← Адаб

Адаб · id 26586

مقامات الزمخشري

الزمخشري

Полный текст (242 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فإبداعهُ فيها يلقِّطكَ ثمراتِ الغُراب. وإغرابُه فيها يحثو الترابَ في وجوهِ أهلِ الإغراب أو الشعرُ فزَيّادهُ وحسّانهُ وإحسانهُ كما دبجَ الرَّوضَ نيسانُه أوِ النثرُ فلو راءَ ابنُ لسانِ الحمرةِ حُمرةَ لسانهِ لجَهشَ وما بهَش ولو سمِعَ قولَ قائلٍ من صحبانهِ سحبانُ بنُ وائلٍ لا استقبلَ

стр. 107

منَ الدَّهش أو معرفةُ الكتابةِ والخط. فقد لججَ وتركَ الناسَ على الشّط. أو حفِظُ ما يحاضرُ به فصيّبُ يفيض وبحرٌ لا يغيض. وليس بعريانٍ كعودِ النبعْ من ثمرِ علومِ الشّرع نعم يا أبا القاسم إن سمعتهُم يقولونَ ما أكثرَ فضلكَ فقلْ إنَّ فُضولي أكثر وما أغزَر أدبكَ فقلْ إنَّ قلة أدبي أغزَر فلعَمُر اللهِ ليسَ بأديبٍ ولا أريب. كلُّ مُغربٍ وحافظِ غريب. الأديبُ مَن أخذَ نفسَهُ بآدابِ اللهِ فهذَّبها ونقحَ أخلاقهُ منَ العُقدِ الشّاثنةِ فشذَّبها. والأريبُ الفاضلُ مَن لم يكنْ لهُ أرَبٌ ولا وطر. إلا أن يكونَ لهُ عندَ اللهِ فضلٌ وخطَر. ما غناءُ مَن قويَ علمهُ وعملهُ قد فترَ. إنَّ عِلماً بلا عملٍ كقوسٍ بلا وتَر. حامِلُها حيرانُ مُرتبِك في العماية لا يهتدي وإن كان ابن تقنٍ إلى وجهِ الرَّماية متى نظرَ إلى الرُّماة

стр. 108

موترينَ مُنبضينَ مسدّدينَ غيرَ محبضينَ قعوداً من الوحشِ على المراصِدْ يشقونَ خُصورَها بالقواصدِ أقبل على مقلاةِ الغمِّ يتقلى. وبجمرةِ الغيظِ يتصلّى لا يزيدُ على تنفيزِ سهامهِ. والعضِّ على اتهامهِ فإذا اشتوى غيرُهُ انشوى بنارٍ منَ الحسرةِ نزَّاعةٍ للشوى أغدُ عاقداً بين عِلمكَ وعملكَ صِهراً وسُق إلى العملِ منَ اجتهادكِ مَهراً. ولا تظِلم منهُما شيئاً منْ إقبالك ولا تبخَسهُما حظّاً من

стр. 109

إشبالك ولا تدعْ أن تضرِب أخماساً لأسداس. حتى تلفُهمُا ونفسَكَ في بُردةٍ أخماس واعلمْ أنَّ العلمَ إنما يُتعلم لأنهُ إلى العملِ سُلم. كما أنَّ العملَ إلى ما عندَ اللهِ ذريعة ولولاهُما ما عُلِمَ علمٌ ولا شُرِعت شريعة. مقامة التوحيد يا أبا القاسم أفلاكٌ مسخرة وكواكبُ مُسيّرة تطلعُ حيناً

стр. 110

وحيناً تغرُب وينأى بعضُها عن بعضٍ ويقرُب وقمرٌ في منازلهِ يعوم وشمسٌ في دورانها تدومُ فما تقوم وسحابٌ تُنشئُها القُبول وتُلحُقها وتمري أخلافَها

стр. 111

الجنوبُ وتمسحُها وأرضٌ مذللةٌ لراكبها. مقتلةٌ للمشي في مناكبها ممهّدةٌ موطّدة بالرّاسياتِ موتّده وبحرانِ أحدُهما بالآخرِ ممروج وماءُ الأجاجِ منهُما بالعذبِ ممزوج وحجرٌ صَلدٌ ينشقُّ عنِ الماءِ الفُرات. وينفلقُ عنِ الشجرِ والنبات وحَبٌ ينشأ منهُ عُروقٌ وعِيدان ونوَى ينبُتُ منهُ جبّارٌ وعَيدان، ونُطفةٌ هي بعدَ تسعةٍ إنسان لهُ قلبٌ

