← Баляга

Баляга · id 26581

مفتاح العلوم

السكاكي

Полный текст (593 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الفصل الخامس في المجاز العقلي المجاز العقلي هو الكلام المفاد به خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه لضرب من التأويل إفادة للخلاف لا بوساطة وضع كقولك أنبت الربيع القبل وشفى الطبيب المريض وكسا الخليفة الكعبة وهزم الأمير الجند وبنى الوزير القصر وإنما قلت خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه دون أن أقول خلاف ما عند العقل لئلا يمتنع طرده بما إذا قال الدهري عن اعتقاد جهل أو جاهل غيره أنبت الربيع البقل رائيا إنبات البقل من الربيع فإنه لا يسمى كلامه ذلك مجازا وإن كان بخلاف العقل في نفس الأمر ولذلك لا تراهم يحملون نحو: أشاب الصغير وأفنى الكبي " " ر كر الغداة ومر العشي على المجاز ما لم يعلموا أو يغلب في ظنهم أن قائله ما قاله عن اعتقاد أو ما تراهم كيف استدلوا لقول أبي النجم: قد أصبحت أم الخيار تدعى ... علي ذنبا كله لم أصنع

стр. 387

من أن رأت رأسي كرأس الأصلع ... ميز عنه قنزعا عن قنزع جذب الليالي أبطئي أو أسرعي حين نسب انحسار الشعر عن الرأس على الزمان قائلا ميز عنه قنزعا عن قنزع جذب الليالي لكونه مجازا بما أتبعه من قوله: أفناه قيل الله للشمس اطلعي ... حتى إذا واراك أفق فارجعي الشاهد لنزاهته أن يريد حمل كلامه السابق على الظاهر ولئلا يمتنع عكسه بمثل كسا الخليفة الكعبة وهزم الأمير الجند فليس في العقل امتناع أن يكسو الخليفة نفسه الكعبة ولا امتناع أن يهزم الأمير وحده الجند ولا يقدح ذلك في كونهما من المجاز العقلي وإنما قلي لضرب من التأويل ليحترز به عن الكذب فإنه لا يسمى مجازا مع كونه كلاما مفيداً خلاف ما عند المتكلم وإنما قلت إفادة للخلاف لا بواسطة وضع ليحترز به عن المجاز اللغوي في صورة وهي إذا ادعى أن أنبت موضوع لاستعماله في القادر المختار أو وضع لذلك فإن المجاز حينئذ يسمى لغويا وضعيا لا عقليا، وإنما قلت بوساطة وضع على التنكير دون أو أقول الوضع ليشمل وضع اللغة إن ادعى ووضع غيرها إن ارتكب ولأجل هذه الصورة لا ترى علماء هذا الفن يحكمون على نحو أنبت الربيع البقل بكونه مجازا عقليا إلا بعد بيان أن صيغ الأفعال في معنى نسبتها على الفاعل ليست تدل على معنى سوى صدورها عن شيء ما فأما أن ذلك الشيء قادر أم غير قادر فليس بداخل في مفهوماتها وضعا

стр. 388

ويبينون ذلك بوجوه: منها أن وضعها لاستعمالها في القادر قيد ما نقل عن أحد من رواة اللغة وترك ذكر القيد دليل في العرف على الإطلاق وحكم العقل بأن لا بد لها من مؤثر قادر إن لم يجعل دليلا في ترك تقييدها بذلك في الوضع لعدم الحاجة من أجل شهادة العقل فلا أقل من أن لا يجعل دليلا في التقييد لا سيما والعقل يجوز في أحيا وأشاب وأنبت وأمثالها صدورها عن القادر بوساطة مؤثر لا يكون موصوفا بالقدرة. ومنها فعل في قولهم فعل الربيع النور لو كان موضوعا لاستعماله في القادر، ومن المعلوم أن التفاوت بين الفعل ومصدره لا يكون إلا بمجرد الاقتران بالزمان لكان يلزم أن يكون قولنا فعل النار في كذا وكذا وفعل الماء في كذا وكذا وفعل الدواء الفلاني كذا مجازا معلوما لكل أحد لكن ادعاء ذلك عن الإنصاف بمعزل. ومنها أن نحو خلق وأحيا وأشاب وأنبت لو كانت موضوعة لاستعمالها في القادر بناء على حكم العقل بأنها لا توجد إلا باختيار مختار لكان نحو شغل الحيز وقبل العرض ونافى الضد موضوعة لاستعمالها في غير القادر بناء على حكم العقل بأن شغل الحيز وقبول العرض ومنافاة الضد ليست بالاختيار ودعوى كونها موضوعة لذلك دعوى غير مسموعة من السلف، ويسمى هذا النوع مجازا لتعدي الحكم فيه عن مكانه الأصلي فالحكم في أنبت الربيع البقل بكون الإنبات فعلا للربيع مكانه الأصلي عند العقل كونه فعلا لله وفي هزم الأمير الجند بكون هزم الجند فعلا للأمير مكانه الأصلي عند العقلاء كونه فعلا لعسكر الأمير، ويسمى عقليا لا لغويا لعدم رجوعه على الوضع وكثيراً ما يسمى حكميا لتعلقه بالحكم كما ترى ومجازا في الإثبات أيضا لتعلقه

стр. 389

بالإثبات وليس من واجبات هذا المجاز أن يكون مكان الحكم الأصلي فيه معلوما بنفس العقل كما في أنبت الربيع البقل، بل إن استعان في علمه بذلك بأمر غير الوضع كما في هزم الأمير الجند وكسا الخليفة الكعبة جاز ولم يخرجه عن كونه عقليا لكن الأليق إطلاق اسم العقلي على الأول واسم الحكمي والإثباتي على الثاني. واعلم أن هذا المجاز لرجوعه على الحكم واستدعاء الحكم محكوما به ومحكوما له واحتمال كل واحد منهما الحقيقة الوضعية والمجاز الوضعي لا يزال يتردد بين أربع صور لا مزيد عليهن إما أن يكون المحكوم به والمحكوم له حقيقتين وضعيتين، وإما أن يكونا مجازين وضعيين، وإما أن يكون المحكوم به حقيقة وضعية والمحكوم له مجازا وضعيا، وإما بالعكس من هذا، مثال الأولى قولك أنبت الربيع البقل وشفى الطبيب المريض وكسا الخليفة الكعبة وهزم الأمير الجند، فالمحكوم له وهو الربيع والطبيب والخليفة والأمير كل منها حقيقة وضعية مستعملة في مكانها الوضعي، والمحكوم به وهو إنبات البقل وشفاء المريض وكسوة الكعبة وهزم الجند كل من ذلك حقيقة أيضا وضعية مستعملة في مكانها الوضعي لا مجازا لا في مجرد الحكم كما ترى، ومثال الثانية قولك أحيا الأرض شباب الزمان، وسر الكعبة البحر الفياض المحكوم له وهو شباب الزمان والبحر الفياض مجازان وضعيان، والمحكوم به وهو إحياء الأرض ومسرة الكعبة مجازان أيضا وضعيان ونفس الحكم في المثالين مجاز عقلي،

стр. 390

ومثال الثالثة أنبت البقل شباب الزمان وكسا الكعبة البحر الفياض، ومثال الرابعة أحيا الربيع الأرض وسر الخليفة الكعبة. واعلم أن المجاز الحكمي كثير الوقوع في كلام رب العزة. قال عز من قائل " فما ربحت تجارتهم " وقال " وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً " وقال " فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً " وقال " تؤتى أكلها كل حين " وقال " حتى تضع الحرب أوزارها " وقال " وأخرجت الأرض أثقالها " بإسناد الأفعال في هذه كلها على غير ما هي لها عند العقل كما ترى زائلا الحكم العقلي فيها عن مكانه الأصلي إذ مكانه الاصلي إسناد الربح على أصحاب التجارة وإسناد زيادة الإيمان على العلم بالآيات، وإسناد إيتاء أكل الشجرة على خالقها، وإسناد وضع أوزار الحرب على أصحاب الحرب، وإسناد إخراج أثقال الأرض على خالق الأرض، ولا يختلجن في ذهنك بعد أن اتضح لك كون المجاز فرع أصل تحقق مجاز أيا كان بدون حقيقة يكون متعديا عنها لامتناع تحقق فرع من غير أصل فلا تجوز في نحو سرتني رؤيتك ونحو أقدمني بلدك حق لي على فلان، ونحوه: وصيرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل ونحو: يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا

