← Адаб

Адаб · id 26586

مقامات الزمخشري

الزمخشري

Полный текст (242 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فتلقّاكَ ببشرٍ يؤنِسُ وخُلُقٍ يونِقُ وتحيّةٍ تعْلو وكلمة تحْلو فللهِ دَرُّهُ مِن قِرى غيرِ عاتم ويالَهُ مِن جودٍ يُمثّلُ بجودِ حاتم. فلا تدَعْ أجدَبَ ما تغدُو رَحلا. وأصعبَ ما تَرَوحُ مَحْلا. وأضيقَ ما يكونُ يَدا. وأقَلَّ ما تصير جَدا. أن تجعلَ الصَّدقَة على بالكْ. وللنّحْلةِ حظّاً مِن مالِك. إنَّ اللهَ قدْ أملكَكَ عققيلَةَ ما يُملَك.

стр. 142

فَسُق إليهِ الصَّدُقة والصَّدقَةَ لا أبَ لك. هيَ الصَّدَقةُ تُصيبُ بها عبادهُ الّذينَ إنما استقرَضَكَ من أجلهِم ونبهكَ بذلكَ على نباهةِ فضلهِم. وتعمدَ بها المتعفِّفين. ولا ترزأ نصيبَ المتكففين. لا تمنع خيرَكَ لأنّهُ نَذرْ ولا دَرَّكَ لأنّهُ مَزْر فرُبما تناولتَ المُعْترَّ بالحفنة وأنتَ أفضلُ مِن القاري في الجْفنة ورُبّما رضَختَ اليتيمَ بالقيراطِ وأطعمتَهُ الفِدرَه وأنتَ أكرَمُ ممّن عقَرَ وممّن سبقَ البدْرَه المتصدِّقُ لوجهِ الله

стр. 143

بقِطمير فوقَ المتخرِّقِ لأعينِ الناسِ بقناطير. وعجَّلْ ما تَهبُ فإنَّ ما عجلتَ وإن قَل. خيرٌ مما أجلْتَ وإن جَل. مقامة الشكر يا أبا القاسم نِعَمُ اللهِ عليكَ لا تُحصَرُ ولا تُحصى. ومَن يقدِرُ على حصرِ الرَّملِ وإحصاء الحَصى. وإن أخذتَ في أصغرِها حَجماً وأخصرها. وأضيقها باعاً وأقصرِها بَرَدَ فَهمُك الوَقّادُ وخَصِر. ووقفَ لِسانُك الوَقاعُ وحصر على أنَّ وصفَ شيءٍ منها بالصِّغرِ كُنود. واستقلالهُ انحرافٌ عنِ الواجبِ وعُنود فكِّر في النفسِ الواحدِ وبلةِ اللهاةِ بالرِّيق. تعرِفِ الخطأ في صفتهِ بالقلةِ والضّيق. رَقاكَ عَزَّت قدرتهُ

стр. 144

إلى صُلبٍ طاهر. وترائبِ أم لم تكنْ بعاهر ثمَّ حطكَ إلى رحمٍ نقيه. وأجنكَ في بطنِ أم تقية ثمَّ أطلعكَ حيواناً سوِيَّ الأطراف. وإنساناً سليمَ الجوارحِ والأعطاف. ذا سمعٍ وبصرٍ وفؤاد ذا نورٍ بصّاصٍ في سَواد وهو نورُ البصرِ في سوادِ ناظرَيك. ونورُ البصيرةِ في سوادِ أحدِ أصغرَيك وأنزلكَ في سعةِ المضطرَبِ بعدَ الأرهاق. وأعَدّ لكَ قبلَ ذاكَ أهناءَ الأنزال والأرزاق. وقَيضَ لكَ على حينِ ضَعفكَ وقرْبِ عهدِكَ. واستلقائكَ عاجزَ النهض على مَهدِك رَطبَ العِظامِ رِخْوَ المفاصلِ. كأنّكَ

стр. 145

أزيْغبُ من حُمْرِ الحَواصِل. مُهيمنةً ترْأفُ بكَ وترحمُكَ. وترَفرِفُ عليكَ وترأمُك. وتظأرُكَ وتحضُنُك وتصونُكَ ممّا يؤذيكَ وتحَصِّنُكَ. تضعُكَ على لَبانها. وتُرْضِعكَ بلِبانها. وتؤنِسُكَ بالمُناغاةِ إذا استوحَشتَ وتصَمِّتُك بالتّعليلِ إذا أجهَشت. ولمّا طفِقَ يُرَشِّحُكَ لإصابةِ الطيِّباتِ التي يرْزُقُك. وأنشأ يُنشئكَ للتوصلِ إلى غرائبِ حِكمٍ يُسددُكَ لها ويوفقُك. جعلَ أسنانكَ في مغارزِها مُركبه. وصيرَها على مراتبِ الحكمةِ مُرتبة. ودبرَ في فيكَ للأصواتِ مَدارج وللحروف المبسوطةِ مخارج وأطلقَ لسانَكَ فتكلمت وعلمَكَ طرُقَ البيانِ فتعلمْت. ولقنكَ الشّهادتَين. وحفظكَ ما بين الدفتَين.

