Полный текст (593 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
وقوله " وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين " ومنه الاعتراض: ويسمى الحشو، وهو أن تدرج في الكلام ما يتم المعنى بدونه كقول طرفة:
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمى
فأدرج غير مفسدها، وكما قال النابغة:
لعمري وما عمري علي بهين ... لقد نطقت بطلا على الأقارع
فأدرج وما عمري علي بهين وكما قال ابن المعتز:
إن يحيى لا يزال يحيى صديقي ... وخليلي من دون هذه الأنام
فأدرج لا زال يحيى وكما قال عز قائلا " فإن لم تفعلواً ولن تفعلواً فاتقوا النار " فقوله ولن تفعلواً اعتراض، وكما قال " فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم " فقوله وإنه لقسم لو تعلمون عظيم اعتراض وقوله لو تعلمون اعتراض في اعتراض.
ومنه الاستتباع، وهو المدح بشيء على وجه يستتبع مدحا آخر كقوله:
نهبت من الأعمار ما لم حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد
ألا تراه كيف مدحه بالشجاعة على وجه استتبع مدحه بكمال السخاء وجلال القدر من وجه آخر ويوضح لك ما ذكرت إذا قسته على قولك نهبت من الأعمار ما لو اجتمع لك لبقيت مخلدا.
стр. 422
ومنه الالتفات، وقد سبق ذكره في علم المعاني.
ومنه تقليل اللفظ ولا تقليله مثل: يا وهيا وغاض وغيض إذا صادفا الموقع ويتفرع عليهما الإيجاز في الكلام والإطناب فيه، وقد سبقا في الذكر.
ومن القسم الثاني التجنيس، وهو تشابه الكلمتين في اللفظ والمعتبر منه في باب الاستحسان عدة أنواع: أحدها التجنيس التام، وهو أن لا يتفاوت في اللفظ كقولك: رحبة رحبة. وثانيها التجنيس الناقص، وهو ان يختلفا في الهيئة دون الصورة كقولك البرد يمنع البرد وكقولك: البدعة شرك الشرك وكقولك الجهول إما مفرط أو مفرط، والمشدد في هذا الباب يقام مقام المخفف نظرا على الصورة فاعلم. وثالثها التجنيس المذيل، وهو ان يختلفا بزيادة حرف كقولك: مالي كمالي وجدي جهدي وكاس كاسب. ورابعها التجنيس المضارع أو المطرف، وهو ان يختلفا بحرف أو حرفين مع تقارب المخرج كقولك في الحرف الواحد دامس وطامس وحصب وحسب وكثب وكثم وفي الحرفين كقولهم ما خصصتني وإنما خسستني. وخامسها التجنيس اللاحق، وهو ان يختلفا لا مع التقارب كقولك سعيد بعيد كاتب كاذب عابد عائب والمختلفان في اللاحق إذا اتفقا كتبه كقولك عائب عابث سمي تجنيس تصحيف،
стр. 423
والمتجانسان إذا وردا على نحو قولهم من طلب وجدّ وجد أو قولهم من قرع بابا ولج ولج أو على نحو المؤمنون هينون لينون وجئتك من سبأ بنبأ أو على نحو قولهم: النبيذ بغير النغم غم وبغير الدسم سم سمي ذلك مزدوجا ومكررا ومرددا، وها هنا نوع آخر يسمى تجنيسا مشوشا وهو مثل قولك بلاغة وبراعة، وإذا وقع أحد المتجانسين في التام مركبا ولم يكن مخالفا في الخط كقوله:
إذا ملك لم يكن ذاهبه ... فدعه فدولته ذاهبه
سمي متشابها، وإن كان مخالفا في الخط كقوله:
كلكم قد أخذ الجام ولا جام لنا ... ما الذي ضر مدير الجام لو جاملنا
سمي مفروقا، ومما يلحق بالتجنيس نظير قوله قال " إني لعملكم من القالين، وجنا الجنتين دان " وكثير ما يلحق بالتجنيس الكلمتان الراجعتان على أصل واحد في الاشتقاق مثل ما في قوله عز اسمه فأقم وجهك للدين القيم، وقوله " فروح وريحان " ومن جهات الحسن رد العجز على الصدر، وهو أن يكون إحدى الكلمتين المتكررتين أو المتجانستين أو الملحقتين بالتجانس في آخر البيت والأخرى قبلها في أحد المواضع الخمسة من البيت وهي
стр. 424
صدر المصراع الأول وحشوه وآخره وصدر المصراع الثاني وحشوه كما إذا قلت:
مشتهر في علمه وحلمه ... وزهده وعهده مشتهر
في علمه مشتهر وحلمه ... وزهده وعهده مشتهر
في علمه وحلمه وزهده ... مشتهر وعهده مشتهر
في علمه وحلمه وزهده ... وعهده مشتهر مشتهر
والأحسن في هذا النوع أن لا يرجع الصدر والعجز على التكرار، ومن جهات الحسن القلب كقولك حسامه فتح لأوليائه حتف لأعدائه وأنه يسمى مقلوب الكل أو كقوله: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا وأنه يسمى مقلوب البعض، وإذا وقع أحد المقلوبين قلب الكل في أول البيت والثاني في آخره سمي مقلوبا مجنحا، وإذا وقع قلب الكل في كلمتين أو أكثر شعرا أو غير شعر كقولك كيل مليك وخان إذا ناخ وقوله:
أس أرملا إذا عرا ... وارع إذ المرء أسا
مقلوبا مستويا، ومن جهات الحسن الإسجاع وهي في النثر كما في القوافي في الشعر، ومن جهاته الفواصل القرآنية والكلام في ذلك ظاهر، ومن جهات الحسن الترصيع وهو أن تكون الألفاظ مستوية الأوزان متفقة الأعجاز أو متقاربتها كقوله عز اسمه " أن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم " وقوله " إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم " وكقوله " وآتيناهما الكتاب
стр. 425
المستبين وهديناهما الصراط المستقيم " وأصل الحسن في جميع ذلك أن تكون الألفاظ توابع للمعاني لا أن تكون المعاني لها توابع: أعني أن لا تكون متكلفة. ويورد الأصحاب ها هنا أنواعا مثل كون الحروف منقوطة أو غير منقوطة أو البعض منقوطا والبعض غير منقوط بالسوية فلك أن تستخرج من هذا القبيل ما شئت وتلقب كلا من ذلك بما أحببت.
وإذ قد تحققت أن علم المعاني والبيان هو معرفة خواص تراكيب الكلام ومعرفة صياغات المعاني ليتوصل بها على توفية مقامات الكلام حقها بحسب ما يفي به قوة ذكائك وعند علم مقام عندك أن الاستدلال بالنسبة على سائر مقامات الكلام جزء واحد من جملتها وشعبة فردة من دوحتها علمت أن تتبع تراكيب الكلام الاستدلالي ومعرفة خوصها مما يلزم صاحب علم المعاني والبيان وحين انتصبنا لإفادته لزمنا أن لا نضن بشيء هو من جملته وأن نستمد الله التوفيق في تكملته.
стр. 426
بسم الله الرحمن الرحيم
الكلام على تكملة علم المعاني
وهي تتبع خوص تراكيب الكلام في الاستدلال ولولا إكمال الحاجة على هذا الجزء من علم المعاني وعظم الانتفاع به لما اقتضانا الرأي أن نرخي عنان القلم فيه علما منا بأن من أتقن أصلا واحداً من علم البيان كأصل التشبيه أو الكناية أو الاستعارة ووقف على كيفية مساقه لتحصيل المطلوب به أطلعه ذلك على كيفية نظم الدليل وكأني بكلامي هذا وأين أنت عن تحققه أعالج من تصديقك به ويقينك لديه بابا مقفلا لا يهجس في ضميرك سوى هاجس دبيبه فعل النفس اليقظي إذا أحست بنبأ من وراء حجاب، لكنا إذا أطلعناك على مقصود الأصحاب من هذا الجزء على التدريج مقررين لما عندنا من الآراء في مظان الاختلاف بين المتقدمين منهم والمتأخرين رجعنا في هذه المقالة بإذن الله تعالى محققين ورفعنا إذ ذاك الحجاب الذي يواري عنك اليقين.
اعلم أن الكلام في الاستدلال يستدعي تقديم الكلام في الحد لافتقار الاستدلال كما ستقف عليه على معرفة أجزائه ومعرفة ما بينها من الملازمات والمعاندات، والذي يرشد على ذلك هو الحد فلا غنى لصاحب الاستدلال عن أن يكون صاحب الحد، ونحن على أن نورد ذلك في فصلين أحدهما في ذكر الحد وما يتصل به، وثانيهما في ذكر الاستدلال وما يتصل به.
стр. 427
الفصل الأول
من تكملة علم المعاني
في الحد وما يتصل به
الحد عندنا دون جماعة من ذوي التحصيل عبارة عن تعريف الشيء بأجزائه أو بلوازمه أو بما يتركب منهما تعريفا جامعا مانعا، ونعني بالجامع كونه متناولا لجميع أفراده إن كانت له أفراد وبالمانع كونه آبيا دخول غيره فيه فإن كان ذلك الشيء حقيقة من الحقائق مثل حقيقة الحيوان والإنسان والفرس وقع تعريفا للحقيقة وإن لم يكن مثل العنقاء أو مثل المرسن وقع تفصيلا للفظ الدال عليه بالإجمال وكثيراً ما نغير العبارة، فنقول: الحد هو وصف الشيء وصفا مساويا، ونعني بالمساواة أن ليس فيه زيادة تخرج فردا من أفراد الموصوف ولا نقصان يدخل فيه غيره، فشأن الوصف هذا يكثر الموصوف بقلته ويقلله بكثرته ولذلك يلزمه الطرد والعكس، فامتناع الطرد علامة النقصان وامتناع العكس علامة الزيادة وصحتهما معا علامة المساواة، والعبرة بزيادة الوصف ونقصانه الزيادة في المعنى والنقصان فيه لا تكثير الألفاظ وتقليلها في التعبير عن مفهوم واحد، وهاهنا عدة اصطلاحات لذوي التحصيل لا بأس بالوقوف عليها، وهي أن الحقيقة إذا عرفت بجميع أجزائها سمي حدا تاما وهو أتم التعريفات، وإذا عرفت ببعض أجزائها سمي حدا ناقصا، وإذا عرفت بلوازمها سمي رسما ناقصا، وإذا عرفت بما يتركب من أجزاء ولوازم سمي رسما تاما، ويظهر من هذا الشيء متى كان بسيطا امتنع تعريفه بالحد ولم يمتنع تعريفه بالرسم، ولذلك يعد الرسم أعم كما يعد الحد أتم.