стр. 391

أن لا يكون لكل من هذه الأفعال فاعل في التقدير إذا أنت أسندت الفعل إليه وجدت الحكم واقعاً في مكانه الأصلي عند العقل ولكن حكم العقل فيها فأيما شيء ارتضى بصحة استنادها فهو ذاك فإذا ارتضى في سرتني رؤيتك صحة استناد السرور على من رزقك رؤيته وأباحها لك وهو الله فقل أصل الكلام سرني الله وقت رؤيتك كما تقول في أنبت الربيع البقل أصل الحكم أنبت الله البقل وقت الربيع وفي شفى الطبيب المريض أصل الحكم شفى الله المريض عند علاج الطبيب وإذا ارتضى في أقدمني بلدك حق لي على فلان صحة استناد أقدمني على نفسك على معنى أقدمني نفسي لأجل حق لي على فلان أي قدمت لذلك كما تصرح بذلك فتقول حملتني نفسي على الطاعة أي أطعت. وحاصله يرجع على معنى أقدمني قدرتي على القدوم والداعي إليه الخالص فالفعل في وجوده لا يحتاج إلا على قادر ذي داع له إليه خالص ونظيره محبتك جاءت بي إليك الأصل جاءت بي نفسي إليك لمحبتك أي جئت لمحبتك ووجد المجيء إليك من نفسي لمحبتك وإياك والظن بأقدمني بلدك حق لي على فلان وبمحبتك جاءت بي إليك كونهما حقيقيتين فالفعلان فيهما مسندان كما ترى على مجرد الداعي والعقل لا يقبل الداعي فاعلا، وإنما يقبله محركا للفاعل أعني للمتصف بالقدرة، وتمام تحقيق هذا المعنى يستدعي نوعا من العلوم غير نوع علم البيان فليقتنع بهذا القدر، وإذا ارتضى في: وصيرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل صحة استناد صير على الله تعالى على معنى أهلكني الله ابتلاء بسبب اتباعي هواك وإذا ارتضى في: يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا

стр. 392

صحة استناد يزيد على الله على معنى يزيدك الله حسنا في وجهه لما أودعه من دقائق الحسن والجمال بكمال قدرته متى تأملت وتأنقت فقل فاعل أقدمني ذلك وفاعل صيرني ويزيد هذا. وأما الحقيقة العقلية وتسمى حكمية أيضا وإثباتية فهي الكلام المفاد به ما عند المتكلم من الحكم فيه كقولك أنبت الله البقل وشفى الله المريض وكسا خدم الخليفة الكعبة وهزم عسكر الأمير الجند وبنى عملة الوزير القصر، وإنما قلت ما عند المتكلم من الحكم فيه دون أن أقول ما في العقل من الحكم فيه ليتناول كلام الدهري إذا قال أنبت الربيع البقل رائيا إنبات البقل من الربيع، وكلام الجاهل إذا قال شفى الطبيب المريض رائيا شفاء المريض من الطبيب حيث عدا منهما حقيقتين مع كونهما غير مفيدين لما في العقل من الحكم فيهما ومن أراد تصحيحه ذاهبا فيه على أن يعني عقل المتكلم استتبع هنات، ومن حق هذا المجاز الحكمي أن يكون فيه للمسند إليه المذكور نوع تعلق وشبه بالمسند إليه المتروك فإنه لا يرتكب إلا لذلك مثل ما يرى للربيع في أنبت الربيع البقل من نوع شبه بالفاعل المختار من دوران الإنبات معه وجودا وعدما نظرا على عدم الإنبات بدونه وقت الشتاء ووجوده مع مجيئه دوران الفعل مع اختيار القادر وجودا وعدما، ومثل ما ترى أيضا للدواء في شفي الدواء المريض من دوران الشفاء مع تناوله وجودا وعدما، وما ترى للخليفة في كسا الخليفة البيت من دوران كسوة البيت مع أمره وجودا وعدما، فإن لم يكن هذا الشبه بين المذكور والمتروك كما لو قلت أنبت الربيع البقل وشفى الدواء المريض نسبت على ما تكره ولما تسمع من علماء هذا الفن كثيراً في المجاز العقلي أنه يكون مجازا في الإثبات ربما أوهم اختصاصه بالخبر فلا تخصصه به، وقل في مثل ما إذا قلنا إني بعد ما اقتنعت باليسير من

стр. 393

الدنيا وطبت نفسا عن زخارفها ومحوت وساوس الفضول عن دفتر الخاطر وليس يهمني الآن غير التلافي لما فرط فليفعل الدهر ما شاء وليختلف الأصول اختلافها فلينبت الربيع ما أحب وليثمر الأشجار أيا اشتهت ولينضج الخريف ما أدرك فلست أبالي أن هذه الأوامر بأسرها من باب المجاز الحكمي، وإذا تأملت المجاز العقلي وجدت الحاصل منه يرجع على إيقاع نسبة في غير موضعها عند الموقع لا بد من حيث اللغة لضرب من التأويل مثل النسبة بين إنبات البقل والربيع في الخبر والأمر والنهي والاستفهام وبين الوزير وبناء القصر في ذلك، هذا كله تقرير للكلام في هذا الفصل بحسب رأي الأصحاب من تقسيم المجاز على لغوي وعقلي وإلا فالذي عندي هو نظم هذا النوع

стр. 394

في سلك الاستعارة بالكناية بجعل الربيع استعارة بالكناية عن الفاعل الحقيقي بوساطة المبالغة في التشبيه على ما عليه مبني الاستعارة كما عرفت وجعل نسبة الإنبات إليه قرينة الاستعارة وبجعل الأمير المدبر لأسباب هزيمة العدو استعارة بالكناية عن الجند الهازم وجعل نسبة الهزم إليه قرينة للاستعارة وإنني بناء على قولي هذا ههنا، وقولي ذلك في فصل الاستعارة التبعية، وقولي في المجاز الراجع عند الأصحاب على حكم للكلمة على ما سبق أجعل المجاز كله لغويا، وينقسم عندي هكذا على مفيد وغير مفيد والمفيد على استعارة وغير استعارة والاستعارة على مصرح بها ومكني عنها والمصرح بها على تحقيقية وتخييلية والمكنى عنها على ما قرينتها أمر مقدر وهمي كالأنياب في قولك أنياب المنية وكنطقت في قولك نطقت الحال بكذا أو أمر محقق كالإنبات في قولك أنبت الربيع البقل وكالهزم في قولك هزم الأمير الجند والتحقيقية والتخييلية كلتاهما على قطعية واحتمالية للتحقيق والتخييل بتحصيل أقسام ثلاثة من ذلك تحقيقية بالقطع تخييلية بالقطع تحقيقية أو تخييلية بالاحتمال. واعلم أن حد الحقيقة الحكمية والمجاز الحكمي عند أصحابنا ﵏ غير ما ذكرت حد الحقيقة الحكمية عندهم كل جملة وضعتها على أن الحكم المفاد بها على ما هو عليه في العقل وواقع موقعه وحد المجاز الحكمي كل جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضوعه في العقل لضرب من التأول، وإذا قد عرفت ما ذكرت وما ذكروا فاختر أيهما شئت.

стр. 395

الأصل الثالث من علم البيان في الكناية الكناية هي ترك التصريح بذكر الشيء على ما ذكر ما يلزمه لينتقل من المذكور على المتروك كما نقول فلان طويل النجاد لينتقل منه على ما هو ملزوم وهو طول القامة وكما تقول فلانة نئوم الضحى لينتقل منه على ما هو ملزومه وهو كونها مخدومة غير محتاجة على السعي بنفسها في إصلاح المهمات وذلك أن وقت الضحى وقت سعي نساء العرب في أمر المعاش وكفاية أسبابه وتحصيل ما يحتاج إليه في تهيئة المتناولات وتدبير إصلاحها فلا تنام فيه من نسائهم إلا من تكون لها خدم ينوبون عنها في السعي لذلك لما وسمي هذا النوع كناية لما فيه من إخفاء وجه التصريح ودلالة كني على ذلك لأن ك ن ى كيفما تركبت دارت مع تأدية معنى الخفاء من ذلك كنى عن الشيء يكنى إذ لم يصرح به ومنه الكنى وهو أبو فلان وابن فلان وأم فلان وبنت فلان سميت كنى لما فيها من إخفاء وجه التصريح بأسمائهم الأعلام ومن ذلك نكى في العدو ينكي إذا أوصل إليه مضار من حيث لا يشعر بها ومنه نكايات الزمان لجوائحها الملمة على بنية من حيث لا يشعرون ومن ذلك الكين للحمة المستبطتة في فلهم المرأة لخفائها ومن ذلك

стр. 396

مقلوب الكين قلب الكل لإخفاء الناس إياه واحترازهم أن يصرحوا بلفظه فضلا أن يرتكبوا معناه جهارا، ثم إن الكناية تتفاوت على تعريض وتلويح ورمز وإيماء وإشارة ومساق الحديث يحسر لك اللثام عن ذلك، والفرق بين المجاز والكناية يظهر من وجهين أحدهما أن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة بلفظها فلا يتمنع في قولك فلان طويل النجاد أن تريد طول نجاده من غير ارتكاب تأويل مع إرادة طول قامته وفي قولك فلانة نئومة الضحى أن تريد أنها تنام ضحى لا عن تأويل يرتكب في ذلك مع إرادة كونها مخدومة مرفهة والمجاز ينافي ذلك فلا يصح في نحو رعينا الغيث أن تريد معنى الغيث وفي نحو قولك في الحمام أسد أن تريد معنى الأسد من غير تأويل وأنى والمجاز ملزوم قرينة معاندة لإرادة الحقيقة كما عرفت وملزوم معاند الشيء معاند لذلك الشيء. والثاني أن مبنى الكناية على الانتقال من اللازم على الملزوم ومبنى المجاز على الانتقال من الملزوم على اللازم كما سنعود على هذا المعنى عند ترجيح الكناية على التصريح. وإذ قد سمعت أن الكناية ينتقل فيها من اللازم على الملزوم فاسمع أن المطلوب بالكناية لا يخرج عن أقسام ثلاثة: أحدها طلب نفس الموصوف. وثانيها طلب نفس الصفة. وثالثها تخصيص الصفة بالموصوف والمراد بالوصف هاهنا كالجود في الجواد والكرم في الكريم والشجاعة في الشجاع وما جرى مجراها.