стр. 146

وهَداكَ النجدَين. وألقى إليكَ الصِّفَتين فوصفَ لكَ ما تؤدِّي منهُما إلى النّجاة مسالكُه. وعرَّفَ لكَ ما لا تؤمَنُ بَوائقهُ ومهالكهُ. لئلاَّ تقعَ في أعقالِ الباطلِ ومجاهله. ولتنصَبَّ إلى شرائعِ الحقِّ ومناهلهِ. ثمَّ خوَّلكَ من جزالةِ الفضلِ ما حلقَ على هامِ أمانيك. ولم تطمَحْ إليهَ ظُنونُ عشيرَتكَ وأدانيك. ورفعَ لكَ في ذلكَ صيتاً صيّتا. وحُسنَ ذكرٍ يضمنُ لكَ الحياةَ ميِّتا ثمَّ أوسعكَ تقلباً في الجنابِ الأخضر. وافتراشاً للمِهادِ الأوثر. منَ العيشِ الرَّافغِ والبالِ الفارغ والمشربِ الرَّافهِ. والمركبِ الفاره والمنظر المرموق والمسكنِ الموموق والدَّارِ ذاتِ الزَّخارفِ والزَّفارِف. والحديقةِ ذاتِ

стр. 147

الأكلِ والظلِّ الوارِف والقنيةِ المُغنيةِ والغنيةِ المُقنيه. إنما أولاكَ ما أولاكَ لتنظُرَ في وجوهِ نعمائهِ مفكِّرا. وتتوفرَ على محامدهِ متشكِّرا. فخالفتَ عمّا أرادكَ عليه. ونبذتَ ما أهاب بك إليه مخلداً إلى الشيطانِ ونزَغاته، مُقبلاً على الشّبابِ ونزَقاته. مائِلاً على الطّيشِ ونزَواته مُوغِلاً في التّصابي ونشواتهِ. تسُدُّ مسامعِكَ دونَ من ينتصَّح. وتوّدُّ لو رُميَ بعيٍّ فلا يتفصَّح يكادُ يزيدُك على الشرِّ إغراء. وعلى ارتكابهِ إضراء. ولقد فعلتَ ما فعلتَ ممّا هوَ الخبيرُ بخباياه. والمطلعُ على خفاياه. وهوَ يُرْخي على مَعايبِكَ سِتراً لا يشف

стр. 148

جافياً ويُسبِلُ على مثالبِكَ ذَيلاً لا يصِفُ ضافياً. ويحامي عليكَ ممّا يُشوِّرُ بكَ ويفضحُك. ويُشوِّهُكَ عندَ النّاسِ ويُقبِّحُك. كلما ازدَدْتَ بلؤمِكَ غمصاً لأياديهِ وكفرانا. زادَكَ بكرمهِ الواسعِ طَوْلاً وإحسانا. هذا إلى أن بلغتَ الأربعينَ أو نيفْتَ عليها وهي الثنيةُ التي على الأريبِ العاقلِ إذا شارَفها أن يرعوِي. وعلى اللّبيبِ الفاضلِ إذا أنافَ عليها أن يَستوي. فكانَ أقربَ شيءٍ منكَ التِواؤك. وأبعدَ شيءٍ عنكَ استِواؤك. فلم يشأ لكرمهِ خِذلانَك. وأن يُخلِّيكَ وشانَك. بل شاءَ أن يَسوقَ نحوك النِّعمةَ بكمالها وتمامِها. وأن يحدوَها ويهديها إليكَ من خلفِها وأمامِها. فأذاقَك مِن بلائهِ مَسةً خفيفةً إلاَّ أنها طحنَت يا مسكينُ مَتنَكَ وصُلبَك. وكبسَتْ شدائدُها صدرَكَ وقلبك. وداستكَ وعرَكتكَ بالرِّجلِ

стр. 149

واليَد ووطِئتكَ وطأ المقيد فكانت لعمري زَجرَةً أعقبتكَ من رُقادِ الغفلةِ يقظَه. وصبتْ في أذنيكَ أنفعَ نصيحةٍ وأنجعَ موعِظه. وقذفَتْ في قلبكَ روعةً خَفَقَتْ منها أحشاؤك. وكادَ ينقطعُ أبهرُكَ وتنشَق مُرَيطاؤك. فلم يكن لكَ بُدٌ من أن تعوذَ بحقوَيِ الإنابةِ والأرعواء. وأن تلوذَ برُكنيِ الإلتجاءِ إليهِ والإنضواء. فأفرَغَ عليكَ ذُنوباً من رحمتهِ. وأعفاكَ منَ التّعريضِ لمُغافصَةِ نقمَته. ومَنَّ عليكَ بمسحةٍ لضُرِّك. وأحظاكَ بفُسحةٍ في أمرِك. وبصرَكَ ما حقيقةُ شأنكَ وفهمَك. وأخطرَ ببالكَ ما يصلحِكَ وألهمك. وأخذ إلى المراشدِ بيدِك. وجرَّكَ حاثّاً لكَ من مِقوَدِك. وتابعَ عليكَ ألطافَهُ الزَّائدةِ في إيقانك. الشادَّةِ لأعضادِ إيمانك. فبشكرِ أيةِ نعمةٍ تنهضُ أيها العبدُ العاجز. هيهاتَ قد حجزَتْ دونَ ذلكَ الحواجز. أبهرُكَ وتنشَق مُرَيطاؤك. فلم يكن لكَ بُدٌ من أن تعوذَ بحقوَيِ الإنابةِ والأرعواء. وأن تلوذَ برُكنيِ الإلتجاءِ إليهِ والإنضواء. فأفرَغَ عليكَ ذُنوباً من رحمتهِ. وأعفاكَ منَ التّعريضِ لمُغافصَةِ نقمَته. ومَنَّ عليكَ بمسحةٍ لضُرِّك. وأحظاكَ بفُسحةٍ في أمرِك. وبصرَكَ ما حقيقةُ شأنكَ وفهمَك. وأخطرَ ببالكَ ما يصلحِكَ وألهمك. وأخذ إلى المراشدِ بيدِك. وجرَّكَ حاثّاً لكَ من مِقوَدِك. وتابعَ عليكَ ألطافَهُ الزَّائدةِ في إيقانك. الشادَّةِ لأعضادِ إيمانك. فبشكرِ