стр. 112

وبصرٌ ولِسان. في كلِّ جارحةٍ منهُ غرائبُ حكمٍ يعجزُ اللّسانُ الذَّليق أن يحصرَها ويحصيها. ويعزُّ على الفهمِ الدقيقِ أن يبلغَ كُنهها ويستقصيها ما هذه إلا دلائلُ على أنَّ وراءَها حكيماً قديراً. عليماً خبيراً تنصرَّفُ هذهِ الأشياءُ على قضائهِ ومشيئته. ويتمشّى أمُرها على حسبِ إمضائهِ وتمشيته. وهي منقادةٌ مُذعنةٌ لتقديرهِ وتكوينه. كائنةٌ أنواعاً وألواناً بتنويعهِ وتلوينه. قدِ استأثرَ هوَ بالأوليّة والقِدَم وهذه كلها محدثاتٌ عن عدَم فليملأ اليقينُ صدرَك بلا مخالجةِ ريب. ولا تزلَّ عن الإيمانِ بالغيبِ وعالمِ الغيب. ولا يستهوينكَ الشيطانُ عنِ الاستدلالِ بخلقهِ فهوَ الحُجة. ولا يستغوينكَ عن سبيلِ معرفتهِ فإنّه محجة واجتهد أن لا تجدَ اعمرَ منكَ إليهِ طريقاً. ولا أبَلَّ بأسمائهِ المقدسّةِ

стр. 113

ريقاً وارحم نفسكَ بابتغاءِ رحمته وأنعِم عليها بالشكرِ على نعمته. ولينكشف عن بصِرك غِطائه فأنتَ وجميعُ ما عندكَ عَطاؤه. مقامة العبادة يا أبا القاسم مَن أهانَ نفسهُ لربّه فهوَ مكرِمٌ لها غيرُ مُهين ومنِ امتهنَ في طاعةِ اللهِ فذاكَ عزيزٌ غيرُ مُهين. ألا أخبرُكَ بكلِّ مهان ممتهَن. في قبضةِ الذُّلِّ مرتَهن كلُّ متهالكٍ على حبِّ هذهِ الهَلوك منقطعٍ إلى أحدِ هؤلاءِ المُلوك يدينُ له ويخضع ويُخبُّ في طاعتهِ ويضع لا يطمئن

стр. 114

قلبهُ ولا تهدأ قدمُه. ولا ينحرِفُ عن خدمتهِ هَمهُ ولا سدمُه ينتصبُ قُدامهُ انتصابَ الجذِلِ وهو ملآنُ منَ الجذَل بعرضٍ يحسبهُ مصوناً وهوَ كمنديلِ الغمر مبتذَل له ركوعٌ في كلِّ ساعةٍ وتكفير وخرورٌ على ذقنه وتعفير واجماً لاحترازهِ من سخطةِ الملكِ واحتراسهِ مُقسماً إن أقسَم

стр. 115

جهدَ اليمينِ على راسهِ. فإن حانت منه إليه التفاتةٌ وكلفه شُوَيناً فأيُّ خطبٍ على رأسهِ عُصِبْ. ولكفايةِ أي مهمّ منَ المهماتِ نُصِب. لا يقرُّ به قَرار. ولا يرنّقُ في عينهِ غِرار. لفرطِ تشاغلهِ واهتمامه وركضهِ من وراءِ إتمامه فإن قيلَ له يا هذا خفِّض من غُلوائك وهوّن وأرخِ من شكيمةِ هذا الجدّ وليّن. قالَ لا واللهِ هكذا أمرني الأميرُ وبأجدَّ من هذا

стр. 116

أوعزَ وأشار ولو وصفتُ لكم وصاياهُ إليَّ لما بلغتُ المِعشار. الإيمانُ باللهِ عندهُ والاقتداءُ برسولهِ أن ينتهيَ من خبثِ الطّعمةِ إلى طلبتهِ ورسوله. فاستعذ باللهِ من مقامِ هذا الشقي. وانتصِب في المحرابِ على قدميِ الأوَّاب التّقي. وذِلَّ لربِّك اليومَ تعزَّ غداً وتعَنَّ أياماً قلائلَ تسترِح أبداً وإياك وتضجيع المُتثاقل. وحاشاكَ من توصيم