стр. 428
ولما كان المقصود من الحد هو التعريف لزم فيما يقدح في ذلك أن يحترز عنه فيحترز عن تعريف الشيء بنفسه مثل قول من يقول في تعريف الزمان هو مدة الحركة والمدة هي الزمان وعن تعريفه بما لا يعرف إلا به مثل قول من يقول في تعريف الخبر هو الكلام المحتمل للصدق والكذب، ثم يعرف الصدق بأنه الخبر المطابق وعن تعريفه بما هو أخفى مثل قول من يقول في تعريف الصوت: هو كيفية تحدث من تموج الهواء المنضغط بين قارع ومقروع انضغاطا بعنف، وعن تعريفه بما يساويه مثل قول من يقول في تعريف السواد: هو ما يضاد البياض، وهاهنا عقدة وهي أنا نعلم علما قطعيا أن تعريف المجهول بالمجهول ممتنع وأن لا بد من كون المعرف معلوما قبل المعرف، وذلك يستلزم امتناع طلب التعريف واكتساب شيء به يبين ذلك أن المذكور في الحد إما أن يكون نفس المحدود أو شيئاً غيره إما داخلا في نفس المحدود أو خارجا عنه أو متركبا من داخل وخارج، فإن كان نفس المحدود لزم تعريف المجهول بالمجهول ولزم كون الشيء المعلوم قبل أن يكون معلوما وفي ذلك كونه معلوما مجهولا معا من حيث هو هو، وإن كان شيئاً غيره فذلك بأي اعتبار فرض من الاعتبارات الثلاث إما أن يكون له اختصاص بنفس المحدود أو لا يكون فإن لم يكن لزم من طلب التعريف به لذلك المحدود دون ما سواه طلب ترجيح أحد المتساويين وأنه محال وإن كان فذلك الاختصاص إن لم يكن معلوما للمخاطب لزم ما لزم في غير المختص وإن فرض معلوما للمخاطب، ولا شبهة في أن الاختصاص نسبة لأحد طرفيه على ثانيه
стр. 429
متأخرة عنهما من حيث هما هما نازلة منزلة التركيب بين أجزاء استدعى كونه معلوما كون طرفيه معلومين من قبل ولزوم الدور، إذ لا يكون علم بالمحدود ما لم يسبق علم بالحد المختص به ولا يكون علم بالمختص به ما لم يكن علم باختصاص له به ولا يكون علم باختصاص له به ما لم يسبق علم بطرفي الاختصاص لكن أحد طرفيه هو نفس المحدود، وحل هذه العقدة هو أن المراد بالتعريف أحد أمرين إما تفصيل أجزاء المحدود وإما الإشارة إليه بذكر معنى يلزمه من غير دعوى فيكون مثل الحاد في مقام التفصيل لجميع أجزاء المحدود مثل من يعمد على جواهر في خزانة الصور للمخاطب فينظمها قلادة بمرأى منه ولا يزيد وفي مقام الإشارة باللازم داخلا كان ذلك اللازم أو خارجا أو متركبا منهما مثل من يعمد على صورة هناك فيضع أصبعه عليها فحسب وهو السبب في أنا نقول الحد لا يمنع إذ منعه إذا تأملت ما ذكرت جار مجرى أن تقول لمن بنى عندك بناء لا أسلم، أما النقض فلازم لأن الحاد متى رجع على حد آخر يقدح في سلامة الحد المذكور قام ذلك منه مقام الهدم والنقض لما قد كان بنى فاعرفه، وفي الحد والرسم تفاصيل طوينا ذكرها حيث علمناها تمجها أذناك.
الفصل الثاني
من تكملة علم المعاني
في الاستدلال
وهو اكتساب إثبات الخبر للمبتدأ أو نفيه عنه بوساطة تركيب جمل، وقولي بوساطة تركيب جمل تنبيه على ما عليه أصحاب هذا النوع من إباء أن يسموا الجملة الواحدة حجة واستدلالا مع اكتساب إثبات ونفي
стр. 430
بوساطتها مما يلزم من إندراج حكم البعض في حكم الكل كاستلزام كل إنسان حيوان بعض الأناسي حيوان لا محالة، ومن الانعكاس على بعض الخبر في الثبوت كاستلزام كل إنسان حيوان أن بعض الحيوان إنسان وعلى كله في النفي العنادي كاستلزام لا إنسان بحجر أن لا حجر بإنسان وغير العنادي أيضا عندنا، وسنقرره مثل لا إنسان بضحاك بالفعل، ومن نفي النقيض كاستلزام كل إنسان حيوان أن ما ليس بحيوان ليس أنسان وستسمع لهذه المعاني تفاصيل بإذن الله، وإذ قد نبهناك على ذلك فنقول: اعلم أن الخبر متى لم يكن معلوم الثبوت للمبتدأ بالبديهة كما في نحو الإنسان حيوان أو معلوم الانتفاء عنه بالبديهة كما في نحو الإنسان ليس بفرس بل كان بين بين نحو قولنا العالم حادث فإن الحدوث ليس بديهي الثبوت للعالم ولا بديهي الانتفاء عنه وأردنا العلم أو الظن لزم المصير على ثالث يشهد لذلك، لكن من المعلوم أن ذلك الثالث ما لم يكن ذا خبر عن الطرفين: أعني ذا نسبة إليهما لم يصح أن يشهد في البين نفيا أو إثباتا وإذا شهد لم يفد العلم أو الظن ما لم تكن شهادته واجبة القبول أو راجحته، فيظهر من هذا أن لا بد في الاستدلال للمطلوب من جملتين لا أنقص إحداهما لنسبة الثالث على المبتدأ مثل قولنا العالم قرين حادث والثانية لنسبته على الخبر مثل قولنا وكل قرين حادث حادث، وإما الزيادة عليهما فمتى كان الثالث بين الانتساب على الطرفين فلا أي فلا تجب الزيادة، أما إذا لم يكن بينه انقلب انتسابه ذلك مطلوبا وعادت الحالة الأولى جذعة في الافتقار على ثالث، ولزم جملتان هناك متصفتان بنوع من البعد عن المطلوب الأصلي، وهذا معنى قول أصحابنا في هذا النوع إن الاستدلال مفتقر على جملتين قرينتين لا أزيد ولا أنقص،
стр. 431
ويظهر أيضا أن لا بد للجملتين من تركيب له خاصية في إيجاب قبول الشهادة أو ترجيحه، وهو أن يكون ردها أو التوقف عندها بالنظر على وجه التركيب موقوفا على الجمع بين النقيضين، وإذا عرفت هذا فاعلم أن جملتي الاستدلال تارة تكونان خبريتين معا وتارة تكونان شرطيتين معا وتارة تختلفان خبرا وشرطا، وأنا أذكر جميع ذلك بتوفيق الله تعالى في ثلاثة فصول:
стр. 432
الفصل الأول
في الاستدلال الذي جملتاه خبريتان
وإنما قدمت الخبرية على الشرطية لما سبق في علم المعاني أن الجملة الشرطية جملة خبرية مخصوصة والمخصوص متأخر عن المطلق. اعلم أن تركيب الجملتين في الاستدلال لرجوع أجزائها على ثلاثة من بينها يتكرر واحد وهي مبتدأ المطلوب وخبر المطلوب، والثالث المتكرر لا يزيد على أربع صور في الوضع: إحداها أن يتكرر الثالث خبر المبتدأ المطلوب ومبتدأ لخبره. وثانيتها أن يتكرر خبر الجزئي المطلوب. وثالثتها أن يتكرر مبتدأ لهما ورابعتها أن يتكرر مبتدأ المطلوب وخبر لخبره وتسمى الجملة التي فيها مبتدأ المطلوب السابقة تسمية لها بحكم المبتدأ أو بحكم ورودها سابقة على صاحبتها في وضع الدليل في الغالب كما سترى والتي فيها خبر المطلوب اللاحقة تسمية لها بحكم الخبر وبحكم ورودها لاحقة للأولى في وضع الدليل والجمل المستعملة في الاستدلال لا تخرج عن أقسام أربعة. إما أن تكون مثبتة أو لا تكون وهي المنفية، وكل واحدة منهما. إما أن تكون كلية كقولنا في الإثبات كل اسم كلمة، وفي النفي
стр. 433
لا فعل بحرف أولا تكون وهي البعضية كقولنا في الإثبات بعض الكلم اسم وفي النفي لا كل اسم أو بعض الكلم ليس باسم وتسمى هذه الجمل مستعملات لاستعمالها في الاستدلال وبناء الدلائل عليها. وأما البعضية المتناولة للمعين كقولنا هذا الإنسان شجاع أو زيد شجاع أو غلام عمرو شجاع ولنسمها معينة فقلما يصار إليها في الدلائل فلا ندخلها في المستعملات ولكنا لا نحظر عليك المصير إليها إن انتفعت بها. وأما الجملة التي لا تكون مبينة الحال في الكل وخلافه مثل قولنا المؤمن غر كريم سميت مهملة ولاحتمالها الكل وخلافه إن استعملت لم تستعمل إلا في المتيقن وهو البعض ولطلب اليقين في الاستدلال لا تترك الحقيقة فيه على المجاز ولا التصريح على الكناية فاعرف، وتأليف الجملتين الواقع في كل صورة من الأربع لا يزيد على ستة عشر ضربا لوقوع السابقة إحدى الجمل الأربع ووقوع اللاحقة مع السابقة كيف كانت إحدى أربعها أيضا ولهذه الصور الأربع ترتب فالصورة التي يجعل الثالث فيها خبر المبتدأ المطلوب ثم مبتدأ لخبره تقدم لكونها أقرب من الطبع كما ستقف على ذلك إذا استطلعت طلعها كلها لموافقتها إياها في الوضع الأول من وضعي جملتها والصورة التي وضعها جعل الثالث فيها مبتدأ لمبتدأ المطلوب ثم مبتدأ لخبره تؤخر عن الثانية وتجعل ثالثة لموافقتها الأولى في الوضع الأخير من وضعي جملتها والصورة التي يجعل الثالث فيها مبتدأ لمبتدأ المطلوب ثم خبرا لخبره تؤخر عن الثانية والثالثة لمخالفتها الأولى في وضعي جملتها وهذه الصور الأربع تشترك في أنه لا يتركب في أية كانت دليل من سابقة ولاحقة بعضيتين ولا منفيتين في درجة واحدة
стр. 434
ولا سابقة منفية ولاحقة بعضية كما سنطلعك عليه إذا اكتسبت قدرا من الألف. وإذ قد عرفت ذلك فنقول: أما الصورة الأولى فإنها تستشهد في المطالب الأربعة وهي الإثبات الكلي والإثبات البعضي والنفي والكلي والنفي البعضي وتشهد لذلك شهادة بينة، لما أنه يجعل الثالث لازما لكل مبتدأ المطلوب أو لبعضه ثم يجعل خبر المطلوب لازما لكل الثالث فيحصل منه ثبوت خبر المطلوب لمبتدئه حصولا جليا لما أن لازم لازم الشيء لازم لذلك الشيء وإلا لزم القدح في أحد اللزومين: إما لزوم خبر المطلوب للثالث، وإما لزوم الثالث لمبتدأ المطلوب ويلزم الجمع بين النقيضين أو يجعل خبر المطلوب معاندا لكل الثالث فيحصل منه نفي خبرالمطلوب عن مبتدئه لما أن معاند لازم الشيء معاند لذلك الشيء وإلا لزم القدح إما في لزام الملازم وإما في عناد المعاند ويلزم الجمع بين النقيضين وتركيب الدليل في هذه لا يزيد على أربعة أضرب: أحدها سابقة مثبتة كلية ولاحقة مثلها، والحاصل ثبوت كلي كقولنا كل جسم مؤلف وكل مؤلف ممكن يلزم منه كل جسم ممكن. وثانيها سابقة مثبتة بعضية ولاحقة مثبتة كلية، والحاصل ثبوت بعضي كقولنا بعض الموحوداً ت إنسان وكل إنسان حيوان يلزم منه بعض الموحوداً ت حيوان. وثالثها سابقة مثبتة كلية ولاحقة منفية كلية، والحاصل نفي كلي كقولنا كل جسم مؤلف ولا مؤلف بقديم يلزم منه لا جسم بقديم.