стр. 150

أيةِ نعمةٍ تنهضُ أيها العبدُ العاجز. هيهاتَ قد حجزَتْ دونَ ذلكَ الحواجز. مقامة الاسوة يا أبا القاسم للهِ عبادٌ رَهنوا بحقِّ الله ذِمَمِهُم. وعقدوا بابتغاءِ رِضوانهِ هِمَمِهُم. وصيروا نُفوسَهُم حُبُساً على المُجاهدةِ بها في سبيلِه. وسيروها ذُللاً في أزمةِ التقوى على آثارِ دليله. لها مِن يقينِهم هادٍ لا يَضل ومِن جدِّهم حادٍ لا يُمل. شِدَّةُ مِراسهِم في ذاتِ اللهِ تَقضِبُ الأمراس. وصَلابةُ معاجمهِم في الدِّينِ تُنبي الأضراس. هَينونَ ليْنون غيرَ أن لا هَوادةَ في الحقِّ ولا إدهان. بُلهٌ سِوى أنَّ غوْصَهم على الحقائقِ يعمر

стр. 151

الألبابَ والأذهان. مستمرونَ على وتيرةٍ لا تُخافُ حُراناتُهم ثِقاةٌ لا تعرِفُ النكثَ عهودهُم وأماناتُهم. كلما تبرَّجتْ لهُم الدنيا وتزينتْ بأبهجِ زينتِها. وتحلت بأبهى حِليتِها. مفتخرةً بوَشيها مُتبخترَةً في مشيِها. خطارةً بيديها متثنيِّة بأمِّ السرورِ متكنيِّه. غضُّوا دونَ رؤيتِها أجفانُهم وضربوا على اللباتِ أذقانُهم. لم يذهب عليهم أنها أمُّ الغُرور لا أمُّ السرور. وأنها إذا تبخترت حيرت. وإذا خطَرت أخطرَت ومتى برزَت متُبرِّجة. تركتِ الأحشاءَ متضرَّجة. ومتى تزينتْ وتحلت. تبينت شرورُها وتجلت. وعاذُوا باللهِ من لَبسِها المخشي. تحتَ لُبسها المَوشي. فإن خاطبتُهم بكلمةٍ في مَعناها استبشعوها. ومرُّوا عليها مُتصاميّن كأنْ لم يسمعوها. وذهبوا عن حديثِها وهرَبوا. وهضَبوا في حديثِ الآخرةِ فأسهبَوا. ورأيتَ عُيونُهم عندَ ذلكَ مُغْرَوْرِقةْ

стр. 152

وأناسيها في فيضِ شُؤنِهم غَرِقة. تصوُّراً لأهوالها كأنَّ المُتوقعَ منها واقع. وكأنَّ أجلَها ثابتٌ لديِهم ناقِع. تكادُ تقرَأ من سحَناتِهم. أنُهم نسّاؤنَ لحسناتِهم مُلقونَ بينَ أعينهِم السِّيئاتِ وجزاءَها لا تبرَحُ ممثلةً لها ماثلةً إزاءَها لأنفسِهم يَمهدونَ فيسهدَون ولمنجاتِهم يجتهدونَ فيتهجدون. بينَ جُنوبهم أنفسُ السعداء وفي صُدورِهم تنفسُ الصُّعداء أولئكَ الذّينَ منَ تشبه بهم فقد فازَ وسُعِد. وفَرَعَ ذؤابةَ العِزِّ وصَعِد. فاستوفِقِ اللهَ يهدِكَ لذلكَ الطريق. ويجعلكَ رفيقَ ذلكَ الفريق.

стр. 153

مقامة النصح يا أبا القاسم العَجبُ منكَ تعملُ أعمالَ الأشرار. وتأملُ آمالَ الأبرار. هكذا أهلُ الغَفلةِ وأحوالُهم المُتشاخِسة وأفعالُهم المُتشاكسة. حقكَ لو فطنتَ لما أنتَ عليهِ أيها الجامدُ البائس. والقنوط اليائِس. ستعلمُ عندَ معايرةِ الأعمالِ ومثاقيلِها. والموازنةِ بينَ خفيفِها وثقيلِها. أنَّ عملكَ منَ الخافيةِ في مهبِّ الريحِ أخف. ومِن لا شيءَ في العددِ أطف. أطمعُ مِن أشعبَ. وأحمقُ مِن تيس أشعَب مَن يعمل مل يوجبُ عُقوبةَ قارون. لم يأمُل مَثوبةَ موسى وهارون، لَو تأملتَ حقَّ تأملِّ لقلِّ تأميلُك. ولم يكثر تحامُلك على نفسكَ وتحميلُك. لا تزالُ تتحامَلُ عليها وتحمِّلُها ثِقالَ الخطيئاتِ والأوْزار. إلا

стр. 154

أنّكَ إذا اسُتحمِلتَ الطّاعةَ قُلتَ ضعيفٌ لا يقوى على هذهِ الأوقار. فأنتَ عاصياً أقوى قوةً مِنَ الفيل. ومحمولاً على الطّاعةِ أضعفُ مِن رأيِ الفيل. وإن سبقَتْ منكَ صالحةٌ في النّدرةِ شيّعتها بما يُحبطُها وإن صعدَت لكَ كلمةٌ طيّبةٌ أبرَدت وراءَها ما يُهبطُها فأنتَ بمنزلةِ مَن يلدِ ثمَّ يئِد وبمثابةِ من يصلِ ثمِ يستأصِل كم مِن نصيحة نُصحتَ بها فلم يوجد لكَ قلبٌ واع. ولا سمعٌ راع. كأنَّ أذُنكَ بعضُ الأقماع. وليست من جنسِ الأسماع وكم مِن عظةٍ ضرِبَ بها وجهُك فوجدتُها أبرَدَ مِن جَمد ووجدتكَ أقسى من جَلمَد لم تُعتصر من