стр. 117

المتُكاسل إنَّ المِكسال من نُعوتِ بيضِ الحِجال. لا من أوصافِ بيضِ الرّضجال واستحي من ربِّكَ ربِّ العزةِ خالقِ العزِّ والأعزَّة أن يفضُلكَ في الطاعةِ والانقياد مستخدمُ بعضِ الأذلاءِ من العِباد. مقامة التصبر يا أبا القاسم نفسُك إلى حالها الأولى نزَّأة فاغزُها بسريّةٍ من الصبرِ غزَّأة. لعلّكَ تفلُّ شوكتَها وتكسِرُها. وتجبُرها على الصَّلاحِ وتقسرُها فإن عصتْ وعتتْ وعدَتْ طوْرَها. وألقَتْ بصحراءِ التمرد زَوْرَها وانقشعتْ عن غُلُبتّها.

стр. 118

ووقعت على مُصابرتكَ الدَّبرة وعلمِتَ أنَّ صبرَك وحدهُ لا يقومُ عِنادَها ولا يقاومُ أجنادَها فاضمُمْ إلى الصَّبر من التصبرِ مَددا وأوْلهِ منَ التشدَّدِ عُدَّةً وعددا. واعتقد أنَّ الخطبَ ليسَ منَ الدَّدْ إنما هوَ منَ الإدَد. ومما إن أعضَلَ وتفاقمَ له يكفهِ التعارُك. وعجزَ عنهُ التّلافي والتّدارك. فإن رأيتَ الصَّبر والتصبرَ لا يفيان وعلمتَ

стр. 119

أنهما لا يكفيان، ووجدتَ شرَّها يزدادُ ويربو. وشرَّتها تمضي ولا تكبو. وزرْعُ باطِلها يزكو. وضِرامَ غيَّها يذكو. فخادِعها عمّل تنزو إليهِ وتطمحْ. وتمدُّ عينيها إليهِ وتلمح واستقبِلها بما يُذهلُها ويُلهيها عنِ المطالبِ التي تشتهيهيا وينأى بجانبها عما يخلجُها من النّظر ويتولّى بُركنها عمّا ينزِعها منَ البطَرْ. جرِّدها عنِ الملبَس البهي. وافطِمها عنِ المطعمِ الشهي وزحزِحها عن وطأةِ المطرَح ووضاءةِ المطمَح. وجافِها عنِ الفراغِ المورثِ للكسلْ، والرقادِ المعقبِ للرَّهل. وأذِقها أكلَ الخشبِ ولُبسَ الخشنِ وخذْها بالنومِ المشرِّد.

стр. 120

والشرب المصَرِّد. ومُسها بالجوادِ والجوع ونحِّها عنِ الهُجودِ والهُجوع وعرِّضها لكلِّ مضجعٍ مُقض. وحدِّثها بكلِّ مفجعٍ ممض. واستفزِز بها في الأحايين بمثلِ ما يؤثُر عن بعضِ الصالحين. من إيلامِها بلذعِ الجمرّة ووخزِ الإبرة. وغسِّلها بالطهور الباردِ في حدِّ السّبره. وتدويرِها في المقابرِ والخراب وتعفيرِ وجهها بالتراب. فلا تفتر في خلالِ ذلك أن تعرِض عليها ما وعدَ اللهُ الأتقياء. وما أوعدَ به الأشقياء وأن تكرِّر على مسامِعها السورَ التي تُروعُ وترْدَع والآياتِ

стр. 121

التي تقرَعْ وتقدَعْ. وأن تقذِفَ عليها كلَّ عبءٍ منَ العبادةِ باهظ، وترميها بما يُحكُّ في قلبها ويحيكُ منَ المواعظ. فإنّك إن فعلتَ ذلكَ استبدلتْ من نزوتها سُكوناً واعتاضت ولانتْ بعدَ جِماحها وارتاضت ولم تأبَ عليك خيراً تريدُه. ولا عملاً صالحاً تُبدئهُ وتُعيدُه واحتفظ بما ألقي إليكَ من بابِ الرياضةِ من جوهرةِ ابن عُبيد فإنّه خيرٌ لكَ من جمهرةِ ابنِ دُريد.