стр. 397

القسم الأول: في الكناية المطلوب بها نفس الموصوف الكناية في هذا القسم تقرب تارة وتبعد أخرى فالقرينة هي أن يتفق في صفة من الصفات اختصاص بموصوف معين عارض فتذكرها متوصلا بها على ذلك الموصوف مثل أن تقول جاء المضياف وتريد لعارض اختصاص للمضياف بزيد والبعيدة هي أن تتكلف اختصاصها بأن تضم على لازم آخر وآخر فتلفق مجموعا وصفيا مانعا عن دخول كل ماعدا مقصودك فيه مثل أن تقول في الكناية عن الإنسان حي مستوي القامة عريض الأظفار. القسم الثاني: في الكناية المطلوب بها نفس الصفة أن الكناية في هذا القسم أيضا تقرب تارة وتبعد أخرى، فالقريبة هي أن تنتقل على مطلوبك من أقرب لوازمه إليه مثل أن تقول فلان طويل نجاده أو طويل النجاد متوصلا به على طول قامته أو مثل أن تقول فلان كثير أضيافه أو كثير الأضياف متوصلا به على أنه مضياف. واعلم أن بين قولنا طويل نجاده وقولنا طويل النجاد فرقا وهو أن الأول كناية ساذجة والثاني كناية مشتملة على تصريح فتأمل واستعن في درك ما قلت بالبحث عن تذكير الوصف في نحو فلانة حسن وجهها وعن تأنيث فلانة حسنة الوجه وباستحضار ما تقدم لي في " حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " في باب التشبيه وأن هذا النوع القريب

стр. 398

تارة يكون واضحا كما في المثالين المذكورين وتارة خفيا كما في قولهم عريض القفا كناية عن الأبله وفي قولهم عريض الوسادة كناية عن هذه الكناية، وأما البعيدة فهي أن تنتقل على مطلوبك من لازم بعيد بوساطة لوازم متسلسلة مثل أن تقول كثير الرماد فتنتقل من كثرة الرماد على كثرة الجمر ومن كثرة الجمر على كثرة إحراق الحطب تحت القدور ومن كثرة إحراق الحطب على كثرة الطبائخ ومن كثرة الطبائخ على كثرة الأكلة ومن كثرة الأكلة على كثرة الضيفان ثم من كثرة الضيفان على أنه مضياف فانظر بين الكناية، وبين المطلوب بها كم ترى من لوازم أو مثل أن تقول جبان الكلب أو مهزول الفصيل متوصلا بذلك على كونه مضيافا كما قال: وما يك في من عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل فإن جبن الكلب عن الهرير في وجه من يدنو من دار من هو بمرصد لأن يغشى دونها مع كون الهرير له والنباح في وجه من لا يعرف أمراً طبيعيا له مركوزا في جبلته مشعر باستمرار تأديب له لامتناع تغير الطبيعة وتفاوت الجبلة بموجب لا يقوى واستمرار تأديبه أن لا ينبح مشعر باستمرار موجب نباحه وهو اتصال مشاهدته وجوها إثر وجوه واتصال مشاهدته لتلك مشعر بكون ساحته مقصد أدان وأقاص وكونه كذلك مشعر بكمال شهرة صاحب الساحة بحسن قرى الأضياف فانظر لزوم جبن الكلب للمضيافية كيف تجده بوساطة عدة لوازم، وكذلك هزال الفصيل يلزم فقد الأم وفقدها مع كمال عناية العرب بالنوق لا سيما بالمثليات منها لقوام أكثر مجاري أمورهم بالإبل يلزم كمال قوة الداعي على نحرها وإذ لا داعي على نحر المثليات أقوى من صرفها على الطبائخ ومن صرف الطبائخ على قرى الأضياف

стр. 399

فهزال الفصيل كما ترى يلزم المضيافية بعدة وسائط، ومن هذا النوع أيضا قول نصيب: لعبد العزيز على قومه ... وغيرهم منن ظاهره فبابك أسهل أبوابهم ... ودارك مأهولة عامره وكلبك آنس بالزائري " " ن من الأم بالابنة الدائره فإنه حين أراد أن يكنى عن وفور إحسان عبد العزيز على الخاص والعام واتصال أياديه لدى القريب والبعيد جعل كلبه آنسا بالزائرين ذلك الأنس فدل بمعنى أنسه ذلك بالزائرين على أنهم عنده معارف فالكلب لا يأنس إلا بمن يعرف ودل بمعنى كونهم معارف عنده على اتصال مشاهدته إياهم ليلا ونهارا ودل بمعنى ذلك على لزومهم سدة عبد العزيز ودل بمعنى لزومهم سدته على تسني مباغيهم هنالك تسنيا بالاتصال لا ينقطع، ثم دل بمعنى ذلك على ما أراد فانظر كيف لوح مع بعد المسافة بين أنس الكلب بالزائرين وبين إحسان عبد العزيز الوافر، ونظير قول نصيب مع زيادة لطف قول الآخر: تراه إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه من حبه وهو أعجم ومنه قول ابن هرمة:

стр. 400

لا أمتع العوذ بالفصال ... ولا أبتاع إلا قريبة الأجل دل بقوله لا أمتع العوذ بالفصال على أنه لا يبقى لها فصالها فتنتفع بها من جهة استئناسها بها وحصول الفرح الطبيعي لها في مشاهدتها إياها وما تستملح من حركاتها لديها ويحتمل أن يريد لا أبقى العوذ بسبب فصالها نظرا لها فتسلم عن النحر فتنتفع بالفصال من هذه الجهة ودل بمعنى أنه لا يبقيها على أنه ينحرها ودل بمعنى نحرها على أنه يصرفها على قرى الضيفان، وكذا دل بقوله قريبة الأجل على أنها لا تلبث عنده حية ودل بذلك على أنه ينحرها، ثم دل بنحرها على معنى أضيف. القسم الثالث: في الكناية المطلوب بها تخصيص الصفة بالموصوف هي أيضا تتفاوت في اللطف فتارة تكون لطيفة وأخرى ألطف وأنا أورد عدة أمثلة منها قول زياد الأعجم وهو لطيف: إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج فإنه حين أراد أن لا يصرح بتخصيص السماحة والمروءة والندى بابن الحشرج فيقول السماحة لابن الحشرج والمروءة له والندى له فإن الطريق على تخصيص الصفة بالموصوف. لتصريح إما الإضافة أو معناها وإما الإسناد أو معناه فالإضافة كقولك سماحة ابن الحشرج

стр. 401

أو سماحته مظهرا كان المضاف إليه أو مضمرا أو معناها كقولك السماحة لابن الحشرج أو السماحة له والإسناد كقولك سمح ابن الحشرج أو حصل السماحة ومعناه كقولك ابن الحشرج سمح بتقدير ضمير ابن الحشرج في سمح العائد إليه كما هو أعنى تخصيص الصفة بالموصوف مصرح به في جميع ما تقدم من الأمثلة أو ما ترى الوصف المكنى عنه وهو طول القامة بقولك طويل النجاد كيف تجده مضافا على ضمير موصوفه في قولك زيد طويل نجاده وهو الهاء في نجاده العائد على زيد المطلوب تخصيص طول القامة به أو مسندا على ضمير موصوفه في قولك طويل النجاد وهو الضمير في طويل العائد على الموصوف أو الوصف المكنى عنه وهو وفور الإحسان بأنس الكلب بالزوار كيف تجده مضافا على ضمير موصوفه وهو عبد العزيز المخاطب المطلوب تخصيص وفور الإحسان به أو الوصف المكنى عنه وهو المضيافية بلا إمتاع العوذ بالفصال وابتياع قريبة الأجل كيف تجده مسندا على ضمير موصوفه وهو ضمير الحكاية الراجع على ابن هرمة المطلوب تخصيص المضيافية به ماذا صنع جمع السماحة والمروءة والندى في قبة تنبيها بذلك أن محلها محل ذو قبة محاولا بذلك اختصاصها بابن الحشرج ثم لما رأى غرضه ما كان يتم بذلك لوجود ذوي قباب في الدنيا كثيرين جعل القبة مضروبة على ابن الحشرج حتى تم غرضه ومنها قولهم المجد بين ثوبيه والكرم بين برديه، وقد يظن هذا من قسم زيد طويل نجاده وليس بذلك فطويل نجاده بإسناد الطويل على النجاد تصريح بإثبات الطول للنجاد وطول النجاد كما تعرف قائم مقام طول القامة فإذا صرح من بعد بإثبات النجاد لزيد بالإضافة كان ذلك تصريحا بإثبات الطول لزيد فتأمل. ومنها قوله وهو ألطف: والمجد يدعو أن يدوم لجيده ... عقد مساعي ابن العميد نظامه