стр. 155

جبيِنك رشحةٌ من حياء. ولا مِن وجنتكَ قطرةٌ من ماء على أن الحجرَ الصَّلدَ قد يِبض والصَّخرةَ الصَّماءَ رُبما تنِض لا حيا اللهُ مثلَ هذا الوجهِ الصَّفيق الخِذلانُ أحق بحاملهِ مِنَ التوفيق. مقامة المراقبة يا أبا القاسم ما أنتَ وإن خلَوْتَ وحدَكَ بفريد. معكَ مَن هوَ أقربُ إليكَ من حبلِ الوريد. وجنابتَيك حفيظانِ يتلقيان لا يغفُلانِ ولا ينتقيان. وما يُدريكَ ما لم تنظُرْ

стр. 156

بعينيِ الفِطنةِ والعقل أنكَ رُميتَ بخصمٍ ألدَّ وشاهدَي عَدلْ. إستكفِ لصحةِ إيمانكَ ومُعتقدِك. وطُمأنينةُ اليقينِ في خلَدِك. وما أوتيتَ مِن فضلٍ مُبين. ورأيٍ ليسَ بغبين وبصيرةٍ كالكوكبِ الثاقِب في الغَيْهَبِ الواقب وهمةٍ عليةِ المرقى قصيةِ المَرمى وعزَّةِ نفسٍ لا تستخذي للحملِ على الدَّنيه. وإن افترشت ذراعيها على صدرِها المنية. أن تُراقبَ عند مقارنةِ الرّيبةِ أقلَّ الناسِ وأدْونهم وأذل الخلقِ وأهونُهم. وأعجزهُم عنِ

стр. 157

التمرس بكَ وأبعدَهم عنِ التعرضِ لك وآمنهم جاشاً أن ينم بسرك أو يهُمَّ بهتكِ سترِك وإن كانَ صبيّاً في حدِّ الطفولةِ دارِجا أو مصاباً عن حيِّز التّمييزِ خارجاً ما بكَ إلا الحياءُ والتشوُّرُ من محضرِه. واسِتقباحُ مُواقعةِ المحظورِ أمامَ نظرِه فأنتَ تبالغُ في الاحتجابِ منهُ والاحتجاز ولا تبالغُ في الاحتراسِ والاحتراز ولا تألو مبالاةً بتظنّيهِ أن يتسلقَ إلى عوارِك ومحاذرةً من حدسهِ أن يتجانفَ للاطّلاعِ على شوارِك ثمَّ لا تراقبُ اللهَ ومعقبّاته. وما أعد للمجرمينَ من مُعاقباته. أليسَ الملكُ الحافظُ أحق يتحفظِك والملكانِ الحفيظان لتنفسِك وتلفظِك. وهَبْ أنَّ أحداً من الملائكةِ والثَقلَيَن لا يراك وأنَّ اللهَ قد

стр. 158

غطاكَ منهمّ بسترهِ ووراك. أليسَ هوَ وحدهَ أجلَّ منَ الخلائقِ وأعلى. واخلقَ بأن يُستحيْي منهُ وأوْلى ما كل ما خلقَ إلَّا حَفنةُُ مَن حفنَاته وأرزاقهُم في أصغرِ جفنةٍ مِن جَفناته. فمَن هٌم إن تبصرتَ يا غافلُ جلالتَهُ التّي البصائرُ دوُنها حيرَى. وكبرياءهُ التّي الأذهانُ عن كنُنها حَسرى ويحَك أيها الخاسِرُ الباِئر. الذي انقضت ظهرَهُ الكبائر تُب إليه ولا تٌبال إلَّا به وبعظمةِ شانه. ولا تهب إلا عزَّتهُ وجلالَة سلطانه فهو الكبيرُ وما خلاهُ إليهِ حقير. وهوَ الغني وكلهم إليه فقير. إذا كنتَ فَرداً لا بمرأى ومَسمَع ... منَ الناسِ فاحذرْ منشئُ السمعِ والبصرْ.

стр. 159

ولا ترتكب ما لو دارهُ ابنُ آدمٍ ... لبَرقعَ خَديِّكَ التشوُّرُ والخفرْ. مساويكَ تُخفيها حِذاراً منَ الوَرَى ... أليسَ إلهُ الخلقِ أخلقَ بالحذَرْ. بلى فَتَصَوَّن في خَلائكَ فوقَ ما ... تصوَّنتَ قدماً بينَ ظهراني البشَرْ. وكنْ رجلاً ما سَرَّ ما هوَ مُعلنٌ ... منَ الخيرِ إلا دونَ ما سَرَّ ما اسَرْ. فما قصبات المخلصينَ مُحوزةٌ ... بمثلِ خفيّاتٍ يُصغِّرنَ ما ظهَرْ. مقامة الموت يا أبا القاسم لقد صحبتَ طويلاً رِجالاتِ قَومِك. وكأنّك رأيتَ خيالاتٍ في نومِك تلقطهُم أيدي المَنونِ

стр. 160

فُرادى ومَثنى وكأنّهم لم يتديروا داراً ولم يغْنوا بمغنى خرِبَت أعمارُهم بعدَما عمِروا عُمّارا. وأصبحوا أسماراً بعدَما كانوا سُمارا. أينَ جَدُّكَ بعدما حَلَبَ أشطُرَ الزَّمان. وجمَعَ هُنيدَة نصرِ بنِ دَهمان وكلُّ من نُفِّسَ لهُ وعُمِّر أدركهُ سِنانُ

стр. 161

الموتِ فدُمِّر لا فصلَ إذا احتُضر بينهُ وبينَ منِ اختُضر سيانَ عندَ الموتِ شيخُ القومِ وشرْخُها وشكلانِ عندَهُ قشعَمُ الطيرِ وفرخُها لا يتخطى مُحدِّثاً ليعرِّج على مُعمر.