стр. 122

مقامة الخشية يا أبا القاسم ما بالُك وبالُ كلٍ من تَرى ممّن يدبُّ على وجهِ الثرى. إذا دعا أحدكم هذا المَلكُ المُستولي والسلطانُ المُستعلي راعَهُ ذلكَ رَوْعاً عجيباً. وامتلأ قلبهُ زفرَةً ووَجيبا. وعَرَته الرَّعدَةُ والرَّعشة كأنّما دُهي وشُغِلَ عن نفسهِ شغلاً أضلَّ لهُ الحلمَ والسكينة وأغفلَ لهُ الوَقارَ والطمأنينة. واسُتطيرَ واسُتطربَ وامُتقعَ لونهُ وانتُقعْ، وحسِبَ أنّهُ وقُعَ له بخراجِ مصرَ أو ببيضتهِ أُوقِعْ للخوفِ والرَّجاءِ في قلبهِ

стр. 123

مضطرب، يتعاقبُ عليهِ الحربُ والطرَبْ. ومرَّ مشدوهاً لا يدري أيُّ طرفيهِ أطوَل مَدهوشاً.

стр. 124

يتراءى له الشخصُ شخصينِ كأنُه أحوَل. فإذا رُفعتْ له الأعلامُ والقِباب. وملأ عينيهِ الفِناءُ والباب. وأفضى إلى ما وراءَ الحِجاب منَ الوجهِ المحتجِب والرَّأسِ المعتصب فلا تسأل حينئذٍ عن مُضلعةٍ منَ التهيبِ تكادُ تقوَّمُ أضلاعه وفادحةٍ من الاحتشامِ تفوِّتُ استقلالهُ واضطلاعَه ثمَّ إمّا أنْ يُمسَّ بسوطٍ منَ السخطِ فما أهونَهُ وأهَونُ منه من يخشاهُ ويرهبه وإما أن يلبسَ ثوباً من الرِّضى فما أدونَهُ وأدونَ منهُ من يرجوهُ ويطلبُه. ولو أنكَ أجلتَ عينيكَ في هذا السوادِ كلهِ لا في أكثرهِ. وأدرتُهما على

стр. 125

أسودِه وأحمرِه. لما أبصرتَ أحداً إذا نوديَ للصِّلاةِ والنداءُ نداءُ مالكِ الملوكِ وممالكِهم. ومتولّي معايشهِم ومهالكِهم. والصلاةُ عبادتهُ التي صبّها في الرِّقاب. أدارَ فعلَها وتركَها بينَ الثّوابِ والعِقاب. والثوابُ ما لا ثوابَ أبهى منهُ وأسَر. والعقابُ ما لا عقابَ أدهى منه وأمر يرهقهُ نبذٌ مما رهقهُ معَ دعوةِ العبدِ الذليل. أو يدهمهُ ذرْوٌ مما دهمَهُ عند نداءِ البشرِ الضئيل. هل رأيتَ في عمرِك وأنتَ بينَ ألفِ نفسٍ مسلمة وفي كنفٍ من أعلامِ العلمِ وفوارسهِ المعلمة وقد نعقَ المؤذِّنُ شخصاً قد تحيّر. أو وجهاً قد تغير

стр. 126

أو جبيناً قد عرِق. أو جفناً بدمعهِ شرِق وهلْ شعرتَ بصدرٍ يزَفر وقلبٍ يجب وهلْ أحسستَ أحداً يؤدِّي بعضَ ما يجب. لو لم تكنْ إلا هذه الواحدةُ لكفَى بها موجبة أن نعذَّبَ عن آخرِنا ونُكبَّ في النارِ على مناخرِنا. مقامة اجتناب الظلمة يا أبا القاسم إن رأيتَ أن لا تزورَ عاتكةً متغزِّلاً وأن تزْوَرَّ عن بيتِها متعزِّلاً وأن يشغلَكَ عن ذكرِها وذكرِ أختِها لَعوب دوِامُ

стр. 127

الفكرَ في سكراتِ شَعوبْ فافعلْ صحبِكَ التّوفيق ونِعمَ الصَّاحبُ والرَّفيق كم زُرْتَ أبياتهما وزوَّرْتَ فيهِما أبياتَك وبعتَ بأدنى لقائِهما وتحيتهِما حياتَك. وكأيّنْ لكَ من تشبيبٍ ونسيب وتخلصٍ إلى امتداحِ دخيلٍ أو نسيب ومنْ كلمةٍ

