كانت موضوعة لاستعمالها في القادر بناء على حكم العقل بأنها لا توجد إلا باختيار مختار لكان نحو شغل الحيز وقبل العرض ونافى الضد موضوعة لاستعمالها في غير القادر بناء على حكم العقل بأن شغل الحيز وقبول العرض ومنافاة الضد ليست بالاختيار ودعوى كونها موضوعة لذلك دعوى غير مسموعة من السلف، ويسمى هذا النوع مجازا لتعدي الحكم فيه عن مكانه الأصلي فالحكم في أنبت الربيع البقل بكون الإنبات فعلا للربيع مكانه الأصلي عند العقل كونه فعلا لله وفي هزم الأمير الجند بكون هزم الجند فعلا للأمير مكانه الأصلي عند العقلاء كونه فعلا لعسكر الأمير، ويسمى عقليا لا لغويا لعدم رجوعه على الوضع وكثيراً ما يسمى حكميا لتعلقه بالحكم كما ترى ومجازا في الإثبات أيضا لتعلقه

стр. 389

بالإثبات وليس من واجبات هذا المجاز أن يكون مكان الحكم الأصلي فيه معلوما بنفس العقل كما في أنبت الربيع البقل، بل إن استعان في علمه بذلك بأمر غير الوضع كما في هزم الأمير الجند وكسا الخليفة الكعبة جاز ولم يخرجه عن كونه عقليا لكن الأليق إطلاق اسم العقلي على الأول واسم الحكمي والإثباتي على الثاني. واعلم أن هذا المجاز لرجوعه على الحكم واستدعاء الحكم محكوما به ومحكوما له واحتمال كل واحد منهما الحقيقة الوضعية والمجاز الوضعي لا يزال يتردد بين أربع صور لا مزيد عليهن إما أن يكون المحكوم به والمحكوم له حقيقتين وضعيتين، وإما أن يكونا مجازين وضعيين، وإما أن يكون المحكوم به حقيقة وضعية والمحكوم له مجازا وضعيا، وإما بالعكس من هذا، مثال الأولى قولك أنبت الربيع البقل وشفى الطبيب المريض وكسا الخليفة الكعبة وهزم الأمير الجند، فالمحكوم له وهو الربيع والطبيب والخليفة والأمير كل منها حقيقة وضعية مستعملة في مكانها الوضعي، والمحكوم به وهو إنبات البقل وشفاء المريض وكسوة الكعبة وهزم الجند كل من ذلك حقيقة أيضا وضعية مستعملة في مكانها الوضعي لا مجازا لا في مجرد الحكم كما ترى، ومثال الثانية قولك أحيا الأرض شباب الزمان، وسر الكعبة البحر الفياض المحكوم له وهو شباب الزمان والبحر الفياض مجازان وضعيان، والمحكوم به وهو إحياء الأرض ومسرة الكعبة مجازان أيضا وضعيان ونفس الحكم في المثالين مجاز عقلي،

стр. 390

ومثال الثالثة أنبت البقل شباب الزمان وكسا الكعبة البحر الفياض، ومثال الرابعة أحيا الربيع الأرض وسر الخليفة الكعبة. واعلم أن المجاز الحكمي كثير الوقوع في كلام رب العزة. قال عز من قائل " فما ربحت تجارتهم " وقال " وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً " وقال " فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً " وقال " تؤتى أكلها كل حين " وقال " حتى تضع الحرب أوزارها " وقال " وأخرجت الأرض أثقالها " بإسناد الأفعال في هذه كلها على غير ما هي لها عند العقل كما ترى زائلا الحكم العقلي فيها عن مكانه الأصلي إذ مكانه الاصلي إسناد الربح على أصحاب التجارة وإسناد زيادة الإيمان على العلم بالآيات، وإسناد إيتاء أكل الشجرة على خالقها، وإسناد وضع أوزار الحرب على أصحاب الحرب، وإسناد إخراج أثقال الأرض على خالق الأرض، ولا يختلجن في ذهنك بعد أن اتضح لك كون المجاز فرع أصل تحقق مجاز أيا كان بدون حقيقة يكون متعديا عنها لامتناع تحقق فرع من غير أصل فلا تجوز في نحو سرتني رؤيتك ونحو أقدمني بلدك حق لي على فلان، ونحوه: وصيرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل ونحو: يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا
следующие страницы →