стр. 162

ولا يحترِمُ مُحدثاً فيخترِمَ دونهُ المُغمر بل يسوقُهُما بسوطٍ واحدٍ إلى مدى ويسبقُ بهما معاً إلى قصبةِ الرَّدى كأنكَ لم تتقلب في حجرهِ تقلباُ ولم تتخذ منكبِهُ مركَبا. ولا عُهدتَ على لبانهِ تلعَب. ولا شُهِدْت أمامهُ تلعب ولا اتفقَ لكَ إلى مجلسهِ روَاحٌ ولا غُدُو. ولا بينَ يديهِ للاستفادةِ جُثُو. وأينَ مَنِ انتُضيتَ مِن صُلبه ثمَّ أغمدكَ الهوى في قلبه فكنُتَ أخَصَّ بِفؤاده منْ سوَاده لِفرط مقته لكَ وَوداده أباكَ وأبي إلا كُلَّ خير لكَ وفيك. وَرَبّاكَ وحَبَاكَ ما قَدَرَ عليه منْ مَبَاغيك ورشْحكَ لِما أصْلحَكَ ترشيحاً ورقّحَ لكَ ما عِشتَ به تَرْقيحاً. ونَقّحَ عُودَكَ منَ العُقَد تنَقيحاً ولقّحَ ذهنك بالعلِم والأدب تَلقيحاً. اختلسَهُ الحِمامُ قبلَ أنْ يُخلِسَ عارضُهْ

стр. 163

وهُيِّجَ قبلَ أن يَهيجَ بأرضُهْ وأينَ منْ عشيرِتَكَ كُل مُعَمِّ مُخوَلْ قُلّبٍ حُوَّلْ مخِلَطٍ مِزْيَلْ. مُبرِمٍ نَقّاضٍ عندَ مزاولةِ الخطوبِ خَفّاقِ القَدَمِ إذا سعى في كشفِ الكُروبْ. ليَنِ العِطفِ للِخُلصانِ مِنَ الخُلانْ أشوَسِ الطّرْفِ على أولي المقتِ والشنَئانْ مَزُورِ البيتِ غيرِ زَوَّارْ مُزْوَرٍ عن الفحشاءِ عَف الإزَارْ تَقَدَّمُوكَ فُرَّاطاً إلى وِرْدٍ لا يَصْدُرُ عنهُ وَارِدهْ

стр. 164

ولا يرُش الأكبادَ بارِدُهْ. منْ وَرَدَهُ يبِسَ منَ الغُلّةِ بليَلُه ويَئِسَ منَ البِلّةِ غلّيلُه. ما هوَ إلا العطشُ القاتلُ دونَ الريَ وإنْ تطايرَ إليهِ الوُرَّادُ كالقَطا الكُدْريْ. وهَا أنتَ لأعقابِهِم وَاطْ وعَلى آثارِهِمْ خَاطْ وَكأنْ قدْ لحِقتَ بِهِمْ فألقيتَ رِشاءَكَ مع أرْشيِتهِمْ ومَلأتَ سِقاءَكَ مَعَ أسقَيتهِمْ. مقامة الفرقان يا أبا القاسم اجعَلْ كتابَ اللهِ نَجيّكَ فَنِعمَ النّجِي. وإنّكَ لَحَريٌ بمُناجاتِهِ حَجي. إنْ شئِتَ أنْ يُخاصرِكَ إلى مَنجاتك فلا يَخلُونَّ ساعةً مِنْ مُناجاتِك وهوَ حبلُ اللهِ المتينْ وصرِاطُهُ المُستبينْ بهِ أحيَى رُسُومَ الشّرْعِ الطّامِسَه وجَلّى ظُلُماتِ الشِّركِ الدّامسة نُورٌ مُستَصْبَحٌ بهِ في ليالي الشّكْ سيفٌ سَقّاطٌ وراءَ ضرائِبِ الشِّركْ جَبَلٌ يَعصمُ مَن اعتصمَ بمعاقِلهِ وَيَقصِمُ ظَهرَ العادلِ عنهُ بجنادلِهِ. بحرٌ لُجِيٌ لا تزلُ تزْخَرُ لُجَجُه. ذُو عُبابٍ يُرّوِّعُ التِطامُهُ وتموجُه لا يبلُغُ

стр. 165

عابرٌ عَبرَه. ولا غائِصٌ قعرَه عَذْبٌ فُرَاتٌ إلا أنّه مُليءَ بكُلِّ لُؤلُؤةٍ يتيمَة قذّافٌ لِكُلِّ جَوْهَرَةٍ كَرِيَمهْ. أينَ مِنها ما غَالى بهِ الأكاسِرَةُ منَ الفرائدْ. وما رَصَّعُوا بهِ تيجانَهُم مِنْ وسائطِ القلائِدْ. كُلُّ دُرَّةٍ في تقاصيرِ بناتِ القصورْ مُقرِةٌ بالتقصيرِ عنها والقصورْ. إنْ عُدَّتْ عجائبُ البحارِ لم تُعَدَّ عجائُبه وإنْ حُدَّتْ غرائبُ الأسمارِ لم تُحدَّ غرائُبهْ كُلّما ذهبتَ بفكرِكَ في بلاغتهِ التي حَصِرتْ دونَها البُلغاءْ حتى سَخَرتْ مِنْ فَصَاحتهم البَبغاءْ ونَظَرْتَ في سَلامَةِ سَبكِهِ المستغرَبْ. وسلاسَةِ مائهِ المُستعذَبْ. ورَصانَةِ نظمهِ المُرَصَّفْ ومتانَةِ نسجِهِ المُفَوَّفْ. وغرابَة كنايِتهِ ومجازِهْ ونَدْرَةِ