стр. 128

مخزيةٍ شاعرَه وقافيةٍ طنّانةٍ ناعرَه ومطلعٍ كما حدرَتِ الحسناءُ من لثامِها. ومفطعٍ كما اسُتلذَّتِ الصَّهباءُ بطيبِ ختامِها. أيةَ نارٍ شَببتَ على كبدِكَ إذ شببّتْ وإلى أيِّ عارٍ نسبتَ نفسكَ حينَ نسبتْ وغايةُ الخزي والشّنار. في الجمعِ بينَ العارِ والنار. أنَّ صاحبَ الغزلِ والنّسيب. ليس له عندَ اللهِ مِن نصيب. سُحقاً لما يجري منَ القوافي على ألسنِ المُنشدين. ومرحباً بالنفوس القوافي في آثارِ المُرشدين. مِن أينَ يفكِّرُ في الاستهلالِ والمطلعْ من هوَ منوطُ

стр. 129

الفكرِ بأهوالِ المطلع. وكيف يفرُغُ للإغرابِ في التخلصِ إلى المدح مَن هوَ مِن طَلب تخلصٍ آخرَ في الكَدِّ والكدْح لقد أضللتَ همتكَ في وادي الشِّعرِ فاصِخْ لمنشدِها. وإن أُنشدْتَ نُفاثاتِ الشعراءِ فلا تُصغِ إلى مُنشدِها نادِ أمَّ

стр. 130

الشعراءِ يا خَباث وعجِّل بَتاتها بالثلاث ولا تُراجعْ الرَّكونَ إلى أهلِ الحَيفْ. وإن عرضوكَ على غِرارِ السَيف وأجرَّ لسانَكَ أن تنطقَ بثناءٍ لهمْ وامتِداح وسافرْ بمطعمِك عنِ امتيارٍ لهم وامتيِاح وقُل عَقَرى لمَن يرفعُ عقيرتَهُ بالنّشيدِ بينَ أيديهم وترِبَتْ يدا مَن بَسَطهُما إلى أعطياتِهم وأياديهِم. من وقفَ وقفةً لأحدهِم على رَبع فليغسل قدميهِ سبعينَ فضْلاً عن سبع. ويحكَ لا يُرَيَنَّ جسمُكَ في أبوابهِ ولا يُجرَينَّ اسمُكَ في ديوانهِ. ولا يخطُوَنَّ قدمُكَ في إيوانهِ وطيِّب نفسَكَ

стр. 131

عمّا ليسَ بطيبٍ من أرزاقهِ. ولا تلوِّثها بالطمعِ في إرْفادهِ وإرزاقهِ. وإيّاكَ وهذهِ المراسمَ المسمّاة. فإنها والمواسمَ المُمحاه. ولا تفرِّق بينَ تسويلاتِ الشياطين. وبينَ تسويفاتِ السّلاطين ولا بينَ إضرارِ الأهوَال وإدرارِ تلكَ الأموال ولا تقفْ إلا بينَ يديْ ربِّكَ ولا يكنْ ظلكَ عن فنائهِ قالصا واجعل ثناءَكَ لوجههِ خالِصاً. واسألهُ الطيبَ في جميعِ ما تَكتسِبْ. واتّقهِ يرزُقكَ مِن حيثُ لا تحتسِب. أثنِ على رَبِّ البَشَرْ ... على الذّي أعطى الشّبَرْ.

стр. 132

أعطَى الذي عَيَّ الوَرَى ... بحصرِهِ ولا حَصَرْ. حسبُكَ ما أولاكَ مِن ... قلْبٍ وسَمعٍ وبصَرْ. ومِنْ لِسانٍ مُطلَقٍ ... للذكْرِ كالسيفِ الذَّكرْ. آياتُ صِدقٍ وعِبَرْ ... وهُنَّ آلاتُ العِبَرْ. مقامة التهجد يا أبا القاسم أكرَمُ النفوسِ أتقاها. وخيرُ الأعمالِ أنقاها فليكنْ عَمَلُكَ نقيّاً ناصِعاً وجيبُكَ في ذاتِ اللهِ تعالى ناصِحاً لا تكُن العاملَ الأخرَقَ الذي يأمُلُ بعملهِ حوْزَ الثّواب. والفوزَ