стр. 402

انظر حين أراد أن يثبت المجد لابن العميد لا على سبيل التصريح ماذا صنع أثبت لابن العميد مساعي وجعلها نظام عقد وبين أن مناط ذلك العقد هو جيد المجد فنبه بذلك على اعتناء ابن العميد بتزيين المجد، ونبه بتزيينه إياه على اعتنائه بشأنه أعني بشأن المجد وعلى محبته له ونبه بذلك على أنه ماجد ولم يقنعه ذلك حتى جعل المجد المعرف تعريف الجنس داعيا أن يدوم ذلك العقد لجيده فنبه بذلك على طلب حقيقة المجد ودوام بقاء ابن العميد ونبه بذلك على أن تزيينه والاعتناء بشأنه مقصوران على ابن العميد حتى أحكم بتخصيص المجد بابن العميد وأكده أبلغ تأكيد. وحاصله أن الشاعر جعل المجد متزينا في المآل بابن العميد وجعل تزيينه به تخصيصا له به على نحو ما يقال تزينت الوزارة بفلان إذا حصلت له. ومنها قول الشنفرى الأزدي وصف امرأة بالعفة: يبيت بمنجاة عن اللوم بيتها ... إذا ما بيوت بالملامة حلت فإنه حين أراد أن يبين عفافها وبراءة ساحتها عن التهمة وكمال نجاتها عن أن تلام بنوع من الفجور على سبيل الكناية قصد على نفس النجوة عن اللوم، ثم لما رآها غير مختصة بتلك العفيفة لوجود عفائف من الدنيا كثيرة نسبها على بيت يحيط بها تخصيصا للنجاة عن اللوم بها فقال: يبيت بمنجاة عن اللوم بيتها

стр. 403

ولم يقل يظل قصدا على زمان له مزيد اختصاص بالفواحش وهو الليل وقول ابن هانئ فما جاز جود ولا حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير فإنه أراد أن يجمع الجود لا على سبيل التصريح ويثبته للممدوح لا على سبيل التصريح أيضا فعمد على نفس الجود فنفى أن يكون متوزعا يقوم منه جزء بهذا وجزء بذاك فنكر الجود قصدا على فرد من أفراد الحقيقة ونفى أن يجوز ممدوحه فقال فما جازه جود بالتنكير كما نرى تنبيها بذلك على أن لو جازه لكان قائما بمحل هناك لامتناع قيامه بنفسه، ثم لمثل هذا قال ولا حل دونه كناية بذلك عن عدم توزعه وتقسمه ثم خصصه من بعد بجهة تلك الجهة لممدوحه بعد أن عرفه باللام الاستغراقية فقال ولكن يصير الجود حيث يصير كناية عن ثبوته له، ومنه قولهم مجلس فلان مظنة الجود والكرم، وقد يظن أن ههنا قسما رابعا، وهو أن يكون المطلوب بالكناية الوصف والتخصيص معا مثل ما يقال يكثر الرماد في ساحة عمرو في الكناية عن أن عمراً مضياف فليس بذاك إذ ليس ما ذكر بكناية واحدة بل هما كنايتان وانتقال من لازمين على ملزومين أحد اللازمين كثرة الرماد والثاني تقييدها وهو قولك في ساحة عمرو. واعلم أن الكناية في القسم الثاني والثالث تارة تكون مسوقة لأجل الموصوف المذكور كما تقول فلان يصلي ويزكي وتتوصل بذلك على أنه مؤمن وفلان يلبس الغيار وتريد أنه يهودي وكالأمثلة المذكورة، وتارة تكون مسوقة لأجل موصوف غير مذكور كما تقول

стр. 404

في عرض من يؤذي المؤمنين المؤمن هو الذي يصلي ويزكي ولا يؤذي أخاه المسلم وتتوصل بذلك على نفي الإيمان عن المؤذي وكقوله علت كلمته في عرض المنافقين " هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب " إذا فسر الغيب بالغيبة بمعنى يؤمنون مع الغيبة عن حضرة النبي أو عن جماعة المسلمين على معنى هدى للذين يؤمنون عن إخلاص لا الذين يؤمنون عن نفاق، وإذ قد وعيت ما أملى عليك فنقول: متى كانت الكناية عرضية على ما عرفت كان إطلاق اسم التعريض عليها مناسبا وإذا لم تكن كذلك نظر فإن كانت ذات مسافة بينها وبين المكنى عنه متباعدة لتوسط لوازم كما في كثير الرماد وأشباهه كان إطلاق اسم التلويح عليها مناسبا، لأن التلويح هو أن تشير على غيرك عن بعد وإن كانت ذات مسافة قريبة مع نوع من الخفاء كنحو عريض القفا وعريض الوسادة كان إطلاق اسم الرمز عليها منسبا لأن الرمز هو أن تشير على قريب منك على سبيل الخفية. قال: رمزت إلي مخافة من بعلها ... من غيرها أن تبدي هناك كلامها وإن كانت لا مع نوع الخفاء كقول أبي تمام: أبين فما يزرن سوى كريم ... وحسبك أن يزرن أبا سعيد فإنه في إفادة أن أبا سعيد كريم غير خاف كان إطلاق اسم الإيماء والإشارة عليها مناسبا وكقول البحتري: أو ما رأيت المجد ألقى رحله ... في آل طلحة ثم لم يتحول

стр. 405

فإنه في إفادة أن آل طلحة أماجد ظاهر، وكقول الآخر: إذا الله لم يسق إلا الكرام ... فسقى وجوه بني حنبل وسقى ديارهم باكرا ... من الغيث في الزمن الممحل فإنه في إفادة كرم بني حنبل كما ترى، وكقول الآخر: متى تخلو تميم من كريم ... ومسلمة بن عمرو من تميم فإنه في إفادة كرم مسلمة من الجميع، وأما قوله: سألت الندى والجود مالي أراكما ... تبذلتما ذلا بعز مؤيد وما بال ركن المجد أمسى مهدما ... فقال أصبنا بابن يحيى محمد فقلت فهلا متما عند موته ... فقد كنتما عبديه في كل مشهد فقالا أقمنا كي نعزى بفقده ... مسافة يوم ثم نتلوه في غد في إفادة جود ابن يحيى ومجده فعلى ما ترى من الظهور. واعلم أن التعريض تارة يكون على سبيل الكناية وأخرى على سبيل المجاز، فإذا قلت آذيتني فستعرف وأردت المخاطب إنسانا آخر معتمدا على قرائن الأحوال كان من القبيل الأول وإن لم ترد إلا غير المخاطب كان من القبيل الثاني فتأمل، وعلى هذا فقس وفرع إن شئت فقد نبهتك. واعلم أن أرباب البلاغة وأصحاب الصياغة للمعاني مطبقون على أن المجاز أبلغ من الحقيقة وأن الاستعارة أقوى من التصريح بالتشبيه وأن الكناية أوقع من الإفصاح بالذكر والسبب في أن المجاز أبلغ من الحقيقة هو ما عرفت أن مبنى المجاز على الانتقال من الملزوم على اللازم فأنت في قولك رعينا الغيث