стр. 166

إشباعهِ وإيجَازهِ وروْعَةِ إظهارِهِ وإضْمارِهْ

стр. 167

وبَهجَةِ َحْذْفِهِ وتكرَارِهْ. وإصابَةِ تعريفِهِ وتنكيرِهْ وإفادَةَ تقديمهِ وتأخيرِهْ ودلالةِ إيضاحِهِ وتصرِيحهْ. ودقّةِ تعريضه وتَلِويحِهِ وطُلاوَةِ مبَاديِهِ ومقَاطِعِهِ وفصولِهِ ووصولِه وما تِناصَرَ فيهِ من فروعِ البيان وأصولِهْ. إرْتَدَّ فَهمُكَ وغرَارُ كَهَام ومِدّرَارُهُ جهامْ. حَيرَةً في أسلوبِهِ الذي يكادُ يسلُب بُحسنِهِ العاقِلَ فِطنَتَهُ وهوَ يزيدُهُ فِطنَهْ. وافتنانِهِ الذي يكادُ يفتنُ الناظرَ فيهِ وهوَ

стр. 168

يميطُ عنهُ الفتنَهْ. لم يمشِ إليكَ وعدُهُ المرَغّبْ إلا واطِئاً عِقبَهُ وَعِيدُهُ المُرهّبْ قدْ شُفِعَ هذَا بذَاكَ إرَادَة تنشيطِكَ لِكسبِ ما يُزْلِفْ. وتَثبيطِكَ عنِ اكتِسابِ ما يُتلِفْ مَعَ اقْتصاصِ ما أجْرَى إليهِ عُصاةُ القُرُونْ وما جَرَى عليْهِم منْ فظائِعِ الشؤُونْ ومَا رَكبَ أعْدَاءُ اللهِ منْ أوْليائِهْ. غَيْرَ مُكْترِثينَ لِعُتُوِّهمْ بكبرِيِائِهْ. رَدَعوهُمْ عنِ المناكيرْ فَقَطّعُوهُمْ بالمنَاشيرْ وَدَعَوهُمْ إلى أعْمالِ الأبْرَارْ فعرَضُوهُمْ على السّيفِ وحَرَّقُوهُمْ بالنارْ ثمَّ اصْطَبِرُوا لِوَجْهِ اللهِ وثبتُوا ومَا اسْتكانُوا لهُمْ ولا أخْبَتُوا حَتّى اشترَوُا النعيمَ الخالِدَ في جَنّاتِ عَدْنْ بِبؤْسٍ وَطنّوا عليهِ أنْفُسَهُمْ طَرْفةَ عَيْنْ لِيُريَكَ سُوءَ مُنْقَلَبِ المُعْتَديِنْ وَيُبَصِّرَكَ حُسْنَ عَوَاقبِ المُهتدينْ فحادثْ لسانَكَ بدراستِهِ حتى تَرِقَّ عذَبَتُهْ وَمَرِّنْهُ على تلاوَتَهِ حتى لا تَطُوعَ لغَيْرِهِ أسلَتُهْ وَتَعَمّدهُ بِمَتْلُوِّهِ مِنَ اللسُنِ ما سَاعَدَتْكَ عليهِ المُكْنَهْ وتَرَفَعْ لهُ بمَخارِجِ الحُرُوفِ عنِ

стр. 169

ارْتِضاخِ اللكْنَةْ وَاقْرَأْهُ مُرَتّلاً كالتّرْتيلِ في بعْضِ الأسْنانْ والتّفْليِجِ في نَوْرِ الأُقحُوَانْ وَاجْتَنَبْ ما لا يُؤْمَنُ في الهِذّ والهَذْرَمَهْ. مِنَ اللّحْنِ وَالحَضْرَمَه وْاجْتَهِدْ أنْ لا تَقْرَأ إلا وضَمِيرُكَ مُقاوِدٌ للِسانِكْ وَتَبَينُكَ مُساوِقٌ لِبَيانِكْ لا تَمُرَّ على جُمْلَةٍ إلا عاقِداً بمِعْناها تأملَكَ وتَفَكُّرَكْ عاكِفاً على مُؤَادَّها تَفَهُمَكَ وتَبَصُرَكْ. مُجِيلاً في حقيقتِها بَصيرَتَكَ ونظرَكْ. مُمْتاحاً منها مَواعِظَكَ وَعِبَرَكْ وإلا كانَتْ قِراءتُكَ رَاعِدَةَ صَلِفَةً لَيْسَ لهَا دَرَرْ وَصَدَفَةً فارِغةً ما في جَوْفِها دُرَرْ. وَأكْرِمْ نَجيّكَ هذَا فإنّهُ كَرِيمٌ يَسْتوْجِب غايةَ الإكرَامْ وعظيمٌ يَسْتدْعِي قُصارَى الإعظامْ. فلا تَمَسّ لَهُ إلا على

стр. 170

طُهْرِكَ مَسْطُورَاً وَاحْتَطْ أنْ لا تَفْرُقَ بين أنْ يكونَ مَكشوفاً أوْ مستوراً واحفَظْ فيهِ حَقَّ مَنْ إلَيْهِ انتِمَاؤُهْ وَإلى اسْمِهِ إضافَتُهُ تَبَاركَتْ أسْماؤُهء. مقامة النهي عن الهوى يا أبا القاسم إنَّ الذي خَلقكَ فَسَوَّاكْ رَكّبَ فيكَ عقْلكَ وهوَاكْ وهُما في سُبُلِ الخيرِ والشَرِّ دَليلاكْ، وفي مراحِلِ الرُشْدِ وَالْغِيِّ نَزِيلاكْ. أحَدُهُما بَصيرٌ عالِمٌ يَسْلُكُ بِكَ في الْبَرْدَيْنِ المَحَجّةَ البَيْضاءَ وَيَرِدُ بِكَ زُرْقَ المنَاهِلْ