стр. 435
ورابعها سابقة مثبتة بعضية ولاحقة منفية كلية والحاصل بعضي كقولنا بعض الحيوانات فرس ولا فرس بإنسان يلزم منه بعض الحيوانات ليس بإنسان، وإنما لزم في هذه الصورة كون السابقة مثبتة لأنها
متى كانت منفية لم يلزم من ثبوت خبر المطلوب للثالث ثبوته لمبتدأ المطلوب لانتفاء الثالث عن المبتدأ واحتمال ما ثبت للثالث أن لا يتجاوزه كقولنا لا إنسان بفرس وكل فرص صهال ولم يلزم نفيه أيضا لاحتمال أن يكون ما ثبت للثالث أعم كقولنا لا إنسان بفرس وكل فرس حيوان وإنما لزم كون اللاحقة كلية لأنها متى كانت بعضية لم يلزم من ثبوت خبر المطلوب لبعض الثالث ثبوته لمبتدأ المطلوب لاحتمال أن يكون البعض اللازم لمبتدأ المطلوب غير البعض الملزوم لخبره مثل قولنا كل إنسان حيوان وبعض الحيوان فرس لا يلزم منه ثبوت الفرسية للإنسان أو غير المعاند لخبره مثل قولنا كل جسم محدث وبعض المحدثات ليس بفرس لا يلزم منه نفي الفرسية عن الأجسام وما عرفت من وجوب كون السابقة مثبتة وكون اللاحقة كلية هو الذي قصر ضروب بالغات هذه الصورة على أربعة، أسقط ثبوت السابقة ثمانية وكلية اللاحقة أربعة، وأما الصورة الثانية وهي أن يجعل الثالث خبرا لكل واحد من جزأي المطلوب فلا تستشهد لثبوت مبتدأ لاحقتها لمبتدأ سابقتها ألبتة لصحة انتفاء أحد الشيئين عن الآخر مع اشتراكهما في لازم واحد كانتفاء الفرسية عن الإنسان مع الاشتراك في الحيوانية، وإنما تستشهد لنفي مبتدأ لاحقتها وهو خبر المطلوب عن مبتدأ سابقتها وهو مبتدأ المطلوب، وذلك بأن يجعل الثالث لازما لأحد المبتدأين
стр. 436
ومعاندا للآخر كليا المبتدأ في اللاحقة ألبت فإنه سواء لازم هذا وعاند ذاك أو عاند هذا ولازم ذاك فرق بينهما محالة متى كان كليا ويلزم الانتفاء وإلا لزم القدح إما في اللزام أو في العناد ويلزم الجمع بين النقيضين ثم النفي في كونه كليا أو بعضا يكون بحسب مبتدأ السابقة وتركيب الدليل في هذه الصورة لا يزيد على أربعة أضرب: أحدها سابقة مثبتة كلية، والحاصل فيهما نفي كلي مثال الأول كل جسم متحيز ولا عرض بمتحيز يلزم لا جسم بعرض ومثال الثاني لا عرض بمتحيز وكل جسم متحيز يلزم لا عرض بجسم. وثالثها سابقة مثبتة بعضية ولاحقة منفية كلية. ورابعها سابقة منفية بعضية ولاحقة مثبتة كلية، والحاصل فيهما نفي بعضي، مثال الأول بعض الموحوداً ت حيوان وليس شيء من الحجر بحيوان يلزم بعض الموحوداً ت ليس بحجر، ومثال الثاني كل لا موجود حيوان وكل فرس حيوان يلزم لا كل موجود فرس وإنما لزم في هذه الصورة كون اللاحقة كلية لأنها متى كانت بعضية احتملت في البعض اللازم ولم يلزم من رد شهادتها محذور ووجوب اختلاف السابقة واللاحقة نفيا وإثباتا ووجوب كون اللاحقة كلية هما اللذان صيرا ضروب بالغات هذه الصورة أربعة، عطل الأول ثمانية وعطل الثاني أربعة. وهاهنا دقيقة لا بد من أن ننبهك عليها وهي أن اختلاف السابقة واللاحقة نفيا وإثباتا ربما كان في نفس النفي والإثبات فيمتنع حينئذ اتفاقهما في أن يكونا منفيتين أو مثبتتين معا وربما كان في خصوص
стр. 437
النفي أو خصوص الإثبات مثل أن يكون النفي في إحداهما ضروريا وفي الأخرى غير ضروري أو أن يكون الإثبات كذلك فلا يمتنع اتفاقهما في نفس النفي أو نفس الإثبات. وأما الصورة الثالثة وهو يجعل الثالث مبتدأ لكل واحد من جزأي المطلوب فلصحة عناد الشيء الواحد للمتوفقين كالحجرية للناطقية والإنسانية وللمتباينين كالحجرية للإنسانية والفرسية لا تصلح أن تستشهد بجعل الثالث معاندا لهما لا للإثبات ولا للنفي لكن يجعل إما ملزوما لكل واحد منهما فتشهد لاجتماعهما وإلا لزم القدح في كونه ملزوما ويلزم الجمع بين النقيضين. وإما ملزوما لأحدهما معاندا للآخر فتشهد لافتراقهما وإلا لزم القدح في كونه ملزوما معاندا ويلزم الجمع بين النقيضين لكن لاحتمال أن يكون اللازم أعم من الملزوم لا تثبت ولا تنفي إلا بقدر ما ينعكس الملزوم على اللازم وهو بعض أفراد اللازم ويلتزم جعله أعني جعل الثالث ملزوما في السابقة ألبتة وكليا إما في الجملتين، وإما في إحداهما لأن السابقة بتقدير كونها منفية مباينا مبتدؤها للخبر كما في قولنا لا إنسان من الأناسي بفرس إذا أثبتنا بعدها للإنسان لازما احتمل أن يكون أعم مثل قولنا: وكل إنسان حيوان فلم يلزم أن ينفي عن جميع الأفراس ولا عن بعضها الحيوانية بخلافه إذ أثبتنا أولا ونفينا ثانيا فقلنا كل إنسان حيوان ولا إنسان من الأناسي بفرس فإنه يلزم أن ينفي عن بعض الحيوان الفرسية وهذا كاف في التنبيه، وإنما لزم فيها أن
لا تعرى عن كلية لأن السابقة واللاحقة متى كانتا بعضيتين احتمل البعضان التغاير ولم يلزم اتحاد المبتدأين فلا يتحقق لخبريهما اجتماع وتركيب الدليل في هذه الصورة لا يزيد على ستة أضرب: أحدها سابقة مثبتة كلية ولاحقة مثلها. وثانيها سابقة مثبتة بعضية ولاحقة مثبتة كلية. وثالثها سابقة مثبتة كلية ولاحقة مثبتة بعضية، والحاصل في هذه الثلاثة ثبوت بعضي مثال الأول كل إنسان حيوان وكل إنسان ناطق يلزم بعض الحيوان الناطق ومثال الثاني بعض الناس قصير وكل إنسان ضحاك يلزم بعض القصار ضحاك ومثال الثالث كل إنسان حيوان وبعض الناس كاتب يلزم بعض الحيوان كاتب. ورابعها سابقة مثبتة كلية ولاحقة منفية كلية. وخامسها سابقة مثبتة بعضية ولاحقة منفية كلية. وسادسها سابقة مثبتة كلية ولاحقة منفية بعضية، والحاصل في هذه الثلاثة نفي بعض مثال الرابع كل إنسان حيوان ولا إنسان بفرس يلزم بعض الحيوان ليس بفرس ومثال الخامس بعض الحيوان أبيض ولا حيوان بحجر يلزم بعض الأبيض ليس بحجر ومثال السادس كل إنسان ناطق وبعض الناس ليس بكاتب يلزم بعض الناطق ليس بكاتب والسبب في أن كانت ضروب تأليفات هذه الصورة ستة هو أن وجوب كون السابقة مثبتة أهمل ثمانية والتزام أن لا تعرى عن كلية أهمل اثنين. وأما الصورة الرابعة فيجعل الثالث فيها لازما في اللاحقة كلية أو بعضية كيف كانت لمبتداها الذي هو خبر المطلوب فيصير بعضه مستلزما لخبر المطلوب استلزاما بحكم الانعكاس ويجعل كله في السابقة ليشمل البعض المستلزم لخبر المطلوب ملزوما لخبرها الذي هو مبتدأ المطلوب فيصير مستلزما لبعض مبتدأ المطلوب وهو القدر الذي يصح انعكاسه عليه ويجمع بين جزأي المطلوب في الضربين جمعا بعضيا وإلا لزم القدح في أحد الاستلزامين ويلزم الجمع بين النقيضين مثال الأول كل إنسان حيوان وكل ناطق إنسان يلزم منه بعض الحيوان ناطق ومثال الضرب الثاني كل إنسان ناطق وبعض السود إنسان يلزم منه بعض الناطق أسود أو يجعل الثالث في اللاحقة معاندا لكل مبتدأها فينعقد العناد بينهما كليا من الجانبين ويجعل كله أو بعضه كيف كان ملزوما لخبر السابقة فيصير مستلزما لبعض الخبر الذي هو مبتدأ المطلوب ومعاندا لكل خبر المطلوب ويفرق بين الخبرين تفريقا بعضيا وإلا لزم القدح في كونه مستلزما معاندا ويلزم الجمع بين النقيضين مثال الضرب الأول منهما كل إنسان حيوان ولا شيء من الأفراس بإنسان يلزم منه لا كل حيوان فرس ومثال الضرب الثاني منهما بعض الحيوانات أبيض ولا شيء من الحجر بحيوان يلزم منه لأكل أبيض حجر أو يجعل الثالث لازما في اللاحقة كلية مستلزما بعضه لكل مبتدئها ويجعل مباينا في السابقة كليا فيصير مباينا لكل مبتدأ المطلوب مستلزما لكل خبره ويفرق بينهما تفريقا كليا وإلا لزم القدح في كونه مباينا مستلزما ويلزم الجمع بين النقيضين والذي صير ضروب هذه الصورة الستة عشر على خمسة التفصيل المذكور وهو كلية السابقة مثبتة في الإثبات وكليتها منفية في النفي مع كلية اللاحقة وكلية اللاحقة منفية والسابقة كيف كانت. تعرى عن كلية لأن السابقة واللاحقة متى كانتا بعضيتين احتمل البعضان التغاير ولم يلزم اتحاد المبتدأين فلا يتحقق لخبريهما اجتماع