стр. 406

ذاكرا الملزوم النبت مريدا به لازمه بمنزلة مدعي الشيء ببينه فإن وجود الملزوم شاهد لوجود اللازم لامتناع انفكاك الملزوم عن اللازم لأداء انفكاكه عنه على كون الشيء ملزوما غير ملزوم باعتبار واحد، وفي قولك رعينا النبت مدعى للشيء لا ببينه وكم بين ادعاء الشيء ببينه وبين ادعائه لا بها، والسبب في أن الاستعارة أقوى من التصريح بالتشبيه أمران: أحدهما أن في التصريح بالتشبيه اعترافا بكون المشبه به أكمل من المشبه في وجه الشبه على ما قررت في باب التشبيه. والثاني في ترك التصريح بالتشبيه على الاستعارة التي هي مجاز مخصوص الفائدة التي سمعت في المجاز آنفا من دعوى الشيء ببينه، والسبب في أن الكناية عن الشيء أوقع من الإفصاح بذكره نظير ما تقدم في المجاز بل عينه، يبين ذلك أن مبنى الكناية كما عرفت على الانتقال من اللازم على ملزوم معين ومعلوم عندك أن الانتقال من اللازم على ملزوم معين يعتمد مساواته إياه لكنهما عند التساوي يكونان متلازمين فيصير الانتقال من اللازم إلى الملزوم إذ ذاك بمنزلة الانتقال من الملزوم على اللازم فيصير حال الكناية كحال المجاز في كون الشيء معها مدعى ببينة ومع إفصاح بالذكر مدعى لا ببينه، وبهذا الطريق ينخرط نحو أمطرت السماء نباتا في سلك نحو رعينا الغيث فافهم، هذا ما أمكن من تقرير كلام السلف ﵏ في هذين الأصلين، ومن ترتيب الأنواع فيهما وتذييلها بما كان يليق بها وتطبيق البعض منها بالبعض وتوفية كل من ذلك حقه على موجب مقتضى الصناعة وسيحمد ما أوردت ذوو البصائر، وإني أوصيهم إن أورثهم كلامي نوع استمالة وفاتهم ذلك في كلام السلف إذا تصفحوه أن لا يتخذوا ذلك مغمزا للسلف أو فضلا لي عليهم فغير

стр. 407

مستبدع في أيما نوع فرد أن ينزل عن أصحابه ما هو أشبه بذلك النوع في بعض الأصول أو الفروع أو التطبيق للبعض بالبعض متى كانوا المخترعين له وإنما يستبدع ذلك ممن زجى عمره راتعا في مائدتهم تلك، ثم لم يقو أن يتنبه وعلماء هذا الفن وقليل ما هم كانوا في اختراعه واستخراج أصوله وتمهيد قواعدها وأحكام أبوابها وفصولها والنظر في تفاريعها واستقراء أمثلتها اللائقة بها وتلقطها من حيث يجب نلقطها وأتعاب الخاطر في التفتيش والتنقير عن ملاقطها وكد النفس والروح في ركوب المسالك المتوعرة على الظفر بها مع تشعب هذا النوع على شعب بعضها أدق من البعض وتفننها أفانين بعضها أغمض من بعض كما عسى أن يقرع سمعك طرف من ذاك فعلواً ما وفت به القوة البشرية إذ ذاك، ثم وقع عند فتورها منهم ما هو لازم الفتور. وأما بعد فإن خلاصة الأصلين هي أن الكلمة لا تفيد ألبتة إلا بالوضع أو الاستلزام بوساطة الوضع، وإذا استعملت فإما أن يراد معناها وحده أو غير معناها وحده أو معناها وغير معناها معا. فالأول هو الحقيقة في المفرد وهي تستغني في الإفادة بالنفس عن الغير. والثاني هو المجاز في المفرد وأنه مفتقر على نصب دلالة مانعة عن إرادة معنى الكلمة. والثالث هو الكناية ولا بد من دلالة حال والحقيقة في المفرد والكنابة تشتركان في كونهما حقيقيتين ويفترقان في التصريح وعدم التصريح، وغير معناها في المجاز إما أن يقدر قائما مقام معناها بوساطة المبالغة في التشبيه أو لا يقدر والأول هو الاستعارة والثاني هو المجاز المرسل والمذكور في الاستعارة إما أن يكون هو المشبه به أو المشبه والأول هو الاستعارة بالتصريح والثاني هو الاستعارة

стр. 408

بالكناية، وقريننها أن يثبت للمشبه أو ينسب إليه ما هو مختص بالمشبه به، والمشبه به المذكور في الاستعارة بالتصريح إما أن يكون مشبهه المتروك شيئاً له تحقق أو شيئاً لا تحقق له والأول والاستعارة التحقيقية والثاني التخييلية. والكلمة إذا أسندت فإسنادها بحسب رأي الأصحاب دون رأينا إما أن يكون على وفق عقلك وعلمك أو لا يكون والأول هو الحقيقة في الجملة والثاني هو المجاز فيها، ثم إن الحقيقة في الجملة إما أن تكون مقرونة بإفادة مستلزم أو لا تكون والأولى داخلة في الكناية والثانية داخلة في التصريح. ي التخييلية. والكلمة إذا أسندت فإسنادها بحسب رأي الأصحاب دون رأينا إما أن يكون على وفق عقلك وعلمك أو لا يكون والأول هو الحقيقة في الجملة والثاني هو المجاز فيها، ثم إن الحقيقة في الجملة إما أن تكون مقرونة بإفادة مستلزم أو لا تكون والأولى داخلة في الكناية والثانية داخلة في التصريح. وإذ قد عرفنا الحقيقة في المفرد وفي الجملة، وعرفنا فيهما التصريح والكناية، وعرفنا المجاز في المفرد وفي الجملة، وعرفنا تنوع الكناية على تعريض وتلويح ورمز وإيماء وإشارة، وعرفنا تنوع المجاز على مرسل مفيد وغير مفيد وعلى استعارة مصرح بها ومكني عنها، وعرفنا ما يتصل بذلك من التحقيقية والتخيلية والقطعية والاحتمالية ومن الأصلية والتبعية على رأي الأصحاب دون رأينا على ما تقدم والمجردة والمرشحة، وحصل لنا العلم بتفاوت التشبيه في باب المبالغة على الضعف والقوة، وعلى كونه تشبيها مرسلا وكونه تمثيلا ساذجا وكونه تمثيلا بالاستعارة وكونه مثلا، وقضينا الوطر عن كمال الاطلاع على هذه المقاصد، فنقول: البلاغة هي بلوغ المتكلم في تأدية المعاني حدا له اختصاص بتوفية خواص التراكيب حقها وإيراد أنواع التشبيه والمجاز والكناية على وجهها، ولها أعني البلاغة طرفان أعلى وأسفل متباينان تباينا

стр. 409

لا يتراءى له ناراهما وبينهما مراتب تكاد تفوت الحصر متفاوتة، فمن الأسفل تبتدئ البلاغة وهو القدر الذي إذا نقص منه شيء التحق ذلك الكلام بما شبهناه به في صدر الكتاب من أصوات الحيوانات ثم تأخذ في التزايد متصاعدة على أن تبلغ حد الإعجاز وهو الطرف الأعلى وما يقرب منه. واعلم أن شأن الإعجاز عجيب يدرك ولا يمكن وصفه كاستقامة الوزن يدرك ولا يمكن وصفها وكالملاحة، ومدرك الإعجاز عندي هو الذوق ليس إلا، وطريق اكتساب الذوق طول خدمة هذين العلمين، نعم للبلاغة وجوه ملتثمة ربما تيسرت إماطة اللثام عنها لتجلي عليك. أما نفس وجه الإعجاز فلا. وأما الفصاحة فهي قسمان: راجع على المعنى، وهو خلوص الكلام عن التعقيد وراجع على اللفظ، وهو أن تكون الكلمة عربية أصلية وعلامة ذلك أن تكون على ألسنة الفصحاء من العرب الموثوق بعربيتهم أدور واستعمالهم لها أكثر لا مما أحدثها المولدون ولا مما أخطأت فيه العامة وأن تكون أجرى على قوانين اللغة وأن تكون سليمة عن التنافر، والمراد بتعقيد الكلام هو أن يعثر صاحبه فكرك في متصرفه ويشيك طريقك على المعنى ويوعر مذهبك نحوه حتى يقسم فكرك ويشعب ظنك على أن لا تدري من أين تتوصل وبأي طريق معناه يتحصل كقول الفرزدق: وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه وكقول أبي تمام: ثانيه في كبد السماء ولم يكن ... كائنين ثان إذا هما في الغار

стр. 410

وغير المعقد هو ان يفتح صاحبه لفكرتك الطريق المستوي ويمهده وإن كان في معاطف نصب عليه المنار وأوقد الأنوار حتى تسلكه سلوك المتبين لوجهته وتقطعه قطع الوثائق بالنجح في طيته. وإذ قد وقفت على البلاغة وعثرت على الفصاحة المعنوية واللفظية فأنا أذكر على سبيل الأنموذج آية آكشف لك فيها عن وجوه البلاغة والفصاحتين ما عسى يسترها عنك، ثم إن ساعدك الذوق أدركت منها ما قد أدرك من تحدوا بها وهي قوله علمت كلمته " وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين " والنظر في هذه الآية من أربع جهات: من جهة علم البيان، ومن جهة علم المعاني وهما مرجعا البلاغة ومن جهة الفصاحة ومن جهة الفصاحة اللفظية. أما النظر فيها من جهة علم البيان وهو النظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بها فنقول: إنه عز سلطانه لما أراد أن يبين معنى أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض على بطنها فارتد، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض، وأن نقضي أمر نوح وهو إنجاز ما كنا وعدنا من إغراق قومه فقضى، وأن نسوي السفينة على الجودي فاستوت، وأبقينا الظلمة غرقى بنى الكلام على تشبيه المراد بالمأمور الذي لا يتأنى منه لكمال هيبته العصيان وتشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكون المقصود