стр. 133

في المآب. ثمَّ يخيسُ آخرَ الأمرِ بأملهِ. إنّهُ كانَ لا يكيسُ في تنقيةِ عملهِ. عملُكَ للملكِ القُدوسِ فائتِ بهِ مُقدَّساً. وحاذِرْ أن يجيءَ ما توجهَ إليه مُدنساً. اغسِل دَرَنَ الرَّياءِ عن صفحاتهِ واحترِس أن يُصيبهُ التكلفُ بنفحاتهِ اقصد بهِ وجههُ دونَ سائرِ المقاصد. تقعُد ممّا تَرجو من فواضِلهِ بالمراصدِ. أصفهِ فلَن يقبلَ منكَ إلا الأصفى. وأخفِ دعاءَهُ فقد أمرَكَ بالإخفا. وترقبْ بهِ جُنحَ الليلِ إذا أسدَلَ جناحهُ

стр. 134

وأسدَف وأرخَى قِناعَهْ وأغْدَق. وضرَبَ السباتُ على الآذانْ. وخيطَ مَلاقي الأجفان ولفَّ صَرْعاهُ في الأكفانْ. وبقيتَ كأنّكَ وحدَكَ على الصَّعيد ليس لكَ ما خَلا القعيدينِ من قَعيد. لا تشعرُ حركةً ولا حِسّا ولا تسمَعُ رِكزاً لا وهمْساً. واستبدِل حينئذٍ تهجدُكَ من هُجودكَ واعقِد عينيكَ بموقعِ سُجودِكَ واخشعْ لَمنْ تخشعَ له

стр. 135

الملائكةُ في سمواتهِ. واخشَ الذّي تخشى السمواتُ سطَواتهِ. وارحَم اجفانَك أن يتشبثْ النعاسُ بمَلاقيها. وخليها والبُكاء وإن قرِحتْ مآقيها. ابكِ على ما حملتَ من أوزارِكَ وخطاياك وما رحلتَ معَ أشياعِ الجهلِ مِن مطاياك. وتضرَّعْ إلى ربِّكَ وتضوَّر واستجرِ عائذاً بهِ واجأر. فرُبَّ عبدٍ تنزلَ بتضورِهِ وجؤارِه في الحرَمِ الآمنِ من كريمِ جوارِه. مقامة الدعاء يا أبا القاسم حَسُبك ما أسلفتَ من الصَّبَواتِ فأمسِك. واحرِصِ أن يكونَ يَومُكَ وغَدُكَ خيراً مِن أمسِك. جنِاياتُك على نفسِكَ تَترى. والأمورُ الألهيّةُ كما تسمعُ وترَى. عزْمٌ لا لينَ ولا هَوادة.

стр. 136

وجَدٌ لا هزْلَ ولا مَكادَه. وبطشَهُ جبّارٍ لا تُطاق وسطوَةُ مُقتدرٍ يضيقُ عنها النِّطاق. فما هذهِ الجسارَةُ ولا جِسرَ إلى النّجاةِ إلا أن تجني. ومَن غَرَسَ القتادَ لم يجنِ منهُ الثمَرَ ولن يجني. هاتِ سُلطانكَ فيما ارتكبت. وهلُمَّ بُرهانَكَ فيما احتقبتْ هيهاتَ لا سُلطان. إلا أنك

стр. 137

أطعتَ الشَيطان وكَلاَّ ولا بُرهان إلاَّ أنّك أخذتَ العاجِلَ بما عَزَّ وهان. ولا معذرَةَ إلاَّ أنَكَ ذُقتَ طعمَ الإترافِ فاستطبْتَه. ودعاكَ داعي الإسرافِ فاستجبتَه هذه براهينُ السامدينَ اللاَّهين. واللهُ الصَّمَدُ لا يقبَلُ هذهِ البراهين وهذهِ عِللُ المبطلينَ معاذِرُهم. وبمثلها لا تؤمَنُ أفزاعُهم ومحاذِرُهم. اعطفْ على سيِّئات قدَّمْتَها فندَّمَكَ تقديمُها بحسناتٍ تُدمنُ إقامتَها وتُديمُها. إنَّ الحسنَةَ لتَسحَقُ السَّيئَةَ عن صاحبِها وتَسحُوها. وتمحَقُ آثارَها وتمحوها. كما تَسحو المِبراةُ الرَّصيفةُ الحِبرَ عنِ الطَّرْس. وكما يمحو الماءُ الطُهورُ أثَرَ الرَّجْس وابسُطْ يديكَ إلى ذي المنةِ والطّوْل. وابرَأ إليهِ منَ القوَّةِ والحوْل. وقُل وجناحُكَ منَ الخُشوعِ خفيض. ودمعُكَ على الخدَّيْنِ يفيض. وحلقُكَ بالبُكاءِ شرِق. وجبينُكَ مِنَ الحياءِ