стр. 438
وتركيب الدليل في هذه الصورة لا يزيد على ستة أضرب: أحدها سابقة مثبتة كلية ولاحقة مثلها. وثانيها سابقة مثبتة بعضية ولاحقة مثبتة كلية. وثالثها سابقة مثبتة كلية ولاحقة مثبتة بعضية، والحاصل في هذه الثلاثة ثبوت بعضي مثال الأول كل إنسان حيوان وكل إنسان ناطق يلزم بعض الحيوان الناطق ومثال الثاني بعض الناس قصير وكل إنسان ضحاك يلزم بعض القصار ضحاك ومثال الثالث كل إنسان حيوان وبعض الناس كاتب يلزم بعض الحيوان كاتب. ورابعها سابقة مثبتة كلية ولاحقة منفية كلية. وخامسها سابقة مثبتة بعضية ولاحقة منفية كلية. وسادسها سابقة مثبتة كلية ولاحقة منفية بعضية، والحاصل في هذه الثلاثة نفي بعض مثال الرابع كل إنسان حيوان ولا إنسان بفرس يلزم بعض الحيوان ليس بفرس ومثال الخامس بعض الحيوان أبيض ولا حيوان بحجر يلزم بعض الأبيض ليس بحجر ومثال السادس كل إنسان ناطق وبعض الناس ليس بكاتب يلزم بعض الناطق ليس بكاتب والسبب في أن كانت ضروب تأليفات هذه الصورة ستة هو أن وجوب كون السابقة مثبتة أهمل ثمانية والتزام أن لا تعرى عن كلية أهمل اثنين.
стр. 439
وأما الصورة الرابعة فيجعل الثالث فيها لازما في اللاحقة كلية أو بعضية كيف كانت لمبتداها الذي هو خبر المطلوب فيصير بعضه مستلزما لخبر المطلوب استلزاما بحكم الانعكاس ويجعل كله في السابقة ليشمل البعض المستلزم لخبر المطلوب ملزوما لخبرها الذي هو مبتدأ المطلوب فيصير مستلزما لبعض مبتدأ المطلوب وهو القدر الذي يصح انعكاسه عليه ويجمع بين جزأي المطلوب في الضربين جمعا بعضيا وإلا لزم القدح في أحد الاستلزامين ويلزم الجمع بين النقيضين مثال الأول كل إنسان حيوان وكل ناطق إنسان يلزم منه بعض الحيوان ناطق ومثال الضرب الثاني كل إنسان ناطق وبعض السود إنسان يلزم منه بعض الناطق أسود أو يجعل الثالث في اللاحقة معاندا لكل مبتدأها فينعقد العناد بينهما كليا من الجانبين ويجعل كله أو بعضه كيف كان ملزوما لخبر السابقة فيصير مستلزما لبعض الخبر الذي هو مبتدأ المطلوب ومعاندا لكل خبر المطلوب ويفرق بين الخبرين تفريقا بعضيا وإلا لزم القدح في كونه مستلزما معاندا ويلزم الجمع بين النقيضين مثال الضرب الأول منهما كل إنسان حيوان ولا شيء من الأفراس بإنسان يلزم منه لا كل حيوان فرس ومثال الضرب الثاني منهما بعض الحيوانات أبيض ولا شيء من الحجر بحيوان يلزم منه لأكل أبيض حجر أو يجعل الثالث لازما في اللاحقة كلية مستلزما بعضه لكل مبتدئها ويجعل مباينا في السابقة كليا فيصير مباينا لكل مبتدأ المطلوب مستلزما لكل خبره ويفرق بينهما تفريقا كليا وإلا لزم القدح في كونه مباينا
стр. 440
مستلزما ويلزم الجمع بين النقيضين والذي صير ضروب هذه الصورة الستة عشر على خمسة التفصيل المذكور وهو كلية السابقة مثبتة في الإثبات وكليتها منفية في النفي مع كلية اللاحقة وكلية اللاحقة منفية والسابقة كيف كانت.
واعلم أن خلاصة هذه الصور الأربع وضروب تأليفاتها التسعة عشر راجعة على حرف واحد وهو أن المبتدأ متى لم يكن معلوما من نفسه مجامعته للخبر فيثبت أو مفارقته له فينفي يطلب ثالث بينهما يجمعهما أو يفرقهما، ثم الحاكم في جمع الثالث أو تفريقه أحكام أصلين: أحدهما أن لزوم الشيء لكل آخر أو بعضه ينعكس بعضيا وأن عناد الشيء لكل آخر ينعكس كليا فملزوم اللازم مستلزم لبعض أفراد اللازم بالقطع استلزاما من الجانبين استواء وانعكاسا. وثانيهما المستلزم لا ينفك عن المستلزم فإن كان المستلزم ثبوت شيئين اجتمعا وإن كان ثبوت واحد وانتفاء آخر تفرقا.
فأنت متى وجدت الثالث متحدا: إما لكونه كلا في السابقة واللاحقة بنيت على الكل الجمع والتفريق، وإما لكونه بعضا مندرجا في الكل متحدا به بنيت على البعض الجمع والتفريق. وأنا أوضح لك هذا في الصور الأربع: أما في الصورة الأولى فيجعل الثالث لازما لمبتدأ المطلوب كله أو بعضه، ويصير بعضه: أعني بعض الثالث مستلزما لذلك الكل أو البعض بطريق الانعكاس، ثم يجعل كله: أعني كل الثالث ليتحد البعض المستلزم لكل المبتدأ أو لبعضه مستلزما لخبر المطلوب بطريق الاستواء فيصير البعض المتحد به مع استلزامه للمبتدأ مستلزما للخبر ويجمع بينهما كليا في أحد الضربين أو بعضيا في الآخر أو معاندا لخبر المطلوب كليا في ضرب وبعضيا في ضرب. وأما في الصورة الثانية فالثالث يجعل إما لازما للمبتدأ كله أو بعضه ويصير بعض أفراده مستلزما للمبتدأ الكلي أو البعضي بطريق
стр. 441
الانعكاس، ثم يجعل كل الثالث لطلب الاتحاد معاندا للخبر فتفرق في أحد الضربين كليا وفي الآخر بعضيا، وإما معاندا للمبتدأ كله أو بعضه ثم يجعل كله لأجل الاتحاد مستلزما للخبر كله فيفرق أيضا كليا في أحد الضربين وبعضيا في الآخر. وأما في الصورة الثالثة فيجعل الثالث كله أو بعضه ملزوما لمبتدأ المطلوب ويصير مستلزما لبعض أفراده بطريق الاستواء ثم يجعل كله أو بعضه مع الكلي وكله ألبتة مع البعضي لطلب الاتحاد: إما ملزوم لخبر المطلوب فيجمع في الأضرب الثلاثة بعضيا، وإما معاندا فيفرق في الأضرب الثلاثة بعضيا. وأما في الصورة الرابعة فيجعل الثالث كله ملزوما لمبتدأ المطلوب ويصير مستلزما لبعض أفراده بطريق الاستواء ثم يجعل لازما لكل خبر المطلوب أو لبعضه ويصير بعض أفراده المتحد لكل المستلزم لبعض أفراد المبتدأ مستلزما لذلك الخبر فيجمع بينهما في الضربين بعضيا أو يجعل الثالث كله أو بعضه ملزوما لمبتدأ المطلوب ويصير ذلك الكل أو ذلك البعض مستلزما لبعض أفراد المبتدأ ثم يجعل معاندا لكل خبر المطلوب طلبا للاتحاد فيفرق في الضربين بعضيا أو يجعل الثالث معاندا لكل مبتدأ المطلوب ثم يجعل لازما لكل خبر المطلوب ويصير بعض أفراده مستلزما كل الخبر ويتحد البعض المستلزم بالكل المعاند فيفرق كليا، ويظهر من هذا أن الدليل يمتنع تركيبه من سابقة ولاحقة بعضيتين لاحتمال عدم الاتحاد، ومن متفقين في درجة النفي على ما سبق التنبيه عليه لعدم استلزامهما الجمع والتفريق لاحتمال انتفاء الشيء الواحد عن متوافقين وعن متباينين، ومن سابقة منفية ولاحقة بعضية لعدم استلزام الجمع والتفريق. ولما ترى من مبنى معرفة صحة الدليل على العلم بالحكمين النقيضين، ومن افتقاره على معرفة انعكاس الجمل لزمنا أن نورد في حل عقدهما الموربة وفك قيودهما المكربة فصلين: أحدهما لتتبع قيود التناقض، وثانيهما لتتبع الانعكاس.