стр. 411

تصويرا لاقتداره العظيم، وإن السموات والأرض وهذه الأجرام العظام تابعة لإرادته إيجادا وإعداما ولمشيئته فيها تغييرا وتبديلا كأنهما عقلاء مميزون وقد عرفوه حق معرفته وأحاطوا علما بوجوب الانقياد لأمره والإذعان لحكمه وتحتم بذل المجهود عليهم في تحصيل مراده وتصوروا مزيد اقتداره فعظمت مهابته في نفوسهم وضربت سرادقها في أفنية ضمائرهم، فكما يلوح لهم إشارته كان المشار إليه مقدماً، وكما يرد عليهم أمره كان المأمور به متمما لا تلقي لإشارته بغير الإمضاء والانقياد ولا لأمره بغير الإذعان والامتثال، ثم بنى على تشبيه هذا نظم الكلام فقال جل وعلا، قيل على سبيل المجاز عن الإرادة الواقع بسببها قول القائل وجعل قرينة المجاز الخطاب للجماد وهو يا أرض ويا سماء ثم قال كما ترى يا أرض ويا سماء مخاطبا لهما على سبيل الاستعارة للشبه المذكور ثم استعار لغؤور الماء في الأرض البلع الذي هو إعمال الجاذبة في المطعوم للشبه بينهما وهو الذهاب على مقر خفي، ثم استعار الماء للغذاء استعارة بالكناية تشبيها له بالغذاء لتقوي الأرض بالماء في الإنبات للزروع والأشجار تقوي الآكل بالطعام وجعل قرينة الاستعارة لفظة ابلعي لكونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء، ثم أمر على سبيل الاستعارة للشبه المقدم ذكره وخاطب في الأمر ترشحا لاستعارة النداء، ثم قال ماءك بإضافة الماء على الأرض على سبيل المجاز تشبيها لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك واختار ضمير الخطاب لأجل الترشيح، ثم اختار لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ما كان، ثم أمر على سبيل الاستعارة وخاطب في الأمر قائلاً أقلعي لمثل ما تقدم في أبلعي ثم قال " وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي " وقيل بعد افلم يصرح

стр. 412

بمن غاض الماء ولا بمن قضي الأمر وسوى السفينة وقال بعدا كما لم يصرح بقائل يا أرض ويا سماء في صدر الآية سلوكا في كل واحد من ذلك لسبيل الكناية أن تلك الأمور العظام لا تتأنى إلا من ذي قدرة لا يكتنه قهار لا يغالب فلا مجال لذهاب الوهم على أن يكون غيره جلت عظمته قائل يا أرض ويا سماء ولا غائض مثل ما غاض ولا قاضي مثل ذلك الأمر الهائل أو أن تكون تسوية السفينة وإقرارها بتسوية غيره وإقراره، ثم ختم الكلام بالتعريض تنبيها لسالكي مسلكهم في تكذيب الرسل ظلما لأنفسهم لا غير ختم إظهار لمكان السخط ولجهة استحقاقهم إياه وأن قيمة الطوفان وتلك الصورة الهائلة ما كانت إلا لظلمهم. وأما النظر فيها من حيث علم المعاني وهو النظر في فائدة كل كلمة منها وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها ذلك أنه اختير يا دون أخواتها لكونها أكثر في الاستعمال وأنها دالة على بعد المنادي الذي يستدعيه مقام إظهار العظمة وإبداء شأن العزة والجبروت وهو تبعيد المنادي المؤذن بالتهاون به ولم يقل يا أرض بالكسر لإمداد التهاون ولم يقل يا أيتها الأرض لقصد الاختصار مع الاحتراز عم في أيتها من تكلف التنبيه غير المناسب بالمقام، واختير لفظ الأرض دون سائر أسمائها لكونه أخف وأدور، واختير لفظ السماء لمثل ما تقدم في الأرض مع قصد المطابقة وستعرفها، واختير لفظ ابلعي على ابتلعي لكونه أخصر ولمجيء خط التجانس بينه وبين اقلعي أوفر، وقيل ماؤك بالإفراد دون الجمع لما كان في الجمع من صورة الاستكثار المتأبى عنها مقام إظهار الكبرياء والجبروت وهو الوجه في إفراد الأرض والسماء وإنما لم يقل ابلعي بدون المفعول أن لا يستلزم تركه ما ليس بمراد من تعميم الابتلاع للجبال والتلال والبحار وساكنات الماء بأسرهن نظرا على مقام ورود الأمر الذي هو مقام عظمة وكبرياء، ثم إذا بين المراد اختصر الكلام من أقلعي احترازا عن الحشو المستغنى عنه وهو الوجه في أن لم يقل، قيل يا أرض ابلعي ماءك فبلعت ويا سماء أقلعي فأقلعت، واختير غيض على غيض لكونه أخصر، وقيل الماء دون أن يقال ماء طوفان السماء، وكذا الأمر دون أن يقال أمر نوح وهو إنجاز ما كان الله وعد نوحا من إهلاك قومه لقصد الاختصار والاستغناء بحرف التعريف عن ذلك ولم يقل سويت على الجودي بمعنى أقرت على نحو قيل وغيض وقضى في البناء للمفعول اعتبار البناء الفعل للفاعل مع السفينة في قوله " وهي تجري بهم في موج " مع قصد الاختصار في اللفظ، ثم قيل بعدا للقوم دون أن يقال ليبعد القوم طلبا للتأكيد مع الاختصار وهو نزول بعدا منزلة ليبعدوا بعدا مع فائدة أخرى وهو استعمال اللام بعد بعدا الدال على معنى أن البعد حق لهم، ثم أطلق الظلم ليتناول كل نوع حتى يدخل فيه ظلمهم أنفسهم لزيادة التنبيه على فظاعة سوء اختيارهم في تكذيب الرسل هذا من حيث النظر على تركيب الكلم. وأما من حيث النظر على ترتيب الجمل فذاك أنه قد قدم النداء على الأمر، فقيل يا أرض ابلعي ويا سماء أقلعي دون أن يقال ابلعي يا أرض وأقلعي يا سماء جريا على مقتضى اللازم فيمن كان مأمورا حقيقة من تقديم التنبيه ليتمكن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادي قصدا بذلك لمعنى الترشيح، ثم قدم أمر الأرض على أمر السماء وابتدئ به لابتداء الطوفان منها ونزولها لذلك في القصة منزلة الأصل، والأصل بالتقديم أولى ثم أتبعهما قوله وغيض الماء لاتصاله بقصة الماء وأخذه بحجزتها، ألا ترى أصل الكلام " قيل يا أرض ابلعي ماءك " فبلعت ماءها " ويا سماء أقلعي " عن إرسال الماء فأقلعت عن إرساله " وغيض الماء " النازل من السماء فغاض، ثم أتبعه ما هو المقصود من القصة، وهو قوله " وقضي الأمر " أي أنجز الموعود من إهلاك الكفرة وإنجاء نوح ومن معه في السفينة ثم أتبعه حديث السفينة، وهو قوله " واستوت على الجودي " ثم ختمت القصة بما ختمت، هذا كله نظر في الآية من جانبي البلاغة. أرض لقصد الاختصار مع الاحتراز عم في أيتها من تكلف التنبيه غير المناسب بالمقام، واختير لفظ الأرض دون سائر أسمائها لكونه أخف وأدور، واختير لفظ السماء لمثل ما تقدم في الأرض مع قصد المطابقة وستعرفها، واختير لفظ ابلعي على ابتلعي لكونه أخصر ولمجيء خط التجانس بينه وبين اقلعي أوفر، وقيل ماؤك بالإفراد دون الجمع لما كان في الجمع من صورة الاستكثار المتأبى عنها مقام إظهار الكبرياء والجبروت وهو الوجه في إفراد الأرض والسماء وإنما لم يقل ابلعي بدون المفعول أن لا يستلزم تركه ما ليس بمراد من تعميم الابتلاع للجبال والتلال والبحار وساكنات الماء بأسرهن نظرا على مقام ورود الأمر الذي هو مقام عظمة وكبرياء، ثم إذا بين المراد اختصر الكلام من أقلعي احترازا