стр. 171

والآخَرُ أعمَى جاهِلٌ يخبِطُ بِكَ فيِ بَيضةِ الهَاجِرَةِ البيِدَ ذَاتَ المَعاطِشِ والمجَاهِلْ فأي دَلِيليَكَ امهَرُ بِالدَّلالَةِ وَأحذَقْ وَأيهُما أجْدَرُ بِأنْ يُتَبعَ وَأخْلَقْ أمَنْ تَفُوزُ منْهُ بِالهدَايةِ وَحُسْنِ الدَّلالَةْ أمْ مَنْ يُفَوِّزُ بكَ في تيهِ الغَيِّ وَالضَّلالَةْ تَعَلّمْ أنّهُ ليَسَ منَ العدلْ أنْ تَسْتَحِبَّ الهَوى على العَقْلْ إنَّ جانِبَ العقْلِ أبَيضُ كَطُرَّةِ الفَلقْ وَجِهَةَ الهَوَى سَودَاءُ كجُدَّةِ الغَسَقْ إنِ اتّجَهَ لكَ أمْرٌ فَعَرَضتَهُ على نفسِكَ فانظُرْ أيُهما إلَيْهِ المائِلْ. ولَهُ القابِلْ فإن كانَ العقلَ فأحرِبِهِ أنْ تَلْنَزِمَهُ الْتِزَامَ

стр. 172

الصَّب وَتَعتلِقَهْ وأن تجعَلَ يَدَيْكَ لَهُ وِشَاحاً وتعتنِقَهْ. وَأنْ لا تخَلّى عَنهُ وإن اشْتَجرَتْ دُونَهُ الرِّماحْ واخْتُرِطَتْ بَيْنَكَ وبيَنهُ الصِّفَاحْ. واعترضَ الموتُ الذُّعافْ. وجاءَ كُلُّ ما تَكرَهُ وَتَعافُ. وَإنْ كانَ الهَوَى فَفِرَّ منهُ فِرَارَكَ منَ الأسَدْ. واحذَرْهُ حِذَارَكَ مِنَ الأسْوَدْ وإنْ رَأيْتَهُ بكُلِّ ما يَسُركَ مَصْحُوباً. وَكُلِّ ما تتمنّاهُ إليه مَجْنُوناً وَإنْ كانَ الأمْرُ بَينَ بَينَ فَتَبَيّنْ وتثّبتْ وَاسْتَعْمِلِ الأنَاةَ وَالتؤَدَةْ وَشاوِرْ مَنِ

стр. 173

اسْتَنْصَحْتَ منْهُمُ الجُيُوبَ والأفْئِدَةْ. وَعَرَفْتَ أنّهُمْ مِمّنْ يُوصِي بِالْحَقَ وَيُومِيِ إلى الصِّدْقِ. فإنْ طَلَعَ مِنْ كِنانَتِهِمْ سَهْمٌ صائبْ وَأضاءَ لَهُمْ رَأيٌ ثاقِبْ فَذَاكَ وإلا فاتّقِ النّفْعَ الذّي يَلُوحُ لَكَ مِنْ جَيْبِهْ بضَررٍ تحسَبُهُ كميناً وَرَاءَ غيْبِهْ واعمَلْ على الإخلالِ بهِ وَتخْلِيتَهْ وَلا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِتَوَلِّيهِ ولا تَوْلِيَتِهْ وَكُنْ في تَقْوَاكَ كَسالِكِ طَريِقٍ شائِكٍ لا بُدَّ لَهُ مِنْ انْ يَتَوَقّى وَيَتَحَفّظْ وَيأخُذَ حِذْرَهُ وَيتيقّظْ. هَوَاكَ أعْمَى فلا تَجْعَلْهُ مُتّبَعاً ... لا يَعْتَسِفْ بِكَ عَن بَيْضاءَ مسلوكه.

стр. 174

اتْرُكْهُ وَامْشِ على آثارِ عقْلِكَ في ... محجّةِ مِثْلُها ليْستْ بِمْترُوكهْ. فالْعقْلُ هادٍ بصيِرٌ لا يَزيِغُ إلى ... بَصيرَةٍ عَن سَدَادِ الرَّأْيِ مأفُوكَهْ. وَمَنْ يَقُدْهُ هَوَاهُ في خزِامَتِهِ ... فَذَاكَ بَيْنَ ذَوِي الألْبابِ أُضْحُوكَه. مقامة التماسك يا أبا القاسم إنَّ رِدَاءَ الوَقارِ وَالحِلْمْ. أزْيَنُ ما تَعَطّفَ بهِ ذُو العِلْمْ فَتَحَلّمْ وتَوَقّرْ وإنْ لَمْ يُكُونا مِنْ جدائلكْ

стр. 175

وتَعَلّمْهُما إنْ عُدمِا في شَمائِلِكْ. أوَّلُ ما يُسْتَدَلُ بهِ على عَقْلِ الرَّجُلِ أنْ تَتَنَاسَبَ حَرَكاتُهُ وَسَكنَاتُهْ. وَأنْ تُحْمَد في مَوَاطِنِ الطيّشِ وَالنّزَقِ طُمَأْنينَتُهُ وَأناتُهْ. فبَاشِرْ أكْثَرَ الأمُورِ بِالتأَنّي والأوْنْ وإذا مَشَيْتَ على الأرْضِ فامْشِ باِلْهَوْنْ ولا تَكُنْ مُطَارَ القَلْبِ وَإنْ لُقِيْتَ بِمُبْهِجْ وَلا مَحْلُولَ الحبُوَةِ وإنْ رُمِيتَ بُمزْعِجْ، وكُنْ رَبِيطَ الجاشِ دُونَ الطّوَارِقِ وَلا تُهَلْ. وَتَلقّهَا بَيِّنَ التّماسُكِ وَلا تنهَلْ. رَزيناً لا تَحْمِلُكَ