стр. 442
الفصل الأول
في الكلام في الحكمين النقيضين
الحكماًن النقيضان هما اللذان لا يصح اجتماعهما معا ولا ارتفاعهما معا بخلاف المتضادين، فالمتضادان لا يصح اجتماعهما ولكن يصح ارتفاعهما، ولذلك ترى الأصحاب يحدون التناقض بين الجملتين بأنه اختلافهما بالنفي والإثبات اختلافا يلزم منه لذاته كون إحداهما صادقا والأخرى كاذبة مثل هذا حيوان، هذا ليس بحيوان، وقولهم لذاته احتراز عن مثل هذا إنسان هذا ليس بناطق لكونه غير مسمى فيما بينهم بالتناقض لعذرهم وعسى أن يعثر عليه، ونذكر للتناقض شروطا، وهي عندي أكثر مما تذكر وإلا فأقل، ومساق كلامي هذا يطلعك عل معنى ذلك. أحدها أن لا تختلف الجملتان في المبتدأ حقيقة اختلافهما في نحو العين تبصر: أي الجارحة المخصوصة العين لا تبصر: أي عين الماء. وثانيها أن لا تختلفا فيه جزاءا أو جملة اختلافهما في نحو عين زيد سوداء: أي حدقتها، عين زيد ليست بسوداء: أي جملتها. وثالثها أن لا تختلفا فيه شرطا اختلافهما في نحو الأسود جامع للبصر: أي ما دام أسود، الأسود ليس بجامع للبصر: إن زال كونه
стр. 443
أسود لأن قولنا الأسود جامع للبصر: معناه الشيء الذي له السواد: ورابعها أن لا تختلفا فيه أيضا اختلافهما في نحو الأب حاضر: أي أبو زيد، الأب ليس بحاضر. أي أبو عمرو. وخامسها أن لا تختلفا فيه هوية اختلافهما في نحو بعض الناس كاتب: أي هذا، بعض الناس ليس بكاتب: أي ذاك، وينوب عندي عن هذه الخمسة حرف واحد، وهو اتحاد المبتدأ وأنه أحوط إذا تأملت. وسادسها أن لا تختلفا في الخبر معنى اختلافهما في نحو زيد مختار إذا أردت اسم الفاعل زيد ليس بمختار إذا أردت اسم المفعول. وسابعها أن لا تختلفا فيه قوة وفعلا اختلافهما في نحو الخمر في الدن مسكر: أي بالقوة: الخمر فيه ليس بمسكر: أي بالفعل. وثامنها أن لا تختلفا فيه إضافة اختلافهما في نحو العشرة نصف: أي نصف العشرين، العشرة ليست بنصف: أي نصف الثلاثين. وتاسعها أن لا تختلفا فيه نسبة على المكان اختلافهما في نحو زيد كاتب: أي في المسجد زيد ليس بكاتب: أي في السوق. وعاشرها أن لا تختلفا فيه نسبة على الزمان اختلافهما في نحو زيد كتب: أي أمس، زيد ما كتب: أي غدا. ومن اتحاد المبتدأ واتحاد الخبر يطلع على معنى قولي أقل مما يذكر ولما ترى من توقف التناقض من أمس، وينوب عن هذه الخمسة أيضا ما هو أجمع للغرض وهو اتحاد الخبر وما ذكرت على اتحاد المحكوم له، وهو المثبت له أو المنفي عنه،
стр. 444
وعلى اتحاد المحكوم به، وهو المتثبت أو المنفي ليتحد مورد الحكم في الإثبات والنفي حتى يتعين فيه أحدهما لعدم الواسطة بين الثبوت والانتفاء لا يخفى عليك حال أصناف الجمل التي سبق ذكرها، وهي صنف المهملات، وصنف المعنيات، وصنف الكليات، وصنف البعضيات في باب التناقض من أن البعضيات لا سبيل على تناقضها لتعذر إزالة اختلافهما بالهوية مع كونها بعضيات: أعني غير معنيات، وأما المعينات والكليات فلها سبيل على التناقض للطريق الميسر على تحصيل اتحاد المحكوم له فيها وتحصيل اتحاد المحكوم به. أما اتحاد المحكوم له في المعينات فلا خفاء، وأما اتحاده في الكليات فالطريق على تحصيله وضع اللاكل في مقابلة الكل كقولنا: كل إنسان كاتب لا كل إنسان كاتب، وإن شئت بعض الناس ليس بكاتب أو إنسان ما ليس بكاتب لا تتفاوت ثلاثتها في معنى اللاكل إذا تأملت، ووجه حصول الاتحاد بذلك هو أن قولنا: كل إنسان كاتب معناه كل واحد واحد من الأناسي لا الكل المجتمع وقولنا إنسان كاتب معناه كل واحد ما من غير اشتراط الانفراد فهو داخل في كل واحد واحد وأنه أحدم، آحاد الأناسي. وأما تحصيل الاتحاد في المحكوم به فالطريق إليه فيما سوى الزمان النص عليه كقولنا: زيد كاتب للتورية بالقلم الفلاني بالقرطاس الفلاني للغرض الفلاني وما شاكل ذلك من القيود الفادحة في التناقض بسبب التفاوت فيها، ومن هذا يطلع على معنى قولي شروط التناقض أكثر مما يذكر، وأما الزمان فبتقدير تعذر الطريق على تعيين جزء من أجزائه يصنع نظير ما سبق بوضع الدوام في أحد الجانبين مرادا به كل واحد واحد من أجزاء الزمان بالاعتبار المذكور واللادوام في الجانب
стр. 445
الآخر مرادا به بعض الأجزاء بالاعتبار المذكور من إلغاء اشتراط الانفراد، وهذا تلخيص كلام الأصحاب.
ولا بأس أن نضع ها هنا لوحا ينقش فيه ما تمس الحاجة إليه وما ذكرت وإن كان كافيا في معرفة نقائض الجمل لكن لقلة عهدك بما يتلى عليك لا استبداع أن يكون لتعيين كل منها أثر لديك لكن لامتناع تعيين النقيض بدون الطرف الآخر يظهر منه أن ذكر أنواع الجمل لازم.
فنقول وبالله التوفيق الجملة: إما أن تكون مثبتة أو منفية، وكيف كان إما أن تكون مطلقة أو مقيدة، ومرجع التقييد في الجمل الاستدلالية على الدوام واللادوام والضرورة واللضرورة فلا بد من النظر في أولاً ثم من النظر في تقيد الجمل بها ثانياً لكن الدوام واللدوام أمرهما جليّ، اعلم أن الجملة لا بد من أن تكون إما مثبتة أو منفية وكيف
стр. 446
كانت فلا بد أن تكون إما واجبة وإما غير واجبة، وتحصل من هذا أصناف ثلاثة: ثبوت واجب، انتفاء واجب، ثبوت وانتفاء غير واجب، والأول هو الوجوب والثاني هو الامتناع والثالث هو الإمكان الخاص المتناول نوعا واحداً وهذا الإيراد يسمى طبقة، ولك أن تورد التقسيم على غير هذا الوجه فتقول: الثبوت إما أن يكون واجبا أو لا يكون، وتسمى لا وجوب الثبوت إمكانا ثم تنوعه نوعين: وجوب عدم وهو الامتناع، ولا وجوبه وهو الجواز وهذا الإيراد طبقة أخرى، أو تقول العدم إما أن يكون واجبا أولا يكون، وتسمى لا وجوب العدم إمكانا، ثم تنوعه على وجوب الوجود وعلى جواز الوجود فيكون الإمكان عاما شاملا لنوعين وهذا الإيراد طبقة ثالثة وهذا الطبقات ومقابلاتها فيما بينهما من التلازم والتآخذ ما لا يخفى والمناهج هناك لسالكيها معرضة ولكن لقلة اعتيادك أن تسلكها ووهي الأسباب بينك وبين أن تملكها نرى الرأي أن لا نقتصر على اتضاح أمرها وأن نختصر الكلام في الإفصاح بذكرها وها هو ذا يقرع في صماخيك هذه الطبقات في باب اللزوم قسمان: قسم لزومه من الجانبين فهو متلازم متعاكس، وقسم لزومه من أحد الجانبين.
والقسم الأول أنواع ثلاثة: أحدها واجب أن يوجد ممتنع أن لا يوجد ليس بالممكن العام أن لا يوجد وكذلك مقابلات هذه وهي ليس بواجب أن يوجد ليس بممتنع أن لا يوجد ممكن عاما أن لا يوجد.
стр. 447
وثانيها واجب أن يوجد ممتنع أن يوجد ليس بالممكن العام أن يوجد، وكذا مقابلاتها وهي ليس بواجب أن لا يوجد ليس بممتنع أن يوجد ممكن عاما أن يوجد، وثالثها من الممكن الخاص وينعكس مبينه على مشوشه وذلك يمكن أن يكون يمكن أن لا يكون ومقابلاهما.