стр. 413

عن الحشو المستغنى عنه وهو الوجه في أن لم يقل، قيل يا أرض ابلعي ماءك فبلعت ويا سماء أقلعي فأقلعت، واختير غيض على غيض لكونه أخصر، وقيل الماء دون أن يقال ماء طوفان السماء، وكذا الأمر دون أن يقال أمر نوح وهو إنجاز ما كان الله وعد نوحا من إهلاك قومه لقصد الاختصار والاستغناء بحرف التعريف عن ذلك ولم يقل سويت على الجودي بمعنى أقرت على نحو قيل وغيض وقضى في البناء للمفعول اعتبار البناء الفعل للفاعل مع السفينة في قوله " وهي تجري بهم في موج " مع قصد الاختصار في اللفظ، ثم قيل بعدا للقوم دون أن يقال ليبعد القوم طلبا للتأكيد مع الاختصار وهو نزول بعدا منزلة ليبعدوا بعدا مع فائدة أخرى وهو استعمال اللام بعد بعدا الدال على معنى أن البعد حق لهم، ثم أطلق الظلم ليتناول كل نوع حتى يدخل فيه ظلمهم أنفسهم لزيادة التنبيه على فظاعة سوء اختيارهم في تكذيب الرسل هذا من حيث النظر على تركيب الكلم. وأما من حيث النظر على ترتيب الجمل فذاك أنه قد قدم النداء على الأمر، فقيل يا أرض ابلعي ويا سماء أقلعي دون أن يقال ابلعي يا أرض وأقلعي يا سماء جريا على مقتضى اللازم فيمن كان مأمورا حقيقة من تقديم التنبيه ليتمكن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادي قصدا بذلك لمعنى الترشيح، ثم قدم أمر الأرض على أمر السماء وابتدئ به لابتداء الطوفان منها ونزولها لذلك في القصة منزلة الأصل، والأصل بالتقديم أولى ثم أتبعهما قوله وغيض الماء لاتصاله بقصة الماء وأخذه بحجزتها، ألا ترى أصل الكلام " قيل يا أرض ابلعي ماءك " فبلعت ماءها " ويا سماء أقلعي " عن إرسال الماء فأقلعت عن إرساله " وغيض الماء " النازل من السماء فغاض، ثم أتبعه ما هو المقصود من القصة، وهو قوله " وقضي الأمر " أي أنجز الموعود من إهلاك الكفرة وإنجاء نوح ومن معه في السفينة ثم أتبعه حديث السفينة، وهو قوله " واستوت على الجودي "

стр. 414

ثم ختمت القصة بما ختمت، هذا كله نظر في الآية من جانبي البلاغة. وأما النظر فيها من جانب الفصاحة المعنوية فهي كما ترى نظم للمعاني لطيف وتأدية لها ملخصة مبينة لا تعقيد يعثر الفكرة في طلب المراد ولا التواء يشيك الطريق على المرتاد بل إذا جربت نفسك عند استماعها وجدت ألفاظها تسابق معانيها ومعانيها تسابق ألفاظها، فما من لفظة في تركيب الآية ونظمها تسبق على أذنك إلا ومعناها أسبق على قلبك. وأما النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية فألفاظها على ما ترى عربية مستعملة، جارية على قوانين اللغة سليمة عن التنافر، بعيدة عن البشاعة عذبة على العذبات، سليسة على الإسلاسات، كل منها كالماء في السلاسة، وكالعسل في الحلاوة، وكالنسيم في الرقة. ولله در شأن التنزيل لا يتأمل العالم آية من آياته إلا أدرك لطائف لا تسع الحصر ولا تظنن الآية مقصورة على ما ذكرت، فلعل ما تركت أكثر مما ذكرت لأن المقصود لم يكن إلا مجرد الإرشاد لكيفية اجتناء ثمرات علمي المعاني والبيان، وأن لا علم في باب التفسير بعد علم الأصول أقرأ منهما على المرء لمراد الله تعالى من كلامه، ولا أعون على تعاطي تأويل مشتبهاته، ولا أنفع في درك لطائف نكته وأسراره ولا أكشف للقناع عن وجه إعجازه هو الذي يوفي كلام رب العزة من البلاغة حقه ويصون له في مظان التأويل ماءه ورونقه، ولكم آية من آيات القرآن تراها قد ضيمت حقها واستلبت ماءها ورونقها إن وقعت على من ليسوا من أهل هذا العلم فأخذوا بها في مآخذ مردودة وحملوها على محامل غير مقصودة، وهم لا يدرون، ولا يدرون أنهم يدرون، فتلك الآي من مآخذهم في عويل ومن

стр. 415

محاملهم على ويل طويل " وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا " ثم مع ما لهذا العلم من الشرف الظاهر والفضل الباهر لا ترى علما لقي من الضيم ما لقي ولا مني من سوم الخسف بما مني، أين الذي مهد له قواعد ورتب له شواهد وبين له حدودا يرجع إليها وعين له رسوما يعرج عليها، ووضع له أصولا وقوانين، وجمع له حججا وبراهين، وشمر لضبط متفرقاته ذيله، واستنهض في استخلاصها من الأيدي رجله وخيله، علم تراه أيادي سبا، فجزء حوته الدبور، وجزء حوته الصبا. انظر باب التحديد فإنه جزء منه في أيدي من هو، انظر باب الاستدلال فإنه جزء منه في أيدي من هو بل تصفح معظم أبواب أصول الفقه من أي علم هي ومن يتولاها، وتأمل في مودعات من مباني الإيمان ما ترى من تمناها سوى الذي تمناها، وعد ولكن الله جلت حكمته إذ وفق في تحريك القلم فيه عسى أن يعطى القوس باريها بحول منه عز سلطانه وقوته، فما الحول والقوة إلا به.

стр. 416

وإذ قد تقرر أن البلاغة بمرجعيها، وأن الفصاحة بنوعيها مما يكسو الكلام حلة التزيين ويرقيه أعلى درجات التحسين، فها هنا وجوه مخصوصة كثيراً ما يصار إليها لقصد تحسين الكلام، فلا علينا أن نشير على الأعرف منها، وهي قسمان: قسم يرجع على المعنى وقسم يرجع على اللفظ، فمن القسم الأول: المطابقة، وهي أن تجمع بين متضادين كقوله: أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر وقوله علت كلمته " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء " وقوله " فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيراً " وقوله " وتحسبهم أيقاظا وهم رقود "

стр. 417

ومنه المقابلة، وهي أن تجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر وبين ضديهما. ثم إذا شرطت هنا شرطا شرطت هناك ضده كقوله عز وعلا فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى " لما جعل التيسير مشتركا بين الإعطاء والاتقاء والتصديق جعل ضده، وهو التعسير مشتركا بين أضداد تلك، وهي المنع والاستغناء والتكذيب. ومنه المشاكلة وهي أن تذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته كقوله. قالوا اقترح شيئاً نجد لك طبخه ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصا وقوله " صبغة الله " وقوله " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " وقوله ومكروا ومكر الله وقوله " تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك " وقوله " يد الله مغلولة، بل يداه مبسوطتان " وقوله " وجزاء سيئة سيئة مثلها " ومنه مراعاة النظير، وهي عبارة عن الجمع بين المتشابهات كقوله: وحرف كنون تحت راء ولم يكن ... بدال يؤم الرسم غير النقط

стр. 418

ومنه المزاوجة، وهي أن تزاوج بين معنيين في الشرط والجزاء كقوله: إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى ... أصاخ على الواشي فلج به الهجر ومنه اللف والنشر، وهي أن تلف بين شيئين في الذكر ثم تتبعهما كلاما مشتملا على متعلق بواحد وبآخر من غير تعيين ثقة بأن السامع يرد كلا منهما على ما هو له كقوله عز وعلا " ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ". ومنه الجمع، وهو أن تخل شيئين فصاعدا في نوع واحد كقوله: إن الفراغ والشباب والجده ... مفسدة للمرء أي مفسده وقوله عز وعلا " المال والبنون زينة الحياة الدنيا " ومنه التفريق، وهو أن تقصد على شيئين من نوع فتوقع بينهما تباينا كقوله: ما نوال الغمام وقت ربع ... كنوال الأمير وقت سخاء فنوال الأمير بدرة عين ... ونوار الغمام قطرة ماء ومنه التقسيم، وهو أن تذكر شيئاً ذا جزأين أو أكثر ثم تضيف على كل واحد من أجزائه ما هو له عندك كقوله: أديبان في بلخ لا يأكلان ... إذا صحبا المرء غير الكبد فهذا طويل كظل القناة ... وهذا قصير كظل الوتد

стр. 419

ومنه الجمع مع التفريق، وهو أن تدخل شيئين في معنى واحد وتفرق جهتي الإدخال كقوله: قد اسود كالمسك صدغا ... وقد طاب كالمسك خلقا فإنه شبه الصدغ والخلق بالمسك ثم فرق بين وجهي المشابهة كما ترى. ومنه الجمع مع التقسيم، وهو أن تجمع أمورا كثيرة تحت حكم ثم تقسم أو تقسم ثم تجمع مثال الأول قول المتنبي: الدهر معتذر والسيف منتظر ... وأرضهم لك مصطاف ومرتبع للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا فإنه جمع في البيت الأول أرض العدو وما فيها في كونها خالصة للممدوح وقسم في الثاني، ومثال الثاني قول حسان ﵁: قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا سجية تلك منهم غير محدثة ... أن الخلائق فاعلم شرها البدع فإنه قسم في البيت الأول حيث ذكر ضرهم للأعداء ونفعهم للأولياء ثم جمع في الثاني فقال سجية تلك. ومنه الجمع مع التفريق والتقسيم، كما إذا قلت: فكالنار ضوءا وكالنار حرا ... محيا حبيبي وحرقة بالي فذلك من ضوءه في اختيال ... وهذا لحرقته في اختلال ولك أن تلحق بهذا القبيل قوله عز سلطانه " يوم يأت لا تكلم