стр. 138

عرِق. وصوتُكَ لا يكادُ يسمعُ وَجلا. ولِسانُكَ لا يكادُ ينطِق خجلاً. يا ربِّ قد فضحْتُ نفسي بينَك وبيني. وقدِ اطَلعتُ على عيبي وشَيني. ولم يخفَ عليكَ دِخلَتي وسِري الخبيث. وعرَفتَ قِصَّتي وحديثي وبِئسَ القصَّةِ والحديث. وكفَتْني فضيحةً ألُفُّ لها رأسي مِنَ التشوُّر. وألفِّعُ وجهي منَ التخَفُّر على أنكَ دونَ قناعَ كلِّ متقنِّعْ ووراءَ لثامِ كلِّ متلفِّعْ. فلا تفضحْني بينَ خلقِكَ يومَ تُبلى السرائِر، ويُنعى على

стр. 139

المجرمينَ بالجرائمِ والجرائر. فاعطِف بكرمِكَ على عبدِك فلا خيرَ عندَهُ إلاَّ مِن عندِك فالمَوْلى الكريمُ يصفَحُ عن جُرْمِ العبدِ وذنبهِ. إن عرَفَ منهُ النَّدَمَ على ما فرَّط في جنبهِ. مقامة التصدق يا أبا القاسم ضُروبُ السخاءِ جمةٌ دَثْرَة. ولا تكادُ تحصيها كثرَة، وليسَ السخاءُ كلُّ السخاءِ أن يُتلقى الضيف بكوْسِ العقيرِ وكاسِ العُقار. وأن تُوقَرَ ركائبهُ يومَ ظعنهِ بالأوقار. وأن يُقرى الطَّارِق في الجَفنةِ الغّرَّاءْ وتُسبقُ البَدرَة

стр. 140

بين جماعةٍ منَ الشعراء ويُجاز زِيادٌ بالبريّاتِ منَ الصَّدَفِ النعمانية أو يحشى فمُ فُلانٍ ببناتِ الصَّدَفِ العُمانيّة. وأن يُفعلَ ما يُحكى عن أبناءِ بَرْمَكَ وابنِ الفُرات. وما طمَّ مِن رِفدِهِم على الرَّافدين دَجلةَ والفُرات. إنَّ مَن أنزلتَ بهِ أملَكْ. فتسخى عليكَ بما ملك. فما تَرَكَ كرَماً إلاَّ أدركَه. ولا أدرَكَ لؤماً إلاَّ تركَه. وإن أخفى عورتَكَ بخُريقةٍ تكتَسيها. أو أطفأ سورَتكَ بمُريقةٍ تحتسيها. فإن ضاقتْ عن ذلكَ طاقتُه وفاقتِ المفاقِرَ كلها فاقَتهُ

стр. 141

فتلقّاكَ ببشرٍ يؤنِسُ وخُلُقٍ يونِقُ وتحيّةٍ تعْلو وكلمة تحْلو فللهِ دَرُّهُ مِن قِرى غيرِ عاتم ويالَهُ مِن جودٍ يُمثّلُ بجودِ حاتم. فلا تدَعْ أجدَبَ ما تغدُو رَحلا. وأصعبَ ما تَرَوحُ مَحْلا. وأضيقَ ما يكونُ يَدا. وأقَلَّ ما تصير جَدا. أن تجعلَ الصَّدقَة على بالكْ. وللنّحْلةِ حظّاً مِن مالِك. إنَّ اللهَ قدْ أملكَكَ عققيلَةَ ما يُملَك.