والقسم الثاني أنواع ثلاثة: أحدها واجب أن يوجد يلزمه قولنا ليس بواجب أن لا يوجد وليس بممتنع أن يوجد، ويمكن عاما أن يوجد ويلزمه أيضا نفي الإمكان الخاص مبينا ومشوشا وتفسير المبين والمشوش يأتيك عن قريب وذلك قولنا ليس بممكن خاص أن يوجد ليس بممكن خاص أن لا يوجد. وثالثها من الممكن الخاص قولنا ممكن أن يكون وأن لا يكون يلزمه ليس بواجب أن يكون ليس بواجب أن لا يكون ليس بممتنع أن يكون ليس أن لا يكون ممكن عاما أن يكون ممكن عاما أن لا يكون، وأيما عاقل فهم ما تلونا لم يجبن أن نصف الواجب لذاته ممكنا وإنما أقول هذا القول لبعض الدخلاء في هذه الصناعة حيث يجبون ويبنون أسؤلة على ما يبنون ونحن على أن نسوق الكلام على قسيمة الوجوب أو الإمكان العام فنتكلم في الوجوب ونسميه الضرورة، ثم نتكلم في الإمكان العام ونسميه اللاضرورة. الكلام في الضرورة لها اعتباران: أحدهما أن تكون سابقة وهو الوجوب بالذات، أو بالعلة المتقدم على الوجوب المترتب عليه عقلا وما بينهما أن
стр. 448
تكون لاحقة وهو امتناع العدم في أن تحقق الوجود وهذه الثانية يقال لها ضرورة بشرط وجود الخبر، ويقال في مثاله الإنسان بالضرورة كاتب مادام كاتبا وقلما يصار إليها في الدلائل والأولى تجعل قسمين: ضرورة مطلقة وضرورة متعلق بشرط، ويراد بالضرورة المطلقة أن تكون حقيقة المبتدأ ممتنعة الانفكاك عن ذلك الخبر مطلقا كقولنا: واجب الوجود لذاته موجود فكون واجب الوجود لذاته موحوداً ضروري له مطلقا أو باعتبار وجوده كقولنا: الجسم قابل للعرض فقبول العرض ضرورة للجسم باعتبار وجوده لا بالإطلاق، اللهم إلا إذا جعلت الوجود غير زائد على الماهية كما هو الراجح عندنا، فحينئذ تكون الضرورة المطلقة راجعة على الضرورة بالذات وما سواها راجعة على الضرورة بالعرض ويراد المتعلقة بالشرط أن تكون حقيقة المبتدأ لأجل اتصافها بصفة غير منفكة عن ذلك الخبر كقولنا المتحرك بالضرورة متغير فإنه حقيقة المبتدأ هي موصوف المتحرك وهو الشيء الذي له التحرك وضرورة تغير ذلك الموصوف إنما هو بشرط اتصافه: أي ما دام متحركا وهذه الضرورة العرضية ضرورة بحسب الوصف أو لأجل حصولها في وقت من أوقات وجودها مضبوط كوقت الكسوف للشمس أو لغيرها مما ينكسف من الكواكب أو غير مضبوط كوقت التنفس للإنسان أو لغيره مما له رئة أو كوقت السعال لمن به ذات الجنب وهذه الضرورة العرضية ضرورة بحسب الوقت فيصل من أقسام الضرورة أربعة ثلاثة سابقي وواحد لاحقي، والثلاثة السابقية واحد منها ذاتي واثنان عرضيان: أحدهما وصفي والآخر وقتي وهي عند الأصحاب هكذا ضرورة مطلقة
стр. 449
ضرورة بحسب الوصف ضرورة بحسب الوقت ضرورة بشرط وجود الخبر.
الكلام في الإمكان المسمى باللاضرورة
ونحن نذكر حاصل ما فيه عند الأصحاب على اختلاف آرائهم فنقول: الإمكان ينقسم على أربعة أقسام: عام وخاص وأخص وأخص الأخص، فالعام هو ما بنفي ضرورة واحدة فحسب، إما ضرورة العدم وإما ضرورة الوجود فينفي المتصف به صالحا لضرورة الوجود لما هو أو لضرورة العدم لما هو والخاص هو ما ينفي الضرورتين فينفي المتصف به صالحا لضرورة من الضرورات لكن من قبيل السبغة دون قبيل اللاحقة وأخص الأخص هو ما ينفي ضرورات القبيلتين جمع فلا ينفي المتصف به صالحا لا لضرورة سابقة ولا لضرورة لاحقة لكن في أخص الأخص كلام فبعضهم يحققه في الحال وفي الاستقبال وبعضهم يأباه في الحال دون الاستقبال، وبعضهم يأبى تحققه أصلا وهو الأشبه لاستتباعه في الحال ضرورة الوجود أو العدم اللاحقة، وفي الاستقبال ضرورة العدم اللاحقة فتأمله فإني أرى عالما من الناس يتعجبون من هذا القول وأنا أتعجب من تعجبهم ويوردون في إبطال هذا القول حججا يكفي في إبطالها مجرد تلخيص محل النزاع، وأما إثباته في الاستقبال فلا وجه له عندي سوى تخصيص الضرورة اللاحقة بالوجود دون العدم بوساطة العناية لا غير تشبثا فيها بأن الضرورة اللاحقة متى ذكرت ذكرت مع الوجود.
стр. 450
وإذ قرع سمعك ما تلونا عليك لزم أن نتكلم في إطلاق الجمل وفي تقييدها بما سبق ذكره ثم نتكلم في النقائض وقبل أن نشرع في ذلك ننبهك على أصل كلي وهو مزلة أقدام في هذا الفن لا بد من التنبه له وهو أن اعتبار كلمة النفي جزءا من المدخول عليه مغاير لاعتبارها غير جزء منه ولذلك يمتنع اللاموجود أسود والمعدوم هو لا أسود وقد تقدم تحقيق هذا في علم المعاني في فصل وصف المعرف ويسمى هذا إثباتا مشوشا ولا يمتنع ليس الموجود أسود والمعدوم ليس أسود ويسمى هذا نفيا مبنيا، وأن اعتبار إثبات نفي الشيء للشيء مغاير لاعتبار نفي إثبات الشيء عن الشيء ولذلك يمتنع المعدوم هو أسود في الإثبات المشوش ويصح ليس المعدوم أسود في النفي المبين، وإذا عرفت الإثبات المشوش والنفي المبين فقس عليهما الإثبات المبين والنفي المشوش وكما تصورت في النفي ما ذكرت فتصوره بعينه في جانب الإمكان والضرورة والدوام واللادوام. بينما إذا جعلت أجزاء المبتدأ والخبر، وبينما إذا جعلت جهات الحكم الجملة في الإثبات أو النفي مستجمعا لتمام تصوره مثابة رويتك ثم من بعد التنبيه نقول: المبتدأ كليا كان أو بعضيا إذا أثبت له الخبر كقولنا: كل إنسان ناطق أو بعض الناس فصيح أو نفى عنه كقولنا: لا إنسان بعالم غيب أو لا كل فصيح بشاعر من غير بيان أنه مشروط أو لا مشروط وأنه دائم أو لا دائم وأنه ضروري أولا ضروري سميت الجملة مطلقة عامة، ومن الناس من يزعم أن الجملة لا تصدق إلا مع الدوام، ولو صدق في زعمه لامتنع قولنا بعض الأجسام ساكن لكن إما دائما وأما غير دائم ولا يمتنع وله وجه دفع،
стр. 451
ومن الناس من يزعم أن الجملة لا تصدق كلية إلا مع الضرورة لكن جزم العقل بأن حكم أفراد النوع يصح أن لا يختلف يستلزم إذا صحت اللاضرورة في فرد من أفراد النوع أن تصح في الكل وأنك تعرف معنى الكل ما هو كل وهو فرد فرد لا الكل المجتمع المصحح للتفاوت بين حالي انفراد الأفراد واجتماعها، ومن الناس من يزعم أن النفي الكلي يستلزم شرط الوصف يعني أنه قيل لا أبيض بجامع للبصر ومعناه ما عرفت لا شيء مما له البياض أفاد ما دام أبيض فعلى زعمه تسمى الجملة مطلقة عرفية لما في العرف من إضافة الحكم على الوصف، والحاصل من المطلق الحقيقي هو ما ترى نوع واحد هذا في باب الإطلاق، وإذا لا شرطنا وعندنا ذات وصفة وقيدنا وعندنا دوام ولا دوام وضرورة ولا ضرورة حصل من ذلك أنواع كثيرة ولكنا نذكر من ذلك ما أنت مفتقر إليه في الحال وإذا أتقنته صار لك عمدة في الباقي فنقول في نوع اعتبار الشرط والتقييد بالدوام واللادوام الجملة التي يبين فيها الخبر في الثبوت أو الانتفاء يدوم للمبتدأ بدوام ذاته من غير التعرض للوصف تسمى وجودية دائمة ويلزم فيها إذا كانت للذات صفة تحتمل اللادوام أن تخرج دوام الخبر على لا دوامه، والجملة التي يبين فيها أن الخبر يدوم للمبتدأ بدوام وصفه من غير التعرض للذات تسمى عرفية عامة، والجملة التي يبين فيها أن الخبر لا يدوم للمبتدأ بدوام ذاته تسمى وجودية لا دائمة ويلزم فيها إذا كانت للذات صفة دائمة أن لا تخرج لا دوام الخبر على