стр. 420

نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد فأما الذين شقوا ففي النار " الآية " وأما الذين سعدوا ففي الجنة " ومنه الإيهام، وهو أن يكون للفظ استعمالان قريب وبعيد فيذكر لإيهام القريب في الحال على أن يظهر ان المراد به البعيد كقوله: حملناهم طرا على الدهم بعد ما ... خلعنا عليهم بالطعان ملابسا أراد بالحمل على الدهم تقييد العدا فأوهم إركابهم الخيل الدهم كما ترى، وقوله سبحانه " الرحمن على العرش استوى " وقوله " والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه وأكثر المتشابهات من هذا القبيل. ومنه تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: هو البدر إلا أنه البحر زاخرا ... سوى أنه الضرغام لكنه الوبل ومنه التوجيه، وهو إيراد الكلام محتملا لوجهين مختلفين كقول من قال للأعور ليت عينيه سواء، وللمتشابهات من القرآن مدخل في هذا النوع باعتبار. ومنه سوق المعلوم مساق غيره ولا أحب تسميته بالتجاهل كقوله: أذاك أم نمش بالوشي أكرعه ... أذاك أم خاضب بالسبي مرتعه وقولها: أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف

стр. 421

وقوله " وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين " ومنه الاعتراض: ويسمى الحشو، وهو أن تدرج في الكلام ما يتم المعنى بدونه كقول طرفة: فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمى فأدرج غير مفسدها، وكما قال النابغة: لعمري وما عمري علي بهين ... لقد نطقت بطلا على الأقارع فأدرج وما عمري علي بهين وكما قال ابن المعتز: إن يحيى لا يزال يحيى صديقي ... وخليلي من دون هذه الأنام فأدرج لا زال يحيى وكما قال عز قائلا " فإن لم تفعلواً ولن تفعلواً فاتقوا النار " فقوله ولن تفعلواً اعتراض، وكما قال " فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم " فقوله وإنه لقسم لو تعلمون عظيم اعتراض وقوله لو تعلمون اعتراض في اعتراض. ومنه الاستتباع، وهو المدح بشيء على وجه يستتبع مدحا آخر كقوله: نهبت من الأعمار ما لم حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد ألا تراه كيف مدحه بالشجاعة على وجه استتبع مدحه بكمال السخاء وجلال القدر من وجه آخر ويوضح لك ما ذكرت إذا قسته على قولك نهبت من الأعمار ما لو اجتمع لك لبقيت مخلدا.

стр. 422

ومنه الالتفات، وقد سبق ذكره في علم المعاني. ومنه تقليل اللفظ ولا تقليله مثل: يا وهيا وغاض وغيض إذا صادفا الموقع ويتفرع عليهما الإيجاز في الكلام والإطناب فيه، وقد سبقا في الذكر. ومن القسم الثاني التجنيس، وهو تشابه الكلمتين في اللفظ والمعتبر منه في باب الاستحسان عدة أنواع: أحدها التجنيس التام، وهو أن لا يتفاوت في اللفظ كقولك: رحبة رحبة. وثانيها التجنيس الناقص، وهو ان يختلفا في الهيئة دون الصورة كقولك البرد يمنع البرد وكقولك: البدعة شرك الشرك وكقولك الجهول إما مفرط أو مفرط، والمشدد في هذا الباب يقام مقام المخفف نظرا على الصورة فاعلم. وثالثها التجنيس المذيل، وهو ان يختلفا بزيادة حرف كقولك: مالي كمالي وجدي جهدي وكاس كاسب. ورابعها التجنيس المضارع أو المطرف، وهو ان يختلفا بحرف أو حرفين مع تقارب المخرج كقولك في الحرف الواحد دامس وطامس وحصب وحسب وكثب وكثم وفي الحرفين كقولهم ما خصصتني وإنما خسستني. وخامسها التجنيس اللاحق، وهو ان يختلفا لا مع التقارب كقولك سعيد بعيد كاتب كاذب عابد عائب والمختلفان في اللاحق إذا اتفقا كتبه كقولك عائب عابث سمي تجنيس تصحيف،

стр. 423

والمتجانسان إذا وردا على نحو قولهم من طلب وجدّ وجد أو قولهم من قرع بابا ولج ولج أو على نحو المؤمنون هينون لينون وجئتك من سبأ بنبأ أو على نحو قولهم: النبيذ بغير النغم غم وبغير الدسم سم سمي ذلك مزدوجا ومكررا ومرددا، وها هنا نوع آخر يسمى تجنيسا مشوشا وهو مثل قولك بلاغة وبراعة، وإذا وقع أحد المتجانسين في التام مركبا ولم يكن مخالفا في الخط كقوله: إذا ملك لم يكن ذاهبه ... فدعه فدولته ذاهبه سمي متشابها، وإن كان مخالفا في الخط كقوله: كلكم قد أخذ الجام ولا جام لنا ... ما الذي ضر مدير الجام لو جاملنا سمي مفروقا، ومما يلحق بالتجنيس نظير قوله قال " إني لعملكم من القالين، وجنا الجنتين دان " وكثير ما يلحق بالتجنيس الكلمتان الراجعتان على أصل واحد في الاشتقاق مثل ما في قوله عز اسمه فأقم وجهك للدين القيم، وقوله " فروح وريحان " ومن جهات الحسن رد العجز على الصدر، وهو أن يكون إحدى الكلمتين المتكررتين أو المتجانستين أو الملحقتين بالتجانس في آخر البيت والأخرى قبلها في أحد المواضع الخمسة من البيت وهي

стр. 424

صدر المصراع الأول وحشوه وآخره وصدر المصراع الثاني وحشوه كما إذا قلت: مشتهر في علمه وحلمه ... وزهده وعهده مشتهر في علمه مشتهر وحلمه ... وزهده وعهده مشتهر في علمه وحلمه وزهده ... مشتهر وعهده مشتهر في علمه وحلمه وزهده ... وعهده مشتهر مشتهر والأحسن في هذا النوع أن لا يرجع الصدر والعجز على التكرار، ومن جهات الحسن القلب كقولك حسامه فتح لأوليائه حتف لأعدائه وأنه يسمى مقلوب الكل أو كقوله: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا وأنه يسمى مقلوب البعض، وإذا وقع أحد المقلوبين قلب الكل في أول البيت والثاني في آخره سمي مقلوبا مجنحا، وإذا وقع قلب الكل في كلمتين أو أكثر شعرا أو غير شعر كقولك كيل مليك وخان إذا ناخ وقوله: أس أرملا إذا عرا ... وارع إذ المرء أسا مقلوبا مستويا، ومن جهات الحسن الإسجاع وهي في النثر كما في القوافي في الشعر، ومن جهاته الفواصل القرآنية والكلام في ذلك ظاهر، ومن جهات الحسن الترصيع وهو أن تكون الألفاظ مستوية الأوزان متفقة الأعجاز أو متقاربتها كقوله عز اسمه " أن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم " وقوله " إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم " وكقوله " وآتيناهما الكتاب

стр. 425

المستبين وهديناهما الصراط المستقيم " وأصل الحسن في جميع ذلك أن تكون الألفاظ توابع للمعاني لا أن تكون المعاني لها توابع: أعني أن لا تكون متكلفة. ويورد الأصحاب ها هنا أنواعا مثل كون الحروف منقوطة أو غير منقوطة أو البعض منقوطا والبعض غير منقوط بالسوية فلك أن تستخرج من هذا القبيل ما شئت وتلقب كلا من ذلك بما أحببت. وإذ قد تحققت أن علم المعاني والبيان هو معرفة خواص تراكيب الكلام ومعرفة صياغات المعاني ليتوصل بها على توفية مقامات الكلام حقها بحسب ما يفي به قوة ذكائك وعند علم مقام عندك أن الاستدلال بالنسبة على سائر مقامات الكلام جزء واحد من جملتها وشعبة فردة من دوحتها علمت أن تتبع تراكيب الكلام الاستدلالي ومعرفة خوصها مما يلزم صاحب علم المعاني والبيان وحين انتصبنا لإفادته لزمنا أن لا نضن بشيء هو من جملته وأن نستمد الله التوفيق في تكملته.
следующие страницы →