стр. 142

فَسُق إليهِ الصَّدُقة والصَّدقَةَ لا أبَ لك. هيَ الصَّدَقةُ تُصيبُ بها عبادهُ الّذينَ إنما استقرَضَكَ من أجلهِم ونبهكَ بذلكَ على نباهةِ فضلهِم. وتعمدَ بها المتعفِّفين. ولا ترزأ نصيبَ المتكففين. لا تمنع خيرَكَ لأنّهُ نَذرْ ولا دَرَّكَ لأنّهُ مَزْر فرُبما تناولتَ المُعْترَّ بالحفنة وأنتَ أفضلُ مِن القاري في الجْفنة ورُبّما رضَختَ اليتيمَ بالقيراطِ وأطعمتَهُ الفِدرَه وأنتَ أكرَمُ ممّن عقَرَ وممّن سبقَ البدْرَه المتصدِّقُ لوجهِ الله

стр. 143

بقِطمير فوقَ المتخرِّقِ لأعينِ الناسِ بقناطير. وعجَّلْ ما تَهبُ فإنَّ ما عجلتَ وإن قَل. خيرٌ مما أجلْتَ وإن جَل. مقامة الشكر يا أبا القاسم نِعَمُ اللهِ عليكَ لا تُحصَرُ ولا تُحصى. ومَن يقدِرُ على حصرِ الرَّملِ وإحصاء الحَصى. وإن أخذتَ في أصغرِها حَجماً وأخصرها. وأضيقها باعاً وأقصرِها بَرَدَ فَهمُك الوَقّادُ وخَصِر. ووقفَ لِسانُك الوَقاعُ وحصر على أنَّ وصفَ شيءٍ منها بالصِّغرِ كُنود. واستقلالهُ انحرافٌ عنِ الواجبِ وعُنود فكِّر في النفسِ الواحدِ وبلةِ اللهاةِ بالرِّيق. تعرِفِ الخطأ في صفتهِ بالقلةِ والضّيق. رَقاكَ عَزَّت قدرتهُ

стр. 144

إلى صُلبٍ طاهر. وترائبِ أم لم تكنْ بعاهر ثمَّ حطكَ إلى رحمٍ نقيه. وأجنكَ في بطنِ أم تقية ثمَّ أطلعكَ حيواناً سوِيَّ الأطراف. وإنساناً سليمَ الجوارحِ والأعطاف. ذا سمعٍ وبصرٍ وفؤاد ذا نورٍ بصّاصٍ في سَواد وهو نورُ البصرِ في سوادِ ناظرَيك. ونورُ البصيرةِ في سوادِ أحدِ أصغرَيك وأنزلكَ في سعةِ المضطرَبِ بعدَ الأرهاق. وأعَدّ لكَ قبلَ ذاكَ أهناءَ الأنزال والأرزاق. وقَيضَ لكَ على حينِ ضَعفكَ وقرْبِ عهدِكَ. واستلقائكَ عاجزَ النهض على مَهدِك رَطبَ العِظامِ رِخْوَ المفاصلِ. كأنّكَ

стр. 145

أزيْغبُ من حُمْرِ الحَواصِل. مُهيمنةً ترْأفُ بكَ وترحمُكَ. وترَفرِفُ عليكَ وترأمُك. وتظأرُكَ وتحضُنُك وتصونُكَ ممّا يؤذيكَ وتحَصِّنُكَ. تضعُكَ على لَبانها. وتُرْضِعكَ بلِبانها. وتؤنِسُكَ بالمُناغاةِ إذا استوحَشتَ وتصَمِّتُك بالتّعليلِ إذا أجهَشت. ولمّا طفِقَ يُرَشِّحُكَ لإصابةِ الطيِّباتِ التي يرْزُقُك. وأنشأ يُنشئكَ للتوصلِ إلى غرائبِ حِكمٍ يُسددُكَ لها ويوفقُك. جعلَ أسنانكَ في مغارزِها مُركبه. وصيرَها على مراتبِ الحكمةِ مُرتبة. ودبرَ في فيكَ للأصواتِ مَدارج وللحروف المبسوطةِ مخارج وأطلقَ لسانَكَ فتكلمت وعلمَكَ طرُقَ البيانِ فتعلمْت. ولقنكَ الشّهادتَين. وحفظكَ ما بين الدفتَين.
следующие страницы →