الدوام،
стр. 452
والجملة التي يبين فيها أن الخبر يدوم للمبتدأ بدوام وصفه لا بدوام ذاته تسمى عرفية خاصة لوقوعها في مقابلة العرفية العامة، فهذه أنواع أربعة من المقيدات بالدوام واللادوام مع اعتبار شرط ونقول في نوع اعتبار الشرط والتقييد بالضرورة واللاضرورة: الجملة التي يبين فيها أن الخبر ضروري للمبتدأ ما دامت ذاته موجودة تسمى ضرورية مطلقة ولا فرق بينها وبين الوجودية الدائمة إلا اعتبار معنى الضرورة فأعرفه. والجملة التي يبين فيها أن الخبر ضروري للمبتدأ ما دام موصوفا من غير التعرض لزيادة تسمى الضرورية بشرط الوصف ولها عموم من عدة جهات فنأملها والجملة التي يبين أن الخبر ضروري للمبتدأ ما دام موصوفا مع زيادة لا مادامت ذاته موجودة تسمى المشروطة الخاصة. والجملة التي يبين فيها أن الخبر ضروري للمبتدأ في وقت معين من أوقات وجوده تسمى وقتية مضبوطة. والجملة التي يبين فيها أن الخبر ضروري للمبتدأ لا في وقت معين تسمى وقتية غير مضبوطة، فهذه أنواع خمسة من المقيدات بالضرورة مع اعتبار شرط وقد كان يمكن اعتبار الضرورة لا مقيدة بحيث كانت نوعا سادسا مندرجة فيه الضرورات الخمس المتقيدة فتركناه ولكن يصار إليه حينا. وأما اللاضرورة فحيث عرفت أنا قلنا إن كان عام وخاص وأخص وأخص الأخص عرفت أنه إذا قلنا إمكان من غير التعرض لقيد من هذه القيود كان اعتبارا له خامسا أعم من الأربعة، فالجملة إذا قيدت بالإمكان المطلق أفادت الشياع في أنواع الإمكان الأربعة ولا تحسبنها مطلقة عامة فتلك لا نتعرض بنفي
стр. 453
الضرورة وهذه تتعرض لنفيها ثم إذا قيدتها بعام وبخاص وبأخص الأخص وهو الإمكان الاستقبالي على ما عرفناك حصلت من مجموع ذلك خمسة أنواع للجمل كما ترى وإذ قد حصلنا من الجمل القدر المحتاج إليه لزم أن نفي بالوعد في تحقيق النقائض فنقول: أما البعضيان فقد عرفت أن لا سبيل على تناقضهما لتعذر الطريق على اتحاد المحكوم له فيهما باحتمال تغابر هو بين المبتدأين، وأما الكليتان فصحة اجتماعهما في الكذب لاحتمال اختصاص الصدق بغيرهما وهو اللاكل تسد الطريق على تناقضهما، وأما المطلقتان العامتان فلا سبيل على تناقضهما لتعذر الطريق على اتحاد المحكوم به فيهما لاحتمالهما للادوام المصير لهما على البعض من الزمان المتعذر الاتحاد باحتمال تغاير هو بين البعضين فحال المطلقتين العامتين من جانب الخبر كحال البعضيتين من جانب المبتدأ فحيث عرفت أن البعضية لا يناقضها إلا الكلية فاعرف أن المطلقة العامة لا يناقضها إلا الدائمة ومن هذا يتحقق أن قول من يقول بصحة تناقض المطلقتين مفتقر على تأويل ولعل المراد المطلقات اللفظية المستتبعة للدوام معنى كقولنا كل إنسان حيوان أو ناطق أو ضحاك وما شاكل ذلك، وأما الوجودية الدائمة وهي كقولنا كل جسم ما دام موجود الذات قابل للعرض فنقيضتها اللادائمة المحتملة للمخالف الدائم وهو المنتفي في جملة الأوقات وللموافق اللادائم وهو المنتفي لا في جملتها، وأما العرفية العامة وهي قولنا كل إنسان حيوان ما دام إنسانا فحين قيد ثبوت الخبر بدوام الوصف وأطلق في جانب حقيقة المبتدأ وقد عرفت أن إطلاق الخبر في حق المطلق له في حكم اللادائم فقد حصل الدوام مع الوصف واللادوام مع الذوات فيلزم في النقض إما نفي الخبر مع الوصف أو اللادوام مع الذات فيلزم في البعض إما نفي الخبر عن حقيقة المبتدأ على الدوام أو نفيه عن الوصف لا على الدوام، وأما
стр. 454
الوجودية اللادائمة وهي مثل قولنا كل أبيض مفرق للبصر لا مادام موحوداً فحين أثبت فيها الخبر بقيد لا دوام الوجود وإطلاقه فيما عداه لزم في نقيضتها إما النفي أو الإثبات الدائم، وأما العرفية الخاصة وهي كقولنا كل أبيض مفرق للبصر لا مادام موحوداً بل مادام أبيض فحين أثبت فيها الخبر بقيد لا دوام الوجود ودوام الصفة لزم في نقيضتها إما النفي الدائم أو الإثبات الدائم أو النفي المقيد وهو في بعض أوقات البياض أي أوقات صفة المبتدأ، وأما الضرورية المطلقة فنقيضتها اللاضرورية وهي الممكنة العامة. وأما الضرورية المشروطة بوصف المبتدأ وهي كقولنا كل أبيض بالضرورة مفرق للبصر مادام أبيض فحين أثبت فيها الخبر بإطلاقه في حق المبتدأ أو تقييده بالضرورة وبدوام الوصف لزم في نقيضتها إما النفي الدائم أو الإثبات الدائم الخالي عن الضرورة أو النفي في
بعض أوقات الوصف. وأما الضرورية المشروطة الخاصة وهي كقولنا: كل كل أبيض مفرق للبصر بالضرورة ما دام أبيض لا مادام موجود الذات فحين أثبت فيها الخبر بقيد الضرورة وقيد دوام الوصف وقيد لا دوام الذات لزم في نقيضتها إما النفي الدائم أو جواز حصوله مع عدم الوصف أو جواز لا حصوله مع تحقيق الوصف. وأما الوقتية المضبوطة فنقيضتها رفع الضرورة في ذلك الوقت، وأما غير المضبوطة فنقيضتها رفع الضرورة في جميع الأوقات. وأما الممكنة المطلقة وهي كقولنا: كل مؤمن صادق لا بالضرورة فحين أثبت فيها الخبر مطلقا من جهة الدوام مقيدا باللاضرورية لزم في نقيضتها إما النفي الدائم وإما الإثبات بالضرورة ثم إن احتمل التقييد باللاضرورة الإطلاق: أعني دوام اللاضرورة ولا دوامها لزم في نقيضتها دوام اللاضرورة. وأما الممكنة العامة فنقيضتها الضرورية المطلقة كما تقدمت معها لكون التناقض من الجانبي وأما الممكنة الخاصة فنقيضتها رفع الإمكان الخاص إما بالوجوب والامتناع، وأما الممكنتان الباقيتان فأمرهما ظاهر والله الهادي. الوصف. وأما الضرورية المشروطة الخاصة وهي كقولنا: كل كل أبيض مفرق للبصر بالضرورة ما دام أبيض لا مادام موجود الذات فحين أثبت فيها الخبر بقيد الضرورة وقيد دوام الوصف وقيد لا دوام الذات لزم في نقيضتها إما النفي الدائم أو جواز حصوله مع عدم الوصف أو جواز لا حصوله مع تحقيق الوصف. وأما الوقتية المضبوطة فنقيضتها رفع الضرورة في ذلك الوقت، وأما غير المضبوطة فنقيضتها رفع الضرورة في جميع الأوقات. وأما الممكنة المطلقة وهي كقولنا: كل مؤمن صادق لا بالضرورة فحين أثبت فيها الخبر مطلقا من جهة الدوام مقيدا باللاضرورية لزم في نقيضتها إما النفي الدائم وإما الإثبات بالضرورة ثم إن احتمل التقييد باللاضرورة الإطلاق: أعني دوام اللاضرورة ولا دوامها لزم في نقيضتها دوام اللاضرورة. وأما الممكنة العامة فنقيضتها الضرورية المطلقة كما تقدمت معها لكون التناقض من الجانبي وأما الممكنة الخاصة فنقيضتها رفع الإمكان الخاص إما بالوجوب والامتناع، وأما الممكنتان الباقيتان فأمرهما ظاهر والله الهادي.