стр. 176

خِيْفَةٌ على خِفّهْ. شَبِيه جَبَلٍ لا تَهُزُّ منَاكبَهُ رَجْفَهْ. الأرَيبُ لا يَحْمِلُ على رَقَبِتهِ رَأسَ نَزِقٍ طَيّاشْ. وَلا بَينَ جَنَبيهِ صَدْرَ حَنِقٍ كَمِرْجَلٍ جَيّاشْ. عَلَيْكَ بِالْكَظمْ وإنْ شُجِيْتَ بِالْعَظمْ إنْ هَفَا أخُوكَ فَعَاتِبْهُ بالإغْضاءْ. وإنْ أسْخَطَكَ فَعَاقِبْهُ بالإرضَاءْ وإنِ اسْتُطيرَ صاحُبكَ وثارَ ثائِرُهْ فَوَلِّهِ مِنْكَ ساكِناً طائِرُهْ إنَّ ضِرَامَ الغَضَبْ أشَد مِنْ ضِرَامِ اللهَبْ فَخَفْ على نفسِكَ ثَقُوبَ شهابِهْ. واتّقِ السّاطعَ مِنَ اتِقادِهِ والتْهابِهْ. وَلا تَزَلْ بشُواظِهِ حَتّى يَنْطفِي. وَبِضِرَامِهِ إلى أن يَنْتفِي. ولَنْ

стр. 177

يُطْفَأ بمِثْلِ حِلْمٍ يُرَاقُ على جَوَانِبِهْ. وَعَفْوٍ تُفْرَغُ سِجالهُ على ذَوائِبِهْ. مقامة الشهامة يا أبا القاسم ما ضَرَّك لَوْ أطعتَ ناهِيَ النَهى وَإنْ كان نَهيُهُ أمَرَّ مِنَ الصَّابْ. وَعَصَيت آمِرَ الهَوَى وَإنْ كانَ أمرُهُ أعذَبَ مِنْ ماء اللَّصَابْ. وَلَمْ تُبالِ بِتِلكَ البْشاعةِ والإمرَارْ لِمَا تَسْتحليهِ في المَغَبةِ من ثوابِ الأبرارْ. ولمْ تلتفتْ إلى هذهِ

стр. 178

اللذَّةِ والعُذُوبَةْ. لمَا أنتَ مُرْصَدٌ بهِ في العاقبةِ منَ العُقُوبَةْ اللبيبُ مَنْ لا يَنضوُ ثوبَ المراقبْ. ولا يدَعُ تدبُرَ العواقِبْ. وإلا فَهُوَ تبيعُ الجاهلِ في اغترارِهْ. وَرَسيلُهُ في خَلْعِ الرَّسَنْ واجتِرَارِهْ. لا فَضلَ بينهُما إلا أنَّ الجاهلَ رَبما مَهدَ جَهْلُهُ عُذْرَهْ. وَسهلَ عنْدَ الناسِ أمْرَهْ. وأمّا اللبيبُ فَمُمَزَّقُ الْفَرْوَةِ مُفَنّدْ. كُل لِسانٍ سَيْفٌ عليْهِ مهَنّدْ. معهُ ما يَكُفهُ وَيَقِفُهُ فلا يَكُف ولا يَقِفْ. ومَا يَصُدُّهُ وَيَصْدِفُهُ فلا يَصُدُّ وَلا يَصْدِفْ قَدْ أحاطَ بهِ الخذْلانْ وهُوَ مَرِحٌ جذلان اتّسَعَتْ شهوتُهُ حتى غطّتْ فطانَتَهُ وَلُبّهْ. وفاضَتْ حتّى غمرَتْ شهامَتَهُ

стр. 179

وَإرْبَهْ. إنْ كُنتَ يا هذا مِنْ أهْلِ التمْيِيزْ فَمَيزْ بينَ الخَبَثِ والإبرِيزْ واعْلَمْ أنهُما عَمَلانِ فَجيِّدٌ مُجْدٍ على صاحِبِهْ وَرَدِيٌ مُرْدٍ لِرَاكِبِهْ. وَإنما يختارُ ذُو اللبِّ ما يَمتارُ بهِ الجَدَا. ويَجْتَنِبُ ما يجْتَلبِ إليْهِ الرَّدَى. وَحاشا لمثلكَ أنْ يَتَوَلى مُثْلَتَهْ. وينحِتَ بفأسهِ أثْلتهْ. ويضرِبَ بلسانه سواءَ قذَالِهْ، وَعِرْضَهُ بِألْسِنَةِ عُذّالِهْ فلا تَحِدْ عَنْ مُر يُفْضي بكَ إلى ثوابْ بعَذْبٍ تفارقُهُ إلى عذابْ ولا تُشْبِهَنَّ في إيثَارِ زَهْرَةِ الدنْيا بأكلَةِ الخَضِرِ هجمتْ عليهِ فآنَقَهَا

стр. 180

ريِهُ وخُضرتُهُ. ومَلأ عيونَها زيُهُ وَنَضْرَتُهْ. وما يُشعِرُهَا أنهُ مسرَحٌ وَبِيءٌ وَكَلاءٌ وَبيلْ. فرمتْ فيهِ برُؤُسِها ضحَاءً لا تَنْتُرُهُ وَعِشَاءً لا تَبْترُهُ. حَتى إذَا امتلأتْ بطونُها وامتدت غضونُها شعرَتْ ولكن شعورٌ بعدَ لأيْ وَدَبَرِيٌ مِن رَأي. ولا خَيرَ في قضاءِ وطَر ايُشفي ابكَ اعلى خَطَر. مقامة الخمول يا أبا القاسم يا أسفي على ما أمضيْتَ من عُمُرِكْ فيِ طلبِ أن يُشادَ بذكركْ. وَيُشارَ إليْكَ بأصابعِ بَني عَصْرِكْ. عَنيتَ على ذلكَ طويلاً. فما أغَنيْتَ عنكَ فَتيلاً حَسبْتَ أنَّ
следующие страницы →