стр. 455
الفصل الثاني
في العكس
وأنه قسمان: عكس نظير وعكس نقيض القسم الأول في عكس النظير هو في الخبر أعني الخبر المطلق دون الشرط الذي هو خبر مخصوص عبارة عن تصيير خبر المبتدأ مبتدأ والمبتدأ خبرا مع تبقية الإثبات أو النفي بحاله والصدق والكذب بحاله دون الكم كما ستعرف لما عرفت أن لا غنى لصاحب الاستدلال عن معرفة مظان الانعكاس ومعرفة كيفية وقوعه فيها كليا أو بعضيا لزمنا أن نتكلم في عكوس الجمل المذكور لكن الكلام هناك حيث نراه لا يستغني عن تقديم الكلام في مسندي الأصحاب لزمنا أن نطلعك عليهما أحدهما طريق الافتراض وله وجهان: أحدهما فرض البعض كلا لأفراده، وثانيهما هو المقصود هنا وحاصله تعيين بعض من كل قد حكم عليه بحكم وجعل ملزوما للازم ليتوصل بتعيينه على بيان أن كل ملزوم لازم لا بد من أن يكون لازما لبعض أفراد لازمه ذلك مثل أن تريد أن الإنسان الذي هو ملزوم الحيوان لابد من أن يكون لازما لبعض أفراد الحيوان فتقصده فتقول هذا الحاضر إنسان وأنه كما يصدق عليه أنه إنسان يصدق عليه أنه بعض الحيوان وأنه يمتنع
стр. 456
أن يكون إنسانا وأن لا يكون بعض الحيوان فظهر أن الإنسان لا بد من أن يلزم بعض الحيوان
وثانيهما طريق الخلف وحاصله إثبات حقيقة المطلوب ببطلان نقيضه مثل أن يقول إن لم يصدق بعض الحيوان إنسان صدق نقيضه لا شيء من الحيوان بإنسان ويستلزم لا إنسان حيوان وأنه باطل هذا، وعسى أن يكون لنا على حديث الخلف في آخر التكملة عود. وقبل أن نشرع فيما نحن له فاعلم أن المتأخرين قد خالفوا المتقدمين في عدة مواضع من هذا الباب كما ستقف عليها وخطئوهم وكل من يأتي يرى رأي المتأخرين وعندي أن المتقدمين ما أخطئوا هناك، وأنا أذكر ها هنا كلاما كليا ليكون مقدمة لما نحن له فأقول وبالله التوفيق: كل أحد لا يخفى عليه معنى قولنا مع قوله مع ما تراهم يقولون الوجود والعدم لا يجتمعان معا ولا يرتفعان معا ويقولون الملزوم بوصف كونه ملزوما لا يعقل إلا مع اللازم ويقولون إذا انتفى اللازم انتفى معه الملزوم ويقولون اعتبار الذات مع الصفة يغاير اعتبار الذات لا مع الصفة، هذا كله لبيان أن معنى مع العلوم فلا نتخذه محل نزاع ثم نقول ولا يخفى أن معنى مع في تحققه سواء فرض في الذهن أو في الخارج مفتقر على طرفين لا محالة وإذا تحقق امتنع اختصاصه بأحدهما دون الآخر لكن متى صدق على شيء أنه مع آخر تصورا أو غير تصور كيف شئت استلزم لأن يصدق على ذلك الآخر بأنه مع ذلك الشيء بذلك الاعتبار وإذا لزم أن يكون المع حاصلا
стр. 457
حين ما لا يكون حاصلا، وإذا عرفت أن المع عند تحققه أمر كما ينتسب على أحد طرفيه ينتسب على الآخر من غير تفاوت ظهر أن أي اعتبار قدر للمع الحاصل من إطلاق أو لا إطلاق ومن دوام أو لا دوام ومن ضرورة أو لا ضرورة امتنع أن يختص ذلك بأحد الطرفين دون صاحبه الواقع طرفا له ثانيا. فإن كان هذا مع ذاك في التصور أو في الخارج كان ذاك مع هذا في ذلك التصور أو في ذلك الخارج وإلا لزم المحذور المذكور وهو أن يكون المع حاصلا حين ما لا يكون لامتناع اختصاصه بأحدهما وإذا كان هذا مع ذاك دائما كان ذاك مع هذا في أوقات دوامه وإلا كان المع في وقت من الأوقات مع أن لا يكون فيه وإذا كان هذا مع ذاك على سبيل الضرورة بمعنى لا ينفك عنه البتة كان ذاك مع هذا على سبيل الضرورة والأصح انفكاكه عنه فيكون المع حاصلا مع أن لا يكون حاصلا، وإذا تصورت ما ذكرت في المع فتصوره بعينه في اللامع من أنه متى لم يكن هذا مع ذاك وإلا كان المع حين لا يكون فإذا صدق هذا الإنسان ليس بكاتب: أي معنى الكاتب ليس مع هذا الإنسان صدق لا محالة أن هذا الإنسان ليس مع معنى الكاتب وإلا كان المع حاصلا حيث ليس هو بحاصل وكما تصورت اللامعية بين هذا الإنسان وبين الكاتب واجبة التحقق من الجانبين فأنت إذا نقلتها عن البعض على الكل مثل لا إنسان من الناس بكاتب في هذه الساعة فتصورها:
أعني هذه اللامعية كذلك واجبة التحقق من الجانبين للوجه المقرر كما تصورتها بين الإنسان وبين الكاتب وإذا أقمت مقام الكاتب الضاحك أو غيره مما شئت وقلت هذا الإنسان ليس بضاحك بالإطلاق فتصور اللمعية بينهما من الجانبين بإطلاق على موجب ما شهد له عقلك مما نبهت عليه، وإذا أتقنت ما قرع سمعك فقل لي إذا صدق عندك اللاإنسان من الناس بضاحك في وقت ما فلا تقطع أن ما يتصور من معنى الضاحك
стр. 458
يجب ألا يكون مع إنسان من الأناسي في وقت ما وقع قطعك بأن الضاحك يجب أن لا يكون مع إنسان من الأناسي في وقت أفلا تقطع بأن كل إنسان يحتمل أن لا يكون مع الضاحك في وقت ما، ما أظنك يشتبه عليك شيء من ذلك بل لا بد من أن يكون عندك أظهر من الشمس إن صدق ان الضاحك ليس مع الإنسان يستلزم صدق ان الإنسان ليس مع الضاحك وقد ظهر بين بياننا هذا أن سلب الضاحك عن الإنسان يستلزم سلب الإنسان عن الضاحك من غير شبهة. فإن قلت: وكلامك هذا مستدع أن لا يتفاوت جهة المع واللامع في العكس، ونراها تتفاوت عند المتأخرين أليسوا على أن إثبات الإنسانية مع عدم الضاحكية في قولك لا إنسان بضاحك يصح وأن إثبات الضاحكية مع عدم الإنسانية في قولك لا ضاحك بإنسان يمتنع لاستلزامه عندهم نفي الإنسان مع إثباته لكون الكلام مفروضا في الخاص المفارق، وأليسوا على أن الجهة في قولك الضاحك إنسان جهة وجوب معلومة بضرورة العقل، وفي قولك الإنسان ضاحك جهة إمكان عام لا يعلم العقل منه إلا ذلك القدر، ولذلك يمتنع أن يعرف أن في الوجود ضاحكا مع الشك في وجود الضاحك، وأليسوا على أنك تصدق إذا قلت الإنسان يمكن أن يكون ضاحكا بالإمكان الخاص، وتكذب إن قلت الضاحك يمكن ان يكون إنسانا بالإمكان الخاص. قلت للمتقدمين ان يقولوا هذه تغليطات من حق المتأمل المتفطن أن لا يلتبس عليه وجه الصواب فيها، بيان وجه التغليط في الصورة الأولى هو أنك إذا قلت لا إنسان بضاحك في معنى إثبات الإنسان ونفي الضاحك إما أن يكون نفي الضاحك مع اعتبار كونه خاصا للإنسان أولا
فإن كان الثاني كان دعوى امتناع لا ضاحك بإنسان كاذبة عند كل عاقل متفطن بلا ريبة، وإن كان الأول كان في قولنا لا إنسان بضاحك عند تلخيص
стр. 459
معنى الضاحك نازلا منزله لا إنسان بإنسان ضاحك ويكون حاصل معنى الكلام في الوجود إنسان لا إنسان ضاحك مستفادا منه عقلا في الوجود إنسان بوصف الإطلاق لا إنسان ضاحك بالتقييد ودعوى امتناع عكس هذا دعوى غير محصل لأنه متى صح ان يقال في الوجود إنسان بوصف الإطلاق لا إنسان يوصف بوصف الإطلاق، وبيان وجه التغليط في الصورة الثانية هو أن إذا قلنا الجهة في الأصل والعكس لا تتغير كان المراد أن الجهة متى اتصفت عند العقل بوجوب أو امتناع أو ضرورة في موضع أصلا كان ذلك الموضع أو عكسا أفاد اتصافها في أيهما كان عنده شيء من ذلك اتصافها به في صاحبه مستويان في العلم باشتراكهما في تلك الجهة فإذا علم العقل أن كل ضاحك يجب أن يكون إنسانا أفاده ذلك العلم أن إنسانا ما بحسب تقدير الضاحك في القضية السالفة إن ذهنيا وإن خارجيا يجب أن يكون ضاحكا يتبين ذلك أن العقل إنما يوجب كون الضاحك إنسانا من حيث اعتبار كونه خاصا يكون مفهومه مفهوما مجموعا من صفة مخصوصة وموصوف مخصوص وتحقق المجموع بدون ما هو جزء له ممتنع فيوجب مع الضاحك متى فرض تحقق له ذهني أو خارجي تحققا لإنسان ذهنيا أو خارجيا ومتى فرض العقل للضاحك تحققا كيف كان أفاده ذلك أن إنسانا ما يجب أن يكون ضاحكا إن من جزاء المتحقق باعتبار كونه جزءا من المتحقق يستلزم في تحققه ذلك امتناع الانفكاك عن الجزء لكونه مأخوذا معه في اعتبار التحقق وإنسان ما جزء من الضاحك المفروض تحققه فيجب امتناع تحققه بدون ما يقوم المجموع الذي هو مفهوم الضاحك المتركب من الصفة والموصوف لكونه مأخوذا مع الضاحك في تحققه: أعني تحقق الضاحك فالجهة كما ترى تتحد عند العقل في قضيتين وكل ضاحك إنسان بالوجوب إنسان ما أو بعض الأناسي ضاحك بالوجوب،
стр. 460
وبيان وجه التغليط في الصورة الثالثة هو أنا متى قلنا بعض الأناسي ضاحك بالإمكان الخاص لم يكن المعنى أن الضاحك لا يجب لإنسان عند فرض وجود ضحك في الدنيا مثلا كالقائم حيث لا يجب لإنسان عند فرض وجود قيام في الدنيا، وإنما المعنى أن الضاحك لا يجب لإنسان بشرط أن لا يفرض وجود للضحك كما لا يفرض له عدم، أما إذا فرض وجود له وجب الضاحك للإنسان لا محالة، وكيف لا يجب والكلام مفروض في أن الضحك خاص بالإنسان، وقولنا أن ضاحكا إنسان لا يرد إلا على فرض وجود الضحك، فالجهتان لا تختلفان إلا لاختلاف فرضي الضحك بالحاصل أن قولنا بعض الأناسي ضاحك بالإمكان الخاص ليس عكسه أن ضاحكا إنسان فإن الضاحك ههنا غير الضاحك هناك فالضاحك هناك غير مأخوذ باعتبار الثبوت له والضاحك هاهنا مأخوذ باعتبار الثبوت له فتأمل ما ذكرت فالمقام ملبس ولأمر ما جرى فيه ما جرى إذ قرع عليه المتأخرون فدونوا ما دونوا وما قصروا في تطبيق التفريعات قدس الله أرواحهم، ولكن الأصل فيه ما فيه وقد سمينا نحن هذا الملبس متعارفا عاميا ويظهر من هذا أن إثبات عكس المنفية البعضية ليس بذلك الممتنع كما يدعيه القوم وإنما أطنبت مع أن عادتي الاختصار لا سيما والأقل من القليل مما ذكرت كان يكفي فإنك في مقامك هذا لا كما تراك من جمعي المتقدمين والمتأخرين بين أطواد وأطواد، وإذ قد ذكرنا ما ذكرنا فلنرجع على المقصود: أما المطلقات العامة فالمثبتة الكلية منها مثل قولنا كل اسم كلمة تنعكس بعضية وبيان انعكاسها إما بالافتراض وهو أنه يمكن الإشارة على واحد
следующие страницы →